← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وقيل: تُفعلُ في السابِعِ الثاني فقط، فإنْ فات ففي الثالثِ، فإنْ فات لم يعُقَّ عنه بعدَ ذلك. قال الحَطَّابُ ﵀: ولم أَقفْ على قَولٍ في المَذهبِ أنَّه يعُقُّ فيما بعدَ السابِعِ الثالثِ، بل قالَ في النَّوادرِ بعدَ أنْ حَكى الخِلافَ المَذكورَ: وأهلُ العراقِ يعُقُّون عن الكَبيرِ. ورَوى ابنُ سيرين: وهذا لا يُعرفُ بالمَدينةِ. انتهى. وقولُ الجُزوليِّ: وقيلَ: يعُقُّ وإنْ كان كَبيرًا الظاهرُ أنَّ مُرادَه في خارِجِ المَذهبِ، فإنَّه كَثيرًا ما يَنقُلُ الأقوالَ الخارِجةَ ولا يَعزُوها (١). وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ وكَثيرٌ من أهلِ العِلمِ إلى أنَّها تُذبحُ في الأُسبوعِ الثاني، اليومِ الرابعَ عشَرَ، فإنْ أخَّرها ففي الواحدِ والعِشرينَ. قال الإمامُ التِّرمذِيُّ ﵀ بعدَما رَوى حَديثَ الحَسنِ عن سَمرةَ قال: قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «الغُلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه، يُذبحُ عنه يومَ السَّابِعِ ويُسمَّى ويُحلقُ رَأسُه» … حَدِيثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، وَالعَملُ على هذا عندَ أَهلِ العِلْمِ، يَستحِبونَ أنْ يُذبحَ عن الغُلَامِ العَقيقةُ يومَ السَّابعِ، فإِنْ لم يتَهيَّأْ يومَ السَّابعِ فَيومَ الرابعَ عشَرَ، فإِنْ لم يتَهيَّأْ عقَّ عنه يومَ حادٍ وعِشرين (٢).

стр. 3257

قال الشافِعيةُ: إنْ لم تُذبحْ في السابِعِ ذُبحت في الرابعَ عشَرَ، وإلا ففي الحادي والعِشرين، ثم هكذا في الأسابيعِ. وفيه وَجهٌ آخَرُ أنَّه إذا تَكرَّرت السَّبعةُ ثَلاثَ مرَّاتٍ فاتَ وقتُ الاختيارِ. ولا يَتجاوَزْ بها مُدةَ النِّفاسِ، فإنْ أخَّرها لم يَتجاوزْ بها مُدةَ الرَّضاعِ، فإنْ تجاوَزها لم يَتجاوَزْ مُدةَ الحَضانةِ، وهي سِنُّ التَّمييزِ، فإنْ تَجاوَزها لم يَتجاوزْ مُدةَ البُلوغِ، فإنْ تَجاوَزها حتى بلَغ سقَط حُكمُها في حقِّ غيرِ المَولودِ. وهو مُخيَّرٌ عن العقِّ عن نَفسِه في الكِبرِ (١). وقال الحَنابلةُ: العَقيقةُ تُذبحُ يومَ السابِعِ، فإنْ فات السابعُ ففي الرابعَ عشَرَ، فإنْ فاتَ ففي الحادي والعِشرين؛ لأنَّ ذلك يُروى عن عائشةَ ﵂، وهذا على سَبيلِ الاستِحبابِ، وبعدُ يُجزِئُ لحُصولِ المَقصودِ، فإنْ تجاوَز واحدًا وعِشرين ففيه احتمالان: أحدُهما: يُستحبُّ في كلِّ سابِعٍ، فيَذبحُ في الثامنِ والعِشرين، ثم في الخامسِ والثَّلاثين، وعلى هذا قياسًا على ما تَقدَّم. والثاني: يَفعلُ في كلِّ وقتٍ؛ لأنَّ هذا قَضاءٌ، فلم يَتوقَّفْ كقَضاءِ الأُضحيَّةِ وغيرِها (٢). قال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الفَصلُ الثامِنُ في الوقتِ الذي تُستحبُّ فيه العَقيقةُ.

стр. 3258

قال أبو داودَ في كتابِ المَسائلِ: سمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يَقولُ: العَقيقةُ تُذبحُ يومَ السابِعِ، وقال صالحُ بنُ أحمدَ: قال أبي في العَقيقةِ: تُذبحُ يومَ السابِعِ، فإنْ لم يَفعلْ ففي الرابِعَ عشَرَ، فإنْ لم يَفعلْ ففي الحادي والعِشرين. وقال المَيمونِيُّ: قلتُ لِأبي عَبدِ اللهِ: مَتى يعُقُّ عنه؟ قال: أمَّا عائشةُ ﵂ فتَقولُ: سَبعةُ أيامٍ وأربَعةَ عشَرَ، ولأحدٍ وعِشرين، وقال أبو طالِبٍ قال أحمدُ: تُذبحُ العَقيقةُ لأحدٍ وعِشرين يومًا. انتهى. والحُجةُ على ذلك حَديثُ سَمرةَ المُتقدِّمُ: «الغُلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه تُذبحُ عنه يومَ السابعِ ويُسمَّى» قال التِّرمذيُّ: حَديثٌ صَحيحٌ. وقال عبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ: أخبَرني مُحمدُ بنُ عَمرٍو عنِ ابنِ جُريجٍ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن عَمرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ عن عائشةَ قالت: «عقَّ رَسولُ اللهِ ﷺ عن حَسنٍ وحُسينٍ يومَ السابِعِ وسمَّاهما وأمرَ أنْ يُماطَ عن رُؤوسِهما الأذى». وقالَ أبو بَكر بنُ المُنذرِ: حدَّثنا مُحمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغُ قال: حدَّثني أبو جَعفرٍ الرازي: حدَّثنا أبو زُهيرٍ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَغراءَ حدَّثنا مُحمدُ ابنُ إسحاقَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «أمرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ حين سابِعِ المَولودِ بتَسميتِه وعَقيقتِه ووَضعِ الأذى عنه». وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ ونحن نَحكي ما بلَغنا من أقوالِهم، وأرفعُ مَنْ رُوي عنه ذلك عائشةُ أمُّ المُؤمِنين، كما حَكاه أحمدُ عنها في رِوايةِ المَيمونيِّ، وكذلك قال الحَسنُ البَصريُّ وقَتادةُ يعُقُّ عنه يومَ سابعِه، وقال أبو عُمرَ: وكان

стр. 3259

الحَسنُ البَصريُّ يَذهبُ إلى أنَّها واجبةٌ عن الغُلامِ يومَ سابعِه، فإنْ لم يعُقَّ عنه عقَّ عن نَفسِه، وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: يعُقُّ عن المَولودِ في أيامِ سابعِه، فإنْ لم يَتهيَّأْ لهم العَقيقةُ في سابعِه فلا بأسَ أنْ يعُقَّ عنه بعدَ ذلك، وليس بواجبٍ أنْ يعُقَّ عنه بعدَ سَبعةِ أيامٍ، قال أبو عُمرَ: وكان اللَّيثُ يَذهبُ إلى أنَّها واجبةٌ في الأيامِ السَّبعةِ، وقال عَطاءٌ: إنْ أخطأهم أمرُ العَقيقةِ يومَ السابعِ أحبَبتُ أنْ يُؤخِّرَه إلى اليومِ السابعِ الآخَرِ، وكذلك قال أحمدُ وإسحاقُ والشافِعيُّ، ولم يَزدْ مالكٌ على السابعِ الثاني، وقال ابنُ وَهبٍ لا بأسَ أنْ يعُقَّ عنه في السابعِ الثالثِ وهو قولُ عائشةَ وعَطاءٍ وأحمدَ وإسحاقَ، قال مالكٌ: ولا يُعدُّ اليومُ الذي وُلد فيه إلا أنْ يُولدَ قبلَ الفجرِ من لَيلةِ ذلك اليومِ، والظاهرُ أنَّ التَّقييدَ بذلك استِحبابٌ، وإلا فلو ذبَح عنه في الرابعِ أو الثامنِ أو العاشرِ أو ما بعدَه أجزأت، والاعتبارُ بالذَّبحِ لا بيومِ الطَّبخِ والأكلِ (١). العَقيقةُ عن الكَبيرِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الكَبيرِ إذا لم يُعقَّ عنه في صِغرِه، هل يعُقُّ عن نَفسِه إذا كَبِر أو لا؟ نصَّ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّه لا يعُقُّ عن الكَبيرِ إذا لم يعُقَّ عن نَفسِه؛ لأنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ الذين لم يُعقَّ عنهم في الجاهِليةِ لم يعُقوا عن أنفُسِهم في الإسلامِ (٢).

стр. 3260

قال الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقولُه ﷺ : «مع الغُلامِ عَقيقتُه»، حُجةٌ لقولِ مالكٍ أنَّه لا يُعقُّ عن الكَبيرِ، وعلى هذا أئمَّةُ الفَتوى بالأمصارِ (١). وقال أبو عُمرَ بنُ عَبدِ البرِّ ﵀: مالكٌ عن نافِعٍ «أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ لم يَكنْ يَسألُه أحَدٌ من أهلِه عَقيقةً إلا أعطاه إيَّاها، وكان يعُقُّ عن وَلدِه بشاةٍ شاةٍ عن الذُّكورِ والإناثِ». رأى قَومٌ خَبرَ ابنِ عُمرَ هذا على أنَّه كان يُجيزُ أنْ يُعقَّ عن الكَبيرِ والصَّغيرِ. وليس في الحَديثِ عنه ما يَدلُّ على ذلك؛ لأنَّه يَحتملُ أنْ يَكونَ السائلُ له من أهلِه سألَه العَقيقةَ عن وَلدِه وعن نَفسِه. ورَوى هذا الحَديثَ عُبيدُ اللهِ وأيُّوبُ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ «أنَّه كان لا يَسألُه أحدٌ من أهلِه عَقيقةً إلا أعطاه إياها». قال: وكان يَقولُ: عن الغُلامِ شاةٌ وعن الجاريةِ شاةٌ. قال أبو عُمرَ: أجاز بعضُ مَنْ شذَّ أنْ يعُقَّ الكَبيرُ عن نَفسِه بالحَديثِ الذي يَرويه عبدُ اللهِ بنُ مُحرَّرٍ عن قَتادةَ عن أنسٍ قال: «عقَّ النَّبيُّ ﷺ عن نَفسِه بعدَما بُعث بالنُّبوةِ». وعبدُ اللهِ بنُ مُحرَّرٍ ليس حَديثُه بحُجةٍ، وقد قيلَ عن قَتادةَ: إنَّه كان يُفتي به.

стр. 3261

ورَوى عنه مَعمَرٌ قال: مَنْ لم يَعُقَّ عنه أجزأتْه ضَحيَّتُه. قال أبو عُمرَ: في قولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ وُلِد له وَلدٌ فأحَبَّ أنْ يَنسُكَ عنه»، وقولِه ﷺ : «مع الغُلامِ عَقيقةٌ» وَ «الغُلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقَتِه»، ورُوي: «المَولودُ مُرتهَنٌ بعَقيقَتِه» وذلك كلُّه سَواءٌ دَليلٌ على أنَّ العَقيقةَ عن الغُلامِ لا عن الكَبيرِ على ذلك مَذاهبُ الفُقهاءِ في مُراعاةِ السابِعِ الأولِ والثاني وفي الثالثِ على ما ذكَرنا عنهم في البابِ قبلَ هذا (١). وقال الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ ﵀: لا يُعقُّ عن الكَبيرِ، وعليه أئمَّةُ الفَتوى بالأمصارِ (٢). وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ لم يعُقَّ أصلًا فبلَغ الغُلامُ وكسَب فلا عَقيقةَ عليه، وسُئل أحمدُ عن هذه المَسألةِ فقال: ذلك على الوالدِ، يَعني لا يعُقُّ عن نَفسِه؛ لأنَّ السُّنةَ في حقِّ غيرِه، وقال عَطاءٌ والحَسنُ: يعُقُّ عن نَفسِه لأنَّها مَشروعةٌ عنه، ولأنَّه مُرتهَنٌ بها، فينبَغي أنْ يُشرعَ له فِكاكُ نَفسِه. ولنا: أنَّها مَشروعةٌ في حقِّ الوالِدِ فلا يَفعلُها غيرُه كالأجنَبيِّ، كصَدقةِ الفِطرِ (٣). وقال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الفَصلُ التاسعَ عشَرَ في حُكمِ مَنْ لم يعُقَّ عنه أبواه، هل يعُقُّ عن نَفسِه إذا بلَغ:

стр. 3262

قال الخَلالُ: بابُ ما يُستحبُّ لمَن لم يُعقَّ عنه صَغيرًا أنْ يعُقَّ عن نَفسِه كَبيرًا ثم ذكَر من مَسائلِ إسماعيلَ بنِ سَعيدٍ الشالَنجيِّ قال: سألتُ أحمدَ عن الرَّجلِ يُخبرُه والدُه أنَّه لم يعُقَّ عنه، هل يعُقُّ عن نَفسِه؟ قال: ذلك على الأبِ. ومِن مَسائلِ المَيمونِيِّ قال: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: إذا لم يُعقَّ عنه صَغيرًا يعُقُّ عنه كَبيرًا؟ فذكَر شيئًا يُروى عن الكَبيِر ضعَّفه ورأيتُه يَستحسِنُ إذا لم يُعقَّ عنه صَغيرًا أنْ يعُقَّ عنه كَبيرًا، وقال: إنْ فعَله إنسانٌ لم أكرَهْه، قال: وأخبَرني عبدُ المَلكِ في مَوضعٍ آخرَ أنَّه قال لأبي عبدِ اللهِ: فيعُقُّ عنه كَبيرًا؟ قال: لم أسمَعْ في الكَبيرِ شيئًا، قلتُ: أبوه كان مُعسِرًا، ثم أيسَرَ، فأراد ألَّا يَدعَ ابنَه حتى يَعُقَّ عنه؟ قال: لا أدري، ولم أسمَعْ في الكَبيرِ شيئًا، ثم قال: ومَن فعَله فحَسنٌ، ومِن الناسِ مَنْ يُوجِبُه. قال الخَلَّالُ: أخبَرني أبو المُثنَّى العَنبريُّ أنَّ أبا داودَ حدَّثهم قال: سمِعتُ أحمدَ يُحدِّثُ بحَديثِ الهَيثمِ بنِ جَميلٍ عن عبدِ اللهِ بنِ المُثنَّى عن ثُمامةَ عن أنسٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن نَفسِه». قال أحمدُ: عن عبدِ اللهِ بنِ المُحرَّرِ عن قَتادةَ عن أنسٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن نَفسِه» مُنكَرٌ، وضعَّف عبدَ اللهِ بنَ مُحرَّرٍ، قال الخَلالُ: أنبأنا مُحمدُ بنُ عَوفٍ الحِمصيُّ حدَّثنا الهَيثمُ بنُ جَميلٍ حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ المُثنَّى عن رَجلٍ من آلِ أنسٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عَقَّ عن نَفسِه بعدَما جاءَتْه النُّبوَّةُ» في مُصنَّفِ عبدِ الرَّزاقِ أنبأنا عبدُ اللهِ بنُ مُحرَّرٍ عن قَتادةَ

стр. 3263

عن أنسٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن نَفسِه بعدَ النُّبوَّةِ»، قال عبدُ الرَّزاقِ: إنَّما ترَكوا ابنَ مُحرَّرٍ لهذا الحَديثِ (١). وقال الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: ولا يعُقُّ المَولودُ عن نَفسِه إذا كبِر، نصَّ عليه لأنَّها مَشروعةٌ في حقِّ الأبِ، فلا يَفعلُها غيرُه كالأجنَبيِّ، فإنْ فعَل، أي: عقَّ غيرُ الأبِ والمَولودُ عن نَفسِه بعدَ أنْ كبِر لم يُكرهْ ذلك فيهما، لعَدمِ الدَّليلِ عليها، قلتُ: لكنْ ليس لها حُكمُ العَقيقةِ. واختارَ جَمعٌ: يعُقُّ عن نَفسِه استِحبابًا إذا لم يعُقَّ عنه أبوه، منهم صاحِبُ المُستوعِبِ والرَّوضةِ والرِّعايتَين والحاويَين والنَّظمِ قال في الرِّعايةِ: تأسِّيًا بالنَّبيِّ ﷺ ، ومَعناه في المُستوعِبِ وهو قولُ عَطاءٍ والحَسنِ لأنَّها مَشروعةٌ عنه، ولأنَّه مُرتهَنٌ بها فيَنبَغي أنْ يُشرعَ له فِكاكُ نَفسِه (٢). وذهَب الشافِعيةُ وبعضُ الحنابِلةِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلإنسانِ أنْ يعُقَّ عن نَفسِه إذا كبِر ولم يَكنْ عُقَّ عنه وهو صَغيرٌ. قال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وإنْ أخَّرها بعدَ السَّبعةِ كانت قَضاءً مُجزيًا عن سُنتِه، ويُختارُ ألَّا يَتجاوَز بها مُدةَ النِّفاسِ، لبَقاءِ أحكامِ الوِلادةِ، فإنْ أخَّرها عن مُدةِ النِّفاسِ يَختارُ بعدَها ألَّا يَتجاوَز بها مُدةَ الرَّضاعِ، لبَقاءِ أحكامِ الطُّفولةِ، فإنْ أخَّرها عن مُدةِ الرَّضاعِ يَجبُ ألَّا يَتجاوَز بها مُدةَ البُلوغِ لبَقاءِ أحكامِ المُصغَّرِ، فإنْ أخَّرها حتى يَبلغَ سقَط حُكمُها في

стр. 3264

حقِّ غيرِه، وكان الوَلدُ مُجزِئًا في العَقيقةِ عن نَفسِه، وليس يُمتَنعُ أنْ يعُقَّ الكَبيرُ عن نَفسِه. رَوى الشافِعيُّ عن إبراهيمَ بنِ مُحمدٍ عن المُثنَّى بنِ أنسٍ عن أبيه أنسِ بنِ مالكٍ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ عقَّ عن نَفسِه بعدَما نزَلت عليه النُّبوةُ» (١) (٢). وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قال الرافِعيُّ: فإنْ أخَّر حتى بلَغ سقَط حُكمُها في حقِّ غيرِ المَولودِ، وهو مُخيَّرٌ في العَقيقةِ عن نَفسِه، قال: واستَحسَنَ القَفالُ والشاشِيُّ أنْ يَفعلَها، للحَديثِ المَرويِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن نَفسِه بعدَ النُّبوَّةِ، ونقَلوا عن نصِّه في البُويطيِّ أنَّه لا يَفعلُه واستَغرَبوه، هذا كَلامُ الرافِعيِّ، وقد رأيتُ أنا نصَّه في البُوَيطيِّ قال: ولا يُعقُّ عن كَبيرٍ. هذا لَفظُه بحُروفِه، نقَله من نُسخةٍ مُعتمدةٍ عن البُويطيِّ. وليس هذا مُخالفًا لما سبَق؛ لأنَّ معناه: لا يعُقُّ عن البالِغِ غيرُه، وليس فيه نَفيُ عقِّه عن نَفسِه. وأمَّا الحَديثُ الذي ذكَره في عقِّ النَّبيِّ ﷺ عن نَفسِه فرَواه البَيهَقيُّ بإسنادِه عن عبدِ اللهِ بنِ مُحرَّرٍ بالحاءِ المُهمَلةِ والراءِ المُكرَّرةِ عن قَتادةَ عن أنسٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن نَفسِه بعدَ النُّبوةِ»، وهذا

стр. 3265

حَديثٌ باطِلٌ، قال البَيهَقيُّ: هو حَديثٌ مُنكرٌ، ورَوى البَيهَقيُّ بإسنادِه عن عَبدِ الرَّزاقِ قال: إنَّما تَركوا عبدَ اللهِ بنَ مُحرَّرٍ بسَببِ هذا الحَديثِ، قال البَيهَقيُّ: وقد رُوي هذا الحَديثُ من وَجهٍ آخرَ عن قَتادةَ، ومن وَجهٍ آخرَ عن أنسٍ، وليس بشيءٍ، فهو حَديثٌ باطِلٌ، وعبدُ اللهِ بنُ مُحرَّرٍ ضَعيفٌ، متَّفقٌ على ضَعفِه، قال الحُفَّاظُ: هو مَتروكٌ، واللهُ أعلمُ (١). وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا مَنْ يُعقُّ عنه فإنَّ جُمهورَهم على أنَّه يُعقُّ عن الذَّكرِ والأُنثى الصَّغيرَين فقط، وشذَّ الحَسنُ فقال: لا يُعقُّ عن الجاريةِ، وأجازَ بعضُهم أنْ يُعقَّ عن الكَبيرِ. ودَليلُ الجُمهورِ على تَعلُّقِها بالصَّغيرِ قولُه ﷺ : «يومَ سابعِه». ودَليلُ مَنْ خالَف ما رُوي عن أنسٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عقَّ عن نَفسِه بعدَما بُعث بالنُّبوةِ» (٢). وقتُ إجزاءِ ذَبحِ العَقيقةِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الأفضلَ أنْ تُذبحَ العَقيقةُ ضُحَى اليومِ السابِعِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو ذبَحها لَيلًا هل تُجزِئُ أو لا؟ فعندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ الأفضلُ أنْ تَكونَ في صَدرِ النَّهارِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ ضَحوةً، وتُجزِئُ لَيلًا.

стр. 3266

قال الشافِعيةُ: ويُسنُّ أنْ يَكونَ ذَبحُها صدرَ النَّهارِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ (١). وقال الحَنابلةُ: يُستحبُّ ذَبحُ العَقيقةِ ضَحوةَ النَّهارِ تَفاؤلًا (٢). وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ شَرطَ العَقيقةِ أنْ تُذبحَ نَهارًا من فجرِ السابِعِ لغُروبه، لأنَّها ليسَت مُنضمَّةً لصَلاةٍ فقياسُها على الهَدايا أوْلى منه على الضَّحايا، فلا يُجزِئُ ذَبحُها لَيلًا. قال ابنُ رُشدٍ: ومَن ذبَحها لَيلًا لم تُجزِئْه، وأمَّا إنْ ذبَحها قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وبعدَ طُلوعِ الفجرِ فقال ابنُ الماجِشونِ يُجزِئُه، وهو أظهرُ. وفي المَبسوطِ: لا تُجزِئُه، وهو ظاهرُ سَماعِ ابنِ القاسمِ (٣). وجعَل ابنُ رُشدٍ الوقتَ ثَلاثةَ أقسامٍ، كما يلي: مُستحبٌ، وهو من الضَّحوةِ للزَّوالِ. مَكروهٌ بعدَ الزَّوالِ للغُروبِ وبعدَ الفجرِ لطُلوعِ الشَّمسِ. مَمنوعٌ، وهو الذَّبحُ باللَّيلِ، فلا تُجزِئُ إذا ذُبِحت فيه (٤).

стр. 3267

الحِكمةُ من جَعلِ العَقيقةِ يومَ السابِعِ: قال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: وحِكمةُ ذلك -أي: أنْ تَكونَ العَقيقةُ يومَ السابِعِ- أنَّ الطِّفلَ حينَ يُولدُ يَكونُ أمرُه مُتردِّدًا بينَ السَّلامةِ والعَطبِ، ولا يُدرى هل هو مِنْ أهلِ الحياةِ أو لا، إلى أنْ تأتيَ عليه مُدةٌ يُستدَلُّ بما يُشاهَدُ من أحوالِه فيها على سَلامةِ بنِيتِه وصِحةِ خِلقتِه وأنَّه قابِلٌ للحياةِ، وجُعل مِقدارُ تلك المُدةِ أيامَ الأُسبوعِ، فإنَّه دَورٌ يَوميٌّ كما أنَّ السَّنةَ دَورٌ شَهريٌّ. هذا هو الزَّمانُ الذي قدَّره اللهُ يومَ خلَق السَّمواتِ والأرضَ وهو سُبحانَه خصَّ أيامَ تَخليقِ العالَمِ بسِتةِ أيامٍ، وكنَّى كلَّ يَومٍ منها باسمٍ يَخصُّه به، وخصَّ كلَّ يَومٍ منها بصِنفٍ من الخَليقةِ أوجَده فيه، وجعَل يومَ إكمالِ الخَلقِ واجتِماعِه -وهو يومُ اجتِماعِ الخَليقةِ- مجمعًا وعيدًا للمُؤمِنين يَجتمِعون فيه لعِبادتِه وذِكرِه والثَّناءِ عليه وتَحميدِه وتَمجيدِه والتَّفرغِ من أشغالِ الدُّنيا لشُكرِه والإقبالِ على خِدمتِه، وذكَر ما كان في ذلك اليومِ من المَبدأِ، وما يَكونُ فيه من المَعادِ، وهو اليومُ الذي استَوى فيه الربُّ ﵎ على عَرشِه، واليومُ الذي خلَق اللهُ فيه أبانا آدمَ، واليومُ الذي أسكَنه فيه الجَنةَ واليومُ الذي أخرَجه فيه منها واليومُ الذي يَنقَضي فيه أجلُ الدُّنيا وتَقومُ الساعةُ، وفيه يَجيءُ اللهُ ويُحاسِبُ خَلقَه ويُدخلُ أهلَ الجَنةِ مَنازلَهم وأهلَ النارِ مَنازلَهم.

стр. 3268

والمَقصودُ أنَّ هذه الأيامَ أوَّلُ مَراتبِ العُمرِ، فإذا استَكمَلها المَولودُ انتقَل إلى المَرتبةِ الثانيةِ وهي الشُّهورُ، فإذا استَكمَلها انتقَل إلى الثالِثةِ وهي السِّنينُ، فما نقَص عن هذه الأيامِ فغيرُ مُستَوفٍ للخَليقةِ، وما زادَ عليها فهو مُكرَّرٌ يُعادُ عندَ ذِكرِه اسمُ ما تَقدَّم من عَددِه، فكانت السِّتةُ غايةً لتَمامِ الخَلقِ، وجُمع في آخرِ اليومِ السادسِ منها فجُعلت تَسميةُ المَولودِ وإماطةُ الأذى عنه وفِديتُه وفكُّ رِهانِه في اليومِ السَّابعِ كما جعَل اللهُ اليومَ السابِعَ من الأُسبوعِ عيدًا لهم يَجتمِعون فيه مُظهِرين شُكرَه وذِكرَه فَرِحين بما آتاهُم اللهُ مِنْ فَضلِه من تَفضيلِه لهم على سائرِ الخَلائقِ المَخلوقةِ في الأيامِ قبلَه. فإنَّ اللهَ أجرى حِكمتَه بتَغيرِ حالِ العَبدِ في كلِّ سَبعةِ أيَّامٍ وانتِقالِه من حالٍ إلى حالٍ فكانت السَّبعةُ طَورًا من أطوارِه وطَبقًا من أطباقِه، ولهذا تَجدُ المَريضَ تَتغيرُ أحوالُه في اليومِ السابِعِ، ولا بدَّ إمَّا إلى قُوَّةٍ وإمَّا إلى انحِطاطٍ، ولمَّا اقتضَت حِكمتُه ذلك شرَع لعِبادِه كلَّ سَبعةِ أيامٍ يَومًا يَرغَبون فيه إليه يَتضرَّعون إليه ويَدعونه، فيَكونُ ذلك من أعظمِ الأسبابِ في صَلاحِهم وفي مَعاشِهم ومَعادِهم، ودَفعِ كَثيرٍ من الشُّرورِ عنهم، فسُبحانَ من بهَرت حِكمتُه العُقولَ في شَرعِه وخَلقِه واللهُ أعلمُ (١).

стр. 3269

وقال الإمامُ الدَّهلويُّ ﵀: وأمَّا تَخصيصُ اليومِ السابِعِ فلأنَّه لا بدَّ من فَصلٍ بينَ الوِلادةِ والعَقيقةِ، فإنَّ أهلَه مَشغولون بإصلاحِ الوالِدةِ والوَلدِ في أوَّلِ الأمرِ، فلا يُكلَّفون حينَئذٍ بما يُضاعِفُ شُغلَهم، وأيضًا فرُبَّ إنسانٍ لا يَجدُ شاةً إلا بسَعيٍ، فلو سُنَّ كَونُها في أولِ يَومٍ لَضاقَ الأمرُ عليهم، والأيامُ السَّبعةُ مُدةٌ صالِحةٌ للفَصلِ المُعتدِّ به غيرِ الكَثيرِ (١). العَقيقةُ عن الغُلامِ شاتان وعن الجاريةِ شاةٌ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ عَقيقةَ الأُنثى شاةٌ واحِدةٌ. إلا أنَّهم اختَلفوا هل يَكونُ الذَّكرُ كالأُنثى عَقيقتُه شاةٌ واحِدةٌ أو شاتانِ؟ فذهَب المالِكيةُ إلى أنَّه تُجزِئُ الشاةُ الواحِدةُ سَواءٌ كان المَولودُ ذَكرًا أو أُنثى، لِما رَوى عبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ عقَّ عن الحَسنِ والحُسينِ كَبشًا كَبشًا» (٢). ولِما رَواه مالكٌ عن نَافعٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ «لَم يَكنْ يَسألُه أحدٌ مِنْ أَهلِه عَقِيقةً، إِلا أَعطاهُ إيَّاها. وكان يعُقُّ عن وَلدِه بِشاةٍ شاةٍ عَنْ الذُّكورِ والإِناثِ» (٣). ولِما رَواه مالكٌ عن هِشامِ بنِ عُروةَ «أنَّ أباهُ عُروةَ بنَ الزُّبيرِ كان يعُقُّ

стр. 3270

عن بَنِيه الذُّكورِ والإِناثِ بشاةٍ شاةٍ» (١). لكلِّ شاةٍ، اتِّباعًا للفِعلِ النَّبويِّ وقياسًا على الأُضحيَّةِ، فإنَّ الذَّكرَ والأُنثى فيها سَواءٌ. قال الإمامُ مالكٌ ﵀: الأمرُ عندَنا في العَقيقةِ أنَّ مَنْ عقَّ فإنَّما يعُقُّ عن وَلدِه بشاةٍ شاةٍ، الذُّكورِ والإناثِ (٢). وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ السُّنةَ عن الغُلامِ شاتان مُكافِئَتان، أي: مُتقاربَتان أو مُتساويَتان، وعن الجاريةِ شاةٌ، ويَجوزُ فيها الذَّكرُ والأُنثى لِما رُوي عن أمِّ كُرزٍ الكَعبِيةِ قالت: سمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «عن الغُلامِ شاتانِ مُكافِئتانِ، وعَنِ الجارِيةِ شاةٌ، لا يضرُّكم أذُكرانًا كنَّ أمْ إِناثًا» (٣). وعن حَفصةَ بنتِ عَبدِ الرَّحمنِ عن عَائشةَ قالت: «أمَرنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نعُقَّ عن الغُلامِ شَاتَين وعَن الجارِيةِ شَاةً» (٤). وعن عبدِ اللهِ بنِ عَباسٍ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ عقَّ عن الحَسنِ والحُسينِ بكَبشَين كَبشَين» (٥).

стр. 3271

وإنَّما كانت الأُنثى على النصفِ من الذَّكرِ؛ لأنَّ الغَرضَ منها استِبقاءُ النَّفسِ فاشبهَت الدِّيةَ؛ لأنَّ كلًّا منهما فِداءٌ عن النَّفسِ. ولأنَّه لمَّا فُضِّل الغُلامُ على الجاريةِ في مِيراثِه وأحكامِه فُضِّل عليها في عَقيقتِه. ويَتأتَّى أصلُ السُّنةِ عن الغُلامِ بشاةٍ واحِدةٍ؛ لأنَّه ﷺ عقَّ عن الحَسنِ والحُسينِ كَبشًا كَبشًا» (١). والأفضلُ فيها الذَّكرُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ضحَّى عن الحَسنِ والحُسينِ بكَبشٍ كَبشٍ، وضحَّى بكَبشَين أقرَنيْن، والعَقيقةُ تَجري مَجرى الأُضحيَّةِ والأفضلُ في لَونِها البَياضُ كالأُضحيَّةِ، لأنَّها تُشبِهُها ويُستحبُّ استِسمانُها واستِحسانُها كذلك (٢). وقال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: ولا تَعارضَ بينَ أحاديثِ التَّفضيلِ بينَ الذَّكرِ والأُنثى وبينَ حَديثِ ابنِ عَباسٍ في عَقيقةِ الحَسنِ والحُسينِ فإنَّ حَديثَه قد رُوي بلَفظَين، أحدُهما: «أنَّه عقَّ عنهما كَبشًا كَبشًا» والثاني: «أنَّه عقَّ عنهما كَبشَين»، ولَعلَّ الراويَ أرادَ كَبشَين عن كلِّ واحدٍ منهما، فاقتصَر

стр. 3272

على قولِه كَبشَين ثم رُوي بالمَعنى كَبشًا كَبشًا، وذبَحت أمُّهما عنهما كَبشَين، والحَديثان كذلك رُوِيا فكان أحدُ الكَبشَين من النَّبيِّ ﷺ والثاني من فاطِمةَ، واتَّفَقت جميعُ الأحاديثِ. وهذه قاعِدةُ الشَّريعةِ فإنَّ اللهَ فاضَلَ بينَ الذَّكرِ والأُنثى وجعَل الأُنثى على النصفِ من الذَّكرِ في المَواريثِ والدِّياتِ والشَّهاداتِ والعِتقِ والعَقيقةِ، كما رَواه التِّرمذيُّ وصحَّحه من حَديثِ أبي أُمامةَ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أيُّما امرِئٍ مُسلمٍ أعتَق مُسلمًا كان فِكاكَه من النارِ، يُجزِئُ كلُّ عُضوٍ منه عُضوًا منه، وأيُّما امرئٍ مُسلمٍ أعتَق امرأتَين مُسلمتَين كانتا فِكاكَه من النارِ، يُجزِئُ كلُّ عُضوٍ منهما عُضوًا منه». وفي مُسندِ الإمامِ أحمدَ من حَديثِ مُرةَ بنِ كَعبٍ السُّلميِّ عن النَّبيِّ ﷺ : «أيُّما رَجلٍ أعتَق رَجلًا مُسلمًا كان فِكاكَه من النارِ يُجزِئُ بكلِّ عُضوٍ من أعضائه عُضوًا من أعضائه، وأيُّما امرأةٍ مُسلمةٍ أعتَقت امرأةً مُسلمةً كانت فِكاكَها من النارِ، يُجزِئُ بكلِّ عُضوٍ من أعضائها عُضوًا من أعضائها» رَواه أبو داودَ في السُّننِ فجرَت المُفاضَلةُ في العَقيقةِ هذا المَجرى، لو لم يَكنْ فيها سُنةٌ، كيف والسُّننُ الثابِتةُ صَريحةٌ بالتَّفضيلِ (١). وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀ مُبيِّنًا سَببَ الاختِلافِ: وأمَّا العَددُ فإنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا أيضًا في ذلك، فقال مالكٌ: يُعقُّ عن الذَّكرِ والأُنثى بشاةٍ

стр. 3273

شاةٍ، وقال الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأبو داودَ وأحمدُ: يُعقُّ عن الجاريةِ بشاةٍ، وعن الغُلامِ بشاتَين. وسَببُ اختِلافِهم: اختِلافُ الآثارِ في هذا البابِ. فمنها حَديثُ أمِّ كُرزٍ الكَعبِيةِ خرَّجه أبو داودَ قال: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ في العَقيقةِ: «عن الغُلامِ شاتان مُكافِئَتان، وعن الجاريةِ شاةٌ» والمُكافِئَتان المُتماثِلتان. وهذا يَقتَضي الفرقَ في ذلك بينَ الذَّكرِ والأُنثى. وما رُوي «أنَّه عقَّ عن الحَسنِ والحُسينِ كَبشًا كَبشًا» يَقتَضي الاستواءَ بينَهما (١). تَعدُّدُ العَقيقةِ بتَعدُّدِ المَولودِ: نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ العَقيقةَ تَتعدَّدُ بتَعدُّدِ المَولودِ، فمَن وُلد له تَوأمان عقَّ عن كلِّ واحدٍ منهما. قال الإمامُ ابنُ القَطانُ نَقلًا عن ابنِ عَبدِ البرِّ ﵀: وإنْ ولَدت تَوأمَين عقَّ عن كلِّ واحدٍ منهما، ولا أعلمُ في ذلك خِلافًا (٢). وقال ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: وقال اللَّيثُ بنُ سَعدٍ في المَرأةِ تَلدُ ولَديْن في بَطنٍ واحدٍ أنَّه يعُقُّ عن كلِّ واحدٍ منهما، قال أبو عُمرَ: ما أَعلمُ

стр. 3274

عن أحدٍ من فُقهاءِ الأمصارِ خِلافًا في ذلك، واللهُ أعلمُ (١). وقال ابنُ المَوَّازِ والدُّسوقيُّ: لو ولَد تَوأمانِ في بَطنٍ واحِدةٍ عقَّ عن كلِّ واحدٍ منهما بواحِدةٍ (٢). وقال النَّوويُّ ﵀: ولو وُلِد له وَلدان فذبَح عنهما شاةً لم تَحصُلِ العَقيقةُ، ولو ذبَح بَقرةً أو بَدنةً عن سَبعةِ أولادٍ أو اشتَرك فيها جَماعةٌ جازَ، سَواءٌ أرادوا كلُّهم العَقيقةَ أو أراد بعضُهم العَقيقةَ وبعضُهم اللَّحمَ كما سبَق في الأُضحيَّةِ (٣). الذي يَجوزُ في العَقيقةِ وسِنِّها وما لا يَجوزُ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الذي يُجزِئُ في العَقيقةِ هو نَفسُه الذي يُجزِئُ في الأُضحيَّةِ من السِّنِّ ومما يُذبحُ ولا تَكونُ إلا من بَهيمةِ الأنعامِ: الإبِلِ والبَقرِ -والجاموسِ- والغَنمِ والمَعزِ، ولا تُجزِئُ إلا مُسنَّةٌ إلا الغَنمَ تُجزِئُ الجَذعُ منها كما في الأُضحيَّةِ، ويُشترطُ فيها سَلامَتُها من العُيوبِ. قال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: أجمَع العُلماءُ على أنَّه لا يَجوزُ في العَقيقةِ إلا ما يَجوزُ في الضَّحايا من الأزواج الثَّمانيةِ إلا مَنْ شذَّ ممَّن لا يُعدُّ خِلافًا.

стр. 3275

قال مالكٌ: من عقَّ عن وَلدِه فإنَّما هي بمَنزلةِ النُّسكِ والضَّحايا لا يَجوزُ فيها عَوراءُ ولا عَجفاءُ ولا مَكسورةٌ ولا مَريضةٌ، ولا يُباعُ من لَحمِها شيءٌ، ولا من جلدِها، وتُكسرُ عِظامُها، ويَأكلُ أهلُها من لَحمِها ويَتصدَّقون منها، ولا يُمسُّ الصَّبيُّ بشيءٍ من دَمِها. قال أبو عُمرَ: على هذا جُمهورُ الفُقهاءِ أنَّه يُجتنَبُ في العَقيقةِ من العُيوبِ ما يُجتنبُ في الأُضحيَّةِ، ويُؤكلُ منها ويُتصدقُ ويُهدَى إلى الجِيرانِ (١). وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا مَحلُّها فإنَّ جُمهورَ العُلماءِ على أنَّه لا يَجوزُ في العَقيقةِ إلا ما يَجوزُ في الضَّحايا من الأزواج الثَّمانيةِ. وأمَّا سنُّ هذا النُّسكِ وصِفتُه فسنُّ الضَّحايا وصِفتُها الجائزةُ، أعني أنَّه يُتقَى فيها من العُيوبِ ما يُتقَى في الضَّحايا، ولا أَعلمُ في هذا خِلافًا في المَذهبِ ولا خارجًا منه (٢). وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يُشترَطُ سَلامتُها من العُيوبِ التي يُشترطُ سَلامةُ الأُضحيَّةِ منها اتِّفاقًا واختِلافًا، ولا اختِلافَ في اشتِراطِ هذا، إلا أنَّ الرافِعيَّ قال: أشار صاحِبُ العُدةِ إلى وَجهٍ مُسامحٍ بالعَيبِ هنا (٣).

стр. 3276

وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: حُكمُ العَقيقةِ حُكمُ الأُضحيَّةِ في سنِّها، وأنَّه يُمنعُ فيها من العَيبِ ما يُمنعُ فيها ويُستحبُّ فيها من الصِّفةِ ما يُستحبُّ فيها، وكانت عائشةُ ﵂ تَقولُ: ائتُوني به أعيَنَ أقرَنَ. وقال عَطاءٌ: الذَّكرُ أَحبُّ إليَّ من الأُنثى، والضَّأنُ أَحبُّ من المَعزِ، فلا يُجزِئُ فيها أقلُّ من الجَذعِ من الضَّأنِ، والثَّنيِّ من المَعزِ ولا تَجوزُ فيها العَوراءُ البيِّنُ عَورُها والعَرجاءُ البيِّنُ ضَلعُها والمَريضةُ البيِّنُ مَرضُها والعَجفاءُ التي لا تُنْقي، والعَضباءُ التي ذهَب أكثرُ من نصفِ أُذنِها أو قَرنِها، وتُكرهُ فيها الشَّرقاءُ والخَرقاءُ والمُقابِلةُ والمُدابِرةُ، ويُستحبُّ استِشرافُ العَينِ والأُذنِ كما ذكَرنا في الأُضحيَّةِ سَواءٌ، لأنَّها تُشبِهها فتُقاسُ عليها (١). الأفضلُ في العَقيقةِ الضَّأنُ أو الإبِلُ والبَقرُ؟ اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّها تَصحُّ من الإبلِ والبَقرِ والغَنمِ كالأُضحيَّةِ تَمامًا، إلا قولَ ابنِ شَعبانَ من المالِكيةِ، وهو قَولٌ يُحكى عن الإمامِ مالكٍ أنَّها لا تُجزِئُ إلا من الغَنمِ ولا تُجزِئُ فيها الإبلُ ولا البَقرُ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في الأفضَلِ في العَقيقةِ، هل هي الغَنمُ؟ أو الإبلُ والبَقرُ أفضلُ من الغَنمِ؟ فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الغَنمَ أفضلُ من البَقرِ والإبلِ؛ لأنَّ هذا هو الوارِدُ عن النَّبيِّ ﷺ .

стр. 3277

فرَوى عبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ عقَّ عن الحَسنِ والحُسينِ كبشًا كبشًا» (١). وعن أمِّ كُرزٍ الكَعبِيةِ قالت: سمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «عن الغُلَامِ شاتَانِ مُكافِئتانِ وعن الجَارِيةِ شاةٌ لا يَضرُّكم أذُكرانًا كنَّ أمْ إِناثًا» (٢). وعن حَفصةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ عن عائشةَ ﵂ قالت: «أمَرنا رسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نعُقَّ عن الغُلامِ شَاتَين وعَن الجارِيةِ شاةً» (٣). ولم يُنقلْ في الإبلِ والبَقرِ شيءٌ، فكانت الغَنمُ هي الأفضلَ (٤). وذهَب الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الأفضلَ الإبلُ ثم البَقرُ ثم جَذعةُ الضَّأنِ ثم ثَنيَّةُ المَعزِ كالأُضحيَّةِ (٥). قال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: وقال مالكٌ: الضَّأنُ في العَقيقةِ أَحبُّ إليَّ من البَقرِ، والغَنمُ أَحبُّ إليَّ من الإبِلِ والبَقرِ، والإبِلُ في الهَديِ أَحبُّ إليَّ من الغَنمِ، والإبلُ في الهَديِ أَحبُّ إليَّ من البَقرِ.

стр. 3278

قال ابنُ المُنذرِ: ولَعلَّ حُجةَ من رأى أنَّ العَقيقةَ تُجزِئُ بالإبِلِ والبَقرِ قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «مع الغُلامِ عَقيقتُه فأهرِيقوا عنه دَمًا». ولم يَذكُر دَمًا دون دَمٍ، فما ذُبح عن المَولودِ على ظاهرِ هذا الخَبرِ يُجزِئُ، قال: ويَجوزُ أنْ يَقولَ قائلٌ: إنَّ هذا مُجمَل، وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «عن الغُلامِ شاتانِ وعن الجاريةِ شاةٌ» مُفسَّرٌ، والمُفسَّرُ أوْلى من المُجملِ (١). وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا مالكٌ فاختارَ فيها الضَّأنَ على مَذهبِه في الضَّحايا، واختلَفَ قولُه: هل يُجزِيُ فيها الإبلُ والبَقرُ أو لا يُجزِي، وسائرُ الفُقهاءِ على أصلِهم أنَّ الإبلَ أفضلُ من البَقرِ، والبَقرَ أفضلُ من الغَنمِ. وسَببُ اختِلافِهم: تَعارضُ الآثارِ في هذا البابِ والقياسِ. أمَّا الأثرُ فحَديثُ ابنِ عَباسٍ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ عقَّ عن الحَسنِ والحُسينِ كَبشًا كَبشًا» وقولُه: «عن الجاريةِ شاةٌ وعن الغُلامِ شاتان» خرَّجهما أبو داودَ (٢). وأمَّا القياسُ فلأنَّها نُسكٌ فوجَب أنْ يَكونَ الأعظمُ فيها أفضلَ قياسًا على الهَدايا (٣).

стр. 3279

التَّشريكُ في العَقيقةِ: اختلَف الفُقهاءُ في العَقيقةِ، هل يَصحُّ فيها الإشراكُ وتَصحُّ البَدنةُ والبَقرةُ عن سَبعةٍ؟ أو لا يَصحُّ الإشراكُ فيها ولا تُجزِئُ البَدنةُ ولا البَقرةُ إلا عن واحدٍ؟ فذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه يَصحُّ الإشراكُ في العَقيقةِ، فتُجزِئُ البَدنةُ أو البَقرةُ عن سَبعةِ أولادٍ، ويُجزِئُ أنْ يَشتَركَ مع جَماعةٍ فتَكونَ لبعضِهم أُضحيَّةً ونَصيبُه منها عَقيقةً. قال الحَنفيةُ: يَصحُّ الاشتِراكُ في العَقيقةِ لكنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ كلُّهم يُريدُ القُربةَ، فلو اشترَك سَبعةٌ في بَعيرٍ أو بَقرةٍ كلُّهم يُريدون القُربةَ بالأُضحيَّةِ أو غيرِها من وُجوهِ القُربِ إلا واحِدًا منهم يُريدُ اللَّحمَ لا يُجزِئُ واحدًا منهم من الأُضحيَّةِ ولا من غيرِها من وُجوهِ القُربِ؛ لأنَّ القُربةَ في إراقةِ الدَّمِ، وإنَّها لا تَتجزَّأُ، لأنَّها ذِبحٌ واحِدٌ، فإذا لم يَقعْ قُربةً من بعضِهم لا يَقعُ قُربةً من الباقين ضَرورةَ عَدمِ التَّجزُّؤِ، ولو أرادوا القُربةَ كالأُضحيَّةِ أو العَقيقةِ أو غيرِها من القُربِ أجزأهم، سَواءٌ كانت القُربةُ واجبةً أو تطوُّعًا أو وجَبت على بعضِهم دونَ بعضٍ، وسَواءٌ اتَّفقت جِهاتُ القُربةِ أو اختلَفت بأنْ أراد بعضُهم الأُضحيَّةَ وبعضُهم العَقيقةَ وبعضُهم جَزاءَ الصَّيدِ وبعضُهم هَديَ الإحصارِ وبعضُهم كَفارةَ شيءٍ أصابَه في إحرامِه وبعضُهم هَديَ التطوُّعِ وبعضُهم دَمَ المُتعةِ والقِرانِ، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ.

стр. 3280

وقال زُفرُ ﵀: لا يَجوزُ إلا إذا اتَّفَقت جِهاتُ القُربةِ بأنْ كان الكلُّ بجِهةٍ واحِدةٍ. وَجهُ قولِه أنَّ القياسَ يأبى الاشتِراكَ؛ لأنَّ الذَّبحَ فِعلٌ واحِدٌ لا يَتجزَّأُ فلا يُتصوَّرُ أنْ يَقعَ بعضُه عن جِهةٍ وبعضُه عن جِهةٍ أُخرى؛ لأنَّه لا بعضَ له إلا عندَ الاتِّحادِ، فعندَ الاتِّحادِ جُعِلت الجِهاتُ كجِهةٍ واحِدةٍ، وعندَ الاختِلافِ لا يُمكِنُ فبقِي الأمرُ فيه مَردودًا إلى القياسِ. ووَجهُ قولِ الأئمَّةِ الثَّلاثةِ أنَّ الجِهاتِ وإنِ اختلَفت صُورةً هي في المَعنى واحِدةٌ؛ لأنَّ المَقصودَ من الكلِّ التَّقرُّبُ إلى اللهِ عزَّ شأنُه، وكذلك إنْ أراد بعضُهم العَقيقةَ عن وَلدٍ وُلِد له من قَبلُ؛ لأنَّ ذلك جِهةُ التَّقربِ إلى اللهِ تَعالى عزَّ شأنُه بالشُّكرِ على ما أنعَم عليه من الوَلدِ، كذا ذكَر مُحمدٌ ﵀ في نَوادرِ الضَّحايا (١). قال الإمامُ ابنُ عابدين ﵀: واستَشكَل في الشُّرنبُلاليَّةِ الجَوازَ مع العَقيقةِ بما قالوا من أنَّ وُجوبَ الأُضحيَّةِ نسَخ كلَّ دَمٍ قبلَها من العَقيقةِ والرَّجبيةِ والعَتيرةِ وبأنَّ مُحمدًا قال في العَقيقةِ: مَنْ شاءَ فعَل ومَن شاء لم يَفعلْ.

стр. 3281

وقال في «الجامِعِ»: ولا يعُقُّ، والأوَّلُ يُشيرُ إلى الإباحةِ، والثاني إلى الكَراهةِ، إلخ. أقولُ: فيه نَظرٌ؛ لأنَّ المُرادَ: لا يعُقُّ على سَبيلِ النِّيةِ بدَليلِ كَلامِه الأولِ، وقد ذكَر في غُررِ الأفكارِ أنَّ العَقيقةَ مُباحةٌ على ما في جامِعِ المَحبوبيِّ أو تَطوعٌ على ما في شَرحِ الطَّحاويِّ. اه. وما مرَّ يُؤيدُ أنَّها تَطوعٌ. على أنَّه وإنْ قُلنا إنَّها مُباحةٌ، فبقَصدِ الشُّكرِ تَصيرُ قُربةً، فإنَّ النِّيةَ تُصيِّرُ العاداتِ عِباداتٍ، والمُباحاتِ طاعاتٍ (١). وقال الشافِعيةُ: لو ذبَح بَقرةً أو بَدنةً عن سَبعةِ أولادٍ أو اشترَك فيها جَماعةٌ جازَ، سَواءٌ أرادوا كلُّهم العَقيقةَ أو أرادَ بعضُهم العَقيقةَ وبعضُهم اللَّحمَ، كما في الأُضحيَّةِ (٢). وذهَب المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ في العَقيقةِ الإشراكُ، فلا يَصحُّ فيها شِركٌ في دَمٍ في بَدنةٍ أو بَقرةٍ، لعَدمِ وُرودِه، بل تَكونُ كلُّها عن نَفسٍ واحِدةٍ (٣). قال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: لا يَصحُّ الاشتِراكُ فيها، ولا يُجزِئُ الرأسُ إلا عن رأسٍ، هذا مما تُخالِفُ فيه العَقيقةُ الهَديَ والأُضحيَّةَ.

стр. 3282

قال الخَلالُ في جامعِه: بابُ حُكمِ الجَزورِ عن سَبعةٍ: أخبَرني عبدُ المَلكِ بنُ عبدِ الحَميدِ أنَّه قال لأبي عبدِ اللهِ: تعُقُّ جَزورًا؟ فقال: أليس قد عُقَّ بجَزورٍ؟ قلتُ: يُعقُّ بجَزورٍ عن سَبعةٍ؟ قال: لم أَسمعْ في ذلك شيئًا، ورأيتُه لا يَنشَطُ بجَزورٍ عن سَبعةٍ في العُقوقِ. قلتُ: لمَّا كانت هذه الذَّبيحةُ جاريةً مَجرى فِداءِ المَولودِ كان المَشروعُ فيه دَمًا كامِلًا لتَكونَ نَفسٌ فِداءَ نَفسٍ، وأيضًا فلو صحَّ فيها الاشتِراكُ لَما حصَل المَقصودُ من إراقةِ الدَّمِ عن الوَلدِ، فإنَّ إراقةَ الدَّمِ تَقعُ عن واحدٍ ويَحصلُ لِباقي الأولادِ إخراجُ اللَّحمِ فقط، والمَقصودُ نَفسُ الإراقةِ عن الوَلدِ، وهذا المَعنى بعَينِه هو الذي وجَده مَنْ منَع الاشتِراكَ في الهَديِ والأُضحيَّةِ، ولكنَّ سُنةَ رَسولِ اللهِ ﷺ أَحقُّ وأوْلى أنْ تُتَّبعَ وهو الذي شرَع الاشتِراكَ في الهَدايا وشرَع في العَقيقةِ عن الغُلامِ دَميْن مُستقِليْن لا يَقومُ مَقامَهما جَزورٌ ولا بَقرةٌ، واللهُ أعلمُ (١). ذَبحُ الشاةِ بنِيَّةِ الأُضحيَّةِ والعَقيقةِ: اختلَف الفُقهاءُ فيما لو ذبَح شاةً أيامَ الأُضحيَّةِ بنِيتِها ونِيةِ العَقيقةِ هل تُجزِئُ عن الأُضحيَّةِ والعَقيقةِ معًا أو لا؟ فذهَب الشافِعيةُ في قَولٍ وهو المُصححُ عندَهم والحَنابلةُ في أصحِّ الرِّوايتَين إلى أنَّه تُجزِئُ الأُضحيَّةُ عن العَقيقةِ إذا نَواهما معًا.

стр. 3283

قال الإمامُ الرَّمليُّ ﵀: ولو نَوى بالشاةِ المَذبوحةِ الأُضحيَّةَ والعَقيقةَ حصَلا خِلافًا لمَن زعَم خِلافَه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ ﵀: إذا اجتمَع عَقيقةٌ وأُضحيَّةٌ فهل تُجزِئُ الأُضحيَّةُ عن العَقيقةِ أو لا؟ على رِوايتَين مَنصوصتَين (٢). وقال ابنُ مُفلحٍ ﵀: قولُه: وفي إجزاءِ الأُضحيَّةِ عنها رِوايتان، انتهى. وأطلَقهما في القَواعدِ الفِقهيَّةِ وتَجريدِ العِنايةِ، وهما مَنصوصتان عن الإمامِ أحمدَ. إحداهما: تُجزِئُ، وهو ظاهرُ ما قدَّمه في «المُستوعِبِ»، قال في رِوايةِ حَنبَلٍ: أرجو أنْ تُجزِئَ الأُضحيَّةُ عن العَقيقةِ، «قلتُ»: وهو الصَّوابُ. وفيها نَوعُ شَبهٍ من الجُمُعةِ والعيدِ إذا اجتَمعَتا لكنْ لم نرَ مَنْ قال بإجزاءِ العَقيقةِ عن الأُضحيَّةِ في مَحلِّها، فقد يَتوجَّهُ احتِمالٌ، واللهُ أعلَمُ. والرِّوايةُ الثانيةُ: لا يُجزئُ، قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ كَثيرٍ مِنْ الأصحابِ (٣). وقال الإمامُ المِرداويُّ ﵀: لو اجتمَع عَقيقةٌ وأُضحيَّةٌ فهل يُجزِئُ عن العَقيقةِ إنْ لم يعُقَّ؟ فيه رِوايتان مَنصوصتان وأطلَقهما في الفُروعِ وتَجريدِ العِنايةِ والقَواعدِ الفِقهيَّةِ، وظاهرُ ما قدَّمه في المُستوعِبِ الإجزاءُ.

стр. 3284

قال في رِوايةِ حَنبَلٍ: أرجو أنْ تُجزِئَ الأُضحيَّةُ عن العَقيقةِ (١). وقال الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: ولو اجتمَع عَقيقةٌ وأُضحيَّةٌ ونَوى الذَّبيحةَ عنهما، أي: عن العَقيقةِ والأُضحيَّةِ، أجزأت عنهما نصًّا. وقال في «المُنتَهى»: وإنِ اتَّفق وقتُ عَقيقةٍ وأُضحيَّةٍ فعقَّ أو ضحَّى أجزأ عن الأُخرى، اه. ومُقتَضاه إجزاءُ إحداهما عن الأُخرى وإنْ لم يَنوِها. لكنَّ تَعبيرَ المُصنِّفِ مُوافقٌ لِما عبَّر به في تُحفةِ الوَدودِ آخِرًا. (قال) الشَّيخُ شَمسُ الدِّينِ مُحمدُ بنُ القَيمِ في كتابِه «تُحفةِ الوَدودِ في أحكامِ المَولودِ»: كما لو صلَّى رَكعتَين يَنوي بهما تَحيةَ المَسجدِ وسُنةَ المَكتوبةِ أو صلَّى بعدَ الطَّوافِ فَرضًا أو سُنةً مَكتوبةً وقَع) أي: ما صلَّاه (عنه) أي: عن فَرضِه (وعن رَكعتَيِ الطَّوافِ، وكذلك لو ذبَح المُتمتِّعُ والقارِنُ شاةً يومَ النَّحرِ أجزأ عن دَمِ المُتعةِ)، أي: أو القِرانِ (وعن الأُضحيَّةِ. اه. وفي مَعناه: لو اجتمَع هَديٌ وأُضحيَّةٌ تُجزِئُ ذَبيحةٌ عنهما لحُصولِ المَقصودِ منهما بالذَّبحِ، وهو مَعنى قولِ ابنِ القَيمِ، وكذلك لو ذبَح المُتمتِّعُ، إلخ (٢). وقال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الفَصلُ الثامنَ عشَرَ في حُكمِ اجتِماعِ العَقيقةِ والأُضحيَّةِ.

стр. 3285

قال الخَلَّالُ: بابُ ما رُوي أنَّ الأُضحيَّةَ تُجزِئُ عن العَقيقةِ: أخبَرنا عبدُ المَلكِ المَيمونيُّ أنَّه قال لأبي عبدِ اللهِ: يَجوزُ أنْ يُضحَّى عن الصَّبيِّ مَكانَ العَقيقةِ؟ قال: لا أدري، ثم قال: غيرُ واحدٍ يَقولُ به، قلتُ: من التابِعين؟ قال: نَعمْ. وأخبَرني عبدُ المَلكِ في مَوضعٍ آخرَ قال: ذكَر أبو عبدِ اللهِ أنَّ بعضَهم قال: فإنْ ضحَّى أجزأ عن العَقيقةِ. وأخبَرنا عِصمةُ بنُ عِصامٍ حدَّثنا حَنبلٌ أنَّ أبا عبدِ اللهِ قال: أرجو أنْ تُجزِئُ الأُضحيَّةُ عن العَقيقةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى لمَن لم يعُقَّ. وأخبَرني عِصمةُ بنُ عِصامٍ في مَوضعٍ آخرَ قال: حدَّثنا حَنبلٌ أنَّ أبا عبدِ اللهِ قال: فإنْ ضحَّى عنه أجزأت عنه الضَّحيَّةُ من العُقوقِ قال: ورأيتُ أبا عبدِ اللهِ اشتَرى أُضحيَّةً ذبَحها عنه وعن أهلِه، وكان ابنُه عبدُ اللهِ صَغيرًا فذبَحها أراه أراد بذلك العَقيقةَ والأُضحيَّةَ وقسَّم اللَّحمَ وأكلَ منها. أخبَرنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ قال: سألتُ أبي عن العَقيقةِ يومَ الأضحى تُجزِئُ أنْ تَكونَ أُضحيَّةً وعَقيقةً؟ قال: إمَّا أُضحيَّةٌ وإمَّا عَقيقةٌ على ما سمَّى. وهذا يَقتَضي ثَلاثَ رِواياتٍ عن أبي عبدِ اللهِ، إحداها: إجزاؤُها عنهما، والثانية وُقوعُها عن أحدِهما، والثالِثةُ التَّوقفُ. ووَجهُ عَدمِ وُقوعِها عنهما أنَّهما ذِبحان بسَببَين مُختلِفيْن فلا يَقومُ الذِّبحُ الواحِدُ عنهما كدَمِ المُتعةِ ودَمِ الفِديةِ. ووَجهُ الإجزاءِ حُصولُ المَقصودِ منها بذِبحٍ واحدٍ فإنَّ الأُضحيَّةَ عن المَولودِ مَشروعةٌ كالعَقيقةِ عنه، فإذا ضحَّى ونَوى أنْ تَكونَ عَقيقةً وأُضحيَّةً

стр. 3286

وقَع ذلك عنهما، كما لو صلَّى رَكعتَين يَنوي بهما تَحيَّةَ المَسجدِ وسُنةَ المَكتوبةِ أو صلَّى بعدَ الطَّوافِ فَرضًا أو سُنةً مَكتوبةً وقَع عنه وعن رَكعتَيِ الطَّوافِ، وكذلك لو ذبَح المُتمتِّعُ والقارِنُ شاةً يومَ النَّحرِ أجزأه عن دَمِ المُتعةِ وعن الأُضحيَّةِ، واللهُ أعلمُ (١). وذهَب المالِكيةُ وابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ من الشافِعيةِ والحنابِلةِ في رِوايةٍ إلى أنَّه إنْ ذبَح الأُضحيَّةَ بنِيةِ العَقيقةِ معًا لا تُجزِئُه. قال المالِكيةُ: لو أقامَ بأُضحيَّتِه سُنةَ عُرسِه أجزأتْه، ولو عقَّ بها عن وَلدِه لم تُجزِئْه، ولَعلَّ الفرقَ أنَّ الوَليمةَ لمَّا لم يُشترَطْ فيها ذَبحُ ما يُشترَطُ في الأُضحيَّةِ من الأسنانِ تَقوَّى جانِبُ الأُضحيَّةِ بخِلافِ العَقيقةِ، فيُشترَطُ فيها ما يُشترَطُ في الأُضحيَّةِ من الأسنانِ فضعُف جانبُ الأُضحيَّةِ فلم تَجزْ (٢). قال القَرافيُّ ﵀: قال صاحبُ القَبسِ: قال شَيخُنا أبو بَكرٍ الفِهريُّ: إذا ذبَح أُضحيَّتَه للأُضحيَّةِ والعَقيقةِ لا تُجزِئُه، فلو طَعَّمَها وَليمةً للعُرسِ أجزأه، والفَرقُ أنَّ المَقصودَ في الأوَّليْن إراقةُ الدَّمِ، وإراقةٌ لا تُجزِئُ عن إراقَتيْن، والمَقصودُ من الوَليمةِ الإطعامُ، وهو غيرُ مُنافٍ للإراقةِ، فأمكَن الجَمعُ (٣).

стр. 3287

وقال الإمامُ الحَطابُ ﵀: قال ابنُ عَرفةَ: وفي سماعَ القَرينَين: ومَن وافَق يومُ عَقيقةِ وَلدِه يومَ الأضحى ولا يَملكُ إلا شاةً عقَّ بها. وعن ابنِ رُشدٍ: إنْ رَجا الأُضحيَّةَ في تاليَيه وإلا فالأُضحيَّةُ، لأنَّها آكدُ. قيلَ: سُنةٌ واجبةٌ، ولم يَقلْ في العَقيقةِ، انتَهى، ونحوُه عن اللَّخميِّ. فإنْ ذبَح أُضحيَّتَه للأُضحيَّةِ والعَقيقةِ أو أطعَمها وَليمةً فقال في الذَّخيرةِ: قال صاحبُ القَبسِ: قال شَيخُنا أبو بَكرٍ الفِهريُّ: إذا ذبَح أُضحيَّتَه للأُضحيَّةِ والعَقيقةِ لا يُجزِئُه، وإنْ أطعَمها وَليمةً أجزأه. والفَرقُ أنَّ المَقصودَ في الأوَّليْن إراقةُ الدَّمِ وإراقتُه لا تُجزِئُ عن إراقَتيْن، والمَقصودُ من الوَليمةِ الإطعامُ، وهو غيرُ مُنافٍ للإراقةِ، فأمكَن الجَمعُ، انتهى (١). وسُئل الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ ﵀: عن ذَبحِ شاةٍ أيامَ الأُضحيَّةِ بنِيتِها ونِيةِ العَقيقةِ فهل يَحصُلان أو لا؟ ابسُطوا الجَوابَ. فأجابَ -نفعَ اللهُ بعُلومِه- بقولِه: الذي دلَّ عليه كلامُ الأصحابِ وجرَينا عليه منذُ سِنينَ أنَّه لا تَداخلَ في ذلك؛ لأنَّ كلًّا من الأُضحيَّةِ والعَقيقةِ سُنةٌ مَقصودةٌ لذاتِها، ولها سَببٌ يُخالفُ سَببَ الأُخرى، والمَقصودُ منها غيرُ المَقصودِ من الأُخرى؛ إذ الأُضحيَّةُ فِداءٌ عن النَّفسِ، والعَقيقةُ فِداءٌ عن الوَلدِ؛ إذ بها نُموُّه وصَلاحُه ورَجاءُ برِّه وشَفاعَتِه.

стр. 3288

وبالقولِ بالتَّداخُلِ يَبطلُ المَقصودُ من كلٍّ منهما، فلم يُمكِنِ القولُ به نَظيرَ ما قالوه في سُنةِ غُسلِ الجُمُعةِ وغُسلِ العيدِ، وسُنةِ الظُّهرِ وسُنةِ العَصرِ، وأمَّا تَحيَّةُ المَسجدِ ونحوِها فهي ليست مَقصودةً لذاتِها، بل لعَدمِ هَتكِ حُرمةِ المَسجدِ، وذلك حاصِلٌ بصَلاةِ غيرِها، وكذا صَومُ نحوِ الاثَنيْن؛ لأنَّ القَصدَ منه إحياءُ هذا اليومِ بعِبادةِ الصَّومِ المَخصوصةِ، وذلك حاصِلٌ بأيِّ صَومٍ وقَع فيه، وأمَّا الأُضحيَّةُ والعَقيقةُ فليستا كذلك، كما ظهَر مما قرَّرتُه، وهو واضِحٌ، والكَلامُ حيث اقتصَر على نحوِ شاةٍ أو سُبعِ بَدنةٍ أو بَقرةٍ، أما لو ذبَح بَدنةً أو بَقرةً عن سَبعةِ أسبابٍ منها ضَحيَّةٌ وعَقيقةٌ والباقي كَفاراتٌ في نحوِ الحَلقِ في النُّسكِ فيُجزِئُ ذلك، وليس هو من بابِ التَّداخُلِ في شيءٍ؛ لأنَّ كلَّ سُبعٍ يَقعُ مُجزِئًا عما نَوى به، وفي شَرحِ العُبابِ: لو وُلد له ولَدانِ ولو في بَطنٍ واحِدةٍ فذبَح عنهما شاةً لم يَتأدَّ بها أصلُ السُّنةِ، كما في المَجموعِ وغيرِه، وقال ابنُ عَبدِ البرِّ: لا أعلمُ فيه خِلافًا. اه. وبهذا يُعلَمُ أنَّه لا يُجزِئُ التَّداخُلُ في الأُضحيَّةِ والعَقيقةِ من بابِ أوْلى؛ لأنَّه إذا امتنَع مع اتِّحادِ الجِنسِ فأوْلى مع اختِلافِه، واللهُ أعلمُ بالصَّوابِ (١). وقال في «تُحفةِ المُحتاجِ»: لو نَوى بشاةٍ الأُضحيَّةَ والعَقيقةَ لم تَحصلْ واحِدةٌ منهما، وهو ظاهرٌ؛ لأنَّ كلًّا منهما سُنةٌ مَقصودةٌ، ولأنَّ القَصدَ

стр. 3289

بالأُضحيَّةِ الضِّيافةُ العامَّةُ، ومِن العَقيقةِ الضِّيافةُ الخاصَّةُ، ولأنَّهما يَختلِفان في مَسائلَ كما يأتي. وبهذا يَتَّضحُ الردُّ على مَنْ زعَم حُصولَهما وقاسَه على غُسلِ الجُمُعةِ والجَنابةِ على أنَّهم صرَّحوا بأنَّ مَبنى الطَّهاراتِ على التَّداخُلِ فلا يُقاسُ بها غيرُها (١). قال الشَّروانيُّ ﵀: قولُه: (وهو ظاهرٌ) خِلافًا للنِّهايةِ عِبارتُه: ولو نَوى بالشاةِ المَذبوحةِ الأُضحيَّةَ والعَقيقةَ حصَلا خِلافًا لمَن زعَم. قولُه (لأنَّ كلًّا منهما، إلخ) قد يُقالُ: وأيضًا كلٌّ منهما لا يَحصلُ بأقلَّ من شاةٍ، ويَلزَمُ من حُصولِهما بواحِدةٍ حُصولُ كلٍّ منهما بدُونِها. وعِبارةُ البُجيرِميِّ عن الحَلبيِّ والشَّوبريِّ: ولو نَوى بها العَقيقةَ والأُضحيَّةَ حصَلا عندَ شَيخِنا خِلافًا لابنِ حَجرٍ، حيث قال: لا يَحصُلان؛ لأنَّ كلًّا، إلخ، وهو وَجيهٌ. قولُه: (الضِّيافةُ الخاصَّةُ) ما المُرادُ من الخُصوصِ هنا؟! مع أنَّه لا فرقَ بينَهما في الأكلِ والتَّصدُّقِ والإهداءِ، كما يأتي (٢). حُكمُ إقامةِ الوَلائمِ لِلعَقيقةِ: اختلَف الفُقهاءُ هل الأفضلُ إقامةُ الوَلائمِ في العَقيقةِ بأنْ تُطبخَ ويأتيَ الناسُ يَأكُلونَ منها أو تُوزَّعُ لَحمًا؟

стр. 3290

فذهَب الحَنابلةُ إلى أنَّ الأفضلَ طَبخُها ودَعوةُ الناسِ إليها. قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ طبَخَها ودَعا إخوانَه فأكَلوه فحَسنٌ (١). وقال المِرداويُّ ﵀: وقال المُصنِّفُ ومَن تَبِعه: وإن طبَخها ودَعا إخوانَه فحَسنٌ، وفيه فَوائدُ، إحداها طَبخُها أفضلُ، نصَّ عليه، وقيلَ لأحمدَ: يَشقُّ عليهم، قال: يَتحمَّلون ذلك (٢). وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قال أصحابُنا: والتَّصدقُ بلَحمِها ومَرقِها على المَساكينِ بالبَعثِ إليهم أفضلُ من الدُّعاءِ إليها، ولو دعا إليها قَومًا جازَ، ولو فرَّق بعضَها ودَعا ناسًا إلى بعضِها جازَ (٣). وقال في «الرَّوضةِ»: يُستحبُّ ألَّا يَتصدقَ بلَحمِها نَيئًا بل يَطبخُه. وفي الحاوي: أنَّا إذا لم نُجوِّزْ ما دون الجَذعةِ والثَّنيَّةِ وجَب التَّصدقُ بلَحمِها نَيئًا، وكذا قال الإمامُ: إنْ أوجَبْنا التَّصدقَ بمِقدارٍ وجَب تَمليكُه وهو نَيئٌ. والصَّحيحُ الأولُ، وفيما يَطبخُه به وَجهان، أحدُهما بحُموضةٍ، ونقَله في التَّهذيبِ عن النصِّ، وأَصحُّهما بحُلوٍ، تَفاؤُلًا بحَلاوةِ أخلاقِ المَولودِ. وعلى هذا لو طبَخ بحامِضٍ ففي كَراهتِه وَجهانِ: أَصحُّهما: لا يُكرهُ.

стр. 3291

ويُستحبُّ ألَّا يُكسِّرَ عِظامَ العَقيقةِ ما أمكَن، فإن كسَرَ لم يُكرهْ على الأصحِّ. والتَّصدقُ بلَحمِها ومَرقِها على المَساكينِ بالبَعثِ إليهم أفضلُ من الدَّعوةِ إليها، ولو دعا إليها قَومًا فلا بأسَ (١). وقال الحَنفيةُ: يَطبخُ جميعَ العَقيقةِ ثم يَتصدقُ بها (٢)، ولم يُصرِّحوا بالدَّعوةِ إليها أو لا. وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّه يُكرهُ أنْ يُدعَى الناسُ لها؛ لمُخالفةِ السَّلفِ وخَوفِ المُباهاةِ والمُفاخرةِ، بل تُطبخُ ويَأكلُ منها أهلُ البَيتِ والجِيرانُ والغَنيُّ والفَقيرُ، ولا بأسَ بالإطعامِ مِنْ لَحمِها نَيئًا، ويُطعِمُ الناسَ في مَواضعِهم. سَمِعَ ابنُ القاسمِ: تُطبَخُ العَقيقةُ ويَأكلُ منها أهلُ البَيتِ ويُطعَمُ الجِيرانُ، وأمَّا الدُّعاءُ إليها فإنِّي أَكرهُ الفَخورَ. فإنْ أراد ذلك صنَع من غيرِها ودَعا إليها، ورُوي عن مالكٍ أنَّه قال: عَقَقتُ عن وَلدي فذبَحتُ باللَّيلِ ما أُريدُ أنْ أدعوَ إليه إخواني وغيرَهم، ثم ذبَحتُ له ضُحًى شاةَ العَقيقةِ، فأهدَيتُ منها لجِيراني، وأكلَ منها أهلُ البَيتِ وكسَروا ما بقِي من عِظامِها وطبَخوه ودعَونا إليه الجيرانَ فأكَلوا وأكَلنا.

стр. 3292

قال مالكٌ: فمَن وجَدَ سَعةً فليَفعلْ مثلَ ذلك (١). وقال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الفَصلُ الثانيَ عشَرَ في استِحبابِ طَبخِها دونَ إخراجِ لَحمِها نَيئًا، قال الخَلالُ في جامعِه: بابُ ما يُستحبُّ من ذَبحِ العَقيقةِ، أخبَرني عبدُ المَلكِ المَيمونيُّ أنَّه قال لِأبي عبدِ اللهِ: العَقيقةُ تُطبَخُ؟ قال: نَعمْ. وأخبَرني مُحمدُ بنُ علِيٍّ قال: حدَّثنا الأثرمُ أنَّ أبا عبدِ اللهِ قال في العَقيقةِ تُطبَخُ جُدولًا. وأخبَرني أبو داودَ أنَّه قال لِأبي عبدِ اللهِ: تُطبَخُ العَقيقةُ، قال: نَعمْ، قيلَ له: إنَّه يَشتَدُّ عليهم طَبخُه، قال: يَتحمَّلون ذلك. وأخبَرني مُحمدُ بنُ الحُسينِ أنَّ الفَضلَ بنَ زِيادٍ حدَّثهم أنَّ أبا عبدِ اللهِ قيلَ له في العَقيقةِ تُطبَخُ بماءٍ ومِلحٍ، قال: يُستحبُّ ذلك، قيلَ له: فإنْ طُبخت بشيءٍ آخرَ؟ قال: ما ضَر ذلك؛ وهذا لأنَّه إذا طبَخها فقد كَفى المَساكينَ والجِيرانَ مُؤنةَ الطَّبخِ، وهو زيادةٌ في الإحسانِ وشُكرٌ لهذه النِّعمةِ، ويَتمتَّعُ الجِيرانُ والأولادُ والمَساكينُ بها هَنيئةً مَكفيَّةَ المُؤنةِ، فإنَّ مَنْ أُهدي له لَحمٌ مَطبوخٌ مُهيأٌ للأَكلِ مُطيَّبٌ كان فَرحُه وسُرورُه به أتمَّ من فَرحِه بلَحمٍ نَيئٍ يَحتاجُ إلى كُلفةٍ وتَعبٍ، فلهذا قال الإمامُ أحمدُ: يَتحمَّلون ذلك.

стр. 3293

وأيضًا فإنَّ الأطعمةَ المُعتادةَ التي تَجري مَجرى الشُّكرانِ كلُّها سَبيلُها الطَّبخُ ولها أسماءٌ مُتعدِّدةٌ، فالقِرى طَعامُ الضِّيفانِ، والمأدُبةُ طَعامُ الدَّعوةِ، والتُّحفةُ طَعامُ الزائرِ، والوَليمةُ طَعامُ العُرسِ، والخُرسُ طَعامُ الوِلادةِ، والعَقيقةُ الذَّبحُ عنه يومَ حَلقِ رأسِه في السابعِ، والغَديرةُ طَعامُ الخِتانِ، والوَضيمةُ طَعامُ المَأتمِ، والنَّقيعةُ طَعامُ القادِمِ من سَفرِه، والوَكيرةُ طَعامُ الفَراغِ من البِناءِ، فكان الإطعامُ عندَ هذه الأشياءِ أحسنَ من تَفريِق اللَّحمِ (١). وقال أيضًا: واختُلِف هل يُدعى إليها الناسُ كما يُفعلُ بالوَليمةِ أو يُهدى، أو لا يُدعى الناسُ إليها؟ فقال أبو عُمرَ بنُ عبدِ البرِّ: قولُ مالكٍ: إنَّه يَكسِرُ عِظامَها ويُطعِمُ منها الجِيرانَ، ولا يُدعَى الرِّجالُ كما يُفعلُ بالوَليمةِ، ولا أَعرفُ غيرَه كرِه ذلك، واللهُ أعلَمُ (٢). كَسرُ عِظامِ العَقيقةِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ كَسرِ عِظامِ العَقيقةِ، هل يَجوزُ كَسرُ عِظامِها ويُندَبُ أو يُكرهُ كَسرُ عِظامِها؟ فذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ -وهو عندَهم خِلافُ الأَولى- والحَنابلةُ إلى أنَّه يُكرهُ كَسرُ عِظامِ العَقيقةِ ويُستحبُّ أنْ تُفصَلَ أعضاؤُها ولا تُكسرَ

стр. 3294

عِظامُها، لِما رُوي عن عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «السُّنةُ شاتان مُكافِئتان عن الغُلامِ وعن الجاريةِ شاةٌ تُطبَخُ جُدولًا، ولا يُكسرُ عَظمٌ ويَأكلُ ويُطعمُ ويَتصدقُ، وذلك يومَ السابِعِ». ولِما رَواه أبو داودَ في المَراسيلِ عن جَعفرِ بنِ مُحمدٍ عن أبيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في العَقيقةِ التي عقَّتها فاطِمةُ عن الحَسنِ والحُسينِ: «أنْ يَبعَثوا إلى القابِلةِ منها برِجلٍ وكُلوا وأطعِموا ولا تَكسِروا منها عَظمًا» (١). قال الحَنفيةُ: المُستحبُّ أنْ يَفصلَ لَحمَها ولا يَكسرَ عَظمَها تَفاؤُلًا بسَلامةِ أعضاءِ الولَدِ (٢). وقال الحَنابلةُ: وإنَّما فُعلَ بها ذلك لأنَّها أولُ ذَبيحةٍ ذُبِحت عن المَولودِ فاستُحِبَّ فيها ذلك تَفاؤُلًا بالسَّلامةِ، وكذلك قالت عائشةُ ﵂ ورُوي أيضًا عن عَطاءٍ وابنِ جُريجٍ (٣). وقال الشافِعيةُ: يُستحبُّ ألَّا يُكسرَ منها عَظمٌ ما أمكَن بل يُقطعُ كلُّ عَظمٍ من مِفصَلِه تَفاؤُلًا بسَلامةِ أعضاءِ المَولودِ، فإنْ كُسر لم يُكرهْ في الأصحِّ؛ إذ لم يثبُتْ فيه نَهيٌ مَقصودٌ، بل هو خِلافُ الأوْلى (٤).

стр. 3295

واختلَف أصحابُنا في كَسرِ عَظمِها وطَبخِ لَحمِها بالخلِّ على وَجهَين: أحدُهما -وهو قولُ البَغداديِّين-: أنَّه مَكروهٌ، تَفاؤُلًا له بالسَّلامةِ وطِيبِ العَيشِ. والوَجهُ الآخَرُ -وهو قولُ البَصريِّين-: أنَّه غيرُ مَكروهٍ؛ لأنَّه طِيرةٌ، وقد نُهيَ عنها، ولأنَّ ذَبحَها أعظمُ من كَسرِ عَظمِها، ومُلاقاةُ النارِ لها أكثرُ من طَرحِ الخلِّ على لَحمِها (١). وقالوا: الحِكمةُ من عَدمِ كَسرِ عِظامِها ما يلي: أحدُها: إظهارُ شَرفِ هذا الإطعامِ وخَطرِه إذا كان يُقدَّمُ للآكِلين ويُهدى إلى الجِيرانِ، ويُطعَمُ للمَساكينِ فاستُحبَّ أنْ يَكونَ قِطعًا، كلُّ قِطعةٍ تامَّةٌ في نَفسِها لم يُكسرْ من عِظامِها شيءٌ، ولا نقَص العُضوُ منها شيئًا، ولا رَيبَ أنَّ هذا أجلُّ مَوقعًا وأدخَلُ في بابِ الجُودِ من القِطعِ الصِّغارِ. المَعنى الثاني: أنَّ الهَديةَ إذا شُرِّفت وخرَجت عن حدِّ الحَقارةِ وقَعت مَوقعًا حَسنًا عندَ المُهدَى إليه، ودلَّت على شَرفِ نَفسِ المُهدِي وكبَرِ همَّتِه، وكان في ذلك تَفاؤلٌ بكبَرِ نَفسِ المَولودِ وعُلوِّ همَّتِه وشَرفِ نَفسِه. المَعنى الثالِثُ: أنَّها لمَّا جَرت مَجرى الفِداءِ استُحبَّ ألَّا تُكسرَ عِظامُها؛ تَفاؤُلًا بسَلامةِ أعضاءِ المَولودِ وصِحَّتِها وقُوَّتِها، وبما زال مِنْ عِظامِ فِدائِه
следующие страницы →