ويُستحبُّ ألَّا يُكسِّرَ عِظامَ العَقيقةِ ما أمكَن، فإن كسَرَ لم يُكرهْ على الأصحِّ.
والتَّصدقُ بلَحمِها ومَرقِها على المَساكينِ بالبَعثِ إليهم أفضلُ من الدَّعوةِ إليها، ولو دعا إليها قَومًا فلا بأسَ (١).
وقال الحَنفيةُ: يَطبخُ جميعَ العَقيقةِ ثم يَتصدقُ بها (٢)، ولم يُصرِّحوا بالدَّعوةِ إليها أو لا.
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّه يُكرهُ أنْ يُدعَى الناسُ لها؛ لمُخالفةِ السَّلفِ وخَوفِ المُباهاةِ والمُفاخرةِ، بل تُطبخُ ويَأكلُ منها أهلُ البَيتِ والجِيرانُ والغَنيُّ والفَقيرُ، ولا بأسَ بالإطعامِ مِنْ لَحمِها نَيئًا، ويُطعِمُ الناسَ في مَواضعِهم.
سَمِعَ ابنُ القاسمِ: تُطبَخُ العَقيقةُ ويَأكلُ منها أهلُ البَيتِ ويُطعَمُ الجِيرانُ، وأمَّا الدُّعاءُ إليها فإنِّي أَكرهُ الفَخورَ.
فإنْ أراد ذلك صنَع من غيرِها ودَعا إليها، ورُوي عن مالكٍ أنَّه قال: عَقَقتُ عن وَلدي فذبَحتُ باللَّيلِ ما أُريدُ أنْ أدعوَ إليه إخواني وغيرَهم، ثم ذبَحتُ له ضُحًى شاةَ العَقيقةِ، فأهدَيتُ منها لجِيراني، وأكلَ منها أهلُ البَيتِ وكسَروا ما بقِي من عِظامِها وطبَخوه ودعَونا إليه الجيرانَ فأكَلوا وأكَلنا.
стр. 3292
قال مالكٌ: فمَن وجَدَ سَعةً فليَفعلْ مثلَ ذلك (١).
وقال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الفَصلُ الثانيَ عشَرَ في استِحبابِ طَبخِها دونَ إخراجِ لَحمِها نَيئًا، قال الخَلالُ في جامعِه: بابُ ما يُستحبُّ من ذَبحِ العَقيقةِ، أخبَرني عبدُ المَلكِ المَيمونيُّ أنَّه قال لِأبي عبدِ اللهِ: العَقيقةُ تُطبَخُ؟ قال: نَعمْ.
وأخبَرني مُحمدُ بنُ علِيٍّ قال: حدَّثنا الأثرمُ أنَّ أبا عبدِ اللهِ قال في العَقيقةِ تُطبَخُ جُدولًا.
وأخبَرني أبو داودَ أنَّه قال لِأبي عبدِ اللهِ: تُطبَخُ العَقيقةُ، قال: نَعمْ، قيلَ له: إنَّه يَشتَدُّ عليهم طَبخُه، قال: يَتحمَّلون ذلك.
وأخبَرني مُحمدُ بنُ الحُسينِ أنَّ الفَضلَ بنَ زِيادٍ حدَّثهم أنَّ أبا عبدِ اللهِ قيلَ له في العَقيقةِ تُطبَخُ بماءٍ ومِلحٍ، قال: يُستحبُّ ذلك، قيلَ له: فإنْ طُبخت بشيءٍ آخرَ؟ قال: ما ضَر ذلك؛ وهذا لأنَّه إذا طبَخها فقد كَفى المَساكينَ والجِيرانَ مُؤنةَ الطَّبخِ، وهو زيادةٌ في الإحسانِ وشُكرٌ لهذه النِّعمةِ، ويَتمتَّعُ الجِيرانُ والأولادُ والمَساكينُ بها هَنيئةً مَكفيَّةَ المُؤنةِ، فإنَّ مَنْ أُهدي له لَحمٌ مَطبوخٌ مُهيأٌ للأَكلِ مُطيَّبٌ كان فَرحُه وسُرورُه به أتمَّ من فَرحِه بلَحمٍ نَيئٍ يَحتاجُ إلى كُلفةٍ وتَعبٍ، فلهذا قال الإمامُ أحمدُ: يَتحمَّلون ذلك.
стр. 3293
وأيضًا فإنَّ الأطعمةَ المُعتادةَ التي تَجري مَجرى الشُّكرانِ كلُّها سَبيلُها الطَّبخُ ولها أسماءٌ مُتعدِّدةٌ، فالقِرى طَعامُ الضِّيفانِ، والمأدُبةُ طَعامُ الدَّعوةِ، والتُّحفةُ طَعامُ الزائرِ، والوَليمةُ طَعامُ العُرسِ، والخُرسُ طَعامُ الوِلادةِ، والعَقيقةُ الذَّبحُ عنه يومَ حَلقِ رأسِه في السابعِ، والغَديرةُ طَعامُ الخِتانِ، والوَضيمةُ طَعامُ المَأتمِ، والنَّقيعةُ طَعامُ القادِمِ من سَفرِه، والوَكيرةُ طَعامُ الفَراغِ من البِناءِ، فكان الإطعامُ عندَ هذه الأشياءِ أحسنَ من تَفريِق اللَّحمِ (١).
وقال أيضًا: واختُلِف هل يُدعى إليها الناسُ كما يُفعلُ بالوَليمةِ أو يُهدى، أو لا يُدعى الناسُ إليها؟
فقال أبو عُمرَ بنُ عبدِ البرِّ: قولُ مالكٍ: إنَّه يَكسِرُ عِظامَها ويُطعِمُ منها الجِيرانَ، ولا يُدعَى الرِّجالُ كما يُفعلُ بالوَليمةِ، ولا أَعرفُ غيرَه كرِه ذلك، واللهُ أعلَمُ (٢).
كَسرُ عِظامِ العَقيقةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ كَسرِ عِظامِ العَقيقةِ، هل يَجوزُ كَسرُ عِظامِها ويُندَبُ أو يُكرهُ كَسرُ عِظامِها؟
فذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ -وهو عندَهم خِلافُ الأَولى- والحَنابلةُ إلى أنَّه يُكرهُ كَسرُ عِظامِ العَقيقةِ ويُستحبُّ أنْ تُفصَلَ أعضاؤُها ولا تُكسرَ
стр. 3294
عِظامُها، لِما رُوي عن عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «السُّنةُ شاتان مُكافِئتان عن الغُلامِ وعن الجاريةِ شاةٌ تُطبَخُ جُدولًا، ولا يُكسرُ عَظمٌ ويَأكلُ ويُطعمُ ويَتصدقُ، وذلك يومَ السابِعِ».
ولِما رَواه أبو داودَ في المَراسيلِ عن جَعفرِ بنِ مُحمدٍ عن أبيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في العَقيقةِ التي عقَّتها فاطِمةُ عن الحَسنِ والحُسينِ: «أنْ يَبعَثوا إلى القابِلةِ منها برِجلٍ وكُلوا وأطعِموا ولا تَكسِروا منها عَظمًا» (١).
قال الحَنفيةُ: المُستحبُّ أنْ يَفصلَ لَحمَها ولا يَكسرَ عَظمَها تَفاؤُلًا بسَلامةِ أعضاءِ الولَدِ (٢).
وقال الحَنابلةُ: وإنَّما فُعلَ بها ذلك لأنَّها أولُ ذَبيحةٍ ذُبِحت عن المَولودِ فاستُحِبَّ فيها ذلك تَفاؤُلًا بالسَّلامةِ، وكذلك قالت عائشةُ ﵂ ورُوي أيضًا عن عَطاءٍ وابنِ جُريجٍ (٣).
وقال الشافِعيةُ: يُستحبُّ ألَّا يُكسرَ منها عَظمٌ ما أمكَن بل يُقطعُ كلُّ عَظمٍ من مِفصَلِه تَفاؤُلًا بسَلامةِ أعضاءِ المَولودِ، فإنْ كُسر لم يُكرهْ في الأصحِّ؛ إذ لم يثبُتْ فيه نَهيٌ مَقصودٌ، بل هو خِلافُ الأوْلى (٤).
стр. 3295
واختلَف أصحابُنا في كَسرِ عَظمِها وطَبخِ لَحمِها بالخلِّ على وَجهَين:
أحدُهما -وهو قولُ البَغداديِّين-: أنَّه مَكروهٌ، تَفاؤُلًا له بالسَّلامةِ وطِيبِ العَيشِ.
والوَجهُ الآخَرُ -وهو قولُ البَصريِّين-: أنَّه غيرُ مَكروهٍ؛ لأنَّه طِيرةٌ، وقد نُهيَ عنها، ولأنَّ ذَبحَها أعظمُ من كَسرِ عَظمِها، ومُلاقاةُ النارِ لها أكثرُ من طَرحِ الخلِّ على لَحمِها (١).
وقالوا: الحِكمةُ من عَدمِ كَسرِ عِظامِها ما يلي:
أحدُها: إظهارُ شَرفِ هذا الإطعامِ وخَطرِه إذا كان يُقدَّمُ للآكِلين ويُهدى إلى الجِيرانِ، ويُطعَمُ للمَساكينِ فاستُحبَّ أنْ يَكونَ قِطعًا، كلُّ قِطعةٍ تامَّةٌ في نَفسِها لم يُكسرْ من عِظامِها شيءٌ، ولا نقَص العُضوُ منها شيئًا، ولا رَيبَ أنَّ هذا أجلُّ مَوقعًا وأدخَلُ في بابِ الجُودِ من القِطعِ الصِّغارِ.
المَعنى الثاني: أنَّ الهَديةَ إذا شُرِّفت وخرَجت عن حدِّ الحَقارةِ وقَعت مَوقعًا حَسنًا عندَ المُهدَى إليه، ودلَّت على شَرفِ نَفسِ المُهدِي وكبَرِ همَّتِه، وكان في ذلك تَفاؤلٌ بكبَرِ نَفسِ المَولودِ وعُلوِّ همَّتِه وشَرفِ نَفسِه.
المَعنى الثالِثُ: أنَّها لمَّا جَرت مَجرى الفِداءِ استُحبَّ ألَّا تُكسرَ عِظامُها؛ تَفاؤُلًا بسَلامةِ أعضاءِ المَولودِ وصِحَّتِها وقُوَّتِها، وبما زال مِنْ عِظامِ فِدائِه
стр. 3296
من الكَسرِ، وجَرى كَسرُ عِظامِها عندَ مَنْ كرِهه مَجرى تَسميتِها عَقيقةً فهذه الكَراهةُ في الكَسرِ نَظيرُ تلك الكَراهةِ في الاسمِ (١).
وذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصحِّ إلى أنَّه يَجوزُ كَسرُ عِظامِ العَقيقةِ وليس كَسرُ عِظامِها سُنةً ولا مُستحبًّا؛ لأنَّه لم يَصحّ في المَنعِ من ذلك ولا في كَراهَتِه سُنةٌ يَجبُ المَصيرُ إليها، وقد جَرت العادةُ بكَسرِ عِظامِ اللَّحمِ، وفي ذلك مَصلحةُ أكلِه وتَمامُ الانتِفاعِ به، ولا مَصلحةَ تَمنعُ من ذلك.
وقيلَ: يُندبُ لمُخالفةِ الجاهِليةِ، فقد كانوا لا يَكسِرون عِظامَها وإنَّما يُقطِّعونها من المَفاصلِ مَخافةَ ما يُصيبُ الولدَ بزَعمِهم، فجاءَ الإسلامُ بنَقيضِ ذلك؛ إذ لا فائدةَ فيه (٢).
الأكلُ من العَقيقةِ وتَفريقُها والتَّصدُّقُ بشيءٍ منها:
اتَّفق الفُقهاءُ على جوازِ الأكلِ من العَقيقةِ والتَّصدقِ منها، والإهداءِ إلى الجيرانِ، كالأُضحيَّةِ.
قال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: قال مالكٌ: من عقَّ عن وَلدِه فإنَّما هي بمَنزلةِ النُّسكِ والضَّحايا … ويَأكلُ أهلُها من لَحمِها ويَتصدَّقون منها ولا يُمسُّ الصَّبيُّ بشيءٍ من دَمِها.
стр. 3297
قال أبو عُمرَ: على هذا جُمهورُ الفُقهاءِ أنَّه … يُؤكلُ منها ويُتصدقُ ويُهدَى إلى الجِيرانِ (١).
وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قال أصحابُنا: حُكمُ العَقيقةِ في التَّصدقِ منها والأكلِ والهَديةِ والادِّخارِ وقَدرِ المَأكولِ وامتِناعِ البَيعِ وتَعينِ الشاةِ إذا عُيِّنت للعَقيقةِ كما ذكَرنا في الأُضحيَّةِ سَواءٌ لا فرقَ بينَهما.
وحَكى الرافِعيُّ وَجهًا أنَّه إذا جوَّزنا العَقيقةَ بما دونَ الجَذعةِ لم يَجبِ التَّصدقُ وجازَ تَخصيصُ الأغنياءِ بها (٢).
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قال: (وسَبيلُها في الأكلِ والهَديةِ والصَّدقةِ سَبيلُها -أي: الأُضحيَّةِ- إلا أنَّها تُطبخُ أجدالًا)، وبهذا قال الشافِعيُّ، وقال ابنُ سِيرينَ: اصنَعْ بلَحمِها كيف شئتَ، وقال ابنُ جُريجٍ: تُطبخُ بماءٍ ومِلحٍ وتُهدى للجِيرانِ والصَّديقِ، ولا يُتصدقُ منها بشيءٍ، وسُئل أحمدُ عنها فحَكى قولَ ابنِ سِيرينَ، وهذا يَدلُّ على أنَّه ذهَبَ إليه، وسُئلَ: هل يَأكلُها؟ قال: لمْ أَقلْ: يَأكلُها كلَّها ولا يَتصدقُ منها بشيءٍ.
والأشبَهُ قياسُها على الأُضحيَّةِ لأنَّها نَسيكةٌ مَشروعةٌ غيرُ واجبةٍ فأشبَهت الأُضحيَّةَ، ولأنَّها أشبَهَتها في صِفاتِها وسنِّها وقَدرِها وشُروطِها،
стр. 3298
فأشبَهَتها في مَصرِفِها، وإنْ طبَخها ودَعا إخوانَه فأكلوه فحَسنٌ (١).
وقال المالِكيةُ: لا حدَّ في الإطعامِ منها، بل يَأكلُ منها ما شاءَ، ويَتصدقُ ويُهدي بما شاءً نَيئًا أو مَطبوخًا، والجَمعُ بينَ الثَّلاثةِ أوْلى، فلو اقتصَر على أكلِها في البَيتِ كَفى.
قال الإمامُ مالكٌ ﵀: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا أنْ ليس في الضَّحايا والنَّذرِ والتَطوعِ قسْمٌ مَوصوفٌ ولا حدٌّ مَعلومٌ (٢).
وقال الحَنفيةُ: والمُستحبُّ أنْ يَفصلَ لَحمَها ولا يَكسرَ عظمَها تَفاؤُلًا بسَلامةِ أعضاءِ الوَلدِ، ويَأكلَ ويُطعمَ ويَتصدقَ (٣).
حَلقُ شَعرِ المَولودِ:
نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّه يُستحبُّ أنْ يَحلقَ شَعرَ المَولودِ يومَ السابِعِ لِما رواه سَمرةُ بنُ جُندبٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «الغُلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه يُذبحُ عَنه يومَ السَّابعِ، ويُسمَّى ويُحلقُ رَأسُه» (٤).
وعن سَلمانَ بنِ عَامرٍ الضَّبيِّ قال: سمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ
стр. 3299
يَقولُ: «مع الغلَامِ عَقيقةٌ، فأَهرِيقوا عنه دَمًا وأمِيطوا عنه الأذَى» (١). قال الحَسنُ: إماطةُ الأذَى حَلقُ الرَّأسِ (٢).
ولا فرقَ بينَ الذَّكرِ والأُنثى عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ في قَولٍ فيُستحبُّ حَلقُ رأسِ المَولودِ لعُمومِ الحَديثِ.
وقال الحَنابلةُ في المَذهبِ وبعضُ الشافِعيةِ: إنَّ الحَلقَ خاصٌّ بالذَّكرِ دونَ الأُنثى (٣).
التَّصدُّقُ بزِنةِ شَعرِه:
نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّه يُستحبُّ أنْ يَتصدقَ بزِنةِ شَعرِ المَولودِ ذَهبًا أو فِضةً عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ، وقال الحَنابلةُ: فِضةً.
فإنْ لم يَحلقْ تَحرَّى زِنتَه كما يَقولُ المالِكيةُ.
واستدَلُّوا على استِحبابِ هذا بقولِ النَّبيِّ ﷺ لفاطِمةَ لمَّا ولَدتِ الحَسنَ: «احْلِقي رَأسَه وتصدَّقي بوَزنِ شَعرِه فِضةً على المَساكينِ» (٤).
стр. 3300
رَوى عبدُ الرَّزاقِ عن ابنِ جُريجٍ قال: «سمِعتُ مُحمدَ بنَ علِيٍّ يَقولُ: كانت فاطِمةُ ابنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ لا يُولدُ لها وَلدٌ إلا أمرَت به فحُلِق ثم تَصدَّقت بوَزنِ شَعرِه وَرِقًا، قالت: وكان أبي يَفعلُ ذلك» (١).
ورَوى الإمامُ مالكٌ عن جَعفرِ بنِ مُحمدٍ عن أبيه أنَّه قال: «وزَنَتْ فاطِمةُ بنتُ رَسولِ اللهِ ﷺ شَعرَ حَسنٍ وحُسينٍ وزَينبَ وأمِّ كلثُومٍ فتَصدَّقتْ بِزنةِ ذلك فِضةً» (٢).
وعن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: سَبعةٌ من السُّنةِ في الصَّبيِّ يومَ السابِعِ: «يُسمَّى ويُختنُ ويُماطُ عنه الأذى وتُثقبُ أُذنُه ويُعقُّ عنه ويُحلَقُ رَأسُه ويُلطَّخُ بدَمِ عَقيقتِه ويُتصدقُ بوَزنِ شَعرِه في رَأسِه ذَهبًا أو فِضةً» (٣).
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قال أصحابُنا: ويُستحبُّ أنْ يُتصدقَ بوَزنِ شَعرِه ذَهبًا، فإنْ لم يَفعلْ فبِفضةٍ، سَواءٌ فيه الذَّكرُ والأُنثى، هكذا قاله أصحابُنا، واستدَلُّوا بحَديثٍ رَواه مالكٌ والبَيهَقيُّ وغيرُهما مُرسلًا عن مُحمدِ بنِ علِيِّ بنِ الحُسينِ قال: «وزَنت فاطِمةُ بنتُ رَسولِ اللهِ ﷺ شَعرَ حَسنٍ وحُسينٍ، وزَينبَ وأمِّ كُلثومٍ، فتَصدَّقت بزِنةِ ذلك فِضةً». ورَواه البَيهَقيُّ مَرفوعًا من رِوايةِ علِيٍّ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمرَ فاطِمةَ أنْ تَتصدقَ بزِنةِ شَعرِ الحُسينِ فِضةً» وفي إسنادِه ضَعفٌ، وفي رِوايةٍ أُخرى ضَعيفةٍ: «تَصدَّقوا
стр. 3301
بزِنتِه فِضةً، فكان وَزنُه دِرهمًا أو بعضَ دِرهمٍ». واعلمْ أنَّ هذا الحَديثَ رُوي من طُرقٍ كَثيرةٍ ذكَرها البَيهَقيُّ كلُّها مُتفِقةٌ على التَّصدقِ بزِنتِه فِضةً ليس في شيءٍ منها ذِكرُ الذَّهبِ بخِلافِ ما قاله أصحابُنا، واللهُ أعلمُ (١).
وقال الإمامُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: وقد تَردَّد مالكُ بنُ أنسٍ في أنَّه هل يَتصدقُ بزِنةِ شَعرِه ذَهبًا فكَرِهه مَرةً وأجازَه أُخرى، كذا في الجَواهرِ لابنِ شاسٍ، وقال ابنُ الحاجبِ: في كَراهةِ التَّصدقِ بزِنةِ شَعرِ المَولودِ ذَهبًا أو فِضةً قَولانِ، وجزَم الشافِعيةُ والحَنابلةُ باستِحبابِ التَّصدقِ بزِنتِه، لكنْ جزَم الحَنابلةُ بالفِضةِ، وقال الشافِعيةُ: يَتصدقُ بوَزنِه ذَهبًا، فإنْ لم يَتيسرْ فبِفضةٍ، قال النَّوويُ في «شَرحِ المُهذَّبِ»: رُوي هذا الحَديثُ من طُرقٍ كَثيرةٍ ذكَرها البَيهَقيُّ، كلُّها مُتفِقةٌ على التَّصدقِ بزِنتِه فِضةً ليس في شيءٍ منها ذِكرُ الذَّهبِ خِلافَ ما قالَه أصحابُنا، قلتُ: قد ورَد ذِكرُ الذَّهبِ أيضًا، رَواه الطَّبرانيُّ في مُعجمِه الأوسَطِ عن ابنِ عباسٍ قال: سَبعةٌ من السُّنةِ في الصَّبيِّ يومَ السابعِ فذكَرها إلى قولِه: «ويُتصدَّقُ بوَزنِ شَعرِ رأسِه ذَهبًا أو فِضةً» (٢).
стр. 3302
تَسميةُ المَولودِ:
نصَّ جَماهيرُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّه يُستحبُّ تَسميةُ المَولودِ يومَ السابعِ، لِما رواه سَمرةُ بنُ جُندبٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «الغُلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه يُذبحُ عَنه يومَ السَّابعِ، ويُسمَّى، ويُحلقُ رَأسُه» (١).
وعن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدهِ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بتَسميةِ المَولودِ يومَ سَابعِه ووَضعِ الأذَى عنه والعقِّ» (٢).
وتَجوزُ التَّسميةُ قبلَ السابعِ وبعدَه، لِما رواه أنسُ بنُ مالكٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «وُلد لي اللَّيلةَ غُلامٌ فسمَّيتُه بِاسمِ أبي إبراهيمَ» (٣).
ولِما رَواه جَابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأَنصاريُّ قال: «وُلد لرَجلٍ منَّا غُلامٌ فسمَّاه القاسمَ، فقالت الأنصارُ: لا نُكنيكَ أبَا القاسمِ ولا نُنعمُك عَينًا، فأَتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رَسولَ اللَّهِ وُلد لي غُلامٌ فسمَّيتُه القاسمَ، فقالت الأنصارُ: لا نُكنِّيكَ أبا القاسمِ ولا نُنعمُكَ عَينًا، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أحسَنَت الأنصارُ سمُّوا باسمِي ولا تَكنَّوا بكُنيتِي، فإنَّما أنا قاسمٌ» (٤).
стр. 3303
ويُستحبُّ أنْ يُحسنَ اسمَه، لِما رَواه أبو الدَّرداءِ ﵁ قال: قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّكم تُدعَونَ يومَ القِيامةِ بأسمائكُم وأَسماءِ آبائكُم، فأَحسِنوا أَسماءَكم» (١)(٢).
مَنْ الأحَقُّ بتَسميةِ المَولودِ الأبُ أم الأمُّ؟
نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ التَّسميةَ حقٌّ للأبِ لا للأمِّ.
قال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: التَّسميةُ حقٌّ لِلأبِ لا لِلأمِّ هذا مما لا نِزاعَ فيه بينَ الناسِ، وأنَّ الأبوَين إذا تَنازَعا في تَسميةِ الوَلدِ فهي للأبِ، والأحاديثُ المُتقدِّمةُ كلُّها تَدلُّ على هذا، وهذا كما أنَّه يُدعى لِأبيه لا لأمِّه فيُقالُ: فُلانُ بنُ فُلانٍ، قال اللهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] والوَلدُ يَتبعُ أمَّه في الحُريَّةِ والرقِّ ويَتبعُ أباه في النَّسبِ، والتَّسميةُ تَعريفُ النَّسبِ والمَنسوبِ، ويَتبعُ في الدِّينِ خَيرَ أبوَيه دِينًا فالتَّعريفُ كالتَّعليمِ والعَقيقةِ، وذلك إلى الأبِ لا إلى الأمِّ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «وُلِد لي اللَّيلةَ مَولودٌ فسمَّيتُه باسمِ أبي إبراهيمَ» (٣)، وتَسميةُ الرَّجلِ ابنَه كتَسميةِ غُلامِه (٤).
стр. 3304
خِتانُ المَولودِ يومَ السابِعِ:
اختلَف الفُقهاءُ في الخِتانِ هل يُسنُّ أنْ يَكونَ يومَ السابِعِ؟
فذهَب الشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُستحبُّ أنْ يُختنَ يومَ السابِعِ من وِلادتِه.
قال الشافِعيةُ: ويُستحبُّ أنْ يُختنَ لسَبعةٍ من الأيامِ غيرِ يومِ الوِلادةِ «لأنَّه ﷺ ختَنَ الحَسنَ والحُسينَ يومَ السابِعِ من وِلادتِهما»، رَواه البَيهَقيُّ والحاكِمُ، وقال: صَحيحُ الإسنادِ، وإنَّما حُسب يومُ الوِلادةِ من السَّبعةِ في العَقيقةِ، وحَلقِ الرأسِ، وتَسميةِ الوَلدِ، لِما في الخَتنِ من الألمِ الحاصِلِ به المُناسبِ له التأخيرُ المُفيدُ للقُوةِ على تَحمُّلِه، قال الماوَرديُّ: ويُكرهُ تَقديمُه على السابعِ، قال: ولو أخَّره عنه فالمُستحبُّ أنْ يُختنَ في الأربَعينَ، فإنْ أخَّره عنها ففي السَّنةِ السابِعةِ؛ لأنَّه الوقتُ الذي يُؤمرُ فيه بالطَّهارةِ أو الصَّلاةِ، ولا يَجوزُ خِتانُ ضَعيفِ خِلقةٍ يُخافُ عليه منه، بل يُنتظرُ حتى يَصيرَ بحيث يَغلبُ على الظنِّ سَلامتُه، فإنْ لم يُخفْ عليه منه استُحبَّ تأخيرُه حتى يَحتمِلَه، ويَحرمُ خِتانُ الخُنثى المُشكِلِ مُطلقًا، أي: سَواءٌ أكانَ قبلَ البُلوغِ أو بعدَه؛ لأنَّ الجُرحَ لا يَجوزُ بالشكِّ (١).
وذهَب المالِكيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُكرهُ خِتانُ المَولودِ يومَ السابعِ، وأحرى يومَ وِلادتِه؛ لأنَّه مِنْ فِعلِ اليَهودِ لا مِنْ عَملِ الناسِ.
стр. 3305
قال الحَطابُ ﵀: ولم يَتعرَّضِ المُؤلفُ للوقتِ الذي يُستحبُّ فيه الخِتانُ، ولِحكمِه وحُكمِ الخِفاضِ.
فأمَّا وقتُ استِحبابِ الخِتانِ فقال في «المُقدماتِ»: من سَبعِ سِنينَ إلى عَشرٍ.
وذكَره ابنُ عَرفةَ أيضًا من رِوايةِ ابنِ حَبيبٍ، ونصُّه: رَوى ابنُ حَبيبٍ كَراهتَه يومَ الوِلادةِ أو سابعَه لفِعلِ اليَهودِ إلا لعِلةٍ يُخافُ على الصَّبيِّ، فلا بأسَ، واستِحبابُه من سَبعِ سِنينَ إلى عَشرٍ.
ورَوى اللَّخميُّ: يُختتنُ يومَ يُطيقُه، والباجيُّ: اختارَ مالكٌ وقتَ الإثغارِ.
وقيلَ عنه: من سَبعٍ إلى عَشرٍ، وكُل ما عُجِّلَ بعدَ الإثغارِ فهو أحَبُّ إليَّ. انتهى.
وقال في «جامِعِ الكافي»: ولا حدَّ في وقتِه إلا أنَّه قبلَ الاحتِلامِ، وإذا أثغرَ فحَسنٌ أنْ يُنظرَ له في ذلك، ولا ينبَغي أنْ يُجاوَز عَشرَ سِنينَ إلا وهو مَختونٌ، انتهى.
وقال في «المُقدِّماتِ»: ويُستحبُّ خِتانُ الصَّبيِّ إذا أُمر بالصَّلاةِ من سَبعِ سِنينَ إلى العَشرِ، ويُكرهُ أنْ يُختَتنَ في سابَعِ وِلادتِه، كما يَفعلُه اليَهودُ. انتهى (١).
стр. 3306
وقال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الفَصلُ السادسُ في الاختِلافِ في كَراهيةِ يومِ السابِعِ.
وقد اختُلِف في ذلك على قولَين، هما رِوايَتان عن الإمامِ أحمدَ، قال الخَلالُ: بابُ ذِكرِ خِتانِ الصَّبيِّ: أخبَرني عبدُ المَلكِ بنُ عبدِ الحَميدِ أنَّه ذاكَر أبا عبدِ اللهِ خِتانَه الصَّبيَّ لِكَم يُختتنُ؟ قال: لا أدري، لم أَسمعْ فيه شيئًا، فقلتُ: إنَّه يَشقُّ على الصَّغيرِ ابنِ عَشرٍ يَغلظُ عليه، وذكَرتُ له ابني مُحمدًا أنَّه في خَمسِ سِنينَ فأشتَهي أنْ أختِنَه فيها، ورأيتُه كأنَّه يَشتَهي ذلك، ورأيتُه يَكرهُ العَشرَ لغِلظِه عليه وشِدتِه، فقال لي: ما ظَننتُ أنَّ الصَّغيرَ يَشتدُّ عليه هذا، ولم أرَه يَكرهُ للصَّغيرِ للشَّهرِ أو السَّنةِ، ولم يَقلْ في ذلك شيئًا إلا أنِّي رأيتُه يَعجَبُ مِنْ أنْ يَكونَ هذا يُؤذي الصَّغيرَ.
قال عبدُ المَلكِ: وسَمعتُه يَقولُ: كان الحَسنُ يَكرهُ أنْ يُختتنَ الصَّبيُّ يومَ سابعِه، أخبَرنا مُحمدُ بنُ علِيٍّ السِّمسارُ قال: حدَّثنا مُهنَّا قال: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَختنُ ابنَه لسَبعةِ أيامٍ فكرِهه وقال: هذا فِعلُ اليَهودِ، وقال لي أحمدُ بنُ حَنبلٍ: كان الحَسنُ يَكرهُ أنْ يَختنَ الرَّجلُ ابنَه لسَبعةِ أيامٍ. فقلتُ: مَنْ ذكَره عن الحَسنِ؟ قال: بعضُ البَصريِّين، وقال لي أحمدُ: بلَغني أنَّ سُفيانَ الثَّوريَّ سألَ سُفيانَ بنَ عُيينةَ في كَمْ يُختنُ الصَّبيُّ؟ فقال سُفيانُ: لو قلتُ له: في كَمْ ختَن ابنُ عُمرَ بَنيه؟ فقال لي أحمدُ: ما كان أكيسَ سُفيانَ بنَ عُيينةَ، يَعني حين قال: لو قلتُ له: في كَمْ ختَن ابنُ عُمرَ بَنيه؟
أخبَرني عِصمةُ بنُ عِصامٍ حدَّثنا حَنبلٌ أنَّ أبا عبدِ اللهِ قال: وإنْ خُتن يومَ
стр. 3307
السابِعِ فلا بأسَ، وإنَّما كرِهه الحَسنُ كَيلا يَتشبَّهَ باليَهودِ، وليس في هذا شيءٌ، أخبَرني مُحمدُ بنُ علِيٍّ: حدَّثنا صالحٌ أنَّه قال لأبيه: يُختنُ الصَّبيُّ لسَبعةِ أيامٍ، قال: يُروى عن الحَسنِ أنَّه قال: فِعلُ اليهودِ، قال: وسُئل وَهبُ بنُ مُنبهٍ عن ذلك فقال: إنَّما يُستحبُّ ذلك في اليومِ السابعِ لخِفتِه على الصِّبيانِ، فإنَّ المَولودَ يُولدُ وهو خَدرُ الجَسدِ كلِّه لا يَجدُ ألمَ ما أصابَه سَبعًا، وإذا لم يُختَتنْ لذلك فدَعوه حتى يَقوَى.
وقال ابنُ المُنذرِ في ذِكرِ وقتِ الخِتانِ: وقد اختَلفُوا في وقتِ الخِتانِ فكرِهتْ طائفةٌ أنْ يُختنَ الصَّبيُّ يومَ سابعِه، كرِه ذلك الحَسنُ البَصريُّ ومالكُ بنُ أنسٍ خِلافًا على اليهودِ، وقال الثَّوريُّ: هو خَطرٌ، قال مالكٌ: والصَّوابُ في خِلافِ اليهودِ، قال: وعامَّةُ ما رأيتُ الخِتانَ ببُلدانٍ إذا أثغَرَ، وقال أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: لم أَسمعْ في ذلك شيئًا.
وقال اللَّيثُ بنُ سَعدٍ: الخِتانُ للغُلامِ ما بينَ السَّبعِ سِنينَ إلى العَشرِ، قال: وقد حُكي عن مَكحولٍ أو غيرِه أنَّ إبراهيمَ خَليلَ الرَّحمنِ ختَن ابنَه إسحاقَ لسَبعةِ أيامٍ وختَن ابنَه إسماعيلَ لثَلاثَ عَشرةَ سَنةً، ورُويَ عن أبي جَعفرٍ أنَّ فاطِمةَ كانت تَختنُ وَلدَها يومَ السابِعِ.
قال ابنُ المُنذرِ: ليس في هذا البابِ نَهيٌ يثبُتُ، وليس لوُقوعِ الخِتانِ خَبرٌ يُرجَعُ إليه ولا سُنةٌ تُستَعمَلُ، فالأشياءُ على الإباحةِ، ولا يَجوزُ حَظرُ شيءٍ منها إلا بحُجةٍ، ولا نَعلمُ مع مَنْ منَع أنْ يُختنَ الصَّبيُّ لسَبعةِ أيامٍ حُجةً.
стр. 3308
وفي سُننِ البَيهَقيِّ من حَديثِ زُهيرِ بنِ مُحمدٍ عن مُحمدِ بنِ المُنكَدرِ عن جابرٍ قال: «عقَّ رَسولُ اللهِ ﷺ عن الحَسنِ والحُسينِ وختَنهما لسَبعةِ أيامٍ».
وفيها من حَديثِ موسى بنِ علِيِّ بنِ رَباحٍ عن أبيه «أنَّ إبراهيمَ ختَن إسحاقَ وهو ابنُ سَبعةِ أيامٍ».
قال شَيخُنا: ختَن إبراهيمُ إسحاقَ لسَبعةِ أيامٍ، وختَن إسماعيلَ عندَ بُلوغِه، فصار خِتانُ إسحاقَ سُنةً في بَنيه، وخِتانُ إسماعيلَ سُنةً في بَنيهِ، واللهُ أعلمُ (١).
تَحنيكُ المَولودِ عندَ الوِلادةِ:
اتَّفق أهلُ العِلمِ على استِحبابِ تَحنيكِ المَولودِ عندَ وِلادتِه.
لما رواه أبو بُردةَ عن أبي مُوسى قال: «وُلد لي غُلامٌ فأتَيتُ بهِ النَّبيَّ ﷺ فسمَّاه إبراهيمَ وحنَّكهُ بتَمرةٍ ودَعا له بالبَركةِ ودفَعهُ إليَّ وكان أكْبرَ وَلدِ أبي مُوسى» (٢).
ولِما رَواه أنسُ بنُ مالكٍ ﵁ قال: ذَهبتُ بعبدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلحَةَ الأنصَاريِّ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ حين وُلد ورَسولُ اللَّهِ ﷺ في عَباءةٍ يَهنأُ بَعيرًا له، فقال: هل معَك تَمرٌ؟ فقلتُ: نَعمْ، فناوَلتُه تَمراتٍ
стр. 3309
فأَلقاهُنَّ في فيه فلاكَهنَّ ثم فغَر فا الصَّبيِّ فمجَّه في فيه فجعَل الصَّبيُّ يتَلمَّظُه، فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «انظُرُوا إلى حُبِّ الأنصارِ التَّمرَ، وسمَّاه عبدَ اللَّهِ» (١).
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اتَّفق العُلماءُ على استِحبابِ تَحنيكِ المَولودِ عندَ وِلادتِه بتَمرٍ، فإنْ تَعذَّر فما في مَعناه وقَريبٌ منه.
ثمَّ قالَ: وفي هذا الحَديثِ فَوائدُ، منها تَحنيكُ المَولودِ عندَ وِلادتِه وهو سُنةٌ بالإجماعِ (٢).
وقال الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ ﵀: فإنْ قلتَ: ما الحِكمةُ في تَحنيكِه؟
قلتُ: قال بعضُهم: يَصنعُ ذلك بالصَّبيِّ ليَتمرَّنَ على الأكلِ فيَقوَى عليه، فيا سُبحانَ اللهِ، ما أبردَ هذا الكَلامَ، وأينَ وقتُ الأكلِ مِنْ وقتِ التَّحنيكِ وهو حينَ يُولدُ والأكلُ غالبًا بعدَ سَنتَين أو أقلَّ أو أكثرَ؟
والحِكمةُ فيه أنَّه يَتفاءَلُ له بالإيمانِ؛ لأنَّ التَّمرَ ثَمرةُ الشَّجرةِ التي شبَّهها رَسولُ اللهِ ﷺ بالمُؤمنِ، وبحَلاوتِه أيضًا، ولا سيَّما إذا كان المُحنِّكُ من أهلِ الفَضلِ والعُلماءِ والصالِحينَ؛ لأنَّه يَصلُ إلى جَوفِ المَولودِ من ريقِهم، ألَا تَرى أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا حنَّك عبدَ اللهِ ابنَ الزُّبيرِ حازَ من الفَضائلِ والكَمالاتِ ما لا يُوصفُ؟ وكان قارِئًا للقُرآنِ
стр. 3310
عَفيفًا في الإسلامِ، وكذلك عبدُ اللهِ بنُ أبي طَلحةَ كان مِنْ أهلِ العِلمِ والفَضلِ والتَّقدُّمِ في الخَيرِ ببَركةِ ريقِه المُباركِ (١).
الأذانُ في أُذُنِ المَولودِ:
نصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ وكَثيرٌ من العُلماءِ على أنَّه يُستحبُّ لمَن وُلد له وَلدٌ أنْ يُؤذِّن في أُذنِه اليُمنَى ويُقيمَ في الأُذنِ اليُسرى لِما رَواه عُبيدُ اللَّهِ ابنُ أبي رافعٍ عن أبيه ﵁ قال: «رأيتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذَّن في أُذنِ الحَسنِ بنِ علِيٍّ حين ولَدتهُ فاطِمةُ بالصَّلاةِ» (٢).
وما رُوي مَرفوعًا: «مَنْ وُلدَ له فأذَّنَ في أُذنِه اليُمنى وأقامَ في أُذنِه اليُسرى لم تَضرَّه أمُّ الصِّبيانِ» (٣).
وعن ابنِ عباسٍ ﵄ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أذَّن في أُذنِ الحَسنِ ابنِ علِيٍّ يومَ وُلد فأذَّن في أُذنِه اليُمنى، وأقامَ في أُذنِه اليُسرى» (٤).
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: السُّنةُ أنْ يُؤذنَ في أُذنِ المَولودِ عندَ وِلادتِه ذَكرًا كان أو أُنثى، ويَكونُ الأذانُ بلَفظِ أذانِ الصَّلاةِ، لحَديثِ أبي رافِعٍ الذي ذكَره المُصنِّفُ، قال جَماعةٌ من أصحابِنا: يُستحبُّ أنْ يُؤذنَ في أُذنِه اليُمنى
стр. 3311
وتُقامَ الصَّلاةُ في أُذنِه اليُسرى. وقد روَينا في كِتابِ ابنِ السُّنيِّ عن الحُسينِ ابنِ علِيٍّ ﵄ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ وُلد له مَولودٌ فأذَّن في أُذنِه اليُمنى وأقامَ في أُذنِه اليُسرى لم تَضرَّه أمُّ الصِّبيانِ، وأمُّ الصِّبيانِ التابِعةُ من الجنِّ». ونقَل أصحابُنا مثلَ هذا الحَديثِ عن فِعلِ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ ﵀ (١).
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: قال بعضُ أهلِ العِلمِ: يُستحبُّ لِلوالدِ أنْ يُؤذِّنَ في أُذن ابنِه حين يُولدُ لِما رُوي عن عبدِ اللهِ بنِ رافِعٍ عن أمِّه «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أذَّن في أُذنِ الحَسنِ حين ولَدتْه فاطِمةُ» وعن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أنَّه كان إذا وُلد له مَولودٌ أخَذه في خِرقةٍ فأذَّن في أُذنِه اليُمنى وأقامَ في اليُسرى وسمَّاه (٢).
وقال الإمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀: يُؤذَّنُ في أُذنِه حين يُولدُ؛ لأنَّه ﵇ أذَّن في أُذنِ الحُسينِ حين وُلد بالصَّلاةِ، صحَّحه أبو داوودَ وفي الرِّعايةِ: ويُقيمُ في اليُسرى (٣).
وقال الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: البابُ الرابعُ في استِحبابِ التَّأذينِ في أُذنِه اليُمنى، والإقامةِ في أُذنِه اليُسرى:
стр. 3312
وفي هذا البابِ أحاديثُ: … ثم ذكَر الأحاديثَ الثَّلاثةَ التي ذكَرتُها، ثم قال:
وسرُّ التَّأذينِ -واللهُ أعلمُ- أنْ يَكونَ أوَّلُ ما يَقرعُ سَمعَ الإنسانِ كلِماتِه المُتضمِّنةَ لكِبرياءِ الربِّ وعَظمتِه والشَّهادةَ التي أوَّلُ ما يَدخلُ بها في الإسلامِ، فكان ذلك كالتَّلقين له شِعارَ الإسلامِ عندَ دُخولِه إلى الدُّنيا كما يُلقَّنُ كَلمةَ التَّوحيدِ عندَ خُروجِه منها، وغيرُ مُستنكَرٍ وُصولُ أثرِ التَّأذينِ إلى قَلبِه وتَأثرُه به وإنْ لم يَشعرْ، مع ما في ذلك من فائدةٍ أُخرى وهي هُروبُ الشَّيطانِ من كَلماتِ الأذانِ، وهو كان يَرصدُه حتى يُولدَ فيُقارنُه للمِحنةِ التي قدَّرها اللهُ وشاءَها، فيَسمعُ شَيطانُه ما يُضعفُه ويَغيظُه أوَّلَ أوقاتِ تَعلُّقِه به.
وفيه مَعنًى آخَرُ وهو أنْ تَكونَ دَعوتُه إلى اللهِ وإلى دينِه الإسلامِ وإلى عِبادتِه سابِقةً على دَعوةِ الشَّيطانِ كما كانت فِطرةُ اللهِ التي فُطر عليها سابِقةً على تَغييرِ الشَّيطانِ لها، ونقَله عنها، ولغيرِ ذلك من الحِكمِ (١).
أمَّا المالِكيةُ فقال الإمامُ الحَطابُ ﵀: قال الشَّيخُ أبو مُحمدِ بنُ أبي زَيدٍ في كِتابِ الجامِعِ من مُختصَرِ المُدونةِ: وكَرِه مالكٌ أنْ يُؤذنَ في أُذنِ الصَّبيِّ المَولودِ. انتهى.
وقال في النَّوادرِ بإثرِ العَقيقةِ في تَرجمةِ الخِتانِ والخِفاضِ: وأنكَر مالكٌ أنْ يُؤذَّنَ في أُذنِه حين يُولدُ. انتهى.
стр. 3313
وقال الجُزوليُّ في شَرحِ الرِّسالةِ: وقد استَحبَّ بعضُ أهلِ العِلمِ أنْ يُؤذَّنَ في أُذنِ الصَّبيِّ ويُقامَ حين يُولدُ. انتهى.
وقال النَّوويُّ في الأذكارِ: قال جَماعةٌ من أصحابِنا: يُستحبُّ أنْ يُؤذَّنَ في أُذنِ الصَّبيِّ اليُمنى، ويُقيمَ الصَّلاةَ في أُذنِه الأُخرى، وقد روَينا في سُننِ أبي داودَ والتِّرمِذيِّ عن أبي رافِعٍ قال: رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ أذَّن في أُذنِ الحَسنِ بنِ علِيٍّ حينَ ولَدتْه فاطِمةُ بالصَّلاةِ، قال التِّرمذيُّ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، وروَينا في كتابِ ابنِ السُّنيِّ عن الحُسينِ بنِ علِيٍّ ﵄ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ وُلد له مَولودٌ فأذَّن في أُذنِه اليُمنى وأقامَ في أُذنِه اليُسرى لم تَضرهَ أمُّ الصِّبيانِ». انتهى.
قلتُ: وقد جَرى عَملُ الناسِ بذلك، فلا بأسَ بالعَملِ به، واللهُ أعلمُ (١).
стр. 3314
تم بحمد الله
стр. 3315
كتاب البيوع
стр. 3316
كتاب البيوع
تَعريفُ البَيعِ:
البَيعُ في اللُّغةِ: مَصدَرُ باعَ، وهو: مُطلَقُ المُبادَلةِ، أي: مُبادَلةُ شَيءٍ بشَيءٍ على وَجهِ المُعاوَضةِ، وكذلك الشِّراءُ، سَواءٌ كانَتْ في مالٍ أو غيرِه.
وَكُلٌّ مِنْ البَيعِ والشِّراءِ مِنْ ألفاظِ الأضدادِ، كالقُرْءِ لِلطُّهرِ والحَيضِ، فيُطلَقُ على الشَّيءِ وعلى ضِدِّه، فيُطلَقُ على كلِّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ أنَّه بائِعٌ.
تَقولُ العَرَبُ: بِعتُ، بمَعنَى اشتَرَيتُ، وجاءَ «شَرَى» بمَعنَى باعَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعُوه.
وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة: ١٧٥] أي: باعوا الهُدَى بالضَّلالةِ.
مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ولِحَديثِ: «إنَّما البَيعُ عن تَراضٍ» (١).
فَإنْ وُجدَ تَمليكُ المالِ بالمَنافِعِ فهو إجارةٌ، أو نِكاحٌ.
وَإنْ وُجدَ مَجَّانًا فهو هِبةٌ.
أو هو: مُبادَلةُ شَيءٍ مَرغوبٍ فيه بشَيءٍ مَرغوبٍ فيهِ (٢) على وَجهٍ مُفيدٍ (٣) وذلك قد يَكونُ بالقَولِ، وقد يَكونُ بالفِعلِ، فالأوَّلُ الإيجابُ والقَبولُ، والثَّاني التَّعاطي (٤).
والبَيعُ عندَ المالِكيَّة له مَعنَيانِ، خاصٌّ وعامٌّ:
فالعامُّ عَرَّفوه بأنَّهُ: عَقدُ مُعاوَضةٍ على غيرِ مَنافِعَ ولا مُتعةِ لَذَّةٍ.
فَمَعنَى: «عَقدُ مُعاوَضةٍ»: عَقدٌ مُحتَوٍ على عِوَضٍ مِنْ الجانِبَيْنِ البائِعِ والمُشتَرِي؛ لأنَّ كُلًّا مِنهُما يَدفَعُ عِوَضًا لِلآخَرِ.
فَيَدخُلُ في هذا الحَدِّ الأعَمِّ هِبةُ الثَّوابِ؛ لأنَّ حُكمَها حُكمُ البَيعِ، وهو
стр. 3319
عَقدُ مُعاوَضةٍ، ويَدخُلُ الصَّرفُ والمُراطَلةُ (١) والسَّلَمُ أيضًا؛ لأنَّها عُقودُ مُعاوَضةٍ.
وَمَعنَى: «على غيرِ مَنافِعَ» خرَج به الإجارةُ والكِراءُ؛ لأنَّ العَقدَ فيهِما على المَنافِعِ.
وَمَعنَى: «ولا مُتعةِ لَذَّةٍ» خرَج به النِّكاحُ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ على مُتعةِ لَذَّةٍ.
وأمَّا تَعريفُه بالمَعنَى الأخَصِّ الذي غلَب مَعنَى الِاستِعمالِ فيه عندَ الفُقهاءِ فهو: عَقدُ مُعاوَضةٍ على غيرِ مَنافِعَ ولا مُتعةِ لَذَّةٍ، ذو مُكايَسةٍ، أحَدُ عِوَضَيْه غيرُ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ، مُعيَّنٌ غيرُ العَينِ فيه.
فَهو التَّعريفُ الأوَّلُ نَفسُه، مع زيادةِ ثَلاثةِ قُيودٍ:
القَيدُ الأوَّلُ: ذو مُكايَسةٍ، أي: عَقدٌ صاحِبُ مُشاحَّةٍ ومُغالَبةٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ يُريدُ أن يَغلِبَ صاحِبَه.
وخرَج بهذا القَيدِ هِبةُ الثَّوابِ؛ لأنَّ الواهِبَ مُلزَمٌ بقَبولِ القِيمةِ التي اشتَرطَها مَتَى دُفِعَتْ له، ليسَ له أنْ يُشاحِحَ فيها.
فَإذا قالَ: وَهَبتُ هذه الدَّارَ لِزَيدٍ بشَرطِ أنْ يُعوِّضَني مِئةَ دينارٍ، لزِمه قَبولُ المِئةِ، ولا يُجابُ لِأزيَدَ مِنها.
وَتَخرجُ أيضًا المُبادَلةُ والتَّوليةُ والأخْذُ بالشُّفعةِ؛ لأنَّها لا مُكايَسةَ فيها.
стр. 3320
أمَّا المُبادَلةُ: فهي بَيعُ نَقدٍ بنَقدٍ مِنْ صِنفِه مَسكوكَيْنِ -مَضروبَيْنِ- بشَرائِطَ مَخصوصةٍ، وهو لا مُغالَبةَ فيه، كما ستَعرِفُ.
أمَّا التَّوليةُ: فهي بَيعٌ بعَينِ الثَّمنِ الأوَّلِ، فلا مُغالَبةَ فيها.
وَأمَّا الأخْذُ بالشُّفعةِ: فهو بَيعٌ بالثَّمنِ نَفْسِه الذي اشتَرَيتَ به السِّلعةَ، فلا مُغالَبةَ فيها أيضًا.
القَيدُ الثَّاني: أحَدُ عِوَضَيْه غيرُ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ، خرَج به الصَّرفُ والمُراطَلةُ؛ لأنَّ عِوَضَيِ الصَّرفِ أحَدُهُما ذَهَبٌ، والآخَرُ فِضَّةٌ، ولأنَّ عِوَضَيِ المُراطَلةِ والمُبادَلةِ ذَهَبانِ أو فِضَّتانِ.
القَيدُ الثَّالثُ: مُعيَّنٌ غيرُ العَينِ فيه، خرَج به السَّلَمُ، ومَعنَى ذلك أنَّ عَقدَ البَيعِ يَلزَمُ فيه أنْ يَكونَ المَبيعُ ليسَ دَيْنًا في الذِّمَّةِ، بَلْ يَنبَغي أنْ يَكونَ غيرَ دَيْنٍ، سَواءٌ كانَ حاضِرًا أمامَ المُشتَرِي، أو غائِبًا، ولكنَّه مَعروفٌ عندَه بصِفةٍ أو رُؤيةٍ سابِقةٍ، أوِ اشتَراه بشَرطِ أنْ يَكونَ له خِيارُ الرُّؤيةِ، أمَّا عَقدُ السَّلَمِ فعلى عَكسِ ذلك؛ لأنَّ المُسلَّمَ فيه -وهو السِّلعةُ- دَيْنٌ في الذِّمَّةِ، فالمُرادُ بالمُعيَّنِ ما ليسَ دَيْنًا في الذِّمَّةِ، والسَّلَمُ دَيْنٌ في الذِّمَّةِ، والمُرادُ بالعَينِ الذَّهبُ والفِضَّةُ، ولا يَلزَمُ في عَقدِ البَيعِ أنْ يَكونَ الذَّهبُ أوِ الفِضَّةُ مَقبوضَيْنِ، بَلْ يَصحُّ أنْ يَكونا دَيْنًا في الذِّمَّةِ.
وبذلك يَتمُّ تَعريفُ البَيعِ الخاصِّ، أعني بَيعَ السِّلعةِ بالنَّقدِ، وهو الذي يَنصرِفُ إلَيه لَفظُ البَيعِ عندَ الإطلاقِ (١).
стр. 3321
وَعرَّف الشافِعيَّةُ البَيعَ بأنَّهُ: عَقدُ مُعاوَضةٍ ماليَّةٍ تُفيدُ مِلْكَ عَينٍ أو مَنفَعةٍ على التَّأبيدِ، لا على وَجْهِ القُربةِ.
فَخرَج بالمُعاوَضةِ نَحوُ الهَديَّةِ، وبِالماليَّةِ نَحوُ النِّكاحِ، وبِإفادةِ مِلْكِ العَينِ الإجارةُ، وبِالتَّأبيدِ الإجارةُ أيضًا، وبِغيرِ وَجْهِ القُربةِ القَرضُ، والمُرادُ بالمَنفَعةِ بَيعُ نَحوِ حَقِّ المَمَرِّ (١).
وَعرَّف الحَنابِلةُ البَيعَ بما قالَه ابنُ قُدامةَ ﵀: مُبادَلةُ المالِ بالمالِ تَمليكًا وتَملُّكًا، واشتِقاقُه مِنْ الباعِ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْ المُتبايِعَيْنِ يَمُدُّ باعَه لِلأخْذِ والإعطاءِ، ويُحتمَلُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ يُبايِعُ صاحِبَه، أي: يُصافِحُه عندَ البَيعِ، ولِذلك سُمِّيَ البَيعُ صَفقةً (٢).
وَعقَّب ابنُ مُفلِحٍ في المُبدِعِ على تَعريفِ ابنِ قُدامةَ بدُخولِ القَرضِ فيه، وكذلك الرِّبا، ثم قالَ: «الأوْلَى فيه: تَمليكُ عَينٍ ماليَّةٍ، أو مَنفَعةٍ مُباحةٍ على التَّأبيدِ بعِوَضٍ مالِيٍّ، غيرِ رِبًا ولا قَرضٍ» (٣).
стр. 3322
وَهُناكَ تَعريفاتٌ أُخرَى لِلحَنابِلةِ قَريبةٌ مِنْ هَذا، كما في الرَّوضِ المُرْبِعِ ومُنتَهَى الإراداتِ.
حُكمُ البَيعِ:
البَيعُ عَقدٌ مَشروعٌ جائِزٌ، ثَبتَتْ شَرعيَّتُه بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ والمَعقولِ، وقد تَواتَرَتِ الأدِلَّةُ على مَشروعيَّتِه وجَوازِه.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقَولُه تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقَولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: هذه الآيةُ مِنْ قَواعِدِ المُعامَلاتِ، وأساسُ المُعاوَضاتِ يَنبَني عليها، وهي أربَعةٌ: هذه الآيةُ وقَولُه تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأحاديثُ الغَرَرِ، واعتِبارُ المَقاصِدِ والمَصالِحِ.
ثُمَّ قالَ: اعلَموا -علَّمكمُ اللَّهُ- أنَّ هذه الآيةَ مُتعلَّقُ كلِّ مُؤالِفٍ ومُخالِفٍ في كلِّ حُكمٍ يَدَّعونَه لِأنفُسِهم بأنَّه لا يَجوزُ، فيُستدَلُّ عليه بقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فجَوابُه أن يُقالَ لَهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّه باطِلٌ حتى تُبيِّنَه بالدَّليلِ، وحينَئذٍ يَدخُلُ في هذا العُمومِ، فهي دَليلٌ على
стр. 3323
أنَّ الباطِلَ في المُعامَلاتِ لا يَجوزُ، وليسَ فيها تَعيينُ الباطِلِ (١).
وأمَّا السُّنةُ: فحَديثُ: «إنَّما البَيعُ عن تَراضٍ» (٢).
وَحَديثُ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا» (٣).
وَعَنْ رافِعِ بنِ خَديجٍ قالَ: قيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أيُّ الكَسبِ أطيَبُ؟ قالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بيدِه، وكُلُّ بَيعٍ مَبرورٍ» (٤). أي لا غِشَّ فيه ولا خِيانةَ.
وعَنِ الزُّبيرِ بنِ العَوَّامِ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لَأنْ يَأخُذَ أحَدُكم حَبلَه فيَأتيَ بحُزمةِ الحَطَبِ على ظَهرِه فيَبيعَها، فيَكُفَّ اللَّهُ بها وَجهَه خَيرٌ له مِنْ أنْ يَسألَ النَّاسَ أعطَوْه أو مَنَعوهُ» (٥).
وَلأنَّه بُعِثَ والنَّاسُ يَتبايَعونَ، فأقَرَّهُم عليه، وقد باعَ واشتَرَى مُباشَرةً وتَوكيلًا.
وَأمَّا الإجماعُ: فقد أجمَعَتِ الأُمَّةُ على مَشروعيَّةِ البَيعِ، وعلى كَونِه سَبَبًا لِإفادةِ المِلْكِ، وهذا مِنْ المَعلومِ مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ، وقد نقَل غيرُ واحِدٍ مِنْ العُلماءِ ذلك.
стр. 3324
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ البَيعِ في الجُملةِ (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفَقوا على جَوازِ البَيعِ (٢).
وقالَ السُّيوطيُّ ﵀: اعلَم أنَّ الإجماعَ مُنعقِدٌ على حِلِّ البَيعِ (٣).
وقالَ إمامُ الحَرمَيْنِ الجُوَينيُّ ﵀: وأصْلُ البَيعِ مُتَّفقٌ عليه (٤).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ البَيعِ (٥).
وقالَ الإمامُ الغَزاليُّ ﵀: وأجمَعَتِ الأُمَّةُ على كَونِه -أي: البَيعِ- سَبَبًا لِإفادةِ المِلْكِ (٦).
وَأمَّا المَعقولُ فمِن وُجوهٍ:
مِنها: أنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إلى شَرعيَّتِه، فإنَّ النَّاسَ مُحتاجونَ إلى الأعواضِ والسِّلَعِ والطَّعامِ والشَّرابِ الذي في أيدي بَعضِهم، ولا طَريقَ لَهم إلَّا البَيعُ والشِّراءُ، فإنَّ ما جُبِلَتْ عليه الطِّباعُ مِنْ الشُّحِّ والضَّنِّ وحُبِّ المالِ يَمنَعُهم مِنْ إخراجِه بغيرِ عِوَضٍ، فاحتاجوا إلى المُعاوَضةِ، فوجَب أنْ يُشرَعَ؛ دَفعًا لِحاجَتِهِ (٧).
стр. 3325
ومِنها: أنَّ الحِكمةَ تَقتَضيه؛ لأنَّ حاجةَ الإنسانِ تَتعلَّقُ بما في يَدِ صاحِبِه، وصاحِبُه لا يَبذُلُه بغيرِ عِوَضٍ، ففي شَرعِ البَيعِ وتَجويزِه شَرعُ طَريقٍ إلى وُصولِ كلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى غَرَضِه، ودَفْعِ حاجَتِه (١).
ومِنها: أنَّ اللَّهَ جعَل المالَ سَبَبًا لِإقامةِ مَصالِحِ العِبادِ في الدُّنيا، وشرَع طَريقَ التِّجارةِ لِإكسابِها؛ لأنَّ ما يَحتاجُ إليه كلُّ أحَدٍ لا يُوجَدُ مُباحًا في كلِّ مَوضِعٍ، وفي الأخْذِ على سَبيلِ التَّغالُبِ فَسادٌ، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ.
وإلى ذلك أشارَ اللَّهُ في قَولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (٢).
وَمِنها: أنَّ فيه بَقاءَ نِظامِ المَعاشِ والعالَمِ، فإنَّه خَلَقَ العالَمَ على أتَمِّ نِظامٍ، وأحكَمَ أمْرَ مَعاشِه أحسَنَ إحكامٍ.
ولا يَتمُّ ذلك إلَّا بالبَيعِ والشِّراءِ؛ إذْ لا يَقدِرُ أحَدٌ على أنْ يَعمَلَ لِنَفْسِه كُلَّ ما يَحتاجُ إليه؛ لأنَّه إذا اشتَغَلَ بحَرثِ الأرضِ وبَذْرِ القَمحِ وخِدمَتِه وحِراسَتِه وحَصْدِه ودِراسَتِه وتَذريَتِه وتَنظيفِه وطَحْنِه وعَجْنِه لَم يَقدِرْ على أنْ يَشتغِلَ بيَدِه ما يَحتاجُ إليه ذلك مِنْ آلاتِ الحِراثةِ والحَصدِ
стр. 3326
ونَحوِها، فَضلًا على اشتِغالِه فيما يَحتاجُ إليه مِنْ مَلبَسٍ ومَسكَنٍ، فاضطُرَّ إلى شِراءِ ذلك.
ولَولا الشِّراءُ لَكانَ يَأخُذُه بالقَهرِ، أو بالسُّؤالِ إنْ أمكَنَ، وإلَّا قاتَلَ صاحِبَه عليه، ولا يَتمُّ مع ذلك بَقاءُ العالَمِ (١).
وهذا كُلُّه في البَيعِ الصَّحيحِ النَّافِذِ، وأمَّا غيرُ الصَّحيحِ فسَيَأتي حُكمُه في البُيوعِ الفاسِدةِ والمَنهِيِّ عَنها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى؛ لأنَّ البَيعَ قد تَعتَريه أحكامٌ أُخرَى، فيَكونُ مَحظورًا إذا اشتَمَلَ على ما هو مَمنوعٌ بالنَّصِّ، لِأمْرٍ في الصِّيغةِ، أوِ العاقِدَيْنِ، أوِ المَعقودِ عليه.
وكَما يَحرُمُ الإقدامُ على مِثلِ هذا البَيعِ فإنَّه لا يقعُ صَحيحًا، بَلْ يَكونُ باطِلًا أو فاسِدًا، على الخِلافِ المَعروفِ بينَ الجُمهورِ والحَنفيَّةِ، ويَجِبُ فيه التَّرادُّ على تَفصيلٍ سَيَأتي في البُيوعِ المَنهِيِّ عَنها.
وقد يَكونُ الحُكمُ الكَراهةَ، وهو ما فيه نَهيٌ غيرُ جازِمٍ، ولا يَجِبُ فَسخُه.
والمَقصودُ مِنْ بَيانِ كِتابِ البُيوعِ بَيانُ البَيعِ الذي هو حَلالٌ شَرعًا، والذي هو حَرامٌ وهو الرِّبا ونَحوُه، مِنْ العُقودِ الفاسِدةِ، على ما يَأتي مُفصَّلًا إنْ شاءَ اللَّهُ .
стр. 3327
أركانُ البَيعِ:
أركانُ البَيعِ التي تَتوقَّفُ عليها حَقيقَتُه عَددُها يَختلِفُ مِنْ مَذهبٍ إلى مَذهبٍ:
فرُكنُه عندَ الحَنفيَّةِ واحِدٌ، وهو الإيجابُ والقَبولُ (الصِّيغةُ).
وعندَ الجُمهورِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ ثَلاثةٌ؛ وهي في الحَقيقةِ خَمسةٌ:
الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ، أو ما يَقومُ مَقامَها على التَّفصيلِ في ذلك.
الرُّكنُ الثَّاني: العاقِدُ: مِنْ بائِعٍ ومُشتَرٍ.
الرُّكنُ الثَّالثُ: المَعقودُ عليه: مِنْ ثَمَنٍ ومُثمَّنٍ، أي: المَبيعِ.
فالرُّكنُ المُتَّفقُ عليه هو الصِّيغةُ، وهي الإيجابُ والقَبولُ، فنَتكلَّمُ عليه أوَّلًا، ثم عن الأركانِ المُختلَفِ فيها.
стр. 3328
الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ (الإيجابُ والقَبولُ):
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ البَيعَ يَنعقِدُ بالإيجابِ والقَبولِ؛ لأنَّهما يَدُلَّانِ على الرِّضا الذي تَعلَّقَ به الحُكمُ.
لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما البَيعُ عن تَراضٍ» (١). والرِّضا أمرٌ خَفيٌّ لا يُطَّلعُ عليه، فوجَب أنْ يُناطَ الحُكمُ بسَبَبٍ ظاهِرٍ يَدلُّ عليه، وهو الصِّيغةُ، بأيِّ لُغةٍ كانَتْ، سَواءٌ عرَف العَربيَّةَ أو لا، وكذا ما كانَ في مَعناهُما، وهذا لا شُبهةَ فيه، وعليه إجماعُ النَّاسِ.
وَهو يَحصُلُ بأحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا بالقَولِ، كبِعتُ واشتَرَيتُ، وإمَّا بالفِعلِ (وهو التَّعاطي)، فأمَّا القَولُ فمُتَّفقٌ عليه بينَ المُسلِمينَ، كما مَرَّ، وأمَّا الفِعلُ فمُختلَفٌ فيه.
أوَّلًا: القَولُ:
وهو الإيجابُ مِنْ البائِعِ، وهو ما يَدلُّ على التَّمليكِ، كبِعتُكَ، أو مَلَّكتُكَ، والقَبولُ مِنْ المُشتَرِي، وهو ما يَدلُّ على التَّملُّكِ، كاشتَرَيتُ، أو قَبِلتُ.
قالَ الحَنفيَّةُ: فالإيجابُ هو ما يُذكَرُ أوَّلًا مِنْ كَلامِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، سَواءٌ وقَع مِنْ البائِعِ، كبِعتُ، أو مِنْ المُشتَرِي، كَأنْ يَبتدِئَ المُشتَرِي فيَقولَ:
стр. 3329
اشتَرَيتُ بكَذا، والقَبولُ ما يُذكَرُ ثانيًا مِنْ كَلامِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ بلَفظِ الماضي، مثلَ أنْ يَقولَ أحَدُهما: بِعتُ، والآخَرُ: اشتَرَيتُ؛ لأنَّه إنشاءٌ، والشَّرعُ قد عَدَّ الإخبارَ إنشاءً في جَميعِ العُقودِ، فيَنعقِدُ به، ولأنَّ الماضيَ إيجابٌ وقَطعٌ، والمُستَقبَلَ عِدَةٌ أو أمرٌ وتَوكيلٌ؛ فلِهذا انعقَد بالماضي.
أمَّا إذا كانَ بلَفظِ الأمرِ، فلا بدَّ مِنْ ثَلاثةِ ألفاظٍ، كما إذا قالَ البائِعُ: اشتَرِ مِنِّي، فقالَ: اشتَرَيتُ، لا يَنعقِدُ حتى يَقولَ البائِعُ: بِعتُ، أو حتى يَقولَ المُشتَرِي: بِعْ مِنِّي، فيَقولَ: بِعتُ، فلا بدَّ أنْ يَقولَ ثانيةً: اشتَرَيتُ؛ لأنَّ قَولَه هذا ليسَ بإيجابٍ، وإنَّما هو أمرٌ، فإذا قالَ: بِعتُ، أوِ اشتَرَيتُ، فقد وُجدَ شَطرُ العَقدِ، فلا بدَّ مِنْ وُجودِ الآخَرِ لِيَتمَّ.
وَلا يَنعقِدُ بلفظَيْنِ أحَدُهما ماضٍ والآخَرُ مُستقبَلٌ، بخِلافِ النِّكاحِ؛ فإنَّه يَنعقِدُ.
وَإنَّما شُرِطَ الماضي لأنَّه إنشاءُ تَصرُّفٍ، والشَّرعُ قد عَدَّ الإخبارَ إنشاءً في العُقودِ.
ويَنعقِدُ أيضًا بكُلِّ لَفظٍ يَدلُّ على مَعناهُما، كَقَولِه: أعطَيتُكَ بكَذا، أو خُذْه بكَذا، أو ملَّكتُكَ بكَذا، فقالَ: أخَذتُ، أو قَبِلتُ، أو رَضيتُ، أو أمضَيتُ، لأنَّه يَدلُّ على مَعنَى القَبولِ والرِّضا، والعِبرةُ بالمَعاني.
وَكذلك لَو قالَ المُشتَرِي: اشتَرَيتُ بكَذا، فقالَ البائِعُ: رَضيتُ، أو أمضَيتُ، أو أجَزتُ، وإذا أوجَبَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ (البائِعُ أو المُشتَرِي) البَيعَ، بأنْ قالَ البائِعُ مَثَلًا: بِعتُكَ هذا بكَذا، فالآخَرُ بالخيارِ، إنْ شاءَ قبلَ المَبيعَ في المَجلِسِ، وإنْ شاءَ رَدَّهُ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّعانِ
стр. 3330
بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا» (١)؛ لأنَّه مُخيَّرٌ غيرُ مُجبَرٍ، يَختارُ أيَّهما شاءَ، وهذا الخِيارُ يُسَمَّى خِيارَ القَبولِ.
وَيَمتَدُّ حَقُّه في القَبولِ أوِ الرَّدِّ إلى آخِرَ المَجلِسِ لِلحاجةِ إلى التَّفكُّرِ والتَّروِّي، والمَجلِسُ جامِعٌ لِلمُتفرِّقاتِ، ويَبطُلُ بما يَبطُلُ به خِيارُ المُخيَّرِ؛ لأنَّه يَدلُّ على الإعراضِ، ولِلمُوجِبِ الرُّجوعُ لعَدمِ إبطالِ حَقِّ الغيرِ، وليسَ لِلمُشتَرِي أنْ يَقبَلَ بَعضَ المَبيعِ، ولا أنْ يَقبَلَ المُشتَرِي بَعضَ الثَّمنِ، لعَدمِ رِضا الآخَرِ بتَفريقِ الصَّفقةِ؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا بالبائِعِ، فإنَّ مِنْ عادةِ التُّجَّارِ ضَمَّ الرَّديءِ إلى الجَيِّدِ في البَيعِ؛ لِتَرويجِ الرَّديءِ، فلَو صَحَّ التَّفريقُ يَزولُ الجَيِّدُ عن مِلْكِه فيَبقَى الرَّديءُ، فيَتضرَّرُ بذلك، وكذلك المُشتَرِي يَرغَبُ في الجَميعِ، فإذا فرَّق البائِعُ الصَّفقةَ عليه يَتضرَّرُ، إلَّا إذا بيَّن المُوجِبُ ثَمَنَ كلِّ واحِدٍ ممَّا قبلَ الآخَرُ وما ترَك؛ لأنَّه صَفَقاتٌ مَعنًى، فيَصحُّ؛ لأنَّ ذلك دَليلٌ على رِضاه بالتَّفريقِ؛ لأنَّ الإيجابَ حينَئذٍ في مَعنَى إيجاباتٍ مُتعدِّدةٍ.
وَإذا قامَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ مِنْ المَجلِسِ بعدَ الإيجابِ وقبلَ القَبولَ، بطَل الإيجابُ؛ لأنَّ القيامَ يَدلُّ على الإعراضِ والرُّجوعِ وعَدَمِ الرِّضا، فيَبطُلُ العَقدَ به، كَسائِرِ عُقودِ المُبادَلةِ (٢).