بمِثْلٍ بسَبَبِ الكَيلِ أو الوَزنِ مع الجِنسِ، والَّذي يَدلُّ عليه ما رَواه سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ وعَن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ استَعمَلَ رَجُلًا على خَيبَرَ، فجاءَه بتَمرٍ جَنيبٍ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أكُلُّ تَمرِ خَيبَرَ هَكَذا؟»، قالَ: لا واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلاثةِ. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَفعَلْ بِعِ الجَمعَ بالدَّراهِمِ ثم ابتَعْ بالدَّراهِمِ جَنيبًا»، وقالَ في الميزانِ مثلَ ذلك (١)، أي: في المَوزونِ، إذ المِيزانُ نَفْسُه ليسَ مِنْ أموالِ الرِّبا، وهو أقوَى حُجَّةً في عِلِّيَّةِ القَدْرِ، وهو بعُمومِه يَتَناوَلُ المَوزونَ كُلَّه، الثَّمنَ والمَطعومَ وغيرَهما، فيَكونُ حُجَّةً؛ لأنَّه اشتَرطَ في الجِنسِ المُماثَلةَ، وهي لا تَتحقَّقُ إلَّا بالكَيلِ أو الوَزنِ، ثم قاسَ عليه المِيزانَ.
فتَبيَّن بهذه الآثارِ قِيامُ الدَّليلِ على تَعْديةِ الحُكمِ مِنْ الأشياءِ السِّتَّةِ لِغيرِها.
القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ الشافِعيَّةِ في المَذهبِ وأحمدَ في رِوايةٍ قالوا: عِلَّةُ الرِّبا في هذه الأصنافِ الأربَعةِ هي الطَّعامُ، وإنْ لَم يَكُنْ مَكيلًا أو مَوزونًا؛ لقولِه ﷺ : «الطَّعامُ بالطَّعامِ مِثْلًا بمِثْلٍ» (٢)، والطَّعامُ اسمٌ لِكُلِّ ما يُطعَمُ به، والدَّليلُ عليه قَولُه تَعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وأرادَ به الذَّبائِحَ، وقالَتْ عائِشةُ ﵂: «مَكَثْنا مع نَبيِّنا سَنةً ما لَنا طَعامٌ إلَّا الأسوَدانِ: الماءُ والتَّمرُ»، والحُكمُ إذا عُلِّقَ على اسمٍ مُشتَقٍّ كانَ ذلك عِلَّةً فيه، كالقَطعِ في السَّرِقةِ، والحَدِّ في الزِّنا،
стр. 3432
ولأنَّ الحَبَّ ما دامَ مَطعومًا يَحرُمُ فيه الرِّبا، فإذا زُرِعَ وخرَج عن أنْ يَكونَ مَطعومًا لَم يَحرُمْ فيه الرِّبا، فإذا انعقَد الحَبُّ وصارَ مَطعومًا حرُم فيه الرِّبا، فدَلَّ على أنَّ العِلَّةَ فيه كَونُه مَطعومًا، ولأنَّ الطُّعمَ وَصفُ شَرَفٍ؛ إذْ به قِوامُ الأبدانِ فيَقتَضي التَّعليلَ بها.
والجَوابُ: حَديثُ: «فإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ»، فالمُرادُ جَوازُ التَّفاضُلِ في هذه الأصنافِ إذا اختَلَفتْ، ومَنعُه فيها إذا اتَّفَقتْ، لا مَنعُه في غيرِها.
فعلى هذا يَحرُمُ الرِّبا في كلِّ مَطعومٍ، سَواءٌ كانَ ممَّا يُكالُ أو ممَّا يُوزَنُ أو غيرَهما، ولا يَحرُمُ في غيرِ المَطعومِ، فيَجري الرِّبا في السَّفَرجَلِ والبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والبُقولِ وغيرِها مِنْ المَطعومِ.
والمُرادُ بالمَطعومِ ما يُعَدُّ لِلطُّعمِ في الأغلَبِ تَقوُّتًا وتَأدُّمًا، أو تَفكُّهًا أو تَداويًا أو غيرَها، فيَحرُمُ الرِّبا في جَميعِ ذلك، وسَواءٌ ما أُكِلَ في الأغلَبِ، فيَدخُلُ فيه الحُبوبُ والأُدمُ والحَلاواتُ والفَواكِهُ والبُقولُ والتَّوابِلُ والأدويةُ، أو نادِرًا كالبَلُّوطِ والطُّرثوثِ، وهو نَبتٌ مَعروفٌ، وسَواءٌ ما أُكِلَ وَحدَه أو مع غيرِه.
ويَجري تَحريمُ الرِّبا في جَميعِ الأدويةِ، كالإهليلَجِ والأملَجِ والسُّقْمونيا وغيرِها.
وكذا الماءُ يَحرُمُ فيه الرِّبا.
وأمَّا الأدهانُ فأضرُبٌ:
أحَدُها: ما يُعَدُّ لِلأكلِ، كالزُّبدِ والسَّمنِ والزَّيتِ والشَّيرَجِ، ودُهنِ الجَوزِ
стр. 3433
واللَّوزِ والبُطمِ، ودُهنِ الفُجلِ والخَردَلِ والصَّنَوبَرِ وأشباهِها، فيَحرُمُ فيه الرِّبا أيضًا؛ لأنَّه يُؤكَلُ لِلتَّداوِي، فأشبَهَ الإهليلَجَ.
والثَّاني: يُرادُ لِلتَّداوِي، كدُهنِ اللَّوزِ المُرِّ، ودُهنِ الخِروَعِ، فيَجرِي فيها أيضًا الرِّبا؛ لأنَّها تُؤكَلُ لِلتَّداوِي.
وما يُرادُ لِلطِّيبِ، كدُهنِ البَنَفسَجِ والوَردِ والياسَمِينِ والزِّئبَقِ والبانِ، وسائِرِ الأدهانِ المُطيِّبةِ، فيَحرُمُ فيها الرِّبا أيضًا، فلا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِنْ هذه الأدهانِ بَعضِه ببَعضٍ مُتَفاضِلًا، وَلا بَيعُ بَعضِها بالشَّيرَجِ مُتفاضِلًا بلا خِلافٍ؛ لأنَّها كُلَّها شَيرَجٌ اختَلَفتْ رائِحَتُه بحَسَبِ ما جاوَرَها مِنْ هذه الأدْهانِ.
والثَّالثُ: ما يُرادُ لِلِاستِصباحِ، كدُهنِ السَّمَكِ، وبَزْرِ الكَتَّانِ ودُهنِه؛ فليسَ برِبَويٍّ.
وما سِوَى الذَّهبِ والفِضَّةِ والمَأكولِ والمَشروبِ لا يَحرُمُ فيها الرِّبا، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا ونَسيئةً، ويَجوزُ فيها التَّفرُّقُ قبلَ التَّقابُضِ.
القَولُ الثَّالثُ: وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ وأحمدَ في رِوايةٍ أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في هذه الأصنافِ هي الطَّعامُ إذا كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا، والدَّليلُ عليه أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الطَّعامِ بالطَّعامِ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ (١)، والمُماثَلةُ لا تَكونُ إلَّا بالكَيلِ أو الوَزنِ، فدَلَّ على أنَّه لا يَحرُمُ إلَّا في مَطعومٍ يُكالُ أو يُوزَنُ، فعلى هذا لا يَجري الرِّبا إلَّا في مَطعومٍ يُكالُ أو يُوزَنُ، فلا يَجرِي الرِّبا في السَّفَرجَلِ والتُّفَّاحِ والرُّمَّانِ والبَيضِ والجَوزِ والبُقولِ والخَضرواتِ
стр. 3434
وغيرِها ممَّا لا يُكالُ ولا يُوزَنُ، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِه ببَعضٍ مُتفاضِلًا.
ولا فيما ليسَ بمَطعومٍ، كالزَّعفَرانِ والأُشنانِ والحَديدِ والرَّصاصِ ونَحوِها.
ولأنَّ لِكُلِ واحِدٍ مِنْ هذه الأوصافِ أثَرًا، والحُكمَ مَقرونٌ بجَميعِها في المَنصوصِ عليه، فلا يَجوزُ حَذفُه، ولأنَّ الكَيلَ والوَزنَ والجِنسَ لا تَقتَضي وُجوبَ المُماثَلةِ، وإنَّما أثَرُه في تَحقيقِها في العِلَّةِ ما يَقتَضي ثُبوتَ الحُكمِ، لا ما تَحَقَّقَ شَرطُه، والطُّعمُ بمَجرَّدِه لا تَتحقَّقُ المُماثَلةُ به؛ لعَدمِ المِعيارِ الشَّرعيِّ فيه، وإنَّما تَجِبُ المُماثَلةُ في المِعيارِ الشَّرعيِّ، وهو الكَيلُ والوَزنُ، ولِهذا وَجَبتِ المُساواةُ في المَكيلِ كَيلًا، وفي المَوزونِ وَزنًا.
فوجَب أنْ يَكونَ الطُّعمُ مُعتَبَرًا في المَكيلِ والمَوزونِ دونَ غيرِهما.
والأحاديثُ الوارِدةُ في هذا البابِ يَجِبُ الجَمعُ بينَها وتَقييدُ كلِّ واحِدٍ مِنها بالآخَرِ، فنَهْيُ النَّبيِّ ﷺ عن بَيعِ الطَّعامِ إلَّا مِثْلًا بمِثلٍ يَتقيَّدُ بما فيه مِعيارٌ شَرعيٌّ، وهو الكَيلُ والوَزنُ، ونَهيُه عن بَيعِ الصَّاعِ بالصَّاعَيْنِ يَتقيَّدُ بالمَطعومِ المَنهيِّ عن التَّفاضُلِ فيه.
قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذا القَولُ ضَعيفٌ جِدًّا.
القَولُ الرَّابِعُ: وهو قَولُ المالِكيَّةِ، واختيارُ ابنِ القيِّمِ مِنْ الحَنابِلةِ أنَّ عِلَّةَ حُرمةِ رِبا الفَضلِ في الطَّعامِ الِاقتياتُ والِادِّخارُ، أي: مَجموعُ الأمرَيْنِ، فالطَّعامُ الرِّبَويُّ: ما يُقتاتُ ويُدَّخَرُ، أي: ما تَقومُ به البِنيةُ عندَ الِاقتِصارِ عليه، ويُدَّخَرُ إلى الأمَدِ المُبتَغَى مِنه عادةً، ولا يَفسُدُ بالتَّأخيرِ، ولا يُشترَطُ كَونُه
стр. 3435
مُتَّخَذًا لِلعَيشِ في الأغلَبِ، ولا حَدَّ في الِادِّخارِ، بَلْ هو في كلِّ شَيءٍ بحَسَبِه، ثم إنَّه لا بدَّ أنْ يَكونَ الِادِّخارُ على وَجْهِ العُمومِ، فلا يُلتَفَتُ لِما كانَ ادِّخارُه نادِرًا.
فيَحرُمُ الرِّبا في كلِّ ما كانَ قُوتًا مُدَّخَرًا، وما ليسَ بقُوتٍ -كالفَواكِهِ-، أو كانَ قُوتًا لا يُدَّخَرُ، لا يَجري فيه الرِّبا.
اشتِراطُ المُماثَلةِ والقَبضِ:
اتَّفق العُلماءُ إلى أنَّ الأعيانَ التي يَجري فيها الرِّبا على اختِلافِهم فيها إذا بِيعَتْ بجِنسِها، كَتَمرٍ بتَمرٍ، وذَهَبٍ بذَهَبٍ، وهكذا، فإنَّه يُشترَطُ فيها شَرطانِ:
١ - المُماثَلةُ في القَدْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ: فإن تَفاضَلَا لَم يَجُزْ بالإجماعِ؛ لأنَّ الفَضلَ رِبًا؛ لِحَديثٍ أبي سَعيدٍ ﵁ مَرفوعًا: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (١).
قالَ أبو عمرَ ﵀: وجُملةُ مَذاهبِ العُلماءِ في ذلك أنَّ الذَّهبَ والوَرِقَ يَدخُلُهما الرِّبا في الجِنسِ الواحِدِ مِنْ وَجهَيْنِ، وهُما التَّفاضُلُ والنَّسيئةُ، فلا يَجوزُ ذَهَبٌ بذَهَبٍ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، وكذلك الوَرِقُ بالوَرِقِ.
فأمَّا الجِنسانِ أحَدُهما بالآخَرِ، كالذَّهبِ بالوَرِقِ، فجائِزٌ التَّفاضُلُ فيهِما بإجماعٍ مِنْ العُلماءِ، ولا يَجوزُ فيهما النَّسيئةُ بإجماعٍ أيضًا مِنْ العُلماءِ (٢).
стр. 3436
٢ - والقَبض قبلَ التَّفرُّقِ مِنْ الجانِبَيْنِ بالمَجلِسِ: لقولِه ﷺ فيما تَقدَّمَ: «مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ».
وعن أبي سَعيدٍ ﵁ مَرفوعًا: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تَشِفُّوا بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تَشِفُّوا (١) بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا مِنها غائِبًا بناجِزٍ (٢)» (٣).
وعن مالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الحَدَثانِ ﵁ أنَّه قالَ: أقبَلتُ أقولُ: مَنْ يَصطَرِفُ الدَّراهِمَ؟ فقالَ طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ ﵁ وهو عندَ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: أرِنا ذهَبكَ، ثم ائْتِنا إذا جاءَ خادِمُنا نُعطِكَ وَرِقَكَ. فقالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: كَلَّا واللَّهِ، لَتُعطِيَنَّه وَرِقَه أو لَتَرُدَّنَّ إليه ذهَبه؛ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الوَرِقُ بالذَّهبِ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالتَّمرِ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ» (٤).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ احفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنْ المُتصارِفَيْنِ إذا افتَرَقا قبلَ أنْ يَتقابَضا، أنَّ الصَّرفَ فاسِدٌ (٥).
وإذا بِيعَتْ بغيرِ جِنسِها، كَذَهَبٍ بفِضَّةٍ، وبُرٍّ بشَعيرٍ، يُشترَطُ شَرطٌ واحِدٌ،
стр. 3437
وهو: القَبضُ قبلَ التَّفرُّقِ، فلا يَجوزُ فيه النَّساءُ، ويَجوزُ التَّفاضُلُ؛ لقولِه ﷺ في حَديثِ عُبادةَ: «فإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ فبِيعوا كَيفَ شِئتُم، إذا كانَ يَدًا بيَدٍ» (١).
وإنْ بِيعَ المَكيلِ بالمَوزونِ، كَبُرٍّ بذَهَبٍ مَثَلًا، جازَ التَّفاضُلُ والتَّفرُّقُ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ العِلَّةَ مُختَلِفةٌ، فجازَ التَّفرُّقُ، كالثَّمنِ بالمُثمَّنِ.
فإذا وُجدَ الوَصفانِ: أي: القَدْرُ والجِنسُ، حرُم الفَضلُ والنَّساءُ؛ لِوُجودِ عِلَّةِ حُرمَتِهما، مثلَ الحِنطةِ بالحِنطةِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ؛ لأنَّه وُجدَ الجِنسُ والمَعنَى المَضمومُ إليه، والمُرادُ بالمَعنَى المَضمومِ إليه هو الكَيلُ في الحِنطةِ، والوَزنُ في الفِضَّةِ، يَعني القَدْرَ، إمَّا الكَيلَ أو الوَزنَ.
فإنْ عُدِما -أي: الوَصفانِ- حَلَّا -أي: التَّفاضُلُ والنَّساءُ-؛ لعَدمِ عِلَّةِ حُرمَتِهما.
وإذا وُجدَ أحَدُهما -أي: أحَدُ الوَصفَيْنِ بأنْ وُجدَ القَدرُ دونَ الجِنسِ وعُدِمَ الآخَرُ حَلَّ التَّفاضُلُ وحرُم النَّساءُ، مثلَ الحِنطةِ بالشَّعيرِ، والفِضَّةِ بالذَّهبِ؛ لقولِه ﷺ في حَديثِ عُبادةَ ﵁: «فإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ فبِيعوا كَيفَ شِئتُمْ، إذا كانَ يَدًا بَيَدٍ» (٢).
فحُرمةُ رِبا الفَضلِ بالوَصفَيْنِ، وحُرمةُ رِبا النَّسيئةِ بأحَدِهما، كما سبَق.
стр. 3438
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وكُلُّ ما حرُم فيه التَّفاضُلُ حرُم فيه النَّساءُ، بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، ويَحرُمُ التَّفرُّقُ قبلَ القَبضِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «عَينًا بعَينٍ»، وقَولِهِ ﷺ : «يَدًا بيَدٍ»، ولأنَّ تَحريمَ النَّساءِ مُؤكَّدٌ، ولِذلك جَرى في الجِنسَيْنِ المُختلِفَيْنِ، فإذا حرُم التَّفاضُلُ فالنَّساءُ أوْلَى بالتَّحريمِ (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفَقوا على أنَّ الرِّبا الذي حرَّمه اللَّهُ ضَربانِ: زيادةٌ ونَساءٌ، فمِنهما الأعيانُ السِّتَّةُ التي نصَّ الشارِعُ عليها، وهي: الذَّهبُ، والفِضَّةُ، والبُرُّ، والشَّعيرُ، والتَّمرُ، والمِلحُ.
فأجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الذَّهبِ بالذَّهبِ مُنفَرِدًا، أو الوَرِقِ بالوَرِقِ تِبْرِها ومَضروبِها وحُلِيِّها، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، وَزنًا بوَزنٍ، يَدًا بيَدٍ، وأنَّه لا يُباعُ شَيءٌ غائِبٌ مِنها بناجِزٍ، فقد حرُم في هذا الجِنسِ الرِّبا مِنْ طَريقَيْنِ، الزِّيادةِ والنَّساءِ جَميعًا.
واتَّفَقوا على أنَّه يَجوزُ بَيعُ الذَّهبِ بالفِضَّةِ والفِضَّةِ بالذَّهبِ مُتفاضِلَيْنِ يَدًا بيَدٍ، ويَحرُمُ النَّساءُ في ذلك.
واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الحِنطةِ بالحِنطةِ، والشَّعيرِ بالشَّعيرِ، والمِلحِ بالمِلحِ، والتَّمرِ بالتَّمرِ، إذا كانَ بمِعيارٍ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ويَدًا بيَدٍ، ولا يُباعُ شَيءٌ غائِبٌ مِنها بناجِزٍ.
إلَّا أبا حَنيفةَ، فإنَّه قالَ: يَجوزُ التَّفرُّقُ في ذلك قبلَ القَبضِ وَحدَه (٢).
стр. 3439
تَفسيرُ القَبضِ:
اختلَف الفُقهاءُ في صِفةِ التَّفرُّقِ، هل هو التَّفرُّقُ بالأبدانِ، فإذا تَصارَفا ولَم يَقبِضِ الآخَرُ إلَّا في نِهايةِ المَجلِسِ، وإنْ طالَ صَحَّ الصَّرفُ، أو لا بدَّ مِنْ أنْ يَكونَ يَدًا بيَدٍ في الحالِ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الِافتِراقَ المَقصودَ في هذه الأحاديثِ السَّابِقةِ هو التَّفرُّقُ بالأبدانِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وتَفسيرُ الِافتِراقِ هو أنْ يَفتَرقَ العاقِدانِ ببَدَنَيْهما عن مَجلِسِهما، فيَأخُذَ هذا في جِهةٍ، وهذا في جِهةٍ، أو يَذهَبَ أحَدُهما ويَبقَى الآخَرُ حتى لو كانا في مَجلِسِهما لَم يَبرَحا عنه، لَم يَكونا مُفترِقَيْنِ، وإنْ طالَ مَجلِسُهما؛ لِانعِدامِ الِافتِراقِ ببَدَنَيْهما، وكذا إذا ناما في المَجلِسِ، أو أُغميَ عليهما، لِما قُلْنا، وكذا إذا قاما عن مَجلِسِهما فذَهَبا مَعًا في جِهةٍ واحِدةٍ وطَريقٍ واحِدةٍ ومَشَيا مِيلًا أو أكثَرَ ولَم يُفارِقْ أحَدُهما صاحِبَه، فلَيسا بمُفترِقَيْنِ؛ لأنَّ العِبرةَ لِتَفرُّقِ الأبدانِ، ولَم يُوجَدْ فَرقٌ بينَ هذا وبينَ خِيارِ المُخيَّرةِ إذا قامَتْ عن مَجلِسِها، أو اشتَغَلتْ بعَمَلٍ آخَرَ يَخرُجُ الأمْرُ مِنْ يَدِها؛ لأنَّ خِيارَ المُخيَّرةِ يَبطُلُ بالإعراضِ عَمَّا فُوِّضَ إليها، والقيامُ عن المَجلِسِ أو الِاشتِغالُ بعَمَلٍ آخَرَ دَليلُ الإعراضِ، وهَهُنا لا عِبرةَ بالإعراضِ، إنَّما العِبرةُ لِلافتِراقِ بالأبدانِ، ولَم يُوجَدْ.
ورُويَ عن مُحمَّدٍ أنَّه ألحَقَ هذا بخِيارِ المُخيَّرةِ حتى لو نامَ طَويلًا، أو وجَد ما يَدلُّ على الإعراضِ يَبطُلُ الصَّرفُ، كالخِيارِ.
стр. 3440
ورُويَ عن مُحمَّدٍ في رَجُلٍ له على إنسانٍ ألْفُ دِرهَمٍ، وكذلك الرَّجُلُ عليه خَمسونَ دِينارًا، فأرسَلَ إليه رَسولًا، فقالَ: بِعتُكَ الدَّنانيرَ التي لي عليكَ بالدَّراهِمِ التي لكَ علَيَّ، وقالَ: قَبِلتُ، فهو باطِلٌ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ لا تَتعلَّقُ بالرَّسولِ، بَلْ بالمُرسِلِ، وهُما مُفترِقانِ ببَدَنَيْهما.
وكذلك لو نادَى أحَدُهما صاحِبَه مِنْ وَراءِ جِدارٍ، أو ناداه مِنْ بَعيدٍ لَم يَجُزْ؛ لأنَّهما مُفترِقانِ ببَدَنَيْهما عندَ العَقدِ، بخِلافِ البَيعِ المُطلَقِ إذا أرسَلَ رَسولًا إلى إنسانٍ فقالَ: بِعتُ عَبدي الذي في مَكانِ كذا مِنْكَ بكذا، فقبلَ ذلك الرَّجُلُ، فالبَيعُ جائِزٌ؛ لأنَّ التَّقابُضَ في البَيعِ المُطلَقِ ليسَ بشَرطٍ لِصِحَّةِ العَقدِ، ولا يَكونُ الِافتِراقُ مُفسِدًا له.
ثُمَّ المُعتبَرُ افتِراقُ المُتعاقدَيْنِ سَواءٌ كانا مالِكَيْنِ أو نائِبَيْنِ عنهُما، كالأبِ والوَصيِّ والوَكيلِ؛ لأنَّ القَبضَ مِنْ حُقوقِ العَقدِ، وحُقوقَ العَقدِ تَتعلَّقُ بالعاقِدَيْنِ، فيُعتبَرُ افتِراقُهما.
ثم إنَّما يُعتبَرُ التَّفرُّقُ بالأبدانِ في مَوضِعٍ يُمكِنُ اعتِبارُه، فإنْ لَم يُمكِنِ اعتِبارُه يُعتبَرُ المَجلِسُ دونَ التَّفرُّقِ بالأبدانِ، بأنْ قالَ الأبُ: اشهَدوا أنِّي اشتَرَيتُ هذا الدِّينارَ مِنْ ابني الصَّغيرِ بعَشَرةِ دَراهِمَ، ثم قامَ قبلَ أنْ يَزِنَ العَشَرةَ فهو باطِلٌ، كذا رُويَ عن مُحمَّدٍ؛ لأنَّ الأبَ هو العاقِدُ، فلا يُمكِنُ اعتِبارُ التَّفرُّقِ بالأبدانِ، فيُعتبَرُ المَجلِسُ، واللَّهُ أعلَمُ.
ثُمَّ بَيعُ الجِنسِ بالجِنسِ، وبِخِلافِ الجِنسِ، كالذَّهبِ بالفِضَّةِ سَواءٌ، لا يَختلِفانِ في حُكمِ القَبضِ؛ لأنَّ كُلَّ ذلك صَرْفٌ، فيُشترَطُ فيه التَّقابُضُ، وإنَّما
стр. 3441
يَختلِفانِ في جَوازِ التَّفاضُلِ وعَدَمِه، فلا يَجوزُ التَّفاضُلُ عندَ اتِّحادِ الجِنسِ، ويَجوزُ عندَ الِاختِلافِ، ولكنْ يَجِبُ التَّقابُضُ، اتَّحَدَ الجِنسُ أو اختلَف؛ لِما ذَكَرْنا مِنْ الدَّلائِلِ (١).
فالحَنفيَّةُ لا يَكفي عندَهم التَّخليةُ في تَحقيقِ القَبضِ، بَلْ لا بدَّ مِنْ التَّقابُضِ، قالَ في الدُّرِّ المُختارِ: والتَّقابُضُ بالبَراجِمِ، لا بالتَّخليةِ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قَولُه: (بالبَراجِمِ) جَمْعُ بُرجُمةٍ بالضَّمِّ، وهي مَفاصِلُ الأصابِعِ، مَنقولٌ عن جامِعِ اللُّغةِ.
قَولُه: (لا بالتَّخليةِ) أشارَ إلى أنَّ التَّقييدَ بالبَراجِمِ لِلِاحتِرازِ عن التَّخليةِ، واشتِراطِ القَبضِ بالفِعلِ، لا بخُصوصِ البَراجِمِ، حتى لو وَضَعَه له في كَفِّه أو في جَيبِه صارَ قابِضًا (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وكُلُّ ما حرُم فيه التَّفاضُلُ حرُم فيه النَّساءُ بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، ويَحرُمُ التَّفرُّقُ قبلَ القَبضِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «عَينًا بعَينٍ»، وقَولِه ﷺ : «يَدًا بيَدِ»، ولأنَّ تَحريمَ النَّساءِ مُؤكَّدٌ، ولِذلك جَرى في الجِنسَيْنِ المُختلِفَيْنِ، فإذا حرُم التَّفاضُلُ فالنَّساءُ أوْلَى بالتَّحريمِ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَ المَبيعُ دَراهِمَ أو دَنانيرَ فقبَضها باليَدِ (٤).
стр. 3442
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في القَبضِ أنْ يَكونَ في مَجلِسٍ واحِدٍ، ووَقتٍ واحِدٍ، هاءَ وهاءَ، فقد رَوى مالِكٌ عن نافِعٍ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ﵁ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قالَ: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تَشِفُّوا بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بمِثلٍ، ولا تَشِفُّوا بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا الوَرِقَ بالذَّهبِ أحَدُهما غائِبٌ والآخَرُ ناجِزٌ، وإنِ استَنظَرَكَ إلى أنْ يَلِجَ بَيتَه فلا تُنظِرْه؛ إنِّي أخافُ عليكم الرَّماءَ، والرَّماءُ هو الرِّبا» (١).
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا قَولُ عمرَ: «وإنِ استَنظَرَكَ إلى أنْ يَلِجَ بَيتَه فلا تُنظِرْه»؛ فإنَّ العُلماءَ قد اختَلَفوا في مَعناه في كَيفيَّةِ قَبضِ الصَّرفِ.
فقالَ مالِكٌ: لا يَصلُحُ الصَّرفُ إلَّا يَدًا بيَدٍ، فإنْ لَم يُنفِذْه ومَكَثَ مَعَه مِنْ غَدوةٍ إلى ضَحوةٍ قاعِدًا، وقد تَصارَفا غَدوةً فتَقابَضا ضَحوةً، لَم يَصحَّ.
هذا ولا يَصلُحُ الصَّرفُ إلَّا عندَ الإيجابِ بالكَلامِ، ولو انتَقَلا مِنْ ذلك المَوضِعِ إلى مَوضِعٍ غيرِه لَم يَصحَّ تَقابُضُهما.
وقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهما: يَجوزُ التَّقابُضُ في الصَّرفِ ما لَم يَفتَرِقا وبينَهما شَيءٌ، وإن طالَتِ المُدَّةُ وانتَقَلا إلى مَكانٍ آخَرَ.
وحُجَّةُ مالِكٍ قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «الذَّهبُ بالذَّهبِ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ»، فهذا يَدلُّ على العَوْدِ لا على التَّراخي.
وحُجَّةُ الشافِعيِّ والكُوفيِّينَ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رَوى الحَديثَ ثم قالَ
стр. 3443
لِطَلحةَ: «واللهِ لا تُفارِقُه حتى تأخُذَ»، وقالَ أيضًا: «ولو استَنظَرَكَ إلى أنْ يَلِجَ بَيتَه فلا تُنظِرْه»، فدَلَّ على المُفارَقةِ بالأبدانِ (١).
وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ أيضًا في «الكافي»: ولا يَجوزُ في شَيءٍ مِنْ الصَّرفِ تَأخيرُ ساعةٍ فما فَوقَها، ولا أنْ يَتَوارَى أحَدُهما عن صاحِبِه قبلَ التَّقابُضِ، ولا تَجوزُ فيه حَوالةٌ ولا ضَمانٌ ولا خِيارٌ ولا عِدَةٌ ولا شَيءٌ مِنْ النَّظِرةِ، ولا يَجوزُ إلَّا هاءَ وهاءَ، ويَتقابَضانِ في مَجلِسٍ واحِدٍ، ووَقتٍ واحِدٍ.
ولا يَجوزُ عندَ مالِكٍ الصَّرفُ على ما ليسَ عندَكَ، ولا على ما ليسَ حاضِرًا مَعَكَ، وإنْ حضَره قبلَ التَّفريقِ، ووَجْهُ الصَّرفِ عندَ مالِكٍ أنْ يُخرِجَ كلُّ واحِدٍ مِنْ المُتصارِفَيْنِ العَينَ التي يُريدُ بَيعَها مِنْ صاحِبِه ويَتقابَضا، ثم يَفترِقا ولا تَبِعةَ بينَهما، فإنْ تَأخَّرَ بَعضُ الصَّرفِ لَم يَصحَّ المَقبوضُ مِنه عندَ مالِكٍ، وبطَل الجَميعُ إذا كانَ صَفقةً واحِدةً.
ومَن اصطَرَفَ دَراهِمَ فنَقَصتْ دِرهَمًا فأرادَ صاحِبُه أنْ يُسلِفَه ذلك الدِّرهَمَ لِيُتِمَّ به الصَّرفَ بينَهما ويَكونَ له ذلك دَيْنًا عليه يَتبَعُه به لَم يَجُزْ، ولو وهَب له ذلك الدِّرهَمَ بعدَ ذلك، إذا عَلِمَ أنَّه لا يَجوزُ، لَم يَجُزْ ذلك أيضًا، ولا بدَّ أنْ يَتناقَضَ الصَّرفُ ويَرجِعَ كلُّ واحِدٍ مِنهما بما نقَد، ومِثلُه إنِ افتَرَقَ المُصطَرِفانِ بعدَ تَمامِ أمْرِهما على وَجهِه، ووجَد أحَدُهما نَقصًا فيما قبَضه نُقصانًا مِنْ حَقِّه، فإنْ طَلَبَ التَّمامَ انتَقَضَ صَرفُه بقَبضِه له، وإنْ رَضيَ بالنُّقصانِ صَحَّ صَرفُه، وكذلك لو وجَد فيما قبَض مِنْ صاحِبِه رَدِيًّا وأقَرَّ له
стр. 3444
صاحِبُه تَناقَضَ الصَّرفُ ورجَع كلُّ واحِدٍ مِنهما إلى نَقدِه، وإنْ رَضيَ بالعَيبِ صَحَّ الصَّرفُ بينَهما، هذا إذا كانَ الصَّرفُ جُملةً ولَم يُسَمِّ لِكُلِّ دِينارٍ ثَمَنًا، فإنْ صرَف عِدَّةَ دَنانيرَ بدَراهِمَ وسَمَّى لِكُلِّ دِينارٍ ثَمَنًا، ثم وجَد في الدَّراهِمِ دِينارًا وأرادَ رَدَّه انتَقَضَ مِنه صَرفُ دِينارٍ واحِدٍ، إذا كانَ ذلك قَدْرَ المَصروفِ مِنْ الدَّراهِمِ فما دُونَه، وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ ذلك انتَقَضَ صَرفُ دِينارَيْنِ، وهكذا ما زادَ على هذا أبَدًا على هذا الحِسابِ حُكمُ المَردودِ وغيرِه مِنْ سائِرِ مَنفَقةِ الصَّرفِ.
وفرَّق بَعضُ أصحابِ مالِكٍ في هذه المَسألةِ بينَ أنْ يَكونَ الصَّرفُ في الدَّراهِمِ عَدَدًا أو كَيلًا، وبينَ أنْ يَكونَ الرَّديءُ رَصاصًا أو نُحاسًا أو مَغشوشًا، وبينَ أنْ يَكونَ ناقِصًا وزائِفًا، فقالَ ابنُ عَبدِ الحَكَمِ في أُصولِ البُيوعِ: وإذا اصطَرَفَ دَنانيرَ بدَراهِمَ كَيلًا فوجَد فيها ناقِصًا أو مَكسورًا أو قَبيحَ الوَجْهِ لا يَجوزُ بينَ النَّاسِ، فليسَ له أنْ يَرُدَّه، وليسَ يَنفَسِخُ مِنْ أجْلِ ذلك شَيءٌ مِنْ صَرفِه، وإنْ وجَد فيها نُحاسًا أو رَصاصًا أو دِرهَمًا مَغشوشًا فإنَّه يَرُدُّ إنْ شاءَ، ويَنتقِصُ مِنْ الصَّرفِ دِينارٌ فَقط، يَكونُ سَبيلُه سَبيلَ ما وَصَفتُ لَكَ في الأُولى.
ولِأهلِ المَدينةِ وغيرِهم في هذه المَسألةِ أيضًا قَولانِ: أحَدُهما: يَستَبدِلُ ولا يَنتَقِصُ شَيئًا مِنْ الصَّرفِ، وإليه ذهَب اللَّيثُ بنُ سَعدٍ والأوزاعيُّ وأحمدُ بنُ حَنبَلٍ، والقَولُ الآخَرُ: يَبطُلُ الصَّرفُ فيما رَدَّ خاصَّةً، ويَصحُّ فيما قبَضه، وقالَ به جَماعةٌ أيضًا (١).
стр. 3445
وقالَ ابنُ جُزَيٍّ المالِكيُّ ﵀: البابُ الثَّالثُ في الرِّبا في النَّقدَيْنِ، وهُما الذَّهبُ والفِضَّةُ، ويُتصوَّرُ فيهِما رِبا النَّسيئةِ، ورِبا التَّفاضُلِ، ففي ذلك فَصلانِ: الفَصلُ الأوَّلُ في رِبا النَّسيئةِ: تَحرُمُ النَّسيئةُ إجماعًا في بَيعِ الذَّهبِ بالفِضَّةِ، وهو الصَّرفُ، وفي بَيعِ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، سَواءٌ أكانَ ذلك مُبادَلةً في المَسكوكِ أم مُراطَلةً في المَسكوكِ أو المَصوغِ أو التَّقارِّ، فلا يَجوزُ التَّأخيرُ في شَيءٍ مِنْ ذلك كُلِّه، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكونَ يَدًا بيَدٍ، فيُتصوَّرُ في ذلك حالاتٌ ثَلاثٌ:
حالةُ الكَمالِ: وهي أنْ يُبرِزَ كلُّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ ما عندَه مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، ثم يَعقِدا عليه، ثم يَتقابَضا.
وحالةُ الجَوازِ: وهي أنْ يَعقِدا والذَّهبُ والفِضَّةُ في الكُمِّ، أو التَّابوتِ الحاضِرِ، ثم يُخرِجاه ويَتقابَضا.
وَحالةٌ لا تَجوزُ: هي أنْ يَعقِدا عليه، ثم يَتأخَّرَ التَّقابُضُ ولو ساعةً، وأجازَ أبو حَنيفةَ تَأخيرَ القَبضِ ما لَم يَفتَرِقا مِنْ المَجلِسِ وهُما هُنا (١).
عَدُّ الأصنافِ التي يَجري فيها الرِّبا في كلِّ مَذهبٍ على حِدَةٍ:
قالَ الحَنفيَّةُ: الحِنطةُ والشَّعيرُ جِنسانِ، يَجوزُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ مُتَفاضِلًا.
وثِمارُ النَّخيلِ كُلُّها جِنسٌ واحِدٌ، وإنِ اختَلَفتْ ألوانُها وأسماؤُها، كالبَرْنيِّ، والمَعقِليِّ والدَّقَلِ، فلا يَجوزُ التَّفاضُلُ فيها؛ لقولِه ﵊: «التَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلٍ»، وهو عامٌّ.
стр. 3446
وثِمارُ الكُرومِ كُلُّها جِنسٌ واحِدٌ، وإنِ اختَلَفتْ أوصافُها؛ لأنَّ اسمَ العِنَبِ يقعُ عليها.
والزَّبيبُ جِنسٌ واحِدٌ، وإنِ اختَلَفتْ أوصافُه وبُلدانُه.
والحِنطةُ كُلُّها جِنسٌ واحِدٌ، وإنِ اختَلَفتْ أوصافُها.
وإذا بِيعَ التَّمرُ بالزَّبيبِ، أو الزَّبيبُ بالحِنطةِ، أو التَّمرُ بالذُّرَةِ يَجوزُ مُتَفاضِلًا بعدَ أنْ يَكونَ عَينًا بعَينٍ، ولا يَجوزُ نَسيئةً؛ لأنَّ الكَيلَ جَمَعَهما.
ولُحومُ الغَنَمِ كُلُّها جِنسٌ واحِدٌ، ضأْنُها ومَعزُها، والنَّعجةُ والتَّيسُ، فلو باعَ لَحمَ الشاةِ بشَحمِها، أو بأليَتِها، أو بصُوفِها، يَجوزُ مُتفاضِلًا، ولا يَجوزُ نَسيئةً؛ لأنَّ الوَزنَ جَمَعَهما.
ولا يَجوزُ بَيعُ غَزلِ القُطنِ بالقُطنِ مُتَساويًا وَزنًا؛ لأنَّ القُطنَ يَنقُصُ إذا غُزِلَ، فهو كالدَّقيقِ بالحِنطةِ (١).
و عَدَدُ الرِّبوياتِ وبَيانُ أجناسِها عندَ المالِكيَّةِ، كما يلي:
١ - بُرٌّ وشَعيرٌ وسُلْتٌ، وهذه الثَّلاثةُ جِنسٌ واحِدٌ؛ لِتَقارُبِ مَنفعَتِها؛ فيَحرُمُ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا، ولو يَدًا بيَدٍ.
٢ - عَلَسٌ: قَريبٌ مِنْ خِلقةِ البُرِّ، وهو طَعامُ أهلِ صَنعاءَ اليَمَنِ.
стр. 3447
٣ - ذُرَةٌ ودُخْنٌ: حَبٌّ صَغيرٌ فَوقَ حَبِّ البَرسيمِ، طَعامُ السُّودانِ.
٤ - أرُزٌّ.
هذه الأربَعةُ أجناسٌ كلُّ واحِدٍ مِنها جِنسٌ على حِدَتِه، يَجوزُ التَّفاضُلُ بينَها مُناجَزةً، ومُنِعَ في الجِنسِ مِنها.
٥ - القَطانيُّ السَّبعةُ: وهي أجناسٌ يُمنَعُ التَّفاضُلُ في الجِنسِ الواحِدِ، ويَجوزُ بينَ الجِنسَيْنِ، وهي: العَدَسُ واللُّوبيا والحِمَّصُ والتُّرمُسُ والفُولُ والجُلْبانُ والبَسيلةُ والكِرسِنَّةُ، وسُمِّيتْ قَطانيَّ؛ لأنَّها تَقطُنُ بالمَكانِ، أي: تَمكُثُ به.
٦ - تَمرٌ وزَبيبٌ وتِينٌ، وهي أجناسٌ.
٧ - ذَواتُ الزَّيتِ، مِنْ زَيتونٍ وسِمسِمٍ وقُرطُمٍ وفُجلٍ أحمَرَ وبَزْرِ الكَتَّانِ والخَردَلِ، وهي أجناسٌ كَزُيوتِها، فإنَّها أجناسٌ، أي: فيُباعُ رِطلٌ مِنْ الزَّيتِ الطَّيِّبِ برِطلَيْنِ مِنْ الشَّيرَجِ، أو مِنْ الزَّيتِ الحارِّ مُناجَزةً.
٨ - العُسولُ: جَمْعُ عَسَلٍ، كانَتْ مِنْ نَحلٍ أو تَمرٍ أو قَصَبٍ، أو غيرِ ذلك، أجناسٌ يَجوزُ فيها التَّفاضُلُ، كَرِطلٍ مِنْ عَسَلِ قَصَبٍ برِطلَيْنِ مِنْ عَسَلِ نَحلٍ، إذا كانَ يَدًا بيَدٍ، ويُمنَعُ في النَّوعِ مِنها.
٩ - الخَلُّ والنَّبيذُ، كُلُّ واحِدٍ مِنهما جِنسٌ على حِدَتِه؛ لأنَّ الذي يُرادُ مِنْ الخَلِّ غيرُ ما يُرادُ مِنْ النَّبيذِ عادةً.
١٠ - الأخبازُ كُلُّها، ولو بَعضُها، مِنْ قُطنيةٍ، كَفولٍ، وبَعضُها مِنْ قَمحٍ، جِنسٌ واحِدٌ، يَحرُمُ التَّفاضُلُ فيها.
стр. 3448
١١ - بَيضٌ مِنْ دَجاجٍ أو غيرِه، جِنسٌ واحِدٌ؛ فتُتَحرَّى المُساواةُ، ولو اقتَضَى التَّحرِّي بَيضةً ببَيضَتَيْنِ أو أكثَرَ.
١٢ - سُكَّرٌ، وهو بجَميعِ أصنافِه جِنسٌ واحِدٌ؛ فيُمنَعُ رِطلٌ مِنْ المُكرَّرِ أو النَّباتِ برِطلَيْنِ مع غيرِه.
١٣ - ومُطلَقُ لَبَنٍ مِنْ بَقَرٍ أو غيرِها، وهو -بأصنافِه: الحَليبِ والأقِطِ والمَخيضِ والمَضروبِ- جِنسٌ واحِدٌ.
١٤ - لَحمُ طَيرٍ إنْسيٍّ أو وَحشيٍّ، كحِدَأةٍ ورَخَمٍ، وهو مِنْ جَميعِها جِنسٌ واحِدٌ، يُمنَعُ فيه التَّفاضُلُ، والمَطبوخُ منه جِنسٌ، ولو اختَلَفتْ مَرقَتُه.
١٥ - دَوابُّ الماءِ، مِنْ حُوتٍ وغيرِه، صَغيرةٌ وكَبيرةٌ، وهي جِنسٌ.
١٦ - مُطلَقُ ذَواتِ الأربَعِ مِنْ غَنَمٍ وبَقَرٍ وغيرِ ذلك، وإنْ كانَ وَحشيًّا، جِنسٌ واحِدٌ، كغَزالٍ وبَقَرٍ وَحشيٍّ وحِمارِه، يُمنَعُ التَّفاضُلُ فيها، والمَطبوخُ مِنها جِنسٌ واحِدٌ، ولو اختَلَفتْ مَرقَتُه.
ومُصلِحُ الطَّعامِ الرِّبَويُّ مُلحَقٌ به؛ فيَدخُلُه رِبا الفَضلِ، وهو ما لا يَتمُّ الِانتِفاعُ بالطَّعامِ إلَّا به.
كمِلحٍ وبَصَلٍ وثُومٍ، وتابِلٍ مِنْ فُلفُلِ وكُزبَرةِ وكَرَوْيا وشَمارٍ وكَمُّونينَ وأنيسونٍ، وهي -أي: المَذكوراتُ- أجناسٌ، يَجوزُ التَّفاضُلُ بينَهما مُناجَزةً.
ما ليسَ برِبَويّ:
١ - الدَّواءُ، ليسَ برِبَويٍّ، كحَزَنْبَلٍ وحَرمَلٍ وسائِرِ العَقاقيرِ.
٢ - بَلَحٌ صَغيرٌ، بأنِ انعقَد ولَم يَزْهُ، ليسَ رِبَويًّا؛ لأنَّه لا يُرادُ لِلأكْلِ،
стр. 3449
بخِلافِ الزَّهوِ، فأعلَى مِنْ بُسْرٍ فرُطَبٍ فتَمرٍ فرِبَويٍّ اتِّفاقًا.
٣ - حُلبةٌ سواءٌ كانَتْ يابِسةً أو خَضراءَ.
٤ - الفَواكِهُ، كالرُّمَّانِ والخَوخِ، ليسَتْ برِبَويَّةٍ، ولو ادُّخِرتْ بقُطرٍ؛ كتُفَّاحٍ ولَوزٍ وبُندُقٍ.
٥ - ماءٌ عَذبٌ، أو مالِحٌ، ليسَ برِبَويٍّ، بَلْ ولا بطَعامٍ.
وجازَ كُلٌّ مِنْ البَلَحِ الصَّغيرِ والماءِ بطَعامٍ لِأجَلٍ، كالأدويةِ تَجوزُ بطَعامٍ لِأجَلٍ؛ لأنَّها كالعُروضِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَحرُمُ الرِّبا في كلِّ مَطعومٍ، سَواءٌ كانَ ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ أو غيرِهما، ولا يَحرُمُ في غيرِ المَطعومِ، فيَجري الرِّبا في السَّفَرجَلِ والبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والبُقولِ وغيرِها مِنْ المَطعومِ.
والمُرادُ بالمَطعومِ ما يُعَدُّ لِلطُّعمِ في الأغلَبِ تَقوُّتًا وتَأدُّمًا، أو تَفكُّهًا أو تَداويًا أو غيرَها، فيَحرُمُ الرِّبا في جَميعِ ذلك، وسَواءٌ ما أُكِلَ في الأغلَبِ، فيَدخُلُ فيه الحُبوبُ والإدامُ والحَلاواتُ والفَواكِهُ والبُقولُ والتَّوابِلُ والأدويةُ، أو نادِرًا، كالبَلُّوطِ والطُّرثوثِ، وهو نَبتٌ مَعروفٌ، وسَواءٌ ما أُكِلَ وَحدَه، أو مع غيرِه.
стр. 3450
ويَجري تَحريمُ الرِّبا في جَميعِ الأدويةِ، كالإهليلَجِ والأبليجِ والسُّقْمونيا وغيرِها.
وكذا الماءُ، يَحرُمُ فيه الرِّبا.
وأمَّا الأدهانُ فأضرُبٌ:
أحَدُهما: ما يُعَدُّ لِلأكلِ، كالزُّبدِ والسَّمنِ والزَّيتِ والشَّيرَجِ، ودُهنِ الجَوزِ واللَّوزِ والبُطمِ ودُهنِ الفُجلِ والخَردَلِ والصَّنَوبَرِ وأشباهِها، فيَحرُمُ فيه الرِّبا أيضًا؛ لأنَّه يُؤكَلُ لِلتَّداوِي، فأشبَهَ الإهليلَجَ.
والثَّاني: ما يُرادُ لِلطِّيبِ، كدُهنِ البَنَفسَجِ والوَردِ والياسَمِينِ والزِّئبَقِ والبانِ وسائِرِ الأدهانِ المُطَيِّبةِ، فيَحرُمُ فيه الرِّبا أيضًا، فلا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِنْ هذه الأدهانِ بَعضِه ببَعضٍ مُتفاضِلًا، ولا بَيعُ بَعضِها بالشَّيرَجِ مُتفاضِلًا، بلا خِلافٍ؛ لأنَّها كُلَّها شَيرَجٌ، اختَلَفتْ رائِحَتُه بحَسَبِ ما جاوَرَها مِنْ هذه الأدهانِ.
والثَّالثُ: ما يُرادُ لِلِاستِصباحِ، كدُهنِ السَّمَكِ، وبَزْرِ الكَتَّانِ ودُهنِه، فليسَ برِبَويٍّ.
وما سِوَى الذَّهبِ والفِضَّةِ والمَأكولِ والمَشروبِ لا يَحرُمُ فيها الرِّبا، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا ونَسيئةً، ويَجوزُ فيها التَّفرُّقُ قبلَ التَّقابُضِ (١).
стр. 3451
وقالَ الحَنابِلةُ: المَكيلُ: كسائِرِ الحُبوبِ والأبازيرِ والمائِعاتِ، لكنَّ الماءَ ليسَ برِبَويٍّ؛ لِعَدَمٍ تَمَوُّلِه عادةً، ولأنَّ الأصلَ إباحَتُه.
ومِنَ الثِّمارِ: كالتَّمرِ والزَّبيبِ والفُستُقِ والبُندُقِ واللَّوزِ والبُطمِ والزُّعرورِ والعُنَّابِ والمِشمِشِ والزَّيتونِ والمِلحِ؛ لأنَّها مَكيلةٌ مَطعومةٌ.
والمَوزونُ: كالذَّهبِ والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والحَديدِ وغَزلِ الكَتَّانِ والقُطنِ والحَريرِ والقُنَّبِ والشَّمعِ والزَّعفَرانِ والخُبزِ والجُبنِ؛ لِجَرَيانِ العادةِ بوَزنِها عندَ أهلِ الحِجازِ؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «المِكيالُ مِكيالُ أهلِ المَدينةِ، والوَزنُ وَزنُ أهْلِ مَكةَ» (١).
وما لا عُرفَ له بالمَدينةِ ومَكَّةَ اعتُبِرَ عُرفُه في مَوضِعِه؛ لأنَّ ما لا عُرفَ له في الشَّرعِ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، كالقَبضِ والحِرزِ، فإنِ اختَلَفتِ البِلادُ اعتُبِرَ الأغلَبُ، فإنْ لَم يَكُنْ رُدَّ إلى أقرَبِ ما يُشبِهُه بالحِجازِ.
وكُلُّ مائِعٍ مَكِيلٌ، ويَجوزُ التَّعامُلُ بكَيلٍ لَم يُعهَدْ.
وما عَدَا ذلك فمَعدودٌ لا يَجري فيه الرِّبا، ولو كانَ مَطعومًا، كالبِطِّيخِ والقِثَّاءِ والخِيارِ والجَوزِ والبَيضِ والرُّمَّانِ.
ولا فيما أخرَجَتْه الصِّناعةُ عنِ الوَزنِ، لِزيادةِ ثَمَنِه بصِناعَتِه، كالثِّيابِ،
стр. 3452
فلا بَأْسَ بالثَّوبِ بالثَّوبَيْنِ، والسِّلاحِ والفُلوسِ ولو نافِقةً، والأواني؛ لِخُروجِها عنِ الكَيْلِ والوَزنِ، ولعَدمِ النَّصِّ والإجماعِ، غيرَ الذَّهبِ والفِضَّةِ، فيَجري فيهما؛ لِلنَّصِّ عليهما.
ويَصحُّ بَيعُ اللَّحمِ بمِثلِه إذا نُزِعَ عَظْمُه رَطبًا ويابِسًا، فإنْ لَم يُنزَعْ عَظْمُه لَم يَصحَّ؛ لِلجَهلِ بالتَّساوي، وبَيعُ يابِسٍ مِنه برَطبٍ لا يَصحُّ؛ لعَدمِ التَّماثُلِ.
ويَصحُّ بحَيَوانٍ مِنْ غيرِ جِنْسِه، كقِطعةٍ مِنْ لَحمِ إبِلٍ بشاةٍ؛ لأنَّه ليسَ أصلَه ولا جِنْسَه، فجازَ، كما لو بِيعَ بغيرِ مَأكولٍ.
ولا يَصحُّ بَيعُ لَحمٍ بحَيَوانٍ مِنْ جِنْسِه، لِما رَوى سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «نهَى عن بَيعِ اللَّحمِ بالحَيَوانِ» (١)، ولأنَّه جِنسٌ فيه الرِّبا بِيعَ بأصلِه الذي فيه مِنه، فلَم يَجُزْ، كالزَّيتِ بالزَّيتونِ.
ويَصحُّ بَيعُ دَقيقٍ رِبَويٍّ بدَقيقِه، إذا استَوَيا نُعومةً أو خُشونةً؛ لِتَساويهِما في الحالِ على وَجْهٍ لا يَنفرِدُ أحَدُهما بالنُّقصانِ في ثاني الحالِ.
ويَصحُّ بَيعُ رَطْبةٍ برَطبَةٍ، كرُطَبٍ برُطَبٍ، وعِنَبٍ بعِنَبٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ.
ويَصحُّ بَيعُ يابِسَةٍ بيابِسةٍ كَتَمرٍ بتَمرٍ، وزَبيبٍ بزَبيبٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ.
ويَصحُّ بَيعُ عَصيرِه بعَصيرِه، كمُدِّ ماءِ عِنَبٍ بمِثلِه يَدًا بيَدٍ.
ويَصحُّ بَيعُ مَطبوخٍ بمَطبوخٍ، كسَمنٍ بَقَريٍّ بسَمنٍ بَقَريٍّ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ.
стр. 3453
ويَصحُّ بَيعُ خُبزِ بُرٍّ بخُبزِ بُرٍّ وَزنًا، مِثْلًا بمِثْلٍ، بشَرطٍ: إنِ استَوَيا نَشافًا أو رُطوبةً، لا إنِ اختَلَفا، فإنْ كانَ أحَدُهما أكثَرَ رُطوبةً مِنْ الآخَرِ لَم يَحصُلِ التَّساوِي المُشترَطُ، ويُعتبَرُ التَّماثُلُ في الخُبزِ بالوَزنِ، كالنِّشافِ؛ لأنَّه يُقَدَّرُ به عادةً، ولا يُمكِنُ كَيلُه، لكنْ إنْ يَبِسَ ودَقَّ وصارَ فَتيتًا بِيعَ بمِثلِه كَيلًا.
ولا يَصحُّ بَيعُ فَرعٍ بأصْلِهِ: كزَيتٍ بزَيتونٍ، وشَيرَجٍ بسِمسِمٍ، وجُبنٍ بلَبَنٍ، وخُبزٍ بعَجينٍ؛ لعَدمِ التَّساوِي، أو الجَهلِ به.
ولا يَصحُّ بَيعُ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، والعِنَبِ بالزَّبيبِ؛ لِحَديثِ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، فقالَ ﷺ : «أيَنقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟»، قالوا: نَعَمْ. فنهَى عن ذلك (١).
ولا يَصحُّ بَيعُ المُحاقَلةِ، وهو بَيعُ الحَبِّ المُشتَدِّ في سُنبُلِه بجِنسِه، ويَصحُّ بغيرِ جِنسِه؛ لِحَديثِ أنَسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عنِ المُحاقَلةِ، قالَ جابِرٌ ﵁: المُحاقَلةُ: بَيعُ الزَّرعِ بمِئةِ فَرَقٍ (٢) مِنْ الحِنطةِ (٣)، ولأنَّه بَيعُ الحَبِّ بجِنسِه جُزافًا مِنْ أحَدِ الجانِبَيْنِ لَم يَصحَّ؛ لِلجَهلِ بالتَّساوِي.
ولا يَصحُّ بَيعُ المُزابَنةِ، وهو بَيعُ الرُّطَبِ على النَّخلِ بالتَّمرِ، إلَّا في
стр. 3454
العَرايا بأنْ يَبيعَه خَرْصًا بمِثْلِ ما يَؤولُ إليه إذا جَفَّ كَيلًا فيما دونَ خَمسةِ أوسُقٍ لِمُحتاجٍ لِرُطَبٍ، ولا ثَمَنَ مَعَه، بشَرطِ الحُلولِ والتَّقابُضِ قبلَ التَّفرُّقِ، ففي نَخلٍ بتَخليةٍ، وفي تَمرٍ بكَيلٍ، ولا يَصحُّ في بَقيَّةِ الثِّمارِ.
ويَصحُّ بغيرِ جِنْسِه مِنْ حَبٍّ وغيرِه، كبَيعِ بُرٍّ مُشتَدٍّ في سُنبُلِه بشَعيرٍ أو فِضَّةٍ؛ لعَدمِ اشتِراطِ التَّساوِي.
ولا يَصحُّ بَيعُ رِبَويٍّ بجِنْسِه، ومَعَهما أو مع أحَدِهما مِنْ غيرِ جِنسِهما، كمُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بمِثلِهما أو بمُدَّيْنٍ أو بدِرهَمَيْنِ، أو دِينارٍ ودِرهَمٍ بدِينارٍ حَسمًا لِمادَّةِ الرِّبا؛ لِما رَوى فَضالَةُ بنُ عُبيدٍ ﵁ قالَ: أُتيَ النَّبيُّ ﷺ بقِلادةٍ فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، ابتاعَها رَجُلٌ بتِسعةِ دَنانيرَ أو سَبعةِ دَنانيرَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا، حتى تُميِّزَ بينَهما»، قالَ: فرَدَّه حتى مَيَّزَ بينَهما (١).
فإنْ كانَ ما مع الرِّبَويِّ يَسيرًا لا يُقصَدُ، كَخُبزٍ فيه مِلحٌ بمِثلِه، أو بمِلحٍ، فوُجودُه كعَدَمِه؛ لأنَّ المِلحَ لا يُؤثِّرُ في الوَزنِ، وكحَبَّاتِ شَعيرٍ في حِنطةٍ.
ويَصحُّ: أعطِني بنِصفِ هذا الدِّرهَمِ فِضَّةً، وبِالآخَرِ فُلوسًا؛ لِوُجودِ التَّساوي في الفِضَّةِ، والتَّقابُضِ في الفُلوسِ.
ويَحرُمُ رِبا النَّسيئةِ بينَ مَبيعَيْنِ اتَّفَقا في عِلَّةِ رِبا الفَضلِ، فلا يُباعُ أحَدُهما بالآخَرِ نَسيئةً -كما سبَق- لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «فإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ، فبِيعوا كَيفَ شِئتُم إذا كانَ يَدًا بيَدٍ» (٢).
стр. 3455
إلَّا إنْ كانَ أحَدُ العِوضَيْنِ نَقدًا، أي: ذَهَبًا أو فِضَّةً، كسُكَّرٍ بدَراهِمَ وخُبزٍ بدَنانيرَ، وحَديدٍ أو رَصاصٍ أو نُحاسٍ بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فيَصحُّ، وإلَّا لَانْسَدَّ بابُ السَّلَمِ في المَوزوناتِ في الأغلَبِ، وقد أرخَصَ فيه الشَّرعُ، وأصْلُ رَأْسِ مالِه النَّقْدانِ، فمَتَى كانَ أحَدُ العِوضَيْنِ ثَمَنًا والآخَرُ مُثمَّنًا جازَ النَّساءُ فيهما.
وما لا يَدخُلُه رِبا الفَضلِ، كالثِّيابِ والحَيَوانِ، لا يَحرُمُ النَّساءُ فيه؛ لِحَديثِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَه أنْ يُجهِّزَ جَيشًا، فكانَ يَأخُذُ البَعيرَ بالبَعيرَيْنِ إلى إبِلِ الصَّدقةِ (١).
ولا يَجوزُ بَيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ؛ لِحَديثِ: نهَى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ (٢)، وهو بَيعُ ما في الذِّمَّةِ بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ لِمَنْ هو عليه، وكذا بحالٍّ لَم يُقبَضْ قبلَ التَّفرُّقِ، وجعَله رَأْسَ مالِ سَلَمٍ.
ويَصحُّ: صَرفُ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، مُتماثِلًا، وَزنًا لا عَدًّا، بشَرطِ القَبضِ قبلَ التَّفرُّقِ، فإذا افتَرَقَ المُتَصارِفانِ قبلَ أنْ يَتقابَضا فالصَّرفُ فاسِدٌ؛ لأنَّ القَبضَ شَرطٌ لِصِحَّةِ العَقدِ؛ لقولِه ﷺ : «وبِيعوا الذَّهبَ بالفِضَّةِ كَيفَ شِئتُمُ يَدًا بيَدٍ» (٣).
ولا يَضُرُّ طُولُ المَجلِسِ مع تَلازُمِهما، ولو مَشَيَا إلى مَنزِلِ أحَدِهِما مُصطَحِبَيْنِ صَحَّ، وقَبْضُ الوَكيلِ قبلَ مُفارَقةِ مُوكِّلِه المَجلِسَ كقَبضِ مُوكِّلِه، ولو ماتَ أحَدُهما قبلَ القَبضِ فسَد العَقدُ.
стр. 3456
ويَصحُّ: أنْ يُعوِّضَ أحَدُ النَّقدَيْنِ الآخَرَ بسِعرِ يَومِه، ويَكونُ صَرفًا بعَينٍ وذِمَّةٍ؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقُلتُ: إنِّي أبيعُ الإبِلَ بالنَّقيعِ، فأبيعُ بالدَّنانيرِ، وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبيعُ بالدَّراهِمِ فآخُذُ الدَّنانيرَ. فقالَ: «لا بَأْسَ أنْ تَأخُذَ بسِعرِ يَومِها ما لَم تَفتَرِقا وبينَكما شَيءٌ (١)» (٢).
وسَيَأتي في بابِ البُيوعِ المَنهيِّ عَنها بَعضُ هذه البُيوعِ، كبَيعِ اللَّحمِ بالحَيَوانِ، وبَيعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ مُتفاضِلًا، وبَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ والعِنَبِ بالزَّبيبِ، وذِكْرُ خِلافِ العُلماءِ فيها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
حِكمةُ تَحريمِ رِبا النِّساءِ في المَطعومِ:
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا الأصنافُ الأربَعةُ المَطعومةُ فحاجةُ النَّاسِ إليها أعظَمُ مِنْ حاجَتِهم إلى غيرِها؛ لأنَّها أقواتُ العالَمِ، وما يُصلِحُها، فمِن رِعايةِ مَصالِحِ العِبادِ أنْ مُنِعوا مِنْ بَيعِ بَعضِها ببَعضٍ إلى أجَلٍ، سَواءٌ اتَّحَدَ الجِنسُ أو اختلَف، ومُنِعوا مِنْ بَيعِ بَعضِها ببَعضٍ حالًّا مُتفاضِلًا، وإنِ اختَلَفتْ صِفاتُها، وجُوِّزَ لهم التَّفاضُلُ فيها مع اختِلافِ أجناسِها.
وسِرُّ ذلك -واللَّهُ أعلَمُ-: أنَّه لو جُوِّزَ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ نَساءً لَم يَفعَلْ ذلك أحَدٌ إلَّا إذا رَبِحَ، وحينَئذٍ تَشِحُّ نَفْسُه ببَيعِها حالَّةً؛ لِطَمَعِه في الرِّبحِ، فيَعِزُّ
стр. 3457
الطَّعامُ على المُحتاجِ، ويَشتَدُّ ضَرَرُه، وعامَّةُ أهلِ الأرضِ ليسَ عندَهم دَراهِمُ ولا دَنانيرُ، لا سيَّما أهلَ العَمودِ والبَوادي، وإنَّما يَتناقَلونَ الطَّعامَ بالطَّعامِ، فكانَ مِنْ رَحمةِ الشارِعِ بهم، وحِكمَتِه، أنْ مَنعَهم مِنْ رِبا النَّساءِ فيها، كما منَعهم مِنْ رِبا النَّساءِ في الأثمانِ، إذْ لو جُوِّزَ لَهم النَّساءُ فيها لَدخَلها (إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُربيَ)، فيَصيرَ الصَّاعُ الواحِدُ -لو أُخِذَ- قُفزانًا كَثيرةً ففُطِموا عن النَّساءِ، ثم فُطِموا عن بَيعِها مُتفاضِلًا يَدًا بيَدٍ، إذْ تَجُرُّهم حَلاوةُ الرِّبحِ وظَفَرِ الكَسبِ إلى التِّجارةِ فيها نَساءً، وهو عَينُ المَفسَدةِ، وهذا بخِلافِ الجِنسَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ، فإنَّ حَقائِقَهما وصِفاتِهما ومَقاصِدَهما مُختَلِفةٌ، ففي إلزامِهم المُساواةَ في بَيعِها إضرارٌ بهم، ولا يَفعَلونَه، وفي تَجويزِ النَّساءِ بينَها ذَريعةٌ إلى (إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُربيَ)، فكانَ مِنْ تَمامِ رِعايةِ مَصالِحِهم أنْ قَصَرَهم على بَيعِها يَدًا بيَدٍ، كَيفَ شاؤوا، فحَصَلتْ لَهم مَصلَحةُ المُبادَلةِ واندَفَعتْ عنهم مَفسَدةُ (إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُربيَ)، وهذا بخِلافِ ما إذا بِيعَتْ بالدَّراهِمِ، أو غيرِها مِنْ المَوزوناتِ نَساءً؛ فإنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، فلو مُنِعوا مِنه لَأضَرَّ بهم، ولَامتَنَعَ السَّلَمُ الذي هو مِنْ مَصالِحِهم فيما هم مُحتاجونَ إليه أكثَرَ مِنْ غيرِهم، والشَّريعةُ لا تَأتي بهذا، وليسَ بهم حاجةٌ إلى بَيعِ هذه الأصنافِ بَعضِها ببَعضٍ نَساءً، وهو ذَريعةٌ قَريبةٌ إلى مَفسَدةِ الرِّبا، فأُبيحَ لَهم في جَميعِ ذلك ما تَدعو إليه حاجَتُهم، وليسَ بذَريعةٍ إلى مَفسَدةٍ راجِحةٍ، ومُنِعوا ممَّا لا تَدعو الحاجةُ إليه، ويُتذرَّعُ به في الأغلَبِ إلى مَفسَدةٍ راجِحةٍ.
يُوضِّحُ ذلك أنَّ مَنْ عندَه صِنفٌ مِنْ هذه الأصنافِ وهو مُحتاجٌ إلى
стр. 3458
الصِّنفِ الآخَرِ، فإنَّه يَحتاجُ إلى بَيعِه بالدَّراهِمِ لِيَشتَريَ الصِّنفَ الآخَرَ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «بِعِ الجَمعَ بالدَّراهِمِ ثم اشتَرِ بالدَّراهِمِ جَنيبًا»، أو تَبيعُه بذلك الصِّنفِ نَفْسِه بما يُساوي، وعلى كِلا التَّقديرَيْنِ يَحتاجُ إلى بَيعِه حالًّا، بخِلافِ ما إذا مُكِّنَ مِنْ النَّساءِ، فإنَّه حينَئذٍ يَبيعُه بفَضلٍ، ويَحتاجُ إلى أنْ يَشتَريَ الصِّنفَ الآخَرَ بفَضلٍ؛ لأنَّ صاحِبَ ذلك الصِّنفِ يُرْبِي عليه كما أرْبَى هو على غيرِه، فيَنشَأُ مِنْ النَّساءِ تَضرُّرٌ بكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والنَّساءُ ههُنا في صِنفَيْنِ، وفي النَّوعِ الأوَّلِ في صِنفٍ واحِدٍ، وكِلاهُما مَنشَأُ الضَّرَرِ والفَسادِ.
وإذا تَأمَّلتَ ما حُرِّمَ فيه النَّساءُ رَأيتَه إمَّا صِنفًا واحِدًا أو صِنفَيْنِ مَقصودُهما واحِدٌ أو مُتقارِبٌ، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ والبُرِّ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ، فإذا تَباعَدتِ المَقاصِدُ لَم يُحرَّمِ النَّساءُ، كالبُرِّ والثِّيابِ والحَديدِ والزَّيتِ.
يُوضِّحُ ذلك أنَّه لو مُكِّنَ مِنْ بَيعِ مُدِّ حِنطةٍ بمُدَّيْنِ كانَ ذلك تِجارةً حاضِرةً، فتَطلُبُ النُّفوسُ التِّجارةَ المُؤخَّرةَ لِلَذَّةِ الكَسبِ وحَلاوَتِه، فمُنِعوا مِنْ ذلك حتى مُنِعوا مِنْ التَّفرُّقِ قبلَ القَبضِ؛ إتمامًا لِهذه الحِكمةِ، ورِعايةً لِهذه المَصلَحةِ، فإنَّ المُتعاقدَيْنِ قد يَتعاقَدانِ على الحُلولِ، والعادةُ جاريةٌ بصَبرِ أحَدِهما على الآخَرِ، وكما يَفعَلُ أربابُ الحِيَلِ يُطلِقونَ العَقدَ، وقد تَواطَؤوا على أمْرٍ آخَرَ، كما يُطلِقونَ عَقدَ النِّكاحِ، وقد اتَّفَقوا على التَّحليلِ، ويُطلِقونَ بَيعَ السِّلعةِ إلى أجَلٍ، وقد اتَّفَقوا على أنَّه يُعيدُها إليه بدُونِ ذلك الثَّمنِ، فلو جُوِّزَ لَهم التَّفرُّقُ قبلَ القَبضِ لَأطلَقوا البَيعَ حالًّا، وأخَّروا الطَّلَبَ لِأجْلِ الرِّبحِ، فيَقَعوا في المَحذورِ نَفْسِه.
стр. 3459
وسِرُّ المَسألةِ: أنَّهم مُنِعوا مِنْ التِّجارةِ في الأثمانِ بجِنسِها؛ لأنَّ ذلك يُفسِدُ عليهم مَقصودَ الأثمانِ، ومُنِعوا مِنْ التِّجارةِ في الأقواتِ بجِنسِها؛ لأنَّ ذلك يُفسِدُ عليهم مَقصودَ الأقواتِ، وهذا المَعنَى بعَينِه مَوجودٌ في بَيعِ التِّبرِ والعَينِ؛ لأنَّ التِّبرَ ليسَ فيه صَنعةٌ يُقصَدُ لِأجلِها، فهو بمَنزِلةِ الدَّراهِمِ التي قصَد الشارِعُ ألَّا يُفاضِلَ بينَها، ولِهذا قالَ ﷺ : «تِبْرُها وعَينُها سَواءٌ»، فظَهَرتْ حِكمةُ تَحريمِ رِبا النَّساءِ في الجِنسِ والجِنسَيْنِ، ورِبا الفَضلِ في الجِنسِ الواحِدِ، وأنَّ تَحريمَ هذا تَحريمُ المَقاصِدِ، وتَحريمَ الآخَرِ تَحريمُ الوَسائِلِ وسَدِّ الذَّرائِعِ، ولِهذا لَم يُبَحْ شَيءٌ مِنْ رِبا النَّسيئةِ (١).
عِلَّةُ تَحريمِ رِبا الفَضلِ في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ:
اختلَف الفُقهاءُ في عِلَّةِ تَحريمِ رِبا الفَضلِ في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، أي: الذَّهبِ والفِضَّةِ، على أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: أنَّ العِلَّةَ فيهِما كَونُهما مَوزونَيْنِ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ.
القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ وأحمدَ في رِوايةٍ أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في النَّقدَيْنِ الثَّمنيَّةُ، أي: كَونُهما ثَمَنَ الأشياءِ في الأغلَبِ في جَميعِ أقطارِ الدُّنيا، والعِلَّةُ فيهِما قاصِرةٌ عليهما -عندَ الشافِعيَّةِ وأحمدَ في رِوايةٍ- فيَختَصُّ بالذَّهبِ والفِضَّةِ؛ إذِ الثَّمنيَّةُ وَصفُ شَرَفٍ؛ إذ بها قِوامُ الأموالِ، فيَقتَضي التَّعليلَ بها، ولأنَّه لو كانَتِ العِلَّةُ في الأثمانِ الوَزنَ لَم يَجُزْ إسلامُهما
стр. 3460
في المَوزوناتِ؛ لأنَّ أحَدَ وَصفَيْ عِلَّةِ رِبا الفَضلِ يَكفي في تَحريمِ النَّساءِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا عِلَّةُ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ فمَذهبُ الشافِعيِّ أنَّها جِنسُ الأثمانِ في الأغلَبِ، وقالَ بَعضُ أصحابِنا: قِيمُ المُتلَفاتِ في الأغلَبِ، ومِن أصحابِنا مَنْ جَمعَهما، وكُلُّ ذلك قَريبٌ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: العِلَّةُ فيهما أنَّه مَوزونُ جِنسٍ، فجعَل عِلَّةَ الذَّهبِ والفِضَّةِ الوَزنَ، كما جعَل عِلَّةَ البُرِّ والشَّعيرِ الكَيلَ، ودَلائِلُه في المَسألَتَيْنِ مُشترَكةٌ، ثم خَصَّ الِاحتِجاجَ في هذه المَسألةِ بتَرجيحِ عِلَّتِه، وإفسادِ عِلَّتِنا.
واحتُجَّ لِذلك بثَلاثةِ أشياءَ:
أحَدُها: أنَّ ثُبوتَ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ مُستَفادٌ بالنَّصِّ، ولا فائِدةَ في استِنباطِ عِلَّةٍ يُستَفادُ مِنها حُكمُ أصلِها، حتى لا يَتعَدَّى إلى غيرِها، والتَّعليلُ بالوَزنِ مُتعَدٍّ، وبِالأثمانِ غيرُ مُتعَدٍّ.
الثَّاني: أنَّه لو جازَ تَعليلُ الذَّهبِ والفِضَّةِ بكَونِهما ثَمَنًا -وذلك غيرُ مُتعَدٍّ- لَجازَ تَعليلُهما بكَونِهما فِضَّةً وذَهَبًا، فلمَّا لَم يَجُزْ أنْ يُعلَّلَ الذَّهبُ بكَونِه ذَهَبًا، ولا الفِضَّةُ بكَونِها فِضَّةً؛ لعَدمِ التَّعَدِّي، لَم يَجُزْ أنْ يُعَلَّلا بكَونِهما ثَمَنًا لعَدمِ التَّعَدِّي.
والثَّالثُ: أنَّ التَّعليلَ بالأثمانِ مُنتَقَضٌ في الطَّردِ، وفي العَكسِ، فنُقِضَ طَردُه بالفُلوسِ، وهي أثمانٌ في بَعضِ البُلدانِ، ولا رِبا فيها عندَكم، ونُقِضَ عَكسًا بأواني الذَّهبِ والفِضَّةِ، ليسَتْ أثمانًا، وفيها الرِّبا، والتَّعليلُ بالوَزنِ مُستمِرٌّ لا يُعارِضُه نَقضٌ في طَردٍ ولا عَكسٍ.
стр. 3461
والدَّليلُ على صِحَّةِ عِلَّتِنا وفَسادِ عِلَّتِه مع ما قَدَّمْنا مِنْ الدَّليلِ مِنْ قَبلِه ثَلاثةُ أشياءَ:
أحَدُها: أنَّ التَّعليلَ بالوَزنِ يُثبِتُ الرِّبا في المَوزونِ مِنْ الصُّفرِ والنُّحاسِ والقُطنِ والكَتَّانِ، ولو ثبَت فيه الرِّبا بعِلَّةِ الوَزنِ كما ثبَت في الذَّهبِ والفِضَّةِ بهذه العِلَّةِ لَوجَب أنْ يَستَويَ حُكمُ مَعمولِه ومَكسورِه في تَحريمِ التَّفاضُلِ فيه، كما استَوَى حُكمُ مَعمولِ الذَّهبِ والفِضَّةِ ومَكسورِه في تَحريمِ التَّفاضُلِ فيه، فلمَّا جَوَّزوا التَّفاضُلَ في مَعمولِ الصُّفرِ والنُّحاسِ دونَ مَكسورِه وتِبْرِه حتى أباحوا بَيعَ طَشتٍ بطَشتَيْنِ، وسَيفٍ بسَيفَيْنِ، ولَم يُجَوِّزوا التَّفاضُلَ في مَعمولِ الفِضَّةِ والذَّهبِ، ومَنَعوا مِنْ بَيعِ خاتَمٍ بخاتَمَيْنِ، وسِوارٍ بسِوارَيْنِ، دَلَّ على افتِراقِهِما في العِلَّةِ واختِلافِهما في الحُكمِ، ولو اتَّفَقا في العِلَّةِ لاستَوَيا في الحُكمِ، فبطَل أنْ يَكونَ الوَزنُ عِلَّةَ الحُكمِ.
والثَّاني: أنَّه لو كانَ الوَزنُ في الذَّهبِ والفِضَّةِ عِلَّةً يثبُتُ بها الرِّبا في مَوزونِ الصُّفرِ والنُّحاسِ لَوجَب أنْ يُمنَعَ مِنْ إسلامِ الذَّهبِ والفِضَّةِ في الصُّفرِ والنُّحاسِ؛ لِاتِّفاقِهما في عِلَّةِ الرِّبا، كما مُنِعَ مِنْ إسلامِ الفِضَّةِ في الذَّهبِ، لِاتِّفاقِهما في عِلَّةِ الرِّبا … فلمَّا جازَ إسلامُ الذَّهبِ والفِضَّةِ مِنْ الصُّفرِ والنُّحاسِ، ولَم يَجُزْ إسلامُ الفِضَّةِ في الذَّهبِ، دَلَّ على افتِراقٍ لِلحُكمِ بينَ الفِضَّةِ والذَّهبِ، وبينَ الصُّفرِ والنُّحاسِ في عِلَّةِ الرِّبا، فبطَل أنْ يَكونَ الوَزنُ عِلَّةَ الرِّبا، وهَذانِ الدَّليلانِ احتَجَّ بهِما الشافِعيُّ ﵀ في إبطالِ الوَزنِ أنْ يَكونَ عِلَّةَ الرِّبا.
стр. 3462
والثَّالثُ: أنَّ الأُصولَ مُقَرَّرةٌ على أنَّ الحُكمَ إذا عُلِّقَ على الذَّهبِ والفِضَّةِ اختَصَّ بهِما، ولَم يَقِسْ غيرَهما عليهما، ألَا تَرَى أنَّ الزَّكاةَ لمَّا تَعلَّقتْ بهِما لَم تَتعَدَّ إلى غيرِهما مِنْ صُفرٍ أو نُحاسٍ أو شَيءٍ مِنْ المَوزوناتِ، ولمَّا حُرِّمَ الشُّربُ في أواني الفِضَّةِ والذَّهبِ اختَصَّ النَّهيُ بهِما دونَ سائِرِ الأواني مِنْ غيرِهما، كذلك وجَب أنْ يَكونَ الرِّبا المُعلَّقَ عليهما مُختَصًّا بهِما، وأنَّ العِلَّةَ فيهما غيرُ مُتعدِّيةٍ إلى غيرِهما (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا الدَّراهِمُ والدَّنانيرُ، فقالَتْ طائِفةٌ: العِلَّةُ فيهما كَونُهما مَوزونَيْنِ، وهذا مَذهبُ أحمدَ في إحدَى الرِّوايتَينِ عنه، ومَذهبُ أبي حَنيفةَ.
وطائِفةٌ قالَتِ: العِلَّةُ فيهِما الثَّمنيَّةُ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ ومالِكٍ وأحمدَ في الرِّوايةِ الأُخرَى، وهذا هو الصَّحيحُ، بَلِ الصَّوابُ، فإنَّهم أجمَعوا على جَوازِ إسلامِهما في المَوزوناتِ مِنْ النُّحاسِ والحَديدِ وغيرِهما، فلو كانَ النُّحاسُ والحَديدُ رِبَويَّيْنِ لَم يَجُزْ بَيعُهما إلى أجَلٍ بدَراهِمَ نَقدًا، فإنَّ ما يَجري فيه الرِّبا إذا اختلَف جِنسُه جازَ التَّفاضُلُ فيه دونَ النَّساءِ، والعِلَّةُ إذا انتَقَضتْ مِنْ غيرِ فَرقٍ مُؤثِّرٍ دَلَّ ذلك على بُطلانِها.
وأيضًا التَّعليلُ بالوَزنِ ليسَ فيه مُناسَبةٌ، فهو طَردٌ مَحضٌ، بخِلافِ التَّعليلِ بالثَّمنيَّةِ، فإنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ أثمانُ المَبيعاتِ، والثَّمنَ هو المِعيارُ الذي به يُعرَفُ تَقويمُ الأموالِ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ مَحدودًا مَضبوطًا
стр. 3463
لا يَرتفِعُ ولا يَنخفِضُ؛ إذْ لو كانَ الثَّمنُ يَرتفِعُ ويَنخفِضُ كالسِّلَعِ لَم يَكُنْ لنا ثَمَنٌ نَعتبِرُ به المَبيعاتِ، بَلِ الجَميعُ سِلَعٌ، وحاجةُ النَّاسِ إلى ثَمَنٍ يَعتبِرونَ به المَبيعاتِ حاجةٌ ضَروريَّةٌ عامَّةٌ، وذلك لا يُمكِنُ إلَّا بسِعرٍ تُعرَفُ به القِيمةُ، وذلك لا يَكونُ إلَّا بثَمَنٍ تُقوَّمُ به الأشياءُ ويَستمِرُّ على حالةٍ واحِدةٍ، ولا يَقومُ هو بغيرِه؛ إذ يَصيرُ سِلعةً يَرتفِعُ ويَنخفِضُ، فتَفسُدُ مُعامَلاتُ النَّاسِ، ويقعُ الخُلفُ ويَشتَدُّ الضَّرَرُ، كما رَأيتَ مِنْ فَسادِ مُعامَلاتِهم والضَّرَرِ اللَّاحِقِ بهم حينَ اتُّخِذَتِ الفُلوسُ سِلعةً تُعَدُّ لِلرِّبحِ، فعَمَّ الضَّرَرُ، وحصَل الظُّلمُ، ولو جُعِلَتْ ثَمَنًا واحِدًا لا يَزدادُ ولا يَنقُصُ، بَلْ تَقومُ به الأشياءُ، ولا تَقومُ هي بغيرِها، لَصَلُحَ أمْرُ النَّاسِ، فلو أُبيحَ رِبا الفَضلِ في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، مثلَ أنْ يُعطيَ صِحاحًا ويَأخُذَ مُكسَّرةً، أو خِفافًا ويَأخُذَ ثِقالًا أكثَرَ مِنها، لَصارَتْ مُتَّجَرًا، أو جَرَّ ذلك إلى رِبا النَّسيئةِ فيها، ولا بدَّ، فالأثمانُ لا تُقصَدُ لِأعيانِها، بَلْ يُقصَدُ التَّوصُّلُ بها إلى السِّلَعِ، فإذا صارَتْ في أنْفُسِها سِلَعًا تُقصَدُ لِأعيانِها فسَد أمْرُ النَّاسِ، وهذا مَعنًى مَعقولٌ يَختَصُّ بالنُّقودِ، لا يَتعَدَّى إلى سائِرِ المَوزوناتِ (١).
وقالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: والأظهَرُ أنَّ العِلَّةَ في ذلك هو الثَّمنيَّةُ، لا الوَزنُ، كما قالَه جُمهورُ العُلماءِ، ولا يَحرُمُ التَّفاضُلُ في سائِرِ المَوزوناتِ، كالرَّصاصِ والحَديدِ والحَريرِ والقُطنِ والكَتَّانِ.
стр. 3464
وممَّا يَدلُّ على ذلك اتِّفاقُ العُلماءِ على جَوازِ إسلامِ النَّقدَيْنِ في المَوزوناتِ، وهذا بَيعُ مَوزونٍ بمَوزونٍ إلى أجَلٍ، فلو كانَتِ العِلَّةُ الوَزنَ لَم يَجُزْ هذا، والمُنازِعُ يَقولُ: جَوازُ هذا استِحسانٌ، وهو نَقيضٌ لِلعِلَّةِ. ويَقولُ: إنَّه جُوِّزَ هذا لِلحاجةِ؛ مع أنَّ القياسَ تَحريمُه، فيَلزَمُه أنْ يَجعَلَ العِلَّةَ الرِّبا بما ذكَره. وذلك خِلافُ قَولِه. وتَخصيصُ العِلَّةِ الذي قد سُمِّيَ استِحسانًا -إنْ لَم يُبيَّنْ- دَليلٌ شَرعيٌّ يُوجِبُ تَعليقَ الحُكمِ لِلعِلَّةِ المَذكورةِ، واختِصاصَ صُورةِ التَّخصيصِ بمَعنًى يَمنَعُ ثُبوتَ الحُكمِ مِنْ جِهةِ الشَّرعِ، والأحاديثِ، وإلَّا كانَتِ العِلَّةُ فاسِدةً.
والتَّعليلُ بالثَّمنيَّةِ تَعليلٌ بوَصفٍ مُناسِبٍ؛ فإنَّ المَقصودَ مِنْ الأثمانِ أنْ تَكونَ مِعيارًا لِلأموالِ يُتوسَّلُ بها إلى مَعرِفةِ مَقاديرِ الأموالِ، ولا يُقصَدُ الِانتِفاعُ بعَينِها، فمَتَى بِيعَ بَعضُها ببَعضٍ إلى أجَلٍ قُصِدَ بها التِّجارةُ التي تُناقِضُ مَقصودَ الثَّمنيَّةِ، واشتِراطُ الحُلولِ والتَّقابُضِ فيها هو تَكميلٌ لِمَقصودِها مِنْ التَّوسُّلِ بها إلى تَحصيلِ المَطالِبِ؛ فإنَّ ذلك إنَّما يَحصُلُ بقَبضِها، لا بثُبوتِها في الذِّمَّةِ، مع أنَّها ثَمَنٌ مِنْ طَرَفَيْنِ، فنهَى الشارِعُ أنْ يُباعَ ثَمَنٌ بثَمَنٍ إلى أجَلٍ، فإذا صارَتِ الفُلوسُ أثمانًا صارَ فيها المَعنَى، فلا يُباعُ ثَمَنٌ بثَمَنٍ إلى أجَلٍ (١).
стр. 3465
الرِّبا في الفُلوسِ:
الفُلوسُ: هي كلُّ ما يَتَّخِذُه النَّاسُ قِيمةً لِلأشياءِ مِنْ سائِرِ المَعادِنِ، عَدا الذَّهبِ والفِضَّةِ، كالحَديدِ والنُّحاسِ وغيرِهما (١).
واتَّفق الفُقهاءُ على جَوازِ البَيعِ بالفُلوسِ؛ لأنَّها أموالٌ مُتقوَّمةٌ مَعلومةٌ.
وقد اختلَف الفُقهاءُ، كما تَقدَّمَ في عِلَّةِ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ، هل هي كَونُهما مَوزونَيْنِ أو كَونُهما ثَمَنًا لِلأشياءِ، أو كَونُهما جِنسَ الأثمانِ في الأغلَبِ؟
وأغلَبُ الفُقهاءِ لَم يُجْرِ الفُلوسَ مَجرَى الذَّهبِ والفِضَّةِ، فقالوا بجَوازِ التَّفاضُلِ فيها والنَّساءِ، فإذا صُرِفتِ الفُلوسُ النَّافِقةُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ نَساءً، أو صُرِفتِ الفُلوسُ بالفُلوسِ تَفاضُلًا جازَ، وهذا قَولُ جُمهورِ العُلماءِ، الحَنفيَّةُ- ما عَدا مُحمَّدًا- والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في أحَدِ القَولَيْنِ، فلا رِبا في فُلوسٍ يُتعامَلُ بها عَدَدًا، ولو كانَتْ نافِقةً (٢)؛ لِخُروجِها عن الكَيلِ
стр. 3466
والوَزنِ، وعَدَمِ النَّصِّ والإجماعِ في ذلك، كما قالَ البُهوتيُّ (١)، ولأنَّ عِلَّةَ حُرمةِ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ الثَّمنيَّةُ الغالِبةُ التي يُعبَّرُ عنها - أيضًا- بجَوهَريَّةِ الأثمانِ، وهي مُنتَفيةٌ عن الفُلوسِ، وإنْ راجَتْ، كما قالَ الشافِعيَّةُ.
وعَدَّ الشافِعيَّةُ الفُلوسَ مِنْ العُروضِ، وإنْ كانَتْ نافِقةً.
قالَ الغَزاليُّ ﵀: أمَّا الفُلوسُ إنْ راجَتْ رَواجَ النُّقودِ فالصَّحيحُ أنَّها كالعُروضِ (٢).
وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: ولو راجَتِ الفُلوسُ رَواجَ النُّقودِ فهل تُعطَى حُكمَها في بابِ الرِّبا؟ وَجهانِ، أصَحُّهما: لا؛ اعتِبارًا بالأغلَبِ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُ ﵀: فَرعٌ: ذَكَرْنا أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ عندَنا كَونُهما جِنسَ الأثمانِ غالِبًا، قالَ أصحابُنا: وقَولُنا (غالِبًا) احتِرازٌ مِنْ الفُلوسِ إذا راجَتْ رَواجَ النُّقودِ، كما قَدَّمْناه، ويَدخُلُ فيه الأواني والتِّبرُ، وغيرُ ذلك، فهذه العِبارةُ هي الصَّحيحةُ عندَ الأصحابِ، وهي التي نقَلها الماوَرديُّ وغيرُه عن نَصِّ الشافِعيِّ.
قالَ الماوَرديُّ: ومِن أصحابِنا مَنْ يَقولُ: العِلَّةُ كَونُهما قِيَمَ المُتلَفاتِ،
стр. 3467
قالَ: ومِن أصحابِنا مَنْ جَمَعَهما، قالَ: وكُلُّه قَريبٌ، وجَزَمَ المُصنِّفُ في التَّنبيهِ بأنَّهما قِيَمُ الأشياءِ، وأنكَرَه القاضي أبو الطَّيِّبِ وغيرُه، على ما قالَه مِنْ أصحابِنا، قالوا: لأنَّ الأوانيَ والتِّبرَ والحُلِيَّ يَجري فيها الرِّبا، وليسَتْ ممَّا يُقوَّمُ بها، ولنا وَجْهٌ ضَعيفٌ غَريبٌ: أنَّ تَحريمَ الرِّبا فيهما بعَينِهما، لا لِعِلَّةٍ، حَكاه المُتوَلِّي وغيرُه.
فَرعٌ: إذا راجَتِ الفُلوسُ رَواجَ النُّقودِ لَم يَحرُمِ الرِّبا فيها، هذا هو الصَّحيحُ المَنصوصُ عليه، وبِه قطَع المُصنِّفُ والجُمهورُ، وفيه وَجْهٌ شاذٌّ: أنَّه يَحرُمُ، حَكاه الخُراسانيُّونَ.
وأمَّا ما سِواها مِنْ المَوزوناتِ، كالحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والقُطنِ والكَتَّانِ والصُّوفِ والغَزَلِ وغيرِها، فلا رِبا فيها عندَنا، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا ومُؤجَّلًا، ولا خِلافَ في شَيءٍ مِنْ هذا عندَنا إلَّا وَجهًا حَكاه المُتوَلِّي والرَّافِعيُّ عن أبي بَكرٍ الأودَنِيِّ مِنْ أصحابِنا المُتقدِّمينَ أنَّه قالَ: لا يَجوزُ بَيعُ مالٍ بجِنسِه مُتفاضِلًا، سَواءٌ أكانَ مَطعومًا أم نَقدًا أم غيرَهما، وهذا شاذٌّ ضَعيفٌ (١).
ووَجهُه عندَ الحَنفيَّةِ: أنَّ عِلَّةَ الرِّبا هي القَدْرُ مع الجِنسِ، وهو الكَيلُ أو الوَزنُ المُتَّفقُ عندَ اتِّحادِ الجِنسِ والمُجانَسةِ، وإنْ وُجِدتْ ههُنا لَم يُوجَدِ القَدْرُ؛ لأنَّ الفُلوسَ تُباعُ بالعَدَدِ، وهذا إذا وقَع البَيعُ بأعيانِها.
وعلى ذلك يَجوزُ بَيعُ الفُلوسِ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا، كما يَجوزُ بَيعُ
стр. 3468
بَيضةٍ ببَيضَتَيْنِ، وجَوزةٍ بجَوزَتَيْنِ، وسِكِّينٍ بسِكِّينَيْنِ، ونَحوِ ذلك، إذا كانَ يَدًا بيَدٍ.
هَذا وقد فَصَّلَ الحَنفيَّةُ فقالوا: يَجوزُ بَيعُ الفِلسِ بالفِلسَيْنِ بأعيانِهما، عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، إذا لَم يَكُنْ كِلاهُما أو أحَدُهما دَيْنًا؛ لأنَّ الثَّمنيَّةَ في حَقِّهِما تَثبُتُ باصطِلاحِهما؛ إذ لا وِلايةَ لِلغيرِ عليهما، فتَبطُلُ باصطِلاحِهما، وإذا بَطَلتِ الثَّمنيَّةُ تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، ولا يَعودُ وَزنيًّا؛ لِبَقاءِ الِاصطِلاحِ على العَدِّ؛ إذ في نَقضِه في حَقِّ العَدِّ فَسادُ العَقدِ، فصارَ كالجَوزةِ بالجَوزَتَيْنِ، بخِلافِ النُّقودِ؛ لأنَّها لِلثَّمَنيَّةِ خِلقةً، وبِخِلافِ ما إذا كانا بغيرِ أعيانِهما؛ لأنَّه كالِئٌ بالكالِئِ، وقد نُهيَ عنه، وبِخِلافِ ما إذا كانَ أحَدُهما بغيرِ عَينِه؛ لأنَّ الجِنسَ بانفِرادِه يُحرِّمُ النَّسَاءَ.
وصُوَرُ بَيعِ الفِلسِ بجِنسِه عندَ الحَنفيَّةِ أربَعٌ:
الأُولَى: أنْ يَبيعَ فِلسًا بغيرِ عَينِه بفِلسَيْنِ بغيرِ عَيْنَيْهما فلا يَجوزُ؛ لأنَّ الفُلوسَ الرَّائِجةَ أمثالٌ مُتَساويةٌ -قَطعًا-؛ لِاصطِلاحِ النَّاسِ على سُقوطِ قِيمةِ الجَودةِ مِنها، فيَكونُ أحَدُهما فَضلًا خاليًا مَشروطًا في العَقدِ، وهو الرِّبا.
الثَّانيةُ: أنْ يَبيعَ فِلسًا بعَينِه بفِلسَيْنِ بغيرِ عَينَيْهما فلا يَجوزُ -أيضًا-، وإلَّا أمسَكَ البائِعُ الفِلسَ المُعيَّنَ وقبَضه بعَينِه مِنه مع فِلسٍ آخَرَ، لِاستِحقاقِه فِلسَيْنِ في ذِمَّتِه، فيَرجِعُ إليه عَينُ مالِه، ويَبقَى الفِلسُ الآخَرُ خاليًا عن العِوَضِ.
стр. 3469
الثَّالثةُ: أنْ يَبيعَ فِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما بفِلسٍ بغيرِ عَينِه، فلا يَجوزُ كذلك؛ لأنَّه لو جازَ لَقبَض المُشتَرِي الفِلسَيْنِ، ودَفَعَ إليه أحَدَهما مَكانَ ما استَوجَبَ عليه؛ فيَبقَى الآخَرُ فَضلًا بلا عِوَضٍ استُحِقَّ بعَقدِ البَيعِ، وهذا إذا رَضيَ بتَسليمِ المَبيعِ قبلَ قَبضِ الثَّمنِ.
الرَّابِعةُ: أنْ يَبيعَ فِلسًا بعَينِه بفِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما، فيَجوزُ عندَهُما، خِلافًا لِمُحمَّدٍ، وهي مَسألَتُنا هذه (١).
وذهَب مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ وهو مَشهورُ قَولِ المالِكيَّةِ -كما في المُدوَّنةِ- والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وهو وَجْهٌ لِلشافِعيَّةِ واختيارُ ابنِ حَجَرٍ الهَيتَميِّ مِنهم إلى المَنعِ مِنْ ذلك، فلا يَجوزُ فيها التَّفاضُلُ.
واستَدلَّ الحَنفيَّةُ لقولِ مُحمَّدٍ بعَدَمِ الجَوازِ بأنَّ الفُلوسَ أثمانٌ، فلا يَجوزُ بَيعُها بجِنسِها مُتفاضِلًا، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، ودِلالةُ الوَصفِ عِبارةٌ عَمَّا تُقدَّرُ به ماليَّةُ الأعيانِ، وماليَّةُ الأعيانِ كما تُقدَّرُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ تُقدَّرُ بالفُلوسِ أيضًا، فكانَتْ أثمانًا، والثَّمنُ لا يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فالتَحَقَ التَّعيينُ فيهما بالعَدَمِ، فلا يَجوزُ بَيعُ فِلسٍ بفِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما، كما لا يَجوزُ بغيرِ عَيْنَيْهما.
ولأنَّها إذا كانَتْ أثمانًا فالواحِدُ يُقابِلُ الواحِدَ، فبَقيَ الآخَرُ فَضلَ مالٍ لا يُقابِلُه عِوَضٌ في عَقدِ المُعاوَضةِ، وهذا تَفسيرُ الرِّبا، كما حَرَّرَه الكاسانيُّ.
стр. 3470
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ويَجوزُ بَيعُ المَعدوداتِ المُتَقارِبةِ مِنْ غيرِ المَطعوماتِ بجِنسِها مُتفاضِلًا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، بعدَ أنْ يَكونَ يَدًا بيَدٍ، كَبَيعِ الفِلسِ بالفِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما وعندَ مُحمَّدٍ لا يَجوزُ.
وَجْهُ قَولِه: إنَّ الفُلوسَ أثمانٌ، فلا يَجوزُ بَيعُها بجِنسِها مُتفاضِلًا، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، ودِلالةُ الوَصفِ عِبارةٌ عَمَّا تُقدَّرُ به ماليَّةُ الأعيانِ، وماليَّةُ الأعيانِ كما تُقدَّرُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ تُقدَّرُ بالفُلوسِ، فكانَتْ أثمانًا، ولِهذا كانَتْ أثمانًا عندَ مُقابَلَتِها بخِلافِ جِنسِها، وعندَ مُقابَلَتِها بجِنسِها حالَّةً تَكونُ المُساواةُ، وإنْ كانَتْ ثَمَنًا فالثَّمنُ لا يَتعيَّنُ، وإنْ عُيِّنَ كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ التَحَقَ التَّعيينُ فيهِما بالعَدَمِ، فكانَ بَيعُ الفِلسِ بالفِلسَيْنِ بغيرِ عَيْنَيْهما، وذا لا يَجوزُ، ولأنَّها إذا كانَتْ أثمانًا فالواحِدُ يُقابِلُ الواحِدَ، فبَقيَ الآخَرُ فَضلَ مالٍ لا يُقابِلُه عِوَضٌ في عَقدِ المُعاوَضةِ، وهذا تَفسيرُ الرِّبا.
ولَهُما أنَّ عِلَّةَ رِبا الفَضلِ هي القَدْرُ مع الجِنسِ، وهو الكَيلُ، أو الوَزنُ المُتَّفقُ عندَ اتِّحادِ الجِنسِ والمُجانَسةِ إنْ وُجِدتْ هَهُنا، فلَم يُوجَدِ القَدرُ، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا.
وقَولُه: «الفُلوسُ أثمانٌ»، قُلْنا: ثَمَنيَّتُها قد بَطَلتْ في حَقِّهما قبلَ البَيعِ، فالبَيعُ صادَفَها وهي سِلَعٌ عَدَديَّةٌ، فيَجوزُ بَيعُ الواحِدِ بالِاثنَينِ، كسائِرِ السِّلَعِ العَدَديَّةِ كالقَماقِمِ العَدَديَّةِ وغيرِها، إلَّا أنَّها بَقيتْ أثمانًا عندَ مُقابَلَتِها بخِلافِ جِنسِها وبِجِنسِها حالَّةً تَكونُ المُساواةُ؛ لأنَّ خُروجَها عن وَصفِ الثَّمنيَّةِ كانَ لِضرورةِ صِحَّةِ العَقدِ وجَوازِه؛ لأنَّهما قصَدا الصِّحَّةَ، ولا صِحَّةَ إلَّا بما قُلْنا،