← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

ولا بَأْسَ ببَيعِ الأعيانِ الغائِبةِ على الصِّفةِ، وإنْ لَم يَرَها البائِعُ ولا المُشتَرِي إذا وَصَفوها، فإذا جاءَتْ على الصِّفةِ لزِمهما البَيعُ، ولا يَكونُ لِواحِدٍ مِنهُما خِيارُ الرُّؤيةِ إلَّا أنْ يَشتَرِطَه، فإنِ اشتَرطَه كانَ ذلك له، فإنْ لَم تُوصَفِ السِّلعةُ فلا يَصحُّ البَيعُ. وقالَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يَصحُّ بَيعُ ما لَم يَرَه المُتعاقِدانِ أو أحَدُهما (١). قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: المَبيعاتُ على نَوعَينِ: مَبيعٍ حاضِرٍ مَرئيٍّ، فهذا لا خِلافَ في بَيعِه، وَمَبيعٍ غائِبٍ أو مُتعَذَّرِ الرُّؤيةِ، فهُنا اختلَف العُلماءُ، فقالَ قَومٌ: بَيعُ الغائِبِ لا يَجوزُ بحالٍ مِنْ الأحوالِ، لا ما وُصِفَ، ولا ما لَم يُوصَفْ، وهذا أشهَرُ قَولَيِ الشافِعيِّ، وهو المَنصوصُ عندَ أصحابِه، أعني أنَّ بَيعَ الغائِبِ على الصِّفةِ لا يَجوزُ. وقالَ مالِكٌ وأكثَرُ أهلِ المَدينةِ: يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ على الصِّفةِ إذا كانَتْ غَيبَتُه ممَّا يُؤْمَنُ أنْ تَتغيَّرَ فيه صِفَتُه قبلَ القَبضِ. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ بَيعُ العَينِ الغائِبةِ مِنْ غيرِ صِفةٍ، ثم له إذا رَآها الخِيارُ، فإنْ شاءَ أنفَذَ البَيعَ، وإنْ شاءَ رَدَّه. وكذلك المَبيعُ على الصِّفةِ مِنْ شَرطِه عندَهم خِيارُ الرُّؤيةِ، وإنْ جاءَ على الصِّفةِ، وعندَ مالِكٍ أنَّه إذا جاءَ على الصِّفةِ فهو لازِمٌ، وعندَ الشافِعيِّ لا يَنعقِدُ البَيعُ أصلًا في المَوضِعَيْنِ.

стр. 3397

وقد قيلَ في المَذهبِ: يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ مِنْ غيرِ صِفةٍ على شَرطِ الخِيارِ، خِيارِ الرُّؤيةِ، وقَع ذلك في المُدوَّنةِ وأنكَرَه عَبدُ الوَهَّابِ وقالَ: هو مُخالِفٌ لِأُصولِنا. وسَبَبُ الخِلافِ: هل نُقصانُ العِلمِ المُتعلِّقِ بالصِّفةِ عنِ العِلمِ المُتعلِّقِ بالحِسِّ هو جَهلٌ مُؤثِّرٌ في بَيعِ الشَّيءِ، فيَكونَ مِنْ الغَرَرِ الكَثيرِ، أو ليسَ بمُؤثِّرٍ، وأنَّه مِنْ الغَرَرِ اليَسيرِ المَعفُوِّ عنه، فالشافِعيُّ رَآه مِنْ الغَرَرِ الكَثيرِ، ومالِكٌ رَآه مِنْ الغَرَرِ اليَسيرِ، وأمَّا أبو حَنيفةَ فإنَّه رَأى أنَّه إذا كانَ له خِيارُ الرُّؤيةِ أنَّه لا غَرَرَ هُناكَ، وإنْ لَم تَكُنْ له رُؤيةٌ، وأمَّا مالِكٌ فرَأى أنَّ الجَهلَ المُقتَرِنَ بعَدَمِ الصِّفةِ مُؤثِّرٌ في انعِقادِ البَيعِ، ولا خِلافَ عندَ مالِكٍ أنَّ الصِّفةَ إنَّما تَنوبُ عنِ المُعايَنةِ لِمَكانِ غَيبةِ المَبيعِ، أو لِمَكانِ المَشقَّةِ التي في نَشرِه، وما يُخافُ أنْ يَلحَقَه مِنْ الفَسادِ بتَكرارِ النَّشرِ عليه، ولِهذا أجازَ البَيعَ على البَرنامَجِ على الصِّفةِ، ولَم يَجُزْ عندَه بَيعُ السِّلاحِ في جِرابِه، ولا الثَّوبِ المَطويِّ في طَيِّه حتى يُنشَرَ أو يَنظُرَ إلى ما في جِرابِها. واحتَجَّ أبو حَنيفةَ بما رُويَ عن ابنِ المُسَيِّبِ أنَّه قالَ: قالَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ : وَدِدْنا أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ تَبايَعا حتى نَعلَمَ أيُّهما أعظَمُ جِدًّا في التِّجارةِ. فاشتَرَى عَبدُ الرَّحمَنِ مِنْ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ فَرَسًا بأرضٍ له أُخرَى بأربَعينَ ألْفًا، أو أربَعةِ آلافٍ … فذكَر تَمامَ الخَبَرِ. وفيه بَيعُ الغائِبِ مُطلَقًا، ولا بدَّ عندَ أبي حَنيفةَ مِنْ اشتِراطِ الجِنسِ. وَيَدخُلُ البَيعُ على الصِّفةِ أو على خِيارِ الرُّؤيةِ مِنْ جِهةِ ما هو غائِبٌ

стр. 3398

غَرَرٌ آخَرُ، وهو: هل هو مَوجودٌ وَقتَ العَقدِ أو مَعدومٌ؟ ولِذلك اشتَرَطوا فيه أنْ يَكونَ قَريبَ الغَيبةِ، إلَّا أنْ يَكونَ مَأْمونًا، كالعَقارِ. ومِن هَهُنا أجازَ مالِكٌ بَيعَ الشَّيءِ برُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ، أعني إذا كانَ مِنْ القُربِ، بحيثُ يُؤْمَنُ ألَّا تَتغيَّرَ فيه، فاعلَمه (١). وَإليكَ تَفصيلَ كلِّ مَذهبٍ في هذه المَسالةِ: قالَ الحَنفيَّةُ: مَنْ اشتَرَى ما لَم يَرَه صَحَّ، سَواءٌ ذُكِرَ وَصفُه أو لَم يُذكَرْ، كمَنِ اشتَرَى زَيتًا في زِقٍّ، أو بُرًّا في عِدلٍ، أو ثَوبًا في كُمٍّ، واتَّفَقا على أنَّه مَوجودٌ في مِلْكِه، ولَم يَرَ المُشتَرِي شَيئًا مِنْ ذلك، صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اشتَرَى ما لَم يَرَه، ولَه الخيارُ عندَ الرُّؤيةِ إلى أنْ يُوجَدَ مُبطِلُه، وهو ما يَدلُّ على الرِّضا، فإنْ شاءَ أخَذه، وإنْ شاءَ رَدَّه، والأصْلُ فيه حَديثُ أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «مَنِ اشتَرَى شَيئًا لَم يَرَه فهو بالخِيارِ إذا رَآه» (٢). ولأنَّه أحَدُ العِوضَيْنِ، فلا تُشترَطُ رُؤيَتُه لِلِانعِقادِ، كالثَّمنِ، ولأنَّه لا يُفْضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّه إذا لَم يَرضَ به عندَ الرُّؤيةِ يَرُدُّه؛ لعَدمِ اللُّزومِ، وإذا جازَ العَقدُ ثبَت له الخِيارُ بالحَديثِ، وإنَّما يثبُتُ الخِيارُ عندَ الرُّؤيةِ، حتى لو أجازَ البَيعَ قبلَ الرُّؤيةِ لا يَلزَمُ، ولا يَسقُطُ خِيارُه بصَريحِ الإسقاطِ قبلَها، بأنْ قالَ بعدَ تَمامِ العَقدِ:

стр. 3399

رَضيتُ بذلك المَبيعِ، على أيِّ وَصفٍ كانَ؛ لأنَّه خِيارٌ ثبَت شَرعًا بالرُّؤيةِ، فكانَ عَدَمًا قبلَها، فلا يَصحُّ إسقاطُه قبلَها، بخِلافِ خِيارَيِ الشَّرطِ والعَيبِ؛ لأنَّهما ثَبَتا بقَصدِهما وشَرطِهما، ويَملِكُ فَسخَه قبلَ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ الخِيارَ له. ولا يَمنَعُ ثُبوتُ المِلْكِ في البَدلَيْنِ، لكنْ يَمنَعُ اللُّزومَ حتى لو باعَه مُطلَقًا، أو بشَرطِ الخِيارِ لِلمُشتَرِي، أو أعتَقَه، أو رَهَنَه، أو وهَبه، وسلَّم قبلَ الرُّؤيةِ لزِم البَيعُ، ولو شرَط الخِيارَ لِلبائِعِ أو عرَضه على البَيعِ لا يَلزَمُ قبلَ الرُّؤيةِ، ويَلزَمُ بعدَها؛ لأنَّه لَم يَتعلَّقْ به حَقُّ الغيرِ، لكنْ رَضيَ، والرِّضا قبلَ الرُّؤيةِ لا يُسقِطُ الخِيارَ. بَيعُ ما لَم يَرَه: ومَن باعَ ما لَم يَرَه، بأنْ وَرِثَ شَيئًا فلَم يَرَه حتى باعَه فلا خِيارَ له؛ لأنَّ النَّصَّ أثبَتَه لِلمُشتَرِي؛ خَوفًا مِنْ تَغيُّرِ المَبيعِ عَمَّا يَظُنُّه، ودَفْعًا لِلغَبنِ عنه، فلو ثبَت لِلبائِعِ لَثبَت خَوفًا مِنْ الزِّيادةِ على ما يَظُنُّه مِنْ الأوصافِ، وذلك لا يُوجِبُ الخِيارَ، ألَا تَرَى أنَّه لو باعَ عَبدًا على أنَّه مَريضٌ فإذا هو صَحيحٌ لزِمه، ولا خِيارَ له؟ وهذا الحُكمُ إذا باعَ عَينًا بثَمَنٍ (وهو البَيعُ العاديُّ)، أمَّا إذا باعَ عَينًا بعَينٍ (وهو المُقايَضةُ)، ولَم يَرَ كلُّ واحِدٍ مِنهُما ما يَحصُلُ له فله الخِيارُ. وتَتحقَّقُ الرُّؤيةُ المَطلوبةُ بما يُوجِبُ العِلمَ بالمَقصودِ؛ لأنَّه بها يَحصُلُ العِلمُ بالمَبيعِ، ولا يُشترَطُ رُؤيةُ غيرِه؛ ولا يُكتَفَى بها وَحدَها، حتى لو رَأى سائِرَ أعضائِه دونَ ما هو المَقصودُ، كانَ باقيًا على خِيارِه.

стр. 3400

مَنْ رَأى شَيئًا ثم اشتَراه فوجَده مَعيبًا: مَنْ رَأى شَيئًا ثم اشتَراه بعدَ مُدَّةٍ فإنْ كانَ على الصِّفةِ التي رَآه فلا خِيارَ له، وإنْ وجَده مُتغيِّرًا فله الخيارُ؛ لأنَّ تلك الرُّؤيةَ لَم تَقَعْ مُعلَّمةً بأوصافِه، فكَأنَّه لَم يَرَه. وإنِ اختَلَفا في التَّغيُّرِ فالقَولُ قَولُ البائِعِ مع يَمينِه؛ لأنَّ التَّغيُّرَ حادِثٌ؛ لأنَّه إنَّما يَكونُ بعَيبٍ أو تَبدُّلِ هَيئةٍ، وكُلٌّ مِنهما عارِضٌ، والمُشتَرِي يَدَّعيه، والبائِعُ مُنكِرٌ ومُتمسِّكٌ بالأصْلِ؛ لأنَّ سَبَبَ لُزومِ العَقدِ هو رُؤيةُ جُزءٍ مِنْ المَعقودِ عليه، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ مع يَمينِه، والبَيِّنةُ بَيِّنةُ مُدَّعي العارِضِ، إلَّا إذا بَعُدتِ المُدَّةُ، فالقَولُ قَولُ المُشتَرِي؛ لأنَّ الظَّاهِرَ يَشهَدُ له؛ فإنَّ الشَّيءَ يَتغيَّرُ بطُولِ الزَّمانِ، ومَن يَشهَدُ له الظَّاهِرُ فالقَولُ قَولُه. وإذا اختلَف البائِعُ والمُشتَرِي في رُؤيةِ المُشتَرَى، فقالَ المُشتَرِي: لَم أرَهُ حالَ العَقدِ ولا بعدَه، وقالَ البائِعُ: بَلْ رَأيتَه، فالقَولُ قَولُ المُشتَرِي مع يَمينِه؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي عليه الرُّؤيةَ، أي: العِلمَ بالصِّفاتِ، وأنَّه أمرٌ حادِثٌ، والمُشتَرِي مُنكِرٌ، فكانَ القَولُ قَولَه مع اليَمينِ. رُؤيةُ بَعضِ المَبيعِ دونَ بَعضِه الآخَرِ: والمَبيعُ إذا كانَ أشياءَ إنْ كانَ مِنْ العَدَدياتِ المُتَفاوِتةِ، كالثِّيابِ والدَّوابِّ والبِطِّيخِ والسَّفَرجَلِ والرُّمَّانِ ونَحوِها لا يَسقُطُ الخِيارُ إلَّا برُؤيةِ الكُلِّ؛ لأنَّها تَتفاوَتُ، وإنْ كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا -وهو الذي يُعرَضُ بالأُنموذَجِ-، أو مَعدودًا مُتَقارِبًا، كالجَوْزِ والبَيْضِ فرُؤيةُ بَعضِه تُبطِلُ الخِيارَ

стр. 3401

في كُلِّه؛ لأنَّ المَقصودَ مَعرِفةُ الصِّفةِ، وقد حَصَلتْ، وعليه التَّعارُفُ، إلَّا أنْ يَجِدَه أردَأَ مِنْ الأُنموذَجِ، فيَكونَ له الخِيارُ، وإنْ كانَ المَبيعُ مُغيَّبًا تَحتَ الأرضِ، كالجَزَرِ والشَّلجَمِ والبَصَلِ والثُّومِ والفُجلِ بعدَ النَّباتِ، إنْ عَلِمَ وُجودَه تَحتَ الأرضِ جازَ، وإلَّا فلا، فإذا باعَه ثم قَلَعَ مِنه أُنموذَجًا ورَضيَ به، فإنْ كانَ ممَّا يُباعُ كَيلًا، كالبَصَلِ، أو وَزنًا، كالثُّومِ والجَزَرِ، بطَل خِيارُه؛ لِلحاجةِ وجَرَيانِ التَّعامُلِ به. وَإنْ كانَ ممَّا يُباعُ عَدَدًا، كالفُجلِ ونَحوِه، فرُؤيةُ بَعضِه لا تُسقِطُ خِيارَه (١). وقالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ البَيعُ على رُؤيةِ بَعضِ المِثلِيِّ مِنْ مَكيلٍ ومَوزونٍ، كَقُطنٍ وكَتَّانٍ وقَمحٍ وشَعيرٍ، أي: يَجوزُ العَقدُ مُكتَفَيًا برُؤيةِ بَعضِه في مَعرِفةِ الصِّفةِ؛ لأنَّ رُؤيةَ بَعضِه كافيةٌ فيه، سَواءٌ كانَ البَيعُ بَتًّا، أو على الخِيارِ، بخِلافِ المُقوَّمِ؛ فلا يَكفي رُؤيةُ بَعضِه، كَثَوبٍ مِنْ أثوابٍ. ومَحَلُّ عَدَمِ الِاكتِفاءِ برُؤيةِ بَعضِه فيه إنْ لَم يَكُنْ في نَشرِه إتلافٌ، كالشاشِ، وإلَّا اكتُفِيَ برُؤيةِ بَعضِه. ويَجوزُ البَيعُ على رُؤيةِ الصِّوَانِ -ما يَصونُ الشَّيءَ، كقِشرِ الرُّمَّانِ، والجَوزِ واللَّوزِ-؛ فلا يُشترَطُ كَسرُ بَعضِه لِيُرَى ما في داخِلِه، ومِن ذلك البِطِّيخُ.

стр. 3402

وَيَجوزُ البَيعُ على رُؤيةِ البَرنامِجِ: الدَّفتَرِ المَكتوبِ فيه صِفةُ ما في العِدلِ مِنْ الثِّيابِ المَبيعةِ؛ أي: يَجوزُ أنْ يَشتَريَ ثِيابًا مَربوطةً في العِدلِ، مُعتمِدًا فيه على الأوصافِ المَذكورةِ في الدَّفتَرِ؛ لِلضَّرورةِ؛ لِما في حَلِّ العِدلِ مِنْ الحَرَجِ والمَشَقَّةِ على البائِعِ مِنْ تَلويثِه ومُؤنةِ شَدِّه إنْ لَم يَرضَه المُشتَرِي، فأُقيمَتِ الصِّفةُ مَقامَ الرُّؤيةِ، فإنْ وُجِدتْ على الصِّفةِ لزِم، وإلَّا خُيِّرَ المُشتَرِي إنْ كانَتْ أدنَى صِفةً، فإنْ وجَدها أقَلَّ عَدَدًا وُضِعَ عنه مِنْ الثَّمنِ بقَدْرِه، فإنْ كَثُرَ النَّقصُ أكثَرَ مِنْ النِّصفِ لَم يَلزَمْه، ورَدَّ به البَيعَ، فإنْ وجَدها أكثَرَ عَدَدًا كانَ البائِعُ شَريكًا معه بنِسبةِ الزَّائِدِ. ولو قبَضه المُشتَرِي وغابَ عنه وادَّعَى أنَّه أدْنَى أو أنقَصُ ممَّا هو مَكتوبٌ في البَرنامَجِ؛ حلَف البائِعُ أنَّ ما في العِدلِ مُوافِقٌ لِلمَكتوبِ، حيثُ أنكَرَ ما ادَّعاه المُشتَرِي، فالقَولُ لِلبائِعِ بيَمينِه؛ وإلَّا بأنْ نكَل حلَف المُشتَرِي ورَدَّ البَيعَ وحلَف أنَّه ما بدَّل فيه، وأنَّ هذا هو المُبتاعُ بعَينِه، فإنْ نكَل كالبائِعِ لزِمه. البَيعُ بالصِّفةِ والرُّؤيةِ السَّابِقةِ: وجازَ بَيعُ سِلعةٍ على الصِّفةِ لها مِنْ غيرِ بائِعِها، أو مِنْ البائِعِ، إنْ لَم يَكُنِ المَبيعُ في مَجلِسِ العَقدِ؛ بأنْ كانَ غائِبًا عن مَجلِسِه، وإنْ كانَ بالبَلَدِ، فلا يُشترَطُ لِصِحَّةِ البَيعِ حُضورُه. وإن لَم يَكُنْ غائِبًا عنه فلا يَصحُّ بَيعُه على الصِّفةِ لُزومًا، ولا بدَّ مِنْ الرُّؤيةِ له؛ لِتَيسُّرِ عِلمِ الحَقيقةِ، إلَّا أنْ يَكونَ في فَتحِه ضَرَرٌ لِلمَبيعِ، أو فَسادٌ له، فيَجوزُ بَيعُه على الصِّفةِ، ثم إنْ وجَده عليها فالبَيعُ لازِمٌ، وإلَّا فلِلمُشتَرِي رَدُّه.

стр. 3403

حاصِلُه: أنَّ الغائِبَ إذا بِيعَ بالصِّفةِ عنِ اللُّزومِ فلا بدَّ في جَوازِ بَيعِه مِنْ كَونِه غائِبًا عن مَجلِسِ العَقدِ. وأمَّا ما بِيعَ على الصِّفةِ بالخِيارِ، أو بِيعَ على الخِيارِ بلا وَصْفٍ، أو على رُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ بَتًّا، أو خِيارًا، فلا يُشترَطُ في جَوازِ بَيعِه غَيبةٌ، بَلْ يَجوزُ، ولو حاضِرًا في المَجلِسِ، وإنْ لَم يَكُنْ في فَتحِه فَسادٌ. وجازَ البَيعُ باتًّا، وعلى الخِيارِ برُؤيةٍ سابِقةٍ لِلمَبيعِ على وَقتِ العَقدِ، إنْ لَم يَتغيَّرْ بعدَها عادةً إلى وَقتِ العَقدِ، ولو كانَ حاضِرًا مَجلِسَ العَقدِ، وهو يَختلِفُ باختِلافِ الأشياءِ؛ مِنْ فاكِهةٍ وثِيابٍ وحَيَوانٍ وعَقارٍ، فإنْ كانَ شَأنُه التَّغيُّرَ لَم يَجُزْ على البَتِّ، وجازَ على الخِيارِ بالرُّؤيةِ إنْ لَم يَبعُدْ ما بِيَع على الصِّفةِ أو الرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ جِدًّا، فإنْ بعدَ جِدًّا، كخُراسانَ بالمَشرِقِ مِنْ إفريقيَّةَ بالمَغرِبِ، ممَّا يُظَنُّ فيه التَّغيُّرُ قبلَ إدراكِه على صِفَتِه لَم يَجُزْ، إلَّا على خِيارِ المُشتَرِي عندَ رُؤيَتِه، فيَجوزُ مُطلَقًا، سَواءٌ بِيعَ على الصِّفةِ أو على الرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ، بعدَ أو لَم يَبعُدْ، إنْ لَم يُشترَطْ نَقدُ الثَّمنِ لِلبائِعِ، فإنْ شُرِطَ لَم يَجُزْ؛ لِتَردُّدِه بينَ السَّلَفيَّةِ والثَّمنيَّةِ. والحاصِلُ: أنَّ في بَيعِ الغائِبِ اثنَتَيْ عَشرةَ صُورةً؛ لأنَّه: إمَّا أنْ يُباعَ على الصِّفةِ، أو على رُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ، أو بدُونِهما، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ يُباعَ على البَتِّ، أو على الخِيارِ بالرُّؤيةِ، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ يَكونَ بَعيدًا جِدًّا، أو لا. فإنْ كانَ على الخِيارِ جازَ مُطلَقًا إنْ لَم يُنقَدْ، وإنْ كانَ على البَتِّ جازَ؛ إلَّا فيما بِيعَ بدُونِهما -قَرُبَ أو بعدَ؛ لِلجَهلِ بالمَبيعِ-، أو كانَ يَتغيَّرُ عادةً أو بَعيدًا جِدًّا، وأمَّا إنْ كانَ حاضِرًا مَجلِسَ العَقدِ فلا بدَّ مِنْ رُؤيَتِه، إلَّا أنْ يَكونَ في فَتحِه مَشقَّةٌ أو فَسادٌ، فيُباعَ بالوَصفِ، أو على ما في البَرنامَجِ، على ما تَقدَّمَ.

стр. 3404

وضَمانُ المَبيعِ غائِبًا على الصِّفةِ أو برُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ مِنْ المُشتَرِي؛ أي: يَدخُلُ في ضَمانِه بالعَقدِ إنْ كانَ عَقارًا وأدرَكَتْه الصَّفقةُ سالِمًا. وإنْ لَم يَكُنْ عَقارًا أو أدرَكَتْه الصَّفقةُ مَعيبًا، فمِن ضَمانِ البائِعِ، إلَّا لِشَرطٍ مِنْ المُشتَرِي في العَقارِ أنَّه على البائِعِ، أو مِنْ البائِعِ على المُشتَرِي في غيرِه، فيُعمَلُ به. وقَبضُ المَبيعِ غائِبًا -أي: الخُروجُ له- على المُشتَرِي، ويَجوزُ النَّقدُ فيه تَطوُّعًا مُطلَقًا -عَقارًا كانَ أو غيرَه- كما يَجوزُ النَّقدُ فيه بشَرطِ إنْ كانَ المَبيعُ الغائِبُ على الصِّفةِ أو برُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ، عَقارًا على اللُّزومِ، ولو بعدَ جِدًّا؛ لأنَّ شَأنَه ألَّا يُسرِعَ إليه التَّغيُّرُ، إلَّا أنْ يَصِفَه بائِعُه، فلا يَجوزُ النَّقدُ فيه بشَرطٍ، ويَجوزُ تَطوُّعًا. أو كانَ غيرَ عَقارٍ، وقَرُبَ، كَيَومٍ، ونَحوُه يَومٌ ثانٍ، لا أكثَرَ؛ لأنَّ الشَّأنَ عَدَمُ التَّغيُّرِ في اليَومَيْنِ بعدَ الرُّؤيةِ أو الوَصفِ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ بَيعُ العَينِ الغائِبةِ إذا جُهِلَ جِنسُها، أو نَوعُها؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الغَرَرِ، وفي بَيعِ ما لا يُعرَفُ جِنْسُه أو نَوعُه غَرَرٌ كَبيرٌ.

стр. 3405

فإنْ عُلم الجِنسُ والنَّوعُ، بأنْ قالَ: بِعتُكَ الثَّوبَ المَرويَّ الذي في كُمِّي، أو العَبدَ الزِّنجيَّ الذي في داري، أو الفَرَسَ الأدهَمَ الذي في إصطَبْلِي ففيه قَولانِ، أحَدُهما -وهو الجَديدُ والمَذهبُ عليه-: لا يَصحُّ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّه ﷺ نهَى عن بَيعِ الغَرَرِ، وفي هذا البَيعِ غَرَرٌ، ولأنَّه نَوعُ بَيعٍ، فلَم يَصحَّ مع الجَهلِ بصِفةِ المَبيعِ، كالسَّلَمِ. والثَّاني -وهو القَديمُ-: يَصحُّ، ويثبُتُ له الخِيارُ إذا رَآه؛ لِما رَوى ابنُ أبي مُلَيكةَ ﵁ أنَّ عُثمانَ ﵁ ابتاعَ مِنْ طَلحةَ ﵁ أرضًا بالمَدينةِ، ناقَلَه بأرضٍ له بالكُوفةِ، فقالَ عُثمانُ ﵁: بِعتُكَ ما لَم أرَه. فقالَ طَلحةُ: إنَّما النَّظَرُ لي؛ لِأنِّي ابتَعتُ مَغيبًا، وأنتَ قد رَأيتَ ما ابتَعتَ. فتَحاكَما إلى جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ ﵁، فقَضى على عُثمانَ أنَّ البَيعَ جائِزٌ، وأنَّ النَّظرَ لِطَلحةَ؛ لأنَّه ابتاعَ مَغيبًا، ولأنَّه عَقدٌ على عَينٍ، فجازَ مع الجَهلِ بصِفَتِه، كالنِّكاحِ. وعلى هذا القَولِ لا تَفتقِرُ صِحَّةُ البَيعِ إلى ذِكرِ شَيءٍ مِنْ الصِّفاتِ في الأصَحِّ، وهو المَنصوصُ في الصَّرفِ -أي: في كِتابِ الصَّرفِ مِنْ الجَديدِ-؛ لأنَّ الِاعتِمادَ على الرُّؤيةِ، ويثبُتُ له الخِيارُ إذا رَآه، فلا يَحتاجُ إلى ذِكرِ الصِّفاتِ؛ فإنْ وصَفه ثم وجَده على خِلافِ ما وُصِفَ، ثبَت له الخِيارُ، وإنْ وجَده على ما وُصِفَ أو أعلَى، فعلى وَجهَيْنِ: أحَدُهما: لا خِيارَ له؛ لأنَّه وجَده على ما وُصِفَ، فلَم يَكُنْ له خِيارٌ، كالمُسلَّمِ فيه.

стр. 3406

والثَّاني: أنَّ له الخِيارَ؛ لأنَّه يُعرَفُ ببَيعِ خِيارِ الرُّؤيةِ، فلا يَجوزُ أنْ يَخلوَ مِنْ الخِيارِ، ويَمتَدُّ الخِيارُ امتِدادَ مَجلِسِ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ العَقدَ إنَّما يَتمُّ بالرُّؤيةِ، فيَصيرُ كَأنَّه عَقدٌ عندَ الرُّؤيةِ، فيثبُتُ له خِيارٌ كَخِيارِ المَجلِسِ. وأمَّا إذا رَأى المَبيعَ قبلَ العَقدِ، ثم غابَ عنه، ثم اشتَراه، فإنْ كانَ ممَّا لا يَتغيَّرُ، كالعَقارِ وغيرِه جازَ بَيعُه؛ لأنَّ الرُّؤيةَ تُرادُ لِلعِلمِ بالمَبيعِ، وقد حصَل العِلمُ بالرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ، فعلى هذا إذا اشتَراه ثم وجَده على الصِّفةِ الأُولَى أخَذه، وإنْ وجَده ناقِصًا فلَه الرَّدُّ؛ لأنَّه ما التَزَمَ العَقدَ فيه إلَّا على تلك الصِّفةِ، وإنِ اختَلَفا فقالَ البائِعُ: لَم يَتغيَّرْ، وقالَ المُشتَرِي: بَلْ قد تَغيَّرَ، فالقَولُ قَولُ المُشتَرِي؛ لأنَّه يُؤخَذُ مِنه الثَّمنُ، فلا يَجوزُ مِنْ غيرِ رِضاه. وإنْ كانَ ممَّا يَجوزُ أنْ يَتغيَّرَ، ويَجوزُ ألَّا يَتغيَّرَ، أو يَجوزُ أنْ يَبقَى ويَجوزُ ألَّا يَبقَى، ففيه وَجهانِ، أحَدُهما أنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّه مَشكوكٌ في بَقائِه على صِفَتِه، والآخَرُ يَصحُّ، وهو المَذهبُ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاؤُه على صِفَتِه، فصَحَّ بَيعُه؛ قياسًا على ما لا يَتغيَّرُ. حُكم بَيعِ الأعمَى: وإن باعَ الأعمَى أو اشتَرَى شَيئًا لَم يَرَه فلا يَصحُّ -على المَذهبِ-؛ إذ لا سَبيلَ إلى رُؤيَتِه؛ لأنَّ بَيعَ ما لَم يَرَه يَتمُّ بالرُّؤيةِ، وذلك لا يُوجَدُ في حَقِّ الأعمَى، ولا يُمكِنُه أنْ يُوكِّلَ في الخِيارِ؛ لأنَّه خِيارٌ ثبَت بالشَّرعِ، فلا يَجوزُ الِاستِنابةُ فيه، كخِيارِ المَجلِسِ، بخِلافِ خِيارِ الشَّرطِ.

стр. 3407

رُؤيةُ بَعضِ المَبيعِ دونَ بَعضٍ: تَكفي رُؤيةُ بَعضِ المَبيعِ إنْ دَلَّ على بَقيَّتِه، كظاهِرِ الصُّبرةِ مِنْ حِنطةٍ ونَحوِها، وجَوْزٍ ونَحوِه، وأدَقِّة، وكأعالي المائِعاتِ في أوعيَتِها، كالدُّهنِ، وأعلى التَّمرِ في قَوصَرَّتِه، والطَّعامِ في آنيَتِه، وكذا القُطنُ المُجرَّدُ عن جَوْزِه، ولو في عِدلِه؛ لأنَّ برُؤيةِ بَعضِه يَزولُ غَرَرُ الجَهالةِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الباطِنَ كالظَّاهِرِ، ولا خِيارَ له إذا رَأى الباطِنَ، إلَّا إذا خالَفَ الظَّاهِرَ بنَقصٍ، بخِلافِ صُبرةِ الرُّمَّانِ والسَّفَرجَلِ والبِطِّيخِ ونَحوِ ذلك؛ لعَدمِ الدِّلالةِ على بَقيَّتِها، بَلْ يُشترَطُ رُؤيةُ كلِّ واحِدةٍ مِنها، حتى لو رَأى أحَدَ جانِبَيِ البِطِّيخةِ كانَ كبَيعِ الغائِبِ، ولو كانَ الأغلَبُ أنَّها لا تَتفاوَتُ، كالثَّوبِ الصَّفيقِ، يُرَى أحَدُ وَجهَيْه. ولا يَكفي في مَسألةِ العِنَبِ والخَوخِ ونَحوِهما رُؤيةُ أعلاها؛ لِكَثرةِ الِاختِلافِ في ذلك، بخِلافِ الحُبوبِ. وإنْ كانَ ممَّا يَختلِفُ ولا يَدلُّ على بَقيَّتِه فإنْ كانَ ممَّا يَشُقُّ رُؤيةُ بَقيَّتِه، كالجَوزِ في القِشرِ الأسفَلِ، جازَ بَيعُه؛ لأنَّ رُؤيةَ الباطِنِ تَشُقُّ، فسقَط اعتِبارُها، كرُؤيةِ أساسِ الحِيطانِ. وكذلك أُنموذَجُ المُتماثِلِ، أي: المُتَساوِي الأجزاءِ، كالحُبوبِ؛ فإنَّ رُؤيَتَه تَكفي عن رُؤيةِ بَقيَّةِ المَبيعِ، ولا بدَّ مِنْ إدخالِه في المَبيعِ، ولا يُشترَطُ خَلطُه في المَبيعِ قبلَه، فإذا قالَ: بِعتُكَ حِنطةَ هذا البَيتِ مع الأُنموذَجِ، صَحَّ، وإنْ لَم يَخلِطْه بها قبلَ البَيعِ، أمَّا إذا باعَها دُونَه، كَأنْ قالَ: بِعتُكَ مِنْ هذا النَّوعِ كَذا، فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّه لَم يَرَ المَبيعَ ولا شَيئًا مِنه.

стр. 3408

الرُّؤيةُ في كلِّ شَيءٍ بحَسَبِ اللَّائِقِ به، ففي شِراءِ الدُّورِ لا بدَّ مِنْ رُؤيةِ البُيوتِ والسَّقفِ والسُّطوحِ والجُدرانِ، داخِلًا وخارِجًا، والمُستَحَمِّ والبالوعةِ، وفي البُستانِ يُشترَطُ رُؤيةُ مَسايِلِ الماءِ، ويُشترَطُ رُؤيةُ طَريقِ الدَّارِ، ومَجرَى الماءِ، الذي تَدورُ به الرَّحَى؛ لِاختِلافِ الغَرَضِ به. وَيُشترَطُ في الدَّوابِّ رُؤيةُ مُقدَّمِ الدَّابَّةِ ومُؤخِّرِها وقَوائِمِها، ويُشترَطُ رَفعُ السَّرْجِ والإكافِ والرَّحْلِ، ولا يُشترَطُ جَرْيُ الفَرَسِ على الصَّحيحِ. وَيُشترَطُ في الثَّوبِ المَطويِّ نَشرُه، ثم إذا نُشِرَ الثَّوبُ وكانَ صَفيقًا؛ فلا بدَّ مِنْ رُؤيةِ وَجهَيْه مَعًا، وإنْ كانَ لا يَختلِفُ وَجهاه كَفَتْ رُؤيةُ أحَدِ وَجهَيْه. والأصَحُّ أنَّ وَصفَ الشَّيءِ الذي يُرادُ بَيعُه بصِفةِ السَّلَمِ أو سَماعِ وَصفِه بطَريقِ التَّواتُرِ لا يَكفي عن الرُّؤيةِ؛ لأنَّها تُفيدُ أُمورًا تَقصُرُ عنها العِبارةُ. والثَّاني: يَكفي، ولا خِيارَ لِلمُشتَرِي؛ لأنَّ ثَمَرةَ الرُّؤيةِ المَعرِفةُ، والوَصفُ يُفيدُها (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ البَيعُ بالرُّؤيةِ، وهي تارةً تَكونُ مُقارِنةً لِلبَيعِ، وتارةً تَكونُ غيرَ مُقارِنةٍ. فإنْ كانَتْ مُقارِنةً لِجَميعِه صَحَّ البَيعُ بلا نِزاعٍ.

стр. 3409

وإنْ كانَتْ مُقارِنةً لِبَعضِه، فإنْ دَلَّتْ على بَقيَّتِه: صَحَّ البَيعُ، فرُؤيةُ أحَدِ وَجهَيْ ثَوبٍ تَكفي فيه، إذا كانَ غيرَ مَنقوشٍ، وكذا رُؤيةُ ظاهِرِ الصُّبرةِ المُتَساويةِ الأجزاءِ، مِنْ حَبٍّ وتَمرٍ ونَحوِهما، وما في الظُّروفِ مِنْ مائِعٍ مُتَساوي الأجزاءِ، وما في الأعدالِ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ ونَحوِ ذلك. ولا يَصحُّ بَيعُ الأُنموذَجِ، بأنْ يُريَه صاعًا ويَبيعَه الصُّبرةَ على أنَّها مِنْ جِنسِه، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ. وما عرَفه بلَمسِه، أو شَمِّه، أو ذَوْقِه، فكرُؤيَتِه. وإذا اشتَرَى ما لَم يَرَه، ولَم يُوصَفْ له، أو رَآه، ولَم يَعلَم ما هو، أو ذُكِرَ له مِنْ صِفَتِه ما لا يَكفي في السَّلَمِ: لَم يَصحَّ البَيعُ، إذا لَم يَرَ المَبيعَ. فَتارةً يُوصَفُ له، وتارةً لا يُوصَفُ، فإنْ لَم يُوصَفْ له: لَم يَصحَّ البَيعُ، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وإنْ وُصِفَ له، فتارةً يَذكُرُ له مِنْ صِفَتِه ما يَكفي في السَّلَمِ، وتارةً يَذكُرُ ما لا يَكفي في السَّلَمِ، فإنْ ذُكِرَ له مِنْ صِفَتِه ما لا يَكفي في السَّلَمِ لَم يَصحَّ البَيعُ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ. وَإنْ ذُكِرَ له مِنْ صِفَتِه ما يَكفي في السَّلَمِ، أو رَآه، ثم عَقَدا بعدَ ذلك بزَمَنٍ لا يَتغيَّرُ فيه ظاهِرًا، صَحَّ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ، ولو عقَد عليه بعدَ ذلك بزَمَنٍ يُحتمَلُ التَّغيُّرُ فيه وعَدَمُه على السَّواءِ، فلا يَصحُّ العَقدُ. والمَبيعُ مِنه ما يُسرِعُ فَسادُه، كالفاكِهةِ وما يَتوسَّطُ، كالحَيَوانِ وما يَتباعَدُ، كالعَقاراتِ، فيُعتبَرُ كلُّ نَوعٍ بحَسَبِه، ولو مع غَيبةِ المَبيعِ، ولو في مَكانٍ بَعيدٍ لا يَقدِرُ البائِعُ على تَسليمِه في الحالِ، لكنْ يَقدِرُ على استِحضارِه.

стр. 3410

ثم إنْ وجَد المُشتَرِي ما تَقدَّمتْ رُؤيَتُه لَم يَتغيَّرْ، فلا خِيارَ له؛ لِسَلامةِ المَبيعِ، وإنْ وجَده مُتغيِّرًا فله الفَسخُ على التَّراخي، كخِيارِ العَيبِ، وكذا لو وجَد بالصِّفةِ نَقصًا، ويُسَمَّى هذا الخِيارُ خِيارَ الخُلْفِ في الصِّفةِ مِنْ إضافةِ الشَّيءِ إلى سَبيلِه، إلَّا أنْ يُوجَدَ مِنْ المُشتَرِي ما يَدلُّ على الرِّضا بالمَبيعِ مِنْ سَومٍ ونَحوِه، فيَسقُطُ خيارُه لِذلك، ولا يَسقُطُ خيارُه برُكوبِ الدَّابَّةِ المَبيعةِ في طَريقِ الرَّدِّ إلى البائِعِ؛ لأنَّه لا يَدلُّ على الرِّضا بالتَّغيُّرِ. ومتى أبطَلَ المُشتَرِي حَقَّه مِنْ رَدِّه فلا أرْشَ له في الأصَحِّ، فيُخيَّرُ بينَ الرَّدِّ والإمساكِ مَجَّانًا؛ لِئَلَّا يَعتاضَ عن صِفةٍ، كالسَّلَمِ، وهذا بخِلافِ البَيعِ بشَرطِ صِفةٍ، فإنَّ له أرْشَ فَقْدِها. وإنِ اختَلَفا في الصِّفةِ بأنْ قالَ المُشتَرِي: ذَكَرتُ في وَصفِ الأَمَةِ أنَّها بِكرٌ مَثَلًا، وأنكَرَه البائِعُ، أو اختَلَفا في التَّغيُّرِ، أي: قالَ المُشتَرِي: إنَّ المَبيعَ الذي سَبَقتْ رُؤيَتُه تَغيَّرَ، وأنكَرَ البائِعُ، وقالَ: كانَ على هذه الحالِ حينَ رَأيتُه، فالقَولُ قَولُ المُشتَرِي بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمَّتِه مِنْ الثَّمنِ. وإنْ كانَ المَبيعُ الذي تَقدَّمتْ رُؤيَتُه يَفسُدُ في الزَّمَنِ الذي مَضى بينَ الرُّؤيةِ والعَقدِ، أو كانَ يَتغيَّرُ فيه يَقينًا أو ظاهِرًا، أو شَكًّا، لَم يَصحُّ العَقدُ؛ لِفَقدِ شَرطِه، أو لِلشَّكِّ فيه. ولو قالَ البائِعُ: بِعتُكَ هذا البَغلَ بكذا، فقالَ: اشتَرَيتُه، فبانَ المُشارُ إليه فَرَسًا أو حِمارًا لَم يَصحَّ البَيعُ؛ لِلجَهلِ بالمَبيعِ وعَدَمِ رُؤيةٍ يَحصُلُ بها مَعرِفَتُه. ويَصحُّ بَيعُ أعمَى وشِراؤُه بالصِّفةِ؛ لِما يَصحُّ السَّلَمُ فيه، كما يَصحُّ أنْ

стр. 3411

يُوكِّلَ الأعمَى في البَيعِ والشِّراءِ، وله إنْ وجَد ما اشتَراه بالصِّفةِ ناقِصًا صِفةً خِيارُ الخُلْفِ في الصِّفةِ، كالبَصيرِ، وأوْلَى. ويَصحُّ بَيعُ الأعمَى وشِراؤُه بما يُمكِنُه به مَعرِفةُ ما يَبيعُه أو يَشتَريه بغيرِ حاسَّةِ البَصَرِ، كَشَمٍّ ولَمسٍ وذَوْقٍ؛ لِحُصولِ العِلمِ بحَقيقةِ المَبيعِ، وكذا لو كانَ رَآه قبلَ عَماه بزَمَنٍ لا يَتغيَّرُ فيه المَبيعُ ظاهِرًا على ما تَقدَّمَ. وإنِ اشتَرَى إنسانٌ ما لَم يَرَه وما لَم يُوصَفْ له لَم يَصحَّ العَقدُ، أو اشتَرَى شَيئًا رَآه ولَم يَعلَم ما هو لَم يَصحَّ البَيعُ. وحُكمُ ما لَم يَرَه بائِعٌ حُكمُ مُشتَرٍ فيما تَقدَّمَ مِنْ التَّفصيلِ. فلا يَصحُّ البَيعُ إنْ لَم يُوصَفْ له بما يَكفي في السَّلَمِ، ولَم يَعرِفْه بشَمٍّ أو لَمسٍ أو ذَوْقٍ، ويَصحُّ إنْ وُصِفَ بذلك أو عرَفه بلَمسٍ أو شَمٍّ أو ذَوْقٍ. والبَيعُ بالصِّفةِ نَوعانِ: أحَدُهما: بَيعُ عَينٍ مُعيَّنةٍ، سَواءٌ كانَتِ العَينُ المُعيَّنةُ غائِبةً، مثلَ أنْ يَقولَ: بِعتُكَ عَبدي التُّركيَّ، ويَذكُرُ صِفاتِه. أو كانَتِ العَينُ المَبيعةُ بالصِّفةِ حاضِرةً مَستورةً كجاريةٍ مُنتقِبةٍ، وأمتِعةٍ في ظُروفِها، أو نَحوِ ذلك، فهذا النَّوعُ يَنفسِخُ العَقدُ عليه برَدِّه على البائِعِ بنَحوِ عَيبٍ، أو نَقصِ صِفةٍ، وليسَ لِلمُشتَرِي طَلَبُ بَدَلِه؛ لِوُقوعِ العَقدِ على عَينِه كحاضِرٍ، فإنْ شرَط ذلك في عَقدِ البَيعِ، بأنْ قالَ: إنْ فاتَكَ شَيءٌ مِنْ هذه الصِّفاتِ أعطَيتُكَ ما هذه صِفاتُه، لَم يَصحَّ العَقدُ. ويَنفسِخُ العَقدُ عليه أيضًا بتَلَفِه قبلَ قَبضِه؛ لِزَوالِ مَحَلِّ العَقدِ، وهذا النَّوعُ يَجوزُ التَّفريقُ مِنْ مُتبايِعَيْه قبلَ قَبضِ الثَّمنِ، وقبلَ قَبضِ المَبيعِ،

стр. 3412

كَحاضِرٍ بالمَجلِسِ، ويَجوزُ تَقديمُ الوَصفِ في بَيعِ الأعيانِ على العَقدِ. كما يَجوزُ تَقديمُ الرُّؤيةِ، وكذلك لا يَجوزُ تَقديمُ الوَصفِ لِلمَعقودِ عليه في السَّلَمِ على العَقدِ، ولا فَرقَ بينَ تَقديمِ الوَصفِ في بَيعِ الأعيانِ على العَقدِ، وتَقديمِه في السَّلَمِ على العَقدِ، وكذا تَقديمُ الوَصفِ في بَيعِ ما في الذِّمَّةِ. فلو قالَ لِآخَرَ: أُريدُ أنْ أُسلِفَكَ في كُرِّ -هو كَيلٌ مَعروفٌ بالعِراقِ- حِنطةٍ ووصَفه بالصِّفاتِ، فلمَّا كانَ بعدَ ذلك ولو طالَ الزَّمَنُ قالَ: قد أسلَفتُكَ في كُرِّ حِنطةٍ على الصِّفاتِ التي تَقدَّمَ ذِكرُها، وعجَّل الثَّمنَ قبلَ التَّفريقِ جازَ، وصَحَّ العَقدُ لِلعِلمِ بالمَعقودِ عليه. والنَّوعُ الثَّاني مِنْ نَوعَيِ البَيعِ بالصِّفةِ: بَيعُ مَوصوفٍ غيرِ مُعيَّنٍ، ويَصِفُه بصِفةٍ تَكفي في السَّلَمِ إنْ صَحَّ السَّلَمُ فيه، بأنِ انضَبَطتْ صِفاتُه، مثلَ أنْ يَقولَ: بِعتُكَ عَبدًا تُركيًّا، ثم يَستَقصي صِفاتِ السَّلَمِ فيه، فهذا في مَعنَى السَّلَمِ، وليسَ سَلَمًا؛ لِحُلولِه، فمتى سلَّم البائِعُ إليه عَبدًا على غيرِ ما وصَفه له فرَدَّه المُشتَرِي عليه، أو سلَّم إليه عَبدًا على ما وصَف له، فأبدَلَه المُشتَرِي لِنَحوِ عَيبٍ، لَم يَفسُدِ العَقدُ برَدِّه؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَقَعْ على عَينِه، بخِلافِ النَّوعِ الأوَّلِ. وَيُشترَطُ في هذا النَّوعِ قَبضُ المَبيعِ، أو قَبضُ ثَمَنِه في مَجلِسِ العَقدِ؛ لأنَّه في مَعنَى السَّلَمِ. وَيُشترَطُ أيضًا ألَّا يَكونَ بلَفظِ سَلَمٍ أو سَلَفٍ؛ لأنَّه لا يَكونُ إذَنْ سَلَمًا، ولا يَصحُّ حالًّا (١).

стр. 3413

باب الرِّبا والصَّرفُ الرِّبا لُغةً: الفَضلُ والزِّيادةُ، ومِنه الرَّبوةُ، لِلمَكانِ الزَّائِدِ على غيرِه في الِارتِفاعِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، أي: عَلَتْ. وقالَ تَعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]، يَعني أنْ يَكونَ قَومٌ أكثَرَ مِنْ قَومٍ، يُقالُ: «أربَى فُلانٌ على فُلانٍ» إذا زادَ عليه (١). الرِّبا شَرعًا: اختَلَفتْ عِبارةُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الرِّبا: فعرَّفه الحَنفيَّةُ بأنَّه: فَضلُ مالٍ لا يُقابِلُه عِوَضٌ في مُعاوَضةِ مالٍ بمالٍ مَشروطٍ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ، أي: فَضلُ أحَدِ المُتجانِسَيْنِ على الآخَرِ بالمِعيارِ الشَّرعيِّ، أي: الكَيلِ والوَزنِ، ففَضلُ قَفيزَيْ شَعيرٍ على قَفيزَيْ بُرٍّ لا يَكونُ رِبًا، وكذا فَضلُ عَشرِ أذرُعٍ مِنْ ثَوبٍ هَرَويٍّ على خَمسِ أذرُعٍ مِنه، لا يَكونُ رِبًا.

стр. 3414

وقُيِّدَ بالمُعاوَضةِ لأنَّ الفَضلَ الخاليَ عن العِوَضِ الذي في الهِبةِ ليسَ برِبًا، فلو اشتَرَى عَشَرةَ دَراهِمَ فِضَّةً بعَشَرةِ دَراهِمَ وزادَه البائِعُ شَيئًا على سَبيلِ الهِبةِ، فلا رِبا ولَم يَفسُدِ الشِّراءُ والحَطُّ يَصحُّ، مثلَ الزِّيادةِ. وقيلَ: عِبارةٌ عن عَقدٍ فاسِدٍ بصِفةٍ سَواءٌ كانَ هُناكَ زيادةٌ أو لا، ألَا تَرَى أنَّ بَيعَ الدَّراهِمِ بالدَّراهِمِ أو بالدَّنانيرِ نَسيئةً رِبًا وليسَ فيه زِيادةٌ (١). وعرَّفه الشافِعيَّةُ بأنَّهُ: عَقدٌ على عِوَضٍ مَخصوصٍ غيرِ مَعلومِ التَّماثُلِ في مِعيارِ الشَّرعِ حالةَ العَقدِ، أو مع تَأخيرٍ في البَدَلَيْنِ أو أحَدِهما (٢). وعرَّفه الحَنابِلةُ بأنَّه: زِيادةٌ في شَيءٍ مَخصوصٍ (٣). وأمَّا الصَّرفُ لُغةً فكما يلي: قالَ الخَليلُ: الصَّرفُ فَضلُ الدِّرهَمِ على الدِّرهَمِ في القِيمةِ، ومَعنَى الصَّرفِ عندَنا أنَّه شَيءٌ صُرِفَ إلى شَيءٍ، كَأنَّ الدِّينارَ صُرِفَ إلى الدَّراهِمِ، أي: رجَع إليها إذا أُخِذَتْ بَدَلَه. قالَ الخَليلُ: ومِنه اشتُقَّ اسمُ الصَّيرَفيِّ؛ لِتَصريفِه أحَدِهما إلى الآخَرِ.

стр. 3415

قالَ: وتَصريفُ الدَّراهمِ في البِياعاتِ كُلِّها إنفاقُها (١). واصطِلاحًا: عرَّفه ابنُ عَرَفةَ ﵀ بقَولِه: الصَّرفُ بَيعُ الذَّهبِ بالفِضَّةِ، أو أحَدِهما بفُلوسٍ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: والصَّرفُ بَيعُ أحَدِ النَّقدَيْنِ بالآخَرِ (٣). وعرَّفه الكاسانِيُّ ﵀ بقَولِه: الصَّرفُ في مُتعارَفِ الشَّرعِ اسمٌ لِبَيعِ الأثمانِ المُطلَقةِ بَعضِها ببَعضٍ، وهو بَيعُ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، وأحَدِ الجِنسَيْنِ بالآخَرِ، فاحتُمِلَ تَسميةُ هذا النَّوعِ مِنْ البَيعِ صَرفًا؛ لِمَعنَى الرَّدِّ والنَّقلِ، يُقالُ: صَرَفتُه عن كذا إلى كذا، سُمِّيَ صَرفًا لِاختِصاصِه برَدِّ البَدَلِ ونَقلِه مِنْ يَدٍ إلى يَدٍ. ويُحتمَلُ أنْ تَكونَ التَّسميةُ لِمَعنَى الفَضلِ؛ إذِ الصَّرفُ يُذكَرُ بمَعنَى الفَضلِ، كما رُويَ في الحَديثِ: «مَنْ فعَل كذا لَم يَقبَلِ اللَّهُ مِنه صَرفًا ولا عَدلًا»، فالصَّرفُ: الفَضلُ، وهو النَّافِلةُ والعَدلُ الفَرضُ. سُمِّيَ هذا العَقدُ صَرفًا؛ لِطَلَبِ التَّاجِرِ الفَضلَ مِنه عادةً، لِما يُرغَبُ في عَينِ الذَّهبِ والفِضَّةِ (٤).

стр. 3416

حُكمُ الرِّبا: الرِّبا مُحرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأُمَّةِ: أمَّا بالكِتابِ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. وقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]. وَأمَّا بالسُّنةِ: فعَن أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «اجتَنِبوا السَّبعَ الموبِقاتِ»، قالوا: وما هُنَّ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ ﷺ : «الشِّركُ باللَّهِ، والسِّحرُ، وقَتلُ النَّفسِ التي حرَّم اللَّهُ إلَّا بالحَقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّوَلِّي يَومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ الغافِلاتِ المُؤمِناتِ» (١). ولِحَديثِ أبي سَعيدٍ مَرفوعًا: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثلًا بمِثلٍ، يَدًا بيدٍ، فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أربَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (٢). وعن جابرٍ ﵁ قالَ: لعَن رَسولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه وكاتِبَه وشاهِدَيْه، وقالَ: «هُمْ سَواءٌ» (٣).

стр. 3417

وهو مِنْ الكَبائِرِ، وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على تَحريمِه، وعلى أنَّه مِنْ أكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الرِّبا على ضَربَيْنِ: رِبا الفَضلِ ورِبا النَّسيئةِ، وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على تَحريمِهما (١). وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على تَحريمِ رِبا النَّسيئةِ تَحريمًا لا رَيبَ فيه، وعامَّتُهم على تَحريمِ رِبا الفَضلِ (٢). فاللَّهُ تَعالى إنَّما حرَّم الرِّبا لِما فيه مِنْ ضَرَرِ المُحتاجينَ وأكلِ المالِ بالباطِلِ، وهو مَوجودٌ في المُعامَلاتِ الرِّبَويةِ. قالَ الإمامُ فَخرُ الدِّينِ الرَّازيُّ ﵀: ذَكَروا في سَبَبِ تَحريمِ الرِّبا وُجوهًا: أحَدُها: الرِّبا يَقتَضي أخْذَ مالِ الإنسانِ مِنْ غيرِ عِوَضٍ؛ لأنَّ مَنْ يَبيعُ الدِّرهَمَ بالدِّرهمَيْنِ نَقدًا أو نَسيئةً يَحصُلُ له زِيادةُ دِرهَمٍ مِنْ غيرِ عِوَضٍ، ومالُ الإنسانِ مُتعلِّقُ حاجَتِه، وله حُرمةٌ عَظيمةٌ، قالَ ﷺ : «حُرمةُ مالِ الإنسانِ كحُرمةِ دَمِه»، فوجَب أنْ يَكونَ أخْذُ مالِه مِنْ غيرِ عِوَضٍ مُحرَّمًا. فَإنْ قيلَ: لِمَ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ لِبَقاءِ رَأْسِ المالِ في يَدِه مُدَّةً مَديدةً عِوَضٌ عن الدِّرهَمِ الزَّائِدِ، وذلك لأنَّ رَأْسَ المالِ لو بَقيَ في يَدِه هذه المُدَّةَ

стр. 3418

لَكانَ يُمكِنُ المالِكَ أنْ يَتَّجِرَ فيه، ويَستَفيدَ بسَبَبِ تلك التِّجارةِ رِبحًا، فلمَّا ترَكه في يَدِ المَدِينِ وانتفعَ به المَدِينُ لَم يَبعُدْ أنْ يَدفَعَ إلى رَبِّ المالِ ذلك الدِّرهَمَ الزَّائِدَ عِوَضًا عن انتِفاعِه بمالِه؟ قُلنا: إنَّ هذا الِانتِفاعَ الذي ذَكَرتُم أمرٌ مَوهومٌ قد يَحصُلُ، وقد لا يَحصُلُ، وأخْذُ الدِّرهَمِ الزَّائِدِ أمرٌ مُتيقَّنٌ، فتَفويتُ المُتيقَّنِ لِأجْلِ الأمْرِ المَوهومِ لا يَنفَكُّ عن نَوعِ ضَرَرٍ. وثانيها: قالَ بَعضُهم: اللَّهُ تَعالى إنَّما حرَّم الرِّبا مِنْ حيثُ إنَّه يَمنَعُ النَّاسَ عن الِاشتِغالِ بالمَكاسِبِ، وذلك لأنَّ صاحِبَ الدِّرهَمِ إذا تَمكَّنَ بواسِطةِ عَقدِ الرِّبا مِنْ تَحصيلِ الدِّرهمِ الزَّائِدِ نَقدًا كانَ أو نَسيئةً خَفَّ عليه اكتِسابُ وَجهِ المَعيشةِ، فلا يَكادُ يَتحمَّلُ مَشقَّةَ الكَسبِ والتِّجارةِ والصِّناعاتِ الشاقَّةِ، وذلك يُفضي إلى انقِطاعِ مَنافِعِ الخَلقِ، ومِنَ المَعلومِ أنَّ مَصالِحَ العالَمِ لا تَنتظِمُ إلَّا بالتِّجاراتِ والحِرَفِ والصِّناعاتِ والعِماراتِ. وثالِثُها: قيلَ: السَّببُ في تَحريمِ عَقدِ الرِّبا، أنَّه يُفضي إلى انقِطاعِ المَعروفِ بينَ النَّاسِ مِنْ القَرضِ؛ لأنَّ الرِّبا إذا طابَتِ النُّفوسُ بقَرضِ الدِّرهَمِ واستِرجاعِ مِثلِه -ولو حَلَّ الرِّبا- لَكانَتْ حاجةُ المُحتاجِ تَحمِلُه على أخْذِ الدِّرهَمِ بدِرهَمَيْنِ، فيُفضي ذلك إلى انقِطاعِ المُواساةِ والمَعروفِ والإحسانِ. ورابِعُها: هو أنَّ الغالِبَ أنَّ المُقرِضَ يَكونُ غَنيًّا، والمُستقرِضَ يَكونُ فَقيرًا، فالقَولُ بتَجويزِ عَقدِ الرِّبا تَمكينٌ لِلغَنيِّ مِنْ أنْ يَأخُذَ مِنْ الفَقيرِ الضَّعيفِ مالًا زائِدًا، وذلك غيرُ جائِزٍ برَحمةِ الرَّحيمِ. وخامِسُها: أنَّ حُرمةَ الرِّبا قد ثَبَتتْ بالنَّصِّ، ولا يَجِبُ أنْ يَكونَ حِكَمُ

стр. 3419

جَميعِ التَّكاليفِ مَعلومةً لِلخَلقِ، فوجَب القَطعُ بحُرمةِ عَقدِ الرِّبا، وإنْ كُنَّا لا نَعلَمُ الوَجهَ فيهِ (١). أنواعُ الرِّبا: الرِّبا نَوعانِ: ١ - رِبا الفَضلِ: وهو البَيعُ مع زِيادةِ أحَدِ العِوضَيْنِ على الآخَرِ. ٢ - رِبا النَّسيئةِ: ويُسَمَّى رِبا الدُّيونِ، وهي الزِّيادةُ المَشروطةُ التي يَأخُذُها الدَّائِنُ مِنْ المَدينِ نَظيرَ تَأخيرِ الدَّفعِ. أو هو البَيعُ لِأجَلٍ، أي: هو الزِّيادةُ المَشروطةُ مُقابِلَ الأجَلِ، وهو بَيعُ ذَهَبٍ بفِضَّةٍ، أو بَيعُ فِضَّةٍ بفِضَّةٍ، إلى أجَلٍ، إلَّا إذا كانَ سَلَفًا. وزادَ الشافِعيَّةُ قِسمًا ثالِثًا، هو رِبا اليَدِ: وهو بَيعُ مالٍ بمالٍ يُقبَضُ فيه أحَدُ العِوضَيْنِ في المَجلِسِ دونَ الآخَرِ (٢)، وسَيَأتي حُكمُه إنْ شاءَ اللَّهُ. قالَ الجَصَّاصُ ﵀: والرِّبا الذي كانَتِ العَرَبُ تَعرِفُه وتَفعَلُه إنَّما كانَ قَرضَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ إلى أجَلٍ بزِيادةٍ على مِقدارِ ما استُقرِضَ على ما يَتراضَوْنَ به (٣). وقالَ الرَّازيُّ الشافِعيُّ ﵀: اعلَم أنَّ الرِّبا قِسمانِ: رِبا النَّسيئةِ، ورِبا الفَضلِ.

стр. 3420

أمَّا رِبا النَّسيئةِ فهو الأمْرُ الذي كانَ مَشهورًا مُتعارَفًا في الجاهِليةِ، وذلك أنَّهم كانوا يَدفَعونَ المالَ على أنْ يَأخُذوا كُلَّ شَهرٍ قَدْرًا مُعيَّنًا، ويَكونَ رَأْسُ المالِ باقيًا، ثم إذا حَلَّ الدَّينُ طالَبوا المَدِينَ برَأْسِ المالِ، فإنْ تَعذَّرَ عليه الأداءُ زادوا في الحَقِّ والأجَلِ، فهذا هو الرِّبا الذي كانوا في الجاهِليَّةِ يَتعامَلونَ به. وَأمَّا رِبا النَّقدِ فهو أنْ يُباعَ مِنْ الحِنطةِ بمَنَوَيْنِ مِنها وما أشبَهَ ذلك (١). وما ذكَره الرَّازيُّ هو ما رَواه الإمامُ مالِكٌ عن مالِكٍ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ أنَّه قالَ: كانَ الرِّبا في الجاهِليَّةِ أنْ يَكونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الحَقُّ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ قالَ: أتَقضي أم تُرْبي؟ فإنْ قَضَى أخَذ، وإلا زادَه في حَقِّه وأخَّرَ عنه في الأجَلِ. قالَ الإمامُ مالِكٍ ﵀: والأمْرُ المَكروهُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا أنْ يَكونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الدَّيْنُ إلى أجَلٍ فيَضَعَ عنه الطَّالِبُ ويُعجِّلُه المَطلوبَ، وذلك عندَنا بمَنزِلةِ الذي يُؤخِّرُ دَيْنَه بعدَ مَحِلِّه عن غَريمِه، ويَزيدُه الغَريمُ في حَقِّه، قالَ: فهذا الرِّبا بعَينِه لا شَكَّ فيه، قالَ مالِكٌ في الرَّجُلِ يَكونُ له على الرَّجُلِ مِئةُ دِينارٍ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّتْ قالَ له الذي عليه الدَّيْنُ بِعْني سِلعةً يَكونُ ثَمَنُها مِئةَ دِينارٍ نَقدًا بمِئةٍ وخَمسينَ إلى أجَلٍ، هذا بَيعٌ لا يَصلُحُ، ولَم يَزَلْ أهلُ العِلمِ يَنهَوْنَ عنه، قالَ مالِكٌ: وإنَّما كُرِهَ ذلك لأنَّه إنَّما يُعطيه ثَمَنَ ما باعَه بعَينِه ويُؤخِّرُ عنه المِئةَ الأُولَى إلى الأجَلِ الذي ذُكِرَ له آخِرَ مَرَّةٍ، ويَزدادُ عليه خَمسينَ دِينارًا في تَأخيرِه عنه، فهذا مَكروهٌ،

стр. 3421

ولا يَصلُحُ، وهو أيضًا يُشبِهُ حَديثَ زَيدِ بنِ أسلَمَ في بَيعِ أهلِ الجاهِليَّةِ أنَّهم كانوا إذا حَلَّتْ دُيونُهم قالوا لِلَّذي عليه الدَّيْنُ: إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُرْبيَ، فإنْ قَضى أخَذوا، وإلَّا زادوهم في حُقوقِهم، وزادوهم في الأجَلِ (١). وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: الرِّبا نَوعانِ: جَليٌّ وخفيٌّ، فالجَليُّ حُرِّمَ؛ لِما فيه مِنْ الضَّرَرِ العَظيمِ، والخَفيُّ حُرِّمَ لأنَّه ذَريعةٌ إلى الجَليِّ، فتَحريمُ الأوَّلِ قَصدٌ، وتَحريمُ الثَّاني وَسيلةٌ. فَأمَّا الجَلِيُّ فرِبا النَّسيئةِ، وهو الذي كانوا يَفعَلونَه في الجاهِليَّةِ، مثلَ أنْ يُؤخِّرَ دَيْنَه ويَزيدَه في المالِ، وكُلَّما أخَّرَه زادَ في المالِ حتى تَصيرَ المِئةُ عندَه آلافًا مُؤلَّفةً، وفي الأغلَبِ لا يَفعَلُ ذلك إلَّا مُعدمٌ مُحتاجٌ، فإذا رَأى أنَّ المُستحِقَّ يُؤخِّرُ مُطالَبَتَه ويَصبِرُ عليه بزِيادةٍ يَبذُلُها له تَكلَّفَ بَذْلَها؛ لِيَفتَديَ مِنْ أسْرِ المُطالَبةِ والحَبسِ، ودافَعَ مِنْ وَقتٍ إلى وَقتٍ، فاشتَدَّ ضَرَرُه وعَظُمتْ مُصيبَتُه، وعلاه الدَّيْنُ حتى يَستَغرِقَ جَميعَ مَوجودِه، فيَربُوَ المالُ على المُحتاجِ مِنْ غيرِ نَفْعٍ يَحصُلُ له، ويَزيدَ مالُ المُرابي مِنْ غيرِ نَفْعٍ يَحصُلُ مِنه لِأخيه، فيَأكُلَ مالَ أخيه بالباطِلِ، ويَحصُلَ لِأخيه غايةُ الضَّرَرِ، فمِن رَحمةِ أرحَمِ الرَّاحِمينَ وحِكمَتِه وإحسانِه إلى خَلْقِه أنْ حرَّم الرِّبا ولعَن آكِلَه ومُوكِلَه وكاتِبَه وشاهِدَيْه، وآذَنَ مَنْ لَم يَدَعْه بحَرْبِه وحَرْبِ رَسولِه، ولَم يَجِئْ مِثلُ هذا الوَعيدِ في كَبيرةٍ غيرِه، ولِهذا كانَ مِنْ أكبَرِ الكَبائِرِ. وسُئلَ الإمامُ أحمدُ عن الرِّبا الذي لا شَكَّ فيهِ، فقالَ: هو أنْ يَكونَ له دَيْنٌ،

стр. 3422

فيَقولَ له: أتَقضي أم تُرْبي؟ فإنْ لَم يَقضِه زادَه في المالِ، وزادَه هذا في الأجَلِ، وقد جعَل اللَّهُ سُبحانَه الرِّبا ضِدَّ الصَّدَقةِ، فالمُرابي ضِدُّ المُتصدِّقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١]، ثم ذكَر الجَنَّةَ التي أُعِدَّتْ لِلمُتَّقينَ الذين يُنفِقونَ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، وهؤلاء ضِدُّ المُرابينَ، فنهَى سُبحانَه عن الرِّبا الذي هو ظُلمٌ لِلنَّاسِ، وأمَرَ بالصَّدَقةِ، التي هي إحسانٌ إليهم. وأمَّا تَحريمُ رِبا الفَضلِ فمِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، كما صرَّح به في حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَبيعوا الدِّرهَمَ بالدِّرهمَيْنِ، فإنِّي أخافُ عليكم الرَّمَا، والرَّمَا هو الرِّبا» (١)، فمنَعهم مِنْ رِبا الفَضلِ؛ لِما يَخافُه عليهم مِنْ رِبا النَّسيئةِ، وذلك أنَّهم إذا باعوا دِرهَمًا بدِرهمَيْنِ -ولا يُفعَلُ هذا إلَّا لِلتَّفاوُتِ الذي بينَ النَوعَينِ، إمَّا في الجَودةِ وإمَّا في السَّكَّةِ، وإمَّا في الثِّقَلِ والخِفَّةِ وغيرِ ذلك- تَدَرَّجوا بالرِّبحِ المُعجَّلِ

стр. 3423

فيها إلى الرِّبحِ المُؤخَّرِ، وهو عَينُ رِبا النَّسيئةِ، وهذه ذَريعةٌ قَريبةٌ جِدًّا، فمِن حِكمةِ الشارِعِ أنْ سَدَّ عليهم هذه الذَّريعةَ، ومَنعَهم مِنْ بَيعِ دِرهَمٍ بدِرهمَيْنِ نَقدًا ونَسيئةً، فهذه حِكمةٌ مَعقولةٌ مُطابِقةٌ لِلعُقولِ، وهي تَسُدُّ عليهم بابَ المَفسَدةِ (١). وقالَ ابنُ العَرَبيِّ ﵀ عندَ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]: قالَ عُلماؤُنا: الرِّبا في اللُّغةِ هو الزِّيادةُ، ولا بدَّ في الزِّيادةِ مِنْ مَزيدٍ عليه تَظهَرُ الزِّيادةُ به، فلِأجْلِ ذلك اختَلَفوا هل هي عامَّةٌ في تَحريمِ كلِّ رِبًا، أو مُجمَلةٌ لا بَيانَ لَها إلَّا مِنْ غيرِها؟ والصَّحيحُ أنَّها عامَّةٌ؛ لأنَّهم كانوا يَتبايَعونَ ويُرْبونَ، وكانَ الرِّبا عندَهم مَعروفًا يُبايِعُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ قالَ أتَقضي أم تُرْبي؟ يَعني: أم تَزيدُني على مالي عليكَ، وأصبِرُ أجَلًا آخَرَ؟ فحرَّم اللَّهُ تَعالى الرِّبا، وهو الزِّيادةُ، ولكنْ لمَّا كانَ -كما قُلنا- لا تَظهَرُ الزِّيادةُ إلَّا على مَزيدٍ عليه، ومتى قابَلَ الشَّيءُ غيرَ جِنْسِه في المُعامَلةِ لَم تَظهَرِ الزِّيادةُ، وإذا قابَلَ جِنْسَه لَم تَظهَرِ الزِّيادةُ أيضًا إلَّا بإظهارِ الشَّرعِ، ولِأجْلِ هذا صارَتِ الآيةُ مُشكِلةً على الأكثَرِ، مَعلومةً لِمَنْ أيَّدَه اللَّهُ تَعالى بالنُّورِ الأظهَرِ. وقد فاوَضتُ فيها عُلماءَ وباحَثتُ رُفَعاءَ، فكُلٌّ مِنهم أعطَى ما عندَه حتى انتَظَمَ فيها سِلكُ المَعرِفةِ بدُرَرِه وجَوهَرَتِه العُليا. إنَّ مَنْ زَعَمَ أنَّ هذه الآيةَ مُجمَلةٌ لَم يَفهَمْ مَقاطِعَ الشَّريعةِ، فإنَّ اللَّهَ تَعالى

стр. 3424

أرسَلَ رَسولَه إلى قَومٍ هو ﷺ مِنهم، بلُغَتِهم، وأنزَلَ عليهم كِتابَه؛ تَيسيرًا مِنه بلِسانِه ﷺ ولِسانِهم، وقد كانَتِ التِّجارةُ والبَيعُ عندَهم مِنْ المَعاني المَعلومةِ، فأنزَلَ عليهم مُبيِّنًا لهم ما يَلزَمُهم فيهما، ويَعقِدونَهما عليه، فقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. والباطِلُ كما بَيَّناه في كُتُبِ الأُصولِ هو الذي لا يُفيدُ وَقْعُ التَّعبيرِ به عن تَناوُلِ المالِ بغيرِ عِوَضٍ في صُورةِ العِوَضِ. والتِّجارةُ هي مُقابَلةُ الأموالِ بَعضِها ببَعضٍ، وهو البَيعُ، وأنواعُه في مُتعلِّقاتِه بالمالِ، كالأعيانِ المَملوكةِ، أو ما في مَعنَى المالِ، كالمَنافِعِ، وهي ثَلاثةُ أنواعٍ: عَينٌ بعَينٍ، وهو بَيعُ النَّقدٍ، أو بدَيْنٍ مُؤجَّلٍ، وهو السَّلَمُ، أو حالٌّ، وهو يَكونُ في التَّمرِ، أو على رَسمِ الِاستِصناعِ، أو بَيعُ عَينٍ بمَنفَعةٍ، وهو الإجارةُ. والرِّبا في اللُّغةِ: هو الزِّيادةُ والمُرادُ به في الآيةِ كلُّ زِيادةٍ لَم يُقابِلْها عِوَضٌ، فإنَّ الزِّيادةَ ليسَتْ بحَرامٍ لِعَينِها، بدَليلِ جَوازِ العَقدِ عليها على وَجْهِه، ولو كانَتْ حَرامًا ما صَحَّ أنْ يُقابِلَها عِوَضٌ، ولا أنْ يَرِدَ عليها عَقدٌ كالخَمرِ والمَيْتةِ وغيرِها. وتَبيَّن أنَّ مَعنَى الآيةِ: وأحَلَّ اللَّهُ البَيعَ المُطلَقَ الذي يقعُ فيه العِوَضُ على صِحَّةِ القَصدِ والعَمَلِ، وحرَّم منه ما وقَع على وَجْهِ الباطِلِ. وقد كانَتِ الجاهِليَّةُ تَفعَلُه، كما تَقدَّمَ، فتَزيدُ زِيادةً لَم يُقابِلْها عِوَضٌ،

стр. 3425

وكانَتْ تَقولُ: إنَّما البَيعُ مِثلُ الرِّبا، أي: إنَّما الزِّيادةُ عندَ حُلولِ الأجَلِ آخِرًا مِثلُ أصْلِ الثَّمنِ في أوَّلِ العَقدِ، فرَدَّ اللَّهُ تَعالى عليهم قَولَهم، وحرَّم ما اعتَقَدوه حَلالًا عليهم، وأوضَحَ أنَّ الأجَلَ إذا حَلَّ ولَم يَكُنْ عندَ المَدِينِ ما يُؤَدِّي أُنظِرَ إلى المَيسَرةِ؛ تَخفيفًا يُحقِّقُه أنَّ الزِّيادةَ إنَّما تَظهَرُ بعدَ تَقديرِ العِوضَيْنِ فيه، وذلك على قِسمَيْنِ: أحَدُهما: تَولَّى الشَّرعُ تَقديرَ العِوَضِ فيه، وهو الأموالُ الرِّبَويةُ، فلا تَحِلُّ الزِّيادةُ فيه. وأمَّا الذي وكَله إلى المُتعاقدَيْنِ فالزِّيادةُ فيه على قَدْرِ ماليَّةِ العِوضَيْنِ عندَ التَّقابُلِ على قِسمَيْنِ: أحَدُهما: ما يَتغابَنُ النَّاسُ بمِثلِه، فهو حَلالٌ بإجماعٍ، ومنه ما يَخرُجُ عن العادةِ، واختلَف عُلماؤُنا فيه، فأمْضاه المُتقدِّمونَ وعَدُّوه مِنْ فَنِّ التِّجارةِ، ورَدَّه المُتأخِّرونَ ببَغدادَ ونَظيراتِها، وحَدُّوا المَردودَ بالثُّلُثِ. والَّذي أراه أنَّه إذا وقَع عن عِلمِ المُتعاقدَيْنِ فإنَّه حَلالٌ ماضٍ؛ لأنَّهما يَفتقِرانِ إلى ذلك في الأوقاتِ، وهو داخِلٌ تَحتَ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وإنْ وقَع عن جَهلٍ مِنْ أحَدِهما فإنَّ الآخَرَ بالخِيارِ، وفي مِثلِه ورَد الحَديثُ أنَّ رَجُلًا كانَ يُخدَعُ في البُيوعِ، فذُكِرَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا بايَعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ»، زادَ الدَّارَقُطنيُّ وغيرُه: «ولكَ الخِيارُ ثَلاثًا … »، وقد وَضَحَ في مَسائِلِ الكَلامِ أنَّ جَميعَ ما أحَلَّ اللَّهُ لهم أو حرَّم عليهم كانَ مَعلومًا

стр. 3426

عندَهم؛ لأنَّ الخِطابَ جاءَ فيه بلِسانِهم، فقد أطلَقَ لهم حِلَّ ما كانوا يَفعَلونَه مِنْ بَيعٍ وتِجارةٍ، ويَعلَمونَه، وحرَّم عليهم الرِّبا وكانوا يَفعَلونَه، وحرَّم عليهم أكْلَ المالِ بالباطِلِ، وقد كانوا يَفعَلونَه ويَعلَمونَه ويَتسامَحونَ فيه، ثم إنَّ اللَّهَ أوْحَى إلى رَسولِه ﷺ أنْ يُلقيَ إليهم زِيادةً فيما كانَ عندَهم مِنْ عَقدٍ أو عِوَضٍ لَم يَكُنْ عندَهم جائِزًا، فألقَى إليهم وُجوهَ الرِّبا المُحرَّمةِ في كلِّ مُقتاتٍ، وثَمَنِ الأشياءِ مع الجِنسِ مُتَفاضِلًا، وألحَقَ به بَيعَ الرُّطَبِ بالتَّمرِ والعِنَبِ بالزَّبيبِ، والبَيعَ والسَّلَفَ، وبيَّن وُجوهَ أكْلِ المالِ بالباطِلِ في بَيعِ الغَرَرِ كُلِّه، أو ما لا قِيمةَ له شَرعًا فيما كانوا يَعتقِدونَه مُتقوَّمًا، كالخَمرِ والمَيْتةِ والدَّمِ وبَيعِ الغِشِّ، ولَم يَبقَ في الشَّريعةِ بعدَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بَيانٌ يُفتقَرُ إليه في البابِ، وبَقيَ ما وَراءَهما على الجَوازِ، إلَّا أنَّه صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ سِتَّةٌ وخَمسونَ مَعنًى نهَى عنها. الأوَّلُ والثَّاني ثَمَنُ الأشياءِ جِنسًا بجِنسٍ، والثَّالثُ والرَّابِعُ والخامِسُ والسَّادِسُ والسَّابِعُ بَيعُ المُقتاتِ، أو ثَمَنُ الأشياءِ جِنسًا بجِنسٍ مُتَفاضِلًا، أو جِنسًا بغيرِ جِنسِه نَسيئةً، أو بَيعُ الرُّطَبِ بالتَّمرِ أو العِنَبِ بالزَّبيبِ، أو بَيعُ المُزابَنةِ على أحَدِ القَولَيْنِ، أو بَيعٌ وسَلَفٌ، وهذا كُلُّه داخِلٌ في بَيعِ الرِّبا، وهو ممَّا تَولَّى الشَّرعُ تَقديرَ العِوَضِ فيه، فلا تَجوزُ الزِّيادةُ عليه، الثَّامِنُ بَيعَتانِ في بَيعةٍ، التَّاسِعُ بَيعُ الغَرَرِ، ورَدَّ بَيعَ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ والحَصاةِ وبَيعَ الثُّنْيا، وبَيعَ العُربانِ، وما ليسَ عندَكَ، والمَضامينِ والمَلاقيحِ وحَبَلِ الحَبَلةِ، ويَتركَّبُ عليهما مِنْ وَجْهٍ بَيعُ الثِّمارِ قبلَ أنْ يَبدُوَ صَلاحُها، وبَيعُ السُّنبُلِ حتى يَشتَدَّ، والعِنَبِ حتى يَسوَدَّ، وهو ممَّا قبلَه، وكذلك بَيعُ المُحاقَلةِ والمُعاوَمةِ والمُخابَرةِ والمُحاصَرةِ، وبَيعُ

стр. 3427

ما لَم يُقبَضْ، ورِبحُ ما لَم يُضمَنْ وبَيعُ الطَّعامِ قبلَ أنْ يُستَوفَى مِنْ بَعضِ ما تَقدَّمَ، والخَمرِ والمَيْتةِ وشُحومِها، وثَمَنُ الدَّمِ، وبَيعُ الأصنامِ، وعَسْبُ الفَحلِ والكَلبٍ والسِّنَّورِ وكَسبُ الحَجَّامِ، ومَهْرُ البَغيِّ وحُلوانِ الكاهِنِ وبَيعُ المُضطَرِّ وبَيعُ الوَلاءِ وبَيعُ الوَلَدِ أو الأُمِّ فَردَيْنِ، أو الأخِ والأخِ فَردَيْنِ، وكِراءُ الأرضِ والماءِ والكَلَأِ والنَّجشِ وبَيعِ الرَّجُلِ على بَيعِ أخيه، وخِطبَتِه على خِطبةِ أخيه، وبَيعُ حاضِرٍ لِبادٍ، وتَلَقِّي السِّلَعِ، وبَيعُ القَيْناتِ. فهذه سِتَّةٌ وخَمسونَ مَعنًى حَضَرتِ الخاطِرَ ممَّا نهَى عنه ﷺ ، أورَدْناها حَسَبَ نَسَقِها في الذِّكْرِ، وهي تَرجِعُ في التَّقسيمِ الصَّحيحِ الذي أورَدْناه في المَسائِلِ إلى سَبعةِ أقسامٍ: ما يَرجِعُ إلى صِفةِ العَقدِ، وما يَرجِعُ إلى صِفةِ المُتعاقدَيْنِ، وما يَرجِعُ إلى العِوضَيْنِ، وإلَى حالِ العَقدِ، والسَّابِعُ: وَقتُ العَقدِ، كالبَيعِ وَقتَ نِداءِ يَومِ الجُمُعةِ أو في آخِرِ جُزءٍ مِنْ الوَقتِ المُعيَّنِ لِلصَّلاةِ. ولا تَخرجُ عن ثَلاثةِ أقسامٍ، وهي الرِّبا والباطِلِ والغَرَرِ. ويَرجِعُ الغَرَرُ بالتَّحقيقِ إلى الباطِلِ، فيَكونُ قِسمَيْنِ على الآيَتَيْنِ، وهذه المَناهي تَتداخَلُ ويَفصِلُها المَعنَى. ومِنها أيضًا ما يَدخُلُ في الرِّبا والتِّجارةِ ظاهِرًا، ومِنها ما يَخرُجُ عنها ظاهِرًا، ومِنها ما يَدخُلُ فيها باحتِمالٍ، ومنها ما يُنهَى عنها مَصلحةً لِلخَلقِ، وتَألُّفًا بينَهم لِما في التَّدابُرِ مِنْ المَفسَدةِ (١).

стр. 3428

الأعيانُ التي يَجري فيها الرِّبا: الشارِعُ نصَّ على تَحريمِ رِبا الفَضلِ في سِتَّةِ أعيانٍ، وهي: الذَّهبُ والفِضَّةُ والبُرُّ والشَّعيرُ والتَّمرُ والمِلحُ، كما في حَديثِ أبي سَعيدٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (١). وفائِدةُ تَخصيصِ هذه الأشياءِ بالذِّكرِ أنَّ عامَّةَ المُعامَلاتِ يَومَئِذٍ كانَتْ بها على ما جاءَ في الحَديثِ: كُنَّا نَتبايَعُ في الأسواقِ بالأوساقِ. والمُرادُ به ما يَدخُلُ تَحتَ الوَسقِ ممَّا يَكثُرُ الحاجةُ إليه، وهي الأشياءُ المَذكورةُ. واتَّفق العُلماءُ على تَحريمِ التَّفاضُلِ في هذه الأجناسِ مع اتِّحاد الجِنسِ، واتَّفَقوا أيضًا -أي: القائِلونَ بالقياسِ- على أنَّ ثُبوتَ الرِّبا فيها بعِلَّةٍ، وأنَّه يثبُتُ في كلِّ ما وُجِدتْ فيه عِلَّتُها؛ لأنَّ القياسَ دَليلٌ شَرعيٌّ، فيَجِبُ استِخراجُ عِلَّةِ هذا الحُكمِ وإثباتُه في كلِّ مَوضِعٍ وُجِدتْ عِلَّتُه فيه. ثُمَّ اختَلَفوا بعدَ ذلك في المَعنَى الذي يَتعدَّى الحُكمُ به إلى سائِرِ الأموالِ على أربَعةِ أقوالٍ: القَولُ الأوَّلُ: هو قَولُ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في هذه الأصنافِ التي نصَّ عليها النَّبيُّ ﷺ هي الكَيلُ أو الوَزنُ، فكلُّ

стр. 3429

مَكيلٍ أو مَوزونٍ إذا بِيعَ بجِنسِه مُتفاضِلًا حَرامٌ، ويَجري فيه الرِّبا سَواءٌ كانَ مَأكولًا، أو غيرَ مَأكولٍ. فعِلَّةُ كَونِ المالِ رِبَويًّا القَدْرُ مع الجِنسِ، أي: الكَيلُ مع الجِنسِ، أو الوَزنُ مع الجِنسِ. فمَن باعَ قَفيزًا مِنْ بُرٍّ بقَفيزَيْ بُرٍّ لا يَجوزُ؛ لِوُجودِ الكَيلِ مع الجِنسِ، وكذا ما يَدخُلُ تَحتَ الوَزنِ، كالحَديدِ والرَّصاصِ، فإنَّ الرِّبا يثبُتُ فيه؛ لِوُجودِ القَدْرِ، وهو الوَزنُ والجِنسُ. ولا يَجري الرِّبا في مَطعومٍ لا يُكالُ ولا يُوزَنُ كالمَعدوداتِ ونَحوِها، فيَجوزُ بَيعُ بِطِّيخةٍ ببِطِّيخَتَيْنِ وبَيضةٍ ببَيضَتَيْنِ وحَفنةٍ بحَفنَتَيْنِ؛ لعَدمِ الكَيلِ. فلا رِبا فيما لا يَدخُلُ تَحتَ كَيلٍ أو وزنٍ، كالحَفنةِ مِنْ القَمحِ، والذَّرَّةِ مِنْ الذَّهبِ، ولا في مَكيلٍ أو مَوزونٍ مع خِلافِ جِنسِه -هذا عندَ الحَنفيَّةِ- وقالَ الحَنابِلةُ: ما كانَ جِنسُه مَكيلًا أو مَوزونًا، وإنْ لَم يَتَأتَّ فيه كَيلٌ ولا وَزنٌ، إمَّا لِقِلَّتِه، كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْنِ والحَفنةِ والحَفنَتَيْنِ، وما دونَ الأرزَّةِ مِنْ الذَّهبِ والفِضَّةِ، أو لِكَثرَتِه، كالزُّبرةِ العَظيمةِ، فإنَّه لا يَجوزُ بَيعُ بَعضِه ببَعضٍ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ويَحرُمُ التَّفاضُلُ فيه، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ، لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «التَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلًا بمِثْلٍ، مَنْ زادَ أو ازدادَ فقد أرْبَى»، ولأنَّ ما جَرى الرَّبا في كَثيرِه جَرى في قَليلِه، كالمَوزونِ. والدَّليلُ على أنَّ العِلَّةَ هي الكَيلُ أو الوَزنُ وإنْ لَم يَكُنْ مَطعومًا، لِحَديثِ أبي سَعيدٍ مَرفوعًا: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ،

стр. 3430

والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (١). ووَجْهُ الدِّلالةِ أنَّه أوجَبَ المُماثَلةَ في الجِنسِ الواحِدِ تَتميمًا لِلفائِدةِ في حَقِّ العاقِدَيْنِ، إذ لو كانَ أحَدُ العِوضَيْنِ أقَلَّ مِنْ الآخَرِ لَكانَتِ الفائِدةُ تامَّةً لِأحَدِ العاقِدَيْنِ دونَ الآخَرِ، والمُماثَلةُ تَكونُ باعتِبارِ الصُّورةِ: القَدْرِ، وبِاعتِبارِ المَعنَى: الجِنسُ. وعن ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَبيعوا الدِّينارَ بالدِّينارَيْنِ، ولا الدِّرهَمَ بالدِّرهَمَيْنِ، ولا الصَّاعَ بالصَّاعَيْنِ، فإنِّي أخافُ عليكم الرَّما والرَّما هو الرِّبا»، فقامَ إليه رَجُلٌ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ الرَّجُلَ يَبيعُ الفَرَسَ بالأفراسِ، والنَّجيبةَ بالإبِلِ؟ قالَ: «لا بَأسَ إذا كانَ يَدًا بيَدٍ» (٢)، والمُرادُ ما يَحِلُّ بالصَّاعِ؛ إذ لا يَجري الرِّبا في نَفْسِ الصَّاعِ، وهو عامٌّ فيما يُحِلُّه، فيَتناوَلُ المَطعومَ وغيرَه. وما رُويَ عن عُبادةَ وأنَسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ما وُزِنَ مِثْلٌ بمِثْلٍ، إذا كانَ نَوعًا واحِدًا، وما كِيلَ فمِثلُ ذلك، فإذا اختلَف النَّوعانِ فلا بَأْسَ بهِ» رَواه الدارَقُطنيُّ (٣). وَجْهُ التَّمسُّكِ به أنَّه رَتَّبَ الحُكمَ على الجِنسِ، والقَدْرِ، وهذا نَصٌّ على أنَّهُما عِلَّةُ الحُكمِ؛ لِما عُرِفَ أنَّ تَرتُّبَ الحُكمِ على الِاسمِ المُشتَقِّ يُنبِئُ عن عِلِّيَّةِ مَأخَذِ الِاشتِقاقِ لِذلك الحُكمِ، فيَكونُ تَقديرُه: المَكيلُ والمَوزونُ مِثْلًا

стр. 3431

بمِثْلٍ بسَبَبِ الكَيلِ أو الوَزنِ مع الجِنسِ، والَّذي يَدلُّ عليه ما رَواه سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ وعَن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ استَعمَلَ رَجُلًا على خَيبَرَ، فجاءَه بتَمرٍ جَنيبٍ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أكُلُّ تَمرِ خَيبَرَ هَكَذا؟»، قالَ: لا واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلاثةِ. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَفعَلْ بِعِ الجَمعَ بالدَّراهِمِ ثم ابتَعْ بالدَّراهِمِ جَنيبًا»، وقالَ في الميزانِ مثلَ ذلك (١)، أي: في المَوزونِ، إذ المِيزانُ نَفْسُه ليسَ مِنْ أموالِ الرِّبا، وهو أقوَى حُجَّةً في عِلِّيَّةِ القَدْرِ، وهو بعُمومِه يَتَناوَلُ المَوزونَ كُلَّه، الثَّمنَ والمَطعومَ وغيرَهما، فيَكونُ حُجَّةً؛ لأنَّه اشتَرطَ في الجِنسِ المُماثَلةَ، وهي لا تَتحقَّقُ إلَّا بالكَيلِ أو الوَزنِ، ثم قاسَ عليه المِيزانَ. فتَبيَّن بهذه الآثارِ قِيامُ الدَّليلِ على تَعْديةِ الحُكمِ مِنْ الأشياءِ السِّتَّةِ لِغيرِها. القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ الشافِعيَّةِ في المَذهبِ وأحمدَ في رِوايةٍ قالوا: عِلَّةُ الرِّبا في هذه الأصنافِ الأربَعةِ هي الطَّعامُ، وإنْ لَم يَكُنْ مَكيلًا أو مَوزونًا؛ لقولِه ﷺ : «الطَّعامُ بالطَّعامِ مِثْلًا بمِثْلٍ» (٢)، والطَّعامُ اسمٌ لِكُلِّ ما يُطعَمُ به، والدَّليلُ عليه قَولُه تَعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وأرادَ به الذَّبائِحَ، وقالَتْ عائِشةُ ﵂: «مَكَثْنا مع نَبيِّنا سَنةً ما لَنا طَعامٌ إلَّا الأسوَدانِ: الماءُ والتَّمرُ»، والحُكمُ إذا عُلِّقَ على اسمٍ مُشتَقٍّ كانَ ذلك عِلَّةً فيه، كالقَطعِ في السَّرِقةِ، والحَدِّ في الزِّنا،

стр. 3432

ولأنَّ الحَبَّ ما دامَ مَطعومًا يَحرُمُ فيه الرِّبا، فإذا زُرِعَ وخرَج عن أنْ يَكونَ مَطعومًا لَم يَحرُمْ فيه الرِّبا، فإذا انعقَد الحَبُّ وصارَ مَطعومًا حرُم فيه الرِّبا، فدَلَّ على أنَّ العِلَّةَ فيه كَونُه مَطعومًا، ولأنَّ الطُّعمَ وَصفُ شَرَفٍ؛ إذْ به قِوامُ الأبدانِ فيَقتَضي التَّعليلَ بها. والجَوابُ: حَديثُ: «فإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ»، فالمُرادُ جَوازُ التَّفاضُلِ في هذه الأصنافِ إذا اختَلَفتْ، ومَنعُه فيها إذا اتَّفَقتْ، لا مَنعُه في غيرِها. فعلى هذا يَحرُمُ الرِّبا في كلِّ مَطعومٍ، سَواءٌ كانَ ممَّا يُكالُ أو ممَّا يُوزَنُ أو غيرَهما، ولا يَحرُمُ في غيرِ المَطعومِ، فيَجري الرِّبا في السَّفَرجَلِ والبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والبُقولِ وغيرِها مِنْ المَطعومِ. والمُرادُ بالمَطعومِ ما يُعَدُّ لِلطُّعمِ في الأغلَبِ تَقوُّتًا وتَأدُّمًا، أو تَفكُّهًا أو تَداويًا أو غيرَها، فيَحرُمُ الرِّبا في جَميعِ ذلك، وسَواءٌ ما أُكِلَ في الأغلَبِ، فيَدخُلُ فيه الحُبوبُ والأُدمُ والحَلاواتُ والفَواكِهُ والبُقولُ والتَّوابِلُ والأدويةُ، أو نادِرًا كالبَلُّوطِ والطُّرثوثِ، وهو نَبتٌ مَعروفٌ، وسَواءٌ ما أُكِلَ وَحدَه أو مع غيرِه. ويَجري تَحريمُ الرِّبا في جَميعِ الأدويةِ، كالإهليلَجِ والأملَجِ والسُّقْمونيا وغيرِها. وكذا الماءُ يَحرُمُ فيه الرِّبا. وأمَّا الأدهانُ فأضرُبٌ: أحَدُها: ما يُعَدُّ لِلأكلِ، كالزُّبدِ والسَّمنِ والزَّيتِ والشَّيرَجِ، ودُهنِ الجَوزِ

стр. 3433

واللَّوزِ والبُطمِ، ودُهنِ الفُجلِ والخَردَلِ والصَّنَوبَرِ وأشباهِها، فيَحرُمُ فيه الرِّبا أيضًا؛ لأنَّه يُؤكَلُ لِلتَّداوِي، فأشبَهَ الإهليلَجَ. والثَّاني: يُرادُ لِلتَّداوِي، كدُهنِ اللَّوزِ المُرِّ، ودُهنِ الخِروَعِ، فيَجرِي فيها أيضًا الرِّبا؛ لأنَّها تُؤكَلُ لِلتَّداوِي. وما يُرادُ لِلطِّيبِ، كدُهنِ البَنَفسَجِ والوَردِ والياسَمِينِ والزِّئبَقِ والبانِ، وسائِرِ الأدهانِ المُطيِّبةِ، فيَحرُمُ فيها الرِّبا أيضًا، فلا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِنْ هذه الأدهانِ بَعضِه ببَعضٍ مُتَفاضِلًا، وَلا بَيعُ بَعضِها بالشَّيرَجِ مُتفاضِلًا بلا خِلافٍ؛ لأنَّها كُلَّها شَيرَجٌ اختَلَفتْ رائِحَتُه بحَسَبِ ما جاوَرَها مِنْ هذه الأدْهانِ. والثَّالثُ: ما يُرادُ لِلِاستِصباحِ، كدُهنِ السَّمَكِ، وبَزْرِ الكَتَّانِ ودُهنِه؛ فليسَ برِبَويٍّ. وما سِوَى الذَّهبِ والفِضَّةِ والمَأكولِ والمَشروبِ لا يَحرُمُ فيها الرِّبا، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا ونَسيئةً، ويَجوزُ فيها التَّفرُّقُ قبلَ التَّقابُضِ. القَولُ الثَّالثُ: وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ وأحمدَ في رِوايةٍ أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في هذه الأصنافِ هي الطَّعامُ إذا كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا، والدَّليلُ عليه أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الطَّعامِ بالطَّعامِ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ (١)، والمُماثَلةُ لا تَكونُ إلَّا بالكَيلِ أو الوَزنِ، فدَلَّ على أنَّه لا يَحرُمُ إلَّا في مَطعومٍ يُكالُ أو يُوزَنُ، فعلى هذا لا يَجري الرِّبا إلَّا في مَطعومٍ يُكالُ أو يُوزَنُ، فلا يَجرِي الرِّبا في السَّفَرجَلِ والتُّفَّاحِ والرُّمَّانِ والبَيضِ والجَوزِ والبُقولِ والخَضرواتِ

стр. 3434

وغيرِها ممَّا لا يُكالُ ولا يُوزَنُ، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِه ببَعضٍ مُتفاضِلًا. ولا فيما ليسَ بمَطعومٍ، كالزَّعفَرانِ والأُشنانِ والحَديدِ والرَّصاصِ ونَحوِها. ولأنَّ لِكُلِ واحِدٍ مِنْ هذه الأوصافِ أثَرًا، والحُكمَ مَقرونٌ بجَميعِها في المَنصوصِ عليه، فلا يَجوزُ حَذفُه، ولأنَّ الكَيلَ والوَزنَ والجِنسَ لا تَقتَضي وُجوبَ المُماثَلةِ، وإنَّما أثَرُه في تَحقيقِها في العِلَّةِ ما يَقتَضي ثُبوتَ الحُكمِ، لا ما تَحَقَّقَ شَرطُه، والطُّعمُ بمَجرَّدِه لا تَتحقَّقُ المُماثَلةُ به؛ لعَدمِ المِعيارِ الشَّرعيِّ فيه، وإنَّما تَجِبُ المُماثَلةُ في المِعيارِ الشَّرعيِّ، وهو الكَيلُ والوَزنُ، ولِهذا وَجَبتِ المُساواةُ في المَكيلِ كَيلًا، وفي المَوزونِ وَزنًا. فوجَب أنْ يَكونَ الطُّعمُ مُعتَبَرًا في المَكيلِ والمَوزونِ دونَ غيرِهما. والأحاديثُ الوارِدةُ في هذا البابِ يَجِبُ الجَمعُ بينَها وتَقييدُ كلِّ واحِدٍ مِنها بالآخَرِ، فنَهْيُ النَّبيِّ ﷺ عن بَيعِ الطَّعامِ إلَّا مِثْلًا بمِثلٍ يَتقيَّدُ بما فيه مِعيارٌ شَرعيٌّ، وهو الكَيلُ والوَزنُ، ونَهيُه عن بَيعِ الصَّاعِ بالصَّاعَيْنِ يَتقيَّدُ بالمَطعومِ المَنهيِّ عن التَّفاضُلِ فيه. قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذا القَولُ ضَعيفٌ جِدًّا. القَولُ الرَّابِعُ: وهو قَولُ المالِكيَّةِ، واختيارُ ابنِ القيِّمِ مِنْ الحَنابِلةِ أنَّ عِلَّةَ حُرمةِ رِبا الفَضلِ في الطَّعامِ الِاقتياتُ والِادِّخارُ، أي: مَجموعُ الأمرَيْنِ، فالطَّعامُ الرِّبَويُّ: ما يُقتاتُ ويُدَّخَرُ، أي: ما تَقومُ به البِنيةُ عندَ الِاقتِصارِ عليه، ويُدَّخَرُ إلى الأمَدِ المُبتَغَى مِنه عادةً، ولا يَفسُدُ بالتَّأخيرِ، ولا يُشترَطُ كَونُه

стр. 3435

مُتَّخَذًا لِلعَيشِ في الأغلَبِ، ولا حَدَّ في الِادِّخارِ، بَلْ هو في كلِّ شَيءٍ بحَسَبِه، ثم إنَّه لا بدَّ أنْ يَكونَ الِادِّخارُ على وَجْهِ العُمومِ، فلا يُلتَفَتُ لِما كانَ ادِّخارُه نادِرًا. فيَحرُمُ الرِّبا في كلِّ ما كانَ قُوتًا مُدَّخَرًا، وما ليسَ بقُوتٍ -كالفَواكِهِ-، أو كانَ قُوتًا لا يُدَّخَرُ، لا يَجري فيه الرِّبا. اشتِراطُ المُماثَلةِ والقَبضِ: اتَّفق العُلماءُ إلى أنَّ الأعيانَ التي يَجري فيها الرِّبا على اختِلافِهم فيها إذا بِيعَتْ بجِنسِها، كَتَمرٍ بتَمرٍ، وذَهَبٍ بذَهَبٍ، وهكذا، فإنَّه يُشترَطُ فيها شَرطانِ: ١ - المُماثَلةُ في القَدْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ: فإن تَفاضَلَا لَم يَجُزْ بالإجماعِ؛ لأنَّ الفَضلَ رِبًا؛ لِحَديثٍ أبي سَعيدٍ ﵁ مَرفوعًا: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (١). قالَ أبو عمرَ ﵀: وجُملةُ مَذاهبِ العُلماءِ في ذلك أنَّ الذَّهبَ والوَرِقَ يَدخُلُهما الرِّبا في الجِنسِ الواحِدِ مِنْ وَجهَيْنِ، وهُما التَّفاضُلُ والنَّسيئةُ، فلا يَجوزُ ذَهَبٌ بذَهَبٍ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، وكذلك الوَرِقُ بالوَرِقِ. فأمَّا الجِنسانِ أحَدُهما بالآخَرِ، كالذَّهبِ بالوَرِقِ، فجائِزٌ التَّفاضُلُ فيهِما بإجماعٍ مِنْ العُلماءِ، ولا يَجوزُ فيهما النَّسيئةُ بإجماعٍ أيضًا مِنْ العُلماءِ (٢).
следующие страницы →