← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

أنفعُ للمَساكينِ مما ذهَب منه؛ إذ لا مَنفعةَ للفُقراءِ في ذلك، قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وبهذا قال الحَسنُ وعَطاءٌ والشَّعبيُّ والنَّخعيُّ ومالكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا (١). وقال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: وأجمَع الجُمهورُ على أنَّه لا بأسَ أنْ يُضحِّيَ بالخَصيِّ الأجَمِّ إذا كان سَمينًا. وهُم مع ذلك يَقولون: إنَّ الأقرَنَ الفَحلَ أفضلُ من الخَصيِّ الأجمِّ إلا أنْ يَكونَ الخَصيُّ الأجمُّ أسمنَ، فالأصلُ مع تَمامِ الخَلقِ السِّمنُ (٢). النَّوعُ الثاني: شَرائطُ تَرجعُ لِلمُضحِّي نَفسِه: يُشترَطُ في المُضحِّي لتَصحَّ أُضحيَّتُه أربَعةُ شُروطٍ: الشَّرطُ الأولُ: نيَّةُ التَّضحيةِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في المُضحِّي أنْ يَنويَ الأُضحيَّةَ فلا تُجزئُ الأُضحيَّةُ بدونِها؛ لأنَّ الذَّبحَ قد يَكونُ للَّحمٍ، وقد يَكونُ للقُربةِ، والفِعلُ لا يَقعُ قُربةً بدونِ النِّيةِ؛ قال النَّبيُّ ﷺ : «لا عَملَ لمَن لا نِيةَ له»، والمُرادُ منه عَملٌ هو قُربةٌ؛ وللقُربةِ جِهاتٌ من المُتعةِ والقِرانِ والإحصارِ وجَزاءِ الصَّيدِ وكَفارةِ الحَلقِ وغيرِها من المَحظوراتِ فلا تَتعيَّنُ

стр. 3187

الأُضحيَّةُ إلا بالنِّيةِ؛ وقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوى»، ويَكفيه أنْ يَنويَ بقَلبِه ولا يُشترَطُ أنْ يَقولَ بلِسانِه ما نَوى بقَلبِه، كما في الصَّلاةِ؛ لأنَّ النِّيةَ عَملُ القَلبِ، والذِّكرُ باللِّسانِ دَليلٌ عليها (١). الشَّرطُ الثاني: أنْ تَكونَ النِّيةُ مُقارِنةً للذَّبحِ أو مُقارِنةً للتَّعيُّنِ السابقِ عن الذَّبحِ: نصَّ العُلماءُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ تَكونَ النِيةُ مُقارِنةً للذَّبحِ في الأُضحيَّةِ. قال الحَنفيةُ: يُشترَطُ أنْ تَكونَ نِيةُ الأُضحيَّةِ مُقارِنةً للتَّضحيةِ كما في بابِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ النِّيةَ مُعتبَرةٌ في الأصلِ، فلا يَسقطُ اعتِبارُ القِرانِ إلا لضَرورةٍ، كما في بابِ الصَّومِ لتَعذرِ قِرانِ النِّيةِ لِوقتِ الشُّروعِ، لِما فيه من الحَرجِ (٢). وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: النِّيةُ شَرطٌ في التَّضحيةِ، وهل يَجوزُ تَقديمُها على الذَّبحِ أو يَجبُ أنْ تَكونَ مَقرونةً به؟ وَجهان: أصحُّهما الجَوازُ. ولو قال: جَعلتُ هذه الشاةَ ضَحيَّةً فهل يَكفيه التَّعيينُ والقَصدُ عن نِيةِ الذَّبحِ؟ وَجهان:

стр. 3188

أصحُّهما عندَ الأكثَرين: لا يَكفيه؛ لأنَّ التَّضحيةَ قُربةٌ في نَفسِها، فوَجبت النِّيةُ فيها، واختارَ الإمامُ والغَزاليُّ الاكتِفاءَ. ولو التزَم ضَحيَّةً في ذمَّتِه ثم عيَّن شاةً عما في ذِمتِه بُني على الخِلافِ في أنَّ المُعيَّنةَ هل تَتعيَّنُ عن المُطلقةِ في الذمَّةِ إنْ قُلنا: لا، فلا بدَّ من النِّيةِ عندَ الذَّبحِ، وإلا فعلى الوجهَين، ولو وكَّل ونَوى عندَ ذَبحِ الوَكيلِ كَفى ولا حاجةَ إلى نِيةِ الوَكيلِ، بل لو لم يَعلمْ أنَّه مُضحٍّ لم يَضرَّ. وإنْ نَوى عندَ الدَّفعِ إلى الوَكيلِ فقط فعلى الوجهَين في تَقديمِ النِّيةِ (١). وقال الزَّركَشيُّ ﵀: وقولُ الخِرقيِّ: لأنَّ النِّيةَ تُجزِئُ. إشعارٌ بأنَّه لا بدَّ من النِّيةِ، ولا إشكالَ أنَّها لا تَصيرُ أُضحيَّةً إلا بالنِّيةِ، بقِي: هل تَحتاجُ إلى تَجديدِ النِّيةِ عندَ الذَّبحِ؟ قال في التَّلخيصِ: إذا قال: جَعلتُ هذه أُضحيَّةً. أغناه عن تَجديدِ النِّيةِ عندَ الذَّبحِ، وكذا إذا نذَرها بعَينِها، بخِلافِ ما إذا نذَرها في ذمَّتِه ثم قال: جَعلتُها هذه. فإنَّه لا بدَّ أنْ يَنويَه وقتَ الذَّبحِ. قلتُ: وعلى هذا ففي المُتطوِّعِ به لا بدَّ أنْ يَنويَه عندَ الذَّبحِ (٢). هل شِراءُ الأُضحيَّةِ يَجعلُها واجبةً؟ اختلَف الفُقهاءُ فيمَن اشتَرى شاةً بنِيةِ الأُضحيَّةِ هل تَصيرُ أُضحيَّةً بالشِّراءِ ويَلزمُه أنْ يُضحِّيَ بها أو لا؟

стр. 3189

فذهَب الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ اشتَرى شاةً مثلًا ونَوى بها الأُضحيَّةَ أصبَحت واجبةً ويَلزمُه أنْ يُضحِّيَ بها؛ لأنَّ الشِّراءَ بنِيةِ الأُضحيَّةِ بمَنزلةِ النَّذرِ، فكأنَّه نذَر أنْ يُضحِّيَ بها. قال الإمامُ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ولا يَخفَى أنَّ الأُضحيَّةَ تَصيرُ واجبةً بالنَّذرِ، فلو قال كَلامًا نَفسيًّا: للهِ علَيَّ أنْ أُضحِّيَ بهذه الشاةِ ولم يَذكُر بلِسانِه شيئًا فاشتَرى شاةً بنيَّةِ الأُضحيَّةِ إنْ كان المُشتَري غَنيًّا لا تَصيرُ واجبةً باتِّفاقِ الرِّواياتِ، فله أنْ يَبيعَها ويَشتريَ غيرَها، وإنْ كان فَقيرًا ذكَر شَيخُ الإسلامِ خُواهَر زادَه في ظاهرِ الرِّوايةِ تَصيرُ واجبةً بنَفسِ الشِّراءِ، ورَوى الزَّعفَرانيُّ عن أصحابِنا: لا تَصيرُ واجبةً، وأشارَ إليه شَمسُ الأئمَّةِ السَّرخَسيُّ في شَرحِه، وإليه مالَ شَمسُ الأئمَّةِ الحَلوانيُّ في شَرحِه، وقال: إنَّه ظاهرُ الرِّوايةِ. ولو صرَّح بلِسانِه والمَسألةُ بحالِها تصَيرُ واجبةً بشِراءِ نيَّةِ الأُضحيَّةِ إنْ كان المُشتَري فَقيرًا. وفي «الخانيةِ»: اشتَرى شاةً للأُضحيَّةِ ثم باعَها واشتَرى أُخرى في أيامِ النَّحرِ فهذا على وُجوهٍ ثَلاثةٍ: الأولُ: اشتَرى شاةً يَنوي بها الأُضحيَّةَ لا تَصيرُ أُضحيَّةً ما لم يُوجِبْها بلِسانِه، وبه أخَذ أبو يُوسفَ وبعضُ المُتأخِّرين. وفي الكُبرى قال: إنْ فَعلتُ كذا فللهِ علَيَّ أنْ أُضحِّيَ، لا يَكونُ يَمينًا. رَجلٌ اشتَرى أُضحيَّةً وأوجَبها فَضلَّت ثم اشتَرى أُخرى فأوجَبها ثم

стр. 3190

وجَد الأُولى، إنْ كان أوجَب الثانيةَ بلِسانِه فعليه أنْ يُضحِّيَ بهما، وإنْ أوجَبها بَدلًا عن الأُولى فعليه أنْ يَذبحَ أيَّهما شاءَ، ولم يَفصلْ بينَ الفَقيرِ والغَنيِّ، وفي فَتاوي أهلِ سَمرقَندَ: الفَقيرُ إذا أوجَب شاةً على نَفسِه هل يَحلُّ له أنْ يَأكلَ منها؟ قال بَديعُ الدِّينِ: نَعمْ. وقال القاضي بُرهانُ الدِّينِ: لا يَحلُّ. وفي «فَتاوي أهلِ سَمرقَندَ»: الفَقيرُ إذا اشتَرى شاةً للأُضحيَّةِ فسُرقَتْ فاشتَرى مَكانَها ثم وجَد الأُولى فعليه أنْ يُضحِّيَ بهما، ولو ضلَّت فليس عليه أنْ يَشتريَ أُخرى مَكانَها، وإنْ كان غَنيًّا فعليه أنْ يَشتريَ أُخرى مَكانَها. وفي «الحاوي»: ولو اشتَرى شاةً ولم يُردْ أنْ يُضحِّيَ بها، بل للتِّجارةِ ثم نَوى أنْ يُضحِّيَ بها ومَضى أيامُ النَّحرِ لا يَجبُ عليه أنْ يَتصدقَ بها (١). وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في قَولٍ -كما تَقدَّم- والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يُوجِبُها إلا القولُ، أي: بالنَّذرِ، ولا تَجبُ بالشِّراءِ أو التَّسميةِ. قال المالِكيةُ: الأُضحيَّةُ إنَّما تَجبُ بأحدِ شَيئَين، إمَّا بالنَّذرِ كما عندَ القاضي إسماعيلَ بأنْ يَقولَ: نَذرتُ للهِ هذه الأُضحيَّةَ، أو للهِ علَيَّ أنْ أُضحِّيَ

стр. 3191

بهذه الشاةِ مثلًا، وإمَّا بالذَّبحِ كما عندَ ابنِ رُشدٍ، قال: ولا تَتعيَّنُ عندَ مالكٍ إلا بالذَّبحِ. ولا تَتعيَّنُ بالتَّسميةِ ولا بالشِّراءِ، لكنَّ كَونَها تَجبُ بالنَّذرِ خِلافُ المَشهورِ، والمَشهورُ أنَّها لا تَجبُ إلا بالذَّبحِ، فيما يُذبَحُ، أو النَّحرِ فيما يُنحَرُ. وقال الشَّيخُ بَهرامُ الدَّميريُّ ﵀: قولُه: (وإنَّما تَجبُ بالنَّذرِ والذَّبحِ) لتَعيينِ الأُضحيَّةِ خَمسةُ أسبابٍ: النَّذرُ، والذَّبحُ، والإيجابُ، والتَّسميةُ، والشِّراءُ، قال في الذَّخيرةِ: والمَشهورُ أنَّها لا تَتعيَّنُ إلا بالأوَّليْن كما أشارَ إليه هنا، وفي الجَواهرِ: إذا قال: جَعلتُ هذه أُضحيَّةً تَعيَّنت، قال: وعن مالكٍ في العُتبيَّةِ: إذا سمَّى أُضحيَّتَه فلا يَجُزَّها؛ لأنَّه يَنقصُها، وقال ابنُ رُشدٍ: لا تَجبُ عندَ مالكٍ بالتَّسميةِ، وحَكى في المُقدِّماتِ عن العُتبيَّةِ: إنَّها تَجبُ بالتَّسميةِ إذا قال: هذه أُضحيَّتي، قال في البَيانِ: وقال إسماعيلُ القاضي: إذا قال: أوجَبتُها أُضحيَّةً تَعيَّنت، قال: وهو بَعيدٌ، ولا تَتعيَّنُ عندَ مالكٍ إلا بالذَّبحِ، وليس مُرادُه هنا بالنَّذرِ والذَّبحِ أنَّهما معًا شَرطٌ في الوُجوبِ، وإنَّما المُرادُ أنَّ كلَّ واحدٍ من الأمرَين كافٍ في ذلك، ولهذا لو عطَفه ب (أوْ) لَكانَ أحسنَ (١). وقال الإمامُ العَمرانيُّ ﵀: إذا اشتَرى شاةً بنيَّةِ أنَّها أُضحيَّةٌ ملَكها بالشِّراءِ، ولم تَصرْ أُضحيَّةً.

стр. 3192

وقال مالكٌ وأبو حَنيفةَ: (تَصيرُ أُضحيَّةً بذلك). دَليلُنا: أنَّ عَقدَ البَيعِ يُوجِبُ المِلكَ، وجَعلُها أُضحيَّةً يُزيلُ المِلكَ، والشَّيءُ الواحِدُ لا يُوجِبُ المِلكَ وزَوالَه في وقتٍ واحدٍ معًا، كما لو اشتَرى شيئًا بنيَّةِ وَقفِه أو اشتَرى عَبدًا بنيَّةِ عِتقِه. إذا ثبَت هذا: فأرادَ أنْ يَجعلَها أُضحيَّةً فهل يَفتقِرُ إلى القولِ؟ فيه قَولان: الأولُ: قالَ في الجَديدِ: (لا تَصيرُ أُضحيَّةً إلا بالقولِ) وهو أنْ يَقولَ: هذه أُضحيَّةٌ، أو جَعلتُها أُضحيَّةً؛ لأنَّه إزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فافتقَر إلى القولِ، كالوَقفِ والعِتقِ. والثاني: قالَ في القَديمِ: (إذا نَوى أنَّها أُضحيَّةٌ صارَت أُضحيَّةً)؛ ل: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ قلَّد بُدنَه وأشعَرها). ولم يُنقلْ أنَّه قال: إنَّها هَديٌ. والأَولُ أصحُّ؛ لأنَّه يَحتملُ أنْ يَكونَ النَّبيُّ ﷺ مُتطوِّعًا بها، ولم يَنذِرْها، فلذلك لم يَنطِقْ، أو يَجوزُ أنْ يَكونَ قد أوجَبها لَفظًا، ولم يَنقُلْه الرَّاوي، أو لم يَسمَعْه أحدٌ. فإذا قُلنا بقولِه الجَديدِ فلا كَلامَ. وإنْ قُلنا بالقَديمِ: وأنَّها تَصيرُ أُضحيَّةً أو هَديًا بالنِّيةِ ففيه ثَلاثةُ أوجُهٍ: أحدُها: تَصيرُ هَديًا أو أُضحيَّةً بالنِّيةِ لا غيرُ، كالصَّومِ. والثاني: لا تَصيرُ حتى يُضافَ إلى النِّيةِ التَّقليدُ أو الإشعارُ -وهو المَنصوصُ في القَديمِ- ليُوجدَ منه الأمران: الظاهرُ والباطنُ.

стр. 3193

والثالِثُ: أنَّها لا تَصيرُ هَديًا أو أُضحيَّةً إلا بالنِّيةِ والذَّبحِ. إذا تَقرَّر هذا: وتَعيَّنت الأُضحيَّةُ، زالَ مِلكُه عنها، ولم يَجزْ له إبدالُها بغيرِها. وقال أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: (له إبدالُها بغيرِها) وقد مَضى ذِكرُه في (الهَديِ). فإنْ باعَها فالبَيعُ باطِلٌ، وإنْ قبَضها المُشتَري وتَلِفت في يَدِه وجَب على البائعِ الضَّمانُ، فإنْ ضمِنها البائعُ ضمِنها بأكثرِ الأمرَين من قيمَتِها، أو هَديٍ مِثلِها، وله أنْ يَرجعَ على المُشتَري بقَدرِ قيمَتِها لا غيرُ، وإنْ ذبَحها المُشتَري قبلَ وقتِ الذَّبحِ لزِمه ما نقَص من قيمَتِها للبائعِ، ويَكونُ على البائعِ إكمالُ ما يَشتري به مِثلَها؛ لأنَّه كان السَّببَ لها في يَدِ المُشتَري، وإنْ ذبَحها وقتَ الذَّبحِ أجزَأت عن البائعِ؛ لأنَّها مُستحِقةٌ للذَّبحِ، وهل يَضمَنُ المُشتَري ما نقَص من قيمَتِها؟ فيه وَجهان، حَكاهما الطَّبريُّ في «العُدَّةِ»: أحدُهما: يَضمَنُ؛ لأنَّه لم يَملِكْها. والثاني: لا يَضمنُ؛ لأنَّه بالبَيعِ صارَ كأنَّه سلَّطه على ذَبحِها. وهُما بِناءً على القولَين في السيِّدِ إذا باع نُجومَ المُكاتبِ، وقُلنا: لا يَصحُّ، وقبَضها المُشتَري هل يُعتَقُ؟ فيه قَولان (١). وقال الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا في إيجابِ الأُضحيَّةِ بأيِّ شيءٍ يَقعُ.

стр. 3194

فقال أبو حَنيفةَ: إذا نَوى شِراءَها للأُضحيَّةِ فهو إيجابُها. وقال مالكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: لا يُوجِبُها إلا القولُ (١). إذا ذبَح أُضحيَّةَ غيرِه بغيرِ إذنِه ونَواه بها: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ من عيَّن أُضحيَّةً فذبَحها غيرُه بغيرِ إذْنِه. فذهَب الحَنفيةُ في الاستِحسانِ خِلافًا لزُفرَ والحَنابلةُ إلى أنَّها تُجزِئُ عن صاحِبِها ولا ضَمانَ على الذابِحِ، قال الحَنابلةُ: لأنَّه فِعلٌ لا يَفتقِرُ إلى نِيةٍ، فإذا فعَله فاعِلٌ بغيرِ إذنِ المُضحِّي أجزَأ عن المُضحِّي، كغَسلِ ثَوبِه من النَّجاسةِ. وأمَّا الحَنفيةُ فقالُوا: إنَّه لمَّا اشتَراها للذَّبحِ وعيَّنها لذلك فإذا ذبَحها غيرُه فقد حصَل غَرضُه وأسقَط عنه مُؤنةَ الذَّبحِ؛ لأنَّها تَعيَّنت للذَّبحِ لتَعينِها للأُضحيَّةِ حتى وجَب عليه أنْ يُضحِّيَ بها بعَينِها فصارَ مُستَعينًا بكلِّ مَنْ كان أهلًا للذَّبحِ على ذَبحِها؛ إذنًا له دِلالةً؛ لأنَّه ربَّما يَعجِزُ عن إقامَتِها لعارِضٍ يَعرِضُ له، فصارَ كما إذا ذبَح شاةً شدَّ القَصابُ رِجلَها ليَذبحَها، واستدَلُّوا على عَدمِ الضَّمانِ على الذابِحِ بأنَّها أُضحيَّةٌ أجزَأت عن صاحبِها، ووقَعت مَوقعَها، فلَم يَضمنْ ذابِحُها، كما لو كان بإذْنٍ. ولأنَّها إراقةُ دَمٍ تَعيَّنت إراقَتُه لِحقِّ اللهِ تَعالى، فلَم يَضمَنْ مُريقُه، كقاتِلِ المُرتدِّ بغيرِ إذْنِ الإمامِ (٢).

стр. 3195

وقال مالكٌ ﵀: إنْ كانت واجبةً أجزَأت عن صاحِبِها، واختلَفَ أصحابُه هل يَغرمُ الذابحُ النُّقصانَ بالذَّبحِ أو لا؟ وإنْ كانت غيرَ واجبةٍ فهل تُجزِئُ عن صاحبِها أو لا؟ وهل يَضمنُها؟ على رِوايَتيْن. قال ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: وقد اختُلِف عن مالكٍ وأصحابِه فيمَن نُحِرت أُضحيَّتُه بغيرِ إذْنِه ولا أمْرِه، فرُويَ عنه أنَّها لا تُجزِئُ عن الذابحِ، وسَواءٌ نَوى ذَبحَها عن نَفسِه أو عن صاحبِها، وعلى الذابِحِ ضَمانُها، ورُوي عنه أنَّ الذابحَ لها إذا كان مثلَ الوَلدِ، أو بعضِ العيالِ فإنَّها تُجزِئُ. وقال ابنُ القاسِمِ: إنْ كان مثلَ الوَلدِ وعيالِه الذين إنَّما ذَبحوها ليَكفوه مُؤنتَها، فأرى ذلك مُجزِئًا عنه، وإنْ كان على غيرِ ذلك لم يُجزِئْ، هذا هو المَشهورُ عن مالكٍ في المَذهبِ (١). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا هل تَجوزُ الأُضحيَّةُ إنْ ذبَحَها غيرُه بغيرِ إذْنِه؟ فقيل: لا تَجوزُ، وقيل بالفَرقِ بينَ أنْ يَكونَ صَديقًا أو وَلدًا أو أجنبيًّا، أعني أنَّه يَجوزُ إنْ كان صَديقًا أو وَلدًا ولم يَختلِفِ المَذهبُ فيما أحسَبُ أنَّه إنْ كان أجنَبيًّا أنَّها لا تَجوزُ (٢). وذهَب الشافِعيةُ إلى أنَّ مَنْ ذبَح أُضحيَّةَ غيرِه بغيرِ أمرِه ذَبحُها يُجزِئُ عن قُربةِ صاحِبِها، يَسلكُ بها بعدَه مَسلكَ الضَّحايا، ويَكونُ الذابحُ ضامِنًا

стр. 3196

لنُقصانِ ذَبحِها؛ لأنَّ مَقصودَ الأُضحيَّةِ إيجابُها في حقِّ المالكِ، وتَفرقتُها في حقِّ المَساكينِ، والذَّبحُ تَبعٌ لهما يُتوصَّلُ به إلى المَقصودِ في حقِّ كلِّ واحدٍ منهما، وقد وُجد المَقصودُ أنْ يَذبحَ الغيرُ، فلم يَمنعْ من الإجزاءِ، ولأنَّ الذَّبحَ لا يَفتقِرُ إلى نِيةٍ وقَصدٍ؛ لأنَّه لو ذبَحها المالكُ سَهوًا أجزأت كذلك إذا ذبَحها غيرُه عندَ عَدمِ قَصدِه، وفي هذَين انفِصالٌ. فعلى هذا يأخُذُ صاحِبُ الأُضحيَّةِ لَحمَها ويُفرِّقُه؛ لأنَّه مُستحَقُّ الصَّرفِ إلى هذه الجِهةِ فلا يُشترَطُ فِعلُه كردِّ الوَديعةِ. وعلى هذا يَضمَنُ الذابِحُ أرشَ ما نقَص بالذَّبحِ على الصَّحيحِ، وهو ما بينَ قيمَتِه حيًّا وقيمَتِه مَذبوحًا؛ لأنَّ إراقةَ الدَّمِ مَقصودةٌ وقد فوَّتها، فصار كما لو شدَّ قوائمَ شاتِه ليَذبحَها، فجاء آخَرُ فذبَحها بغيرِ إذنِه، فإنَّه يَلزمُه أرشُ النَّقصِ. وقال الماوَرديُّ: عندي أنَّه إذا ذبَحها، وفي الوقتِ سَعةٌ، لزِمه الأرشُ، وإنْ لم يَبقَ إلا ما يَسعُ ذَبحَها فذبَحها، فلا أرشَ، لتَعينِ الوقتِ. وفي وَجهٍ لا يَضمنُ شيئًا؛ لأنَّه لم يُفوِّت مَقصودًا، بل خفَّف مُؤنةَ الذَّبحِ. هذا كلُّه إذا ذبَح الأجنبيُّ واللَّحمُ باقٍ، فإنْ أكلَه أو فرَّقه في مَصارفِ الضَّحيَّةِ، وتَعذَّر استِردادُه، فهو كالإتلافِ بغيرِ ذَبحٍ؛ لأنَّ تَعيينَ المَصروفِ إليه إلى المُضحِّي، فعليه الضَّمانُ، والمالكُ يَشتَري بما يَأخذُه أُضحيَّةً. وفي وَجهٍ: تَقعُ التَّفرِقةُ عن المالكِ، كالذَّبحِ. والصَّحيحُ: الأوَّلُ.

стр. 3197

وفي الضَّمانِ الواجبِ قَولان: المَشهورُ، واختيارُ الجُمهورِ: أنَّه يَضمنُ قِيمتَها عندَ الذَّبحِ، كما لو أتلَفها بلا ذَبحٍ. والثاني: يَضمنُ الأكثرَ من قِيمتِها وقيمةِ اللَّحمِ (١). الخَطأُ في ذَبحِ الأُضحيَّةِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ ما لو أخطأ الذابِحُ فذبَح أضحيَّةَ غيرِه أو غلِط رَجلان فذبَح كلُّ واحدٍ منهما أُضحيَّةَ غيرِه هل تُجزِئُ أو لا تُجزِئُ؟ فذهَب الحَنفيةُ في الاستِحسانِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرَّجلَين إذا غلِطا فذبَح كلُّ واحدٍ منهما أُضحيَّةَ الآخرَ أجزَأَ عنهُما، ويَأخذُ كلُّ واحدٍ منهُما ذَبيحتَه من صاحبِه ولا يَضمَنُه؛ لأنَّه وَكيلُه دِلالةً. وهذا استِحسانٌ عندَ الحَنفيةِ، وأصلُ هذا أنَّ مَنْ ذبَح أُضحيَّةَ غيرِه بغيرِ إذنِه لا يَحلُّ له ذلك، وهو ضامِنٌ لقِيمتِها، ولا يُجزِئُه عن الأُضحيَّةِ في القياسِ، وهو قولُ زُفرَ. وفي الاستِحسانِ يَجوزُ، ولا ضَمانَ على الذابِحِ، ووَجهُه أنَّها تَعيَّنت للذَّبحِ لتَعينِها للأُضحيَّةِ، حتى وجَب عليه أنْ يُضحِّيَ بها بعَينِها في أيَّامِ النَّحرِ، ويُكرهُ أنْ يُبدِّلَ بها غيرَها، فصارَ المالكُ مُستعينًا بكلِّ مَنْ يَكونُ أهلًا للذَّبحِ آذِنًا له دَلالةً؛ لأنَّها تَفوتُ بمُضيِّ هذه الأيامِ وعساه يَعجِزُ عن إقامَتِها بعَوارضَ، فصارَ كما إذا ذبَح شاةً شدَّ القَصابُ رِجلَها.

стр. 3198

ووَجهُ القياسِ أنَّه ذبَح شاةَ غيرِه بغيرِ أمرِه فيَضمنُ، كما إذا ذبَح شاةً اشتَراها القَصابُ (١). وذكَر القاضي وغيرُه من الحَنابلةِ: إنَّها تُجزِئُ ولا ضَمانَ استِحسانًا، والقياسُ ضَمانُها. ونقَل الأثرَمُ وغيرُه أنَّهما يَترادَّان اللَّحمَ إنْ كان مَوجودًا ويُجزِئُ، ولو فرَّق كلٌّ منهما لَحمَ ما ذبَحه أجزأ، لإذنِ الشَّرعِ في ذلك (٢). وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ ذبَح أُضحيَّةَ نَفسِه فغلِط فذبَح أُضحيَّةَ غيرِه مُعتقِدًا أنَّها أُضحيَّتُه فإنَّها لا تُجزِئُ عن واحدٍ منهما، أمَّا عَدمُ إجزائها عن رَبِّها فلعَدمِ النِّيةِ، وأمَّا عَدمُ إجزائها عن ذابِحها فلعَدمِ المِلكيَّةِ، وهذا هو المَشهورُ، ويَضمَنُ لربِّها قيمَتها. وكذا إنْ ذبَح كلُّ واحدٍ منهما أُضحيَّةَ غيرِه غلطًا لم تُجزِئْ واحِدًا منهما ويَضمنُ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه القيمةَ. قال مُحمدُ بنُ رُشدٍ ﵀: قال في هذه الرِّوايةِ: إنَّ من ذبَح هَديَ غيرِه عن نَفسِه على سَبيلِ الغلطِ لا يُجزِئُ عن واحدٍ منهما.

стр. 3199

وقال في «المُدوَّنة»: إنَّه يُجزِئُ عن صاحِبِه؛ لأنَّه قد وجَب بالتَّقليدِ والإشعارِ. وذهَب مُحمدُ بنُ المَوَّازِ -وهو أحدُ قولَيْ أشهَبَ- إلى أنَّه يُجزِئُ عن ذابحِه إذا غرَّمه صاحبُه فيه القيمةَ ولم يأخُذِ اللَّحمَ. وأمَّا الضَّحايا إذا أخطأ الرَّجلُ فيها فذبَح أُضحيَّةَ غيرِه عن نَفسِه فلا تُجزِئُ عن صاحبِها باتِّفاقٍ؛ واختُلِف هل تُجزِئُ عن ذابِحها إذا غرَّمه ربُّها القيمةَ ولم يَأخذِ اللَّحمَ، فرَوى عيسى عن ابنِ القاسمِ في كِتابِ الضَّحايا أنَّها لا تُجزِئُ عنه. وقال مُحمدُ بنُ المَوَّازِ: تُجزِئُ عنه، وهو قولُ أشهَبَ، لم يَختلِفْ قولُه في ذلك كما اختلَف قولُه في الهَدايا. وفرَّق ابنُ حَبيبٍ بينَ أنْ يأتيَ صاحِبُها واللَّحمُ قائمٌ بيَدِ الذابِحِ، أو بعدَ فَواتِه، فقال: إنَّه إذا جاء واللَّحمُ قائمٌ بيَدِه فلا يُجزِئُه، وإنْ غرَّمه القيمةَ؛ لأنَّه قد كان له أنْ يَأخذَ اللَّحمَ إنْ شاء، وهو قَولٌ حَسنٌ له حظٌّ من النَّظرِ يَدخلُ بالمَعنى في مَسألةِ الهَدايا، فيأتي فيه أربَعةُ أقوالٍ. فهذا تَحصيلُ الاختِلافِ في هذه المَسألةِ، وأصَحُّ ما في ذلك أنَّه لا يُجزِئُ في الهَدايا عن واحدٍ منهما، لا عن صاحبِه؛ لأنَّه قد نحَره غيرُه عن نَفسِه، فلم يَكنْ له هو نِيةٌ في نَحرِه، ولا يُجزِئُ عَملٌ بغيرِ نِيةٍ لقولِه ﷺ : «الأعمالُ بالنِّياتِ»، ولا عن الذي نحَره؛ لأنَّه قد وجَب هَديًا لغيرِه بالتَّقليدِ والإشعارِ؛ وأنْ يُجزِئَ في الضَّحايا عن الذابِحِ إذا غرَّمه ربُّها القيمةَ ولم يَأخذِ اللَّحمَ، وكما لو أعتَقَ رقبةً عن ظِهارٍ عليه فاستُحقَّت فأجازَ ربُّها البَيعَ

стр. 3200

وأخْذَ الثَّمنِ. وتَفرقةُ ابنِ حَبيبٍ بينَ أنْ يُضمِّنَه القيمةَ واللَّحمَ قائمًا أو غيرَ قائمٍ استِحسانٌ، وباللهِ تَعالى التَّوفيقُ (١). وقال الشافِعيةُ: ولو أنَّ مُضحِّييْن ذبَح كلُّ واحدٍ منهما أُضحيَّةَ صاحبِه بغيرِ أمرِه فهذا على ضَربَين: أحدُهما: أنْ يُفرِّقَ كلُّ واحدٍ منهما لَحمَ ذَبيحَتِه فلا يُجزِئَه عن نَفسِه؛ لأنَّه لا يَملِكُها، ولا يُجزِئَ عن صاحبِها؛ لأنَّه ما قام بما عليه فيها، ويَضمَنَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه قيمةَ أُضحيَّتِه، ولا يَجوزُ أنَّهما يَتقاسَمانِ القيمةَ لخُروجِها عن مِلكِ كلِّ واحدٍ منهما بالإيجابِ، وفي القيمةِ وَجهان: أحدُهما -وهو قولُ الجُمهورِ-: أنْ يَضمنَ قِيمتَها قبلَ الذَّبحِ، وهي حَيةٌ، كالجاني. والوَجهُ الآخَرُ -وهو قولُ أبي علِيِّ بنِ أبي هُريرةَ-: أنَّه يَضمَنُ أكثرَ الأمرَين من قِيمتِها وهي حَيةٌ، أو قيمةِ لَحمِها بعدَ الذَّبحِ، لتَعدِّيه بالتَّفرِقةِ كتَعدِّيه بالذَّبحِ، قال الماوَرديُّ: وهو عِندي أصَحُّ، فإذا أخَذ كلُّ واحدٍ منهما قيمةَ أُضحيَّتِه صرَفها في مِثلِها، وكان في فَضلِها ونُقصانِها على ما ذكَرنا، ويَكونُ أرشُ الذَّبحِ داخِلًا في ضَمانِ القيمةِ فسقَط بها.

стр. 3201

والضَّربُ الثاني: أنْ يَكونَ لَحمُ كلِّ واحدٍ منهما باقيًا، فلِكلِّ واحدٍ منهما أنْ يأخُذَ لَحمَ أُضحيَّتِه، ولا يَجوزُ أنْ يَتبادَلا باللَّحمِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ صَرفُه إلا في مَسلكِ الضَّحايا، ويَرجعُ كلُّ واحدٍ منهما على صاحِبِه بأرشِ الذَّبحِ، وفي مَصرِفِ هذا الأرشِ ثَلاثةُ أوجُهٍ: أحدُها: أنْ يَكونَ للمُضحِّي خاصَّةً؛ لأنَّ حقَّ المَساكينِ في عَينِ الأُضحيَّةِ، وليس هذا الأرشُ منها. والوَجهُ الثاني: أنْ يَكونَ للمساكينِ خاصَّةً؛ لأنَّه ليس للمُضحِّي منها إلا ما يَأكلُه من لَحمِها، وليس هذا الأرشُ منها. والوَجهُ الثالِثُ: أنْ يَسلكَ به مَسلكَ الضَّحايا لاستِفادَتِه منها (١). الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ الذابحُ مُسلمًا لا مَجوسيًّا ولا كافرًا: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على جوازِ الاستِنابةِ والتَّوكيلِ في ذَبحِ الأُضحيَّةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ استَنابَ مَنْ نحَر باقي بُدنِه بعدَ ثَلاثٍ وسِتينَ وهذا لا شكَّ فيه. قال ابنُ رُشدٍ ﵀: العُلماءُ استَحبُّوا أنْ يَكونَ المُضحِّي هو الذي يَلي ذَبحَ أُضحيَّتَه بيَدِه، واتَّفَقوا على أنَّه يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ غيرَه على الذَّبحِ (٢).

стр. 3202

قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وليس عليه أنْ يَقولَ عندَ الذَّبحِ عمَّن؛ لأنَّ النِّيةَ تُجزِئُ، لا أعلَمُ خِلافًا في أنَّ النِّيةَ تُجزِئُ، وإنْ ذكَر مَنْ يُضحِّي عنه فحَسنٌ (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا: هل يُشترَطُ أنْ يَكونَ الذي يَلي الذَّبحَ للأُضحيَّةِ مُسلمًا أو يَصحُّ أنْ يَليَ ذَبحَ الأُضحيَّةِ كِتابيٌّ؟ فأجمَعوا على أنَّ المَجوسيَّ لا يَلي أُضحيَّةَ مُسلمٍ؛ لأنَّه لا تَحلُّ ذَبيحَتُه. واشتَرط المالِكيةُ في المَشهورِ وأحمدُ في رِوايةٍ في الذي يَلي ذَبحَ الأُضحيَّةِ أنْ يَكونَ مُسلمًا فلا تَصحُّ استِنابةُ كافرٍ على ذَبحِ أُضحيَّتِه ولو كِتابيًّا؛ لأنَّ الأُضحيَّةَ قُربةٌ، والكافرُ ليس مِنْ أهلِ القُربِ، ولا بأسَ أنْ يَليَ الكافرُ السَّلخَ وتَقطيعَ اللَّحمِ، والمُرادُ بعَدمِ صِحةِ استِنابةِ الكافرِ الكِتابيِّ في الأُضحيَّةِ عَدمُ صِحةِ كَونِها أُضحيَّةً، لا أنَّها لا تُؤكلُ، ومثلُها في ذلك الهَديُ والفِديةُ والعَقيقةُ، وتَجوزُ استِنابةُ المُسلمِ ولو لم يُصلِّ، مع الكَراهةِ، بِناءً على عَدمِ كُفرِ تاركِ الصَّلاةِ، ويُستحبُّ إعادةُ الأُضحيَّةِ (٢). وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وأشهَبُ من المالِكيةِ إلى أنَّه يُستحبُّ ألَّا يَذبحَ الأُضحيَّةَ إلا مُسلمٌ؛ لأنَّها قُربةٌ فلا يَليها غيرُ أهلِ القُربةِ، وإنِ استناب ذِميًّا في ذَبحِها جازَ مع الكَراهةِ،

стр. 3203

والدَّليلُ على جوازِ ذَبحِه قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فكان على عُمومِه في الضَّحايا وغيرِها؛ ولأنَّ كلَّ مَنْ كان من أهلِ الكِتابِ صحَّ أنْ يَذبحَ الأُضحيَّةَ كالمُسلمِ؛ ولأنَّه ذَبحٌ يَصحُّ من المُسلمِ، فصَحَّ من الكِتابيِّ كالذَّكاةِ؛ ولأنَّ مَعونةَ الكافرِ على القُربِ لا تَمنعُ من الإجزاءِ، كاستِنابتِه في تَفريقِ الزَّكواتِ والكَفاراتِ وبِناءِ المَساجدِ والقناطرِ (١). الشَّرطُ الرابِعُ: ألَّا يُشاركَ المُضحِّي فيما يَحتملُ الشَّركةَ مَنْ لا يُريدُ أنْ يُضحِّيَ: نصَّ الحَنفيةُ على أنَّ مِنْ شَرطِ صِحةِ الأُضحيَّةِ ألَّا يُشارِكَ المُضحِّي فيما يَحتملُ الشَّركةَ من لا يُريدُ القُربةَ رأسًا، فإنْ شارَك لم يَجزْ عن الأُضحيَّةِ، وكذا هذا في سائرِ القُربِ سِوى الأُضحيَّةِ إذا شارَك المُتقرِّبَ مَنْ لا يُريدُ القُربةَ لم يَجزْ عن القُربةِ كما في دَمِ المُتعةِ والقِرانِ والإحصارِ وجَزاءِ الصَّيدِ وغيرِ ذلك، فلو اشتَرك سَبعةٌ في بَعيرٍ أو بَقرةٍ كلُّهم يُريدون القُربةَ في الأُضحيَّةِ أو غيرِها من وُجوهِ القُربِ إلا واحِدًا منهم يُريدُ اللَّحمَ، لا يُجزِئُ واحِدًا منهم من الأُضحيَّةِ ولا من غيرِها من وُجوهِ القُربِ؛ لأنَّ القُربةَ في إراقةِ الدَّمِ، ولا تَتجزَّأُ لأنَّها ذَبحٌ واحِدٌ، فإذا لم يَقعْ قُربةً من بَعضٍ لا يَقعُ

стр. 3204

قُربةً من الباقين ضَرورةَ عَدمِ التَّجزُّؤِ، ولو أرادوا القُربةَ في الأُضحيَّةِ أو غيرِها من القُربِ أجزأهم سَواءٌ كانت القُربةُ واجبةً أو تَطوعًا أو وجَبت على بعضٍ دونَ بعضٍ، وسَواءٌ اتَّفَقت جِهاتُ القُربةِ أو اختلَفت بأنْ أراد بعضُهم الأُضحيَّةَ وبعضُهم جَزاءَ الصَّيدِ وبعضُهم هَديَ الإحصارِ وبعضُهم كَفارةَ شيءٍ أصابَه في إحرامِه وبعضُهم هَديَ التطوُّعِ وبعضُهم دَمَ المُتعةِ والقِرانِ، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ. وقال زُفرُ ﵀: لا يَجوزُ إلا إذا اتَّفَقت جِهاتُ القُربةِ بأنْ كان الكلُّ بجِهةٍ واحِدةٍ. وَجهُ قولِه: أنَّ القياسَ يأبى الاشتِراكَ؛ لأنَّ الذَّبحَ فِعلٌ واحِدٌ لا يَتجزَّأُ فلا يُتصوَّرُ أنْ يَقعَ بعضُه عن جِهةٍ وبعضُه عن جِهةٍ أُخرى؛ لأنَّه لا بعضَ له إلا عندَ الاتِّحادِ، فعندَ الاتِّحادِ جُعِلت الجِهاتُ كجِهةٍ واحِدةٍ، وعندَ الاختِلافِ لا يُمكِنُ فبقِي الأمرُ فيه مَردودًا إلى القياسِ. ووَجهُ قَول الأئمَّةِ الثَّلاثةِ: أنَّ الجِهاتِ وإنِ اختلَفت صُورةً فهي في المَعنى واحِدٌ؛ لأنَّ المَقصودَ من الكلِّ التَّقربُ إلى اللهِ عزَّ شأنُه، وكذلك إنْ أراد بعضُهم العَقيقةَ عن وَلدٍ وُلدَ له من قَبلُ؛ لأنَّ ذلك جِهةُ التَّقرُّبِ إلى اللهِ تَعالى عزَّ شأنُه بالشُّكرِ على ما أنعَم عليه من الوَلدِ، كذا ذكَر مُحمدٌ ﵀ في نَوادرِ الضَّحايا، ولم يَذكُر ما إذا أراد أحدُهم الوَليمةَ وهي ضيافةُ التَّزويجِ وينبَغي أنْ يَجوزَ؛ لأنَّها إنَّما تُقامُ شُكرًا للهِ تَعالى عزَّ شأنُه على نِعمةِ النِّكاحِ، وقد وردَت السُّنةُ بذلك عن رَسولِ اللهِ

стр. 3205

ﷺ أنَّه قال: «أَولِمْ ولو بشاةٍ» فإذا قصَد بها الشُّكرَ أو إقامةَ السُّنةِ فقد أراد بها التَّقرُّبَ إلى اللهِ عزَّ شأنُه. قال الكاسانيُّ ﵀: ورُوي عن أبي حَنيفةَ ﵀ أنَّه كَرِه الاشتِراكَ عندَ اختِلافِ الجِهةِ، ورُوي عنه أنَّه قال: لو كان هذا من نَوعٍ واحدٍ لَكانَ أَحبَّ إليَّ، وهكذا قال أبو يُوسفَ ﵀، ولو كان أحدُ الشُّركاءِ ذِميًّا كِتابيًّا أو غيرَ كِتابيٍّ وهو يُريدُ اللَّحمَ، أو أرادَ القُربةَ في دِينِه لم يُجزِئْهم عندَنا؛ لأنَّ الكافرَ لا تَتحقَّقُ منه القُربةُ، فكانت نِيتُه مُلحَقةً بالعَدمِ، فكان مُريدًا للَّحمِ، والمُسلمُ لو أراد اللَّحمَ لا يَجوزُ عندَنا فالكافرُ أوْلى (١). وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَجوزُ الاشتِراكُ في البَدنةِ عن سَبعةٍ، والبَقرةِ عن سَبعةٍ، ولو كانوا مُفتَرِضينَ أو مُتطوِّعينَ في قُربٍ مُتماثِلةٍ أو مُختلِفةٍ أو بعضُهم يُريدُ حقَّه لَحمًا، وبعضُهم يَكونُ به مُتقرِّبًا، وسَواءٌ كانوا من أهلِ بَيتٍ واحدٍ أو بُيوتٍ شتَّى؛ لأنَّ كلَّ ما جازَ أنْ يَشترِكَ فيه السَّبعةُ إذا كانوا مُتقرِّبين جازَ أنْ يَشترِكوا فيه، وإنْ كان بعضُهم غيرَ مُتقرِّبٍ كالسَّبعِ من الغَنمِ. ولأنَّ سَهمَ كلِّ واحدٍ مُعتبَرٌ بنِيتِه لا بنِيةِ غيرِه؛ لأنَّهم لو اختلَفت قُرَبُهم فجَعل بعضُهم سَهمَه عن قِرانٍ وبعضُهم عن تَمتُّعٍ، وبعضُهم عن

стр. 3206

حَلقٍ، وبعضُهم عن لِباسٍ جازَ كذلك إذا جعَل بعضُهم سَهمَه لَحمًا؛ لأنَّ نَيةَ غيرِ المُتقرِّبِ لا تُؤثِّرُ في نِيةِ المُتقرِّبِ. ويَجوزُ أنْ يَنحرَ الواحِدُ بَدنةً أو بَقرةً عن سَبعِ شِياهٍ لزِمته بأسبابٍ مُختلِفةٍ، كتَمتُّعٍ وقِرانٍ وفَواتٍ ومُباشَرةٍ ومَحظوراتٍ في الإحرامِ، ونَذرِ التَّصدقِ بشاةٍ مَذبوحةٍ، والتَّضحيةِ بشاةٍ (١). وذهَب المالِكيةُ -كما تَقدَّم- إلى أنَّه لا يَجوزُ الاشتِراكُ في الأُضحيَّةِ بأنْ يَشتركَ اثنان فأكثرُ في ثَمنِ بَقرةٍ أو بَدنةٍ، فإنِ اشتَركوا في الثَّمنِ بأنْ دفَع كلُّ واحدٍ منهم جُزءًا منه، أو في اللَّحمِ بأنْ كانت مُشترَكةً بَينَهم فلا تُجزِئُ عن واحدٍ منهم، ويَصحُّ الاشتِراكُ في الأجرِ قبلَ الذَّبحِ فيُجزِئُ ويَسقطُ بها عنه وعن كلِّ مَنْ أدخَله معه، وإنْ كانوا أكثرَ من سَبعةٍ بثَلاثةِ شُروطٍ: ١ - أنْ يَكونَ الذي وقَع تَشريكُه قَريبًا كابنِه وأخيه وابنِ عمِّه وتَلحقُ به الزَّوجةُ. ٢ - وأنْ يَكونَ في نَفقتِه، سَواءٌ كان الإنفاقُ واجبًا على المُضحِّي كأبٍ وابنٍ فَقيرَين، أو غيرَ واجبٍ كالأخِ وابنِ العمِّ.

стр. 3207

٣ - وأنْ يَكونَ ساكِنًا معه في دارٍ واحِدةٍ. فإذا تَوافَرتِ الشُّروطُ سقَطت الأُضحيَّةُ عن المُشرَكِ، أي: تَسقطُ عنه سُنَنُها إنْ كان غَنيًّا. وإنِ اختَلَّ شَرطٌ واحِدٌ لم تُجزِئْ عن واحدٍ منهما (١). النَّوعُ الثالِثُ: وقتُ الأُضحيَّةِ مَبدؤُه ونِهايَتُه: الكَلامُ في وقتِ ذَبحِ الأُضحيَّةِ في ثَلاثةِ أشياءَ: الأولُ: أَولُ وقتِ الأُضحيَّةِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ التَّضحيةُ قبلَ دُخولِ الوقتِ؛ لأنَّ الوقتَ كما هو شَرطُ الوُجوبِ فهو شَرطُ جوازِ إقامةِ الواجبِ كوقتِ الصَّلاةِ، فلا يَجوزُ لِأحدٍ أنْ يُضحِّيَ قبلَ طُلوعِ الفجرِ الثاني من يومِ النَّحرِ. إلا أنَّهم اختَلفُوا في أوَّلِ وقتِ الأُضحيَّةِ متى يَبدَأُ؟ هل يَبدأُ من بعدِ صَلاةِ الفجرِ أو يَبدأُ إذا مَضى من نَهارِ العِيدِ وقتٌ تَحِلُّ فيه الصَّلاةُ وقَدرَ الصَّلاةِ والخُطبتَين تامَّتيَن أو يَبدأُ بعدَ صَلاةِ الإمامِ أو هناك فَرقٌ بينَ أهلِ المِصرِ وغيرِهم؟ على تَفصيلٍ بينَهم في هذا:

стр. 3208

قال الحَنفيةُ: وقتُ الأُضحيَّةِ يَدخلُ بعدَ طُلوعِ الفجرِ من يومِ النَّحرِ سَواءٌ كان مِنْ أهلِ المِصرِ أو مِنْ أهلِ القُرى، غيرَ أنَّ للجَوازِ في حقِّ أهلِ المِصرِ شَرطًا زائدًا، وهو أنْ يَكونَ بعدَ صَلاةِ العيدِ، لا يَجوزُ تَقديمُها عليه؛ لحَديثِ أَنسٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ يومَ النَّحرِ: «مَنْ كان ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فَليُعدْ» (١). وفي لَفظٍ: «مَنْ ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فإنَّما ذبَح لِنفسِه، ومَن ذبَح بعدَ الصَّلاةِ فقَد تمَّ نُسكُه وأَصابَ سُنةَ المُسلمِين» (٢). وإنْ أخَّر الإمامُ الصَّلاةَ فليس له أنْ يَذبحَ حتى يَنتصِفَ النَّهارُ، وكذا إذا ترَك الصَّلاةَ مُتعمِّدًا حتى انتصَف النَّهارُ فقد حلَّ الذَّبحُ من غيرِ صَلاةٍ في الأيَّامِ كلِّها، فإنْ ذبَح بعدَما قعَد الإمامُ مِقدارَ التَّشهدِ جازَ. ولو ضحَّى قبلَ فَراغِ الإمامِ من الخُطبةِ أو قبلَ الخُطبةِ جازَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ رتَّب الذَّبحَ على الصَّلاةِ لا على الخُطبةِ فيما رَويْنا من الأحاديثِ، فدلَّ على أنَّ العِبرةَ بالصَّلاةِ لا بالخُطبةِ. فأمَّا أهلُ السَّوادِ فيَذبَحون بعدَ طُلوعِ الفجرِ؛ لأنَّ صَلاةَ العيدِ ليست بواجبةٍ عليهم، ولا يَجوزُ لهم أنْ يَذبَحوا قبلَ طُلوعِ الفجرِ؛ لأنَّ وقتَ الذَّبحِ لا يَدخلُ إلا بطُلوعِ الفجرِ.

стр. 3209

ويُعتبرُ في الذَّبحِ مَكانُ الأُضحيَّةِ لا مَكانُ الرَّجلِ، وإنْ كان الرَّجلُ في المِصرِ والشاةُ في السَّوادِ فذَبحوا عنه بعدَ طُلوعِ الفجرِ بأمرِه جازَ، وإنْ كان في السَّوادِ والشاةُ في المِصرِ لا يَجوزُ الذَّبحُ إلا بعدَ صَلاةِ العيدِ؛ لأنَّها تَسقطُ بالهلاكِ قبلَ مُضيِّ أيَّامِ النَّحرِ، كالزَّكاةِ تَسقطُ بهلاكِ النِّصابِ، فيُعتبرُ فيها مَكانُ المَحلِّ، وهو المالُ، لا مَكانُ الفاعِلِ كالزَّكاةِ (١). وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ وقتَ الأُضحيَّةِ يَبدأُ من بعدِ ذَبحِ الإمامِ أو نائبِه، فلو ابتَدأ قبلَه أو معه لا تُجزِئُه مُطلقًا كان ابتدأ بعدَه وختَم معه أو قبلَه، لا إنْ ختَم بعدَه فتُجزِئُ ولا تُجزِئُ بعدَ صَلاةِ الإمامِ وقبلَ ذَبحِه، فإنْ لم يَذبَحِ الإمامُ اعتُبِر زَمنُ ذَبحِه (٢). وذهَب الشافِعيةُ إلى أنَّ وقتَ ذَبحِ الأُضحيَّةِ يَبدأُ إذا طلَعت الشَّمسُ يومَ النَّحرِ وارتفَعت قَدرَ رُمحٍ ومَضى قَدرُ رَكعتَين خَفيفتَين وخُطبتَين خَفيفتَين، وسَواءٌ صلَّى أو لم يُصلِّ فإنْ ذبَح قبلَ ذلك لم تَقعْ أُضحيَّتُه، لِما رَواه البَراءُ بنُ عازبٍ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ أوَّلَ ما نَبدأُ في يومِنا هذا أنْ نُصلِّيَ ثم نَرجعَ فنَنحَرَ، فمَن فعَل ذلك فقَد أَصابَ سُنتَنا،

стр. 3210

ومَن نحَر قبل الصَّلاةِ فإنَّما هو لَحمٌ قدَّمه لأَهلِه ليس من النُّسكِ في شيءٍ» (١). وأرادَ: مَنْ صلَّى مثلَ صَلاتِنا؛ لأنَّ أحَدًا لا يُصلِّي صَلاةَ النَّبيِّ ﷺ وإنَّما يُصلِّي مِثلَها، ولا فرقَ بينَ أهلِ المِصرِ وأهلِ السَّوادِ؛ لأنَّ كلَّ ما كان وقتًا للذَّبحِ في أهلِ المِصرِ كان وقتًا للذَّبحِ في حقِّ أهلِ السَّوادِ كما بعدَ الصَّلاةِ (٢). وأمَّا الحَنابلةُ فعندَهم أربَعةُ أقوالٍ في بِدايةِ وقتِ جوازِ ذَبحِ الأُضحيَّةِ: أحدُها وهو الصَّحيحُ من المَذهبِ: أنَّ وقتَ الذَّبحِ بعدَ صَلاةِ العيدِ فقط في حقِّ أهلِ الأمصارِ والقُرى ممَّن يُصلِّي، فلو سبَقت صَلاةُ إمامٍ في البَلدِ جازَ الذَّبحُ. والثاني: يَبدأُ الوقتُ بعدَ صَلاةِ العيدِ والخُطبةِ. والثالِثُ: يَبدأُ وقتُ ذَبحِ الأُضحيَّةِ إذا مَضى من نَهارِ العيدِ قَدرٌ تَحِلُّ فيه الصَّلاةُ، قَدرَ الصَّلاةِ والخُطبتَين تامَّتيْن في أخَفِّ ما يَكونُ، وهذا اختيارُ الخِرقيِّ، ولا يُعتبرُ الصَّلاةُ نَفسُها، بل مُضيُّ هذا الوقتِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ تَتقدَّمُ وتَتأخَّرُ، وقد تُفعلُ وقد لا تُفعلُ، وذلك ضابِطٌ لا يَختلِفُ، فأُنيطَ الحُكمُ به، ولا فرقَ في هذا بينَ أهلِ المِصرِ وغيرِهم.

стр. 3211

والرابِعُ: لا يُجزِئُ الذَّبحُ قبلَ الإمامِ وهذا مَخصوصٌ ببَلدِ الإمامِ (١). وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا فيمَن ذبَح قبلَ ذَبحِ الإمامِ وبعدَ الصَّلاةِ. فذهَب مالكٌ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِأحدٍ ذَبحُ أُضحيَّتِه قبلَ ذَبحِ الإمامِ. وقال أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ: يَجوزُ الذَّبحُ بعدَ الصَّلاةِ وقبلَ ذَبحِ الإمام. وسَببُ اختِلافِهم: اختِلافُ الآثارِ في هذا البابِ، وذلك أنَّه جاء في بعضِها أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَر لمَن ذبَح قبلَ الصَّلاةِ أنْ يُعيدَ الذَّبحَ، وفي بعضِها أنَّه أمرَ مَنْ ذبَح قبلَ ذَبحِه أنْ يُعيدَ، خرَّج هذا الحَديثَ الذي فيه هذا المَعنى مُسلمٌ، فمَن جعَل ذلك مَوطنَين اشترَط ذَبحَ الإمامِ في جوازِ الذَّبحِ، ومَن جعَل ذلك مَوطِنًا واحِدًا قال: إنَّما يُعتبرُ في إجزاءِ الذَّبحِ الصَّلاةُ فقط. وقد اختلَفت الرِّوايةُ في حَديثِ أبي بُردةَ بنِ نيارٍ، وذلك أنَّ في بعضِ رِواياتِه «أنَّه ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فأمرَه رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُعيدَ الذَّبحَ»، وفي بعضِها «أنَّه ذبَح قبلَ ذَبحِ رَسولِ اللهِ ﷺ فأمَره بالإعادةِ»، وإذا كان ذلك كذلك فحَملُ قولِ الراوي أنَّه ذبَح قبلَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقولِ الآخَرِ ذبَح قبلَ الصَّلاةِ على مَوطنٍ واحدٍ أوْلى، وذلك أنَّ من ذبَح

стр. 3212

قبلَ الصَّلاةِ فقد ذبَح قبلَ رَسولِ اللهِ ﷺ فيَجبُ أنْ يَكونَ المُؤثِّرُ في عَدمِ الإجزاءِ إنَّما هو الذَّبحُ قبلَ الصَّلاةِ كما جاء في الآثارِ الثابِتةِ في ذلك من حَديثِ أنسٍ وغيرِه أنَّ مَنْ ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فليُعدْ، وذلك أنَّ تأصيلَ هذا الحُكمِ منه ﷺ يَدلُّ بمَفهومِ الخِطابِ دِلالةً قَويةً على أنَّ الذَّبحَ بعدَ الصَّلاةِ يُجزِئُ؛ لأنَّه لو كان هنالك شَرطٌ آخَرُ مما يَتعلَّقُ به إجزاءُ الذَّبحِ لم يَسكتْ عنه رَسولُ اللهِ ﷺ مع أنَّ فَرضَه التَّبيينُ. ونصُّ حَديثِ أنسٍ هذا: قال رَسولُ اللهِ ﷺ يومَ النَّحرِ: «مَنْ كان ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فليُعدْ». واختَلفُوا من هذا البابِ في فَرعٍ مَسكوتٍ عنه وهو مَتى يَذبحُ مَنْ ليس له إمامٌ من أهلِ القُرى، فقال مالكٌ: يَتحرّوْن ذَبحَ أقربِ الأئمَّةِ إليهم. وقال الشافِعيُّ: يَتحرَّون قَدرَ الصَّلاةِ والخُطبةِ ويَذبَحون. وقال أبو حَنيفةَ: مَنْ ذبَح مِنْ هؤلاء بعدَ الفجرِ أجزأه. وقال قَومٌ: بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ. وكذلك اختلَف أصحابُ مالكٍ في فَرعٍ آخرَ، وهو: إذا لم يَذبَحِ الإمامُ في المُصلَّى فقال قَومٌ: يَتحرَّى ذَبحَه بعدَ انصِرافِه، وقال قَومٌ: ليس يَجبُ ذلك (١).

стр. 3213

الثاني: آخرُ وقتِ الأُضحيَّةِ: اختلَف الفُقهاءُ في آخرِ وقتِ الأُضحيَّةِ، هل هو ثالِثُ أيَّامِ العيدِ أو رابِعُ أيامِ العيدِ؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَستمِرُّ وقتُ ذَبحِ الأُضحيَّةِ إلى ثالثِ أيَّامِ النَّحرِ، فأيامُ الأضْحى ثَلاثةٌ: يومُ النَّحرِ ويَومان بعدَه، فإذا غرَبت الشَّمسُ من اليومِ الثانيَ عشَرَ ذهَب وقتُها؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن ادِّخارِ الأضاحيِّ فوقَ ثَلاثٍ» (١)، ولا يَجوزُ الذَّبحُ في وقتٍ لا يَجوزُ ادِّخارُ الأُضحيَّةِ إليه، ولأنَّ اليومَ الرابعَ لا يَجبُ الرَّميُ فيه فلم تَجزِ التَّضحيةُ فيه كالذي بعدَه. وأفضلُ هذه الأيامِ الثلاثةِ أوَّلُها؛ لأنَّ فيه مُسارعةً إلى أداءِ القُربةِ (٢). وذهَب الشافِعيةُ إلى أنَّ نهايةَ وقتِ الأُضحيَّةِ حتى تَغرُبَ الشَّمسُ آخرَ أيامِ التَّشريقِ، وهي ثَلاثةٌ غيرُ يومِ النَّحرِ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «كلُّ أَيَّامِ التَّشريقِ ذَبحٌ» (٣) (٤).

стр. 3214

قال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا آخرُ زَمانِ الذَّبحِ فإنَّ مالكًا قال: آخِرُه اليومُ الثالِثُ من أيامِ النَّحرِ، وذلك مَغيبَ الشَّمسِ، فالذَّبحُ عندَه هو في الأيامِ المَعلوماتِ يومَ النَّحرِ ويَومان بعدَه، وبه قال أبو حَنيفةَ وأحمدُ وجَماعةٌ. وقال الشافِعيُّ والأوزاعيُّ: الأضحى أربَعةُ أيامٍ: يومُ النَّحرِ وثَلاثةُ أيامٍ بعدَه. ورُوي عن جَماعةٍ أنَّهم قالوا: الأضحى يَومٌ واحِدٌ، وهو يومُ النَّحرِ خاصَّةً، وقد قيلَ: الذَّبحُ إلى آخرِ يَومٍ من ذي الحِجةِ وهو شاذٌّ لا دَليلَ عليه، وكلُّ هذه الأقاويلِ مَرويَّةٌ عن السَّلفِ. وسَببُ اختِلافِهم شَيئان: أحدُهما: اختِلافُهم في الأيامِ المَعلوماتِ: ما هي في قولِه تَعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٧] فقيلَ: يومُ النَّحرِ ويَومان بعدَه، وهو المَشهورُ، وقيلَ: العَشرُ الأُوَلُ من ذي الحِجَّةِ. والسَّببُ الثاني: مُعارَضةُ دَليلِ الخِطابِ في هذه الآيةِ لحَديثِ جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ، وذلك أنه ورَد فيه عنه ﷺ أنَّه قال: «كلُّ فِجاجِ مكةَ مَنحَرٌ، وكلُّ أيامِ التَّشريقِ ذَبحٌ»، فمَن قال في الأيامِ المَعلوماتِ: إنَّها يومُ النَّحرِ

стр. 3215

ويَومان بعدَه في هذه الآيةِ ورجَّح دَليلَ الخِطابِ فيها على الحَديثِ المَذكورِ قال: لا نحَر إلا في هذه الأيامِ، ومَن رأى الجَمعَ بينَ الحَديثِ والآيةِ وقال: لا مُعارَضةَ بينَهما؛ إذ الحَديثُ اقتَضى حُكمًا زائدًا على ما في الآيةِ مع أنَّ الآيةَ ليس المَقصودُ منها تَحديدَ أيامِ الذَّبحِ، والحَديثَ المَقصودُ منه ذلك، قال: يَجوزُ الذَّبحُ في اليومِ الرابِعِ إذا كان باتِّفاقٍ من أيامِ التَّشريقِ. ولا خِلافَ بينَهم أنَّ الأيامَ المَعدوداتِ هي أيامُ التَّشريقِ وأنَّها ثَلاثةٌ بعدَ يومِ النَّحرِ إلا ما رُوي عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ أنَّه قال: يومُ النَّحرِ من أيامِ التَّشريقِ. وإنَّما اختَلفُوا في الأيامِ المَعلوماتِ على القولَين المُتقدِّميْن. وأمَّا مَنْ قال: يومُ النَّحرِ فقط، فبِناءً على أنَّ المَعلوماتِ هي العَشرُ الأُولُ قال: وإذا كان الإجماعُ قد انعقَد أنَّه لا يَجوزُ الذَّبحُ منها إلا في اليومِ العاشِرِ، وهي مَحلُّ الذَّبحِ المَنصوصِ عليها فواجبٌ أنْ يَكونَ الذَّبحُ إنَّما هو يومُ النَّحرِ فقط (١). الثالِثُ: زَمنُ الذَّبحِ: اتَّفق الفُقهاءُ على جوازِ الذَّبحِ في النَّهارِ في أيامِ التَّشريقِ. إلا أنَّهم اختَلفُوا هل يَجوزُ الذَّبحُ لَيلًا مع الكَراهةِ؟ أو لا يَجوزُ الذَّبحُ لَيلًا ولا يُجزئُ عن الأُضحيَّةِ؟

стр. 3216

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ الذَّبحُ لَيلًا ونَهارًا؛ لأنَّ اللَّيلَ زَمانٌ يَصحُّ فيه الرَّميُ، فصحَّ فيه ذَبحُ الأُضحيَّةِ كالنَّهارِ إلا أنَّه يُكرهُ الذَّبحُ لَيلًا لِما رُوي مَرفوعًا «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى أنْ يُضحَّى لَيلًا» (١)، خَشيةَ أنْ يُخطِئَ الذَّبحَ أو يُصيبَ نَفسَه أو تتأخَّر تَفرِقةُ اللَّحمِ طَريًّا، لكنْ إنْ ذبَحها لَيلًا أجزأه؛ لأنَّ النَّهيَ عن الادِّخارِ فَوقَ ثَلاثٍ، يَدخلُ فيه اللَّيلُ، واليومُ يُطلَقُ ويُرادُ مع لَيلتِه، لقولِ اللهِ سُبحانَه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]. ولم يُفرِّقْ بينَ اللَّيلِ النَّهارِ فكان على عُمومِه فيها. ولأنَّه من زَمانِ النَّحرِ فجازَت الأُضحيَّةُ فيه كالنَّهارِ. ولأنَّه أحدُ مَقصودَيِ الأُضحيَّةِ فجاز لَيلًا كالتَّفرقةِ (٢). وذهَب المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها الخِرقيُّ إلى أنه لا يَجوزُ الذَّبحُ في لَيالي أيامِ التَّشريقِ لظاهرِ قولِه تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] واليومُ اسمٌ لِما بينَ طُلوعِ الفجرِ إلى غُروبِ الشَّمسِ.

стр. 3217

ولِما رُوي مَرفوعًا «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى أنْ يُضحَّى لَيلًا» (١). فالنَّهارُ شَرطٌ لصِحةِ الذَّبحِ في الأُضحيَّةِ والهَدايا فلا يُجزِئُ الذَّبحُ لَيلًا وأوَّلَ النَّهارِ عندَ طُلوعِ الفجرِ، فعلى هذا إنْ ذبَح لَيلًا لم يُجزِئْه عن الواجبِ، وإنْ كانت تطوُّعًا فذبَحها لَيلًا كانت شاةَ لَحمٍ، ولم تَكنْ أُضحيَّةً، فإنْ فرَّقها حصَلت القُربةُ بتَفريقِها لا بذَبحِها (٢). قال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَسألةُ الثالِثةُ: وهي اختِلافُهم في اللَّيالي التي تَتخلَّلُ أيامَ النَّحرِ، فذهَب مالكٌ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه لا يَجوزُ الذَّبحُ في لَيالي أيامِ التَّشريقِ ولا النَّحرِ. وذهَب الشافِعيُّ وجَماعةٌ إلى جوازِ ذلك. وسَببُ اختِلافِهم: الاشتِراكُ الذي في اسمِ اليومِ، وذلك أنَّه مَرةً يُطلِقُه العَربُ على النَّهارِ واللَّيلةِ مثلَ قولِه تَعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، ومَرةً يُطلِقُه على الأيامِ دونَ اللَّيالي مثلَ قولِه تَعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] فمَن جعَل اسمَ اليومِ يَتناوَلُ اللَّيلَ مع النَّهارِ في قولِه تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، قال: يَجوزُ

стр. 3218

الذَّبحُ باللَّيلِ والنَّهارِ في هذه الأيامِ، ومَن قال: ليس يَتناوَلُ اسمَ اليومِ اللَّيلَ في هذه الآيةِ، قال: لا يَجوزُ الذَّبحُ ولا النَّحرُ باللَّيلِ. والنَّظرُ هل اسمُ اليومِ أظهرُ في أحدِهما من الثاني؟ ويُشبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّه أظهرُ في النَّهارِ منه في اللَّيلِ، لكنْ إنْ سَلَّمنا أنَّ دِلالتَه في الآيةِ هي على النَّهارِ فقط لم يَمنعِ الذَّبحَ باللَّيلِ إلا بنَحوٍ ضَعيفٍ من إيجابِ دَليلِ الخِطابِ وهو تَعليقُ ضدِّ الحُكمِ بضدِّ مَفهومِ الاسمِ، وهذا النَّوعُ من أنواعِ الخِطابِ هو مِنْ أضعَفِها حتى إنَّهم قالوا: ما قال به أحَدٌ من المُتكلِّمين إلا الدَّقاقَ فقط، إلا أنْ يَقولَ القائلُ: إنَّ الأصلَ هو الحَظرُ في الذَّبحِ، وقد ثبَت جَوازُه بالنهارِ، فعلى مَنْ جَوَّزه باللَّيلِ الدَّليلُ (١). الحُكمُ إذا فات وقتُ الأُضحيَّةِ ولم يُضَحِّ صاحِبُها؟ اختلَف الفُقهاءُ فيما لو مَضى وقتُ الأُضحيَّةِ ولم يُضحِّ صاحِبُها، هل تَفوتُ ولا يُخاطَبُ بها المُكلَّفُ بعدَ مُضيِّ زَمنِها؟ أو هناك فَرقٌ بينَ التطوُّعِ وبينَ المَنذورةِ؟ فذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ لم يُضحِّ حتى مضَت أيامُ النَّحرِ وكان غَنيًّا وجَب عليه أنْ يَتصدَّق بالقيمةِ سَواءٌ كان اشتَرى أو لم يَشترِ لأنَّها واجبةٌ في ذمَّتِه فلا يَخرجُ عن العُهدةِ إلا بالأداءِ كالجُمُعةِ تُقضى ظُهرًا، والصَّومُ بعدَ العَجزِ فِديةٌ. وإنْ كان فَقيرًا فإنْ كان اشتَرى الأُضحيَّةَ أو أوجَب على نَفسِه بالنَّذرِ

стр. 3219

وجَب عليه أنْ يَتصدَّقَ بذلك الذي أوجَبه أو اشتَراه لأنَّها تَعيَّنت بالشِّراءِ بنِيةِ الأُضحيَّةِ أو بالنَّذرِ فلا يُجزِئُه غيرُها (١). وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ حبَس أُضحيَّتَه حتى مضَت أيامُ النَّحرِ كلُّها فإنَّه يَفعلُ بها ما شاءَ من بَيعٍ وغيرِه؛ إذ لا يُضحِّي أحَدٌ بعدَ أيامِ النَّحرِ وقد أثِمَ هذا بسَببِ حَبسِها وصارَ بمَنزلةِ مَنْ لم يُضحِّ وسَواءٌ كانت مَنذورةً أو تطوُّعًا لأنَّها لا تَتعيَّنُ إلا بالذَّبحِ على الصَّحيحِ (٢). وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه إذا فات وقتُ الذَّبحِ ذبَح الواجبَ قَضاءً وصنَع به ما يَصنَعُ بالمَذبوحِ في وقتِه؛ لأنَّه قد وجَب ذَبحُه فلم يَسقطْ بفَواتِ وقتِه. وإنْ كانت تطوُّعًا فقد فات وقتُها وهو مُخيَّرٌ فيها، فإنْ فرَّق لَحمَها كانت القُربةُ بذلك دونَ الذَّبحِ لأنَّها شاةُ لَحمٍ وليست أُضحيَّةً. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا وجَبت الأُضحيَّةُ بإيجابِه لها فضَلَّتْ أو سُرِقت بغيرِ تَفريطٍ منه فلا ضَمانَ عليه لأنَّها أمانةٌ في يدِه فإنْ عادت إليه ذبَحها، سَواءٌ كان في زَمنِ الذَّبحِ أو فيما بعدَه (٣).

стр. 3220

الأكلُ والادِّخارُ والهَدايا من الأُضحيَّةِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يَجوزُ للمُضحِّي أنْ يأكلَ من أُضحيَّتِه؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]. ولقولِ ثَوبانَ ﵁: ذبَح رَسولُ اللهِ ﷺ أُضحيَّتَه، ثم قال: «يا ثَوبانُ، أَصلحْ لِي لَحمَ هذه، فلَم أَزلْ أُطعمُه مِنه حتَّى قدِم المَدينةَ» (١). واتَّفقوا أيضًا على أنَّه يَجوزُ له أنْ يَدخرَ منها لنَفسِه ولأهلِه، لِما رَوى جابرٌ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه نهَى عن أَكلِ لُحومِ الضَّحايا بعدَ ثَلاثٍ، ثم قال بَعدُ: كُلوا وتَزوَّدوا وادَّخِروا» (٢). واتَّفقوا أيضًا على أنَّه يَجوزُ له أنْ يُطعِمَ الأغنياءَ والفُقراءَ، وإنَّما يَجوزُ له أنْ يُطعمَ الأغنياءَ؛ لأنه يَجوزُ له الأكلُ منها وهو غَنيٌّ، فكذا غيرُه. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في الأفضلِ. فذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الأفضلَ أنْ يَتصدقَ منها بالثُّلثِ ويَدخرَ الثُّلثَ ضيافةً للأقاربِ، والثُّلثَ لنَفسِه، ويُستحبُّ ألَّا يَنقُصَ الصَّدقةَ من الثُّلثِ، فإنْ تَصدقَ بجميعِها فهو أفضلُ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فذكَر ثلاثةَ أصنافٍ فاقتَضى أنْ يَكونَ بينَهم أثلاثًا.

стр. 3221

وقال عَلقَمةُ: «بعَث معي عبدُ اللهِ بهَديِه فأمَرني أنْ آكلَ ثُلثًا وأنْ أُرسلَ إلى أهلِ أخيه عُتبةَ بثُلثٍ وأنْ أَتصدقَ بثُلثٍ». وعن ابنِ عُمرَ ﵄ قال: الضَّحايا والهَدايا ثُلثٌ لكَ وثُلثٌ لأهلِكَ وثُلثٌ للمَساكينِ» (١). وذهَب الشافِعيةُ في القَديمِ إلى أنَّه يَأكلُ ويَدخِرُ ويُهدي النِّصفَ ويَتصدقُ على الفُقراءِ بالنصفِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨]. فجعَلها في صِنفَين فاقتَضى أنْ تَكونَ بينَهما نِصفَين (٢). وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ لصاحبِ الأُضحيَّةِ أنْ يَأكلَ منها، وأنْ يَتصدقَ على الفُقراءِ منها، وأنْ يُعطيَ أصحابَه منها، ولا تَحديدَ في ذلك لا برُبعٍ ولا بغيرِه، فإنِ اقتصَر على أحدِها أو اثنَين منها فقد ترَك الأفضلَ. قال مالكٌ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا أنْ ليس في الضَّحايا والنَّذرِ والتطوُّعِ قسْمٌ مَوصوفٌ ولا حدٌّ مَعلومٌ (٣).

стр. 3222

هل يَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ بشيءٍ من الأُضحيَّةِ أو لا يَجبُ؟ اختلَف الفُقهاءُ في الأُضحيَّةِ هل يَجبُ على المُضحِّي أنْ يَتصدقَ بشيءٍ منها أو يَجوزُ أكلُها كلِّها؟ فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه أنْ يَتصدقَ بشيءٍ منها، فلو أكلَها كلَّها أجزأه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، فجعَل مَقصودَها التَّقوى بعدَ الإراقةِ دونَ الأكلِ والصَّدقةِ. ولأنَّه لمَّا كان لو أكلَ أكثرَها كان جميعُها أُضحيَّةً كذلك إذا أكلَ جميعَها (١). وذهَب الشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّ الأكلَ والصَّدقةَ واجبان، فإنْ أكَل جميعَها لم يُجزِئْه، وإنْ تَصدَّق بجميعِها لم يُجزِئْه حتى يَجمَع بينَ الأكلِ والصَّدقةِ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨] فجمَع بينَهما وأمرَ بهما، فدلَّ على وُجوبهما، ولأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نحَر في حَجةٍ مئةَ بَدنةٍ، وأمرَ عَليًّا أنْ يأتيَه من كلِّ بَدنةٍ ببِضعةٍ ثم أمرَ بها فطُبخَت فأكل من لَحمِها، وحَسا من مَرقِها، فلمَّا أكَل من كلِّ بَدنةٍ مع كَثرتِها دلَّ على وُجوبِ أكلِه منها (٢).

стр. 3223

وذهَب الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابلةُ إلى أنَّ الأكلَ مُستحبٌّ والصَّدقةَ واجبةٌ، فإنْ أكلَ جميعَها لم يُجزِئْ، ويَجبُ عليه أنْ يَتصدقَ بقَدرِ ما يَقعُ عليه الاسمُ كالأُوقيَّةِ بمثلِه لَحمًا، والأفضلُ أنْ يَتصدقَ بجميعِها؛ لأنَّه أعظمُ أجرًا ومُسارَعة إلى الخَيراتِ، إلا لُقمًا يَتبَرَّكُ بأكلِها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أكَل من كَبدِ البُدنِ التي نحَرها. والدَّليلُ على وُجوبِ التَّصدقِ ببعضِها قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]، فجعَلها لنا، ولم يجعَلْها علينا، فدلَّ على أنَّ أكلَنا منها مُباحٌ، وليس بواجبٍ، ولأنَّ حُقوقَ الإنسانِ هو مُخيَّرٌ فيها بينَ الاستِبقاءِ والإسقاطِ، ولأنَّ مَوضوعَ القُربِ بالأُصولِ أنَّها مُستحقَّةٌ عليه وليست مُستحقَّةً له، ولأنَّ قولَه تَعالى في الضَّحايا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ جارٍ مَجرى قولِه في الزَّكاةِ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. فكان أكلُه مُباحًا والإيتاءُ واجبًا كذلك الأكلُ من الأُضحيَّةِ مُباحٌ والإطعامُ واجبٌ (١). حُكمُ الأكلِ من الأُضحيَّةِ المَنذورةِ: الأصلُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أنَّه لا يَحلُّ للناذرِ أنْ يَأكلَ من الأُضحيَّةِ المَنذورةِ.

стр. 3224

قال الحَنفيةُ: إذا نذَر ذَبْحَ شاةٍ أو نذَر أنْ يُضحِّيَ ولم يُسمِّ شيئًا فإنهُ يَقعُ على الشاةِ ولا يَأكلُ الناذرُ منها، ولو أكَل فعليه قيمةُ ما أكلَه؛ لأنَّ سَبيلَها التَّصدقُ وليس للمُتصدقِ أنْ يَأكلَ من صَدقتِه (١). وقال المالِكيةُ: لا يَجوزُ الأكلُ من النَّذرِ المُعيَّنِ للمَساكينِ باللَّفظِ، أو بالنِّيةِ بأنْ قال: هذا نَذرٌ للهِ علَيَّ، ونَوى أنْ يَكونَ للمساكينِ كانوا مُعيَّنين أو لا، فيَحرمُ على المُتقرِّبِ به ورَسولِه ومَأمورِهما ممَّن ليس مُستحقًّا الأكلُ منه. وأمَّا نَذرُ المَساكينِ غيرِ المُعيَّنِ لهم بلَفظٍ ولا نِيةٍ ك «علَيَّ هَديٌ أو بَدنةٌ للمَساكينِ» فيَجوزُ الأكلُ منه قبلَ مَحلِّه. وأمَّا النَّذرُ غيرُ المُعيَّنِ لغيرِ المَساكينِ فيَجوزُ أنْ يَأكلَ منه مُطلقًا ويَتزوَّدَ ويُطعِمَ الغَنيَّ والفَقيرَ، وسَواءٌ بلَغت المَحلَّ أو عطبَتْ، وإنَّما كان يَأكلُ منه قبلُ؛ لأنَّ عليه بَدلَه ويَأكلُ منه بعدَه؛ لأنَّ آكلَه غيرُ مُعيَّنٍ فهو على سُنةِ الهَدايا (٢). وأمَّا الشافِعيةُ فقال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وإنْ كان نَذرًا نُظر، فإنْ كان قد عيَّنه عما في ذِمتِه لم يَجزْ أنْ يأكلَ منه؛ لأنَّه بَدلٌ عن واجبٍ فلم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كالدَّمِ الذي يَجبُ بتَركِ الإحرامِ من الميقاتِ.

стр. 3225

وإنْ كان نَذرَ مُجازاةٍ كالنَّذرِ لشِفاءِ المَريضِ وقُدومِ الغائبِ لم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّه جَزاءٌ، فلم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كجَزاءِ الصَّيدِ، فإنْ أكَل شيئًا منه ضَمِنه. وفي ضَمانِه ثَلاثةُ أَوجُهٍ: أحدُها: يَلزمُه قيمةُ ما أكَل كما لو أكَل منه أجنَبيٌّ. والثاني: يَلزمُه مثلُه من اللَّحمِ؛ لأنَّه لو أكَل جميعَه ضَمِنه بمثلِه، فإذا أكَل بعضَه ضَمِنه بمثلِه. والثالِثُ: يَلزمُه أنْ يَشتريَ جُزءًا من حَيوانٍ مثلِه ويُشارِكَ في ذَبحِه. وإنْ كان نَذرًا مُطلقًا ففيه ثَلاثةُ أوجُهٍ: أحدُها: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّه إراقةُ دَمٍ واجبٍ، فلا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه كدَمِ الطِّيبِ واللِّباسِ. والثاني: يَجوزُ؛ لأنَّ مُطلَقَ النَّذرِ يُحملُ على ما تَقرَّر في الشَّرعِ، والهَديُ والأُضحيَّةُ المَعهودةُ في الشَّرعِ يَجوزُ الأكلُ منها، فحُمل النَّذرُ عليه. والثالِثُ: أنَّه إنْ كان أُضحيَّةً جازَ أنْ يَأكلَ منها؛ لأنَّ الأُضحيَّةَ المَعهودةَ في الشَّرعِ يَجوزُ الأكلُ منها، وإنْ كان هَديًا لم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّ أكثرَ الهَدايا في الشَّرعِ لا يَجوزُ الأكلُ منها، فحُمل النَّذرُ عليها (١).
следующие страницы →