وقالَ الحَنابِلةُ: ويُقبَلُ مِنْ البائِعِ أنَّ البَيعَ وقَع تَلجِئةً أو هَزلًا بقَرينةٍ دالَّةٍ على ذلك مع يَمينِه؛ لِاحتِمالِ كَذِبِه، فإنْ لَم تُوجَدْ قَرينةٌ لَم تُقبَلْ دَعواهُ إلَّا ببَيِّنةٍ.
وَأمَّا الحَنفيَّةُ فقالوا: إذا اختَلَفا فادَّعَى أحَدُهما التَّلجِئةَ، وأنكَرَ الآخَرُ، وزَعَمَ أنَّ البَيعَ بَيعُ رَغبةٍ، فالقَولُ قَولُ مُنكِرِ التَّلجِئةِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شاهِدٌ له، فكانَ القَولُ قَولَه مع يَمينِه على ما يَدَّعيه صاحِبُه مِنْ التَّلجِئةِ إذا طَلَبَ الثَّمنَ.
وَإنْ أقامَ المُدَّعي البَيِّنةَ على التَّلجِئةِ تُقبَلُ بَيِّنتُه؛ لأنَّه أثبَتَ الشَّرطَ بالبَيِّنةِ، فتُقبَلُ بَيِّنتُه كما لو أثبَتَ الخِيارَ بالبَيِّنةِ.
ولو اتَّفَقا على التَّلجِئةِ ثم قالا عندَ البَيعِ: كلُّ شَرطٍ كانَ بينَنا فهو باطِلٌ، تَبطُلُ التَّلجِئةُ، ويَجوزُ البَيعُ؛ لأنَّه شَرطٌ فاسِدٌ زائِدٌ، فاحتَمَلَ السُّقوطَ بالإسقاطِ، ومَتَى سقَط صارَ العَقدُ جائِزًا إلَّا إذا اتَّفَقا عندَ المُواضَعةِ وقالا: إنَّ ما نَقولُه عندَ البَيعِ أنَّ كُلَّ شَرطٍ بينَنا فهو باطِلٌ فذلك القَولُ مِنَّا باطِلٌ. فإذا قالا ذلك لا يَجوزُ العَقدُ؛ لأنَّهما اتَّفَقا على أنَّ ما يُبطِلانِه مِنْ الشَّرطِ عندَ العَقدِ باطِلٌ، إلَّا إذا حَكَيا في العَلانيةِ ما قالا في السِّرِّ، فقالا: إنَّا شَرَطْنا كذا وكَذا، وقد أبطَلْنا ذلك، ثم تَبايَعا، فيَجوزُ البَيعُ، ثم كما لا يَجوزُ بَيعُ التَّلجِئةِ لا يَجوزُ الإقرارُ بالتَّلجِئةِ بأنْ يَقولَ لِآخَرَ: إنِّي أُقِرُّ لَكَ في العَلانيةِ بمالي أو بداري، وتَواضَعا على فَسادِ الإقرارِ، لا يَصحُّ إقرارُه حتى لا يَملِكَه المُقِرُّ له.
والقَولُ الثَّاني: وهو قَولُ الشافِعيَّةِ في المَذهبِ ورِوايةُ أبي يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ أنَّ البَيعَ جائِزٌ؛ لأنَّ البَيعَ تَمَّ بأركانِه وشُروطِه خاليًا عن مُقارَنةٍ
стр. 3362
مُفسِدةٍ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقا على شَرطٍ فاسِدٍ، ثم عُقِدَ البَيعُ بغيرِ شَرطٍ. ولأنَّ ما شَرَطاه في السِّرِّ لَم يَذكُراه في العَقدِ، وإنَّما عَقَدا عَقدًا صَحيحًا بشَرائِطِه، فلا يُؤثِّرُ فيه ما تَقدَّمَ مِنْ الشَّرطِ، كما إذا اتَّفَقا على أنْ يَشتَرِطا شَرطًا فاسِدًا عندَ البَيعِ، ثم باعا مِنْ غيرِ شَرطٍ (١).
أمَّا المالِكيَّةُ فلَم أقِفْ لهم على قَولٍ في بَيعِ التَّلجِئةِ، فلَم يُصَرِّحوا في كُتُبِهم به، وإنَّما ذَكَروا بَيعَ المُكرَهِ والمَضغوطِ وبَيعِ الهازِلِ، وقد سَبَقتِ الإشارةُ إلى ذلك، وكما سَيَأتي كَلامُهم في بَيعِ الهازِلِ، كما في المَسألةِ التَّاليةِ.
٤ - بَيعُ الهازِلِ:
الهَزلُ في اللُّغةِ: اللَّعِبُ.
والهازِلُ في البَيعِ: هو الذي يَتكلَّمُ بكَلامِ البَيعِ باختيارِه ورِضاه، لكنْ لا يَختارُ ثُبوتَ الحُكمِ، ولا يَرضاه، وهو ضِدُّ الجِدِّ، وهو أنْ يُرادَ بالشَّيءِ ما وُضِعَ له.
والفَرقُ بينَ بَيعِ التَّلجِئةِ وبَيعِ الهازِلِ: أنَّ بَيعَ التَّلجِئةِ -وإنْ كانَ الدَّافِعُ إليه في الأغلَبِ هو الإكراهَ- في حَقيقَتِه هو بَيعُ الهازِلِ؛ لأنَّ البائِعَ في بَيعِ التَّلجِئةِ تَلفَّظَ بصِيغةِ البَيعِ، وهو في الحَقيقةِ لا يُريدُ البَيعَ، ولِهَذا ذكَر
стр. 3363
الكاسانيُّ أنَّه يُشبِهُ بَيعَ الهازِلِ؛ إذِ الهَزلُ يُنافي اختيارَ الحُكمِ والرِّضا به، ولا يُنافي الرِّضا بالمُباشَرةِ، واختيارِها، فصارَ بمَعنَى خِيارِ الشَّرطِ في البَيعِ.
وقد اختلَف الفُقهاءُ في بَيعِ الهازِلِ هل يَصحُّ أو لا؟ على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والشافِعيَّةِ في وَجْهٍ أنَّ بَيعَ الهازِلِ لا يَنعقِدُ؛ لأنَّه مُتكلِّمٌ بكَلامِ البَيعِ لا على إرادةِ حَقيقَتِه، فلَم يُوجَدِ الرِّضا بالبَيعِ، فلا يَصحُّ؛ لعَدمِ الرِّضا؛ لأنَّه غيرُ راضٍ بأصْلِ البَيعِ؛ لأنَّ البَيعَ اسمٌ لِلجِدِّ الذي له في الشَّرعِ حُكمٌ، والهَزلُ ضِدُّ الجِدِّ، فإذا تَصادَقا على أنَّهُما لَم يُباشِرا ما هو سَبَبُ المِلْكِ لا يَنعقِدُ البَيعُ بينَهما مُوجِبًا لِلمِلْكِ.
وقالَ الحَنابِلةُ: ويُقبَلُ مِنْ البائِعِ أنَّ البَيعَ وقَع هَزلًا بقَرينةٍ دالَّةٍ على ذلك مع يَمينِه؛ لِاحتِمالِ كَذِبِه، فإنْ لَم تُوجَدْ قَرينةٌ لَم تُقبَلْ دَعواه إلَّا ببَيِّنةٍ.
وقالَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ: إنِ اختَلَفا يُقبَلُ قَولُ مُدَّعي الجِدِّ مِنهُما؛ لأنَّه الأصلُ.
وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا قصَد بالمُبايَعةِ الهَزلَ وجَب التَّصريحُ بذلك في أثناءِ العَقدِ؛ إذْ لا تُغني دِلالةُ الحالِ عن ذلك وَحدَها، فعلى الهازِلِ في بَيعِه أنْ يَقولَ لِلمُشتَرِي: إنِّي بِعتُكَ هذا المالَ هازِلًا.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وشَرطُه -أي: شَرطُ تَحقُّقِ الهَزلِ واعتبارِه في التَّصرُّفاتِ- أنْ يَكونَ صَريحًا باللِّسانِ، مثلَ أنْ يَقولَ: إنِّي أبيعُ هازِلًا، ولا يَكتَفي بدِلالةِ الحالِ، إلَّا أنَّه لا يُشترَطُ ذِكرُه في العَقدِ، فيَكفي أنْ تَكونَ المُواضَعةُ سابِقةً على العَقدِ.
стр. 3364
فَإنْ تَواضَعا على الهَزلِ بأصْلِ البَيعِ، أي: تَوافَقا على أنَّهُما يَتَكَلَّمانِ بلَفظِ البَيعِ عندَ النَّاسِ، ولا يُريدانِه، واتَّفَقا على البِناءِ، أي: على أنَّهُما لَم يَرفَعا الهَزلَ، ولَم يَرجِعا عنه، فالبَيعُ مُنعقِدٌ لِصُدورِه مِنْ أهلِه في مَحَلِّه، لكنْ يَفسُدُ البَيعُ؛ لعَدمِ الرِّضا بحُكمِه، فصارَ كالبَيعِ بشَرطِ الخيارِ أبَدًا، لكنَّه لا يُملَكُ بالقَبضِ؛ لعَدمِ الرِّضا بالحُكمِ، حتى لو أعتَقَه المُشتَرِي لا يُنفَّذُ عِتقُه، هكذا ذَكَروا، ويَنبَغي أنْ يَكونَ البَيعُ باطِلًا؛ لِوُجودِ حُكمِه، وهو أنَّه لا يُملَكُ بالقَبضِ، وأمَّا الفاسِدُ فحُكمُه أنْ يُملَكَ بالقَبضِ، حيثُ كانَ مُختارًا راضيًا بحُكمِه، أمَّا عندَ عَدَمِ الرِّضا به فلا. اه.
فَقَولُ الشارِحِ: ولَم يَنعقِدْ مع الهَزلِ الذي هو مِنْ مَدخولِ العِلَّةِ، غيرُ صَحيحٍ؛ لِمُنافاتِه ما تَقدَّمَ مِنْ أنَّه مُنعقِدٌ لِصُدورِه مِنْ أهلِه في مَحَلِّه، لكنَّه يُفسِدُ البَيعَ؛ لعَدمِ الرِّضا بالحُكمِ، إلَّا أنْ يُحمَلَ على نَفْيِ الِانعِقادِ الصَّحيحِ، أو يَتَماشَى على البَحثِ الذي ذكَره بقَولِه: ويَنبَغي … إلخَ. اه.
قُلتُ: قد صرَّح في الخانيةِ والقُنيةِ بأنَّه بَيعٌ باطِلٌ، وبِه يَتأيَّدُ ما بَحَثَه في شَرحِ المَنارِ، وكَثيرًا ما يُطلِقونَ الفاسِدَ على الباطِلِ، كما سَتعرِفُه في بابِه، لكنْ يَرُدُّ على بُطلانِه أنَّهما لو أجازاه جازَ، والباطِلُ لا تَلحَقُه الإجازةُ، وأنَّ الباطِلَ ما ليسَ مُنعقِدًا أصلًا، والفاسِدَ ما كانَ مُنعقِدًا بأصْلِه، لا بوَصفِه، وهذا مُنعَقِدٌ بأصْلِه؛ لأنَّه مُبادَلةُ مالٍ بمالٍ دونَ وَصْفِه، ولِذلك أجابَ بَعضُ العُلماءِ بحَملِ ما في الخانيةِ على أنَّ المُرادَ بالبُطلانِ الفَسادُ، كما في حاشيةِ الحَمَويِّ وتَمامِه فيها.
قُلتُ: وهذا أوْلَى؛ لِمُوافقَتِه لِما في كُتُبِ الأُصولِ مِنْ أنَّه فاسِدٌ، وأمَّا
стр. 3365
عَدَمُ إفادَتِه المِلْكَ بالقَبضِ فلِكَونِه أشبَهَ البَيعَ بالخيارِ لَهما، وليسَ كلُّ فاسِدٍ يُملَكُ بالقَبضِ، ولِذا قالَ في الأشباهِ: إذا قبَض المُشتَرِي المَبيعَ فاسِدًا مَلَكُه، إلَّا في مَسائِلَ: الأُولَى: لا يَملِكُه في بَيعِ الهازِلِ، كما في الأُصولِ (١).
القَولُ الثَّاني: أنَّه يَصحُّ بَيعُه، كَطَلاقِه ونِكاحِه وعَتاقِه، وهو المَذهبُ عندَ الشافِعيَّةِ وقَولُ أبي الخطَّابِ مِنْ الحَنابِلةِ.
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا بَيعُ الهازِلِ وتَصرُّفاتُه الماليَّةُ فإنَّه لا يَصحُّ عندَ القاضي أبي يَعلَى وأكثَرِ أصحابِه، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ.
وقالَ أبو الخطَّابِ في انتِصارِهِ: يَصحُّ بَيعُه، كَطَلاقِه، وخرَجها بَعضُ الشافِعيَّةِ على وَجهَيْنِ، ومَن قالَ بالصِّحَّةِ قاسَ سائِرَ التَّصرُّفاتِ على النِّكاحِ والطَّلاقِ والرَّجعةِ.
والفِقهُ فيه أنَّ الهازِلَ أتَى بالقَولِ غيرَ مُلتزِمٍ لِحُكمِه، وتَرتيبُ الأحكامِ على الأسبابِ لِلشارِعِ، لا لِلعاقِدِ، فإذا أتَى بالسَّببِ لزِمه حُكمُه، شاءَ أو أبَى؛ لأنَّ ذلك لا يَقِفُ على اختيارِه، وذلك أنَّ الهازِلَ قاصِدٌ لِلقَولِ، مُريدٌ له، مع عِلمِه بمَعناه ومُوجِبِه، وقَصدُ اللَّفظِ المُتضمِّنِ لِلمَعنَى قَصدٌ لِذلك المَعنَى؛ لِتَلازُمِهِما، إلَّا أنْ يُعارِضَه قَصدٌ آخَرُ، كالمُكرَهِ والمُخادِعِ المُحتالِ؛ فإنَّهما قَصَدا شَيئًا آخَرَ غيرَ مَعنَى القَولِ ومُوجِبِه، ألَا تَرَى أنَّ المُكرَهَ قصَد دَفْعَ العَذابِ عن نَفْسِه، ولَم يَقصِدِ السَّببَ ابتِداءً، والمُحلِّلَ قصَد إعادَتَها إلى المُطلَقِ وذلك مُنافٍ لِقَصدِه مُوجِبَ السَّببِ، وأمَّا الهازِلُ
стр. 3366
فقصَد السَّببَ ولَم يَقصِدْ حُكمَه، ولا ما يُنافي حُكمَه، فترتَّب عليه أثَرُه.
فَإنْ قيلَ: هذا يُنتَقَضُ عليكم بلَغْوِ اليَمينِ فإنَّه لا يَترتَّبُ عليه حُكمُه.
قيلَ: اللَّاغي لَم يَقصِدِ السَّببَ، وإنَّما جَرى على لِسانِه مِنْ غيرِ قَصْدِه، فهو بمَنزِلةِ كَلامِ النَّائِمِ والمَغلوبِ على عَقلِه.
وَأيضًا الهَزلُ أمرٌ باطِنٌ، لا يُعرَفُ إلَّا مِنْ جِهةِ الهازِلِ فلا يُقبَلُ قَولُه في إبطالِ حَقِّ العاقِدِ الآخَرِ، ومَن فرَّق بينَ البَيعِ وبابِه والنِّكاحِ وبابِه قالَ: الحَديثُ والآثارُ تَدُلُّ على أنَّ مِنْ العُقودِ ما يَكونُ جِدُّه وهَزلُه سَواءً، ومِنها ما لا يَكونُ كذلك، وإلَّا لَقالَ: العُقودُ كُلُّها أو الكَلامُ كُلُّه جِدُّه وهَزلُه سَواءٌ، وأمَّا مِنْ جِهةِ المَعنَى فإنَّ النِّكاحَ والطَّلاقَ والرَّجعةَ والعِتقَ فيها حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى، أمَّا العِتقُ فظاهِرٌ، وأمَّا الطَّلاقُ فإنَّه يُوجِبُ تَحريمَ البُضعِ، ولِهَذا تَجِبُ إقامةُ الشَّهادةِ فيه، وإنْ لَم تَطلُبْها الزَّوجةُ، وكذلك في النِّكاحِ، فإنَّه يُفيدُ حِلَّ ما كانَ حَرامًا، وحُرمةَ ما كانَ حَلالًا، وهو التَّحريمُ الثَّابِتُ بالمُصاهَرةِ، ولِهذا لا يُستَباحُ إلَّا بالمَهرِ، وإذا كانَ كذلك لَم يَكُنْ لِلعَبدِ مع تَعاطي السَّببِ المُوجِبِ لِهذه الأحكامِ ألَّا يُرتِّبَ عليها مُوجِباتِها، كما ليسَ له ذلك في كَلِماتِ الكُفرِ؛ إذا هَزَلَ بها، كما صرَّح به القُرآنُ، فإنَّ الكَلامَ المُتضمِّنَ لِحَقِّ اللَّهِ لا يُمكِنُ قَولُه مع رَفعِ ذلك الحَقِّ؛ إذْ ليسَ لِلعَبدِ أنْ يَهزِلَ مع رَبِّه وأنْ يَستَهزِئَ بآياتِه ولا يَتلاعَبَ بحُدودِه، وفي حَديثِ أبي موسى ﵁: «ما بالُ أقوامٍ يَلعَبونَ بحُدودِ اللَّهِ ويَستَهزِئونَ بآياتِه؟»، وذلك في الهازِلينَ، يَعني -واللَّهُ أعلَمُ- يَقولونَها لَعِبًا غيرَ مُلتزِمينَ لِأحكامِها، وحُكمُها لازِمٌ لَهم، وهذا بخِلافِ البَيعِ وبابِه؛ فإنَّه تَصرُّفٌ في
стр. 3367
المالِ الذي هو مَحضُ حَقِّ الآدَميِّ، ولِهَذا يَملِكُ بَذلَه بعِوَضٍ، وبغيرِ عِوَضٍ، والإنسانُ قد يَلعَبُ مع الإنسانِ ويَنبسِطُ معه، فإذا تَكلَّمَ على هذا الوَجْهِ لَم يَلزَمْه حُكمُ الجادِّ؛ لأنَّ المِزاحَ معه جائِزٌ.
وحاصِلُ الأمْرِ أنَّ اللَّعِبَ والهَزلَ والمِزاحَ في حُقوقِ اللَّهِ تَعالى غيرُ جائِزٍ؛ فيَكونُ جِدُّ القَولِ وهَزلُه سَواءً، بخِلافِ جانِبِ العِبادِ، ألَا تَرَى أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَمزَحُ مع الصَّحابةِ ويُباسِطُهم، وأمَّا مع رَبِّه تَعالى فيَجِدُّ كُلَّ الجِدِّ، ولِهذا قالَ لِلأعرابيِّ يُمازِحُه: «مَنْ يَشتَرِي مِنِّي العَبدَ؟» فقالَ: تَجِدُني رَخيصًا يا رَسولَ اللَّهِ، فقالَ: «بَلْ أنتَ عندَ اللَّهِ غالٍ»، وقصَد أنَّه عَبدٌ لِلَّهِ ، والصِّيغةُ صِيغةُ استِفهامٍ، وهو كانَ يَمزَحُ، ولا يَقولُ إلَّا حَقًّا، ولو أنَّ رَجُلًا قالَ: مَنْ يَتزوَّجُ أُمِّي أو أُختي؟ لَكانَ مِنْ أقبَحِ الكَلامِ، وقد كانَ عمرَ يَضرِبُ مَنْ يَدعو امرَأتَه أُختَه، وقد جاءَ في ذلك حَديثٌ مَرفوعٌ رَواه أبو داوُدَ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِامرَأتِه: يا أُختَه. فقالَ النَّبيُّ: «أُختُكَ هي؟ إنَّما جعَل إبراهيمُ ذلك حاجةً، لا مِزاحًا».
وممَّا يُوضِّحُه أنَّ عَقدَ النِّكاحِ يُشبِهُ العِباداتِ في نَفْسِه، بَلْ هو مُقدَّمٌ على نَفْلِها، ولِهذا يُستَحَبُّ عَقدُه في المَساجِدِ، ويُنهَى عنِ البَيعِ فيها، ومَن يَشترِطُ له لَفظَ العَرَبيةِ راعَى فيه ذلك؛ إلحاقًا له بالأذكارِ المَشروعةِ، ومِثلُ هذا لا يَجوزُ الهَزلُ به، فإذا تَكَلَّمَ به رَتَّبَ الشارِعُ عليه حُكمَه، وإنْ لَم يَقصِدْه بحُكمِ وِلايةِ الشارِعِ على العَبدِ؛ فالمُكلَّفُ قصَد السَّببَ، والشارِعُ قصَد الحُكمَ، فصارا مَقصودَيْنِ كِلاهما (١).
стр. 3368
الرُّكنُ الثَّالثُ: المَعقودُ عليه مِنْ ثَمَنٍ ومُثمَّنٍ، أي: المَبيعِ المَعقودِ عليه.
المَعقودُ عليه -وهو المَبيعُ- يُشترَطُ لِأنْ يَكونَ صالِحًا لِأنْ يُعقَدُ عليه شُروطٌ، مِنها:
١ - كَونُ المَبيعِ مالًا مُتقوَّمًا: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في المَبيعِ كَونُه مالًا مُتقوَّمًا، وهو: ما فيه مَنفَعةٌ مُباحةٌ لِغيرِ ضَرورةٍ، كالمَأْكولِ والمَشروبِ والمَلبوسِ والمَركوبِ والعَقارِ والعَبيدِ والإماءِ.
لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقد اشتَرَى النَّبيُّ ﷺ مِنْ جابرٍ ﵁ بَعيرًا (١)، ومِن أعرابيٍّ فَرَسًا (٢)، ووكَل عُروةَ في شِراءِ شاةٍ (٣)، وباعَ مُدبِرًا (٤)، وأقَرَّ أصحابَه على بَيعِ هذه الأعيانِ وشِرائِها.
стр. 3369
فلا يَجوزُ بَيعُ المَيْتةِ والدَّمِ؛ لعَدمِ الماليَّةِ، ولا بَيعُ الخَمرِ والخِنزيرِ؛ لعَدمِ التَّقوُّمِ، أي: عَدَمِ إباحةِ الِانتِفاعِ بهما، باتِّفاقِ العُلماءِ؛ لِحَديثِ جابرٍ ﵁ أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «إنَّ اللَّهَ حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ … » (١).
وَيُستَثنَى مِنْ المَيْتةِ السَّمَكُ والجَرادُ.
وَلا يَصحُّ بَيعُ آلةِ لَهْوٍ وخَمرِ، والحَشَراتُ لا يَصحُّ بَيعُها؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيها إلَّا عَلَقًا لِمَصِّ الدَّمِ، وديدانًا لِصَيدِ السَّمَكِ وما يُصادُ عليه، كما يَقولُ الحَنابِلةُ (٢).
٢ - أنْ يَكونَ المَبيعُ طاهِرًا: فلا يَصحُّ أنْ يَكونَ النَّجِسُ مَبيعًا ولا ثَمَنًا، فإذا باعَ شَيئًا نَجِسًا أو مُتنَجِّسًا لا يُمكِنُ تَطهيرُه فإنَّ بَيعَه لا يَنعقِدُ، وكذلك لا يَصحُّ أنْ يَكونَ النَّجِسُ أو المُتَنجِّسُ الذي لا يُمكِنُ تَطهيرُه ثَمَنًا؛ إذِ الطُّهرُ شَرطٌ لِلمَعقودِ عليه مُطلَقًا، ثَمَنًا كانَ أو مُثَمَّنًا. فإذا اشتَرَى أحَدٌ عَينًا طاهِرةً وجعَل ثَمَنَها خَمرًا أو خِنزيرًا مَثَلًا، فإنَّ بَيعَه لا يَنعقِدُ، وهذا مَحَلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ، وإنْ كانوا اختَلَفوا في بَعضِ التَّفاصيلِ، مِنها:
بَيعُ العُذرةِ والسِّرقينِ -أي: الزِّبْلِ، وهو رَجيعُ ما سِوَى الإنسانِ، ويُقالُ له: سِرجينٌ-، وسَأذكُرُها إنْ شاءَ اللَّهُ في بابِ البُيوعِ المَنهيِّ عنها.
٣ - أنْ يَكونَ مُنتَفِعًا به انتِفاعًا شَرعيًّا حالًا أو مَآلًا؛ لِيَصحَّ مُقابَلةُ
стр. 3370
الثَّمنِ له، فما لا نَفعَ فيه ليسَ بمالٍ: فلا يَصحُّ بَيعُ ما لا مَنفَعةَ فيه؛ لأنَّه مِنْ أكْلِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ.
فَلا يَصحُّ بَيعُ آلةِ اللَّهوِ والعَقرَبِ وسائِرِ الهَوامِّ والحَشَراتِ؛ فبَيعُها باطِلٌ؛ لأنَّ بَيعَها مع عَدَمِ المَنفَعةِ فيها مِنْ أكْلِ المالِ بالباطِلِ.
أمَّا إذا وُجدَ مِنْ الحَشَراتِ ما فيه مَنفَعةٌ، فإنَّه يَجوزُ بَيعُه، كَدُودِ القَزِّ، حيثُ يَخرُجُ مِنه الحَريرُ، الذي هو أفخَرُ المَلابِسِ، وكالنَّحلِ حيثُ يُنتِجُ العَسَلَ.
وقد نصَّ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على جَوازِ بَيعِ دُودِ العَلَقِ - وهو دُودٌ أسوَدُ في الماءِ مَعروفٌ-؛ لِحاجةِ النَّاسِ إليه لِلتَّداوي؛ لِمَنفعَتِه بامتِصاصِ الدَّمِ.
وزادَ ابنُ عابِدينَ مِنْ الحَنفيَّةِ دُودَ القِرمِز (١)، قالَ: وهو أوْلَى مِنْ دُودِ القَزِّ، وبَيضِه؛ فإنَّه يُنتَفَعُ به في الحالِ، ودُودُ القَزِّ في المَآلِ.
كما نصَّ الشافِعيَّةُ على جَوازِ بَيعِ اليَربوعِ والضَّبِّ ونَحوِهما ممَّا يُؤكَلُ.
وقالَ الحَنابِلةُ بجَوازِ بَيعِ الدِّيدانِ لِصَيدِ السَّمَكِ.
وَقَدْ وَضَعَ الحَصكَفيُّ مِنْ الحَنفيَّةِ ضابِطًا لِبَيعِ الحَشَراتِ، فقالَ: إنَّ جَوازَ البَيعِ يَدورُ مع حِلِّ الِانتِفاعِ (٢).
فالحَنفيَّةُ نَصُّوا على جَوازِ بَيعِ دُودِ القَزِّ وبَيضِه، والنَّحلِ المُحرَزِ والعَلَقِ، وزادَ ابنُ عابِدينَ دُودَ القِرمِزِ، بخِلافِ غيرِها مِنْ الهَوامِّ، فلا يَجوزُ اتِّفاقًا، كحَيَّاتٍ وضَبٍّ، وما في بَحرٍ، كسَرطانٍ، إلَّا السَّمَكَ، وما جازَ الِانتِفاعُ بجِلدِه أو عَظْمِه، قالَ الحَصكَفيُّ: والحاصِلُ أنَّ جَوازَ البَيعِ يَدورُ مع حِلِّ الِانتِفاعِ.
стр. 3371
وقالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ في المَعقودِ عليه أنْ يَكونَ مُنتفَعًا به، فيَجوزُ بَيعُ المُنتَفَعِ به، لا ما لا مَنفَعةَ فيه، فلا يَجوزُ العَقدُ به ولا عليه.
والدَّليلُ على ذلك ما تَقدَّمَ مِنْ أنَّه مِنْ أكْلِ المالِ بالباطِلِ، وذلك كَمُحرَّمِ الأكلِ إذا أشرَفَ على المَوتِ.
وقالوا: الأعيانُ على قِسمَيْنِ:
الأوَّلُ: ما لا مَنفَعةَ فيه أصْلًا، فلا يَصحُّ العَقدُ به، ولا عليه؛ لِما تَقدَّمَ، بَلْ لا يَصحُّ مِلْكُه، كالخِشاشِ والخُفَّاشِ.
الثَّاني: ما له مَنفَعةٌ، وهو على ثَلاثةِ أقسامٍ:
الأوَّلُ: ما كانَ جَميعُ مَنافِعِه مُحرَّمةً، وهو كالَّذي لا مَنفَعةَ فيه، لا يَصحُّ بَيعُه ولا تَملُّكُه إنْ كانَ ممَّا نهَى الشارِعُ عنه، كالخَمرِ والمَيْتةِ والدَّمِ ولَحمِ الخِنزيرِ والمُطرِّباتِ المُحرَّمةِ؛ لأنَّ المَعدومَ شَرعًا كالمَعدومِ حِسًّا.
الثَّاني: ما كانَ جَميعُ مَنافِعِه مُحلَّلةً، فيَجوزُ بَيعُه إجماعًا، كالثَّوبِ والعَبدِ والعَقارِ وشِبهِ ذلك.
الثَّالثُ: ما فيه مَنافِعُ مُحلَّلةٌ، ومَنافِعُ مُحرَّمةٌ.
стр. 3372
قالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ المازِريُّ: فهو المُشكِلُ على الأفهامِ، ومَزِلَّةُ الأقدامِ، وفيه تَرَى العُلماءَ مُضطَرِبينَ، وأنا أكشِفُ عن سِرِّه لِيَهونَ عليكَ اختِلافُهم:
فَإنْ كانَ جُلُّ المَنافِعِ والمَقصودِ مِنها مُحرَّمًا والمُحلَّلُ مِنها تَبَعًا، فواضِحٌ إلحاقُه بالقِسمِ الأوَّلِ.
ويُمكِنُ تَمثيلُ ذلك بالزَّيتِ النَّجِسِ، فإنَّ جُلَّ مَنافِعِه كالأكلِ والادِّهانِ وعَمَلِه صابونًا والإيقادِ في كلِّ مَوضِعٍ مَمنوعٍ مِنه على المَشهورِ إنَّما فيه إيقادُه في غيرِ المَساجِدِ، وانتِفاعُ غيرِ الآدَميِّ مِنه، وذلك في حُكمِ التَّبَعِ، فامتَنَعَ بَيعُه.
وفي أواخِرِ كَلامِ المازِريِّ تَمثيلُه لِذلك بشَحمِ المَيْتةِ، قالَ: فالمَقصودُ الذي هو الأكلُ حَرامٌ، وإنْ كانَ فيه بَعضُ المَنافِعِ المُحلَّلةِ عندَ مَنْ يُجيزُ استِعمالَ ذلك في بَعضِ المَواضِعِ.
قالَ: ويَلحَقُ بهذا المَعنَى بِياعاتُ الغَرَرِ؛ لأنَّه قد لا يَحصُلُ البَيعُ، فتَصيرُ المُعاوَضةُ على غيرِ مُنتفِعٍ به، ويُلحَقُ بالقِسمِ الأوَّلِ، الذي لا مَنفَعةَ فيه أصْلًا، لكنَّ ذلك عَدَمُ المَنفَعةِ فيه يَكونُ تَحقيقًا، وفي هذا تَقديرًا وتَجويزًا، واللَّهُ أعلَمُ.
وَإنْ كانَ جُلُّ المَنافِعِ والمَقصودِ مِنها مُحلَّلًا والمُحرَّمُ تَبَعٌ فواضِحٌ إلحاقُه بالثَّاني، ويُمكِنُ تَمثيلُه بالزَّبيبِ ونَحوِه، ممَّا يُمكِنُ أنْ يُعمَلَ مِنه الخَمرُ، واللَّهُ أعلَمُ.
стр. 3373
وَإنْ كانَتْ مَنافِعُه المَقصودةُ مِنها ما هو مُحلَّلٌ، ومِنها ما هو مُحرَّمٌ، أو فيه مَنفَعةٌ مُحرَّمةٌ مَقصودةٌ، وسائِرُ مَنافِعِه مُحلَّلةٌ، قالَ المازِريُّ: هذا هو المُشكِلُ، ويَنبَغي أنْ يُلحَقَ بالمَمنوعِ؛ لأنَّ كَونَ هذه المَنفَعةِ المُحرَّمةِ مَقصودةً يُؤْذِنُ بأنَّ لَها حِصَّةً مِنْ الثَّمنِ، وأنَّ العَقدَ اشتَمَلَ عليها، كما اشتَمَلَ على ما سِواها، وهو عَقدٌ واحِدٌ لا سَبيلَ إلى تَبعيضِه، والتَّعاوُضُ على المُحرَّمِ مَمنوعٌ، فمُنِعَ الكُلُّ؛ لِاستِحالةِ التَّمييزِ، ولأنَّ الباقيَ مِنْ المَنافِعِ يَصيرُ ثَمَنُه مَجهولًا لو قُدِّرَ جَوازُ انفِرادِه، انتَهَى.
وجَزَمَ ابنُ شاسٍ بأنَّ المَنافِعَ المَقصودةَ إذا كانَ بَعضُها مُحلَّلًا وبَعضُها مُحرَّمًا لَم يَصحَّ البَيعُ، ونَصُّه: وإنْ تَوزَّعتْ -يَعني المَنافِعَ المَقصودةَ في النَوعَينِ- لَم يَصحَّ البَيعُ؛ لأنَّ ما يُقابِلُ ما حُرِّمَ مِنها مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ وما سِواه مِنْ بَقيَّةِ الثَّمنِ يُصيِّرُه مَجهولًا، وهذا التَّعليلُ يَطَّرِدُ في كَونِ المُحرَّمِ مَنفَعةً واحِدةً مَقصودةً، كما يَطَّرِدُ في كَونِ المَنافِعِ بأسرِها مُحرَّمةً، وهذا النَّوعُ -وإنِ امتَنَعَ بَيعُه؛ لِما ذُكِرَ مِنْ الوَجهَيْنِ- مِلْكُه صَحيحٌ؛ لِيَنتفِعَ مالِكُه بما فيه مِنْ مَنافِعَ مُباحةٍ، انتَهَى.
وَعَدَمُ صِحَّةِ البَيعِ ظاهِرٌ.
ثم قالَ ابنُ شاسٍ: فَرعٌ: لو تَحقَّقَ وُجودُ مَنفَعةٍ مُحرَّمةٍ ووقَع الِالتِباسُ في كَونِها مَقصودةً، فمِنَ الأصحابِ مَنْ يَقِفُ في جَوازِ البَيعِ، ومِنهم مَنْ يَكرَهُ ولا يُحرِّمُ، انتَهَى.
وقالَ المازِريُّ بإثْرِ كَلامِه المُتقدِّمِ: ورُبَّما وقَع في هذا النَّوعِ مَسائِلُ تُشكِلُ على العالِمِ، فيَخلِطُ المَسألةَ بعَينِ فِكرَتِه، فيَرَى المَنفَعةَ المُحرَّمةَ
стр. 3374
مُلتبِسًا أمْرُها، هل هي مَقصودةٌ أو لا، ويَرَى ما سِواها مِنْ المَنافِعِ المَقصودةِ مُحلَّلةً، فيَمتنِعُ مِنْ التَّحريمِ لِأجلِ كَونِ المَقصودِ مِنْ المَنافِعِ مُحلَّلًا، ولا يَنشَطُ لِإطلاقِ الإباحةِ لِأجْلِ الإشكالِ في تلك المَنفَعةِ هل هي مَقصودةٌ أو لا، فيَقِفُ هُنا المُتورِّعُ.
ويَتساهَلُ آخَرُ ويَقولُ بالكَراهةِ؛ لِلِالتِباسِ، ولا يُحرِّمُ.
فاحتَفِظْ بهذا الأصلِ؛ فإنَّه مِنْ مُذهَّباتِ العِلمِ، ومَنْ أتقَنَه عِلمًا هانَ عليه جَميعُ مَسائِلِ الخِلافِ الوارِدةِ في هذا البابِ، وأفتَى وهو على بَصيرةٍ في دِينِ اللَّهِ، انتَهَى واللَّهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المَبيعِ أنْ يَكونَ مُنتفَعًا به، وهذا شَرطٌ لِصِحَّةِ البَيعِ بلا خِلافٍ، ولعَدمِ المَنفَعةِ سَبَبانِ:
أحَدُهما: القِلَّةُ، كالحَبَّةِ والحَبَّتيْنِ مِنْ الحِنطةِ والزَّبيبِ، ونَحوِهما؛ فإنَّ هذا القَدْرَ لا يُعَدُّ مالًا، ولا خِلافَ أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ هذه الحَبَّةِ مِنْ صُبرةِ الغيرِ، فإنْ أخَذها كانَ عاصيًا، ولزِمه رَدُّها، فإنْ تلِفتْ فوَجهانِ، الصَّحيحُ: أنَّه لا ضَمانَ فيها؛ إذْ لا ماليَّةَ لها.
السَّببُ الثَّاني: الحَيَّةُ، كالحَشَراتِ، فلا يَجوزُ بَيعُها. فقالوا: الحَيَوانُ الطَّاهِرُ المَملوكُ مِنْ غيرِ الآدَميِّ قِسمانِ؛ قِسمٌ يُنتفَعُ به، فيَجوزُ بَيعُه، كالإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والخَيلِ والبِغالِ والحَميرِ والظِّباءِ والغِزلانِ والصُّقورِ والبُزاةِ
стр. 3375
والفُهودِ والحَمامِ والعَصافيرِ والعُقابِ، وما يُنتفَعُ بلَونِه، كالطَّاووسِ، أو بصَوتِه كالزُّرزورِ والبَبَّغاءِ والعَندَليبِ، وكذلك القِردُ والفيلُ والهِرَّةُ ودُودُ القَزِّ والنَّحلُ، فكلُّ هذا وشِبهُهُ يَصحُّ بَيعُه بلا خِلافِ؛ لأنَّه مُنتفَعٌ به.
وَيَجوزُ بَيعُ الجَحشِ الصَّغيرِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّه يَؤولُ إلى المَنفَعةِ.
القِسمُ الثَّاني مِنْ الحَيَوانِ: ما لا يُنتفَعُ به، فلا يَصحُّ بَيعُه، وذلك كالخَنافِسِ والعَقارِبِ والحَيَّاتِ والدِّيدانِ والفَأرةِ والنَّملِ وسائِرِ الحَشَراتِ ونَحوِها. وفي مَعناها السِّباعُ التي لا تَصلُحُ لِلِاصطيادِ ولا القِتالِ عليها، ولا تُؤكَلُ، كالأسَدِ والذِّئبِ والنَّمِرِ والدُّبِّ وأشباهِها، فلا يَصحُّ بَيعُها؛ لأنَّه لا مَنفَعةَ فيها، ولا يُنظَرُ إلى اقتِناءِ المُلوكِ لَها لِلهَيبةِ والسِّياسةِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: هذا هو المَذهبُ والمَنصوصُ، وبه قطَع المُصنِّفِ وسائِرُ العِراقيِّينَ، وكذلك جُمهورُ الخُراسانيِّينَ. وحَكَى القاضي حُسَينٌ وإمامُ الحَرمَيْنِ والغَزاليُّ وجَماعةٌ آخَرونَ مِنْ الخُراسانيِّينَ وَجهًا شاذًّا ضَعيفًا أنَّه يَجوزُ بَيعُ السِّباعِ؛ لأنَّها طاهِرةٌ، والِانتِفاعُ بجُلودِها بالدِّباغِ مُتوقَّعٌ، وضَعَّفوا هذا الوَجْهَ بأنَّ المَبيعَ في الحالِ غيرُ مُنتفَعٍ به، ومَنفَعةُ الجِلدِ غيرُ مَقصودةٍ، ولِهَذا لا يَجوزُ بَيعُ الجِلدِ النَّجِسِ بالِاتِّفاقِ، وإنْ كانَ الِانتِفاعُ به بعدَ الدِّباغِ مُمكِنًا، واللَّهُ أعلَمُ (١).
وقالَ في الرَّوضةِ: ويَصحُّ بَيعُ العَلَقِ -وهو دُودٌ أسوَدُ في الماءِ مَعروفٌ- على الأصَحِّ؛ لِمَنفعَتِه امتِصاصَ الدَّمِ.
стр. 3376
وقالَ: فَرعٌ: السُّمُّ إنْ كانَ يَقتُلُ كَثيرُه ويَنفَعُ قَليلُه كالسُّقْمونيا والأفيونِ، جازَ، وإنْ قَتَلَ كَثيرُه وقَليلُه فقُطِعَ بالمَنعِ.
ومالَ الإمامُ وشَيخُه إلى الجَوازِ لِيُدسَّ في طَعامِ الكافِرِ.
وقالَ: فَرعٌ: آلاتُ المَلاهي -كالمِزمارِ والطُّنبورِ وغيرِهما- إنْ كانَتْ بحيثُ لا تُعَدُّ بعدَ الرَّضِّ والحَلِّ مالًا لَم يَصحُّ بَيعُها؛ لأنَّ مَنفعَتَها مَعدومةٌ شَرعًا، وإنْ كانَ رُضاضُها يُعَدُّ مالًا ففي صِحَّةِ بَيعِها وبَيعِ الأصنامِ والصُّوَرِ المُتَّخَذةِ مِنْ الذَّهبِ والخَشَبِ وغيرِهما وَجهانِ، الصَّحيحُ المَنعُ، وتَوسَّطَ الإمامُ فذكَر وَجهًا ثالِثًا اختارَه هو والغَزاليُّ، أنَّه إنِ اتُّخِذَتْ مِنْ جَوهَرٍ نَفيسٍ صَحَّ بَيعُها، وإنِ اتُّخِذَتْ مِنْ خَشَبٍ ونَحوِه فلا، والمَذهبُ المَنعُ المُطلَقُ، وبِه أجابَ عامَّةُ الأصحابِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يُشترَطُ كَونُ المَبيعِ -أي: المَعقودِ عليه- ثَمَنًا كانَ أو مُثمَّنًا، مالًا؛ لأنَّ غيرَه لا يُقابَلُ به، وهو -أي: المالُ- شَرعًا ما يُباحُ نَفْعُه مُطلَقًا، أي: في كلِّ الأحوالِ، أو يُباحُ اقتِناؤُه بلا حاجةٍ، فخرَج ما لا نَفْعَ فيه، كالحَشَراتِ، وما فيه نَفْعٌ مُحرَّمٌ، كَخَمرٍ، وما لا يُباحُ إلَّا عندَ الِاضطِرارِ، كالمَيْتةِ، وما لا يُباحُ اقتِناؤُه إلَّا لِحاجةٍ، كالكَلبِ، كَبَغلٍ وحِمارٍ لِانتِفاعِ النَّاسِ بهما، وتَبايُعِهما في كلِّ عَصرٍ مِنْ غيرِ نَكيرٍ، وكَطَيرٍ؛ لِقَصدِ صَوتِه، كهَزَّارٍ وبَبَّغاءٍ ونَحوِهما، وكَدُودِ قَزِّ وبِزرِه؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنتفَعٌ به، ويَخرُجُ مِنه
стр. 3377
الحَريرُ الذي هو أفخَرُ المَلابِسِ، بخِلافِ الحَشَراتِ التي لا نَفْعَ فيها، وكَنَحلٍ مُنفرِدٍ عن كِوارَتِه أو نَحلٍ مع كِوارَتِه خارِجًا عَنها، أو نَحلٍ مع كِوارَتِه فيها إذا شُوهِدَ في داخِلِها إليها؛ لِحُصولِ العِلمِ به بذلك.
وكَهِرٍّ؛ فيَصحُّ بَيعُه؛ لِما في الصَّحيحِ أنَّ امرَأةً دَخَلتِ النَّارَ في هِرَّةٍ لها، حَبَستْها، والأصلُ في اللَّامِ المِلْكُ، وكفيلٍ؛ لأنَّه يُباحُ نَفْعُه واقتِناؤُه، أشبَهَ البَغلَ وما يُصادُ عليه، كَبومةٍ تُجعَلُ شَباشًا، أي: تُخاطُ عَيناها وتُربَطُ لِيَنزِلَ عليها الطَّيرُ، أو يُصادُ به، كَديدانٍ وسِباعِ بَهائِمَ تَصلُحُ لِصَيدٍ، كَفُهودٍ، وسِباعِ طَيرٍ تَصلُحُ لِصَيدٍ، كَبازٍ وصَقرٍ ووَلَدِها وفَرخِها وبَيضِها؛ لأنَّه يُنتفَعُ به في الحالِ أو المَآلِ، إلَّا الكَلبَ فلا يَصحُّ بَيعُه مُطلَقًا؛ لأنَّه لا يُنتفَعُ به إلَّا لِحاجةٍ.
وكَقِردٍ لِحِفظٍ؛ لأنَّ الحِفظَ مِنْ المَنافِعِ المُباحةِ، وكعَلَقٍ لِمَصِّ دَمٍ؛ لأنَّه نَفْعٌ مَقصودٌ، وكلَبَنِ آدَميَّةٍ انفَصَلَ مِنها؛ لأنَّه طاهِرٌ يُنتفَعُ به، كلَبَنِ الشاةِ، بخِلافِ لَبَنِ الرَّجُلِ، ويُكرَهُ بَيعُه نَصًّا.
وَلا يَصحُّ بَيعُ مَيْتةٍ ولو طاهِرةً، كمَيْتةِ آدَميٍّ؛ لعَدمِ حُصولِ النَّفعِ بها، إلَّا سَمَكًا وجَرادًا ونَحوَهما مِنْ حَيَواناتِ البَحرِ التي لا تَعيشُ إلَّا فيه؛ لِحِلِّ مَيْتَتِها، ولا بَيعُ سِرجينٍ نَجِسٍ؛ لِلإجماعِ على نَجاسَتِه، وعُلم مِنه صِحَّةُ بَيعِ سِرجينٍ طاهِرٍ، كرَوَثِ حَمامٍ، ولا يَصحُّ بَيعُ دُهنٍ نَجِسٍ، كشَحمِ مَيْتةٍ؛ لأنَّه بَعضُها، أو دُهنٍ مُتنجِّسٍ، كزَيتٍ أو شِيرَجٍ لاقَتْه نَجاسةٌ؛ لأنَّه لا يَطهُرُ بغَسْلٍ، أشبَهَ نَجَسَ العَينِ، ويَجوزُ أنْ يَستَصبِحَ بدُهنٍ مُتنجِّسٍ
стр. 3378
في غيرِ مَسجِدٍ، كالِانتِفاعِ بجِلدِ مَيْتةٍ مَدبوغٍ في يابِسٍ (١).
٤ - أنْ يَكونَ المَبيعُ مِلْكًا لِلبائِعِ، أو مَأْذونًا له فيه وَقتَ العَقدِ مِنْ مالِكِه أو الشارِعِ، كالوَكيلِ ووَليِّ الصَّغيرِ، وناظِرِ الوَقفِ ونَحوِه، فيَصحُّ بَيعُ المالِكِ لِمالِ نَفْسِه وشِراؤُه به؛ لأنَّ الشَّرعَ جعَل له سُلطانًا على مالِه. وكذلك يَصحُّ بَيعُ الوَليِّ أو الوَصيِّ لِمالِ مَنْ تَحتَ وِلايَتِه مِنْ القاصِرينَ، وشِراؤُه به، كما يَصحُّ بَيعُ الوَكيلِ لِمالِ مُوكِّلِه وشِراؤُه به؛ لأنَّ لِهؤلاء جَميعًا سُلطانًا على المالِ، إمَّا بتَسليطِ الشَّرعِ، كالأولياءِ والأوصياءِ، وإمَّا بتَسليطِ المالِكِ نَفْسِه كالوُكَلاءِ. لكنْ لِلعُلماءِ قَولانِ في بَيعِ الإنسانِ مالَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، وهو ما يُسَمَّى بَيعَ الفُضوليِّ.
بَيعُ الفُضوليِّ:
صُورَتُه: أنْ يَبيعَ الرَّجُلُ مالَ غيرِه بشَرطِ إنْ رَضيَ به صاحِبُ المالِ أمضَى البَيعَ، وإنْ لَم يَرضَ فُسِخَ، وكذلك في شِراءِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ بغيرِ إذْنِه على أنَّه إنْ رَضيَ المُشتَرِي صَحَّ الشِّراءُ، وإلَّا لَم يَصحَّ.
فإذا تَصرَّفَ بالمالِ بَيعًا أو شِراءً مَنْ لا سُلطانَ له عليه -وهو الذي يُسَمَّى بالفُضوليِّ- فقد اختلَف الفُقهاءُ في صِحَّةِ بَيعِه وتَصرُّفِه هل يَصحُّ ويَنفُذُ بعدَ إذْنِ المالِكِ أو يَكونُ باطِلًا، ولو أُجيزَ بَعدُ؟ على قَولَيْنِ لِلفُقهاءِ:
стр. 3379
القَولُ الأوَّلُ: أنَّ بَيعَ الفُضوليِّ وتَصرُّفَه لا يَنفُذُ، لكنَّه مُنعقِدٌ ومُتوقِّفٌ على إجازةِ المالِكِ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيِّ في القَديمِ وأحمدَ في رِوايةٍ؛ لِحَديثِ عُروةَ البارِقيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطاه دِينارًا يَشتَري له به شاةً، فاشتَرَى له به شاتَيْنِ، فباعَ إحداهُما بدِينارٍ، وجاءَه بدِينارٍ وشاةٍ، فدَعا له بالبَرَكةِ في بَيعِه (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: تَصرُّفاتُ الفُضوليِّ مُنعقِدةٌ مَوقوفةٌ على إجازةِ المالِكِ؛ لِصُدورِها مِنْ الأهلِ، وهو الحُرُّ العاقِلُ البالِغُ، مُضافةً إلى المَحَلِّ؛ لأنَّ الكَلامَ فيه، ولا ضَرَرَ فيه على المالِكِ؛ لأنَّه غيرُ مُلزَمٍ له، وتَحتمِلُ المَنفَعةَ، فيَنعقِدُ تَصحيحًا لِتَصرُّفِ العاقِدِ العاقِلِ، وتَحصيلًا لِلمَنفَعةِ المُحتمَلةِ؛ لِحَديثِ عُروةَ البارِقيِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطاه دِينارًا يَشتَري له به شاةً، فاشتَرَى له به شاتَيْنِ، فباعَ إحداهما بدِينارٍ، وجاءَه بدِينارٍ وشاةٍ، فدَعا له بالبَرَكةِ في بَيعِه» (٢).
فأجازَ النَّبيُّ ﷺ صِنيعَه، ولَم يُنكِرْ عليه، ودَعا له بالبَرَكةِ، وكانَ فُضوليًّا؛ لأنَّه باعَ الشاةَ واشتَرَى الأُخرَى بغيرِ أمرِه.
ومَعلومٌ أنَّه لَم يَكُنْ مَأْمورًا ببَيعِ الشاةِ، فلو لَم يَنعقِدْ تَصرُّفُه لَما باعَ، ولَما دَعا له رَسولُ اللَّهِ ﷺ بالخَيرِ والبَرَكةِ على ما فعَل، ولَأنكَرَ عليه؛ لأنَّ الباطِلَ يُنكَرُ، ولأنَّ تَصرُّفَ العاقِلِ مَحمولٌ على الوَجْهِ الأحسَنِ
стр. 3380
ما أمكَنَ، وقد أمكَنَ حَملُه على الأحسَنِ هَهُنا، وقد قصَد البِرَّ به والإحسانَ إليه بالإعانةِ على ما هو خَيرٌ لِلمالِكِ في زَعمِه؛ لِعِلمِه بحاجَتِه إلى ذلك، لكنْ لَم يَتبيَّنْ إلى هذه الحالةِ؛ لِمَوانِعَ، وقد يَغلِبُ على ظَنِّه زَوالُ المانِعِ، فأقدَمَ عليه؛ نَظَرًا لِصِدقِه، وإحسانًا إليه؛ لِبَيانِ المَحمَدةِ والثَّناءِ؛ لِتَحمُّلِ مُؤنةِ مُباشَرةِ التَّصرُّفِ الذي هو مُحتاجٌ إليه، والثَّوابِ مِنْ اللَّهِ بالإعانةِ على البِرِّ والإحسانِ، قالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقالَ تَعالى وجَلَّ شَأنُه: ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، إلَّا أنَّ في هذه التَّصرُّفاتِ ضَرَرًا في الجُملةِ؛ لأنَّ لِلنَّاسِ رَغائِبَ في الأعيانِ، وقد يُقدِمُ الرَّجُلُ على شَيءٍ ظَهَرتْ له الحاجةُ عنه بإزالَتِه عن مِلْكِه؛ لِحُصولِ غَرَضِه بدُونِ ذلك، ونَحوِ ذلك، فيَتوقَّفُ على إجازةِ المالِكِ حتى لو كانَ الأمْرُ على ما ظَنَّه مُباشِرُ التَّصرُّفِ إجازةً، وحصَل له النَّفعُ مِنْ جِهَتِه، فيَنالُ الثَّوابَ والثَّناءَ، وإلَّا فلا يُجيزُه، ويُثني عليه بقَصدِ الإحسانِ، وإيصالِ النَّفعِ إليه، فلا يَجوزُ القَولُ بإهدارِ هذا التَّصرُّفِ وإلحاقِ كَلامِه وقَصدِه بكَلامِ المَجانينِ وقَصدِهم، مع نَدْبِ اللَّهِ إلى ذلك، وحَثِّه عليه؛ لِما تَلَوْنا مِنْ الآياتِ، فمَن باعَ مِلْكَ غيرِه بغيرِ أمْرِه فالمالِكُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ رَدَّه وإنْ شاءَ أجازَ، إذا كانَ المَعقودُ عليه باقيًا، والمُتبايِعانِ بحالِهما، ولا يَجوزُ لِلمُشتَرِي التَّصرُّفُ فيه قبلَ الإجازةِ، سَواءٌ قبَضه أو لَم يَقبِضْه، وقَبْضُ المالِكِ الثَّمنَ دَليلٌ على إجازَتِه.
فالشَّرطُ لِلُحوقِ الإجازةِ قيامُ الأربَعةِ: البائِعِ والمُشتَرِي والمالِكِ
стр. 3381
والمَبيعِ، فإنْ أجازَه المالِكُ مع قيامِ هذه الأربَعةِ جازَ، وتَكونُ الإجازةُ اللَّاحِقةُ بمَنزِلةِ الوَكالةِ السَّابِقةِ، ويَكونُ البائِعُ كالوَكيلِ، والثَّمنُ لِلمُجيزِ إنْ كانَ قائِمًا، وإنْ هلَك في يَدِ البائِعِ هلَك أمانةً (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: يَصحُّ بَيعُ غيرِ المالِكِ لِلسِّلعةِ -وهو المُسَمَّى الفُضوليَّ- ولو عَلِمَ المُشتَرِي أنَّ البائِعَ لا يَملِكُ المُبتاعَ، وهو لازِمٌ مِنْ جِهَتِه مُنحَلٌّ مِنْ جِهةِ المالِكِ، ووَقَفَ البَيعُ على رِضاه، ما لَم يَقَعِ البَيعُ بحَضرَتِه، وهو ساكِتٌ، فيَكونُ لازِمًا مِنْ جِهَتِه أيضًا، وصارَ الفُضوليُّ كالوَكيلِ.
والغَلَّةُ لِلمُشتَرِي في جَميعِ صُورِ بَيعِ الفُضوليِّ، إلَّا في صُورةٍ واحِدةٍ، فالغَلَّة فيها لِلمالِكِ، وهي إذا لَم يَعلَم بالتَّعَدِّي مِنْ بائِعِه بأنْ ظَنَّ أنَّه المالِكُ، أو أنَّه وَكيلٌ عنه، أو لا عِلمَ عندَه بشَيءٍ.
فَإنْ عَلِمَ المُشتَرِي بتَعَدِّي البائِعِ فالغَلَّةُ لِلمالِكِ إنْ رَدَّ البَيعَ.
وَحيثُ أمضى المالِكُ بَيعَ الفُضوليِّ فإنَّ المالِكَ يُطالِبُ الفُضوليَّ بالثَّمنِ، ما لَم يَمضِ عامٌ، فإنْ مَضَى وهو ساكِتٌ سقَط حَقُّه، هذا إنْ بِيعَ بحَضرَتِه، وإنْ بِيعَ بغيرِها ما لَم تَمضِ مُدَّةُ الحِيازةِ، وهي عَشَرةُ أعوامٍ.
ومَحَلُّ كَونِ المالِكِ يَنقُضُ بَيعَ الفُضوليِّ إنْ لَم يَفُتِ المَبيعُ، فإنْ فاتَ
стр. 3382
بذَهابِ عَينِه فَقط كانَ على الفُضوليِّ الأكثَرُ مِنْ ثَمَنِه وقِيمَتِه، ولا فَرقَ بينَ كَونِ الفُضوليِّ غاصِبًا أو غيرَ غاصِبٍ (١).
القَولُ الثَّاني: أنَّ بَيعَ الفُضوليِّ وتَصرُّفَه باطِلانِ، ولو أُجيزَ بَعدُ، وهو قَولُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ عندَهما، وذلك لأنَّه غيرُ مالِكٍ، ولا مَأْذونٍ له حالَ العَقدِ، وذلك لقولِه ﷺ لِحَكيمِ بنِ حِزامٍ ﵁: «لا تَبِعْ ما ليسَ عندَكَ» (٢).
وكذا لو باعَ سِلعةً، وصاحِبُها حاضِرٌ ساكِتٌ، فحُكمُه حُكمُ ما لو باعَها بغيرِ إذْنِه، فلا يَصحُّ.
وقالوا -أي: الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ-: يُستَثنَى مِنْ ذلك ما لو باعَ مالَ مَنْ يَرِثُ مِنه، ظانًّا حَياتَه، فتَبيَّن أنَّ المُورِّثَ كانَ مَيِّتًا عندَ العَقدِ، فيُصحَّحُ البَيعُ وتَترتَّبُ عليه آثارُه؛ لأنَّه تَبيَّن خَطَأُ ظَنِّه، وأنَّه في الحَقيقةِ مالِكٌ لِما تَصرَّفَ فيه، وليسَ فُضوليًّا، والعِبرةُ في العُقودِ بما في حَقيقةِ الأمْرِ، لا بما في ظَنِّ العاقِدِ.
وقالَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: وإنِ اشتَرَى لِغيرِه في ذِمَّتِه بلا إذْنِه ولَم يُسَمِّه في العَقدِ صَحَّ العَقدُ؛ لأنَّه مُتصَرِّفٌ في ذِمَّتِه، وهي قابِلةٌ لِلتَّصرُّفِ، ويَصيرُ
стр. 3383
مِلكًا لِمَنِ اشتَراه له مِنْ حينِ العَقدِ بالإجازةِ؛ لأنَّه اشتَرَى لِأجْلِه ونَزَلَ المُشتَرِي نَفْسُه مَنزِلةَ الوَكيلِ، فمَلَكَه مَنْ اشتَرَى له، كما لو أذِنَ، ولزِم العَقدُ المُشتَريَ بعَدَمِها -أي: عَدَمِ الإجازةِ-، لأنَّه لَم يَأذَنْ فيه، فتَعيَّنَ كَونُه لِلمُشتَري مِلْكًا، كما لو لَم يَنوِه غيرُه، وإنْ سَمَّى في العَقدِ مَنْ اشتَرَى له لَم يَصحُّ عندَ الحَنابِلةِ وفي وَجْهٍ لِلشافِعيَّةِ.
وهذا الخِلافُ في بَيعِ الفُضوليِّ يَجري في كلِّ عَقدٍ يَقبَلُ النِّيابةَ، كالإجارةِ والهِبةِ والعِتقِ والنِّكاحِ والطَّلاقِ وغيرِها (١).
واشتَرطَ الحَنفيَّةُ أيضًا أنْ يَكونَ المَبيعُ في نَفْسِه مَملوكًا: فلا يَصحُّ بَيعُ الكَلَأِ، العُشبِ النَّابِتِ بنَفْسِه، سَواءٌ كانَ بمَزرَعةِ البائِعِ، أو مَزرَعةِ غيرِه، أو مَزرَعةٍ مَشاعةٍ بينَه وبينَ غيرِه، ولا بَيعُ الماءِ في نَهَرٍ أو بِئرٍ، ولا الصَّيدُ والحَطَبُ والحَشيشُ قبلَ الإحرازِ (٢).
стр. 3384
٥ - القُدرةُ على تَسليمِ المَبيعِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في المَبيعِ لِكَي يَصحَّ العَقدُ عليه أنْ يَكونَ البائِعُ قادِرًا على تَسليمِ المَبيعِ، فلا يَصحُّ بَيعُ الطَّيرِ في الهَواءِ، والسَّمَكِ في الماءِ، بعدَ أنْ كانَ في يَدِه، ولا يَصحُّ بَيعُ الضّالِّ ولا العَبدِ الآبِقِ؛ لِما رَواه أحمدُ عن أبي سَعيدٍ: أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن شِراءِ العَبدِ وهو آبِقٌ (١).
وَلِمُسلِمٍ عن أبي هُرَيرةَ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الغَرَرِ» (٢).
قالَ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: والغَرَرُ هو المَجهولُ العاقِبةِ؛ فإنَّ بَيعَه مِنْ المَيسِرِ الذي هو القِمارُ، وذلك أنَّ العَبدَ إذا أبَقِ، أو الفَرَسَ أو البَعيرَ إذا شَرَدَ، فإنَّ صاحِبَه إذا باعَه فإنَّما يَبيعُه مُخاطَرةً، فيَشتَريه المُشتَرِي بدُونِ ثَمَنِه بكَثيرٍ، فإنْ حصَل له قالَ البائِعُ: قَمَرتَني وأخَذتَ مالي بثَمَنٍ قَليلٍ، وإنْ لَم يَحصُلْ قالَ المُشتَرِي: قَمَرتَني وأخَذتَ الثَّمنَ مِنِّي بلا عِوَضٍ، فيُفضَى إلى مَفسَدةِ المَيسِرِ، التي هي إيقاعُ العَداوةِ والبَغضاءِ مع ما فيه مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ، الذي هو نَوعٌ مِنْ الظُّلمِ، ففي بَيعِ الغَرَرِ ظُلمٌ وعَداوةٌ وبَغضاءُ.
ومِن نَوعِ الغَرَرِ ما نهَى عنه النَّبيُّ ﷺ مِنْ بَيعِ حَبَلِ الحَبَلةِ والمَلاقيحِ والمَضامينِ، ومِن بَيعِ السِّنينِ وبَيعِ الثَّمرِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه، وبَيعِ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ ونَحوِ ذلك كُلِّه مِنْ نَوعِ الغَرَرِ (٣).
стр. 3385
وفي بَعضِ هذا تَفصيلٌ عندَ المَذاهبِ:
أوَّلًا: بَيعُ السَّمَكِ في الماءِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ السَّمَكِ في الماءِ، وذلك لِحَديثِ ابنِ مَسعودٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَشتَروا السَّمَكَ في الماءِ، فإنَّه غَرَرٌ» (١)؛ ولأنَّه غَرَرٌ، ولأنَّ القَصدَ بالبَيعِ تَمليكُ التَّصرُّفِ، ولا يُمكِنُ ذلك فيما لا يَقدِرُ على تَسليمِه، ولا يَجوزُ ذلك إلَّا بشُروطٍ تَختَلِفُ مِنْ مَذهبٍ لِآخَرَ.
قالَ الحَنفيَّةُ: لا يَصحُّ بَيعُ السَّمَكِ في الماءِ قبلَ أنْ يُصطادَ؛ لأنَّه باعَ ما لا يَملِكُه. ولو كانَ السَّمَكُ مُجتمِعًا في أجَمةٍ فإنِ اجتمعَ بغيرِ صُنعِه لا يَجوزُ؛ لعَدمِ المِلْكِ، وإنِ اجتمعَ بصُنعِه إنْ قدَر على أخْذِه مِنْ غيرِ اصطيادٍ جازَ؛ لأنَّه مَلَكَه ويَقدِرُ على تَسليمِه، ولِلمُشتَرِي خِيارُ الرُّؤيةِ، وإنْ لَم يَقدِرْ عليه إلَّا بالِاصطيادِ لا يَجوزُ (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ بَيعُ ما في الأنهارِ، ولا بَيعُ ما في البِرَكِ -وهي الغُدرانُ المَحفورةُ المُقطَّعةُ- مِنْ الحِيتانِ؛ لِلغَرَرِ، والغَرَرُ فيه مِنْ وَجهَيْنِ: عَدَمِ التَّسليمِ، وكَونِه يَقِلُّ ويَكثُرُ.
стр. 3386
إلَّا إذا كانَ السَّمَكُ في مَحَلٍّ مَحصورٍ، كَبِركةٍ صَغيرةٍ، بحيثُ يُتوصَّلُ إلى مَعرِفةِ ما فيها ويُقدَرُ على تَناوُلِه، وإلَّا لَم يَجُزْ.
وَلا يَجوزُ في المُعتَمَدِ أنْ يُمنَعَ صاحِبُ الأرضِ مِنْ الِاصطيادِ مِنها إلَّا في حالةٍ واحِدةٍ، وهي: أنْ يَكونَ اصطيادُ الغيرِ يَضُرُّ بصاحِبِ الأرضِ، كَأنْ تَكونَ البِركةُ في وَسَطِ زَرعِ صاحِبِ الأرضِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: فإنْ باعَ السَّمَكَ في بِركةٍ لا تَتَّصِلُ بنَهَرٍ، ولا يُمكِنُه الخُروجُ مِنها، فإنْ قدَر على أخْذِه إذا أرادَ مِنْ غيرِ تَعَبٍ، كَبِركةٍ صَغيرةٍ جازَ بَيعُه بلا خِلافٍ.
وإنْ كانَ في بِركةٍ عَظيمةٍ لا يُقدَرُ على أخْذِه إلَّا بتَعَبٍ شَديدٍ لَم يَجُزْ بَيعُه في الأصَحِّ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ عليه في الحالِ (٢).
وَأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا: لا يَصحُّ بَيعُ السَّمَكِ في الماءِ، إلَّا أنْ يَجتمِعَ ثَلاثةُ شُروطٍ:
أحَدُها: أنْ يَكونَ مَملوكًا.
الثَّاني: أنْ يَكونَ الماءُ رَقيقًا لا يَمنَعُ مُشاهدَتَه ومَعرِفَتَه.
الثَّالثُ: أنْ يُمكِنَ اصطيادُه وإمساكُه.
стр. 3387
فَإنِ اجتَمَعتْ هذه الشُّروطُ جازَ بَيعُه؛ لأنَّه مَملوكٌ مَعلومٌ مَقدورٌ على تَسليمِه، فجازَ بَيعُه، كالمَوضوعِ في الطَّستِ، وإنِ اختَلَّ شَرطٌ ممَّا ذُكِرَ لَم يَجُزْ بَيعُه لِذلك، وَإنِ اختَلَّتِ الشُّروطُ الثَّلاثةُ لَم يَجُزْ بَيعُه؛ لِثَلاثِ عِلَلٍ، وإنِ اختَلَّ اثنانِ مِنها لَم يَجُزْ بَيعُه؛ لِعِلَّتَيْنِ.
وأمَّا إذا كانَ بيَدِه ونَحوِ ذلك، كَأنْ كانَ في بِركةٍ مُعَدَّةٍ لِلصَّيدِ، وعُرِفَ برُؤيَتِه، كما إذا رُئِيَ في الماءِ؛ لِصِغَرِ البِركةِ ونَحوِها، وأمكَنَ أخْذُه، صَحَّ بَيعُه؛ لِانتِفاءِ المَحذورِ، وهو عَدَمُ القُدرةِ على التَّسليمِ، وإنْ كانَ في أخْذِه كُلفَةٌ ومَشقَّةٌ، بأنْ كانَتِ البِركةُ كَبيرةً، وتَطاوَلتِ المُدَّةُ في أخْذِه، لا يَجوزُ بَيعُه؛ لِلجَهلِ بوَقتِ إمكانِ التَّسليمِ؛ لِلعَجزِ عن تَسليمِه والجَهلِ بوَقتِ إمكانِ التَّسليمِ (١).
بَيعُ المَغصوبِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ المَغصوبِ إذا لَم يُقدَرْ على أخْذِه مِنْ غاصِبِه، وكذا إذا كانَ قادرًا على أخْذِه مِنْ غاصِبِه، لكنْ لَم يُقِرَّ له الغاصِبُ بالمَغصوبِ.
ثُمَّ اختَلَفوا فيما إذا باعَه مِنْ غاصِبِه، أو باعَه لِقادِرٍ على أخْذِه مِنْ غاصِبِه، أو أقَرَّ له الغاصِبُ بالمَغصوبِ.
стр. 3388
إذا باعَ المَغصوبُ مِنه المالَ المَغصوبَ مِنْ غيرِ الغاصِبِ كانَ ذلك البَيعُ مَوقوفًا، فإذا أقَرَّ الغاصِبُ بالغَصبِ، أو كانَ لِلمَغصوبِ مِنه بَيِّنةٌ، كانَ البَيعُ لازِمًا، وإذا لَم يَكُنْ لَدَيْه بَيِّنةٌ وتلِف المَبيعُ قبلَ التَّسليمِ فالبَيعُ مُنفَسِخٌ.
فقالَ الحَنفيَّةُ: لا يَنعقِدُ بَيعُ المَغصوبِ إلَّا إذا باعَه الغاصِبُ وضمِنه المالِكُ، أو باعَه المالِكُ وأقَرَّ الغاصِبُ هذا البَيعَ، فإنْ لَم يُقِرَّ الغاصِبُ وكانَ لِلمالِكِ بَيِّنةٌ ثم باعَه فإنَّ البَيعَ يَنعقِدُ ويَلزَمُ المُشتَريَ، أمَّا إذا لَم تَكُنْ له بَيِّنةٌ وتلِف المَبيعُ قبلَ أنْ يُسَلِّمَه انفسخَ البَيعُ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَصحُّ بَيعُ المَغصوبِ إلَّا مِنْ غاصِبِه بأنْ يَبيعَه المالِكُ لِلغاصِبِ نَفْسِه، بشَرطِ أنْ يَكونَ الغاصِبُ عازِمًا على رَدِّ المَغصوبِ لِمالِكِه اتِّفاقًا، أمَّا إنْ كانَ عازِمًا على عَدَمِ الرَّدِّ فإنَّه لا يَنعقِدُ البَيعُ لَه، وإنْ أشكَلَ أمْرُه بأنْ لَم يُعرَفْ إنْ كانَ عازِمًا على الرَّدِّ أو لا، فقَولانِ بالمَنعِ وعَدَمِه.
وكذا يَجوزُ بَيعُه مِنْ غيرِ غاصِبِه إذا كانَ الغاصِبُ مُقِرًّا بالغَصبِ، مَقدورًا عليه بلا خِلافٍ.
أمَّا إذا كانَ الغاصِبُ مِمَّنْ لا يَخضَعُ لِحُكمِ الحاكِمِ فلا يَستَطيعُ أحَدٌ أنْ يَأخُذَ مِنه ما تَحتَ يَدِه، أو كانَ مَنْ يَخضَعُ، ولكنَّه مُنكِرٌ، ولو عليه بَيِّنةٌ، فإنَّ بَيعَ المالِكِ في هذه الحالةِ لا يَنعقِدُ على المَشهورِ؛ لِمَنعِ بَيعِ ما فيه خُصومةٌ.
стр. 3389
وحيثُ لَم يَجُزِ البَيعُ فالمَعنَى أنَّه لا يَصحُّ، ولا يَلزَمُ البائِعَ، وليسَ المُرادُ أنَّه يَحرُمُ عليه أنْ يَأخُذَ مِنْ الغاصِبِ ثَمَنًا؛ لأنَّه يَستَخلِصُ مِنْ حَقِّه ما قدَر عليه (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَجوزُ بَيعُ المَغصوبِ قبلَ استِرجاعِه على غاصِبِه؛ لأنَّه في قَبضَتِه، وتَحتَ قُدرَتِه، فإذا باعَه مالِكُه نُظِرَ: إنْ قدَر البائِعُ على استِردادِه وتَسليمِه صَحَّ البَيعُ بلا خِلافٍ، كما يَصحُّ بَيعُ الوَديعةِ والعارِيةِ، وإنْ عَجَزَ نُظِرَ: إنْ باعَه لِمَنْ لا يَقدِرُ على انتِزاعِه مِنْ الغاصِبِ لَم يَصحَّ قَطعًا، وإنْ باعَه مِنْ قادِرٍ على انتِزاعِه فوَجهانِ مَشهورانِ، أصَحُّهما: يَصحُّ، ثم إنْ عَلِمَ المُشتَرِي بالحالِ فلا خِيارَ له، ولكنْ لو عَجَزَ عن انتِزاعِه لِضَعفٍ عرَض له، أو قُوَّةٍ عَرَضتْ لِلغاصِبِ، فله الخِيارُ على المَذهبِ. وإنْ كانَ جاهِلًا حالَ العَقدِ كَونَه مَغصوبًا، فله الخِيارُ بلا خِلافٍ (٢).
قالَ الحَنابِلةُ: ولا يَجوزُ بَيعُ المَغصوبِ؛ لعَدمِ إمكانِ تَسليمِه، فإنْ باعَه لغاصِبِه أو لِقادِرٍ على أخْذِه مِنْ غاصِبِه جازَ؛ لعَدمِ الغَرَرِ، وإنْ ظَنَّ أنَّه قادِرٌ صَحَّ البَيعُ، فإنْ عَجَزَ فله الخِيارُ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ (٣).
стр. 3390
٦ - أنْ يَكونَ المَبيعُ والثَّمنُ مَعلومَيْنِ لِلمُتعاقدَيْنِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ المَبيعُ والثَّمنُ مَعلومَيْنِ لِلعاقِدَيْنِ، عِلمًا يَمنَعُ مِنْ المُنازَعةِ والخُصومةِ؛ لأنَّ في ذلك غَرَرًا، وقد نهَى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعِ الغَرَرِ؛ فلا يَصحُّ بَيعُ ما يَجهَلُه العاقِدانِ أو أحَدُهما، ولا جَعلُه ثَمَنًا، فإنْ كانَ أحَدُهما مَجهولًا جَهالةً مُفضيةً إلى المُنازَعةِ، كبِعتُكَ شاةً مِنْ هذا القَطيعِ، أو ثَوبًا مِنْ هذا العِدْلِ، فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ الشاةَ مِنْ القَطيعِ والثَّوبِ مِنْ العِدلِ مَجهولانِ جَهالةً مُفضيةً إلى المُنازَعةِ؛ لِتَفاحُشِ التَّفاوُتِ بينَ شاةٍ وشاةٍ، وثَوبٍ وثَوبٍ، فيُوجِبُ فَسادَ البَيعِ، وهذا القَدْرُ مُتَّفقٌ عليه بينَ العُلماءِ.
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا فيما إذا كانَتِ الجَهالةُ يَسيرةً، لا تُفضي إلى المُنازَعةِ في الأغلَبِ، هل يَصحُّ أو لا؟ وكذا هل يُشترَطُ العِلمُ بالمَبيعِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ أو لا؟ وكذلك اختَلَفوا في البَيعِ بالصِّفةِ أو الرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ، هل يَصحُّ أو لا؟ على تَفصيلٍ في ذلك في كلِّ مَذهبٍ بَيانُه كالتَّالي:
قالَ الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ أنْ يَكونَ المَبيعُ مَعلومًا، وثَمَنُه مَعلومًا عِلمًا يَمنَعُ مِنْ المُنازَعةِ، فإنْ كانَ أحَدُهما مَجهولًا جَهالةً مُفضيةً إلى المُنازَعةِ فسَد البَيعُ، وإنْ كانَ مَجهولًا جَهالةً لا تُفضي إلى المُنازَعةِ لا يَفسُدُ؛ لأنَّ الجَهالةَ إذا كانَتْ مُفضيةً إلى المُنازَعةِ كانَتْ مانِعةً مِنْ التَّسليمِ والتَّسلُّمِ؛ فلا يَحصُلُ مَقصودُ البَيعِ، وإذا لَم تَكُنْ مُفضيةً إلى المُنازَعةِ لا تَمنَعُ مِنْ ذلك، ويَحصُلُ المَقصودُ.
стр. 3391
وبَيانُه في مَسائِلَ: إذا قالَ بِعتُكَ شاةً مِنْ هذا القَطيعِ أو ثَوبًا مِنْ هذا العِدلِ فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ الشاةَ مِنْ القَطيعِ والثَّوبَ مِنْ العِدلِ مَجهولانِ جَهالةً مُفضيةً إلى المُنازَعةِ؛ لِتَفاحُشِ التَّفاوُتِ بينَ شاةٍ وشاةٍ، وثَوبٍ وثَوبٍ، فيوجِبُ فَسادَ البَيعِ، فإنْ عَيَّنَ البائِعُ شاةً أو ثَوبًا وسلَّمه إليه ورَضيَ به جازَ، ويَكونُ ذلك ابتِداءَ بَيعٍ بالمُراضاةِ، ولأنَّ البِايعاتِ لِلتَّوسُّلِ إلى استِيفاءِ النُّفوسِ إلى انقِضاءِ آجالِها، والتَّنازُعَ يُفضي إلى التَّفاني، فيَتناقَضُ، ولأنَّ الرِّضا شَرطُ البَيعِ، والرِّضا لا يَتعلَّقُ إلَّا بالمَعلومِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا بدَّ مِنْ كَونِ الثَّمنِ والمُثمَّنِ مَعلومَيْنِ لِلبائِعِ والمُشتَرِي وإلَّا فسَد البَيعُ.
فَإنْ جُهِلَ الثَّمنُ أو المُثمَّنُ، أو جُهِلَ قَدْرُه أو صِفَتُه فسَد البَيعُ.
وله أحوالٌ:
١ - إمَّا أنْ يَكونَ مَجهولًا جُملةً وتَفصيلًا: كبَيعِ ما في بَيتٍ أو حانوتٍ أو ما وَرِثَه أو ما وُهِبَ له، وهُما لا يَعلَمانِه، فهذا لا يَصحُّ.
٢ - وإمَّا أنْ يَكونَ مَعلومًا جُملةً ومَجهولًا تَفصيلًا: كما إذا ابتاعَ عَبدَيْنِ لِرَجلَيْنِ صَفقةً واحِدةً، ولَم يُعيِّنْ لِكُلِّ عَبدٍ مِنهُما ما يَخُصُّه، فجُملَتُه مَعلومةٌ، وتَفصيلُه مَجهولٌ، وهذا أيضًا لا يَصحُّ، ويُمنَعُ، ويَفسُدُ العَقدُ.
٣ - وإمَّا أنْ يَكونَ مَجهولًا جُملةً ومَعلومًا تَفصيلًا، فلا يَفسُدُ البَيعُ، بَلْ
стр. 3392
هو صَحيحٌ، كما إذا كانَ كُلٌّ مِنْ الجُملةِ والتَّفصيلِ مَعلومَيْنِ، كشِراءِ صُبرةٍ أو شَقَّةٍ مَعلومةِ القَدْرِ، كلُّ ذِراعٍ أو أرَدَبٍّ مِنها بكذا.
والحاصِلُ أنَّ الحالاتِ أربَعٌ: عِلمُ الجُملةِ والتَّفصيلِ، وجَهلُهما، وجَهلُ الجُملةِ فَقط، وجَهلُ التَّفصيلِ فَقط، فيَفسُدُ البَيعُ في حالَتَيْنِ، ويَصحُّ في حالَتَيْنِ.
وجَهْلُ أحَدِهما -أي: العاقِدَيْنِ- كجَهلِهِما على المَذهبِ، سَواءٌ عَلِمَ العالِمُ مِنهُما بجَهلِ الجاهِلِ أو لا، فمتى حصَل الجَهلُ بأحَدِ العِوضَيْنِ مِنْ المُتبايِعَيْنِ أو مِنْ أحَدِهما فسَد البَيعُ.
وقيلَ: لا يَكونُ البَيعُ فاسِدًا إلَّا إذا جَهِلَا مَعًا قَدْرَ المَبيعِ أو صِفَتَه، أو جَهِلَ ذلك أحَدُهما، وعَلِمَ الآخَرُ بجَهلِه، وتَبايَعا على ذلك، وأمَّا إذا عَلِمَ ذلك أحَدُهما، وجَهِلَ الآخَرُ، ولَم يَعلَم بجَهلِه، فليسَ ببَيعٍ فاسِدٍ، وإنَّما هو في الحُكمِ كَبَيعِ غِشٍّ، وخَديعةٍ، يَكونُ الجاهِلُ مِنهما إذا عَلِمَ مُخيَّرًا بينَ إمضاءِ البَيعِ أو رَدِّهِ (١).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فقالوا: يُشترَطُ في المَبيعِ أنْ يَكونَ مَعلومًا لِلمُتعاقدَيْنِ، فلا يَصحُّ البَيعُ إذا كانَ في المَبيعِ أو الثَّمنِ جَهالةٌ لَدَى العاقِدَيْنِ أو أحَدِهما، تُفْضِي في الأغلَبِ إلى النِّزاعِ والخُصومةِ، لأنَّ في ذلك غَرَرًا، وقد نهَى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعِ الغَرَرِ، فلا يَصحُّ بَيعُ ما يَجهَلُه العاقِدانِ أو أحَدُهما،
стр. 3393
ولا جَعلُه ثَمَنًا، كما لا يَصحُّ بَيعُ واحِدٍ مِنْ أشياءَ دونَ تَعيينِه، ولا البَيعُ به، ولا يَصحُّ بَيعُ شَيءٍ مُعيَّنٍ بألْفٍ مَثَلًا، دونَ بَيانِ المُرادِ مِنْ الألْفِ، ولا عُرْفَ في مَكانِ البَيعِ يُحدِّدُ المُرادَ مِنها، فإنْ كانَ عُرفٌ فُسِّرتْ به، كما لو باعَ في مِصْرَ مَثَلًا مَبيعًا وقالَ: ثَمَنُه ألْفٌ، فالعُرفُ يُحدِّدُ أنَّه ألْفُ جُنَيهٍ مِصريٍّ.
وكذا لا يَصحُّ بَيعُ أحَدِ الثَّوبَيْنِ، ويَصحُّ بَيعُ صاعٍ مِنْ صُبرةٍ تُعلَمُ صِيعانُها، وكذا إنْ جُهِلتْ.
ولا يُشترَطُ العِلمُ بالمَبيعِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ، بَلْ يُشترَطُ العِلمُ بعَينِه وقَدْرِه وصِفَتِه.
أمَّا العَينُ فمَعناهُ: أنْ يَقولَ: بِعتُكَ هذا ونَحوَه، بخِلافِ ما لو قالَ: بِعتُكَ عَبدًا مِنْ عَبيدي، أو شاةً مِنْ هذه الغَنَمِ، فهو باطِلٌ؛ لأنَّه غيرُ مُعيَّنٍ، وهو غَرَرٌ، وكذا لو قالَ: بِعتُكَ هذا القَطيعَ إلَّا واحِدةً، لا يَصحُّ، وسَواءٌ تَساوَتِ القِيمةُ في العَبيدِ والغَنَمِ أو لا.
وأمَّا القَدْرُ: فلا بدَّ مِنْ مَعرِفَتِه حتى لو قالَ: بِعتُكَ مِلءَ هذه الغِرارةِ حِنطةً، أو بزِنةِ هذه الصَّخرةِ زَبيبًا، لَم يَصحَّ البَيعُ، وكذا لو قالَ: بِعتُكَ بمِثلِ ما باعَ فُلانٌ سِلعَتَه، أو قالَ: بِعتُكَ بالسِّعرِ الذي يُساوي في السُّوقِ، فلا يَصحُّ؛ لِوُجودِ الغَرَرِ، بخِلافِ ما لو قالَ: بِعتُكَ هذا القَمحَ كلُّ كَيلٍ بكذا، فإنَّه يَصحُّ، وإنْ كانَتْ جُملةُ القَمحِ مَجهولةً في الحالِ؛ لأنَّ الجَهالةَ انتَفَتْ بذِكرِ الكَيلِ، ولو قالَ: بِعتُكَ مِنْ هذه الصُّبرةِ كُلَّ صاعٍ بدِرهَمٍ، لَم يَصحَّ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المَبيعَ مَجهولٌ، وذِكرُ مُقابِلِه، وهو: كلُّ كَيلٍ بدِرهَمٍ، لا يُخرِجُه عنِ الجَهالةِ.
стр. 3394
ومَعنَى (بمِلءِ هذه الغِرارةِ حِنطةً، أو بزِنةِ هذه الصَّخرةِ زَبيبًا) مَحَلُّه إذا كانَ المَعقودُ عليه في الذِّمَّةِ، أمَّا إذا كانَ حاضِرًا، بأنْ قالَ: بِعتُكَ مِلءَ هذه الغِرارةِ مِنْ هذه الحِنطةِ، أو بزِنةِ هذه الصَّخرةِ مِنْ هذا الزَّبيبِ، فإنَّه يَصحُّ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لا غَرَرَ، ولا مَكانَ لِلشُّروعِ في الوَفاءِ عندَ العَقدِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يُشترَطُ أنْ يَكونَ المَبيعُ مَعلومًا لِلبائِعِ والمُشتَرِي، لأنَّ جَهالةَ المَبيعِ غَرَرٌ؛ فيَكونُ مَنهيًّا عنه، فلا يَصحُّ.
والعِلمُ به يَحصُلُ بما يلي:
١ - إمَّا برُؤيةٍ مُقارِنةٍ لِلعَقدِ، بألَّا تَتأخَّرَ عنه، تَحصُلُ بها مَعرِفةُ جَميعِ المَبيعِ، إنْ لَم تَدُلَّ بَقيَّتُه عليه، كالثَّوبِ المَنقوشِ، أو برُؤيةٍ لِبَعضِه إنْ دَلَّتْ رُؤيةُ بَعضِه على بَقيتِه لِحُصولِ المَعرِفة بها وإن لَم تَدُل رُؤية بَعضِه على بَقيَّتِه، كالثَّوبِ المَنقوشِ، فلا تَكفي رُؤيةُ بَعضِه.
تَكفي رُؤيةُ أحَدِ وَجهَيْ ثَوبٍ غيرِ مَنقوشٍ، ورُؤيةُ ظاهِرِ الصُّبَرِ المُتَساويةِ الأجزاءِ مِنْ حَبٍّ وقَزٍّ وتَمرٍ ونَحوِها، بخِلافِ المُختلِفةِ الأجزاءِ، كَصُبرةِ بَقَّالِ القَريةِ.
وتَكفي رُؤيةُ ظاهِرِ ما في ظُروفٍ وأعدالٍ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ مُتَساوِي الأجزاءِ، ونَحوِ ذلك مِنْ كلِّ ما يَدلُّ بَعضُه على كُلِّه؛ لِحُصولِ الغَرَضِ بها.
стр. 3395
ولا يَصحُّ بَيعُ الأُنموذَجِ -وهو ما يَدلُّ على صِفةِ الشَّيءِ- بأنْ يُريَه صاعًا مَثَلًا مِنْ صُبرةٍ، ويَبيعَه الصُّبرةَ على أنَّها مِنْ جِنسِه، فلا يَصحُّ؛ لعَدمِ رُؤيةِ المَبيعِ وَقتَ العَقدِ.
وما عُرِفَ ممَّا يُباعُ بلَمسِه أو شَمِّه أو ذَوقِه فكَرُؤيَتِه؛ لِحُصولِ المَعرِفةِ.
٢ - وإمَّا بصِفةٍ تَضبِطُ ما يَصحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّها تَقومُ مَقامَ الرُّؤيةِ في تَمييزِه، وسَيَأتي بَقيَّةُ الكَلامِ لِلحَنابِلةِ في المَسألةِ التَّاليةِ (١).
البَيعُ والشِّراءُ بالصِّفةِ والرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ وبَيعُ الأعيانِ الغائِبةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في البَيعِ بالصِّفةِ والرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ، أو عَدَمِ الرُّؤيةِ والوَصفِ، وبَيعِ الأعيانِ الغائِبةِ والحاضِرةِ التي لَم تُرَ، هل يَصحُّ أو لا؟ على أقوالٍ لِلعُلماءِ أذكُرُها مُجمَلةً، ثم أذكُرُ كُلَّ مَذهبٍ بتَفصيلاتِه على حِدَةٍ.
قالَ الحَنفيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: مَنْ اشتَرَى ما لَم يَرَه صَحَّ، سَواءٌ ذُكِرَ وَصفُه أو لَم يُذكَرْ، فيَصحُّ البَيعُ، وله الخِيارُ.
وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيْه على تَفصيلٍ سَيَأتي: يَجوزُ بَيعُ السِّلَعِ وإنْ لَم يَرَها المُشتَرِي إذا وصَفها له، ولَم يُشترَطِ النَّقدُ، فإنْ لَم يَصِفْها لَم يَجُزْ، ولا يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ ألبَتَّةَ، إلَّا بالصِّفةِ، أو على رُؤيةٍ تَقدَّمتْ.
стр. 3396
ولا بَأْسَ ببَيعِ الأعيانِ الغائِبةِ على الصِّفةِ، وإنْ لَم يَرَها البائِعُ ولا المُشتَرِي إذا وَصَفوها، فإذا جاءَتْ على الصِّفةِ لزِمهما البَيعُ، ولا يَكونُ لِواحِدٍ مِنهُما خِيارُ الرُّؤيةِ إلَّا أنْ يَشتَرِطَه، فإنِ اشتَرطَه كانَ ذلك له، فإنْ لَم تُوصَفِ السِّلعةُ فلا يَصحُّ البَيعُ.
وقالَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يَصحُّ بَيعُ ما لَم يَرَه المُتعاقِدانِ أو أحَدُهما (١).
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: المَبيعاتُ على نَوعَينِ: مَبيعٍ حاضِرٍ مَرئيٍّ، فهذا لا خِلافَ في بَيعِه، وَمَبيعٍ غائِبٍ أو مُتعَذَّرِ الرُّؤيةِ، فهُنا اختلَف العُلماءُ، فقالَ قَومٌ: بَيعُ الغائِبِ لا يَجوزُ بحالٍ مِنْ الأحوالِ، لا ما وُصِفَ، ولا ما لَم يُوصَفْ، وهذا أشهَرُ قَولَيِ الشافِعيِّ، وهو المَنصوصُ عندَ أصحابِه، أعني أنَّ بَيعَ الغائِبِ على الصِّفةِ لا يَجوزُ.
وقالَ مالِكٌ وأكثَرُ أهلِ المَدينةِ: يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ على الصِّفةِ إذا كانَتْ غَيبَتُه ممَّا يُؤْمَنُ أنْ تَتغيَّرَ فيه صِفَتُه قبلَ القَبضِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ بَيعُ العَينِ الغائِبةِ مِنْ غيرِ صِفةٍ، ثم له إذا رَآها الخِيارُ، فإنْ شاءَ أنفَذَ البَيعَ، وإنْ شاءَ رَدَّه.
وكذلك المَبيعُ على الصِّفةِ مِنْ شَرطِه عندَهم خِيارُ الرُّؤيةِ، وإنْ جاءَ على الصِّفةِ، وعندَ مالِكٍ أنَّه إذا جاءَ على الصِّفةِ فهو لازِمٌ، وعندَ الشافِعيِّ لا يَنعقِدُ البَيعُ أصلًا في المَوضِعَيْنِ.
стр. 3397
وقد قيلَ في المَذهبِ: يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ مِنْ غيرِ صِفةٍ على شَرطِ الخِيارِ، خِيارِ الرُّؤيةِ، وقَع ذلك في المُدوَّنةِ وأنكَرَه عَبدُ الوَهَّابِ وقالَ: هو مُخالِفٌ لِأُصولِنا.
وسَبَبُ الخِلافِ: هل نُقصانُ العِلمِ المُتعلِّقِ بالصِّفةِ عنِ العِلمِ المُتعلِّقِ بالحِسِّ هو جَهلٌ مُؤثِّرٌ في بَيعِ الشَّيءِ، فيَكونَ مِنْ الغَرَرِ الكَثيرِ، أو ليسَ بمُؤثِّرٍ، وأنَّه مِنْ الغَرَرِ اليَسيرِ المَعفُوِّ عنه، فالشافِعيُّ رَآه مِنْ الغَرَرِ الكَثيرِ، ومالِكٌ رَآه مِنْ الغَرَرِ اليَسيرِ، وأمَّا أبو حَنيفةَ فإنَّه رَأى أنَّه إذا كانَ له خِيارُ الرُّؤيةِ أنَّه لا غَرَرَ هُناكَ، وإنْ لَم تَكُنْ له رُؤيةٌ، وأمَّا مالِكٌ فرَأى أنَّ الجَهلَ المُقتَرِنَ بعَدَمِ الصِّفةِ مُؤثِّرٌ في انعِقادِ البَيعِ، ولا خِلافَ عندَ مالِكٍ أنَّ الصِّفةَ إنَّما تَنوبُ عنِ المُعايَنةِ لِمَكانِ غَيبةِ المَبيعِ، أو لِمَكانِ المَشقَّةِ التي في نَشرِه، وما يُخافُ أنْ يَلحَقَه مِنْ الفَسادِ بتَكرارِ النَّشرِ عليه، ولِهذا أجازَ البَيعَ على البَرنامَجِ على الصِّفةِ، ولَم يَجُزْ عندَه بَيعُ السِّلاحِ في جِرابِه، ولا الثَّوبِ المَطويِّ في طَيِّه حتى يُنشَرَ أو يَنظُرَ إلى ما في جِرابِها.
واحتَجَّ أبو حَنيفةَ بما رُويَ عن ابنِ المُسَيِّبِ أنَّه قالَ: قالَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ : وَدِدْنا أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ تَبايَعا حتى نَعلَمَ أيُّهما أعظَمُ جِدًّا في التِّجارةِ. فاشتَرَى عَبدُ الرَّحمَنِ مِنْ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ فَرَسًا بأرضٍ له أُخرَى بأربَعينَ ألْفًا، أو أربَعةِ آلافٍ … فذكَر تَمامَ الخَبَرِ.
وفيه بَيعُ الغائِبِ مُطلَقًا، ولا بدَّ عندَ أبي حَنيفةَ مِنْ اشتِراطِ الجِنسِ.
وَيَدخُلُ البَيعُ على الصِّفةِ أو على خِيارِ الرُّؤيةِ مِنْ جِهةِ ما هو غائِبٌ
стр. 3398
غَرَرٌ آخَرُ، وهو: هل هو مَوجودٌ وَقتَ العَقدِ أو مَعدومٌ؟ ولِذلك اشتَرَطوا فيه أنْ يَكونَ قَريبَ الغَيبةِ، إلَّا أنْ يَكونَ مَأْمونًا، كالعَقارِ.
ومِن هَهُنا أجازَ مالِكٌ بَيعَ الشَّيءِ برُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ، أعني إذا كانَ مِنْ القُربِ، بحيثُ يُؤْمَنُ ألَّا تَتغيَّرَ فيه، فاعلَمه (١).
وَإليكَ تَفصيلَ كلِّ مَذهبٍ في هذه المَسالةِ:
قالَ الحَنفيَّةُ: مَنْ اشتَرَى ما لَم يَرَه صَحَّ، سَواءٌ ذُكِرَ وَصفُه أو لَم يُذكَرْ، كمَنِ اشتَرَى زَيتًا في زِقٍّ، أو بُرًّا في عِدلٍ، أو ثَوبًا في كُمٍّ، واتَّفَقا على أنَّه مَوجودٌ في مِلْكِه، ولَم يَرَ المُشتَرِي شَيئًا مِنْ ذلك، صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اشتَرَى ما لَم يَرَه، ولَه الخيارُ عندَ الرُّؤيةِ إلى أنْ يُوجَدَ مُبطِلُه، وهو ما يَدلُّ على الرِّضا، فإنْ شاءَ أخَذه، وإنْ شاءَ رَدَّه، والأصْلُ فيه حَديثُ أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «مَنِ اشتَرَى شَيئًا لَم يَرَه فهو بالخِيارِ إذا رَآه» (٢). ولأنَّه أحَدُ العِوضَيْنِ، فلا تُشترَطُ رُؤيَتُه لِلِانعِقادِ، كالثَّمنِ، ولأنَّه لا يُفْضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّه إذا لَم يَرضَ به عندَ الرُّؤيةِ يَرُدُّه؛ لعَدمِ اللُّزومِ، وإذا جازَ العَقدُ ثبَت له الخِيارُ بالحَديثِ، وإنَّما يثبُتُ الخِيارُ عندَ الرُّؤيةِ، حتى لو أجازَ البَيعَ قبلَ الرُّؤيةِ لا يَلزَمُ، ولا يَسقُطُ خِيارُه بصَريحِ الإسقاطِ قبلَها، بأنْ قالَ بعدَ تَمامِ العَقدِ:
стр. 3399
رَضيتُ بذلك المَبيعِ، على أيِّ وَصفٍ كانَ؛ لأنَّه خِيارٌ ثبَت شَرعًا بالرُّؤيةِ، فكانَ عَدَمًا قبلَها، فلا يَصحُّ إسقاطُه قبلَها، بخِلافِ خِيارَيِ الشَّرطِ والعَيبِ؛ لأنَّهما ثَبَتا بقَصدِهما وشَرطِهما، ويَملِكُ فَسخَه قبلَ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ الخِيارَ له.
ولا يَمنَعُ ثُبوتُ المِلْكِ في البَدلَيْنِ، لكنْ يَمنَعُ اللُّزومَ حتى لو باعَه مُطلَقًا، أو بشَرطِ الخِيارِ لِلمُشتَرِي، أو أعتَقَه، أو رَهَنَه، أو وهَبه، وسلَّم قبلَ الرُّؤيةِ لزِم البَيعُ، ولو شرَط الخِيارَ لِلبائِعِ أو عرَضه على البَيعِ لا يَلزَمُ قبلَ الرُّؤيةِ، ويَلزَمُ بعدَها؛ لأنَّه لَم يَتعلَّقْ به حَقُّ الغيرِ، لكنْ رَضيَ، والرِّضا قبلَ الرُّؤيةِ لا يُسقِطُ الخِيارَ.
بَيعُ ما لَم يَرَه:
ومَن باعَ ما لَم يَرَه، بأنْ وَرِثَ شَيئًا فلَم يَرَه حتى باعَه فلا خِيارَ له؛ لأنَّ النَّصَّ أثبَتَه لِلمُشتَرِي؛ خَوفًا مِنْ تَغيُّرِ المَبيعِ عَمَّا يَظُنُّه، ودَفْعًا لِلغَبنِ عنه، فلو ثبَت لِلبائِعِ لَثبَت خَوفًا مِنْ الزِّيادةِ على ما يَظُنُّه مِنْ الأوصافِ، وذلك لا يُوجِبُ الخِيارَ، ألَا تَرَى أنَّه لو باعَ عَبدًا على أنَّه مَريضٌ فإذا هو صَحيحٌ لزِمه، ولا خِيارَ له؟
وهذا الحُكمُ إذا باعَ عَينًا بثَمَنٍ (وهو البَيعُ العاديُّ)، أمَّا إذا باعَ عَينًا بعَينٍ (وهو المُقايَضةُ)، ولَم يَرَ كلُّ واحِدٍ مِنهُما ما يَحصُلُ له فله الخِيارُ.
وتَتحقَّقُ الرُّؤيةُ المَطلوبةُ بما يُوجِبُ العِلمَ بالمَقصودِ؛ لأنَّه بها يَحصُلُ العِلمُ بالمَبيعِ، ولا يُشترَطُ رُؤيةُ غيرِه؛ ولا يُكتَفَى بها وَحدَها، حتى لو رَأى سائِرَ أعضائِه دونَ ما هو المَقصودُ، كانَ باقيًا على خِيارِه.
стр. 3400
مَنْ رَأى شَيئًا ثم اشتَراه فوجَده مَعيبًا:
مَنْ رَأى شَيئًا ثم اشتَراه بعدَ مُدَّةٍ فإنْ كانَ على الصِّفةِ التي رَآه فلا خِيارَ له، وإنْ وجَده مُتغيِّرًا فله الخيارُ؛ لأنَّ تلك الرُّؤيةَ لَم تَقَعْ مُعلَّمةً بأوصافِه، فكَأنَّه لَم يَرَه.
وإنِ اختَلَفا في التَّغيُّرِ فالقَولُ قَولُ البائِعِ مع يَمينِه؛ لأنَّ التَّغيُّرَ حادِثٌ؛ لأنَّه إنَّما يَكونُ بعَيبٍ أو تَبدُّلِ هَيئةٍ، وكُلٌّ مِنهما عارِضٌ، والمُشتَرِي يَدَّعيه، والبائِعُ مُنكِرٌ ومُتمسِّكٌ بالأصْلِ؛ لأنَّ سَبَبَ لُزومِ العَقدِ هو رُؤيةُ جُزءٍ مِنْ المَعقودِ عليه، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ مع يَمينِه، والبَيِّنةُ بَيِّنةُ مُدَّعي العارِضِ، إلَّا إذا بَعُدتِ المُدَّةُ، فالقَولُ قَولُ المُشتَرِي؛ لأنَّ الظَّاهِرَ يَشهَدُ له؛ فإنَّ الشَّيءَ يَتغيَّرُ بطُولِ الزَّمانِ، ومَن يَشهَدُ له الظَّاهِرُ فالقَولُ قَولُه.
وإذا اختلَف البائِعُ والمُشتَرِي في رُؤيةِ المُشتَرَى، فقالَ المُشتَرِي: لَم أرَهُ حالَ العَقدِ ولا بعدَه، وقالَ البائِعُ: بَلْ رَأيتَه، فالقَولُ قَولُ المُشتَرِي مع يَمينِه؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي عليه الرُّؤيةَ، أي: العِلمَ بالصِّفاتِ، وأنَّه أمرٌ حادِثٌ، والمُشتَرِي مُنكِرٌ، فكانَ القَولُ قَولَه مع اليَمينِ.
رُؤيةُ بَعضِ المَبيعِ دونَ بَعضِه الآخَرِ:
والمَبيعُ إذا كانَ أشياءَ إنْ كانَ مِنْ العَدَدياتِ المُتَفاوِتةِ، كالثِّيابِ والدَّوابِّ والبِطِّيخِ والسَّفَرجَلِ والرُّمَّانِ ونَحوِها لا يَسقُطُ الخِيارُ إلَّا برُؤيةِ الكُلِّ؛ لأنَّها تَتفاوَتُ، وإنْ كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا -وهو الذي يُعرَضُ بالأُنموذَجِ-، أو مَعدودًا مُتَقارِبًا، كالجَوْزِ والبَيْضِ فرُؤيةُ بَعضِه تُبطِلُ الخِيارَ