وليسَ بينَ الوُضوءِ والتَّيممِ عندَهم في ذلك فَرقٌ، وفرَّقَت طائِفةٌ بينَ الوُضوءِ والتَّيممِ فقالَت: يُجزئُ الوُضوءُ بغيرِ نيةٍ ولا يُجزئُ التَّيممُ إلا بنيةٍ، هذا قَولُ سُفيانَ الثَّوريِّ وأَصحابِ الرأيِ، قالَ الثَّوريُّ: إذا علَّمتَ رَجلًا التَّيممَ فلا يُجزئُك أنْ تُصليَ بذلك التَّيممِ إلا أنْ تَكونَ نَويتَ أنَّك تَتيمَّمُ لنَفسِك، فإذا علَّمتَه الوُضوءَ أجزَأَك.
وفيه قَولٌ ثالِثٌ حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ في الرَّجلِ يُعلِّمُ الرَّجلَ التَّيممَ وهو لا يَنوي أنْ يَتيمَّمَ لنَفسِه إنَّما علَّمَه ثم حضَرَت الصَّلاةُ، قالَ: يُصلِّي على تَيمُّمِه كما أنَّه لو تَوضَّأ هو لا يَنوي كانَ طاهِرًا، هذه حِكايةُ أبي المُغيرةِ عنه، وبه قالَ الحَسنُ بنُ صالِحٍ.
وحَكى الوَليدُ بنُ مُسلمٍ الأَوزاعيُّ أنَّه قالَ: لا يُجزئُه في التَّيممِ ويُجزئُه في الوُضوءِ.
وحَكى الوَليدُ مِثلَه عن مالِكٍ والثَّوريِّ.
قالَ أبو بَكرٍ: أمَّا حِكايَتُه عن الثَّوريِّ فكما حَكى لمُوافَقتِه حِكايةَ الأشجَعيِّ والعَدنِيِّ وعَبدِ الرَّزاقِ والفاريابيِّ عنه، وأمَّا ما حَكاه عن مالِكٍ فما رَواه أَصحابُ مالِكٍ عن ابنِ وَهبٍ وابنِ القاسِمِ أصَحُّ واللهُ أعلَمُ.
قالَ أبو بَكرٍ: دَلَّ قَولُ رَسولِ اللهِ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّيةِ» لمَا عَمَّ جَميعَ الأَعمالِ، ولم يَخصَّ منها شَيئًا أنَّ ذلك في الفَرائضِ والنَّوافلِ، ثم بيَّنَ تَصرُّفَ الإراداتِ، فقالَ: «مَنْ كانَت هِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه فهِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه، ومَن كانَت هِجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يَتزوَّجُها
стр. 352
فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه»، فغيرُ جائِزٍ أنْ يَكونَ مُؤديًا إلى اللهِ ما فرَضَ عليه مَنْ دخَلَ الماءَ يُعلِّمُ آخَرَ السِّباحةَ بدِرهمٍ أخَذَه أو مُريدٌ للتَّبريدِ أو التَّلذُّذِ غيرُ مُريدٍ لتَأديةِ فَرضٍ؛ لأنَّه لم يُرِدِ اللهَ قَطُّ بعَملِه، قالَ اللهُ : ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: ٢٠].
قالَ قائِلٌ: إنَّ مَنْ قصَدَ دِرهمًا أو دينارًا ليُعلِّمَ آخَرَ السِّباحةَ لا يَقصدُ غيرَ ذلك مُؤديًا فَرضًا للهِ عليه في الطَّهارةِ يُخالِفُ كِتابَ اللهِ وسُنةَ رَسولِه ﷺ مع أنَّ المُناقضةَ لا تُفارِقُه حيثُ أوجَبَ النِّيةَ في التَّيممِ وأبطَلَها في الوُضوءِ، والخَبَرُ الذي به يُوجبُ النِّيةَ في التَّيممِ هو الذي أوجَبَ النِّيةَ في الوُضوءِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والصَّومِ وسائِرِ الأَعمالِ وقد ذكَرتُ بَقيةَ الحُججِ في هذا البابِ في غيرِ هذا الكِتابِ (١).
وقالَ أيضًا: وإذا تَوضَّأ طَهارةً من حَدثٍ أو طَهارةً لصَلاةِ فَريضةٍ أو نافِلةٍ أو قِراءةٍ أو صَلاةٍ على جِنازةٍ فله أنْ يُصليَ به المَكتوبةَ في قَولِ الشافِعيِّ وأبي عُبيدٍ وإِسحاقَ وأبي ثَورٍ وغيرِهم من أَصحابِنا، وكذلك نَقولُ (٢).
٢ - المُوالاةُ:
المُوالاةُ: هي غَسلُ الأَعضاءِ على سَبيلِ التَّعاقبِ بحيث لا يَجفُّ العُضوُ الأولُ قبلَ الشُّروعِ في الثاني.
стр. 353
وقد اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ المُوالاةِ في الوُضوءِ هل هي واجِبةٌ مُطلقًا أو واجِبةٌ مع الذِّكرِ والقُدرةِ أو سُنةٌ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والإمامُ الشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِ المُوالاةِ مُطلقًا.
واحتَجُّوا على ذلك «بأنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأى رَجلًا يُصلِّي وفي ظَهرِ قَدمِه لُمعةٌ قَدرَ الدِّرهمِ لم يُصبْها الماءُ، فأمَرَه النَّبيُّ ﷺ أنْ يُعيدَ الوُضوءَ والصَّلاةَ» (١).
ولو لم تَجبِ المُوالاةُ لأَجزَأه غَسلُ اللُّمعةِ، ولأنَّها عِبادةٌ يُفسِدُها الحَدثُ، اشتُرطَت المُوالاةُ كالصَّلاةِ.
والآيةُ دَلَّت على وُجوبِ الغَسلِ، والنَّبيُّ ﷺ بيَّنَ كَيفيتَه، وفسَّرَ مُجمَلَه بفِعلِه وأمْرِه؛ فإنَّه لم يَتوضَّأْ إلا مُتوالِيًا، وأمَرَ تارِكَ المُوالاةِ بإِعادةِ الوُضوءِ.
القَولُ الثاني: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيُّ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المُوالاةَ في الوُضوءِ سُنةٌ لظاهِرِ الآيةِ، ولأنَّ المَأمورَ به غَسلُ الأَعضاءِ، فكيفما غسَلَ جازَ، ولأنَّها إحدَى الطَّهارَتينِ لم تَجبِ المُوالاةُ فيه كالغُسلِ.
стр. 354
واحتَجُّوا أيضًا بما ثبَتَ عنه ﷺ أنَّه كانَ يَتوضَّأُ في أولِ طُهورِه ويُؤخِّرُ غَسلَ رِجلَيه إلى آخِرِ الطُّهرِ (١).
القَولُ الثالِثُ: الوُجوبُ مع الذِّكرِ ومع القُدرةِ، ساقِطةٌ مع النِّسيانِ، ومع الذِّكرِ عندَ العُذرِ، مِثلَ عَدمِ تَمامِ الماءِ، ما لم يَتفاحَشِ التَّفاوتُ، وهو قَولُ المالِكيةِ في المَشهورِ والحَنابِلةِ في قَولٍ.
قال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: هذا القَولُ هو الأظهَرُ والأشبَهُ بأُصولِ الشَّريعةِ وبأُصولِ مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وذلك أنَّ أدِلةَ الوُجوبِ لا تَتناولُ إلا المُفرِّطَ، لا تَتناولُ العاجِزَ عن المُوالاةِ (٢).
قالَ المالِكيةُ: المُوالاةُ: عِبارةٌ عن الإِتيانِ بأفعالِ الطَّهارةِ في زَمنٍ مُتصلٍ من غيرِ تَفريقٍ فاحِشٍ، أي: يُفترضُ على المُتوضِّئِ أنْ يَنتقِلَ إلى غَسلِ العُضوِ قبلَ أنْ يَجفَّ الذي قبلَه، سَواءٌ كانَ مَغسولًا أو مَمسوحًا، عندَ اعتِدالِ الزَّمانِ (وهو أنْ يَكونَ في فَصلٍ لا يَترتَّبُ عليه جَفافُ الماءِ بحالةٍ غيرِ مُعتادةٍ) والمَكانِ (أي: ألَّا يَكونَ في مَكانٍ فيه حَرٌّ أو بَردٌ شَديدانِ يُجفِّفان الماءَ) والمِزاجِ (وهو ألَّا يَكونَ في طَبيعةِ الشَّخصِ ما يُوجبُ تَجفيفَ الماءِ بسُرعةٍ).
стр. 355
ويُشترطُ لفَرضِ المُوالاةِ شَرطانِ:
الأولُ: أنْ يَكونَ المُتوضِّئُ ذاكرًا، أمَّا إنْ فرَّقَ بينَ أَعضاءِ الوُضوءِ ناسِيًا؛ فإنَّه يَبني على وُضوئِه ويُتمُّه سَواءٌ طالَ الفَصلُ أو قصُرَ.
وكذا مَنْ نَسيَ عُضوًا من أَعضاءِ الوُضوءِ أو ترَكَ لُمعةً في أثناءِ الوُضوءِ ناسيًا؛ فإنْ طالَ الفَصلُ اقتصَرَ على فِعلِ المَنسيِّ ولا يُعيدُ ما بعدَه من الأَعضاءِ، أمَّا إنْ لم يَطُلِ الفَصلُ (أي: لم يَجفَّ العُضوُ بعدُ)؛ فإنَّه يَفعلُ المَنسيَّ ويُعيدُ ما بعدَه استِنانًا لأجلِ تَحصيلِ سُنةِ التَّرتيبِ.
الثاني: أنْ يَكونَ المُتوضِّئُ قادِرًا على المُوالاةِ؛ فإنْ فرَّقَ بينَ غَسلِ الأَعضاءِ لعَجزِه عن المُوالاةِ غيرَ مُفرِّطٍ، تَسقطُ عنه الفَوريةُ، ويَكونُ حُكمُه كحُكمِ الناسِي.
ومِثالُ ذلك أنْ يُحضرَ المُكلَّفُ الماءَ الكافيَ -باعتِقادِه- للوُضوءِ ثم يَظهرَ عَدمُ كِفايتِه، أو يُهراقَ الماءُ، أو يُغصبَ منه، ويَحتاجَ إلى ماءٍ آخَرَ ليُكملَ به وُضوءَه، فيَنتظرَ مُدةً تَجفُّ بها الأَعضاءُ التي غسَلَها، فعندَ حُضورِ الماءِ يَبني على ما فعَلَ ويُتمُّ وُضوءَه ولو طالَ الفَصلُ.
أمَّا إذا كان عاجِزًا مُفرِّطًا، كمَن أحضَرَ من الماءِ ما لا يَكفي لوُضوئِه؛ فإنَّه يَبني على ما فعَلَ ما لم يَطُلِ الفَصلُ، وإلا صارَ حُكمُه حُكمَ مَنْ فرَّقَ بينَ أَعضاءِ الوُضوءِ عامِدًا لا ناسيًا ولا عاجِزًا، فيَبطُلُ الوُضوءُ ويَجبُ عليه إعادَتُه من جَديدٍ (١).
стр. 356
٣ - التَّرتيبُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّرتيبِ بينَ أَعضاءِ الوُضوءِ هل هو واجِبٌ أو سُنةٌ؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والمُزنِيُّ وابنُ المُنذرِ وأبو نَصرٍ البَندنيجيُّ من الشافِعيةِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ التَّرتيبَ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ من سُننِ الوُضوءِ، وليسَ واجِبًا من واجِباتِه فلو غسَلَ ذراعَيه أو رِجلَيه قبلَ أنْ يَغسلَ وَجهَه أو قدَّمَ غَسلَ رِجلَيه قبلَ غَسلِ يَدَيه، أو مسَحَ رأسَه قبلَ غَسلِ وَجهِه عَمدًا أو غيرَ عَمدٍ فذلك يُجزئُه إذا أرادَ بذلك الوُضوءِ الصَّلاةَ.
وحُجتُهم أنَّ الواوَ في الآيةِ لا تَقتَضي التَّرتيبَ فكيفما غسَلَ المُتوضئُ أَعضاءَه كانَ مُمتثِلًا للأمرِ.
ولأنَّ ابنَ عَباسٍ ﵁ رَوى أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «تَوضَّأ فغسَلَ وَجهَه ثم يَدَيه ثم رِجلَيه ثم مسَحَ رأسَه» (١).
ولأنَّها طَهارةٌ لم يَجبْ فيها تَرتيبٌ كالجَنابةِ، وكتَقديمِ اليَمينِ على
стр. 357
الشِّمالِ، والمِرفَقِ على الكَعبِ، ولأنَّه لو اغتسَلَ المُحدِثُ دُفعةً واحِدةً ارتفَعَ حَدثُه؛ فدَلَّ على أنَّ التَّرتيبَ لا يَجبُ.
وقالَ الإمامُ مالِكٌ: يُستحبُّ لمَن نكَّسَ وُضوءَه ولم يُصَلِّ أنْ يَستأنفَ الوُضوءَ على نَسقِ الآيةِ ثم يُصليَ، فإنْ صلَّى ثم ذكَرَ ذلك لم نأمُرْه بإعادةِ الصَّلاةِ لكنَّه يُستحبُّ له استِئنافُ الوُضوءِ على النَّسقِ لمَا يُستقبلُ، ولا يَكونُ ذلك واجِبًا عليه (١).
القَولُ الثاني: ذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّرتيبَ في أَعضاءِ الوُضوءِ فَرضٌ، فلو نكَّسَ وُضوءَه عامِدًا أو ناسِيًا لم يُجزئْه ولا تُجزئُه صَلاتُه حتى يَكونَ وُضوؤُه على نَسقِ الآيةِ.
واحتَجُّوا على ذلك بالآيةِ، وقالوا: إنَّ فيها دِلالَتانِ:
إحداهُما: أنَّ اللهَ تَعالى ذكَرَ مَمسوحًا بينَ مَغسولاتٍ، وعادةُ العَربِ إذا ذُكرَت أشياءُ مُتجانسةٌ وغيرُ مُتجانسةٍ جمَعَت المُتجانسةَ على نَسقٍ ثم
стр. 358
عطَفَت غيرَها لا يُخالِفونَ ذلك إلا لفائِدةٍ، فلو لم يَكُنِ التَّرتيبُ واجِبًا لمَا قطَعَ النَّظرَ عن نَظيرِه.
فإنْ قيلَ: فائِدتُه استِحبابُ التَّرتيبِ فالجَوابُ من وَجهَينِ:
أحدُهما: أنَّ الأمرَ للوُجوبِ على المُختارِ، وهو مَذهبُ جُمهورِ الفُقهاءِ.
والثاني: أنَّ الآيةَ بَيانٌ للوُضوءِ الواجِبِ لا للمَسنونِ فليسَ فيها شَيءٌ من سُننِ الوُضوءِ.
الدِّلالةُ الثانيةُ: أنَّ مَذهبَ العَربِ إذا ذكَروا أشياءَ وعطَفوا بَعضَها على بَعضٍ يَبتَدِئون الأقرَبَ فالأقرَبَ، لا يُخالِفون ذلك إلا لمَقصودٍ؛ فلمَّا بدَأَ سُبحانَه بالوَجهِ ثم اليَدينِ ثم الرأسِ ثم الرِّجلَينِ دَلَّ على الأمرِ بالتَّرتيبِ، وإلا لقالَ: فاغسِلوا وُجوهَكم وامسَحوا برُؤوسِكم واغسِلوا أَيديَكم وأرجُلَكم.
واحتَجُّوا أيضًا من السُّنةِ بالأَحاديثِ الصَّحيحةِ المُستفيضةِ عن جَماعاتٍ من الصَّحابةِ في صِفةِ وُضوءِ النَّبيِّ ﷺ فكلُّهم وصَفوه مُرتَّبًا مع كَثرتِهم وكَثرةِ المَواطِنِ التي رأوْه فيها وكَثرةِ اختِلافِهم في صِفاتِه مَرةً ومَرتَين وثَلاثًا وغيرَ ذلك، ولم يَثبُتْ فيه مع اختِلافِ أَنواعِه صِفةٌ غيرُ مُرتبةٍ، وضَعَّفوا الحَديثَ الوارِدَ في ذلك، وفِعلُه ﷺ بَيانٌ للوُضوءِ المَأمورِ به، ولو جازَ تَركُ التَّرتيبِ لتَرَكه في بعضِ الأَحوالِ لبَيانِ الجَوازِ كما ترَكَ التَّكرارَ في أَوقاتٍ، ولأنَّ الوُضوءَ عِبادةٌ تَشتمِلُ على أفعالٍ مُغايرةٍ يَرتبِطُ بَعضُها ببَعضٍ وجَبَ فيها التَّرتيبُ كالصَّلاةِ والحَجِّ (١).
стр. 359
٤ - الدَّلكُ:
الدَّلكُ لُغةً: مَصدرُ دَلَكَ، يُقالُ: دلَكتُ الشَّيءَ دَلكًا من بابِ قتَلَ: مَرَستُه بيَدي، ودَلَكتُ النَّعلَ بالأرضِ: مَسَحتُها بها.
وفي الاصطِلاحِ: عرَّفَه المالِكيةُ بأنَّه إمرارُ اليَدِ على العُضوِ إِمرارًا مُتوسطًا ولو لم تَزُلِ الأوساخُ، ولو بَعدَ صَبِّ الماءِ قبلَ جَفافِه.
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الدَّلكِ هل هو فَرضٌ أو سُنةٌ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الدَّلكَ سُنةٌ من سُننِ الوُضوءِ؛ فلا يَجبُ عليه إلا إِمرارُ الماءِ على يَدِه؛ لأنَّ اسمَ الغَسلِ يَقعُ على إجراءِ الماءِ على المَوضعِ من غيرِ دَلكٍ، والدَّليلُ على ذلك أنَّه لو كانَ على بَدنِه نَجاسةٌ فوالَى بينَ صَبِّ الماءِ عليه حتى أزالها سُميَ بذلك غَسلًا، وإنْ لم يَدلُكْه بيَدِه فلمَّا كانَ الاسمُ يَقعُ عليه مع عَدمِ الدَّلكِ لأجلِ إِمرارِ الماءِ عليه، وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ فهو مَتى أَجرى الماءَ على المَوضعِ فقد فعَلَ مُقتَضى الآيةِ وُموجبَها (١).
стр. 360
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ من المَذهبِ والمُزنِيُّ من الشافِعيةِ إلى أنَّ الدَّلكَ فَرضٌ من فَرائضِ الوُضوءِ.
قالَ الحَطابُ: وقد اختُلفَ في الدَّلكِ: هل هو واجِبٌ أو لا؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
المَشهورُ الوُجوبُ، وهو قَولُ مالِكٍ في «المُدوَّنة» بِناءً على أنَّه شَرطٌ في حُصولِ مُسمَّى الغَسلِ.
قالَ ابنُ يُونسَ: لقَولِه ﵊ لعائِشةَ ﵂: «وادْلُكي جَسدَكِ بيَدكِ» (١)، والأمرُ على الوُجوبِ؛ لأنَّ عِلتَه إيصالُ الماءِ إلى جَسدِه على وَجهٍ يُسمَّى غَسلًا، وقد فرَّقَ أهلُ اللُّغةِ بينَ الغَسلِ والانغِماسِ.
والثاني: نَفيُ وُجوبِه لابنِ عبدِ الحَكمِ بِناءً على صِدقِ اسمِ الغَسلِ بدونِه.
والثالِثُ: أنَّه واجِبٌ لا لنَفسِه بل لتَحقيقِ إيصالِ الماءِ، فإنْ تَحققَ إيصالُ الماءِ لطُولِ مُكثٍ أجزَأَه، وعَزاه اللَّخميُّ لأبي الفَرجِ وذكَرَ ابنُ ناجي أنَّ ابنَ رُشدٍ عَزاه له وعَزا ابنُ عَرفةَ القَولَ الثانيَ لأبي الفَرجِ وابنِ عبدِ الحَكمِ (٢).
стр. 361
سُننُ الوُضوءِ:
أولًا: التَّسميةُ في أولِ الوُضوءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّسميةِ في أولِ الوُضوءِ هل هي واجِبةٌ مع الذِّكرِ والقُدرةِ أو هي سُنةٌ مُطلقًا أو مَكروهةٌ؟
فذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى وُجوبِ التَّسميةِ في الوُضوءِ مع الذِّكرِ، وتَسقطُ مع السَّهوِ، وكذا الغُسلُ والتَّيممُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا صَلاةَ لمَن لا وُضوءَ له ولا وُضوءَ لمَن لم يَذكُرِ اسمَ اللَّهِ عليه» (١)، وإذا ذكَرَها في أثناءِ الوُضوءِ أتى بها حيثُ ذكَرَها (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه إلى أنَّ التَّسميةَ في الوُضوءِ سُنةٌ من سُننِه وليسَت واجِبةً.
والدَّليلُ على أنَّ التَّسميةَ سُنةٌ ما رَواه النَّسائيُّ بإِسنادٍ جيِّدٍ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: «طلَبَ بعضُ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ وَضوءًا، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : هل مع أحدٍ منكم ماءٌ؟ فوضَعَ يَدَه في الماءِ ويَقولُ: تَوضَّؤُوا بِسمِ اللهِ -أي: قائِلينَ: بِسمِ اللهِ- فرأيتُ الماءَ يَخرجُ من
стр. 362
بينِ أَصابعِه حتى تَوضَّؤوا من عندِ آخِرِهم، قال ثابِتٌ: قُلتُ؛ لأنَسٍ: كم تَراهُم؟ قالَ: نَحوًا من سَبعينَ» (١).
والدَّليلُ على أنَّها غيرُ واجِبةٍ أنَّه لم يَثبتْ دَليلٌ صَحيحٌ صَريحٌ في وُجوبِ التَّسميةِ، وأنَّ الحَديثَ الوارِدَ فيها ضَعيفٌ لم يَثبُتْ عن النَّبيِّ.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: ليسَ في هذا البابِ خَبرٌ ثابِتٌ يُوجبُ إِبطالَ وُضوءِ مَنْ لم يَذكرِ اسمَ اللهِ عليه، فالاحتِياطُ أنْ يُسميَ اللهَ مَنْ أرادَ الوُضوءَ والاغتِسالَ، ولا شَيءَ على مَنْ ترَكَ ذلك.
قالوا: ولأنَّها طَهارةٌ لا تَفتقرُ إلى التَّسميةِ كالطَّهارةِ من النَّجاسةِ، ولأنَّ المَطلوبَ من المُتوضِّئِ هو الطَّهارةُ، وتَركُ التَّسميةِ لا يَقدحُ فيها؛ ولأنَّها عِبادةٌ لا تَجبُ فيها التَّسميةُ كسائِرِ العِباداتِ؛ ولأنَّ الأصلَ عَدمُ الوُجوبِ (٢).
أمَّا المالِكيةُ؛ فقالَ صاحِبُ «الطراز»: استَحسَنها مالِكٌ ﵀ مَرةً، وأنكَرَها مَرةً، وقالَ: أهو يَذبحُ؟ ما علِمتُ أحَدًا يَفعلُ ذلك، ونقَلَ ابنُ شاسٍ عنه التَّخييرَ، ورُويَ عن ابنِ زيادٍ الكَراهةُ.
стр. 363
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: المَشهورُ من المَذهبِ أنَّ التَّسميةَ من فَضائلِ الوُضوءِ خِلافًا لمَن قالَ بعَدمِ مَشروعيَّتِها وبأنَّها تُكرهُ (١).
ثانيًا: غَسلُ اليَدينِ إلى الرُّسغَينِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُسنُّ غَسلُ اليَدينِ الطاهِرتَينِ إلى الرُّسغَينِ في ابتِداءِ الوُضوءِ لفِعلِ النَّبيِّ ﷺ ذلك، فقد رَوى عُثمانُ بنُ عَفانَ ﵁ في صِفةِ وُضوءِ النَّبيِّ ﷺ : «دَعا بإناءٍ فأفرَغَ على كَفَّيهِ ثَلاثَ مِرارٍ فغسَلَهما ثم أدخَلَ يَمينَه في الإناءِ» (٢)، ورُويَ ذلك أيضًا عن عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ وعليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵃ وغيرِهما.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ ذلك بواجِبٍ عندَ غيرِ القيامِ من النَّومِ، بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه، فأمَّا عندَ القيامِ من نَومِ اللَّيلِ فاختَلفَت الرِّوايةُ في وُجوبِه، فرُويَ عن أحمدَ وُجوبُه، وهو الظاهِرُ، واختيارُ أبي بَكرٍ، وهو مَذهبُ ابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ والحَسنِ البَصريِّ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا استَيقَظ أحدُكم من نَومِه فليَغسِلْ يَدَه قبلَ أنْ يُدخِلَها في وَضوئِه؛ فإنَّ أحَدَكم لا يَدرِي أينَ باتَتْ يَدُه» مُتَّفقٌ عليه (٣)، وفي لَفظٍ لمُسلمٍ: «فلا يَغمِسْ يَدَه في الإناءِ حتى يَغسِلَها ثَلاثًا»، وأمرُه يَقتَضي الوُجوبَ، ونَهيُه يَقتَضي التَّحريمَ.
стр. 364
ورُويَ أنَّ ذلك مُستحبٌّ، وليسَ بواجِبٍ، وبه قالَ عَطاءٌ ومالِكٌ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرأيِ وابنُ المُنذرِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيةَ.
قالَ زَيدُ بنُ أسلَمَ في تَفسيرِها: إذا قُمتُم من نَومٍ؛ ولأنَّ القيامَ من النَّومِ داخِلٌ في عُمومِ الآيةِ، وقد أمَرَ بالوُضوءِ من غيرِ غَسلِ الكَفَّينِ في أوَّلِه، والأمرُ بالشَّيءِ يَقتَضي حُصولَ الإِجزاءِ به؛ ولأنَّه قائِمٌ من نَومٍ، فأشبَهَ القائِمَ من نَومِ النَّهارِ، والحَديثُ مَحمولٌ على الاستِحبابِ؛ لتَعليلِه بما يَقتَضي ذلك، وهو قَولُه: «فإنَّه لا يَدري أينَ باتَتْ يَدُه» وطُروءُ الشَّكِّ على يَقينِ الطَّهارةِ لا يُؤثِّرُ فيها، كما لو تَيقَّنَ الطَّهارةَ وشَكَّ في الحَدثِ فيَدلُّ ذلك على أنَّه أرادَ النَّدبَ (١).
ثالثًا: المَضمَضةُ:
رابَعًا: الاستِنشاقُ:
خامِسًا: الاستِنثارُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ المَضمَضةِ والاستِنشاقِ والاستِنثارِ على أربَعةِ أَقوالٍ:
стр. 365
القَولُ الأولُ: ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المَضمَضةَ والاستِنشاقَ سُنةٌ في الوُضوءِ والغُسلِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
فالوَجهُ عندَ العَربِ: ما حصَلَت به المُواجهةُ، وداخِلُ الفَمِ والأنفِ ليسَ من الوَجهِ.
وذِكرُهما من الفِطرةِ يَدلُّ على مُخالفتِهما لسائِرِ الوُضوءِ.
ولقَولِه ﷺ للأَعرابيِّ: «تَوضَّأْ كما أمَرَك اللهُ» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذا الحَديثُ من أحسَنِ الأدِلةِ؛ لأنَّ هذا الأعرابيَّ صلَّى ثَلاثَ مَرَّاتٍ فلم يُحسِنْها، فعلِمَ النَّبيُّ ﷺ حينَئذٍ أنَّه لا يَعرفُ الصَّلاةَ التي تُفعلُ بحَضرةِ الناسِ وتُشاهَدُ أَعمالُها، فعلَّمَه واجِباتِها وواجِباتِ الوُضوءِ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «تَوضَّأْ كما أمَرَك اللهُ»، ولم يَذكُرْ له سُننَ الصَّلاةِ والوُضوءِ لئلَّا يُكثِرَ عليه فلا يَضبطَها، فلو كانَت المَضمَضةُ واجِبةً لعلَّمَه إياها؛ فإنَّه ممَّا يَخفى، لا سيما في حَقِّ هذا الرَّجلِ الذي خَفيَت عليه الصَّلاةُ التي تُشاهَدُ فكيفَ بالوُضوءِ الذي يَخفَى؟ (٢)
стр. 366
القَولُ الثاني: ذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّهما واجِبتانِ في الطَّهارةِ الكُبرى الغُسلِ، وسُنةٌ في الصُّغرى، الوُضوءِ؛ لأنَّ الواجِبَ في بابِ الوُضوءِ غَسلُ الأَعضاءِ الثَّلاثةِ ومَسحُ الرأسِ، فداخِلُ الأنفِ والفمِ ليسَا من جُملتِها، أمَّا ما سِوى الوَجهِ فظاهِرٌ، وكذا الوَجهُ؛ لأنَّه اسمٌ لمَا يُواجهُ به الإِنسانُ عادةً، والفَمُ لا يُواجَهُ به بكلِّ حالٍ؛ فلا يَجبُ غَسلُه.
ولأنَّ الكُبرى يَجبُ فيها غَسلُ كلِّ ما أمكَنَ من البَدنِ كبَواطنِ الشُّعورِ الكَثيفةِ ولا يُمسحُ فيها على الحَوائِلِ فوَجَبا فيها بخِلافِ الصُّغرى.
ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أي: طَهِّروا أبدانَكم، فيَجبُ غَسلُ ما يُمكنُ غَسلُه من غيرِ حَرجٍ ظاهِرًا كانَ أو باطِنًا (١).
القَولُ الثالِثُ: ذهَبَ الحَنابِلةُ في المَشهورِ عنهم إلى أنَّ المَضمَضةَ والاستِنشاقَ واجِبَتانِ في الطَّهارَتَينِ الصُّغرَى والكُبرَى، أي: الغُسلِ والوُضوءِ؛ لمَا رَوَت عائِشةُ ﵂ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «المَضمَضةُ والاستِنشاقُ مِنْ الوُضوءِ الذي لا بدَّ مِنه» (٢).
стр. 367
ولأنَّ كلَّ من وصَفَ وُضوءَ النَّبيِّ ﷺ مُستقصيًا ذكَرَ أنَّه تَمضمَضَ واستَنشَقَ، ومُداومتُه عليهما تَدلُّ على وُجوبِهما؛ لأنَّ فِعلَه يَصلحُ أنْ يَكونَ بَيانًا وتَفصيلًا للوُضوءِ المَأمورِ به في كِتابِ اللهِ، وكَونُهما من الفِطرةِ لا يَنفي وُجوبَهما، لاشتِمالِ الفِطرةِ على الواجِبِ والمَندوبِ (١).
القَولُ الرابِعُ: ذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الاستِنشاقَ واجِبٌ في الوُضوءِ والغُسلِ دونَ المَضمَضةِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ تَوضَّأ فليَستَنثرْ» (٢). وفي رِوايةٍ: «إذا تَوضَّأ أحدُكم فليَجعَلْ في أنْفِه ماءً ثم ليَنتثِرْ» (٣).
وعن أبي هُرَيرةَ ﵁ مَرفوعًا: «من تَوضَّأ فليَستَنشِقْ» (٤)، وعن ابنِ عَباسٍ مَرفوعًا: «استَنثِرُوا مرَّتينِ بالِغتَينِ أو ثَلاثًا» (٥).
وهذا أمرٌ يَقتَضي الوُجوبَ؛ ولأنَّ الأنفَ لا يَزالُ مَفتوحًا وليسَ له غِطاءٌ يَستُرُه بخِلافِ الفَمِ (٦).
стр. 368
سادِسًا: مَسحُ الأُذنَينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَسحِ الأُذنَينِ في الوُضوءِ هل هو سُنةٌ أو واجِبٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ إلى أنَّ مَسحَ الأُذنَينِ سُنةٌ من سُننِ الوُضوءِ فلو ترَكَ المُتوضِّئُ مَسحَ الأُذنَينِ جازَ؛ لمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ للأعرابيِّ: «تَوضَّأْ كما أمَرَك اللهُ» (١).
وليس فيما أمَرَ اللهُ مَسحُ الأُذنَينِ، ويُستحبُّ أنْ يَمسحَ أُذُنَيه ظاهِرَهما وباطِنَهما، فظاهِرُهما ما يَلي الرأسَ، وباطِنُهما ما يَلي الوَجهَ لمَا رَوى المِقدامُ بنُ مَعديكَرِبَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسَحَ برَأسِه وأُذنَيه ظاهِرِهما وباطِنِهما، وأدخَلَ إِصبَعَيه في صِماخِ أُذنَيه» (٢).
وذهَبَ الحَنابِلةُ وابنُ مَسلمةَ والأبَهريُّ من المالِكيةِ إلى وُجوبِ مَسحِ الأُذنَينِ ظاهِرِهما وباطِنِهما؛ لأنَّهما من الرأسِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الأُذنانِ من الرَّأسِ» (٣).
ثم إنَّ المالِكيةَ والشافِعيةَ والحَنابِلةَ وأبا حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه قالوا: يُسنُّ أنْ يأخُذَ لأُذُنَيه ماءً جَديدًا غيرَ الذي مسَحَ به رأسَه؛ لحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ ﵁ أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ : «يَتوضَّأُ فأخَذَ لأُذُنَيه ماءً خِلافَ
стр. 369
الماءِ الذي أخَذَ لرَأسِه» (١)؛ ولأنَّه عُضوٌ يَتميَّزُ عن الرأسِ في الاسمِ والخِلقةِ فلا يَتبَعُه في الطَّهارةِ كسائِرِ الأَعضاءِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ السُّنةَ عندَهم أنْ يَمسحَ الأُذنَينِ بماءِ الرأسِ؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ : «الأُذنانِ من الرَّأسِ» ومَعلومٌ أنَّه ما أرادَ بَيانَ الخِلقةِ، بل أرادَ بَيانَ الحُكمِ، فواجِبٌ إذا كانَ كذلك أنْ تُمسَحا معه بماءٍ واحِدٍ كما يُمسحُ سائِرُ أَبعاضِ الرأسِ، إلا أنَّه لا يَنوبُ المَسحُ عليهما عن مَسحِ الرأسِ؛ لأنَّ دَليلَ مَسحِ الرأسِ ثبَتَ بدَليلٍ مَقطوعٍ به.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀ نَقلًا عن «الخُلاصة»: ولو أخَذَ لأُذنَيه ماءً جَديدًا فهو حَسنٌ، وذكَرَه رِوايةً عن أبي حَنيفةَ.
قالَ في «البَحرِ»: فاستُفيدَ منه أنَّ الخِلافَ بينَنا وبينَ الشافِعيِّ في أنَّه إذا لم يَأخذْ ماءً جَديدًا ومسَحَ بالبَلَّةِ الباقيةِ هل يَكونُ مُقيمًا للسُّنةِ؟ فعندَنا نَعمْ، وعندَه لا. أمَّا لو أخَذَ ماءً جَديدًا مع بَقاءِ البَلَّةِ؛ فإنَّه يَكونُ مُقيمًا للسُّنةِ اتِّفاقًا (٢).
стр. 370
سابِعًا: مَسحُ كلِّ الرأسِ:
قد سبَقَ بَيانُ أنَّ مَسحَ جَميعِ الرأسِ فَرضٌ عندَ الإمامِ مالِكٍ وأحمدَ في المَشهورِ عنه.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ مِنْ سُننِ الوُضوءِ مَسحَ جَميعِ الرأسِ، واستدَلَّ الحَنفيةُ على ذلك بما رَواه عبدُ اللهِ بنُ زَيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «مسَحَ رَأسَه بيَدَيه كِلتَيهما أقبَلَ بهما وأدبَرَ» (١). وبما ورَدَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «تَوضَّأ ومسَحَ رَأسَه كُلَّه» (٢). قالوا: «إنَّه ﷺ مسَحَ بناصِيَتِه» (٣)، فيَكونُ مَسحُ الرُّبعِ فَرضًا ومَسحُ الجَميعِ سُنةً.
ونَصُّوا على أنَّ المُتوضِّئَ إذا داوَمَ على تَركِ استِيعابِ كلِّ الرأسِ بالمَسحِ بلا عُذرٍ يأثَمُ، قالوا: وكأنَّه لظُهورِ رَغبتِه عن السُّنةِ.
وقالَ الشافِعيةُ: يُسنُّ للمُتوضِّئِ مَسحُ كلِّ الرأسِ للاتِّباعِ، وخُروجًا من خِلافِ مَنْ أوجَبَه.
قالَ القُرطُبيُّ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ مسَحَ رأسَه كلَّه فقد أحسَنَ وفعَلَ ما يَلزمُه (٤).
стр. 371
ثامِنًا: تَخليلُ اللِّحيةِ: وقد سبَقَ بَيانُه.
تاسِعًا: تَخليلُ أَصابعِ اليَدينِ والرِّجلَينِ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّ إِيصالَ الماءِ بينَ أَصابعِ اليَدينِ والرِّجلَينِ بالتَّخليلِ وغيرِه من مُتمِّماتِ الوُضوءِ فهو فَرضٌ في الوُضوءِ والغُسلِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
أمَّا التَّخليلُ بعدَ دُخولِ الماءِ الأَصابعَ فقد ذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ عندَهم إلى وُجوبِ التَّخليلِ في أَصابعِ اليَدينِ واستِحبابِه في أَصابعِ الرِّجلَينِ، قالوا: وإنَّما وجَبَ تَخليلُ أَصابعِ اليَدينِ دونَ أَصابعِ الرِّجلَينِ على المَشهورِ لعَدمِ شِدةِ التِصاقِها بخِلافِ أَصابعِ الرِّجلَينِ فقد أشبَهَ ما بينَهما الباطِنُ لشِدةِ الالتِصاقِ فيما بينَها.
وفي القَولِ الآخَرِ عندَهم: يَجبُ التَّخليلُ في أَصابعِ اليَدينِ والرِّجلَينِ.
واستَدَلوا على الوُجوبِ بما رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ للَقيطِ بنِ صُبرةَ ﵁: «أسبِغِ الوُضوءَ وخَلِّلِ الأَصابعَ» (١).
стр. 372
وبما رَواه ابنُ عَباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا تَوضَّأتَ فخَلِّلْ بينَ أَصابعِ يدَيك ورِجلَيك» (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ تَخليلَ الأَصابعِ في الوُضوءِ سُنةٌ، ويَرى الحَنفيةُ أنَّه سُنةٌ مُؤكَّدةٌ، والحَنابِلةُ يَرونَ أنَّ تَخليلَ أَصابعِ الرِّجلَينِ آكَدُ من أَصابعِ اليَدينِ، وعَلَّلوا استِحبابَ التَّخليلِ بأنَّه أبلَغُ في إِزالةِ الدَّرنِ والوَسخِ بينَ الأَصابعِ؛ لمَا رَوى المُستورِدُ بنُ شَدَّادٍ ﵁ قالَ: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ إذا تَوضَّأ دلَكَ أَصابعَ رِجلَيه بخِنصَرِه» (٢).
وأمَّا عَدمُ وُجوبِ التَّخليلِ فلوُجودِ الصارِفِ، وهو تَعليمُ الأعرابيِّ، ولم يَثبُتْ فيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّمَه التَّخليلَ؛ فإنَّه قالَ له: «تَوضَّأْ كما أمَرَك اللهُ»، وليسَ فيما أمَرَ اللهُ التَّخليلُ؛ لأنَّها ورَدَت مُطلقةً عن التَّخليلِ وللأَخبارِ التي حُكيَ فيها وُضوءُ النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ التَّخليلَ لم يُذكرْ فيها (٣).
стр. 373
عاشِرًا: التَّثليثُ في أَعضاءِ الوُضوءِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ تَثليثَ غَسلِ الأَعضاءِ في الوُضوءِ سُنةٌ لمَا ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «تَوضَّأ ثَلاثًا ثَلاثًا» (١).
كما في حَديثِ عُثمانَ بنِ عَفانَ ﵁ وغيرِه وليسَ بواجِبٍ لمَا رَوى ابنُ عَباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «تَوضَّأ مَرةً مَرةً» (٢). ولمَا رَوى عبدُ اللهِ بنُ زَيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «تَوضَّأ مرَّتينِ مرَّتينِ» (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ الواجِبَ في غَسلِ الأَعضاءِ مَرةً مَرةً وعلى أنَّ الثَّلاثَ سُنةٌ (٤).
وذلك بخِلافِ مَسحِ الرأسِ كما تَقدَّمَ فلا يُسنُّ تَثليثُه عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ في المِذهبِ، ويُسنُّ تَثليثُه عندَ الشافِعيةِ وابنِ الجَوزيِّ وأبي الخَطابِ من الحَنابِلةِ.
стр. 374
الحاديَ عَشرَ: الاستِياكُ: وقد سبَقَ بَيانُه في سُننِ الفِطرةِ.
الثانيَ عَشرَ: التَّيامنُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يُستحبُّ تَقديمُ اليُمنى على اليُسرى في الوُضوءِ؛ لمَا رَوَت عائِشةُ ﵂ قالَت: «كان النَّبيُّ ﷺ يُعجِبُه التَّيمنُ في تَنعُّلِه وتَرجُّلِه وطُهورِه وفي شَأنِه كُلِّه» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ تَقديمَ اليَمينِ على اليَسارِ من اليَدينِ والرِّجلَينِ في الوُضوءِ سُنةٌ لو خالَفَها فاتَه الفَضلُ وصَحَّ وُضوؤُه.
ثم قالَ: واعلَمْ أنَّ الابتِداءَ باليَسارِ -وإنْ كانَ مُجزئًا- مَكروهٌ، نَصَّ عليه الشافِعيُّ وهو ظاهِرٌ، وقد ثبَتَ في سُننِ أبي داودَ والتِّرمذيِّ وغيرِهما بأسانيدَ حَميدةٍ عن أبي هُرَيرةَ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: إذا لبِسْتم أو تَوضَّأتم، فابدَؤُوا بمَيامِنِكم» (٢)، فهذا نَصٌّ في الأمرِ بتَقديمِ اليَمينِ، ومُخالَفتُه مَكروهةٌ أو مُحرَّمةٌ، وقد انعقَدَ إِجماعُ العُلماءِ على أنَّها ليسَت مُحرَّمةً، فوجَبَ أنْ تَكونَ مَكروهةً، ثم اعلَمْ أنَّ مِنْ أَعضاءِ الوُضوءِ ما لا يُستحبُّ فيه التَّيامُنُ وهو الأُذُنانِ والكَفَّان والخَدَّان، بل يُطهَّران دُفعةً
стр. 375
واحِدةً، فإنْ تَعذَّرَ ذلك كما في حَقِّ الأقطَعِ ونَحوِه قدَّمَ اليَمينَ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: إنَّ التَّيامنَ سُنةٌ؛ لثُبوتِ مُواظبتِه ﷺ ، فغيرُ واحِدٍ ممَّن حَكى وُضوءَه ﷺ صرَّحوا بتَقديمِ اليُمنى على اليُسرى من اليَدينِ والرِّجلَينِ، وذلك يُفيدُ المُواظبةَ؛ لأنَّهم إنَّما يَحكُونَ وُضوءَه الذي هو دَأبُه وعادَتُه، فيَكونُ سُنةً (٢).
الثالِثَ عَشرَ: إِطالةُ الغُرةِ والتَّحجيلُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إِطالةِ الغُرةِ والتَّحجيلِ في الوُضوءِ هل هما مُستحبَّان أو مَكروهانِ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّه يُسنُّ في الوُضوءِ إِطالةُ الغُرةِ والتَّحجيلُ، بأنْ يَتجاوزَ المُتوضِّئُ مَوضعَ الفَرضِ في غَسلِ الوَجهِ واليَدينِ والرِّجلَينِ.
وجعَلَ الحَنفيةُ إِطالةَ الغُرةِ والتَّحجيلَ من بابِ آدابِ الوُضوءِ.
والأصلُ في ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ أُمَّتي يُدعَونَ يَومَ القيامةِ غُرًّا مُحجَّلينَ من آثارِ الوُضوءِ، فمَنِ استَطاعَ منكم أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ» (٣).
стр. 376
ومَعنى: «غُرًّا مُحجَّلينَ» بِيضَ الوُجوهِ واليَدينِ والرِّجلَينِ، كالفَرسِ الأغَرِّ: وهو الذي في وَجهِه بَياضٌ، والمُحجَّلُ: هو الذي قَوائِمُه بِيضٌ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ هذه الأَحاديثَ مُصرِّحةٌ باستِحبابِ تَطويلِ الغُرةِ والتَّحجيلِ:
أمَّا تَطويلُ الغُرةِ فقالَ أَصحابُنا: هو غَسلُ شَيءٍ من مُقدَّمِ الرأسِ، وما يُجاوزُ الوَجهَ زائِدٌ على الجُزءِ الذي يَجبُ غَسلُه لاستِيقانِ كَمالِ الوَجهِ.
وأمَّا تَطويلُ التَّحجيلِ: فهو غَسلُ ما فوقَ المِرفَقينِ والكَعبَينِ وهذا مُستحبٌّ بلا خِلافٍ بينَ أَصحابِنا.
واختَلَفوا في قَدرِ المُستحبِّ على أوجُهٍ:
أحَدُها: أنَّه يُستحبُّ الزِّيادةُ فوقَ المِرفَقينِ والكَعبَينِ من غيرِ تَوقُّفٍ.
والثاني: يُستحبُّ إلى نِصفِ العَضُدِ والساقِ.
والثالِثُ: يُستحبُّ إلى المَنكِبينِ والرُّكبَتينِ، وأَحاديثُ البابِ تَقتَضي هذا كلَّه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ إلى أنَّه لا يُندبُ إِطالةُ الغُرةِ، وهي الزِّيادةُ في غَسلِ أَعضاءِ الوُضوءِ على مَحلِّ الفَرضِ.
стр. 377
وقالَ المالِكيةُ: بل يُكرهُ؛ لأنَّه مِنْ الغُلوِّ في الدِّينِ، وإنَّما يُندبُ دَوامُ الطَّهارةِ والتَّجديدِ.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: ويُسمَّى ذلك إِطالةَ الغُرةِ، كما حُملَ عليه قَولُه ﷺ : «مَنْ استَطاعَ أنْ يُطيلَ غُرَّتَه فليَفعَلْ»، فقد حمَلوا الإِطالةَ على الدَّوامِ، والغُرةَ على الوُضوءِ.
قالَ: والحاصِلُ أنَّ إِطالةَ الغُرةِ تُطلقُ على الزِّيادةِ على المَغسولِ، وتُطلقُ على إدامةِ الوُضوءِ، وإِطالةُ الغُرةِ بالمَعنى الأولِ هي المَكروهةُ عندَ مالِكٍ، وإِطالةُ الغُرةِ بالمَعنى الثاني مَطلوبةٌ عندَه، وحينَئذٍ لا يَكونُ الحَديثُ السابِقُ مُعارِضًا لمَا ذكَرَه من الكَراهةِ (١).
قال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وكانَ أبو هُريرةَ يَغسلُ يَدَيه إلى العَضُدَين في الوُضوءِ ويَقولُ: «مَنْ استَطاعَ أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ» ورُويَ عنه أنَّه كانَ يَمسحُ عُنقَه ويَقولُ: هو مَوضِعُ الغَلِّ؛ فإنَّ هذا -وإنِ استحَبَّه طائِفةٌ من العُلماءِ اتِّباعًا لهما- خالَفَهم فيه آخَرونَ وقالوا: سائِرُ الصَّحابةِ لم يَكونوا يَتوضَّؤونَ هكذا، والوُضوءُ الثابِتُ عنه ﷺ الذي في الصَّحيحَينِ وغيرِهما من غيرِ وَجهٍ ليسَ فيه أخْذُ ماءٍ جَديدٍ للأُذنَينِ ولا غَسلُ ما زادَ على المِرفَقينِ والكَعبَينِ ولا مَسحُ العُنقِ ولا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ استَطاعَ أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ» بل هذا مِنْ كَلامِ أبي
стр. 378
هُرَيرةَ، جاءَ مُدرَجًا في بعضِ الأَحاديثِ، وإنَّما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّكم تأتون يَومَ القيامةِ غُرًّا مُحجَّلين من آثارِ الوُضوءِ» وكانَ ﷺ يَتوضَّأُ حتى يَشرعَ في العَضُدِ والساقِ، قالَ أبو هُرَيرةَ: مَنْ استَطاعَ أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ، وظَنَّ مَنْ ظَنَّ أنَّ غَسلَ العَضُدِ من إِطالةِ الغُرةِ، وهذا لا مَعنى له؛ فإنَّ الغُرةَ في الوَجهِ لا في اليَدِ والرِّجلِ، وإنَّما في اليَدِ والرِّجلِ الحَجلةُ.
والغُرةُ لا يُمكنُ إِطالتُها؛ فإنَّ الوَجهَ يُغسلُ كلُّه لا يُغسلُ الرأسُ ولا غُرةَ في الرأسِ، والحَجلةُ لا يُستحبُّ إِطالتُها، وإِطالتُها مُثلةٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: وأمَّا فِعلُ أبي هُريرةَ ﵁ فهو شَيءٌ تَأوَّلَه، وخالَفَه فيه غيرُه، يُنكِرونه عليه، وهذه المَسألةُ تُلقَّبُ بمَسألةِ إِطالةِ الغُرةِ، وإنْ كانَت الغُرةُ في الوَجهِ خاصةً.
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك، وفيها رِوايتانِ عن الإمامِ أحمدَ:
إحداهُما: يُستحبُّ إِطالتُها، وبها قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، واختارَها أبو البَركاتِ ابنُ تَيميةَ وغيرُه.
والثانيةُ: لا يُستحبُّ، وهي مَذهبُ مالِكٍ، وهي اختيارُ شَيخِنا أبي العَباسِ.
فالمُستَحِبون يَحتجُّون بحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أنتُم الغُرُّ المُحجَّلونَ يَومَ القيامةِ مِنْ أثَرِ الوُضوءِ، فمَن
стр. 379
استَطاعَ منكم فليُطِلْ غُرَّتَه وتَحجيلَه» مُتَّفقٌ عليه، ولأنَّ الحِليةَ تَبلغُ من المُؤمنِ حيثُ يَبلغُ الوُضوءُ.
قالَ النافونَ للاستِحبابِ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ حَدَّ حُدودًا فلا تَعتَدوها».
واللهُ قد حَدَّ المِرفَقينِ والكَعبَينِ، فلا يَنبَغي تَعدِّيهما، ولأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَنقُلْ مَنْ نقَلَ عنه وُضوءَه أنَّه تَعداهُما، ولأنَّ ذلك أصلُ الوَسواسِ ومادَّتُه، ولأنَّ فاعِلَه إنَّما يَفعلُه قُربةً وعِبادةً، والعِباداتُ مَبناها على الاتِّباعِ، ولأنَّ ذلك ذَريعةٌ إلى الغَسلِ إلى الفَخذِ، وإلى الكَتفِ.
وهذا مما لا يُعلمُ أنَّ النَّبي ﷺ وأَصحابَه لم يَفعَلوه (١) ولا مَرةً واحِدةً، ولأنَّ هذا من الغُلوِّ، وقد قالَ ﷺ : «إيَّاكُم والغُلُوَّ في الدِّينِ».
ولأنَّه تَعمُّقٌ، وهو مَنهيٌّ عنه، ولأنَّه عُضوٌ من أَعضاءِ الطَّهارةِ، فكُرهَ مُجاوَزتُه كالوَجهِ.
وأمَّا الحَديثُ فرِاويةٌ عن أبي هُريرةَ ﵁، رَواها نُعَيمٌ المُجمِرُ، وقد قالَ: «لا أَدري قَولُه: فمَن استَطاعَ منكم أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ، من قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، أو مِنْ قَولِ أبي هُريرةَ ﵁؟»، رَوى ذلك عنه الإمامُ أحمدُ في المُسندِ.
стр. 380
وأمَّا حَديثُ الحِليةِ، فالحِليةُ المُزيِّنةُ ما كانَ في مَحلِّه، فإذا جاوَزَ مَحلَّه لم تَكنْ زِينةً (١).
الرابِعَ عَشرَ: الدُّعاءُ بعدَ الوُضوءِ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى مَشروعيةِ الدُّعاءِ بعدَ الوُضوءِ فقد نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُسنُّ أنْ يَقولَ المُتوضِّئُ عقِبَ فَراغِه من الوُضوءِ وهو مُستقبِلٌ القِبلةَ وقد رفَعَ يَدَيه وبَصرَه إلى السَّماءِ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه، اللَّهمَّ اجعَلني من التَّوابِينَ واجعَلني من المُتطهِّرينَ؛ لقَولِه ﷺ : «ما مِنكم مِنْ أحَدٍ يَتوضَّأُ فيُبلِغُ (أو فيُسبِغُ) الوُضوءَ ثم يَقولُ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا عبدُ اللهِ ورَسولُه إلا فُتحَت له أَبوابُ الجَنةِ الثَّمانيةُ يَدخلُ من أيِّها شاءَ» (٢)، ثم يَقولُ المُتوضِّئُ: «اللَّهمَّ اجعَلني من التَّوابِينَ واجعَلني من المُتطهِّرينَ» (٣).
ويَقولُ أيضًا: سُبحانَك اللَّهمَّ وبحَمدِك أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا أنتَ أستغِفرُك وأتوبُ إليكَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ تَوضَّأ فقالَ: سُبحانَك اللَّهمَّ وبحَمدِك أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا أنتَ أستغِفرُك وأتوبُ إليك،
стр. 381
كُتبَ في رَقٍّ ثم طُبعَ بطابَعٍ، فلم يُكسَرْ إلى يَومِ القيامةِ» (١)، أي: لم يَتطرَّقْ إليه إِبطالٌ، أي: يُصانُ به صاحِبُه من تَعاطي مُبطِلٍ.
وقالَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ: يُسنُّ أنْ يَقولَ بعدَ الوُضوءِ: وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على مُحمدٍ وآلِ مُحمدٍ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: والحِكمةُ في خَتمِ الوُضوءِ والصَّلاةِ وغيرِهما بالاستِغفارِ -كما أشارَ إليه ابنُ رَجبٍ في تَفسيرِ سُورةِ النَّصرِ- أنَّ العِبادَ مُقصِّرون عن القيامِ بحُقوقِ اللهِ كما يَنبَغي، وعن أَدائِها على الوَجهِ اللَّائِقِ بجَلالِه وعَظمتِه، وإنَّما يُؤدُّونَها على قَدرِ ما يُطيقونَه، فالعارِفُ يَعرفُ أنَّ قَدْرَ الحَقِّ أعلَى وأجَلُّ من ذلك، فهو يَستَحْيِي من عَملِه ويَستغفِرُ من تَقصيرِه فيه كما يَستغفِرُ غيرُه من ذُنوبِه وغَفلاتِه.
قالَ: والاستِغفارُ يَرِدُ مُجرَّدًا ومَقرونًا بالتَّوبةِ، فإنْ ورَدَ مُجرَّدًا دخَلَ فيه طلَبُ وِقايةِ شَرِّ الذَّنبِ الماضي بالدُّعاءِ والنَّدمِ عليه، ووِقايةِ شَرِّ الذَّنبِ
стр. 382
المُتوقَّعِ بالعَزمِ على الإقلاعِ عنه، وهذا الاستِغفارُ الذي يَمنعُ الإِصرارَ والعُقوبةَ، وإنْ ورَدَ مَقرونًا بالتَّوبةِ اختُصَّ بالنَّوعِ الأولِ؛ فإنْ لم يَصحَبْه النَّدمُ على الذَّنبِ الماضي، بل كانَ سُؤالًا مُجرَّدًا فهو دُعاءٌ مَحضٌ، وإنْ صحِبَه نَدمٌ فهو تَوبةٌ، والعَزمُ على الإِقلاعِ من تَمامِ التَّوبةِ (١).
الخامِسَ عَشرَ: صَلاةُ رَكعَتينِ عَقبَ الوُضوءِ:
استحَبَّ العُلماءُ أنْ يُصلِّيَ المُتوضِّئُ رَكعَتينِ بعدَ الوُضوءِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ما مِنْ مُسلمٍ يَتوضَّأُ فيُحسنُ وُضوءَه ثم يَقومُ فيُصلِّي رَكعَتينِ يُقبِلُ عليهما بقَلبِه ووَجهِه إلا وجَبَت له الجَنةُ» (٢).
وبحَديثِ عُثمانَ ﵁ في وَصفِ وُضوئِه ﷺ قالَ: «رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ تَوضَّأ نَحوَ وُضوئِي هذا، ثم قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ تَوضَّأ نَحوَ وُضوئي هذا ثم قامَ فركَعَ رَكعَتينِ لا يُحدِّثُ فيهما نَفسَه غُفرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنبِه» (٣).
стр. 383
قالَ النَّوويُّ ﵀: في الحَديثِ استِحبابُ صَلاةِ رَكعَتينِ فأكثَرَ عَقبَ كلِّ وُضوءٍ، وهو سُنةٌ مُؤكَّدةٌ (١).
ولحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لبِلالٍ عندَ صَلاةِ الفَجرِ: «يا بِلالُ حَدِّثْني بأرجَى عَملٍ عمِلتَه في الإِسلامِ؛ فإنِّي سمِعتُ دَفَّ نَعلَيك بينَ يَدَيَّ في الجَنةِ، قالَ: ما عمِلتُ عَملًا أرجَى عِندي أنِّي لم أتطَهَّرْ طُهورًا في ساعةِ ليلٍ أو نَهارٍ إلا صلَّيتُ بذلك الطُّهورِ ما كُتبَ لي أنْ أُصلِّيَ» (٢).
стр. 384
نَواقِضُ الوُضوءِ:
قالَ أبو المَعالي الجُوينيُّ ﵀: أصلُ طَهارةِ الحَدثِ غيرُ مَعقولِ المَعنى، وكذلك آلَتُها ومَحلُّها وانقِسامُها إلى المَغسولِ والمَمسوحِ فليسَ لها في الشَّرعِ قاعِدةٌ مَعنويةٌ نَعتمِدُها وإنَّما مَرجعُها إلى التَّوقُّفِ (١).
قد ذكَرَ الفُقهاءُ نَواقضَ الوُضوءِ وقد اتَّفَقوا على بَعضِها واختَلَفوا في بَعضِها الآخَرِ وذلك على التَّفصيلِ الآتي:
أولًا: الخارجُ من السَّبيلَينِ:
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ خُروجَ الغائِطِ من الدُّبرِ، وخُروجَ البَولِ من الذَّكرِ، وكذلك المَرأةُ -أي: مِنْ دُبُرِها وفَرجِها- وأنَّ خُروجَ المَنيِّ، وخُروجَ الرِّيحِ من الدُّبرِ وزَوالَ العَقلِ بأيِّ وَجهٍ زالَ العَقلُ، أَحداثٌ يَنقضُ كلُّ واحِدٍ منها الطَّهارةَ، ويُوجبُ الوُضوءَ (٢)؛ وذلك لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦].
إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا وأَصحابَه لم يَرَوْا نَقضَ الوُضوءِ بالنادِرِ كالحَصاةِ والدُّودِ والسَّلسِ (٣).
стр. 385
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ الذي يُوجبُ الوُضوءَ أحَدُ خَمسةِ أقسامٍ: فأوَّلُها ما خرَجَ من السَّبيلَينِ، وهُما القُبلُ والدُّبرُ، والخارِجُ منهما ضَربانِ: مُعتادٌ ونادِرٌ:
فالمُعتادُ الغائِطُ والبَولُ والصَّوتُ والرِّيحُ ودَمُ الحَيضِ، وفيها الوُضوءُ، وِفاقًا لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦].
والنادِرُ المَذيُ والوَديُ، والدُّودُ والحَصى وسَلسُ البَولِ، ودَمُ المُستحاضةِ، وقد اختَلَفوا في وُجوبِ الوُضوءِ منه، فمَذهبُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وُجوبُ الوُضوءِ منه كالمُعتادِ.
وقالَ مالِكٌ: لا وُضوءَ منه استِدلالًا بقَولِه ﷺ : «لا وُضوءَ إلا مِنْ صَوتٍ أو رِيحٍ» يَعني المُعتادَ كالصَّوتِ والرِّيحِ فدَلَّ على انتِفائِه من النادِرِ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ للمُستَحاضةِ: «صلِّي ولو قطَرَ الدَّمُ على الحَصيرِ قَطرًا»، فلم يُنقَضْ وُضوؤُها بدَمِ الاستِحاضةِ لكَونِه نادِرًا، قالَ: ولأنَّ الخارجَ المُعتادَ إذا خرَجَ من غيرِ مَخرجِ الحَدثِ المُعتادِ لم يَجبِ الوُضوءُ؛ لكَونِه نادِرًا وجَبَ إذا خرَجَ غيرُ المُعتادِ من مَخرجٍ مُعتادٍ ألَّا يُوجبَ الوُضوءَ لكَونِه نادِرًا.
ودَليلُنا: قَولُه تَعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، وهو مَقصودٌ للنادِرِ والمُعتادِ، ورَوى عَباسُ بنُ أنَسٍ قالَ: سمِعتُ علِيًّا بالكُوفةِ يَقولُ: قُلتُ لعَمارٍ: سَلْ رَسولَ اللهِ ﷺ عن المَذيِ يُصيبُ أحدَنا إذا دَنا من أهلِه؛ فإنَّ ابنَتَه تَحتي وأنا أستَحْيِي منه، فسألَه عَمارٌ، فقالَ
стр. 386
ﷺ : «يَكفي منه الوُضوءُ»؛ فإنَّما أوجَبَ هذا الحَديثُ الوُضوءَ من المَذيِ، وهو نادِرٌ، فكذلك مِنْ كلِّ نادِرٍ، ولأنَّه خارِجٌ من مَخرجِ الحَدثِ المُعتادِ فوجَبَ أنْ يَنقُضَ الوُضوءَ كالخارِجِ المُعتادِ.
فأمَّا قَولُه: «لا وُضوءَ إلا مِنْ صَوتٍ أو رِيحٍ» فهو أنَّه لا ظاهِرَ له يَتعلَّقُ الحُكمُ به، ثم فيه دَليلٌ على وُجوبِ الوُضوءِ من الصَّوتِ والرِّيحِ، وإنْ كانَ نادِرًا كما يُوجِبُه، وإنْ كانَ مُعتادًا، وأمَّا خَبَرُ المُستحاضةِ فلا دَليلَ فيه؛ لأنَّ المُستحاضةَ مُحدِثةٌ، وإنَّما أجزَأتْها الصَّلاةُ للضَّرورةِ، وأمَّا المُعتادُ إذا خرَجَ من غيرِ المَخرجِ المُعتادِ فليسَ المَعنى في سُقوطِ الوُضوءِ منه أنَّه نادِرٌ، ولكنَّ المَعنى فيه أنَّه خارِجٌ من غيرِ مَخرجٍ مُعتادٍ (١).
إلا أنَّ الشافِعيةَ نَصُّوا في الصَّحيحِ من المَذهبِ عندَهم على أنَّ خُروجَ المَنيِّ يُوجبُ الغُسلَ ولا يَنقضُ الوُضوءَ، كانَ أمْنَى بمُجرَّدِ نَظرٍ أو احتِلامٍ، مُمكِّنًا مَقعَدَه، فلا يَنقضُ الوُضوءَ؛ لأنَّه أوجَبَ أعظَمَ الأمرَينِ، وهو الغُسلُ بخُصوصِه، أي: بخُصوصِ كَونِه مَنيًّا، فلا يُوجبُ أدوَنَهما، وهو الوُضوءُ بعُمومِه، أي: بعُمومِ كَونِه خارِجًا كزِنا المُحصَنِ لمَا أوجَبَ أعظَمَ الحَدَّين لكَونِه زِنا المُحصَنِ، فلا يُوجبُ أدوَنَهما لكَونِه زِنًا، وإنَّما أوجَبَه الحَيضُ والنِّفاسُ مع إِيجابِهما الغُسلَ؛ لأنَّهما يَمنَعانِ صِحةَ الوُضوءِ فلا يُجامِعانِه بخِلافِ خُروجِ المَنيِّ يُصبحُ معه الوُضوءُ في صُورةِ سَلسِ المَنيِّ فيُجامِعُه.
стр. 387
وعن القاضِي أبي الطَّيبِ: أنَّ خُروجَ المَنيِّ يَنقضُ، ويَصيرُ به جُنُبًا مُحدِثًا، قالَ الدَّميريُّ: وهو قَويٌّ؛ لأنَّه خارِجٌ من السَّبيلَينِ كالحَيضِ، وهو يُوجبُ الغُسلَ والوُضوءَ بالاتِّفاقِ، كما حَكاه الماوَرديُّ وابنُ عَطيةَ، فلذلك اختارَه الشَّيخُ وصحَّحَه الرافِعيُّ في كِتابِه: «المَحمود»، وهو: كِتابٌ مَبسوطٌ، وصَلَ فيه إلى الصَّلاةِ في ثمَاني مُجلَّداتٍ ولم يُكمِلْه.
ولعَدمِ النَّقضِ بخُروجِ المَنيِّ فائِدَتانِ:
إحداهُما: إذا كانَ مُحدِثًا فاغتسَلَ للجَنابةِ، ففي صِحةِ صَلاتِه خِلافٌ، وههنا إذا اغتسَلَ صحَّت صَلاتُه بلا خِلافٍ.
والثانية: إذا تجَرَّدت جَنابَتُه عن الحَدثِ، فتَيممَ لها عندَ عَجزِه عن استِعمالِ الماءِ فله أنْ يُصليَ ما شاءَ من الفَرائضِ بتَيممٍ واحِدٍ، ما لم يُحدِثْ ولم يُمكِنْه استِعمالُ الماءِ، كالحائِضِ إذا تَيمَّمت لاستِباحةِ الوَطءِ أو الصَّلاةِ، ثم أحدَثَت، يَجوزُ وَطؤُها ومُكثُها في المَسجدِ، ما لم تَجدِ الماءَ أو يَعُدْ حَيضُها (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الخارِجُ من أحدِ السَّبيلَينِ، عَينًا كانَ، أو رِيحًا، من قُبلِ الرَّجلِ والمَرأةِ، أو دُبرِهما، نادِرًا كانَ، كالدَّمِ والحَصى، أو مُعتادًا، نَجسَ العَينِ، أو طاهِرَها، كالدُّودِ والحَصى، إلا المَنيَّ، فلا يَنقضُ الوُضوءَ بخُروجِه، وإنَّما يُوجبُ الغُسلَ، ولنا وَجهٌ شاذٌّ: أنَّه يُوجبُ الوُضوءَ أيضًا (٢).
стр. 388
ثانيًا: خُروجُ النَّجاسةِ من غيرِ السَّبيلَينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خرَجَ شَيءٌ من النَّجاساتِ من سائِرِ البَدنِ غيرِ السَّبيلَينِ كالجُرحِ والفِصادِ والحِجامةِ والرُّعافِ والقَيءِ والدَّمِ هل يَنتقِضُ وُضوؤُه أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ النَّجاساتِ الخارجةَ من غيرِ السَّبيلَينِ من أيِّ مَوضِعٍ كانَ ناقِضةٌ للوُضوءِ، لكنَّ الإمامَ أحمدَ ﵀ قالَ: إذا كانَ الخارِجُ فاحِشًا كَثيرًا، أمَّا إذا كانَ الخارِجُ يَسيرًا فعلى رِوايَتينِ:
إحداهُما: يَنقُضُ.
والأُخرى: لا يَنقُضُ، وهي الصَّوابُ.
قالَ البُهوتيُّ: وأمَّا كَونُ القَليلِ من ذلك لا يَنقُضُ فلمَفهومِ قَولِ ابنِ عَباسٍ في الدَّمِ: إنْ كانَ فاحِشًا فعليه الإعادةُ، قالَ أحمدُ: عِدةٌ من الصَّحابةِ تَكلَّموا فيه، وابنُ عُمرَ عصَرَ بَثرةً فخرَجَ الدَّمُ فصَلَّى ولم يَتوضَّأْ، وابنُ أبي أوْفَى عصَرَ دُمَّلًا، وذكَرَ غيرَهما ولم يُعلَمْ لهم مُخالِفٌ من الصَّحابةِ، فكانَ إِجماعًا (١).
стр. 389
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنَّ خُروجَ هذه الأشياءِ غيرُ ناقِضٍ للوُضوءِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: سَواءٌ قَلَّ ذلك أو كثُرَ، وإنَّما يَلزمُ تَطهيرُ المَوضعِ الذي أصابَتْه النَّجاسةُ الخارِجةُ من سائِرِ البَدنِ، ويَبقَى الوُضوءُ إلا إذا انتُقضَ بسَببٍ آخَرَ؛ ولأنَّ الأصلَ أنَّه لا نَقضَ حتى يَثبُتَ بالشَّرعِ، ولم يَثبُتْ، والقياسُ مُمتنعٌ في هذا البابِ؛ لأنَّ عِلةَ النَّقضِ غيرُ مَعقولةٍ.
قالَ النَّوويُّ: قالَ أبو بَكرِ بنُ المُنذرِ ﵀: لا وُضوءَ في شَيءٍ من ذلك؛ لأنَّي لا أعلَمُ مع مَنْ أوجَبَ الوُضوءَ فيه حُجةً.
قالَ النَّوويُّ: هذا كَلامُ ابنِ المُنذرِ الذي لا شَكَّ في إتْقانِه وتَحقيقِه وكَثرةِ اطِّلاعِه على السُّنةِ ومَعرفتِه بالدَّلائلِ الصَّحيحةِ وعَدمِ تَعصُّبِه (١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والأظهَرُ أنَّه لا يَجبُ الوُضوءُ من مَسِّ الذَّكرِ ولا النِّساءِ ولا خُروجِ النَّجاساتِ من غيرِ السَّبيلَينِ ولا القَهقهةِ ولا غُسلِ المَيِّتِ؛ فإنَّه ليسَ مع المُوجِبين دَليلٌ صَحيحٌ، بل الأدِلةُ الراجِحةُ تَدلُّ على عَدمِ الوُجوبِ لكنَّ الاستِحبابَ مُتوجَّهٌ ظاهِرٌ؛ فيُستحبُّ أنْ يَتوضَّأَ (٢).
وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: وبهذه الطَّريقةِ يُعلمُ أنَّه لم يُوجِبْ -أي: النَّبيُّ ﷺ الوُضوءَ مِنْ لَمسِ النِّساءِ ولا مِنْ النَّجاساتِ الخارِجةِ من
стр. 390
غيرِ السَّبيلَينِ؛ فإنَّه لم يَنقُلْ أحَدٌ بإِسنادٍ يَثبُتُ مِثلُه أنَّه أمَرَ بذلك مع العِلمِ بأنَّ الناسَ كانوا لا يَزالونَ يَحتَجِمونَ ويَتقيَّؤونَ ويُجرَحونَ في الجِهادِ وغيرِ ذلك، وقد قطَعَ عِرقَ بعضِ أَصحابِه ليُخرجَ منه الدَّمَ، وهو الفِصادُ، ولم يَنقُلْ عنه مُسلمٌ أنَّه أمَرَ أَصحابَه بالتَّوضُّؤِ من ذلك (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلفَ عُلماءُ الأَمصارِ في انتِقاضِ الوُضوءِ مما يَخرجُ من الجَسدِ من النَّجسِ على ثَلاثةِ مَذاهبَ: فاعتبَرَ قَومٌ في ذلك الخارِجَ وَحدَه من أيِّ مَوضعٍ خرَجَ، وهو أبو حَنيفةَ وأَصحابُه والثَّوريُّ وأحمدُ وجَماعةٌ، ولهم من الصَّحابةِ السَّلفُ فقالوا: كلُّ نَجاسةٍ تَسيلُ من الجَسدِ وتَخرجُ منه يَجبُ منها الوُضوءُ كالدَّمِ والرُّعافِ الكَثيرِ والفَصدِ والحِجامةِ والقَيءِ إلا البَلغمَ عندَ أبي حَنيفةَ.
وقالَ أبو يُوسفَ من أَصحابِ أبي حَنيفةَ: إنَّه إذا ملَأَ الفَمَ ففيه الوُضوءُ، ولم يَعتبِرْ أحَدٌ من هؤلاء اليَسيرَ من الدَّمِ إلا مُجاهدًا، واعتبَرَ قَومٌ آخَرونَ المَخرَجَين الذَّكرَ والدُّبرَ، فقالوا: كلُّ ما خرَجَ من هذَين السَّبيلَينِ فهو ناقِضٌ للوُضوءِ من أيِّ شَيءٍ خرَجَ من دَمٍ أو حَصاةٍ أو بَلغَمٍ، وعلى أيِّ وَجهٍ خرَجَ كانَ خُروجُه على سَبيلِ الصِّحةِ أو على سَبيلِ المَرضِ، وممَّن قالَ بهذا القَولِ الشافِعيُّ وأَصحابُه، ومُحمدُ بنُ عبدِ الحَكمِ من أَصحابِ مالِكٍ.