ونَحوِها، فَضلًا على اشتِغالِه فيما يَحتاجُ إليه مِنْ مَلبَسٍ ومَسكَنٍ، فاضطُرَّ إلى شِراءِ ذلك.
ولَولا الشِّراءُ لَكانَ يَأخُذُه بالقَهرِ، أو بالسُّؤالِ إنْ أمكَنَ، وإلَّا قاتَلَ صاحِبَه عليه، ولا يَتمُّ مع ذلك بَقاءُ العالَمِ (١).
وهذا كُلُّه في البَيعِ الصَّحيحِ النَّافِذِ، وأمَّا غيرُ الصَّحيحِ فسَيَأتي حُكمُه في البُيوعِ الفاسِدةِ والمَنهِيِّ عَنها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى؛ لأنَّ البَيعَ قد تَعتَريه أحكامٌ أُخرَى، فيَكونُ مَحظورًا إذا اشتَمَلَ على ما هو مَمنوعٌ بالنَّصِّ، لِأمْرٍ في الصِّيغةِ، أوِ العاقِدَيْنِ، أوِ المَعقودِ عليه.
وكَما يَحرُمُ الإقدامُ على مِثلِ هذا البَيعِ فإنَّه لا يقعُ صَحيحًا، بَلْ يَكونُ باطِلًا أو فاسِدًا، على الخِلافِ المَعروفِ بينَ الجُمهورِ والحَنفيَّةِ، ويَجِبُ فيه التَّرادُّ على تَفصيلٍ سَيَأتي في البُيوعِ المَنهِيِّ عَنها.
وقد يَكونُ الحُكمُ الكَراهةَ، وهو ما فيه نَهيٌ غيرُ جازِمٍ، ولا يَجِبُ فَسخُه.
والمَقصودُ مِنْ بَيانِ كِتابِ البُيوعِ بَيانُ البَيعِ الذي هو حَلالٌ شَرعًا، والذي هو حَرامٌ وهو الرِّبا ونَحوُه، مِنْ العُقودِ الفاسِدةِ، على ما يَأتي مُفصَّلًا إنْ شاءَ اللَّهُ .
стр. 3327
أركانُ البَيعِ:
أركانُ البَيعِ التي تَتوقَّفُ عليها حَقيقَتُه عَددُها يَختلِفُ مِنْ مَذهبٍ إلى مَذهبٍ:
فرُكنُه عندَ الحَنفيَّةِ واحِدٌ، وهو الإيجابُ والقَبولُ (الصِّيغةُ).
وعندَ الجُمهورِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ ثَلاثةٌ؛ وهي في الحَقيقةِ خَمسةٌ:
الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ، أو ما يَقومُ مَقامَها على التَّفصيلِ في ذلك.
الرُّكنُ الثَّاني: العاقِدُ: مِنْ بائِعٍ ومُشتَرٍ.
الرُّكنُ الثَّالثُ: المَعقودُ عليه: مِنْ ثَمَنٍ ومُثمَّنٍ، أي: المَبيعِ.
فالرُّكنُ المُتَّفقُ عليه هو الصِّيغةُ، وهي الإيجابُ والقَبولُ، فنَتكلَّمُ عليه أوَّلًا، ثم عن الأركانِ المُختلَفِ فيها.
стр. 3328
الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ (الإيجابُ والقَبولُ):
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ البَيعَ يَنعقِدُ بالإيجابِ والقَبولِ؛ لأنَّهما يَدُلَّانِ على الرِّضا الذي تَعلَّقَ به الحُكمُ.
لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما البَيعُ عن تَراضٍ» (١). والرِّضا أمرٌ خَفيٌّ لا يُطَّلعُ عليه، فوجَب أنْ يُناطَ الحُكمُ بسَبَبٍ ظاهِرٍ يَدلُّ عليه، وهو الصِّيغةُ، بأيِّ لُغةٍ كانَتْ، سَواءٌ عرَف العَربيَّةَ أو لا، وكذا ما كانَ في مَعناهُما، وهذا لا شُبهةَ فيه، وعليه إجماعُ النَّاسِ.
وَهو يَحصُلُ بأحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا بالقَولِ، كبِعتُ واشتَرَيتُ، وإمَّا بالفِعلِ (وهو التَّعاطي)، فأمَّا القَولُ فمُتَّفقٌ عليه بينَ المُسلِمينَ، كما مَرَّ، وأمَّا الفِعلُ فمُختلَفٌ فيه.
أوَّلًا: القَولُ:
وهو الإيجابُ مِنْ البائِعِ، وهو ما يَدلُّ على التَّمليكِ، كبِعتُكَ، أو مَلَّكتُكَ، والقَبولُ مِنْ المُشتَرِي، وهو ما يَدلُّ على التَّملُّكِ، كاشتَرَيتُ، أو قَبِلتُ.
قالَ الحَنفيَّةُ: فالإيجابُ هو ما يُذكَرُ أوَّلًا مِنْ كَلامِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، سَواءٌ وقَع مِنْ البائِعِ، كبِعتُ، أو مِنْ المُشتَرِي، كَأنْ يَبتدِئَ المُشتَرِي فيَقولَ:
стр. 3329
اشتَرَيتُ بكَذا، والقَبولُ ما يُذكَرُ ثانيًا مِنْ كَلامِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ بلَفظِ الماضي، مثلَ أنْ يَقولَ أحَدُهما: بِعتُ، والآخَرُ: اشتَرَيتُ؛ لأنَّه إنشاءٌ، والشَّرعُ قد عَدَّ الإخبارَ إنشاءً في جَميعِ العُقودِ، فيَنعقِدُ به، ولأنَّ الماضيَ إيجابٌ وقَطعٌ، والمُستَقبَلَ عِدَةٌ أو أمرٌ وتَوكيلٌ؛ فلِهذا انعقَد بالماضي.
أمَّا إذا كانَ بلَفظِ الأمرِ، فلا بدَّ مِنْ ثَلاثةِ ألفاظٍ، كما إذا قالَ البائِعُ: اشتَرِ مِنِّي، فقالَ: اشتَرَيتُ، لا يَنعقِدُ حتى يَقولَ البائِعُ: بِعتُ، أو حتى يَقولَ المُشتَرِي: بِعْ مِنِّي، فيَقولَ: بِعتُ، فلا بدَّ أنْ يَقولَ ثانيةً: اشتَرَيتُ؛ لأنَّ قَولَه هذا ليسَ بإيجابٍ، وإنَّما هو أمرٌ، فإذا قالَ: بِعتُ، أوِ اشتَرَيتُ، فقد وُجدَ شَطرُ العَقدِ، فلا بدَّ مِنْ وُجودِ الآخَرِ لِيَتمَّ.
وَلا يَنعقِدُ بلفظَيْنِ أحَدُهما ماضٍ والآخَرُ مُستقبَلٌ، بخِلافِ النِّكاحِ؛ فإنَّه يَنعقِدُ.
وَإنَّما شُرِطَ الماضي لأنَّه إنشاءُ تَصرُّفٍ، والشَّرعُ قد عَدَّ الإخبارَ إنشاءً في العُقودِ.
ويَنعقِدُ أيضًا بكُلِّ لَفظٍ يَدلُّ على مَعناهُما، كَقَولِه: أعطَيتُكَ بكَذا، أو خُذْه بكَذا، أو ملَّكتُكَ بكَذا، فقالَ: أخَذتُ، أو قَبِلتُ، أو رَضيتُ، أو أمضَيتُ، لأنَّه يَدلُّ على مَعنَى القَبولِ والرِّضا، والعِبرةُ بالمَعاني.
وَكذلك لَو قالَ المُشتَرِي: اشتَرَيتُ بكَذا، فقالَ البائِعُ: رَضيتُ، أو أمضَيتُ، أو أجَزتُ، وإذا أوجَبَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ (البائِعُ أو المُشتَرِي) البَيعَ، بأنْ قالَ البائِعُ مَثَلًا: بِعتُكَ هذا بكَذا، فالآخَرُ بالخيارِ، إنْ شاءَ قبلَ المَبيعَ في المَجلِسِ، وإنْ شاءَ رَدَّهُ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّعانِ
стр. 3330
بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا» (١)؛ لأنَّه مُخيَّرٌ غيرُ مُجبَرٍ، يَختارُ أيَّهما شاءَ، وهذا الخِيارُ يُسَمَّى خِيارَ القَبولِ.
وَيَمتَدُّ حَقُّه في القَبولِ أوِ الرَّدِّ إلى آخِرَ المَجلِسِ لِلحاجةِ إلى التَّفكُّرِ والتَّروِّي، والمَجلِسُ جامِعٌ لِلمُتفرِّقاتِ، ويَبطُلُ بما يَبطُلُ به خِيارُ المُخيَّرِ؛ لأنَّه يَدلُّ على الإعراضِ، ولِلمُوجِبِ الرُّجوعُ لعَدمِ إبطالِ حَقِّ الغيرِ، وليسَ لِلمُشتَرِي أنْ يَقبَلَ بَعضَ المَبيعِ، ولا أنْ يَقبَلَ المُشتَرِي بَعضَ الثَّمنِ، لعَدمِ رِضا الآخَرِ بتَفريقِ الصَّفقةِ؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا بالبائِعِ، فإنَّ مِنْ عادةِ التُّجَّارِ ضَمَّ الرَّديءِ إلى الجَيِّدِ في البَيعِ؛ لِتَرويجِ الرَّديءِ، فلَو صَحَّ التَّفريقُ يَزولُ الجَيِّدُ عن مِلْكِه فيَبقَى الرَّديءُ، فيَتضرَّرُ بذلك، وكذلك المُشتَرِي يَرغَبُ في الجَميعِ، فإذا فرَّق البائِعُ الصَّفقةَ عليه يَتضرَّرُ، إلَّا إذا بيَّن المُوجِبُ ثَمَنَ كلِّ واحِدٍ ممَّا قبلَ الآخَرُ وما ترَك؛ لأنَّه صَفَقاتٌ مَعنًى، فيَصحُّ؛ لأنَّ ذلك دَليلٌ على رِضاه بالتَّفريقِ؛ لأنَّ الإيجابَ حينَئذٍ في مَعنَى إيجاباتٍ مُتعدِّدةٍ.
وَإذا قامَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ مِنْ المَجلِسِ بعدَ الإيجابِ وقبلَ القَبولَ، بطَل الإيجابُ؛ لأنَّ القيامَ يَدلُّ على الإعراضِ والرُّجوعِ وعَدَمِ الرِّضا، فيَبطُلُ العَقدَ به، كَسائِرِ عُقودِ المُبادَلةِ (٢).
стр. 3331
وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: إنَّ البَيعَ يَنعقِدُ بالصِّيغةِ، وهي قَولُ المُشتَرِي: ابتَعتُ واشتَرَيتُ، ونَحوَ ذلك، بصِيغةِ الماضي، أو بقَولِ البائِعِ: بِعتُكَ أو أعطَيتُكَ، أو نَحوَ ذلك، كذلك، ويَرضَى الآخَرُ فيهِما، أي: في الصُّورتَيْنِ، وهو البائِعُ في الأُولى، والمُشتَرِي في الثَّانيةِ، بأيِّ شَيءٍ يَدلُّ على الرِّضا، أو ما يَقومُ مَقامَه ممَّا يَدلُّ على الرِّضا، مِنْ قَولٍ أو إشارةٍ أو كِتابةٍ مِنْ الجانِبَيْنِ أو أحَدِهما، كما يَنعقِدُ بقَولِ المُشتَرِي ابتِداءً لِلبائِعِ: «اشتَرَيتُها مِنْكَ بكذا»، بالفِعلِ الماضي، أو بأنْ يَقولَ البائِعُ لِلمُشتَرِي: «بِعتُكَها بكذا»، بالماضي أيضًا، ويَرضَى الآخَرُ. ومثلَ: «أبيعُها بكذا»، مِنْ البائِعِ، أو بقَولِ المُشتَرِي لِلبائِعِ: «أشتَريها مِنْكَ بكذا»، بالمُضارِعِ فيهِما، فرَضيَ الآخَرُ، أو قالَ المُشتَرِي: «بِعْني»، بفِعلِ الأمْرِ، أو قالَ البائِعُ لِلمُشتَرِي: «اشتَرِ مِنِّي هذه السِّلعةَ بكذا»، فرَضيَ الآخَرُ، يَنعقِدُ البَيعُ.
ثُمَّ إنْ كانَ الفِعلُ ماضيًا، كَأنْ يَقولَ البائِعُ: بِعتُ هذه السِّلعةَ، ويَقولَ المُشتَرِي: اشتَرَيتُ، فإنَّ البَيعَ يَنعقِدُ به، ويَكونُ لازِمًا، فليسَ لِواحِدٍ مِنهُما حَقُّ الرُّجوعِ فيه، لا قبلَ رِضاءِ الآخَرِ، ولا بعدَه، حتى ولو حلَف أنَّه لا يَقصِدُ البَيعَ أوِ الشِّراءَ، أمَّا إنْ كانَ الفِعلُ أمرًا، كَقَولِ المُشتَري: بِعْني هذه السِّلعةَ بكَذا، ويَقولُ له البائِعُ: بِعتُ، فإنَّه يَنعقِدُ به البَيعُ، ولكنَّ في لُزومِه خِلافًا؛ فبَعضُهم يَقولُ: إنَّ له حَقَّ الرُّجوعِ، وعليه اليَمينَ، بأنَّه لَم يَقصِدِ الشِّراءَ، وبَعضُهم يَقولُ: إنَّ البَيعَ يَلزَمُ بهَذا، كَلُزومِه بالماضي، وليسَ له حَقُّ الرُّجوعِ، على المُعتمَدِ.
فَإنْ كانَ الفِعلُ مُضارِعًا، كَأنْ يَقولَ البائِعُ: أبيعُ هذه السِّلعةَ بكَذا،
стр. 3332
فرَضيَ المُشتَرِي بذلك، فإنَّ البَيعَ لا يَلزَمُ البائِعَ إذا رجَع، وقالَ: إنَّني لَم أُرِدِ البَيعَ، وإنَّما أرَدتُ المُساوَمةَ أوِ المِزاحَ، ولكنْ عليه اليَمينُ، وإذا رجَع بعدَ رِضا المُشتَرِي فإذا حلَف فذاكَ، وإلَّا يَلزَمْه البَيعُ، وإذا قامَتْ قَرينةٌ على أنَّه يَقصِدُ البَيعَ فإنَّه يَلزَمُه، ولو حلَف.
وَذلك كَأنْ يَقولَ له المُشتَرِي: يا فُلانُ، بِعْني سِلعَتَكَ بعَشَرةٍ، فيَقولَ: لا. فيَقولَ بأحدَ عشَرَ، فيَقولَ: لا. ثم يَقولَ البائِعُ: أبيعُها باثنَيْ عشَرَ. فيَقولَ المُشتَرِي: قَبِلتُ. فإنَّ البَيعَ يَلزَمُ في هذه الحالةِ، وليسَ له حَقُّ الرُّجوعِ، ولا يَنفَعُه اليَمينُ؛ لأنَّ تَردُّدَ الكَلامِ بينَهُما قَرينةٌ على عَدَمِ المِزاحِ واللَّعِبِ، وكذا لَو قالَ المُشتَرِي: أشتَرِي هذه السِّلعةَ بكَذا، فرَضيَ البائِعُ، ثم رجَع المُشتَرِي، فإنَّ له حَقَّ الرُّجوعِ، وعليه اليَمينُ ما لَم تَقُمْ قَرينةٌ على أنَّه جادٌّ في شِرائِه، فإنَّه يَلزَمُه الشِّراءُ، والحاصِلُ أنَّ البادِئَ بالمُضارِعِ سَواءٌ أكانَ بائِعًا أم مُشتَريًا، فإنَّه لا يَلزَمُه البَيعُ، ولَه حَقُّ الرُّجوعِ، وعليه اليَمينُ إنْ رجَع بعدَ رِضا الآخَرِ، أمَّا إذا رجَع قبلَ رِضاه فإنَّ له ذلك الحَقَّ، ولا يَمينَ عليه، ومَحَلُّ ذلك كُلِّه ما لَم تَقُمْ قَرينةٌ على البَيعِ والشِّراءِ أو عَدَمِهما، وإلَّا عُمِلَ بها.
وَإذا قالَ شَخصٌ لِآخَرَ: بكَمْ تَبيعُ هذه السِّلعةَ؟ فقالَ لَه: بعَشَرةٍ، فقالَ السَّائِلُ: أخَذتُها بذلك، فأبَى البائِعُ أنْ يَبيعَها، وقالَ: إنَّني أُريدُ أنْ أعرِفَ قِيمَتَها، أو أُريدَ المِزاحَ، فالمُعتمَدُ في ذلك أنْ يُرجَعَ إلى القَرائِنِ، فإنْ قامَتْ قَرينةٌ بأنْ حصَل تَماكُسٌ وتَردُّدٌ في الكَلامِ، كما ذُكِرَ في الصُّورةِ المُتقدِّمةِ، فإنَّ البائِعَ يُلزَمُ بالبَيعِ، وإنْ قامَتْ قَرينةٌ على عَدَمِه فإنَّه لا يَلزَمُه، ولا يَمينَ
стр. 3333
على البائِعِ، وإنْ لَم تَقُمْ قَرينةٌ على أحَدِهِما فلِلبائِعِ حَقُّ الرُّجوعِ، وعليه اليَمينُ إنْ رجَع بعدَ رِضا الآخَرِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَنعقِدُ البَيعُ والشِّراءُ بكُلِّ لَفظٍ يَدلُّ على التَّمليكِ مُفهِمٍ لِلمَقصودِ بأيِّ لُغةٍ كانَتْ، عرَف العَربيةَ أو لا، وهو قِسمانِ:
- صَريحٌ.
- كِنايةٌ.
فالصَّريحُ: ما دَلَّ على التَّمليكِ أو التَّملُّكِ دِلالةً ظاهِرةً ممَّا اشتُهِرَ وكُرِّرَ على ألسِنةِ حَمَلةِ الشَّرعِ: كبِعتُكَ، أو: مَلَّكتُكَ هذه السِّلعةَ بكَذا، ولَو هَزلًا، وعلى القَبولِ، كاشتَريتُ وتَملَّكتُ وقَبِلتُ ورَضيتُ مِنْكَ بكَذا.
وَأمَّا الكِنايةُ فهي: ما احتَمَلَ البَيعَ وغيرَه، كجَعَلتُه لَكَ بكَذا، وخُذْه، وتَسلَمه، وبارَكَ اللَّهُ لَكَ فيه، فإنَّ ذلك يَحتمِلُ البَيعَ ويَحتمِلُ غيرَه، فإذا نَوَى بذلك البَيعَ والشِّراءَ صَحَّ، فإنْ قُرِنَ اللَّفظُ المُحتمَلُ بذِكرِ الثَّمنِ يَكونُ صَريحًا، كوَهبتُكَ هذه الدَّارَ بمِئةِ دِينارٍ، فإنَّ لَفظَ الهِبةِ إنْ لَم يَكُنْ مُقترِنًا بذِكرِ الثَّمنِ يَكونُ هِبةً، فإنِ اقتَرَنَ بالثَّمنِ يَكونُ بَيعًا.
وَكَذا كلُّ لَفظٍ يَدلُّ على التَّمليكِ إذا قُرِنَ بذِكرِ الثَّمنِ، كجَعَلتُ لَكَ هذه
стр. 3334
الدَّارَ بثَمَنِ كَذا، أو عَوَّضتُكَ هذا بكَذا، أو صارَفتُكَ ذا بكَذا، فكلُّ هذا ظاهِرُ الدِّلالةِ في البَيعِ؛ لِذِكرِ الثَّمنِ.
وَمِثلُ ذلك ما إذا قالَ المُشتَرِي: اشتَرَيتُ وقَبِلتُ؛ فإنَّ في ذلك دِلالةً ظاهِرةً على الشِّراءِ، بخِلافِ ما إذا قالَ: تَملَّكتُ فقَطْ، فإنَّ ذلك كِنايةٌ تَحتمِلُ التَّملُّكَ بالشِّراءِ، وتَحتمِلُ التَّملُّكَ بالهِبةِ وغيرِهما.
وكَما يَنعقِدُ البَيعُ بالصَّريحِ، ويَحِلُّ، فكذلك يَنعقِدُ بالكِنايةِ ويَحِلُّ، إلَّا أنَّ الصَّريحَ أقطَعُ لِلنِّزاعِ وأحسَنُ في رَفعِ الخُصوماتِ، ويَجوزُ تَقدُّمُ لَفظِ المُشتَرِي على لَفظِ البائِعِ؛ لِحُصولِ المَقصودِ مع ذلك.
فلو قالَ: بِعْني، فقالَ: بِعتُكَ، انعقَد البَيعُ في الأظهَرِ؛ لِدِلالةِ «بِعْني» على الرِّضا، ولأنَّ المَقصودَ وُجودُ لَفظٍ دالٍّ على الرِّضا بمُوجِبِ العَقدِ، وقد حصَل، فصَحَّ به البُيوعُ.
ولِمَا رَواه مُسلِمٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لِسَلَمةَ بنِ الأكوَعِ ﵁ في جاريةٍ: «هَبْ ليَ المَرأةَ»، فقالَ: هي لكَ يا رَسولَ اللَّهِ (١).
وَهو يَدلُّ على انعِقادِ الهِبةِ بالِاستِيجابِ والإيجابِ، فالبَيعُ أوْلَى (٢).
стр. 3335
وقالَ الحَنبليَّةُ: يَنعقِدُ البَيعُ بالقَولِ الدَّالِّ على البَيعِ والشِّراءِ، وهو الإيجابُ، والقَبولُ، فيَقولُ البائِعُ: بِعتُكَ، أو مَلَّكتُكَ أو وَلَّيتُكَه -أي: بِعتُكَه برَأْسِ مالِه، وهُما يَعلَمانِه- أو وَهبتُكَه بكَذا، ونَحوَ ذلك، كأعطَيتُكَه بكَذا، ونَحوِه، أو رَضيتُ به عِوَضًا عن هذا، وكذا أيُّ لَفظٍ أدَّى مَعنَى البَيعِ؛ لأنَّ الشارِعَ لَم يَخُصَّه بصِيغةٍ مُعيَّنةٍ، فتَناوَلَ كُلَّ ما أدَّى مَعناه، ثم يَقولُ المُشتَرِي: ابتَعتُ، أو قَبِلتُ أوِ اشتَرَيتُ أو تَملَّكتُه أو أخَذتُه، ونَحوَه، كاستبدَلتُه، إذا كانَ القَبولُ على وَفْقِ الإيجابِ في قَدْرِ الثَّمنِ وصِفَتِه وغيرِهما.
وَيَصحُّ القَبولُ قبلَ الإيجابِ بلَفظِ أمرٍ، كَقَولِ مُشتَرٍ لِبائِعٍ: بِعْني هذا بكذا. فيَقولُ لَه: بِعتُكَه به، ونَحوَه، أو بلَفظٍ ماضٍ مُجرَّدٍ عن استِفهامٍ ونَحوِه، كاشتَرَيتُ مِنْكَ كذا بكذا، أوِ ابتَعتُه، أو أخَذتُه بكذا. فيَقولُ بِعتُكَ، أو بارَكَ اللَّهُ لكَ فيه، أو هو مُبارَكٌ عليكَ؛ لأنَّ المَعنَى حاصِلٌ به.
وَيَصحُّ القَبولُ مُتَراخيًا عن الإيجابِ ما داما في مَجلِسِه؛ لأنَّ حالةَ المَجلِسِ كَحالةِ العَقدِ، فإنِ اشتَغَلا بما يَقطَعُه عُرفًا، أوِ انقَضى المَجلِسُ قبلَ القَبولِ بطَل؛ لأنَّهما صارا مُعرِضَيْنِ عن البَيعِ، وإنْ خالَفَ القَبولُ الإيجابَ لَم يَنعقِدْ (١).
فَمِنْ خِلالِ ما تَقدَّمَ يُمكِنُ أنْ نَذكُرَ المَسائِلَ التي اتَّفق فيها الفُقهاءُ في كَلامِهمُ السَّابِقِ، والمَسائِلَ التي اختلَفوا فيها:
стр. 3336
١ - الحَنفيَّةُ يَقولونَ: إنَّ الإيجابَ هو ما يُذكَرُ أوَّلًا مِنْ كَلامِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، سَواءٌ وقَع مِنْ البائِعِ، كبِعتُ، أو مِنْ المُشتَرِي، كَأنْ يَبتدِئَ المُشتَرِي فيَقولَ: اشتَرَيتُ بكَذا، والقَبولَ ما يُذكَرُ ثانيًا مِنْ كَلامِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ.
والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ يَقولونَ: إنَّ الإيجابَ هو ما صدَر مِمَّنْ يَكونُ مِنه التَّمليكُ، وإنْ جاءَ مُتأخِّرًا، والقَبولَ يَكونُ مِمَّنْ يَصيرُ له المِلْكُ، وإنْ صدَر أوَّلًا.
٢ - كُلُّهم مُتَّفِقونَ -أي: المَذاهبُ الأربَعةُ- على جَوازِ تَقديمِ لَفظِ المُشتَرِي على لَفظِ البائِعِ؛ لِحُصولِ المَقصودِ مع ذلك.
ثانيًا: الفِعلُ، وهو المُعاطاةُ:
المُعاطاةُ لُغةً: المُناوَلةُ، مَأخوذٌ مِنْ عَطَوتُ الشَّيءَ، إذا تَناوَلتُه.
وَفي الِاصطِلاحِ: المُبادَلةُ الفِعليةُ الدَّالَّةُ على التَّراضي، مِنْ غيرِ إيجابٍ وَلا قَبولٍ.
والمُعاطاةُ في البَيعِ هي: أنْ يَأخُذَ المُشتَرِي المَبيعَ، ويَدفَعَ الثَّمنَ لِلبائِعِ، أو يُعطيَ البائِعُ المَبيعَ لِلرَّاغِبِ في الشِّراءِ، فيَدفَعَ له الآخَرُ الثَّمنَ، عن تَراضٍ مِنهُما، مِنْ غيرِ تَكلُّمٍ ولا إشارةٍ، ويُسَمَّى أيضًا بَيعَ التَّعاطي (١).
стр. 3337
وقدِ اختلَف الفُقهاءُ في صِحَّةِ البَيعِ بالمُعاطاةِ، هل يَصحُّ أو لا؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: أنَّه يَصحُّ البَيعُ بالمُعاطاةِ مُطلَقًا، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وبَعضِ الشافِعيَّةِ كالنَّوويِّ وابنِ الصَّبَّاغِ والبَغَويِّ والمُتَوَلِّي، وسَواءٌ كانَ المَبيعُ خَسيسًا -وهو ما تَكونُ قِيمَتُه دونَ نِصابِ السَّرِقةِ- أو نَفيسًا -وهو ما تَكونُ قِيمَتُه مثلَ نِصابِها، أو أكثَرَ-؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى أحَلَّ البَيعَ ولَم يَثبُتْ في الشَّرعِ لَفظٌ له، فوجَب الرُّجوعُ إلى العُرفِ، فكلُّ ما عَدَّه النَّاسُ بَيعًا كانَ بَيعًا، كما رجَع إليه في القَبضِ والحِرزِ وإحياءِ المَواتِ وغيرِ ذلك مِنْ الألفاظِ المُطلَقةِ، فإنَّها كُلَّها تُحمَلُ على العُرفِ، ولَفظةُ البَيعِ مَشهورةٌ، وقد اشتُهِرَتِ الأحاديثُ بالبَيعِ عن النَّبيِّ ﷺ وأصحابِه ﵃ في زَمَنِه وبعدَه، ولَم يَثبُتْ في شَيءٍ مِنها مع كَثرَتِها اشتِراطُ الإيجابِ والقَبولِ، والمُسلِمونَ في أسواقِهم وبِياعاتِهم على ذلك، ولأنَّ البَيعَ كانَ مَوجودًا بينَهم، مَعلومًا عندَهم، وإنَّما علَّق الشَّرعُ عليه أحكامًا وأبقاه على ما كانَ، فلا يَجوزُ تَغييرُه بالرَّأْيِ والتَّحكُّمِ، ولَم يُنقَلْ عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أصحابِه ﵃ مع كَثرةِ وُقوعِ البَيعِ بينَهمُ استِعمالُ الإيجابِ والقَبولِ، ولَوِ استَعمَلوا ذلك في بِياعاتِهم لَنُقِلَ نَقلًا
стр. 3338
شائِعًا، ولَو كانَ ذلك شَرطًا لَوجَبَ نَقلُه، ولَم يُتصَوَّرْ مِنهم إهمالُه والغَفلةُ عن نَقلِه، ولأنَّ البَيعَ ممَّا تَعُمُّ به البَلوَى، فلوِ اشتُرِطَ له الإيجابُ والقَبولُ لَبيَّنه بَيانًا عامًّا، ولَم يَخْفَ حُكمُه؛ لأنَّه يُفضي إلى وُقوعِ العُقودِ الفاسِدةِ كَثيرًا، وأكلِهمُ المالَ الباطِلَ، ولَم يُنقَلْ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا أحَدٍ مِنْ أصحابِه فيما عَلِمْناه، ولأنَّ النَّاسَ يَتَبايَعونَ في أسواقِهم بالمُعاطاةِ في كلِّ عَصرٍ، ولَم يُنقَلْ إنكارُه، فكانَ ذلك إجماعًا.
وَفي أكثَرِ الأخبارِ لَم يُنقَلْ إيجابٌ ولا قَبولٌ، وليسَ إلَّا المُعاطاةُ والتَّفرُّقُ عن تَراضٍ يَدلُّ على صِحَّتِه، ولو كانَ الإيجابُ والقَبولُ شَرطَيْنِ في هذه العُقودِ لَشَقَّ ذلك، ولَكانَتْ عُقودُ المُسلِمينَ فاسِدةً، وأكثَرُ أموالِهم مُحرَّمةً، ولأنَّ الإيجابَ والقَبولَ إنَّما يُرادانِ لِلدِّلالةِ على التَّراضي، فإذا وُجدَ ما يَدلُّ عليه مِنْ المُساوَمةِ والتَّعاطي قامَ مَقامَهما وأجزَأ عَنهُما؛ لعَدمِ التَّعبُّدِ فيه.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقالَ مالِكٌ: يَنعقِدُ بكُلِّ ما يَعُدُّه النَّاسُ بَيعًا، واستَحسَنَه ابنُ الصَّبَّاغِ.
قُلتُ: هذا الذي استَحسَنَه ابنُ الصَّبَّاغِ هو الرَّاجِحُ دَليلًا، وهو المُختارُ؛ لأنَّه لَم يَصحَّ في الشَّرعِ اشتِراطُ لَفظٍ، فوجَب الرُّجوعُ إلى العُرفِ، كغيرِه مِنْ الألفاظِ، ومِمَّنِ اختارَه المُتَوَلِّي والبَغَويُّ وغيرُهما، واللَّهُ أعلَمُ (١).
стр. 3339
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: إنَّ العُقودَ يُرجَعُ فيها إلى عُرفِ النَّاسِ، فما عَدَّه النَّاسُ بَيعًا أو إجارةً أو هِبةً كانَ بَيعًا وإجارةً وهِبةً، فإنَّ هذه الأسماءَ ليسَ لَها حَدٌّ في اللُّغةِ والشَّرعِ، وكُلُّ اسمٍ ليسَ له حَدٌّ في اللُّغةِ والشَّرعِ فإنَّه يُرجَعُ في حَدِّه إلى العُرفِ (١).
والقَولُ الثَّاني: أنَّ المُعاطاةَ ليسَت بَيعًا، لا في القَليلِ، ولا في الكَثيرِ، ولا يَصحُّ البَيعُ إلَّا بالإيجابِ والقَبولِ، وهو قَولُ الشافِعيَّةِ في المَذهبِ والقاضي مِنْ الحَنابِلةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما البَيعُ عن تَراضٍ» (٢). أي: صادِرٌ عن تَراضٍ، والرِّضا أمرٌ خَفيٌّ لا يُطَّلَعُ عليه، فوجَب أنْ يُناطَ الحُكمُ بسَبَبٍ ظاهِرٍ يَدلُّ عليه مِنْ اللَّفظِ، فلا بَيعَ بالمُعاطاةِ.
وعلى هذا القَولِ يَكونُ المَقبوضُ بالمُعاطاةِ كالمَقبوضِ بالبَيعِ الفاسِدِ على المَذهبِ عندَ الشافِعيَّةِ، فيَجِبُ على كُلٍّ أنْ يَرُدَّ ما أخَذه على الآخَرِ إنْ
стр. 3340
وُجدَ، أو بَدَلَه إنْ تلِف. وهذا في أحكامِ الدُّنيا، أمَّا في الآخِرةِ فلا مُطالَبةَ بها، أي: إذا لَم يَرُدَّ كُلٌّ ما أخَذه لا يُعاقَبُ عليه في الآخِرةِ؛ لِطِيبِ النَّفْسِ به، واختِلافِ العُلماءِ فيه (١).
القَولُ الثَّالثُ: أنَّ البَيعَ يَنعقِدُ بالتَّعاطي إذا كانَ خَسيسًا قَليلَ الثَّمنِ، لأنَّ العادةَ جاريةٌ فيه، لا في الأشياءِ النَّفيسةِ، وهو قَولُ الكَرخِيِّ مِنْ الحَنفيَّةِ، وابنِ سُرَيجٍ والرُّويانيِّ مِنْ الشافِعيَّةِ، والقاضي مِنْ الحَنابِلةِ في قَولِه الثَّاني.
وهذا الخِلافُ السَّابِقُ في المُعاطاةِ في البَيعِ يَجري في الإجارةِ والرَّهنِ والهِبةِ ونَحوِها (٢).
شُروطُ الصِّيغةِ (الإيجابِ والقَبولِ):
يُشترَطُ لِلإيجابِ والقَبولِ شُروطٌ، مِنها:
١ - نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنْ يَكونَ الإيجابُ مُوافِقًا لِلقَبولِ في القَدْرِ والوَصْفِ والنَّقْدِ والحُلولِ والأجَلِ، ومُطابِقًا له في كلِّ جَوانِبِه: فلو قالَ: بِعتُكَ بمِئةٍ، فقالَ: اشتَرَيتُ بخَمسينَ. أو قالَ: بِعتُكَ
стр. 3341
هذه الدَّارَ بألْفٍ، فقالَ: اشتَرَيتُ نِصفَها بخَمسينَ. أو قالَ: بِعتُكَ بألْفٍ مُعجَّلةٍ، فقالَ: اشتَرَيتُ بألْفٍ مُؤجَّلةٍ، لَم يَنعقِدِ البَيعُ في جَميعِ هذه الصُّوَرِ؛ لعَدمِ تَوافُقِ القَبولِ مع الإيجابِ؛ لأنَّه قبلَ غيرَ ما خُوطِبَ به، إلَّا إذا قبلَ المُوجِبُ ثانيةً بما قبلَه القابِلُ أوَّلًا، فيَصيرُ الإيجابُ الأوَّلُ مُلْغًى، والقَبولُ الأوَّلُ إيجابًا، ويَكونَ القَبولُ الثَّاني هو القَبولَ الذي وافَقَ الإيجابَ (١).
٢ - نصَّ الحَنفيَّةُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ الإيجابُ والقَبولُ في مَجلِسٍ واحِدٍ، فلا بدَّ مِنْ اتِّحادِ المَجلِسِ، فإنِ اختلَف المَجلِسُ لا يَنعقِدُ، فإذا قامَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ مِنْ المَجلِسِ بعدَ الإيجابِ، وقبلَ القَبولِ بطَل الإيجابُ؛ لأنَّ القيامَ يَدلُّ على الإعراضِ والرُّجوعِ وعَدَمِ الرِّضا، فيَبطُلُ العَقدُ به، كَسائِرِ عُقودِ المُبادَلةِ.
وَكَذا لو لَم يَقُمْ، لكنْ تَشاغَلَ في المَجلِسِ بشَيءٍ غيرِ البَيعِ بطَل الإيجابُ (٢).
стр. 3342
٣ - اشتَرطَ الشافِعيَّةُ ألَّا يَطولَ الفَصلُ بينَ الإيجابِ والقَبولِ، ولو بكِتابةٍ أو إشارةِ أخرَسَ بما يُشعِرُ عُرفًا بالإعراضِ عن القَبولِ، وهو ما يُسَمَّى باتِّحادِ مَجلِسِ العَقدِ، فلو أوجَبَ البائِعُ البَيعَ ثم حصَل سُكوتٌ طَويلٌ أو كَلامٌ أجنبيٌّ عن العَقدِ، ولا صِلةَ له به، ولو قصُر الزَّمَنُ، ثم قبلَ المُشتَرِي، لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لأنَّ طُولَ الفَصلِ يُخرِجُ الثَّانيَ عن أنْ يَكونَ جَوابًا عن الأوَّلِ، فلوِ استَمَرَّ الحَديثُ عن البَيعِ دارَ حَولَه ثم قبلَ بَعدُ، صَحَّ العَقدُ، وإنْ طالَ الفَصلُ.
وَأمَّا الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ فقالوا: يَمتَدُّ حَقُّه في القَبولِ أوِ الرَّدِّ إلى آخِرِ المَجلِسِ؛ لِلحاجةِ إلى التَّفكُّرِ والتَّرَوِّي، والمَجلِسُ جامِعٌ لِلمُتفرِّقاتِ فعُدَّتْ ساعاتُه ساعةً واحِدةً؛ دَفعًا لِلعُسرِ، وتَحقيقًا لِليُسرِ.
فَإنْ تَراخَى أحَدُهُما عن الآخَرِ: أي: القَبولُ عن الإيجابِ، أو عَكسُه، صَحَّ المُتقدِّمُ مِنهُما، ولَم يُلْغُ ما دام المُتبايِعانِ في المَجلِسِ، ولَم يَتَشاغَلا بما يَقطَعُه عُرفًا؛ لأنَّ حالةَ المَجلِسِ كَحالةِ العَقدِ، بدَليلِ أنَّه يُكتَفَى بالقَبضِ فيه لِما يُعتبَرُ قَبضُه، وإلَّا بأنْ تَفرَّقا قبلَ الإتيانِ بما بَقيَ مِنهُما، أو تَشاغَلا بما يَقطَعُه عُرفًا، فلا يَنعقِدُ البَيعُ؛ لأنَّ ذلك إعراضٌ عن العَقدِ أشبَهَ ما لو صَرَّحا بالرَّدِّ.
قالَ البابَرتيُّ ﵀: ولأنَّ في إبطالِ الإيجابِ قبلَ انقِضاءِ المَجلِسِ عُسرًا بالمُشتَرِي، وفي إبقائِه فيما وراءَ المَجلِسِ عُسرًا بالبائِعِ، وفي التَّوَقُّفِ بالمَجلِسِ يُسرًا بهما جَميعًا، والمَجلِسَ جامِعٌ لِلمُتفرِّقاتِ، جُعِلَتْ ساعاتُه ساعةً واحِدةً؛ دَفعًا لِلعُسرِ وتَحقيقًا لِليُسرِ (١).
стр. 3343
وَأمَّا المالِكيَّةُ فقالَ منهمُ الحَطَّابُ ﵀: والَّذي تَحصَّلَ عِندي مِنْ كَلامِ أهلِ المَذهبِ أنَّه إذا أجابَه في المَجلِسِ بما يَقتَضي الإمضاءَ والقَبولَ مِنْ غيرِ فاصِلٍ لزِمه البَيعُ اتِّفاقًا.
وَإنْ تَراخَى القَبولُ عن الإيجابِ حتى انقَضى المَجلِسُ لَم يَلزَمْه البَيعُ اتِّفاقًا، وكذا لو حصَل فاصِلٌ يَقتَضي الإعراضَ عَمَّا كانا فيه حتى لا يَكونَ كَلامُه جَوابًا لِلكَلامِ السَّابِقِ في العُرفِ، لَم يَنعقِدِ البَيعُ، كما يُفهَمُ مِنْ كَلامِ ابنِ عَرَفةَ ومِن كَلامِ ابنِ رُشدٍ في بَيعِ المُزايَدةِ، ومِن قَولِه في بَيعِ المُساوَمةِ: إنْ أجابَه صاحِبُه في المَجلِسِ كما تَقدَّمَ بَيانُه، ولا يُشترَطُ ألَّا يَحصُلَ بينَ الإيجابِ والقَبولِ فَصْلٌ بكَلامٍ أجنَبيٍّ عن العَقدِ، ولو كانَ يَسيرًا، كما يَقولُه الشافِعيَّةُ (١).
٤ - واشتَرطَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ ألَّا يَتخلَّلَ الإيجابَ والقَبولَ كَلامٌ أجنَبيٌّ عن العَقدِ، كما يَقولُ الشافِعيَّةُ، أو تَشاغُلٌ بعَمَلٍ آخَرَ يُوجِبُ اختِلافَ المَجلِسِ بما يَقطَعُه عُرفًا، كما يَقولُ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ، لَم يَنعقِدِ البَيعُ، وإنْ لَم يَتفَرَّقا عن المَجلِسِ؛ لأنَّ ذلك إعراضٌ عن العَقدِ، أشبَهَ ما لو صَرَّحا بالرَّدِّ.
стр. 3344
والكَلامُ الأجنَبيُّ: هو ما لا يَكونُ مِنْ مُقتَضى العَقدِ ولا مِنْ مَصالِحِه ولا مِنْ مُستحَبَّاتِه.
أمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: لو حصَل فاصِلٌ يَقتَضي الإعراضَ عمَّا كانا فيه حتى لا يَكونَ كَلامُه جَوابًا لِلكَلامِ السَّابِقِ في العُرفِ، لَم يَنعقِدِ البَيعُ، ولا يُشترَطُ ألَّا يَحصُلَ بينَ الإيجابِ والقَبولِ فَصلٌ بكَلامٍ أجنَبيٍّ عن العَقدِ، ولو كانَ يَسيرًا، كما يَقولُ الشافِعيَّةُ (١).
٥ - اشتَرطَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ أنْ يَكونَ البَيعُ مُنجَزًا لا مُعلَّقًا على شَرطٍ، وزادَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ -وهو أيضًا مُقتَضى كَلامِ سائِرِ الفُقهاءِ-: ولا مُؤقَّتًا بوَقتٍ: بأنْ تَكونَ الصِّيغةُ تَدُلُّ على التَّنجيزِ في العَقدِ والتَّأبيدِ في التَّمليكِ، فلو قالَ: بِعتُكَ هذه الدَّارَ إنْ جاءَ فُلانٌ، أو شَهَرَ كَذا، فقالَ: قَبِلتُ، لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لِوُجودِ الشَّرطِ. وذلك لأنَّ التَّعليقَ يَدلُّ على عَدَمِ الجَزمِ بإرادةِ البَيعِ والرِّضا به، والرِّضا شَرطٌ في صِحَّتِه. وكذلك لو قالَ: بِعتُكَ هذه السَّيَّارةَ سَنةً مَثَلًا، فقالَ: اشتَرَيتُ، لَم يَنعقِدِ البَيعُ؛
стр. 3345
لِوُجودِ التَّقييدِ بالوَقتِ. وذلك لأنَّ مِلكيةَ الأعيانِ لا تَقبَلُ التَّوقيتَ.
وهذا إذا كانَ التَّوقيتُ أو التَّعليقُ في المَبيعِ، أمَّا لو كانَ في الثَّمنِ، كما لو باعَه على أنْ يُوفِّيَه الثَّمنَ أوَّلَ شَهرِ كذا، أو بعدَ شَهرَيْنِ مَثَلًا، فإنَّ البَيعَ صَحيحٌ؛ لأنَّ الثَّمنَ دَيْنٌ يثبُتُ في الذِّمَّةِ، فيَقبَلُ التَّوقيتَ والتَّعليقَ، بخِلافِ الأعيانِ.
فإذا كانَ البَيعُ مُقايَضةً، أي: بَيعَ سِلعةٍ بسِلعةٍ، كَبَيعِ سَيَّارةٍ بسَيَّارةٍ مَثَلًا، أو دارٍ بدارٍ، فلا تَقبَلُ التَّعليقَ أيضًا (١).
انعِقادُ البَيعِ بالكِتابةِ والمُراسَلةِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَصحُّ التَّعاقُدُ بالكِتابةِ بينَ حاضِرَيْنِ، أو باللَّفظِ مِنْ حاضِرٍ، والكِتابةِ مِنْ غائِبٍ. وكذلك يَنعقِدُ البَيعُ إذا أوجَبَ العاقِدُ البَيعَ بالكِتابةِ إلى غائِبٍ بمِثلِ عِبارةِ: بِعتُكَ داري بكذا، أو أرسَلَ بذلك رَسولًا فقبلَ المُشتَرِي بعدَ اطِّلاعِه على الإيجابِ مِنْ الكِتابِ أوِ الرَّسولِ.
واشتَرطَ الشافِعيَّةُ الفَورَ في القَبولِ، وقالوا: يَمتَدُّ خِيارُ المَجلِسِ لِلمَكتوبِ إليه، أوِ المُرسَلِ إليه ما دامَ في مَجلِسِ قَبولِه، ولا يُعتبَرُ لِلكاتِبِ مَجلِسٌ، ولو بعدَ قَبولِ المَكتوبِ إليه، بَلْ يَمتَدُّ خِيارُه ما دامَ خِيارُ المَكتوبِ إليه. كما قالوا: لا يُشترَطُ إرسالُ الكِتابِ أوِ الرَّسولِ فَورًا عَقِبَ الإجابةِ،
стр. 3346
واشتَرطَ الشافِعيَّةُ هُنا أيضًا ألَّا يَطولَ الفَصلُ بينَ لَفظِ أحَدِهِما وكِتابةِ الآخَرِ.
والعِبرةُ في التَّخَلُّلِ في الغائِبِ بما يقعُ مِنه عَقِبَ عِلمِه أو ظَنِّه بوُقوعِ البَيعِ له، كما هو ظاهِرٌ بسُكوتِ مُريدِ الجَوابِ، أو كَلامِ مَنْ انقَضى لَفظُه، بحيثُ يُشعِرُ بالإعراضِ، وإنْ كانَ لِمَصلَحةٍ ولِشائِبةِ التَّعليقِ أوِ الجَعالةِ في الخُلعِ اغتُفِرَ فيه اليَسيرِ مُطلَقًا، ولو أجنَبِيًّا، ولَم يَشترِطْ غيرُ الشافِعيَّةِ الفَورَ في القَبولِ، بَلْ صرَّح الحَنابِلةُ بأنَّه لا يَضُرُّ التَّراخي هُنا بينَ الإيجابِ والقَبولِ؛ لأنَّ التَّراخيَ مع غَيبةِ المُشتَرِي لا يَدلُّ على إعراضِه عن الإيجابِ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: وإنْ كانَ المُشتَرِي غائبًا عن المَجلِسِ فكاتَبَه البائِعُ أو راسَلَهُ: إنِّي بِعتُكَ داري بكَذا، أو: إنِّي بِعتُ فُلانًا، ونَسَبَه بما يُميِّزُه، داري بكذا، فلمَّا بلَغه، أي: المُشتَرِي، الخَبَرُ قبلَ البَيعَ، صَحَّ العَقدُ؛ لأنَّ التَّراخيَ مع غَيبةِ المُشتَرِي لا يَدلُّ على إعراضِه عن الإيجابِ، بخِلافِ ما لو كانَ حاضِرًا، ففرَّق المُصنِّفُ في تَراخي القَبولِ عن الإيجابِ بينَ ما إذا كانَ المُشتَرِي حاضِرًا، وما إذا كانَ غائِبًا، وهذا يُوافِقُ رِوايةَ أبي طالِبٍ في النِّكاحِ، قالَ في رَجُلٍ يَمشي إليه قَومٌ، فقالوا: زَوِّجْ فُلانًا، فقالَ: قد زَوَّجتُه على ألْفٍ، فرَجَعوا إلى الزَّوجِ فأخبَروه، فقالَ: قد قَبِلتُ، هل يَكونُ هذا نِكاحًا؟ قالَ: نَعَمْ.
قالَ الشَّيخُ التَّقيُّ: ويَجوزُ أنْ يُقالَ: إنْ كانَ العاقِدُ الآخَرُ حاضِرًا اعتُبِرَ قَبولُه، وإنْ كانَ غائِبًا جازَ تَراخي القَبولِ عن المَجلِسِ، كما قُلْنا في وِلايةِ
стр. 3347
القَضاءِ، انتَهَى. وظاهِرُ كَلامِ أكثَرِ الأصحابِ خِلافُه؛ فإنَّهمُ اعتَبَروا في القَبولِ أنْ يَكونَ عَقِبَ الإيجابِ، ثم ذَكَروا حُكمَ التَّراخي على ما ذكَره مِنْ التَّفصيلِ في المَجلِسِ فَقط، وحَكَّموا رِوايةَ أبي طالِب في النِّكاحِ مُقابَلةً لِمَا قَدَّموهُ (١).
لكنَّ الحَنفيَّةَ لَم يُصَحِّحوا بَيعَ الغائِبِ، فقالَ الكاسانِيُّ ﵀: إذا أوجَبَ أحَدُهُما البَيعَ، والآخَرُ غائِبٌ، فبلَغه، فقبلَ، لا يَنعقِدُ بأنْ قالَ: بِعتُ عَبدي هذا مِنْ فُلانٍ الغائِبِ بكَذا، فبلَغه، فقبلَ، ولو قبلَ عنه قابِلٌ يَنعقِدُ، والأصْلُ في هذا أنَّ أحَدَ الشَّطرَيْنِ مِنْ أحَدِ العاقِدَيْنِ في بابِ البَيعِ يَتوقَّفُ على الآخَرِ في المَجلِسِ، ولا يَتوقَّفُ على الشَّطرِ الآخَرِ مِنْ العاقِدِ الآخَرِ فيما وَراءَ المَجلِسِ بالإجماعِ، إلَّا إذا كانَ عنه قابِلٌ، أو كانَ بالرِّسالةِ أو بالكِتابةِ (٢).
стр. 3348
الرُّكنُ الثَّاني مِنْ أركانِ البَيعِ: العاقِدانِ: مِنْ بائِعٍ ومُشتَرٍ.
يُشترَطُ في العاقِدَيْنِ، البائِعِ والمُشتَرِي، عِدَّةُ شُروطٍ، مِنها ما هو مُتَّفقٌ عليه، ومِنها ما هو مُختلَفٌ فيه.
أمَّا المُتَّفقُ عليه فهو:
أنْ يَكونَ كُلٌّ مِنهُما عاقِلًا بالِغًا رَشيدًا.
قالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ كانَ عاقِلًا بالِغًا حُرًّا عَدلًا في دِينِه حَسَنَ النَّظَرِ في مالِهِ -أي: رَشيدًا- أنَّه لا يُحجَرُ عليه، وأنَّ كُلَّ ما أنفَذَه مِنْ بَيعٍ أو شِراءٍ جائِزٌ، وكذا المَرأةُ (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه يَصحُّ البَيعُ مِنْ كلِّ بالِغٍ عاقِلٍ مُختارٍ مُطلَقِ التَّصرُّفِ.
واتَّفَقوا على أنَّه لا يَصحُّ بَيعُ المَجنونِ (٢).
واشتَرطَ الحَنفيَّةُ أنْ يَكونَ مُتعدِّدًا: بأنْ يَكونَ هناك عاقِدانِ يُبرِمانِ العَقدَ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ مُتضادَّةٌ، ولا يُعقَلُ أنْ يَكونَ أحَدُهما مُسلِّمًا ومُتسلِّمًا في آنٍ واحِدٍ.
والفَرقُ بينَ حُكمِ العَقدِ وحُقوقِ العَقدِ: أنَّ الحُكمَ هو الأثَرُ الجَوهَريُّ، أو النَّوعيُّ الذي يَترتَّبُ على العَقدِ، وهو في البَيعِ ثُبوتُ المِلْكِ في العِوضَيْنِ.
стр. 3349
وأمَّا حُقوقُ العَقدِ فهي الأعمالُ أو الِالتِزاماتُ التي لا بدَّ منها لِإتمامِ عَمليَّةِ العَقدِ، كالتَّسليمِ والتَّسلُّمِ والرَّدِّ بالعَيبِ.
فَلا يَنعقِدُ البَيعُ بوَكيلٍ مِنْ الجانِبَيْنِ إلَّا في الأبِ ووَصِيِّه والقاضي والرَّسولِ مِنْ الجانِبَيْنِ إذا كانَ البَيعُ بمِثلِ القِيمةِ، ويَجوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَكونَ وَلِيًّا ووَكيلًا في عَقدِ النِّكاحِ.
وَلا يُشترَطُ لِإبرامِ العَقدِ الإسلامُ، ولا النُّطقُ، ولا الصَّحوُ، فيَصحُّ البَيعُ مِنْ غيرِ المُسلِمِ ومِنَ الأخرَسِ والسَّكرانِ.
أمَّا المُختلَفُ فيه فهو:
١ - بَيعُ الصَّبيِّ:
الصَّبيُّ إذا كانَ غيرَ مُميِّزٍ لا يَصحُّ بَيعُه عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، خِلافًا لِبَعضِ المالِكيَّةِ، وإنْ أذِنَ له وَلِيُّه؛ لِتَوقُّفِ انتِقالِ المِلْكِ على الرِّضا؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ مالُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا عن طِيبِ نَفْسٍ»، فلا بدَّ مِنْ رِضًا مُعتَبَرٍ، وهو مَفقودٌ مِنْ غيرِ المُميِّزِ (١).
وأمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ فقد اختَلَفوا في بَيعِه على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: لا يَصحُّ بَيعُه، وهو قَولُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: الأمرُ الثَّاني: أهليَّةُ البائِعِ والمُشتَرِي، ويُشترَطُ فيهما لِصِحَّةِ البَيعِ التَّكليفُ؛ فلا يَنعقِدُ بعِبارةِ الصَّبيِّ والمَجنونِ، لا
стр. 3350
لِنَفْسَيْهما ولا لِغيرِهما، سَواءٌ أكانَ الصَّبيُّ مُميِّزًا أم غيرَ مُميِّزٍ، باشَرَ بإذْنِ الوَليِّ أو بغيرِ إذْنِه، وسَواءٌ أكانَ بَيعَ الِاختِبارِ أو غيرَه.
وَبَيعُ الِاختِبارِ هو الذي يَمتحِنُه الوَليُّ به لِيَستَبينَ رُشدَه عندَ مُناهَزةِ الِاحتِلامِ، ولكنْ يُفوَّضُ إليه الِاستيامُ وتَدبيرُ العَقلِ، فإذا انتَهَى الأمْرُ إلى اللَّفظِ أتَى به الوَليُّ، وفي وَجْهٍ ضَعيفٍ يَصحُّ مِنه بَيعُ الاختِبارِ (١).
والقَولُ الثَّاني: أنَّه يَنعقِدُ بَيعُ الصَّبيِّ، لكنَّه لا يَلزَمُه إلَّا برِضا الوَليِّ، وهو قَولُ المالِكيَّةِ؛ فإنَّهم قالوا: يُشترَطُ في لُزومِ البَيعِ أنْ يَكونَ عاقِدُه مُكلَّفًا، فلو باعَ الصَّبيُّ المُميِّزُ أو اشتَرَى انعقَد بَيعُه وشِراؤُه، ولكنَّه لا يَلزَمُه، ولِوَليِّه النَّظَرُ في إمضائِه ورَدِّه بما يَراه الأصلَحَ لِلصَّبيِّ، ما لَم يَكُنِ الصَّبيُّ وَكيلًا عن مُكلَّفٍ، وإلَّا لزِم؛ لأنَّ البَيعَ في الحَقيقةِ عن المُوكِّلِ (٢).
القَولُ الثَّالثُ: قَولُ الحَنفيَّةِ، فقد فَرَّقوا بينَ الصَّبيِّ الذي يَعقِلُ، والصَّبيِّ الَّذي لا يَعقِلُ، فقالوا: لا يَجوزُ تَصرُّفُ الصَّبيِّ الذي يَعقِلُ إلَّا بإذْنِ وَليِّه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الوَليَّ ما أجازَ ذلك إلَّا لِمَصلَحةٍ راجِحةٍ؛ نَظَرًا له، وإلَّا ما أجازَ.
وأمَّا الصَّبيُّ غيرُ العاقِلِ فلا يَجوزُ، ولو أذِنَ له وَلِيُّه؛ لعَدمِ الأهليَّةِ.
стр. 3351
وتَفسيرُ العاقِلِ: أنْ يَعلَمَ أنَّ البَيعَ سالِبٌ، والشِّراءَ جالِبٌ، ويَعلَمَ أنَّه لا يَجتمِعُ الثَّمنُ والمُثمَّنُ في مِلكٍ واحِدٍ، ومِن عَلامةِ كَونِه غيرَ عاقِلٍ إذا أعطَى الحَلوانيَّ فُلوسًا فأخَذ الحَلوَى وجعَل يَبكي ويَقولُ: أعطِني فُلوسي، فهذا عَلامةُ كَونِه غيرَ عاقِلٍ، وإنْ أخَذ الحَلوَى وذهَب ولَم يَسترِدَّ الفُلوسَ فهو عاقِلٌ.
والمُرادُ مِنْ عَدَمِ الجَوازِ عَدَمُ النَّفاذِ إلَّا بإذْنِ وَلِيِّه، لا عَدَمُ الِانعِقادِ.
ولا يَجوزُ تَصرُّفُ المَجنونِ المَغلوبِ على عَقلِه بحالٍ، سَواءٌ أُذِنَ له فيه أو لا، والمُرادُ به الذي لا يُفيقُ أصلًا، أمَّا إذا كانَ يُفيقُ ويَعقِلُ في حالِ إفاقَتِه فتَصرُّفُه في حالِ إفاقَتِه جائِزٌ.
وَحُكمُ المَعتوهِ كالمَجنونِ، والمَعتوهُ هو مَنْ كانَ قَليلَ الفَهمِ مُختلِطَ الكَلامِ فاسِدَ التَّدبيرِ، إلَّا أنَّه لا يَضرِبُ ولا يَشتُمُ كما يَفعَلُ المَجنونُ.
وَكذلك لا يَصحُّ بَيعُ مَنْ كانَ مَريضًا وفاقِدًا عَقلَه فَقدًا تامًّا، ولو تَسلَّمَ المُشتَرِي المَبيعَ. أمَّا بَيعُ المَجنونِ جُنونًا غيرَ مُطبِقٍ فصَحيحٌ.
وَمَنْ باعَ مِنْ هَؤُلاءِ شَيئًا، أو اشتَراه وهو يَعقِلُ العَقدَ ويَقصِدُه -أي: ليسَ بهازِلٍ ولا مخطِئٍ، فإنَّ بَيعَ الهازِلِ لا يَصحُّ، وإنْ أجازَه الوَليُّ- فالوَليُّ بالخِيارِ، إنْ شاءَ أجازَه إذا كانَ فيه مَصلَحةٌ، وإنْ شاءَ فسَخه ويَحترِزُ مِنْ الغَبنِ الفاحِشِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ، وإنْ أجازَه الوَليُّ، بخِلافِ الغَبنِ اليَسيرِ (١).
стр. 3352
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ بَيعُ المُمَيِّزِ والسَّفيهِ ما لَم يَأذَنْ وَلِيُّهما، فإنْ أذِنَ صَحَّ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]، مَعناهُ: اختَبِروهم لِتَعلَموا رُشدَهم. وإنَّما يَتحقَّقُ بتَفويضِ البَيعِ والشِّراءِ إليه، ويَحرُمُ الإذْنُ بلا مَصلَحةٍ، ويَنفُذُ تَصَرُّفهما في الشَّيءِ اليَسيرِ بلا إذْنٍ.
والرِّوايةُ الأُخرى عندَ الحَنابِلةِ: لا يَصحُّ بَيعُ الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ، أشبَهَ غيرَ المُميِّزِ، ولأنَّه ممَّا يَخفَى، فضَبَطَه الشارِعُ بحَدٍّ وهو البُلوغُ، والسَّفيهُ مَحجورٌ عليه لِسوءِ تَصرُّفِه وتَبذيرِه، فإذا أذِنَ له وَلِيُّه فقد أذِنَ فيما لا مَصلَحةَ فيه، ولا يَصحُّ بغيرِ إذْنِه؛ لِما ذَكَرْنا، إلَّا في الشَّيءِ اليَسيرِ؛ لأنَّ الحِكمةَ في الحَجرِ عليهما خَوفُ ضَياعِ مالِهما بتَصرُّفِهما، وذلك مَفقودٌ في اليَسيرِ، يُؤيِّدُه أنَّ أبا الدَّرداءِ اشتَرَى مِنْ صَبيٍّ عُصفورًا وأطلَقَه (١).
٢ - بَيعُ المُكرَهِ:
بَيعُ المُكرَهِ والمَضغوطِ عليه له حالَتانِ:
إمَّا أنْ يَكونَ الإكراهُ بحَقٍّ أو بغيرِ حَقٍّ، فإنْ كانَ بحَقٍّ بأنْ أكرَهَه الحاكِمُ على بَيعِ مالِه لِوَفاءِ دَيْنِه، صَحَّ؛ لأنَّه حَمَلَ عليه بحَقٍّ سائِغٍ، ولا رُجوعَ فيه عندَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه يَلزَمُه أداءُ الحَقِّ إلى رَبِّه مِنْ غيرِ المَبيعِ، فلمَّا لَم يَفعَلْ
стр. 3353
ذلك كانَ بَيعُه اختيارًا مِنه، فلزِمه. وذلك لِما رَواه البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابٌ في بَيعِ المُكرَهِ، ونَحوِه، في الحَقِّ وغيرِه، وفيه قالَ أبو هُريرةَ ﵁: بينَما نحن في المَسجِدِ؛ إذْ خرَج علينا رَسولُ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «انطَلِقوا إلى يَهودَ»، فخَرَجْنا مَعَه حتى جِئْنا بَيتَ المِدراسِ، فناداهمُ النَّبيُّ ﷺ ، فقالَ: «يا مَعشَرَ يَهودَ، أسلِموا تَسْلَموا»، فقالوا: قد بَلَّغتَ يا أبا القاسِمِ، فقالَ: «ذلك أُريدُ»، قالَها ثلاثًا، ثم قالَ: «اعلَموا أنَّ الأرضَ لِلَّه ورَسولِه، وإنِّي أُريدُ أنْ أُجليَكم، فمَن وجَد مِنكم بمالِه شَيئًا فليَبِعْه، وإلَّا فاعلَموا أنَّما الأرضُ لِلَّه ولرَسولِه» (١).
قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ المُهلَّبُ: أمَّا ما باعَه المَضغوطُ في حَقٍّ وجَب عليه؛ فذلك ماضٍ سائِغٌ لا رُجوعَ فيه عندَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه يَلزَمُه أداءُ الحَقِّ إلى صاحِبِه مِنْ غيرِ المَبيعِ، فلمَّا لَم يَفعَلْ كانَ بَيعُه اختيارًا مِنه، فلزِمه.
وَوَجهُ الِاستِدلالِ على هذه المَسألةِ مِنْ هذا الحَديثِ هو أنَّ إخراجَ النَّبيِّ ﷺ اليَهودَ حَقٌّ؛ لأنَّه إنَّما فعَل ذلك بوَحيٍ مِنْ اللَّه ، فأباحَ لَهم بَيعَ أموالِهم، فكانَ بَيعُهم جائِزًا؛ لأنَّه لَم يَقَعِ الإكراهُ على البَيعِ مِنْ أجلِ أعيانِ الشَّيءِ المَبيعِ، وإنَّما وقَع مِنْ أجْلِ الذي لزِمهم في الخُروجِ، فكذلك كانَ بَيعُ مَنْ وجَب عليه حَقٌّ جائِزًا (٢).
وأمَّا إنْ كانَ بغيرِ حَقٍّ، بأنْ بِيعَ عليه ظُلمًا أو قَهرًا فذلك بَيعٌ لا يَجوزُ، وهو باطِلٌ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
стр. 3354
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما البَيعُ عن تَراضٍ» (١). وقَولِه ﷺ : «لا يَحِلُّ مالُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا بطِيبٍ مِنْ نَفْسهِ» رَواه أحمدُ والبَيهَقيُّ وأبو يَعلَى.
قالَ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ ﵀: بَيعُ المُكرَهِ باطِلٌ اتِّفاقًا (٢).
قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأمَّا بَيعُ المُكرَهِ ظُلمًا وقَهرًا فقالَ مُحمَّدُ بنُ سَحنونٍ: أجمَعَ أصحابُنا وأهلُ العِراقِ على أنَّ بَيعَ المُكرَهِ على الظُّلمِ والجَورِ لا يَلزَمُه. وقالَ الأبهَريُّ: إنَّه إجماعٌ. وقالَ مُطرِّفٌ وابنُ عَبدِ الحَكَمِ وأصبَغُ: وسَواءٌ وَصَلَ الثَّمنُ إلى المَضغوطِ، ثم دَفَعَه إلى الذي ألجَأه إلى بَيعِ ما باعَه، أو كانَ الظَّالِمُ هو تَولَّى قَبْضَ الثَّمنِ مِنْ المُبتاعِ؛ لأنَّه إنَّما يَقبِضُه لِغيرِه، لا لِنَفْسِه، فإذا ظَفِرَ بمَتاعِه بيَدِ مَنْ ابتاعَه، أو بيَدِ مَنْ اشتَراه مِنْ الذي ابتاعَه، فهو أحَقُّ به، ولا شَيءَ عليه مِنْ الثَّمنِ، ولْيَتراجَعْ به الباعةُ بَعضُهم على بَعضٍ حتى يَرجِعَ المُبتاعُ الأوَّلُ على الظَّالِمِ الذي وَصَلَ إليه الثَّمنَ، فإنْ فاتَ المُبتاعُ رجَع بقِيمَتِه على الذي فاتَ عندَه، أو بالثَّمنِ الذي بِيعَ به، أيَّ ذلك كانَ أكثَرَ (٣).
стр. 3355
قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: وأمَّا بَيعُ المُكرَهِ والمَضغوطِ فلَه حالَتانِ؛ الأُولَى أنْ يَبيعَ مالَه في حَقٍّ وجَب عليه، فذلك ماضٍ سائِغٌ لا رُجوعَ فيه عندَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه يَلزَمُه أداءُ الحَقِّ إلى رَبِّه مِنْ غيرِ المَبيعِ، فلمَّا لَم يَفعَلْ ذلك كانَ بَيعُه اختيارًا مِنه، فلزِمه، وأمَّا بَيعُ المُكرَهِ ظُلمًا أو قَهرًا فذلك بَيعٌ لا يَجوزُ عليه، وهو أوْلَى بمَتاعِه يَأخُذُه بلا ثَمَنٍ، ويَتبَعُ المُشتَرِي بالثَّمنِ ذلك الظَّالِمَ، فإنْ فاتَ المَتاعُ رجَع بثَمَنِه أو بقِيمَتِه بالأكثَرِ مِنْ ذلك على الظَّالِمِ إذا كانَ المُشتَرِي غيرَ عالِمٍ بظُلمِه، قالَ مُطَرِّفٌ: ومَن كانَ مِنْ المُشتَرينَ يَعلَمُ حالَ المُكرَهِ فإنَّه ضامِنٌ لِما ابتاعَ مِنْ رَقيقِه وعُروضِه، كالغاصِبِ، وكُلَّما أحدَثَ المُبتاعُ في ذلك مِنْ عِتقٍ أو تَدبيرٍ أو تَحبيسٍ فلا يَلزَمُ المُكرَهَ، ولَه أخْذُ مَتاعِه. قالَ سَحنونٌ: أجمَعَ أصحابُنا وأهلُ العِراقِ على أنَّ بَيعَ المُكرَهِ على الظُّلمِ والجَورِ لا يَجوزُ. وقالَ الأبهَرِيُّ: إنَّه إجماعٌ (١).
لَكنِ اختلَف الفُقهاءُ في بَيعِ المُكرَهِ بغيرِ حَقٍّ، هل هو شَرطُ صِحَّةٍ وتَخلُّفُه يُوجِبُ فَسادَ العَقدِ، كما هو قَولُ الحَنفيَّةِ، كما سَيَأتي، أو هو شَرطُ لُزومٍ وتَخلُّفُه يُوجِبُ جَعْلَ العَقدِ غيرَ لازِمٍ، كما عندَ المالِكيَّةِ على الخِلافِ عندَهم، أو هو شَرطُ انعِقادٍ، وتَخلُّفُه يُوجِبُ بُطلانَ العَقدِ، كما هو قَولُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؟ أقوالٌ ثَلاثةٌ بَيانُها على التَّفصيلِ الآتي:
القَولُ الأوَّلُ لِلحنفيَّةِ: قالوا: وإذا أُكرِهَ الرَّجُلُ على بَيعِ مالِه، أو على
стр. 3356
شِراءِ سِلعةٍ، أو على أنْ يُقِرَّ لِرَجُلٍ بألْفِ دِرهَمٍ، أو يُؤاجِرَ دارَه وأُكرِهَ على ذلك بالضَّربِ الشَّديدِ أو بالقَتلِ أو بالحَبسِ، فباعَ أو اشتَرَى فهو بالخِيارِ، إنْ شاءَ أمْضى البَيعَ، وإنْ شاءَ فسَخه ورجَع بالمَبيعِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ هذه العُقودِ التَّراضي، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
ثُمَّ إذا باعَ مُكرَهًا وسلَّم مُكرَهًا ثبَت به المِلْكُ؛ لأنَّ رُكنَ البَيعِ صدَر مِنْ أهلِه مُضافًا إلى مَحَلِّه، وكانَ الفَسادُ لِفَقْدِ شَرطِه، وهو التَّراضي، فصارَ كَسائِرِ الشُّروطِ المُفسِدةِ، فيثبُتُ به المِلْكُ عندَ القَبضِ، حتى لو قبَضه وأعتَقَه أو تَصرَّفَ فيه تَصرُّفًا لا يُمكِنُ نَقضُه، كالتَّدبيرِ والِاستيلادِ، جازَ، ولزِمتْه القِيمةُ، وإنْ تَصرَّفَ فيه تَصرُّفًا يَلحَقُه الفَسخُ، كالبَيعِ والإجارةِ والكِتابةِ، ونَحوِها، فإنَّه يَنفسِخُ، ولَم يَنقطِعْ حَقُّ استِردادِ البائِعِ، وإنْ تَداولَتْه الأيدي، بخِلافِ سائِرِ البِياعاتِ الفاسِدةِ؛ فإنَّ تَصرُّفَ المُشتَرِي فيها لا يُفسَخُ؛ لأنَّ الفَسادَ فيها هُناكَ لَحِقَ الشَّرعَ، وقد تَعلَّقَ بالبَيعِ الثَّاني حَقُّ العَبدِ، وحَقُّه مُقدَّمٌ؛ لِحاجَتِه، أمَّا هُنا فالرَّدُّ لَحِقَ العَبدَ، وهُما سَواءٌ، فلا يَبطُلُ حَقُّ الأوَّلِ لِحَقِّ الثَّاني.
وَإنْ كانَ قبَض الثَّمنَ طَوعًا فقد أجازَ البَيعَ، وكذا إذا أسلَمَ المَبيعَ طائِعًا؛ لأنَّه دِلالةُ الإجازةِ.
وَإنْ كانَ قبَض الثَّمنِ مُكرَهًا فليسَ بإجازةٍ، وعليه رَدُّ الثَّمنِ إنْ كانَ قائِمًا في يَدِه، وإنْ كانَ هالِكًا لا يُؤخَذُ مِنه شَيءٌ؛ لأنَّ قَبْضَه لَم يَكُنْ لِلتَّملُّكِ؛ لِكَونِه مُكرَهًا، وكانَ بإذْنِ المالِكِ، فكانَ أمانةً؛ لأنَّه مُكرَهٌ على قَبضِه، فكانَ أمانةً، والأماناتُ لا تُضمَنُ إذا هَلكَتْ مِنْ غيرِ تَعَدٍّ.
стр. 3357
وَإنْ باعَ بالإكراهِ وهلَك المَبيعُ في يَدِ المُشتَرِي وهو غيرُ مُكرَهٍ ضمِن قِيمَتَه لِلبائِعِ؛ لأنَّه بَيعٌ فاسِدٌ، والمَقبوضَ فيه مَضمونٌ بالقِيمةِ، وإنْ كانَ قائِمًا رَدَّه عليه.
وَلِلمُكرَهِ أنْ يُضمِّنَ المُكرِهَ إنْ شاءَ، فإنْ ضَمَّنَ المُكرِهَ كانَ له أنْ يَرجِعَ على المُشتَرِي بما ضمِن، وهو القِيمةُ، وإنْ شاءَ ضَمَّنَ المُشتَريَ، وهو لا يَرجِعُ على المُكرَهِ (١).
القَولُ الثَّاني لِلمالِكيَّةِ: قالوا: الإكراهُ الذي يَمنَعُ نَفاذَ البَيعِ هو الإكراهُ بغيرِ حَقٍّ، وهو يَنقسِمُ إلى قِسمَيْنِ:
الأوَّلُ: إكراهٌ على نَفْسِ البَيعِ، وذلك كَأنْ يُكرِهَه ظالِمٌ على بَيعِ كلِّ مِلْكِه أو بَعضِه. وحُكمُ هذا النَّوعِ أنَّه بَيعٌ غيرُ لازِمٍ؛ فلِلبائِعِ أنْ يَرُدَّ ما باعَه مَتَى أمكَنَه، وعليه أنْ يَرُدَّ الثَّمنَ الذي أخَذه، ما لَم يَكُنْ قد تلِف مِنه بدُونِ أنْ يُفرِّطَ في حِفظِه، فإذا أقامَ البَيِّنةَ على أنَّه تلِف مِنه على هذا الوَجهِ فإنَّه لا يُلزَمُ برَدِّه، بَلْ يَسترِدُّ سِلعَتَه بدُونِ أنْ يَرُدَّ ثَمَنَها.
والثَّاني: إكراهٌ على شَيءٍ يُجبِرُه على البَيعِ، كَأنْ يُكرِهَه ذلك الظَّالِمُ على أنْ يُعطيَه مالًا غيرَ قادِرٍ عليه، فيُضطَرَّ لِبَيعِ مِلْكِه لِيَحصُلَ له ذلك المالُ، فهو لَم يُكرِهْه على البَيعِ نَفْسِه، وإنَّما أكرَهَه على سَبَبِ البَيعِ. وهذا النَّوعُ -وهو
стр. 3358
الإكراهُ على سَبَبِ البَيعِ- فيه خِلافٌ في المَذهبِ، والمَشهورُ أنَّه بَيعٌ غيرُ لازِمٍ أيضًا، وهو مَذهبُ ابنِ القاسِمِ، ورِوايَتُه عن مالِكٍ.
وقالَ بَعضُهم -منهم ابنُ كِنانةَ واللَّخميُّ والبُرزُليُّ والسُّيوريُّ وابنُ عَرَفةَ-: إنَّه بَيعٌ لازِمٌ؛ لأنَّه غيرُ مَفسوخٍ. قالَ الدُّسوقيُّ: وهو الذي عليه العَمَلُ. وذلك لأنَّ فيه مَصلَحةَ البائِعِ؛ إذْ لو فُرِضَ أنَّ ظالِمًا طَلَب مِنْ شَخصٍ مالًا لَم يَكُنْ قادِرًا عليه فسَجَنَه لِذلكَ وعندَه عَينٌ إذا باعَها يَحصُلُ على ذلك المالِ ويُخلَّصُ مِنْ عَذابِ السِّجنِ، فإذا قُلنا: إنَّ بَيعَها غيرُ لازِمٍ لَم يُقْدِمْ أحَدٌ على شِرائِها، وفي ذلك ضَرَرٌ بالمَسجونِ؛ فلِذا أفتَى كَثيرٌ مِنْ أئِمَّةِ المالِكيَّةِ بلُزومِ البَيعِ لِلمَصلَحةِ.
وعلى القَولِ بعَدَمِ لُزومِه فإذا استَرَدَّه البائِعُ فعليه أنْ يَرُدَّ ما أخَذه مِنْ الثَّمنِ على المُعتمَدِ، كما يَقولُ الدُّسوقيُّ، وقالَ خَليلٌ: يَرُدُّ عليه مَتاعَه بلا ثَمَنٍ، يَعني أنَّ المُكرَهَ على سَبَبِ البَيعِ، وهو المالُ، إذا قدَر على خَلاصِ شَيئِه الذي باعَه فإنَّه يَأخُذُه مِمَّنْ هو بيَدِه بلا غُرمِ ثَمَنِه، ويَرجِعُ المُشتَرِي على الظَّالِمِ أو وَكيلِه، وسَواءٌ أعَلِمَ المُشتَرِي بأنَّه مُكرَهٌ أم لا، والمُشتَرَى مِنه كالمُشتَرِي مِنْ الغاصِبِ في العِلمِ وعَدَمِه، والضَّمانِ والغَلَّةِ وعَدَمِهما (١).
القَولُ الثَّالثُ، وهو قَولُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ: أنَّه لا يَنعقِدُ بَيعُ المُكرَهِ بغيرِ حَقٍّ بحالٍ، فلا يَصحُّ عَقدُ مُكرَهٍ في مالِه؛ لعَدمِ الرِّضا؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ
стр. 3359
تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما البَيعُ عن تَراضٍ» (١). فدَلَّ على أنَّه لا بَيعَ مِنْ غيرِ تَراضٍ.
وقالَ الشافِعيَّةُ: إلَّا إذا قصَد إيقاعَ العَقدِ ونَواه حالَ الإكراهِ؛ فإنَّه في هذه الحالةِ لا يَكونُ مُكرَهًا، وكذا إنْ ظهَر مِنه قَرينةُ اختيارٍ، كَأنْ يُكرَهَ على البَيعِ بألْفٍ فيَبيعَ بأقَلَّ مِنْ ذلك أو أكثَرَ.
وَكَذا مَنْ أكرَهَ غيرَه -ولو بالباطِلِ- على بَيعِ مالِ نَفْسِه، صَحَّ فيه؛ لأنَّه أبلَغُ في الإذْنِ، وكذا في مالِ غيرِه؛ حيثُ كانَ المُكرَهُ له غيرَ مالِكِه.
وَكَذا يَصحُّ بَيعُ المُصادَرِ مِنْ جِهةِ ظالِمٍ: وهي أنْ يَطلُبَ ظالِمٌ مِنْ شَخصٍ مالًا فيَبيعَ الشَّخصُ دارَه لِأجْلِ أنْ يَدفَعَ ما طُلِبَ مِنه؛ لِئَلَّا يَنالَه أذًى مِنْ ذلك الظَّالِمِ، وذلك لأنَّه لا إكراهَ فيه على البَيعِ؛ إذْ قَصْدُ الظَّالِمِ تَحصيلُ المالِ مِنه بأيِّ جِهةٍ كانَتْ، سَواءٌ كانَ ببَيعِ دارِه أو رَهْنِها أو إيجارِها، أو بغيرِ ذلك (٢).
стр. 3360
٣ - بَيعُ التَّلجِئةِ:
صُورةُ بَيعِ التَّلجِئةِ أو بَيعِ الأمانةِ: أنْ يَخافَ إنسانٌ اعتِداءَ ظالِمٍ على بَعضِ ما يَملِكُ، فيَتظاهَرُ هو ببَيعِه لِثالِثٍ؛ فِرارًا مِنه؛ لِيَحتَميَ بذلك، ولا يُريدانِ بَيعًا حَقيقيًّا، ويَتمُّ العَقدُ مُستوفِيًا أركانَه وشَرائِطَه.
وقد اختلَف الفُقهاءُ في بَيعِ التَّلجِئةِ على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: إنَّه عَقدٌ باطِلٌ غيرُ صَحيحٍ، وهو قَولُ الحَنابِلةِ وظاهِرُ الرِّوايةُ عن أبي حَنيفةَ وهو قَولُ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّ العاقِدَيْنِ تَكَلَّما بصِيغةِ البَيعِ، لا على قَصدِ الحَقيقةِ، وهو تَفسيرُ الهَزلِ، والهَزلُ يَمنَعُ جَوازَ البَيعِ؛ لأنَّه يُعدِمُ الرِّضا بمُباشَرةِ السَّببِ؛ فلَم يَكُنْ هذا بَيعًا مُنعَقِدًا في حَقِّ الحُكمِ. ولأنَّ القَصدَ مِنه التَّقيَّةَ فَقط؛ لِحَديثِ: «وإنَّما لِكُلِّ امرِئٍ ما نَوَى» (١).
والحُكمُ ببُطلانِ هذا البَيعِ لِمَكانِ الضَّرورةِ، فلو اعتَبَرْنا وُجودَ الشَّرطِ عندَ البَيعِ لا تَندفِعُ الضَّرورةُ.
أمَّا إذا باعَ شَيئًا فِرارًا مِنْ ظالِمٍ ونَحوِه مِنْ غيرِ أنْ يَتَّفقَ مع المُشتَرِي على أنَّ هذا بَيعُ تَلجِئةٍ وأمانةٍ فإنَّ البَيعَ يقعُ صَحيحًا؛ لأنَّه صدَر مِنْ غيرِ إكراهٍ في هذه الحالةِ.
وكذا لو أُكرِهَ على أنْ يَستحضِرَ مالًا، فباعَ مِلْكَه في ذلك صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّه لَم يُكرَهْ على البَيعِ، وإنَّما أُكرِهَ على سَبَبِ البَيعِ، وإنَّما يُكرَهُ الشِّراءُ مِنه؛ لأنَّه بَيعٌ بدُونِ ثَمَنِ مِثلِه.
стр. 3361
وقالَ الحَنابِلةُ: ويُقبَلُ مِنْ البائِعِ أنَّ البَيعَ وقَع تَلجِئةً أو هَزلًا بقَرينةٍ دالَّةٍ على ذلك مع يَمينِه؛ لِاحتِمالِ كَذِبِه، فإنْ لَم تُوجَدْ قَرينةٌ لَم تُقبَلْ دَعواهُ إلَّا ببَيِّنةٍ.
وَأمَّا الحَنفيَّةُ فقالوا: إذا اختَلَفا فادَّعَى أحَدُهما التَّلجِئةَ، وأنكَرَ الآخَرُ، وزَعَمَ أنَّ البَيعَ بَيعُ رَغبةٍ، فالقَولُ قَولُ مُنكِرِ التَّلجِئةِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شاهِدٌ له، فكانَ القَولُ قَولَه مع يَمينِه على ما يَدَّعيه صاحِبُه مِنْ التَّلجِئةِ إذا طَلَبَ الثَّمنَ.
وَإنْ أقامَ المُدَّعي البَيِّنةَ على التَّلجِئةِ تُقبَلُ بَيِّنتُه؛ لأنَّه أثبَتَ الشَّرطَ بالبَيِّنةِ، فتُقبَلُ بَيِّنتُه كما لو أثبَتَ الخِيارَ بالبَيِّنةِ.
ولو اتَّفَقا على التَّلجِئةِ ثم قالا عندَ البَيعِ: كلُّ شَرطٍ كانَ بينَنا فهو باطِلٌ، تَبطُلُ التَّلجِئةُ، ويَجوزُ البَيعُ؛ لأنَّه شَرطٌ فاسِدٌ زائِدٌ، فاحتَمَلَ السُّقوطَ بالإسقاطِ، ومَتَى سقَط صارَ العَقدُ جائِزًا إلَّا إذا اتَّفَقا عندَ المُواضَعةِ وقالا: إنَّ ما نَقولُه عندَ البَيعِ أنَّ كُلَّ شَرطٍ بينَنا فهو باطِلٌ فذلك القَولُ مِنَّا باطِلٌ. فإذا قالا ذلك لا يَجوزُ العَقدُ؛ لأنَّهما اتَّفَقا على أنَّ ما يُبطِلانِه مِنْ الشَّرطِ عندَ العَقدِ باطِلٌ، إلَّا إذا حَكَيا في العَلانيةِ ما قالا في السِّرِّ، فقالا: إنَّا شَرَطْنا كذا وكَذا، وقد أبطَلْنا ذلك، ثم تَبايَعا، فيَجوزُ البَيعُ، ثم كما لا يَجوزُ بَيعُ التَّلجِئةِ لا يَجوزُ الإقرارُ بالتَّلجِئةِ بأنْ يَقولَ لِآخَرَ: إنِّي أُقِرُّ لَكَ في العَلانيةِ بمالي أو بداري، وتَواضَعا على فَسادِ الإقرارِ، لا يَصحُّ إقرارُه حتى لا يَملِكَه المُقِرُّ له.
والقَولُ الثَّاني: وهو قَولُ الشافِعيَّةِ في المَذهبِ ورِوايةُ أبي يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ أنَّ البَيعَ جائِزٌ؛ لأنَّ البَيعَ تَمَّ بأركانِه وشُروطِه خاليًا عن مُقارَنةٍ
стр. 3362
مُفسِدةٍ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقا على شَرطٍ فاسِدٍ، ثم عُقِدَ البَيعُ بغيرِ شَرطٍ. ولأنَّ ما شَرَطاه في السِّرِّ لَم يَذكُراه في العَقدِ، وإنَّما عَقَدا عَقدًا صَحيحًا بشَرائِطِه، فلا يُؤثِّرُ فيه ما تَقدَّمَ مِنْ الشَّرطِ، كما إذا اتَّفَقا على أنْ يَشتَرِطا شَرطًا فاسِدًا عندَ البَيعِ، ثم باعا مِنْ غيرِ شَرطٍ (١).
أمَّا المالِكيَّةُ فلَم أقِفْ لهم على قَولٍ في بَيعِ التَّلجِئةِ، فلَم يُصَرِّحوا في كُتُبِهم به، وإنَّما ذَكَروا بَيعَ المُكرَهِ والمَضغوطِ وبَيعِ الهازِلِ، وقد سَبَقتِ الإشارةُ إلى ذلك، وكما سَيَأتي كَلامُهم في بَيعِ الهازِلِ، كما في المَسألةِ التَّاليةِ.
٤ - بَيعُ الهازِلِ:
الهَزلُ في اللُّغةِ: اللَّعِبُ.
والهازِلُ في البَيعِ: هو الذي يَتكلَّمُ بكَلامِ البَيعِ باختيارِه ورِضاه، لكنْ لا يَختارُ ثُبوتَ الحُكمِ، ولا يَرضاه، وهو ضِدُّ الجِدِّ، وهو أنْ يُرادَ بالشَّيءِ ما وُضِعَ له.
والفَرقُ بينَ بَيعِ التَّلجِئةِ وبَيعِ الهازِلِ: أنَّ بَيعَ التَّلجِئةِ -وإنْ كانَ الدَّافِعُ إليه في الأغلَبِ هو الإكراهَ- في حَقيقَتِه هو بَيعُ الهازِلِ؛ لأنَّ البائِعَ في بَيعِ التَّلجِئةِ تَلفَّظَ بصِيغةِ البَيعِ، وهو في الحَقيقةِ لا يُريدُ البَيعَ، ولِهَذا ذكَر
стр. 3363
الكاسانيُّ أنَّه يُشبِهُ بَيعَ الهازِلِ؛ إذِ الهَزلُ يُنافي اختيارَ الحُكمِ والرِّضا به، ولا يُنافي الرِّضا بالمُباشَرةِ، واختيارِها، فصارَ بمَعنَى خِيارِ الشَّرطِ في البَيعِ.
وقد اختلَف الفُقهاءُ في بَيعِ الهازِلِ هل يَصحُّ أو لا؟ على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والشافِعيَّةِ في وَجْهٍ أنَّ بَيعَ الهازِلِ لا يَنعقِدُ؛ لأنَّه مُتكلِّمٌ بكَلامِ البَيعِ لا على إرادةِ حَقيقَتِه، فلَم يُوجَدِ الرِّضا بالبَيعِ، فلا يَصحُّ؛ لعَدمِ الرِّضا؛ لأنَّه غيرُ راضٍ بأصْلِ البَيعِ؛ لأنَّ البَيعَ اسمٌ لِلجِدِّ الذي له في الشَّرعِ حُكمٌ، والهَزلُ ضِدُّ الجِدِّ، فإذا تَصادَقا على أنَّهُما لَم يُباشِرا ما هو سَبَبُ المِلْكِ لا يَنعقِدُ البَيعُ بينَهما مُوجِبًا لِلمِلْكِ.
وقالَ الحَنابِلةُ: ويُقبَلُ مِنْ البائِعِ أنَّ البَيعَ وقَع هَزلًا بقَرينةٍ دالَّةٍ على ذلك مع يَمينِه؛ لِاحتِمالِ كَذِبِه، فإنْ لَم تُوجَدْ قَرينةٌ لَم تُقبَلْ دَعواه إلَّا ببَيِّنةٍ.
وقالَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ: إنِ اختَلَفا يُقبَلُ قَولُ مُدَّعي الجِدِّ مِنهُما؛ لأنَّه الأصلُ.
وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا قصَد بالمُبايَعةِ الهَزلَ وجَب التَّصريحُ بذلك في أثناءِ العَقدِ؛ إذْ لا تُغني دِلالةُ الحالِ عن ذلك وَحدَها، فعلى الهازِلِ في بَيعِه أنْ يَقولَ لِلمُشتَرِي: إنِّي بِعتُكَ هذا المالَ هازِلًا.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وشَرطُه -أي: شَرطُ تَحقُّقِ الهَزلِ واعتبارِه في التَّصرُّفاتِ- أنْ يَكونَ صَريحًا باللِّسانِ، مثلَ أنْ يَقولَ: إنِّي أبيعُ هازِلًا، ولا يَكتَفي بدِلالةِ الحالِ، إلَّا أنَّه لا يُشترَطُ ذِكرُه في العَقدِ، فيَكفي أنْ تَكونَ المُواضَعةُ سابِقةً على العَقدِ.
стр. 3364
فَإنْ تَواضَعا على الهَزلِ بأصْلِ البَيعِ، أي: تَوافَقا على أنَّهُما يَتَكَلَّمانِ بلَفظِ البَيعِ عندَ النَّاسِ، ولا يُريدانِه، واتَّفَقا على البِناءِ، أي: على أنَّهُما لَم يَرفَعا الهَزلَ، ولَم يَرجِعا عنه، فالبَيعُ مُنعقِدٌ لِصُدورِه مِنْ أهلِه في مَحَلِّه، لكنْ يَفسُدُ البَيعُ؛ لعَدمِ الرِّضا بحُكمِه، فصارَ كالبَيعِ بشَرطِ الخيارِ أبَدًا، لكنَّه لا يُملَكُ بالقَبضِ؛ لعَدمِ الرِّضا بالحُكمِ، حتى لو أعتَقَه المُشتَرِي لا يُنفَّذُ عِتقُه، هكذا ذَكَروا، ويَنبَغي أنْ يَكونَ البَيعُ باطِلًا؛ لِوُجودِ حُكمِه، وهو أنَّه لا يُملَكُ بالقَبضِ، وأمَّا الفاسِدُ فحُكمُه أنْ يُملَكَ بالقَبضِ، حيثُ كانَ مُختارًا راضيًا بحُكمِه، أمَّا عندَ عَدَمِ الرِّضا به فلا. اه.
فَقَولُ الشارِحِ: ولَم يَنعقِدْ مع الهَزلِ الذي هو مِنْ مَدخولِ العِلَّةِ، غيرُ صَحيحٍ؛ لِمُنافاتِه ما تَقدَّمَ مِنْ أنَّه مُنعقِدٌ لِصُدورِه مِنْ أهلِه في مَحَلِّه، لكنَّه يُفسِدُ البَيعَ؛ لعَدمِ الرِّضا بالحُكمِ، إلَّا أنْ يُحمَلَ على نَفْيِ الِانعِقادِ الصَّحيحِ، أو يَتَماشَى على البَحثِ الذي ذكَره بقَولِه: ويَنبَغي … إلخَ. اه.
قُلتُ: قد صرَّح في الخانيةِ والقُنيةِ بأنَّه بَيعٌ باطِلٌ، وبِه يَتأيَّدُ ما بَحَثَه في شَرحِ المَنارِ، وكَثيرًا ما يُطلِقونَ الفاسِدَ على الباطِلِ، كما سَتعرِفُه في بابِه، لكنْ يَرُدُّ على بُطلانِه أنَّهما لو أجازاه جازَ، والباطِلُ لا تَلحَقُه الإجازةُ، وأنَّ الباطِلَ ما ليسَ مُنعقِدًا أصلًا، والفاسِدَ ما كانَ مُنعقِدًا بأصْلِه، لا بوَصفِه، وهذا مُنعَقِدٌ بأصْلِه؛ لأنَّه مُبادَلةُ مالٍ بمالٍ دونَ وَصْفِه، ولِذلك أجابَ بَعضُ العُلماءِ بحَملِ ما في الخانيةِ على أنَّ المُرادَ بالبُطلانِ الفَسادُ، كما في حاشيةِ الحَمَويِّ وتَمامِه فيها.
قُلتُ: وهذا أوْلَى؛ لِمُوافقَتِه لِما في كُتُبِ الأُصولِ مِنْ أنَّه فاسِدٌ، وأمَّا
стр. 3365
عَدَمُ إفادَتِه المِلْكَ بالقَبضِ فلِكَونِه أشبَهَ البَيعَ بالخيارِ لَهما، وليسَ كلُّ فاسِدٍ يُملَكُ بالقَبضِ، ولِذا قالَ في الأشباهِ: إذا قبَض المُشتَرِي المَبيعَ فاسِدًا مَلَكُه، إلَّا في مَسائِلَ: الأُولَى: لا يَملِكُه في بَيعِ الهازِلِ، كما في الأُصولِ (١).
القَولُ الثَّاني: أنَّه يَصحُّ بَيعُه، كَطَلاقِه ونِكاحِه وعَتاقِه، وهو المَذهبُ عندَ الشافِعيَّةِ وقَولُ أبي الخطَّابِ مِنْ الحَنابِلةِ.
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا بَيعُ الهازِلِ وتَصرُّفاتُه الماليَّةُ فإنَّه لا يَصحُّ عندَ القاضي أبي يَعلَى وأكثَرِ أصحابِه، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ.
وقالَ أبو الخطَّابِ في انتِصارِهِ: يَصحُّ بَيعُه، كَطَلاقِه، وخرَجها بَعضُ الشافِعيَّةِ على وَجهَيْنِ، ومَن قالَ بالصِّحَّةِ قاسَ سائِرَ التَّصرُّفاتِ على النِّكاحِ والطَّلاقِ والرَّجعةِ.
والفِقهُ فيه أنَّ الهازِلَ أتَى بالقَولِ غيرَ مُلتزِمٍ لِحُكمِه، وتَرتيبُ الأحكامِ على الأسبابِ لِلشارِعِ، لا لِلعاقِدِ، فإذا أتَى بالسَّببِ لزِمه حُكمُه، شاءَ أو أبَى؛ لأنَّ ذلك لا يَقِفُ على اختيارِه، وذلك أنَّ الهازِلَ قاصِدٌ لِلقَولِ، مُريدٌ له، مع عِلمِه بمَعناه ومُوجِبِه، وقَصدُ اللَّفظِ المُتضمِّنِ لِلمَعنَى قَصدٌ لِذلك المَعنَى؛ لِتَلازُمِهِما، إلَّا أنْ يُعارِضَه قَصدٌ آخَرُ، كالمُكرَهِ والمُخادِعِ المُحتالِ؛ فإنَّهما قَصَدا شَيئًا آخَرَ غيرَ مَعنَى القَولِ ومُوجِبِه، ألَا تَرَى أنَّ المُكرَهَ قصَد دَفْعَ العَذابِ عن نَفْسِه، ولَم يَقصِدِ السَّببَ ابتِداءً، والمُحلِّلَ قصَد إعادَتَها إلى المُطلَقِ وذلك مُنافٍ لِقَصدِه مُوجِبَ السَّببِ، وأمَّا الهازِلُ