وقال عَلقَمةُ: «بعَث معي عبدُ اللهِ بهَديِه فأمَرني أنْ آكلَ ثُلثًا وأنْ أُرسلَ إلى أهلِ أخيه عُتبةَ بثُلثٍ وأنْ أَتصدقَ بثُلثٍ».
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ قال: الضَّحايا والهَدايا ثُلثٌ لكَ وثُلثٌ لأهلِكَ وثُلثٌ للمَساكينِ» (١).
وذهَب الشافِعيةُ في القَديمِ إلى أنَّه يَأكلُ ويَدخِرُ ويُهدي النِّصفَ ويَتصدقُ على الفُقراءِ بالنصفِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨]. فجعَلها في صِنفَين فاقتَضى أنْ تَكونَ بينَهما نِصفَين (٢).
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ لصاحبِ الأُضحيَّةِ أنْ يَأكلَ منها، وأنْ يَتصدقَ على الفُقراءِ منها، وأنْ يُعطيَ أصحابَه منها، ولا تَحديدَ في ذلك لا برُبعٍ ولا بغيرِه، فإنِ اقتصَر على أحدِها أو اثنَين منها فقد ترَك الأفضلَ.
قال مالكٌ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا أنْ ليس في الضَّحايا والنَّذرِ والتطوُّعِ قسْمٌ مَوصوفٌ ولا حدٌّ مَعلومٌ (٣).
стр. 3222
هل يَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ بشيءٍ من الأُضحيَّةِ أو لا يَجبُ؟
اختلَف الفُقهاءُ في الأُضحيَّةِ هل يَجبُ على المُضحِّي أنْ يَتصدقَ بشيءٍ منها أو يَجوزُ أكلُها كلِّها؟
فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه أنْ يَتصدقَ بشيءٍ منها، فلو أكلَها كلَّها أجزأه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، فجعَل مَقصودَها التَّقوى بعدَ الإراقةِ دونَ الأكلِ والصَّدقةِ. ولأنَّه لمَّا كان لو أكلَ أكثرَها كان جميعُها أُضحيَّةً كذلك إذا أكلَ جميعَها (١).
وذهَب الشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّ الأكلَ والصَّدقةَ واجبان، فإنْ أكَل جميعَها لم يُجزِئْه، وإنْ تَصدَّق بجميعِها لم يُجزِئْه حتى يَجمَع بينَ الأكلِ والصَّدقةِ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨] فجمَع بينَهما وأمرَ بهما، فدلَّ على وُجوبهما، ولأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نحَر في حَجةٍ مئةَ بَدنةٍ، وأمرَ عَليًّا أنْ يأتيَه من كلِّ بَدنةٍ ببِضعةٍ ثم أمرَ بها فطُبخَت فأكل من لَحمِها، وحَسا من مَرقِها، فلمَّا أكَل من كلِّ بَدنةٍ مع كَثرتِها دلَّ على وُجوبِ أكلِه منها (٢).
стр. 3223
وذهَب الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابلةُ إلى أنَّ الأكلَ مُستحبٌّ والصَّدقةَ واجبةٌ، فإنْ أكلَ جميعَها لم يُجزِئْ، ويَجبُ عليه أنْ يَتصدقَ بقَدرِ ما يَقعُ عليه الاسمُ كالأُوقيَّةِ بمثلِه لَحمًا، والأفضلُ أنْ يَتصدقَ بجميعِها؛ لأنَّه أعظمُ أجرًا ومُسارَعة إلى الخَيراتِ، إلا لُقمًا يَتبَرَّكُ بأكلِها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أكَل من كَبدِ البُدنِ التي نحَرها.
والدَّليلُ على وُجوبِ التَّصدقِ ببعضِها قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]، فجعَلها لنا، ولم يجعَلْها علينا، فدلَّ على أنَّ أكلَنا منها مُباحٌ، وليس بواجبٍ، ولأنَّ حُقوقَ الإنسانِ هو مُخيَّرٌ فيها بينَ الاستِبقاءِ والإسقاطِ، ولأنَّ مَوضوعَ القُربِ بالأُصولِ أنَّها مُستحقَّةٌ عليه وليست مُستحقَّةً له، ولأنَّ قولَه تَعالى في الضَّحايا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ جارٍ مَجرى قولِه في الزَّكاةِ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. فكان أكلُه مُباحًا والإيتاءُ واجبًا كذلك الأكلُ من الأُضحيَّةِ مُباحٌ والإطعامُ واجبٌ (١).
حُكمُ الأكلِ من الأُضحيَّةِ المَنذورةِ:
الأصلُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أنَّه لا يَحلُّ للناذرِ أنْ يَأكلَ من الأُضحيَّةِ المَنذورةِ.
стр. 3224
قال الحَنفيةُ: إذا نذَر ذَبْحَ شاةٍ أو نذَر أنْ يُضحِّيَ ولم يُسمِّ شيئًا فإنهُ يَقعُ على الشاةِ ولا يَأكلُ الناذرُ منها، ولو أكَل فعليه قيمةُ ما أكلَه؛ لأنَّ سَبيلَها التَّصدقُ وليس للمُتصدقِ أنْ يَأكلَ من صَدقتِه (١).
وقال المالِكيةُ: لا يَجوزُ الأكلُ من النَّذرِ المُعيَّنِ للمَساكينِ باللَّفظِ، أو بالنِّيةِ بأنْ قال: هذا نَذرٌ للهِ علَيَّ، ونَوى أنْ يَكونَ للمساكينِ كانوا مُعيَّنين أو لا، فيَحرمُ على المُتقرِّبِ به ورَسولِه ومَأمورِهما ممَّن ليس مُستحقًّا الأكلُ منه.
وأمَّا نَذرُ المَساكينِ غيرِ المُعيَّنِ لهم بلَفظٍ ولا نِيةٍ ك «علَيَّ هَديٌ أو بَدنةٌ للمَساكينِ» فيَجوزُ الأكلُ منه قبلَ مَحلِّه.
وأمَّا النَّذرُ غيرُ المُعيَّنِ لغيرِ المَساكينِ فيَجوزُ أنْ يَأكلَ منه مُطلقًا ويَتزوَّدَ ويُطعِمَ الغَنيَّ والفَقيرَ، وسَواءٌ بلَغت المَحلَّ أو عطبَتْ، وإنَّما كان يَأكلُ منه قبلُ؛ لأنَّ عليه بَدلَه ويَأكلُ منه بعدَه؛ لأنَّ آكلَه غيرُ مُعيَّنٍ فهو على سُنةِ الهَدايا (٢).
وأمَّا الشافِعيةُ فقال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وإنْ كان نَذرًا نُظر، فإنْ كان قد عيَّنه عما في ذِمتِه لم يَجزْ أنْ يأكلَ منه؛ لأنَّه بَدلٌ عن واجبٍ فلم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كالدَّمِ الذي يَجبُ بتَركِ الإحرامِ من الميقاتِ.
стр. 3225
وإنْ كان نَذرَ مُجازاةٍ كالنَّذرِ لشِفاءِ المَريضِ وقُدومِ الغائبِ لم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّه جَزاءٌ، فلم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كجَزاءِ الصَّيدِ، فإنْ أكَل شيئًا منه ضَمِنه.
وفي ضَمانِه ثَلاثةُ أَوجُهٍ:
أحدُها: يَلزمُه قيمةُ ما أكَل كما لو أكَل منه أجنَبيٌّ.
والثاني: يَلزمُه مثلُه من اللَّحمِ؛ لأنَّه لو أكَل جميعَه ضَمِنه بمثلِه، فإذا أكَل بعضَه ضَمِنه بمثلِه.
والثالِثُ: يَلزمُه أنْ يَشتريَ جُزءًا من حَيوانٍ مثلِه ويُشارِكَ في ذَبحِه.
وإنْ كان نَذرًا مُطلقًا ففيه ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّه إراقةُ دَمٍ واجبٍ، فلا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه كدَمِ الطِّيبِ واللِّباسِ.
والثاني: يَجوزُ؛ لأنَّ مُطلَقَ النَّذرِ يُحملُ على ما تَقرَّر في الشَّرعِ، والهَديُ والأُضحيَّةُ المَعهودةُ في الشَّرعِ يَجوزُ الأكلُ منها، فحُمل النَّذرُ عليه.
والثالِثُ: أنَّه إنْ كان أُضحيَّةً جازَ أنْ يَأكلَ منها؛ لأنَّ الأُضحيَّةَ المَعهودةَ في الشَّرعِ يَجوزُ الأكلُ منها، وإنْ كان هَديًا لم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّ أكثرَ الهَدايا في الشَّرعِ لا يَجوزُ الأكلُ منها، فحُمل النَّذرُ عليها (١).
стр. 3226
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀ في شَرحِه لكلامِ الشِّيرازيِّ: الحالُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الهَديُ أو الأُضحيَّةُ مَنذورًا، قال الأصحابُ: كلُّ هَديٍ وجَب ابتِداءً من غيرِ التِزامٍ كدَمِ التَّمتُّعِ والقِرانِ وجُبراناتِ الحَجِّ لا يَجوزُ الأكلُ منه بلا خِلافٍ، فلو أكَل منه غَرِمَ ولا يَجبُ إراقةُ الدَّمِ ثانيةً، وفيما يَغرَمُه أَوجُهٌ: أَصحُّها وهو نصُّه في القَديمِ: يَغرَمُ قيمةَ اللَّحمِ كما لو أتلَفه غيرُه، والثاني: يَلزمُه مثلُ ذلك اللَّحمِ فيَتصدَّقُ به، والثالِثُ: يَلزمُه شِقصٌ من حَيوانٍ مثلِه، ويُشاركُ في ذَبيحةٍ؛ لأنَّ ما أكلَه أبطَل حُكمَ إراقةِ الدَّمِ فيه، فصار كما لو ذبَحه وأكلَ الجميعَ فإنَّه يَلزمُه دَمٌ آخرُ.
وأمَّا المُلتزمُ بالنَّذرِ من الهَدايا، فإنْ عيَّنه بالنَّذرِ عمَّا في ذِمتِه من دَمِ حَلقٍ أو تَطيُّبٍ ولِباسٍ وغيرِ ذلك لم يَجزْ له الأكلُ منه، كما لو ذبَح شاةً بهذه النِّيةِ بغيرِ نَذرٍ وكالزَّكاةِ.
وإنْ نذَر نَذرَ مُجازاةٍ، كتَعليقِه التِزامَ الهَديِ أو الأُضحيَّةِ بشِفاءِ المَريضِ ونحوِه لم يَجزِ الأكلُ منه أيضًا كجَزاءِ الصَّيدِ، ومُقتضَى كَلامِ الأصحابِ أنَّه لا فرقَ بينَ كَونِ المُلتزَمِ مُعيَّنًا أو مُرسَلًا في الذمَّةِ ثم يَذبحُ عنه.
فإنْ أطلَق الالتِزامَ فلم يُعلِّقْه بشيءٍ وقُلنا بالمَذهبِ إنَّه يَصحُّ نَذرُه ويَلزمُه الوَفاءُ نُظر فإنْ كان المُلتزَمُ مُعيَّنًا بأنْ قال: للهِ علَيَّ أنْ أُضحيَ بهذه أو أُهديَ هذه، ففي جوازِ الأكلِ منها قَولان، ووَجهٌ، أو ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أصحُّها: لا يَجوزُ الأكلُ من الهَديِ ولا الأُضحيَّةِ.
والثاني: يَجوزُ.
стр. 3227
والثالِثُ: يَجوزُ من الأُضحيَّةِ دونَ الهَديِ، وأدلَّةُ الثَّلاثةِ في الكِتابِ. ومِن هذا القَبيلِ المَنعُ في المُرسَلِ سَواءٌ عيَّن عَينَه ثم ذبَح أو ذبَح بلا تَعيينٍ؛ لأنَّه عن دَينٍ في الذمَّةِ فأشبَه الجُبراناتِ. وبهذا قال الماوَرديُّ. وهو مُقتَضى سياقِ الشَّيخِ أبي علِيٍّ. وحيث منَعنا الأكلَ في المَنذورةِ فأكَل فعليه الغُرمُ. وفيما يُغرَّمُه الأوجُهُ الثَّلاثةُ السابِقةُ في الجُبراناتِ. وحيث جوَّزنا الأكلَ ففي قَدرِ ما يأكلُه القَولان في أُضحيَّةِ التطوُّعِ. كذا قاله البغَويُّ. قال الرافِعيُّ: ولك أنْ تَقولَ: ذلك الخِلافُ في قَدرِ المُستحبِّ أكلُه. ولا يَبعدُ أنْ يُقالَ: لا يُستحبُّ الأكلُ، وأقلُّ ما في تَركِه الخُروجُ من الخِلافِ، واللهُ أعلمُ (١).
وقال الحَنابلةُ: لا يَجوزُ الأكلُ من المَنذورِ؛ لتَعيينِه للهِ ولا مِنْ نَذرِ الأُضحيَّةِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ.
وأجاز أبو بَكرٍ ومالَ إليه ابنُ قُدامةَ الأكلَ من أُضحيَّةِ النَّذرِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ نذَر أُضحيَّةً في ذِمتِه ثم ذبَحها فله أنْ يَأكلَ منها، وقال القاضي: مِنْ أصحابِنا مَنْ منَع الأكلَ منها، وهو ظاهرُ كَلامِ أحمدَ، وبَناه على الهَديِ المَنذورِ.
ولنا: أنَّ النَّذرَ مَحمولٌ على المَعهودِ، والمَعهودَ من الأُضحيَّةِ الشَّرعيَّةِ ذَبحُها والأكلُ منها، والنَّذرُ لا يُغيِّرُ من صِفةِ المَنذورِ إلا الإيجابَ، وفارَق
стр. 3228
الهَديَ الواجبَ بأصلِ الشَّرعِ لا يَجوزُ الأكلُ منه، فالمَنذورُ مَحمولٌ عليه بخِلافِ الأُضحيَّةِ (١).
وعلى المَذهبِ إنْ أكلَ منها ما مُنع من أكلِه ضَمِنه بمِثلِه لَحمًا؛ لأنَّ الجميعَ مَضمونٌ عليه بمثلِه حَيوانًا، فكذلك أبعاضُه، وكذلك إنْ أعطى الجازرَ منها شيئًا ضمِنه بمثلِه.
وإنْ باع شيئًا منها أو أتلَفه ضمِنه بمثلِه؛ لأنَّه مَمنوعٌ من ذلك، فأشبَه عَطيَّتَه للجازرِ، وإنْ أتلَف أجنَبيٌّ منه شيئًا ضمِنه بقِيمتِه؛ لأنَّ المُتلَفَ من غيرِ ذواتِ الأمثالِ، فلَزِمتْه قِيمتُه كما لو أتلَف لَحمًا لِآدميٍّ مُعيَّنٍ (٢).
حُكمُ ادِّخارِ لُحومِ الأضاحيِّ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ ادِّخارُ لُحومِ الأضاحيِّ لِما روَى جابرٌ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ : «أنه نَهى عن أَكلِ لُحومِ الضَّحايا بعدَ ثَلاثٍ، ثم قال بعدُ: كُلوا وتَزوَّدوا وادَّخِروا» (٣).
وعن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بَكرٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ واقدٍ قال: «نَهى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن أَكلِ لُحومِ الضَّحايا بعدَ ثلَاثٍ»، قال عبدُ اللَّهِ بنُ أبي بَكرٍ: فذكَرتُ ذلك لعَمرةَ فقالت: صدَق، سمِعتُ عائشةَ تَقولُ: دفَّ أَهلُ
стр. 3229
أَبياتٍ من أَهلِ الباديَةِ حَضرةَ الأَضحَى زمنَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «ادَّخِروا ثَلاثًا ثم تَصدَّقوا بمَا بقِي»، فلمَّا كان بعدَ ذلك قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ الناسَ يتَّخذُونَ الأَسقيَةَ من ضَحاياهم ويَجمُلونَ منها الودَكَ، فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : وما ذاكَ؟ قالوا: نَهيْتَ أنْ تُؤكلَ لُحومُ الضَّحايا بعدَ ثَلاثٍ، فقال: «إنَّما نَهيتُكم من أجْلِ الدافَّةِ التي دفَّتْ، فكُلوا وادَّخِروا وتَصدَّقوا» (١).
قال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: وفيه أنَّ النَّهيَ عن أكلِ لُحومِ الضَّحايا بعدَ ثَلاثٍ مَنسوخٌ بإباحةِ ذلك، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ عُلماءِ المُسلمِين (٢).
وقال الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وبإباحةِ أكلِ لُحومِ الأضاحيِّ وتَزوُّدِها قال مالكٌ والكُوفيُّونَ والشافِعيُّ وجُمهورُ الأئمَّةِ (٣).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ ادِّخارُ لُحومِ الأضاحيِّ فَوقَ ثَلاثٍ في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ (٤).
وقال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: والدافَّةُ النازِلةُ، يُقالُ: دفَّ القَومُ مَوضعَ كذا، إذا نزَلوا فيه، فاختلَف أصحابُنا في مَعنى هذا النَّهيِ والإباحةِ على وَجهَين:
стр. 3230
أحدُهما: أنَّه نَهيُ تَحريمٍ على العُمومِ في المَدينةِ التي دَفَّ الباديةُ إليها، وفي غيرِها حرُم به ادِّخارُ لُحومِ الأضاحيِّ بعدَ ثَلاثٍ في جميعِ البِلادِ، وعلى جميعِ المُسلمين وكانت الدافَّةُ سَببًا للتَّحريمِ ولم تَكنْ عِلةً للتَّحريمِ، ثم ورَدت الإباحةُ بعدَها نَسخًا للتَّحريمِ، فعمِل جميعُ الصَّحابةِ بالنَّسخِ إلا علِيَّ ابنَ أبي طالِبٍ ﵇، فإنَّه بقِي على حُكمِ التَّحريمِ في المَنعِ من ادِّخارِها بعدَ ثَلاثٍ، ولم يَحكمْ بالنَّسخِ؛ لأنَّه لم يَسمعْه. وقد رَوى الشافِعيُّ عن مالكٍ عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن أكلِ لُحومِ الأضاحيِّ بعدَ ثَلاثةٍ، ثم قال: كُلوا وتَزوَّدوا وادَّخِروا»، فعلى هذا إذا دفَّ قَومٌ إلى بلدٍ من فاقةٍ لم يَحرُمِ ادِّخارُهم لُحومَ الأضاحيِّ لاستِقرارِ النَّسخِ.
والوَجهُ الثاني: أنَّه نَهيُ تَحريمٍ خاصٌّ لمُعيَّنٍ حادثٍ اختَصَّ بالمَدينةِ ومَن فيها دونَ غيرِهم لنُزولِ الدافَّةِ عليهم، وكانت الدافَّةُ عِلةً لتَحريمٍ، ثم ارتفَع التَّحريمُ بارتِفاعِ مُوجِبِه، وكانت إباحةُ الرَّسولِ ﷺ إخبارًا عن السَّببِ ولم تَكنْ نَسخًا.
فعلى هذا اختلَف أصحابُنا إذا حدَث مثلُه في زَمانِنا فَدَفَّ ناسٌ إلى الفاقةِ، فهل يَحرمُ على أهلِه ادِّخارُ لُحومِ الأضاحيِّ لأجلِهم لوُجودِ عِلةِ التَّحريمِ كما حَرُمَ عليهم بالمَدينةِ في عَهدِ الرَّسولِ ﷺ أو لا؟ على وَجهَين:
أحدُهما: يَحرمُ عليهم؛ لوُجودِ عِلةِ التَّحريمِ كما حرُم عليهم بالمَدينةِ في عَهدِ الرَّسولِ ﷺ .
стр. 3231
والوَجهُ الثاني: لا يَحرمُ؛ لأنَّ التَّعليلَ بالدافَّةِ كان لزَمانٍ على صِفةٍ فصار مَقصورًا عليه (١).
وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واختلَف العُلماءُ في الأخذِ بهذه الأحاديثِ فقال قَومٌ: يَحرمُ إمساكُ لُحومِ الأضاحيِّ والأكلُ منها بعدَ ثَلاثٍ، وإنَّ حُكمَ التَّحريمِ باقٍ كما قاله عليٌّ وابنُ عُمرَ، وقال جَماهيرُ العُلماءِ: يُباحُ الأكلُ والإمساكُ بعدَ الثَّلاثِ والنَّهيُ مَنسوخٌ بهذه الأحاديثِ المُصرِّحةِ بالنَّسخِ لا سيَّما حَديثَ بُريدةَ وهذا من نَسخِ السُّنةِ بالسُّنةِ، وقال بعضُهم: ليس هو نَسخًا بل كان التَّحريمُ لِعلةٍ، فلمَّا زالت زال لحَديثِ سَلمةَ وعائشةَ، وقيلَ: كان النَّهيُ الأولُ للكَراهةِ لا للتَّحريمِ، قال هؤلاء: والكَراهةُ باقيةٌ إلى اليومِ، ولكنْ لا يَحرمُ، قالوا: ولو وقَع مِثلُ تلك العلَّةِ اليومَ فدفَّت دافَّةٌ واساهُم الناسُ وحمَلوا على هذا مَذهبَ عليٍّ وابنِ عُمرَ.
والصَّحيحُ نَسخُ النَّهيِ مُطلقًا، وأنَّه لم يَبقَ تَحريمٌ ولا كَراهةٌ، فيُباحُ اليومَ الادِّخارُ فَوقَ ثَلاثٍ، والأكلُ إلى متى شاءَ؛ لصَريحِ حَديثِ بُريدةَ وغيرِه، واللهُ أعلمُ (٢).
إعطاءُ الجَزَّارِ شيئًا من الأُضحيَّةِ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُعطيَ الجَزارَ شيئًا من الأُضحيَّةِ أُجرةً له، لِما رَواه مُسلمٌ عن عَليٍّ ﵁ قال: «أمَرني رَسولُ
стр. 3232
اللَّهِ ﷺ أنْ أقُومَ على بُدنِه وأنْ أتَصدَّق بلَحمِها وجُلودِها وأَجلَّتِها وأَلَّا أُعطيَ الْجَزارَ منها، قال: نحنُ نُعطيهِ من عندِنا» (١).
ولأنَّ ما يَدفعُه إلى الجَزارِ أُجرةً عِوضٌ عن عَملِه وجِزارتِه ولا تَجوزُ المُعاوضةُ لشيءٍ منها، فأمَّا إنْ دفَع إليه لفَقرِه أو على سَبيلِ الهَديةِ فلا بأسَ؛ لأنَّه مُستحِقٌّ للأخذِ، فهو كغيرِه بل هو أوْلى؛ لأنَّه باشرَها وتاقَت نَفسُه إليها (٢).
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولا يَجوزُ إعطاءُ الجَزارِ منها شيئًا بسَببِ جِزارتِه، هذا مَذهبُنا وبه قال عَطاءٌ والنَّخعيُّ ومالكٌ وأحمدُ وإسحاقُ، وحَكى ابنُ المُنذرِ عن ابنِ عُمرَ وأحمدَ وإسحاقَ أنَّه لا بأسَ ببَيعِ جِلدِ هَديِه ويَتصدَّقُ بثَمنِه، قال: ورخَّص في بَيعِه أبو ثَورٍ، وقال النَّخعيُّ والأوزاعيُّ: لا بأسَ أنْ يَشتريَ به الغِربالَ والمُنخُلَ والفأسَ والميزانَ ونحوَها، وقال الحَسنُ البَصريُّ: يَجوزُ أنْ يُعطيَ الجَزارَ جِلدَها، وهذا مُنابذٌ للسُّنةِ، واللهُ أعلمُ (٣).
стр. 3233
بَيعُ شيءٍ من الأُضحيَّةِ والانتِفاعُ بها:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ الأُمَّةِ على جوازِ الانتِفاعِ بالضَّحيَّةِ بجُلودِها وجِلالِها؛ لأنَّه جُزءٌ منها فجازَ للمُضحِّي الانتِفاعُ به كاللَّحمِ، وكان عَلقَمةُ ومَسروقٌ يَدبُغان جِلدَ أُضحيَّتِهما يُصلِّيان عليه.
ورَوت عائشةُ ﵂ قالَتْ: قلتُ: «يا رَسولَ اللهِ ﷺ قد كانوا يَنتفِعون من ضَحاياهم يَحمِلون منها الوَدكَ ويَتخِذون منها الأسقيةَ، قال: وما ذاك؟ قالت: نهَيتَ عن إمساكِ لُحومِ الأضاحيِّ فوقَ ثَلاثٍ، قال: إنَّما نَهيتُكم للدافَّةِ التي دفَّت، فكُّوا وتَزوَّدوا وتَصدَّقوا» حَديثٌ صَحيحٌ رَواه مالكٌ عن عَبدِ اللهِ بنِ أبي بَكرٍ عن عَمرةَ عن عائشةَ ﵂.
ولأنَّه انتِفاعٌ به فجازَ كلَحمِها.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يَجوزُ أنْ يَبيعَ شيئًا منها كجِلدِها أو لَحمِها أو لا يَجوزُ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ لَحمِها ولا جِلدِها ولا شَعرِها ولا غيرِ ذلك، لأنَّها خرَجت قُربةً للهِ ، والقُربُ لا تَقبلُ المُعاوضةَ، وإنَّما أباحَ اللهُ الانتِفاعَ بها من أكلٍ وصَدقةٍ وعَطيَّةٍ، ولا تَنافيَ بينَ مِلكِ الانتِفاعِ ومَنعِ البَيعِ، وسَواءٌ كانت واجبةً أو تطوُّعًا، لأنَّها تَعيَّنت بالذَّبحِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ «أمَر بقَسمِ جُلودِها وجِلالِها، ولنَهيِه أنْ يُعطَى الجازرُ شيئًا منها»، ولأنَّه
стр. 3234
جعَله للهِ تَعالى، فلم يَجزْ بَيعُه كالوَقفِ وما ذكَروه في شِراءِ آلةِ البَيتِ يَبطلُ باللَّحمِ لا يَجوزُ بَيعُه بآلةِ البَيتِ وإنْ كان يُنتفعُ به (١).
وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجوزُ بَيعُ جِلدِها ويَشتري به ما يَنتفعُ بعَينِه في البَيتِ مع بَقائه مِثل المُنخُلِ والجِرابِ وغيرِ ذلك، ولا يَشتَري ما تُستَهلكُ عَينُه، كالخلِّ والمِلحِ والأبرازِ والحِنطةِ واللَّبنِ.
واللَّحمُ في هذا كالجِلدِ على الصَّحيحِ.
فإنْ باعَ الجِلدَ واللَّحمَ بالفُلوسِ أو الدَّراهمِ أو الحِنطةِ: تَصدَّق بثَمنِه؛ لأنَّ القُربةَ انتقَلت إلى بَدلِه (٢).
الأُضحيَّةُ عن المَيِّتِ:
نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الميِّتَ إذا كان أوصَى بالتَّضحيةِ عنه فإنَّه يَجوزُ بالاتِّفاقِ، وكذا إذا كانَ قد نذَرها.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في جوازِ الأُضحيَّةِ عن الميِّتِ إذا لم يُوصِ بها هل يَجوزُ التَّضحيةُ عنه أو لا؟
стр. 3235
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه تُكرهُ ولا تَجوزُ الأُضحيَّةُ عن الميِّتِ
قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وإنْ كان أحدُ الشُّركاءِ ممَّن يُضحِّي عن ميِّتٍ جازَ.
ورُوي عن أبي يُوسفَ ﵀ أنَّه لا يَجوزُ، وذكَر في الأصلِ إذا اشترَك سَبعةٌ في بَدنةٍ فماتَ أحدُهم قبلَ الذَّبحِ فرضِي ورَثتُه أنْ يُذبحَ عن الميِّتِ جازَ استِحسانًا، والقياسُ أنَّه لا يَجوزُ.
وَجهُ القياسِ أنَّه لما ماتَ أحدُهم سقَط عنه الذَّبحُ وذبحُ الوارثِ لا يَقعُ عنه؛ إذ الأُضحيَّةُ عن الميِّتِ لا تَجوزُ، فصارَ نَصيبُه اللَّحمَ وأنَّه يُمنعُ من جوازِ ذَبحِ الباقين من الأُضحيَّةِ كما لو أرادَ أحدُهم اللَّحمَ في حالِ حياتِه.
وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ المَوتَ لا يَمنعُ التَّقربَ عن الميِّتِ بدَليلِ أنَّه يَجوزُ أنْ يُتصدَّقَ عنه ويُحَجَّ عنه، وقد صحَّ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ضحَّى بكَبشَين أحدُهما عن نَفسِه والآخَرُ عمَّن لا يَذبحُ من أُمتِه»، وإنْ كان منهم مَنْ قد مات قبلَ أنْ يَذبحَ، فدَلَّ على أنَّ الميِّتَ يَجوزُ أنْ يُتقرَّبَ عنه، فإذا ذبَح عنه صارَ نَصيبُه للقُربةِ فلا يَمنعُ جَوازَ ذَبحِ الباقين (١).
وقال ابنُ نُجيمٍ ﵀: وفي «الكُبرى»: لو ضحَّى عن الميِّتِ بغيرِ أمرِه لا يَجوزُ، وهو المُختارُ، وفي رِوايةٍ: تَجوزُ.
стр. 3236
واختَلفُوا هل الأُضحيَّةُ عن الميِّتِ أفضلُ أو التَّصدقُ أفضلُ ذهَب بعضُهم إلى أنَّ التَّصدقَ أفضلُ، وذهَب بعضُهم إلى أنَّ الأُضحيَّةَ أفضلُ (١).
وقال المالِكيةُ: يُكرهُ الأُضحيَّةُ عن الميِّتِ؛ لأنَّه لم يَردْ عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أصحابِه ولا عن أحَدٍ من السَّلفِ، وأيضًا فإنَّ المَقصودَ بذلك غالِبًا المُباهاةُ والمُفاخَرةُ.
إلا إذا عيَّنها قبلَ مَوتِه بغيرِ الذَّبحِ أو النَّذرِ نُدب لوارِثِه إنفاذُها وإنْ عيَّنها بالنَّذرِ أو بالذَّبحِ بأنْ ذبَحها ثم مات تَعيَّن على الوارثِ إنفاذُها (٢).
وقال الشافِعيةُ: لا تَضحيةَ عن ميِّتٍ إنْ لم يُوصِ بها لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] فإنْ أوصى بها جازَ، ففي سُننِ أبي داودَ والبَيهَقيِّ والحاكِمِ «أنَّ علِيَّ بنَ أبي طالِبٍ كان يُضحِّي بكَبشَين عن نَفسِه وكَبشَين عن النَّبيِّ ﷺ ، وقال: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ أنْ أُضحِّيَ عنه فأنا أُضحِّي عنه أبدًا»، لكنَّه من رِوايةِ شَريكٍ القاضي، وهو ضَعيفٌ (٣).
وذهَب الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَجوزُ الأُضحيَّةُ عن الميِّتِ وإنْ لم يُوصِ بها، لأنَّها ضَربٌ من الصَّدقةِ، وهي تَصحُّ عن الميِّتِ وتَنفعُه
стр. 3237
لِما رَواه حَنشٌ عن عَليٍّ «أنَّهُ كان يُضحِّي بكَبشَين أحدُهما عن النَّبيِّ ﷺ وَالآخَرُ عن نَفسِه، فقيل له، فقال: أمَرني بهِ، يَعني النَّبيَّ ﷺ ، فلا أدَعُه أبدًا» (١)(٢).
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا التَّضحيةُ عن الميِّتِ فقد أطلَق أبو الحَسنِ العبَّاديُّ جَوازَها، لأنَّها ضَربٌ من الصَّدقةِ، والصَّدقةُ تَصحُّ عن المَيتِّ وتَنفعُه وتَصلُ إليه بالإجماعِ. وقال صاحبُ العُدةِ والبَغويُّ: لا تَصحُّ التَّضحيةُ عن الميِّتِ إلا أنْ يُوصيَ بها، وبه قطَع الرافِعيُّ في المُجرَّدِ، واللهُ تَعالى أعلمُ.
واحتجَّ العبَّاديُّ وغيرُه في التَّضحيةِ عن الميِّتِ بحَديثِ علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ «أنَّه كان يُضحِّي بكَبشَين عن النَّبيِّ ﷺ وبكَبشَين عن نَفسِه، وقال: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرني أنْ أُضحيَ عنه أبدًا، فأنا أُضحِّي عنه أبدًا»، رَواه أبو داودَ والتِّرمِذيُّ والبَيهقيُّ. قال البَيهقيُّ: إنْ ثبَت هذا كان فيه دِلالةٌ على صِحةِ التَّضحيةِ عن الميِّتِ، واللهُ أعلمُ (٣).
وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وتَجوزُ الأُضحيَّةُ عن الميِّتِ كما يَجوزُ الحَجُّ عنه والصَّدقةُ عنه، ويُضحَّى عنه في البَيتِ، ولا يُذبحُ عندَ القَبرِ أُضحيَّةٌ ولا غيرُها (٤).
стр. 3238
كتاب العَقيقة
стр. 3239
كتاب العَقيقة
تَعريفُ العَقيقةِ:
العَقيقةُ لُغةً: الشَّقُّ والقَطعُ، وإليه يَرجعُ عُقوقُ الوالِدَين، وهو قَطعُهما؛ لأنَّ الشقَّ والقَطعَ واحدٌ، يُقالُ: عقَّ ثَوبَه إذا شقَّه، وسُمِّيت به الذَّبيحةُ لأنَّها يُشقُّ حُلقومُها.
وقيلَ: أصلُ العَقيقةِ في اللُّغةِ: هو الشَّعرُ الذي يُخلَقُ على المَولودِ، وجَمعُه: أعقَّةٌ وعَقائقُ. قال امرؤُ القَيسِ:
أيا هِندُ لا تَنكِحي بُوهةً … عليه عَقيقَتُه أحسَبَا
و (البُوهةُ): الأحمقُ، يُريدُ أنَّه مِنْ حُمقِه لم يَحلقْ شَعرَه الذي وُلد وهو عليه، و (الأحسبُ): الشَّعرُ الأحمرُ الذي يَضربُ إلى البَياضِ.
ثم سمَّت العَربُ ما يُذبحُ عن الصَّبيِّ يومَ السابِعِ عندَ حَلقِ ذلك الشَّعرِ
стр. 3240
عَقيقةً؛ لأنَّهم يُسمُّون الشيءَ باسمِ سَببِه، أو ما جاوَره، كما سمَّوا المَرأةَ ظَعينةً، وإنَّما الظَّعينةُ هي الناقةُ التي تُحملُ عليها المَرأةُ (١).
والعَقيقةُ في الشَّرعِ عرَّفها الفُقهاءُ بعِدةِ تَعريفاتٍ:
قال المالِكيةُ: العَقيقةُ: ذَبحُ شاةٍ عن المَولودِ يومَ سابعِه (٢).
وقيلَ: وهي ما يُذبحُ من النَّعمِ في سابعِ وِلادةِ المَولودِ (٣).
وعرَّفها ابنُ عَرفةَ ﵀ بقَولِه: العَقيقةُ: ما تُقُرِّب بذَكاتِه من جَذعِ ضأنٍ أو ثَنيِّ سائرِ النعَم سالِمين من بينِ عَيبٍ مَشروطٍ بكَونِه في نَهارِ سابِعِ وِلادةِ آدَميٍّ حَيٍّ عنه (٤).
وقال الشافِعيةُ: هي اسمٌ لِما يُذبحُ يومَ حَلقِ رأسِه تَسميةً لها باسمِ ما يُقاربُها (٥).
وقال الحَنابلةُ: العَقيقةُ: الذَّبيحةُ التي تُذبحُ عن المَولودِ.
وقيلَ: هي الطَّعامُ الذي يُصنعُ ويُدعَى إليه مِنْ أجلِ المَولودِ (٦).
стр. 3241
فَوائدُ العَقيقةِ والحِكمةُ منها:
قال ابنُ القَيمِ ﵀: ومِن فوائدِها أنَّها قُربانٌ يُقرَّبُ به عن المَولودِ في أولِ أوقاتِ خُروجِه إلى الدُّنيا، والمَولودُ يَنتفِعُ بذلك غايةَ الانتِفاعِ كما يَنتفعُ بالدُّعاءِ له وإحضارِه مَواضعَ المَناسكِ والإحرامِ عنه وغيرِ ذلك.
ومن فَوائدِها: أنَّها تَفكُّ رِهانَ المَولودِ فإنَّه مُرتهَنٌ بعَقيقتِه، قال الإمامُ أحمدُ: مُرتهَنٌ عن الشَّفاعةِ لوالِديْه، وقال عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: مُرتهَنٌ بعَقيقتِه، قال: يُحرَمُ شَفاعةَ وَلدِه.
ومِن فَوائدِها: أنَّها فِديةٌ يُفدَى بها المَولودُ كما فَدى اللهُ سُبحانَه إسماعيلَ الذَّبيحَ بالكَبشِ، وقد كان أهلُ الجاهِليةِ يَفعلونها ويُسمُّونها عَقيقةً، ويُلطِّخون رأسَ الصَّبيِّ بدَمِها، فأقرَّ رَسولُ اللهِ ﷺ الذَّبحَ وأبطَل اسمَ العُقوقِ ولَطخَ رأسِ الصَّبيِّ بدَمِها، فقال: لا أُحبُّ العُقوقَ، وقال: لا يُمسُّ رأسُ المَولودِ بدَمٍ، وأخبَر ﷺ أنَّ ما يُذبحُ عن المَولودِ إنَّما ينبَغي أنْ يَكونَ على سَبيلِ النُّسكِ كالأُضحيَّةِ والهَديِ، فقال: «مَنْ أَحبَّ أنْ يَنسكَ عن وَلدِه فليَفعلْ» فجعَلها على سَبيلِ الأُضحيَّةِ التي جعَلها اللهُ نُسكًا وفِداءً لِإسماعيلَ ﵇ وقُربةً إليه ، وغيرُ مُستبعَدٍ في حِكمةِ اللهِ في شَرعِه وقَدرِه أنْ يَكونَ سَببًا لحُسنِ إنباتِ الوَلدِ ودوامِ سَلامتِه وطُولِ حَياتِه في حِفظِه من ضَررِ الشَّيطانِ حتى يَكونَ كلُّ عُضوٍ منها فِداءَ كلِّ عُضوٍ منه، ولهذا يُستحبُّ أنْ يُقالَ عليها ما يُقالُ على الأُضحيَّةِ.
стр. 3242
قال أبو طالِبٍ: سألتُ أبا عَبدِ اللهِ: إذا أرادَ الرَّجلُ أنْ يَعقَّ كيفَ يَقولُ؟ قال: يَقولُ: باسمِ اللهِ، ويَذبحُ على النِّيةِ كما يُضحِّي بنِيتِه يَقولُ: هذه عَقيقةُ فُلانِ بنِ فُلانٍ، ولهذا يَقولُ فيها: اللَّهمَّ منك ولك، ويُستحبُّ فيها ما يُستحبُّ في الأُضحيَّةِ من الصَّدقةِ وتَفريقِ اللَّحمِ، فالذَّبيحةُ عن الوَلدِ فيها مَعنى القُربانِ والشُّكرانِ والفِداءِ والصَّدقةِ وإطعامِ الطَّعامِ عندَ حَوادثِ السُّرورِ العِظامِ شُكرًا للهِ وإظهارًا لنِعمَتِه التي هي غايةُ المَقصودِ من النِّكاحِ، فإذا شُرع الإطعامُ للنِّكاحِ الذي هو وَسيلةٌ إلى حُصولِ هذه النِّعمةِ فلَأنْ يُشرعَ عندَ الغايةِ المَطلوبةِ أوْلى وأحرى.
وشُرع بوَصفِ الذَّبحِ المُتضمِّنِ لِما ذكَرناه من الحِكمِ فلا أحسنُ ولا أحلى في القُلوبِ من مِثلِ هذه الشَّريعةِ في المَولودِ، وعلى نحوِ هذا جرَت سُنةُ الوَلائمِ في المَناكِحِ وغيرِها، فإنَّها إظهارٌ للفَرحِ والسُّرورِ بإقامةِ شَرائعِ الإسلامِ وخُروجِ نَسمةٍ مُسلمةٍ يُكاثرُ بها رَسولُ اللهِ ﷺ الأُممَ يومَ القيامةِ تَعبُّدًا للهِ، ويُراغمُ عَدوَّه (١).
حُكمُ العَقيقةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ العَقيقةِ هل هي سُنةٌ أو مُباحةٌ وليست مُستحبَّةً؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأكثرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ العَقيقةَ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ، لِما رواه سَمرةُ بنُ جُندبٍ ﵁ قال: قال
стр. 3243
رَسولُ اللهِ ﷺ : «الغُلامُ مُرتَهنٌ بعَقيقتِه يُذبحُ عَنه يومَ السَّابِعِ، ويُسمَّى، ويُحلقُ رَأسُه» (١).
وفي لَفظٍ: «كلُّ غُلامٍ مُرتهَنٌ بِعَقيقتِه، تُذبحُ عنه يومَ السَّابِعِ ويُحلقُ رَأسُه ويُسمَّى» (٢).
وعن أمِّ كُرزٍ الكَعبِيةِ قالت: سمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «عن الغُلامِ شاتَانِ مُكافِئتانِ، وعَنِ الجارِيةِ شاةٌ لا يَضرُّكم أَذُكرانًا كنَّ أمْ إِناثًا» (٣).
وعن حَفصَةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ عن عائشةَ ﵂ قالت: «أمَرنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَعقَّ عن الغُلامِ شاتَينِ وعن الجارِيةِ شَاةً» (٤).
وعن سَلمانَ بنِ عَامرٍ الضَّبيِّ قال: سمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «مع الغُلامِ عَقيقةٌ فأَهرِيقوا عنه دمًا وأَميطوا عنه الأَذى» (٥).
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَباسٍ ﵄ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ عقَّ عن الحسنِ والحُسينِ كَبشًا كَبشًا» (٦). وفي رِوايةِ النَّسائيِّ وهي الأصحُّ: «بكَبشَين كَبشَين» (٧).
стр. 3244
ولأنَّ الإطعامَ على النِّكاحِ سُنةٌ، والوَلدَ مَقصودٌ به، والفَرَحَ به أشَدُّ، كان أوْلى باستِحبابِ الإطعامِ له (١).
قال ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقال مالكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وإسحاقُ: العَقيقةُ سُنةٌ يَجبُ العَملُ بها، ولا يَنبَغي تَركُها لمَن قدِر عليها.
وقال الكُوفيُّون: «ليسَت بسُنةٍ»، وقولُهم خِلافُ ما عليه العُلماءُ من التَّرغيبِ فيها، والحضِّ عليها، ألَا تَرى قولَ مالكٍ أنَّها من الأمرِ الذي لم يَزلْ عليه أمرُ الناسِ عندَنا.
وقال مُحمدُ بنُ الحَسنِ: «العَقيقةُ تطوُّعٌ ونَسخَها الأضحى»، ولا أصلَ لقولِه؛ إذ لاسلفَ له، ولا أثرَ به (٢).
قال الإمامُ ابنُ القَطانِ الفاسيُّ ﵀: قد اجتمَعَ في العَقيقةِ فِعلُه وأمرُه ﷺ ، وأثبَت سُنيَّتَها جميعُ أهلِ العِلمِ، فمنهم مَنْ أوجبَها، ومنهم من لم يرَها واجبةً (٣).
стр. 3245
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولنا على استِحبابِها هذه الأحاديثُ والإجماعُ، قال أبو الزِّنادِ: العَقيقةُ من أمرِ الناسِ، كانوا يَكرَهون تَركَه.
وقال أحمدُ: العَقيقةُ سُنةٌ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قد عقَّ عن الحَسنِ والحُسينِ وفعَله وأصحابُه وقال النَّبيُّ ﷺ : «الغُلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقَتِه»، وهو إسنادٌ جَيدٌ يَرويه أبو هُريرةَ عن النَّبيِّ ﷺ (١).
وقال الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وقالت طائفةٌ: العَقيقةُ ليست بواجبةٍ، ولكنَّها سُنةٌ يُسحَبُّ العَملُ بها، هكَذا قال مالكٌ، وهو قولُ الشافِعيِّ، وأبي ثَورٍ، واحتَجَّ بعضُهم بحَديثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَحبَّ أنْ يَنسُكَ عن وَلدِه، فليَنسُكْ، عن الغُلامِ شاتان مُكافِئتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ».
وأنكَر أصحابُ الرأيِ أنْ تَكونَ العَقيقةُ سُنةً، وخالَفوا في ذلك الأخبارَ الثابِتةَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، وعن أصحابِه والتابِعينَ، ثم هو بعدَ ذلك أمرٌ مَعمولٌ به بالحِجازِ قَديمًا وحَديثًا، استَعمَله العامَّةُ، ذكر مالكٌ أنَّه الأمرُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَهم.
وقال يَحيى الأنصاريُّ: أدرَكتُ الناسَ وما يَدعون العَقيقةَ عن الغُلامِ والجاريةِ، وممَّن كان يَرى العَقيقةَ عن الغُلامِ والجاريةِ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ وابنُ عُمرَ وعائشةُ أمُّ المُؤمِنين.
стр. 3246
وروَينا ذلك عن فاطمةَ بنتِ رَسولِ اللهِ ﷺ وعن بُريدةَ الأسلَميِّ والقاسمِ بنِ مُحمدٍ وعُروة بنِ الزُّبيرِ وعَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ والزُّهريِّ وأبي الزِّنادِ، ومالكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ وجَماعةٍ من أهلِ العِلمِ يَكثرُ عَددُهم، وانتشَرَ استِعمالُ ذلك في عامَّةِ بُلدانِ المُسلمين مُتَّبعِين في ذلك ما سنَّه لهم الرَّسولُ ﷺ ، وإذا كان كذلك لم يَضرَّ السُّنةَ من خالَفها، ولا عدَل عن القولِ بها (١).
وقال الإمامُ أبو عُمرَ بنُ عَبدِ البرِّ ﵀: الآثارُ كَثيرةٌ مَرفوعةٌ عن الصَّحابةِ والتابِعينَ وعُلماءِ المُسلمين في استِحبابِ العَملِ بها وتأكيدِ سُنتِها، ولا وَجهَ لمَن قال: إنَّ ذَبحَ الأضحى نسَخها (٢).
وذهَب الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّها مُباحةٌ، وفي قَولٍ: إنَّها مُستحبَّةٌ لِما رُوي عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه أُراهُ عن جَدهِ قال: سُئل رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن العَقيقةِ فقال: «لا يُحبُّ اللهُ العُقوقَ، كأنَّه كرِه الاسمَ، وقال: مَنْ وُلد له وَلدٌ فأَحبَّ أنْ يَنسكَ عنه فليَنسُكْ عن الغُلامِ شاتانِ مُكافِئتانِ وعَن الجارِيةِ شاةٌ» (٣)، وكَراهيةُ الاسمِ تَمنعُ كَونَها سُنةً.
ثم علَّقها بإرادَتِه، ولو كانت مَسنونةً لم تَقفْ على إرادَتِه بعدَ وُجودِ سَببِها.
стр. 3247
ولأنَّها من ذَبائحِ الجاهِليةِ، لا تَكونُ سُنةً كالعَتيرةِ. وقد رُوي أنَّ الأُضحيَّةَ نسَخت كلَّ ذَبحٍ كان قبلَها، والعَقيقةُ كانت قبلَها.
قال الإمامُ القُدوريُّ ﵀: هو مُستحبٌّ عندَنا، فتَركُه مَكروهٌ، لِما فيه من مَكارِمِ الأخلاقِ، فأمَّا السُّنةُ فلا؛ لأنَّه من أفعالِ الجاهِليةِ، ولهذا قال مُخالفُنا: «لا يُكسرُ عَظمُها إلا من ضَرورةٍ، وتُطبخُ بالحُلوِ لا بالحامضِ»، وليس هذا من أمرِ المُسلمين، وإنَّما هو من عاداتِ الجاهِليةِ.
قالوا: الوَليمةُ سُنةٌ في النِّكاحِ، بدَلالةِ أنَّه ﷺ قال لعبدِ الرَّحمنِ: «أَولِمْ ولو بِشاةٍ» فالنِّعمةُ في الوَلدِ أعظَمُ.
قُلنا: ليست السُّنةُ في النِّكاحِ الذَّبحَ، وإنَّما تُستحبُّ الوَليمةُ، كذلك يُستحبُّ هاهُنا الذَّبحُ وإطعامُ الطَّعامِ، والخِلافُ في السُّنةِ التي يمنَعُ من تَركِها (١).
وقال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: العَقيقةُ كانت في الجاهِليةِ ثم فعَلها المُسلمون في أوَّلِ الإسلامِ فنسَخها ذَبحُ الأُضحيَّةِ، فمَن شاء فعَل ومَن شاءَ لم يَفعلْ … والعَقيقةُ الذَّبيحةُ التي تُذبحُ عن المَولودِ يومَ أُسبوعِه، وإنَّما عرَفنا انتِساخَ هذه الدِّماءِ بما رُوي عن سيِّدتِنا عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «نسَخ صَومُ رَمضانَ كلَّ صَومٍ كان قبلَه، ونسَخت الأُضحيَّةُ كلَّ ذَبحٍ كان قبلَها، ونسًخ غُسلُ الجَنابةِ كلَّ غُسلٍ كان قبلَه»، والظاهرُ أنَّها قالت ذلك
стр. 3248
سَماعًا من رَسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأنَّ انتِساخ الحُكمِ ممَّا لا يُدرَكُ بالاجتِهادِ، ومنهم مَنْ رَوى هذا الحَديثَ مَرفوعًا إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، ونسَخت الزَّكاةُ كلَّ صَدقةٍ كانت قبلَها، وكذا قال أهلُ التَّأويلِ في قولِه عزَّ شأنُه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾ [المجادلة: ١٣]، إنَّ ما أُمِروا به من تَقديمِ على النَّجوى مع رَسولِ اللهِ نُسخ بقولِه جلَّ شأنُه ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وذكَر مُحمدٌ ﵀ في العَقيقةِ: فمَن شاء فعَل ومن شاء لم يَفعلْ، وهذا يُشيرُ إلى الإباحةِ، فيَمنعُ كَونَه سُنةً.
وذكَر في «الجامِعِ الصَّغيرِ»: ولا يُعَقُّ عن الغُلامِ ولا عن الجاريةِ، وأنَّه إشارةٌ إلى الكَراهةِ؛ لأنَّ العَقيقةَ كانت فَضلًا، ومتى نُسخ الفَضلُ لا يَبقى إلا الكَراهةُ، بخِلافِ الصَّومِ والصَّدقةِ فإنَّهما كانا من الفَرائضِ لا من الفَضائلِ، فإذا نُسخت منهما الفَرضِيةُ يَجوزُ التَّنفلُ بهما.
وقال الشافِعيُّ ﵀: العَقيقةُ سُنةٌ عن الغُلامِ شاتان، وعن الجاريةِ شاةٌ.
واحتَجَّ بما رُوي «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ عقَّ عن الحَسنِ والحُسينِ ﵄ كَبشًا كَبشًا»، وإنَّا نَقولُ: إنَّها كانت ثم نُسخت بدَمِ الأُضحيَّةِ بحَديثِ سيِّدتِنا عائشةَ ﵂. وكذا رُوي عن سيِّدنا علِيٍّ ﵁ أنَّه قال: «نسَخت الأُضحيَّةُ كلَّ دَمٍ كان قبلَها»، والعَقيقةُ كانت قبلَها كالعَتيرةِ، ورُوي «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سُئل عن العَقيقةِ فقال: إنَّ اللهَ تَعالى لا يُحبُّ العُقوقَ، من شاء فليعُقَّ عن الغُلامِ شاتَيْن وعن الجاريةِ شاةً»، وهذا
стр. 3249
يَنفي كَونَ العَقيقةِ سُنةً؛ لأنَّه ﷺ علَّق العقَّ بالمَشيئةِ، وهذا أمارةُ الإباحةِ، واللهُ عزَّ شأنُه أعلمُ (١).
وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا حُكمُها فذهَبت طائفةٌ منهم الظاهِريَّةُ إلى أنَّها واجبةٌ، وذهَب الجُمهورُ إلى أنَّها سُنةٌ، وذهَب أبو حَنيفةَ إلى أنَّها ليست فَرضًا ولا سُنةً، وقد قيلَ: إنَّ تَحصيلَ مَذهبِه أنَّها عندَه تَطوعٌ.
وسَببُ اختِلافِهم: تَعارضُ مَفهومِ الآثارِ في هذا البابِ، وذلك أنَّ ظاهرَ حَديثِ سَمرةَ -وهو قولُ النَّبيِّ ﷺ : «كلُّ غُلامٍ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه تُذبحُ عنه يومَ سابعِه ويُماطُ عنه الأذى» - يَقتَضي الوُجوبَ.
وظاهرُ قولِه ﷺ وقد سُئل عن العَقيقةِ فقال: «لا أُحبُّ العُقوقَ ومَن وُلد له وَلدٌ فأَحبَّ أنْ يَنسُكَ عن وَلدِه فليَفعلْ»، يَقتَضي النَّدبَ، أو الإباحةَ، فمَن فَهم منه النَّدبَ قال: العَقيقةُ سُنةٌ، ومَن فَهم الإباحةَ قال ليست بسُنةٍ ولا فَرضٍ، وخرَّج الحَديثَين أبو داودَ.
ومن أخَذ بحَديثِ سَمرةَ أوجَبها (٢).
العَقيقةُ تَكونُ في مالِ الأبِ أو في مالِ المَولودِ؟
اختلَف الفُقهاءُ هل تَجبُ العَقيقةُ في مالِ الأبِ؟ أو هي في مالِ المَولودِ إنْ كان عندَه مالٌ، فإنْ لم يَكنْ تَكونُ على الأبِ، ولا تَكونُ على أحَدٍ
стр. 3250
غيرِ الأبِ وإنْ كان يُنْفِقُ عليه؟ أو تَكونُ على مَنْ تَجبُ نفَقتُه سَواءٌ كان الأبَ أو الأمَّ أو الجَدَّ؟
فذهَب المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُطالَبَ بها والدُ الغُلامِ، فتَكونُ من مالِ الأبِ، لا من مالِ الوَلدِ، ولا تَلزمُ قَريبًا غيرَ الأبِ.
حتى قال المالِكيةُ: يُعَقُّ عن اليَتيمِ من مالِه (١).
وذهَب بعضُ المالِكيةِ والحَنابلةِ في قَولٍ إلى أنَّها في مالِ الوَلدِ، فإنْ لم يَكنْ له مالٌ ففي مالِ الأبِ (٢).
وذهَب الشافِعيةُ إلى أنَّ المُطالَبَ بالعَقيقةِ مَنْ تَجبُ نفَقتُه.
قال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀ فيمَن يَتحمَّلُ العَقيقةَ: والذي يَتحمَّلُها ويَختصُّ بذَبحِها هو المُلتزمُ لنَفقةِ المَولودِ من أبٍ أو جَدٍّ أو أمٍّ أو جَدةٍ، لأنَّها من جُملةِ المُؤنةِ، وإنْ كانت نَفقتُه من مالِه، كأنْ يَكونَ غَنيًّا بمِيراثٍ وعَطيَّةٍ لم يَجزْ أنْ يُخرجَ من مالِه، لأنَّها ليسَت بواجبةٍ، كما لا يُخرجُ منه الأُضحيَّةَ، وكان الأبُ أو مَنْ قامَ مَقامَه في التِزامِ النَّفقةِ مَندوبًا إلى ذَبحِها عنه، كما لو كان الوَلدُ فَقيرًا، ولا يَكونُ سُقوطُ النَّفقةِ عنه مُسقطًا لسُنةِ العَقيقةِ عنه، فإنْ كان الأبُ مُعسرًا بالعَقيقةِ ثم أيسَر بها نُظر يَسارُه، فإنْ كان في وقتِها المَسنونِ وهو السابِعُ،
стр. 3251
كانت سُنةُ ذَبحِها مُتوجِّهًا إليه، وإنْ كان بعدَ السابِعِ وبعدَ مُدةِ النِّفاسِ سقَطت عنه، وإنْ كان بعدَ السابِعِ في مُدةِ النِّفاسِ احتمَل وَجهَين:
أحدُهما: يَكونُ مُخاطبًا بسُنةِ العَقيقةِ لبَقاءِ أحكامِ الوِلادةِ.
والوَجهُ الثاني: لا يَكونُ مُخاطبًا بسُنتِها لمُجاورةِ المَشروعِ من وقتِها (١).
وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قال أصحابُنا: إنَّما يعُقُّ عن المَولودِ مَنْ تَلزمُه نَفقتُه من مالِ العاقِّ لا من مالِ المَولودِ، قال الدارِميُّ والأصحابُ: فإنْ عَقَّ من مالِ المَولودِ ضمِن العاقُّ، قال أصحابُنا: فإنْ كان المُنفِقُ عاجزًا عن العَقيقةِ فأيسَر في الأيامِ السَّبعةِ استُحبَّ له العقُّ وإنْ أيسَر بعدَها وبعدَ مُدةِ النِّفاسِ سقَط عنه، وإنْ أيسَر في مُدةِ النِّفاسِ فوَجهان، حَكاهُما الرافِعيُّ لبَقاءِ أثَرِ الوِلادةِ.
قال أصحابُنا: وأمَّا الحَديثُ الصَّحيحُ في عقِّ النَّبيِّ ﷺ عن الحَسنِ والحُسينِ فقد يُقالُ: إنَّه مُخالفٌ لقولِ أصحابِنا: إنَّ العَقيقةَ في مالِ مَنْ عليه النَّفقةُ لا في مالِ المَولودِ، قال الأصحابُ: وهو مُتأوَّلٌ على أنَّه ﷺ أمَر أباهما بذلك، أو أعطاه ما عقَّ به، أو أنَّ أبوَيهما كانا عندَ ذلك مُعسرَين فيَكونان في نَفقةِ جَدِّهما رَسولِ اللهِ ﷺ ، واللهُ أعلَمُ (٢).
стр. 3252
الاستِدانةُ من أجلِ العَقيقةِ:
نصَّ فُقهاءُ المالِكيةِ والحَنابلةِ على أنَّه يُستدانُ من أجلِ العَقيقةِ إذا وجَد مَنْ يُسلفُه ويَرجو الوَفاءَ.
قال الإمامُ العَدويُّ ﵀: تَعلَّق النَّدبُ بالأبِ، ولو كان لا مالَ له وللوَلدِ مالٌ، ولَعلَّه حيث وجَد مَنْ يُسلفُه ويَرجو الوَفاءَ وإلا لم يُخاطَبْ بها، ولو أيسَر بعدَ مُضيِّ زَمنِها، وكذا الظاهرُ سُقوطُها بمُضيِّ زَمنِها، ولو مُوسِرًا، وينبَغي الرَّفعُ لمالِكيٍّ إنْ كان حَنفيٌّ لا يَراها عن يَتيمٍ، واستظهَر الشَّيخُ في شَرحِه أنَّه إذا لم يَكنْ له مالٌ لا يَتسلَّفُ لها لأنَّها ليست أوكدَ من الضَّحيَّةِ (١).
وقال الحَنابلةُ: فإنْ لم يَكنْ عندَه ما يعُقُّ اقترَض وعَقَّ، قال الإمامُ أحمدُ: أرجو أنْ يُخلفَ اللهُ عليه، أحيا سُنةً، قال ابنُ المُنذرِ: صدَق أحمدُ، إحياءُ السُّننِ واتِّباعُها أفضلُ.
قال شَيخُ الإسلامِ ﵀: مَحلُّه لمَن له وَفاءٌ، وإلا لا يَقترِضْ؛ لأنَّه إضرارٌ بنَفسِه وغَريمِه ولا يعُقُّ غيرُ الأبِ (٢).
هل يُعَقُّ عن اليَتيمِ؟
اختلَف الفُقهاءُ هل يُعقُّ عن اليَتيمِ من مالِه أو لا يُعقُّ؟
فذهَب المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العَقيقةَ تُشرَعُ عن اليَتيمِ وتَكونُ في
стр. 3253
مالِه كالأُضحيَّةِ، بل هي أوْلى؛ لأنَّه مَرهنٌ بها، بخِلافِ الأُضحيَّةِ (١).
وذهَب الشافِعيةُ إلى أنَّه لا يعُقُّ عن اليَتيمِ من مالِه (٢).
وقتُ العَقيقةِ:
وقتُ العَقيقةِ فيه عدَّةُ مَسائلَ، بعضُها متَّفقٌ عليها وبعضُها مُختلَفٌ فيها:
المَسألةُ الأُولى: أوَّلُ وقتٍ للعَقيقةِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ العَقيقةَ تَكونُ بعدَ الوِلادةِ، فإذا عقَّ عنه قبلَ الوِلادةِ لا يَجوزُ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، وإنَّما تَكونُ شاةَ لَحمٍ.
المَسالةُ الثانيةُ: وقتُ جوازِ العَقيقةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في وقتِ جوازِ فِعلِ العَقيقةِ هل تَجوزُ من بعدِ الوِلادةِ مُباشَرةً أو لا بدَّ أنْ تَكونَ من اليومِ السابِعِ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَجوزُ ذَبحُ العَقيقةِ بعدَ انفِصالِ المَولودِ، فيَجوزُ في أيِّ يَومٍ، والتَّقييدُ بالسابِعِ يَكونُ استِحبابًا، فلو ذبَح عنه بعدَ الوِلادةِ وقبلَ السابِعِ أجزَأه (٣).
стр. 3254
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ العَقيقةَ تَكونُ يومَ السابِعِ لا قبلَه (١).
المَسالةُ الثالِثةُ: أفضلُ وقتٍ للعَقيقةِ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ أفضلَ وقتٍ للعَقيقةِ هو يومُ السابِعِ لِما رواه سَمرةُ بنُ جُندبٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «الغُلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه يُذبحُ عَنه يومَ السَّابعِ، ويُسمَّى، ويُحلقُ رَأسُه» (٢).
قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ القائلينَ بمَشروعيَّتِها في استِحبابِ ذَبحِها يومَ السابِعِ (٣).
وقال ابنُ القَيمِ ﵀: وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ (٤).
إلا أنَّهم اختَلفُوا في مَوضعَين:
المَوضعُ الأولُ: منذُ مَتى تُحسَبُ السَّبعةُ:
اختلَف الفُقهاءُ في يومِ الوِلادةِ، هل يُحسبُ من السَّبعةِ أو لا يُحسبُ، ويُحسبُ سَبعةٌ بعدَه؟
стр. 3255
فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصحِّ إلى أنَّ اليومَ السابِعِ لا يُحسبُ إنْ وُلد بعدَ فجرِ ذلك اليومِ، ويُحسبُ له سَبعةُ أيامٍ من اليومِ الذي بعدَ يومِ الوِلادةِ، وإنْ كان وُلد باللَّيلِ حُسب له ذلك اليومُ (١).
وذهَب الشافِعيةُ في الأصحِّ والحَنابلة إلى أنَّ يومَ الوِلادةِ يُحسبُ من السَّبعةِ، فإنْ وُلد لَيلًا حُسب اليومُ الذي يَلي تلك اللَّيلةَ قَطعًا (٢).
وأمَّا الحَنفيةُ فقال ابنُ عابدين منهم نَقلًا عن «السِّراجِ الوَهاجِ»: وهي أنْ يَذبحَ شاةً إذا أتى على الوَلدِ سَبعةُ أيامٍ (٣).
المَوضعُ الثاني: إذا أخَّر الذَّبحَ عن السابعِ:
اختلَف الفُقهاءُ فيما لو أخَّر الذَّبحَ عن اليومِ السابِعِ، هل تَسقطُ الأُضحيَّةُ أو يَذبحُ يومَ الرابِعَ عشَرَ أو الحادي والعِشرين؟
فذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ وقتَها في السابِعِ، فإنْ فات فِعلُها فيه سقَطت على المَشهورِ.
وقيلَ: تُفعلُ فيما قرُب من السابِعِ.
стр. 3256
وقيل: تُفعلُ في السابِعِ الثاني فقط، فإنْ فات ففي الثالثِ، فإنْ فات لم يعُقَّ عنه بعدَ ذلك.
قال الحَطَّابُ ﵀: ولم أَقفْ على قَولٍ في المَذهبِ أنَّه يعُقُّ فيما بعدَ السابِعِ الثالثِ، بل قالَ في النَّوادرِ بعدَ أنْ حَكى الخِلافَ المَذكورَ: وأهلُ العراقِ يعُقُّون عن الكَبيرِ.
ورَوى ابنُ سيرين: وهذا لا يُعرفُ بالمَدينةِ. انتهى.
وقولُ الجُزوليِّ: وقيلَ: يعُقُّ وإنْ كان كَبيرًا الظاهرُ أنَّ مُرادَه في خارِجِ المَذهبِ، فإنَّه كَثيرًا ما يَنقُلُ الأقوالَ الخارِجةَ ولا يَعزُوها (١).
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ وكَثيرٌ من أهلِ العِلمِ إلى أنَّها تُذبحُ في الأُسبوعِ الثاني، اليومِ الرابعَ عشَرَ، فإنْ أخَّرها ففي الواحدِ والعِشرينَ.
قال الإمامُ التِّرمذِيُّ ﵀ بعدَما رَوى حَديثَ الحَسنِ عن سَمرةَ قال: قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «الغُلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه، يُذبحُ عنه يومَ السَّابِعِ ويُسمَّى ويُحلقُ رَأسُه» … حَدِيثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، وَالعَملُ على هذا عندَ أَهلِ العِلْمِ، يَستحِبونَ أنْ يُذبحَ عن الغُلَامِ العَقيقةُ يومَ السَّابعِ، فإِنْ لم يتَهيَّأْ يومَ السَّابعِ فَيومَ الرابعَ عشَرَ، فإِنْ لم يتَهيَّأْ عقَّ عنه يومَ حادٍ وعِشرين (٢).
стр. 3257
قال الشافِعيةُ: إنْ لم تُذبحْ في السابِعِ ذُبحت في الرابعَ عشَرَ، وإلا ففي الحادي والعِشرين، ثم هكذا في الأسابيعِ. وفيه وَجهٌ آخَرُ أنَّه إذا تَكرَّرت السَّبعةُ ثَلاثَ مرَّاتٍ فاتَ وقتُ الاختيارِ. ولا يَتجاوَزْ بها مُدةَ النِّفاسِ، فإنْ أخَّرها لم يَتجاوزْ بها مُدةَ الرَّضاعِ، فإنْ تجاوَزها لم يَتجاوَزْ مُدةَ الحَضانةِ، وهي سِنُّ التَّمييزِ، فإنْ تَجاوَزها لم يَتجاوزْ مُدةَ البُلوغِ، فإنْ تَجاوَزها حتى بلَغ سقَط حُكمُها في حقِّ غيرِ المَولودِ. وهو مُخيَّرٌ عن العقِّ عن نَفسِه في الكِبرِ (١).
وقال الحَنابلةُ: العَقيقةُ تُذبحُ يومَ السابِعِ، فإنْ فات السابعُ ففي الرابعَ عشَرَ، فإنْ فاتَ ففي الحادي والعِشرين؛ لأنَّ ذلك يُروى عن عائشةَ ﵂، وهذا على سَبيلِ الاستِحبابِ، وبعدُ يُجزِئُ لحُصولِ المَقصودِ، فإنْ تجاوَز واحدًا وعِشرين ففيه احتمالان:
أحدُهما: يُستحبُّ في كلِّ سابِعٍ، فيَذبحُ في الثامنِ والعِشرين، ثم في الخامسِ والثَّلاثين، وعلى هذا قياسًا على ما تَقدَّم.
والثاني: يَفعلُ في كلِّ وقتٍ؛ لأنَّ هذا قَضاءٌ، فلم يَتوقَّفْ كقَضاءِ الأُضحيَّةِ وغيرِها (٢).
قال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الفَصلُ الثامِنُ في الوقتِ الذي تُستحبُّ فيه العَقيقةُ.
стр. 3258
قال أبو داودَ في كتابِ المَسائلِ: سمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يَقولُ: العَقيقةُ تُذبحُ يومَ السابِعِ، وقال صالحُ بنُ أحمدَ: قال أبي في العَقيقةِ: تُذبحُ يومَ السابِعِ، فإنْ لم يَفعلْ ففي الرابِعَ عشَرَ، فإنْ لم يَفعلْ ففي الحادي والعِشرين.
وقال المَيمونِيُّ: قلتُ لِأبي عَبدِ اللهِ: مَتى يعُقُّ عنه؟ قال: أمَّا عائشةُ ﵂ فتَقولُ: سَبعةُ أيامٍ وأربَعةَ عشَرَ، ولأحدٍ وعِشرين، وقال أبو طالِبٍ قال أحمدُ: تُذبحُ العَقيقةُ لأحدٍ وعِشرين يومًا. انتهى.
والحُجةُ على ذلك حَديثُ سَمرةَ المُتقدِّمُ: «الغُلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه تُذبحُ عنه يومَ السابعِ ويُسمَّى» قال التِّرمذيُّ: حَديثٌ صَحيحٌ.
وقال عبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ: أخبَرني مُحمدُ بنُ عَمرٍو عنِ ابنِ جُريجٍ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن عَمرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ عن عائشةَ قالت: «عقَّ رَسولُ اللهِ ﷺ عن حَسنٍ وحُسينٍ يومَ السابِعِ وسمَّاهما وأمرَ أنْ يُماطَ عن رُؤوسِهما الأذى».
وقالَ أبو بَكر بنُ المُنذرِ: حدَّثنا مُحمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغُ قال: حدَّثني أبو جَعفرٍ الرازي: حدَّثنا أبو زُهيرٍ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَغراءَ حدَّثنا مُحمدُ ابنُ إسحاقَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «أمرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ حين سابِعِ المَولودِ بتَسميتِه وعَقيقتِه ووَضعِ الأذى عنه».
وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ ونحن نَحكي ما بلَغنا من أقوالِهم، وأرفعُ مَنْ رُوي عنه ذلك عائشةُ أمُّ المُؤمِنين، كما حَكاه أحمدُ عنها في رِوايةِ المَيمونيِّ، وكذلك قال الحَسنُ البَصريُّ وقَتادةُ يعُقُّ عنه يومَ سابعِه، وقال أبو عُمرَ: وكان
стр. 3259
الحَسنُ البَصريُّ يَذهبُ إلى أنَّها واجبةٌ عن الغُلامِ يومَ سابعِه، فإنْ لم يعُقَّ عنه عقَّ عن نَفسِه، وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: يعُقُّ عن المَولودِ في أيامِ سابعِه، فإنْ لم يَتهيَّأْ لهم العَقيقةُ في سابعِه فلا بأسَ أنْ يعُقَّ عنه بعدَ ذلك، وليس بواجبٍ أنْ يعُقَّ عنه بعدَ سَبعةِ أيامٍ، قال أبو عُمرَ: وكان اللَّيثُ يَذهبُ إلى أنَّها واجبةٌ في الأيامِ السَّبعةِ، وقال عَطاءٌ: إنْ أخطأهم أمرُ العَقيقةِ يومَ السابعِ أحبَبتُ أنْ يُؤخِّرَه إلى اليومِ السابعِ الآخَرِ، وكذلك قال أحمدُ وإسحاقُ والشافِعيُّ، ولم يَزدْ مالكٌ على السابعِ الثاني، وقال ابنُ وَهبٍ لا بأسَ أنْ يعُقَّ عنه في السابعِ الثالثِ وهو قولُ عائشةَ وعَطاءٍ وأحمدَ وإسحاقَ، قال مالكٌ: ولا يُعدُّ اليومُ الذي وُلد فيه إلا أنْ يُولدَ قبلَ الفجرِ من لَيلةِ ذلك اليومِ، والظاهرُ أنَّ التَّقييدَ بذلك استِحبابٌ، وإلا فلو ذبَح عنه في الرابعِ أو الثامنِ أو العاشرِ أو ما بعدَه أجزأت، والاعتبارُ بالذَّبحِ لا بيومِ الطَّبخِ والأكلِ (١).
العَقيقةُ عن الكَبيرِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الكَبيرِ إذا لم يُعقَّ عنه في صِغرِه، هل يعُقُّ عن نَفسِه إذا كَبِر أو لا؟
نصَّ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّه لا يعُقُّ عن الكَبيرِ إذا لم يعُقَّ عن نَفسِه؛ لأنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ الذين لم يُعقَّ عنهم في الجاهِليةِ لم يعُقوا عن أنفُسِهم في الإسلامِ (٢).
стр. 3260
قال الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقولُه ﷺ : «مع الغُلامِ عَقيقتُه»، حُجةٌ لقولِ مالكٍ أنَّه لا يُعقُّ عن الكَبيرِ، وعلى هذا أئمَّةُ الفَتوى بالأمصارِ (١).
وقال أبو عُمرَ بنُ عَبدِ البرِّ ﵀: مالكٌ عن نافِعٍ «أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ لم يَكنْ يَسألُه أحَدٌ من أهلِه عَقيقةً إلا أعطاه إيَّاها، وكان يعُقُّ عن وَلدِه بشاةٍ شاةٍ عن الذُّكورِ والإناثِ».
رأى قَومٌ خَبرَ ابنِ عُمرَ هذا على أنَّه كان يُجيزُ أنْ يُعقَّ عن الكَبيرِ والصَّغيرِ.
وليس في الحَديثِ عنه ما يَدلُّ على ذلك؛ لأنَّه يَحتملُ أنْ يَكونَ السائلُ له من أهلِه سألَه العَقيقةَ عن وَلدِه وعن نَفسِه.
ورَوى هذا الحَديثَ عُبيدُ اللهِ وأيُّوبُ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ «أنَّه كان لا يَسألُه أحدٌ من أهلِه عَقيقةً إلا أعطاه إياها».
قال: وكان يَقولُ: عن الغُلامِ شاةٌ وعن الجاريةِ شاةٌ.
قال أبو عُمرَ: أجاز بعضُ مَنْ شذَّ أنْ يعُقَّ الكَبيرُ عن نَفسِه بالحَديثِ الذي يَرويه عبدُ اللهِ بنُ مُحرَّرٍ عن قَتادةَ عن أنسٍ قال: «عقَّ النَّبيُّ ﷺ عن نَفسِه بعدَما بُعث بالنُّبوةِ».
وعبدُ اللهِ بنُ مُحرَّرٍ ليس حَديثُه بحُجةٍ، وقد قيلَ عن قَتادةَ: إنَّه كان يُفتي به.