والوَزنِ، وعَدَمِ النَّصِّ والإجماعِ في ذلك، كما قالَ البُهوتيُّ (١)، ولأنَّ عِلَّةَ حُرمةِ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ الثَّمنيَّةُ الغالِبةُ التي يُعبَّرُ عنها - أيضًا- بجَوهَريَّةِ الأثمانِ، وهي مُنتَفيةٌ عن الفُلوسِ، وإنْ راجَتْ، كما قالَ الشافِعيَّةُ.
وعَدَّ الشافِعيَّةُ الفُلوسَ مِنْ العُروضِ، وإنْ كانَتْ نافِقةً.
قالَ الغَزاليُّ ﵀: أمَّا الفُلوسُ إنْ راجَتْ رَواجَ النُّقودِ فالصَّحيحُ أنَّها كالعُروضِ (٢).
وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: ولو راجَتِ الفُلوسُ رَواجَ النُّقودِ فهل تُعطَى حُكمَها في بابِ الرِّبا؟ وَجهانِ، أصَحُّهما: لا؛ اعتِبارًا بالأغلَبِ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُ ﵀: فَرعٌ: ذَكَرْنا أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في الذَّهبِ والفِضَّةِ عندَنا كَونُهما جِنسَ الأثمانِ غالِبًا، قالَ أصحابُنا: وقَولُنا (غالِبًا) احتِرازٌ مِنْ الفُلوسِ إذا راجَتْ رَواجَ النُّقودِ، كما قَدَّمْناه، ويَدخُلُ فيه الأواني والتِّبرُ، وغيرُ ذلك، فهذه العِبارةُ هي الصَّحيحةُ عندَ الأصحابِ، وهي التي نقَلها الماوَرديُّ وغيرُه عن نَصِّ الشافِعيِّ.
قالَ الماوَرديُّ: ومِن أصحابِنا مَنْ يَقولُ: العِلَّةُ كَونُهما قِيَمَ المُتلَفاتِ،
стр. 3467
قالَ: ومِن أصحابِنا مَنْ جَمَعَهما، قالَ: وكُلُّه قَريبٌ، وجَزَمَ المُصنِّفُ في التَّنبيهِ بأنَّهما قِيَمُ الأشياءِ، وأنكَرَه القاضي أبو الطَّيِّبِ وغيرُه، على ما قالَه مِنْ أصحابِنا، قالوا: لأنَّ الأوانيَ والتِّبرَ والحُلِيَّ يَجري فيها الرِّبا، وليسَتْ ممَّا يُقوَّمُ بها، ولنا وَجْهٌ ضَعيفٌ غَريبٌ: أنَّ تَحريمَ الرِّبا فيهما بعَينِهما، لا لِعِلَّةٍ، حَكاه المُتوَلِّي وغيرُه.
فَرعٌ: إذا راجَتِ الفُلوسُ رَواجَ النُّقودِ لَم يَحرُمِ الرِّبا فيها، هذا هو الصَّحيحُ المَنصوصُ عليه، وبِه قطَع المُصنِّفُ والجُمهورُ، وفيه وَجْهٌ شاذٌّ: أنَّه يَحرُمُ، حَكاه الخُراسانيُّونَ.
وأمَّا ما سِواها مِنْ المَوزوناتِ، كالحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والقُطنِ والكَتَّانِ والصُّوفِ والغَزَلِ وغيرِها، فلا رِبا فيها عندَنا، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا ومُؤجَّلًا، ولا خِلافَ في شَيءٍ مِنْ هذا عندَنا إلَّا وَجهًا حَكاه المُتوَلِّي والرَّافِعيُّ عن أبي بَكرٍ الأودَنِيِّ مِنْ أصحابِنا المُتقدِّمينَ أنَّه قالَ: لا يَجوزُ بَيعُ مالٍ بجِنسِه مُتفاضِلًا، سَواءٌ أكانَ مَطعومًا أم نَقدًا أم غيرَهما، وهذا شاذٌّ ضَعيفٌ (١).
ووَجهُه عندَ الحَنفيَّةِ: أنَّ عِلَّةَ الرِّبا هي القَدْرُ مع الجِنسِ، وهو الكَيلُ أو الوَزنُ المُتَّفقُ عندَ اتِّحادِ الجِنسِ والمُجانَسةِ، وإنْ وُجِدتْ ههُنا لَم يُوجَدِ القَدْرُ؛ لأنَّ الفُلوسَ تُباعُ بالعَدَدِ، وهذا إذا وقَع البَيعُ بأعيانِها.
وعلى ذلك يَجوزُ بَيعُ الفُلوسِ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا، كما يَجوزُ بَيعُ
стр. 3468
بَيضةٍ ببَيضَتَيْنِ، وجَوزةٍ بجَوزَتَيْنِ، وسِكِّينٍ بسِكِّينَيْنِ، ونَحوِ ذلك، إذا كانَ يَدًا بيَدٍ.
هَذا وقد فَصَّلَ الحَنفيَّةُ فقالوا: يَجوزُ بَيعُ الفِلسِ بالفِلسَيْنِ بأعيانِهما، عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، إذا لَم يَكُنْ كِلاهُما أو أحَدُهما دَيْنًا؛ لأنَّ الثَّمنيَّةَ في حَقِّهِما تَثبُتُ باصطِلاحِهما؛ إذ لا وِلايةَ لِلغيرِ عليهما، فتَبطُلُ باصطِلاحِهما، وإذا بَطَلتِ الثَّمنيَّةُ تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، ولا يَعودُ وَزنيًّا؛ لِبَقاءِ الِاصطِلاحِ على العَدِّ؛ إذ في نَقضِه في حَقِّ العَدِّ فَسادُ العَقدِ، فصارَ كالجَوزةِ بالجَوزَتَيْنِ، بخِلافِ النُّقودِ؛ لأنَّها لِلثَّمَنيَّةِ خِلقةً، وبِخِلافِ ما إذا كانا بغيرِ أعيانِهما؛ لأنَّه كالِئٌ بالكالِئِ، وقد نُهيَ عنه، وبِخِلافِ ما إذا كانَ أحَدُهما بغيرِ عَينِه؛ لأنَّ الجِنسَ بانفِرادِه يُحرِّمُ النَّسَاءَ.
وصُوَرُ بَيعِ الفِلسِ بجِنسِه عندَ الحَنفيَّةِ أربَعٌ:
الأُولَى: أنْ يَبيعَ فِلسًا بغيرِ عَينِه بفِلسَيْنِ بغيرِ عَيْنَيْهما فلا يَجوزُ؛ لأنَّ الفُلوسَ الرَّائِجةَ أمثالٌ مُتَساويةٌ -قَطعًا-؛ لِاصطِلاحِ النَّاسِ على سُقوطِ قِيمةِ الجَودةِ مِنها، فيَكونُ أحَدُهما فَضلًا خاليًا مَشروطًا في العَقدِ، وهو الرِّبا.
الثَّانيةُ: أنْ يَبيعَ فِلسًا بعَينِه بفِلسَيْنِ بغيرِ عَينَيْهما فلا يَجوزُ -أيضًا-، وإلَّا أمسَكَ البائِعُ الفِلسَ المُعيَّنَ وقبَضه بعَينِه مِنه مع فِلسٍ آخَرَ، لِاستِحقاقِه فِلسَيْنِ في ذِمَّتِه، فيَرجِعُ إليه عَينُ مالِه، ويَبقَى الفِلسُ الآخَرُ خاليًا عن العِوَضِ.
стр. 3469
الثَّالثةُ: أنْ يَبيعَ فِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما بفِلسٍ بغيرِ عَينِه، فلا يَجوزُ كذلك؛ لأنَّه لو جازَ لَقبَض المُشتَرِي الفِلسَيْنِ، ودَفَعَ إليه أحَدَهما مَكانَ ما استَوجَبَ عليه؛ فيَبقَى الآخَرُ فَضلًا بلا عِوَضٍ استُحِقَّ بعَقدِ البَيعِ، وهذا إذا رَضيَ بتَسليمِ المَبيعِ قبلَ قَبضِ الثَّمنِ.
الرَّابِعةُ: أنْ يَبيعَ فِلسًا بعَينِه بفِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما، فيَجوزُ عندَهُما، خِلافًا لِمُحمَّدٍ، وهي مَسألَتُنا هذه (١).
وذهَب مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ وهو مَشهورُ قَولِ المالِكيَّةِ -كما في المُدوَّنةِ- والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وهو وَجْهٌ لِلشافِعيَّةِ واختيارُ ابنِ حَجَرٍ الهَيتَميِّ مِنهم إلى المَنعِ مِنْ ذلك، فلا يَجوزُ فيها التَّفاضُلُ.
واستَدلَّ الحَنفيَّةُ لقولِ مُحمَّدٍ بعَدَمِ الجَوازِ بأنَّ الفُلوسَ أثمانٌ، فلا يَجوزُ بَيعُها بجِنسِها مُتفاضِلًا، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، ودِلالةُ الوَصفِ عِبارةٌ عَمَّا تُقدَّرُ به ماليَّةُ الأعيانِ، وماليَّةُ الأعيانِ كما تُقدَّرُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ تُقدَّرُ بالفُلوسِ أيضًا، فكانَتْ أثمانًا، والثَّمنُ لا يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فالتَحَقَ التَّعيينُ فيهما بالعَدَمِ، فلا يَجوزُ بَيعُ فِلسٍ بفِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما، كما لا يَجوزُ بغيرِ عَيْنَيْهما.
ولأنَّها إذا كانَتْ أثمانًا فالواحِدُ يُقابِلُ الواحِدَ، فبَقيَ الآخَرُ فَضلَ مالٍ لا يُقابِلُه عِوَضٌ في عَقدِ المُعاوَضةِ، وهذا تَفسيرُ الرِّبا، كما حَرَّرَه الكاسانيُّ.
стр. 3470
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ويَجوزُ بَيعُ المَعدوداتِ المُتَقارِبةِ مِنْ غيرِ المَطعوماتِ بجِنسِها مُتفاضِلًا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، بعدَ أنْ يَكونَ يَدًا بيَدٍ، كَبَيعِ الفِلسِ بالفِلسَيْنِ بعَيْنَيْهما وعندَ مُحمَّدٍ لا يَجوزُ.
وَجْهُ قَولِه: إنَّ الفُلوسَ أثمانٌ، فلا يَجوزُ بَيعُها بجِنسِها مُتفاضِلًا، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، ودِلالةُ الوَصفِ عِبارةٌ عَمَّا تُقدَّرُ به ماليَّةُ الأعيانِ، وماليَّةُ الأعيانِ كما تُقدَّرُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ تُقدَّرُ بالفُلوسِ، فكانَتْ أثمانًا، ولِهذا كانَتْ أثمانًا عندَ مُقابَلَتِها بخِلافِ جِنسِها، وعندَ مُقابَلَتِها بجِنسِها حالَّةً تَكونُ المُساواةُ، وإنْ كانَتْ ثَمَنًا فالثَّمنُ لا يَتعيَّنُ، وإنْ عُيِّنَ كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ التَحَقَ التَّعيينُ فيهِما بالعَدَمِ، فكانَ بَيعُ الفِلسِ بالفِلسَيْنِ بغيرِ عَيْنَيْهما، وذا لا يَجوزُ، ولأنَّها إذا كانَتْ أثمانًا فالواحِدُ يُقابِلُ الواحِدَ، فبَقيَ الآخَرُ فَضلَ مالٍ لا يُقابِلُه عِوَضٌ في عَقدِ المُعاوَضةِ، وهذا تَفسيرُ الرِّبا.
ولَهُما أنَّ عِلَّةَ رِبا الفَضلِ هي القَدْرُ مع الجِنسِ، وهو الكَيلُ، أو الوَزنُ المُتَّفقُ عندَ اتِّحادِ الجِنسِ والمُجانَسةِ إنْ وُجِدتْ هَهُنا، فلَم يُوجَدِ القَدرُ، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا.
وقَولُه: «الفُلوسُ أثمانٌ»، قُلْنا: ثَمَنيَّتُها قد بَطَلتْ في حَقِّهما قبلَ البَيعِ، فالبَيعُ صادَفَها وهي سِلَعٌ عَدَديَّةٌ، فيَجوزُ بَيعُ الواحِدِ بالِاثنَينِ، كسائِرِ السِّلَعِ العَدَديَّةِ كالقَماقِمِ العَدَديَّةِ وغيرِها، إلَّا أنَّها بَقيتْ أثمانًا عندَ مُقابَلَتِها بخِلافِ جِنسِها وبِجِنسِها حالَّةً تَكونُ المُساواةُ؛ لأنَّ خُروجَها عن وَصفِ الثَّمنيَّةِ كانَ لِضرورةِ صِحَّةِ العَقدِ وجَوازِه؛ لأنَّهما قصَدا الصِّحَّةَ، ولا صِحَّةَ إلَّا بما قُلْنا،
стр. 3471
ولا ضَرورةَ ثَمَّةَ؛ لأنَّ البَيعَ جائِزٌ في الحالَيْنِ بَقيتْ على صِفةِ الثَّمنيَّةِ أو خَرَجتْ عنها (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ، فجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرَى»: التَّأخيرُ في صَرفِ الفُلوسِ:
قُلْتُ: أرَأيتَ إنِ اشتَرَيتُ فُلوسًا بدِرهَمٍ فافتَرَقْنا قبلَ أنْ يَقبِضَ كلُّ واحِدٍ مِنها؟ قالَ: لا يَصلُحُ هذا في قَولِ مالِكٍ، وهذا فاسِدٌ.
قالَ لي مالِكٌ في الفُلوسِ: لا خَيرَ فيها نَظِرةً بالذَّهبِ ولا بالوَرِقِ، ولو أنَّ النَّاسَ أجازوا بينَهم الجُلودَ حتى يَكونَ لَها سِكَّةٌ وعَينٌ، لَكَرِهتْها أنْ تُباعَ بالذَّهبِ والوَرَقِ نَظِرةً.
قُلتُ: أرَأيتَ إنِ اشتَرَيتُ خاتَمَ فِضَّةٍ، أو خاتَمَ ذَهَبٍ، أو تِبرَ ذَهَبٍ بفُلوسٍ، فافتَرَقْنا قبلَ أنْ نَتقابَضَ، أيَجوزُ هذا في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: لا يَجوزُ هذا في قَولِ مالِكٍ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: لا يَجوزُ فِلسٌ بفِلسَيْنِ، ولا تَجوزُ الفُلوسُ بالذَّهبِ والفِضَّةِ ولا بالدَّنانيرِ نَظِرةً.
وعن ابنِ وَهْبٍ عن يُونُسَ بنِ يَزيدَ عن رَبيعةَ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمَنِ أنَّه قالَ: الفُلوسُ بالفُلوسِ بينَهما فَضلٌ، فهو لا يَصلُحُ في عاجِلٍ بآجِلٍ، ولا عاجِلٍ بعاجِلٍ، ولا يَصلُحُ بَعضُ ذلك ببَعضٍ إلَّا هاءَ وهاءَ.
قالَ ابنُ وَهْبٍ: قالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ ورَبيعةَ: أنَّهما كَرِها الفُلوسَ بالفُلوسِ بينَهما فَضلٌ، أو نَظِرةٌ، وقالا: إنَّها صارَتْ سَكَّةً مثلَ سَكَّةِ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ.
стр. 3472
وعن اللَّيثِ عن يَزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ وعُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي جَعفَرٍ قالَ: وشُيوخُنا كُلُّهم كانوا يَكرَهونَ صَرفَ الفُلوسِ بالدَّنانيرِ والدَّراهِمِ إلَّا يَدًا بيَدٍ.
وقالَ ابنُ وَهبٍ: قالَ يَحيَى بنُ أيُّوبَ: قالَ يَحيَى بنُ سَعيدٍ: إذا صَرَفتَ دِرهَمًا فُلوسًا فلا تُفارِقْه حتى تَأخُذَها كُلَّها (١).
قالَ القُرطُبيُّ ﵀: واختَلَفتِ الرِّوايةُ عن مالِكٍ في الفُلوسِ، فألحَقَها بالدَّراهِمِ مِنْ حيثُ كانَتْ ثَمَنًا لِلأشياءِ، ومنَع مِنْ إلحاقِها مَرَّةً مِنْ حيثُ إنَّها ليسَتْ ثَمَنًا في كلِّ بَلَدٍ، وإنَّما يَختَصُّ بها بَلَدٌ دونَ بَلَدٍ (٢).
وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: قالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ بَيعُ فِلسٍ بفِلسَيْنِ يَدًا بيَدٍ، فجعَل الفُلوسَ ههُنا كالذَّهبِ، أو كالفِضَّةِ، وقالَ: لا بَأسَ ببَيعِ الفُلوسِ بالذَّهبِ والوَرِقِ، فإنْ لَم يَتقايَضا جَميعًا حتى افتَرَقا أكرَهُه، وأفسَخُ البَيعَ فيه، ولا أراه كتَحريمِ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ.
وقَولُ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ الحَسَنِ في بَيعِ فِلسٍ بفِلسَيْنِ كقَولِ مالِكٍ، وهو قَولُ مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ، وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ: لا بَأْسَ ببَيعِ فِلسٍ بفِلسَيْنِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ (٣).
وقالَ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: الأظهَرُ المَنعُ مِنْ ذلك، فإنَّ الفُلوسَ النَّافِقةَ يَغلِبُ عليها حُكمُ الأثمانِ، وتُجعَلُ مِعيارًا لِأموالِ النَّاسِ.
стр. 3473
ولِهذا يَنبَغي لِلسُّلطانِ أنْ يَضربَ لَهم فُلوسًا تَكونُ بقِيمةِ العَدلِ في مُعامَلاتِهم مِنْ غيرِ ظُلمٍ لَهُمْ (١).
فالنَّقدُ هو كلُّ شَيءٍ يَجري اعتِبارُه في العادةِ أو الِاصطِلاحِ، بحيثُ يَلقَى قَبولًا عامًّا كَوَسيطٍ لِلتَّبادُلِ، كما أشارَ إلى ذلك شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ، حيثُ قالَ أيضًا: وأمَّا الدِّرهَمُ والدِّينارُ فما يُعرَفُ له حَدٌّ طَبعيٌّ، ولا شَرعيٌّ، بَلْ مَرجِعُه إلى العادةِ والِاصطِلاحِ، وذلك لأنَّه في الأصلِ لا يَتعلَّقُ المَقصودُ به، بَلِ الغَرَضُ أنْ يَكونَ مِعيارًا لِما يَتعامَلونَ به، والدَّراهِمُ والدَّنانيرُ لا تُقصَدُ لِنَفسِها، بَلْ هي وَسيلةٌ إلى التَّعامُلِ بها، ولِهذا كانَتْ أثمانًا، بخِلافِ سائِرِ الأموالِ، فإنَّ المَقصودَ الِانتِفاعُ بها نَفْسِها؛ فلِهذا كانَتْ مَقدَّرةً بالأُمورِ الطَّبعيةِ أو الشَّرعيةِ والوَسيلةِ المَحضةِ التي لا يَتعلَّقُ بها غَرَضٌ، لا بمادَّتِها ولا بصُورَتِها يَحصُلُ بها المَقصودُ كَيفَما كانَتْ (٢).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: قالَ في الفُروعِ: بَيعُ فِلسٍ بفِلسَيْنِ فيه رِوايَتانِ مَنصوصتانِ، وأطلَقَهما في التَّلخيصِ والفُروعِ، إحداهما: لا يَجوزُ التَّفاضُلُ، نصَّ عليه في رِوايةِ جَماعةٍ، قدَّمه في الحاوي الكَبيرِ والمُستَوعِبِ، والرِّوايةُ الأُخرى: يَجوزُ التَّفاضُلُ.
فعلى هذه الرِّوايةِ لو كانَتْ نافِقةً هل يَجوزُ التَّفاضُلُ فيها؟ على وَجهَيْنِ وأطلَقَهما في التَّلخيصِ والفُروعِ، إحداهما: لا يَجوزُ، جَزَمَ به أبو الخطَّابِ في خِلافِه الصَّغيرِ، وقدَّمه في الحاوي الكَبيرِ والمُستَوعِبِ، والوَجهُ الآخَرُ:
стр. 3474
يَجوزُ، قالَ الزَّركَشيُّ: قالَ القاضي في الجامِعِ الصَّغيرِ وابنُ عَقيلٍ والشِّيرازيُّ وصاحِبُ المُستَوعِبِ والتَّلخيصِ وغيرُهم: سَواءٌ كانَتْ نافِقةً أو كاسِدةً بِيعَتْ بأعيانِها، أو بغيرِ أعيانِها، وجَزَمَ أبو الخطَّابِ في خِلافِه الصَّغيرِ بأنَّها مع نَفْقِها لا تُباعُ بمِثلِها إلَّا مُماثَلةً، مُعلِّلًا بأنَّها أثمانٌ، ثم حَكَى الخِلافَ في مَعمولِ الحَديدِ.
قالَ: وتَلخَّصَ مِنْ ذلك في الفُلوسِ النَّافِقةِ هل تَجري مَجرَى الأثمانِ فيَجري الرِّبا فيها؟ إنْ قُلْنا: العِلَّةُ في النَّقدَيْنِ الثَّمنيَّةُ مُطلَقًا، وهو ظاهِرُ ما حَكاه أبو الخطَّابِ في جامِعهِ الصَّغيرِ، أو لا يَجري مَجراها نَظَرًا إلى أنَّ العِلَّةَ ما هو ثَمَنٌ في الأغلَبِ، وذلك يَختَصُّ بالذَّهبِ والفِضَّةِ، وهو قَولُ أبي الخطَّابِ في خِلافِه الكَبيرِ على القَولَيْنِ، وعلى الثَّاني لا يَجري الرِّبا فيها إلَّا إذا اعتَبَرْنا أصلَها، وقُلْنا: العِلَّةُ في النَّقدَيْنِ الوَزنُ، كالكاسِدةِ. انتَهَى كَلامُ الزَّركَشيِّ (١).
وقالَ المِرداويُّ أيضًا: لو صرَف الفُلوسَ النَّافِقةَ بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ لَم يَجُزِ النَّساءُ فيهما على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعليه أكثَرُ الأصحابِ، ونَصَّ عليه وقدَّمه في المُحرَّرِ والفُروعِ والرِّعايتَيْنِ والحاويَيْنِ والفائِقِ (٢).
وقالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ ﵀: لو راجَتِ الفُلوسُ رَواجَ النُّقودِ ثبَت لَها أحكامُها، وإذا ثبَت لَها أحكامُها نَظَرًا لِلعُرفِ، مع أنَّها لا يُطلَقُ عليها نَقدٌ حَقيقةً ولا مَجازًا (٣).
стр. 3475
وهو أيضًا ما ذهَب إليه بَعضُ مُتأخِّري الحَنفيَّةِ في بلادِ ما وَراءَ النَّهرِ في الدَّراهِمِ المَغشوشةِ التي كانَتْ تُسَمَّى الغَطارِفةَ والعِدالَيْ، فأفتَوْا بوُجوبِ الزَّكاةِ فيها، وكانوا يَقولونَ: إنَّها مِنْ أعَزِّ النُّقودِ فينا، بمَنزِلةِ الفِضَّةِ فيهم، ونحن أعرَفُ بنُقودِنا.
وكذا أفتَوْا بعَدَمِ جَوازِ بَيعِ هذه النُّقودِ بجِنسِها مُتفاضِلًا، مُعلِّلينَ ذلك بأنَّها أعَزُّ الأموالِ في ديارِهِم.
قالَ الإمامُ الزَّيلَعيُّ ﵀: ومَشايِخُنا ﵏ لَم يُفتوا بجَوازِ التَّفاضُلِ في الغَطارِفةِ، والعِدالَيْ، وإنْ كانَ الأغلَبُ فيها الغِشَّ؛ لأنَّها أعَزُّ الأموالِ في دِيارِهم في ذلك الزَّمانِ، فلو أُبيحَ التَّفاضُلُ فيها لانفَتَحَ بابُ الرِّبا (١).
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قالَ المُصَنِّفُ -أي: صاحِبُ الهِدايةِ-:
стр. 3476
ومَشايِخُنا -يَعني مَشايِخَ ما وَراءَ النَّهرِ مِنْ بُخارَى وسَمَرقَندَ- لَم يُفتوا بجَوازِ ذلك، أي: بَيعِها بجِنسِها مُتفاضِلًا في العِدالَيْ والغَطارِفةِ مع أنَّ الغِشَّ فيها أكثَرُ مِنْ الفِضَّةِ؛ لأنَّها أعَزُّ الأموالِ في دِيارِنا، فلو أُبيحَ التَّفاضُلُ فيها يَنفتِحُ بابُ الرِّبا الصَّريحِ؛ فإنَّ النَّاسَ حينَئذٍ يَعتادونَ في الأموالِ النَّفيسةِ فيَتدرَّجونَ ذلك في النُّقودِ الخالِصةِ، فمُنِعَ؛ حَسمًا لِمادَّةِ الفَسادِ. اه. وفي البَزَّازيةِ: والصَّوابُ أنَّه لا يُفتَى بالجَوازِ في الغَطارِفةِ؛ لأنَّها أعَزُّ الأموالِ، وعليه صاحِبُ الهِدايةِ والفَضليُّ (١).
بَيعُ الجَيِّدِ بالرَّديءِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ جَيِّدَ مالِ الرِّبا ورَديئَه سَواءٌ، فلا يَجوزُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ مُتفاضِلًا، ولا يَجوزُ بَيعُه إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ؛ لِما رَواه سَعيدُ ابنُ المُسَيِّبِ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ وعَن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ استَعمَلَ رَجُلًا على خَيبَرَ، فجاءَه بتَمرٍ جَنيبٍ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أكُلُّ تَمرِ خَيبَرَ هَكَذا؟»، قالَ: لا واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا لَنأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلاثةِ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَفعَلْ، بِعِ الجَمعَ بالدَّراهِمِ ثم ابتَعْ بالدَّراهِمِ جَنيبًا»، وقالَ في الميزانِ مثلَ ذلك» (٢)؛ لأنَّ الجَودةَ في الأموالِ الرِّبَويَّةِ لا قِيمةَ لها عندَ مُقابَلَتِها بجِنسِها، فجَيِّدُها ورَديئُها سَواءٌ، فلا يَصحُّ الِاعتياضُ عنها؛ لِسُقوطِ قِيمَتِها شَرعًا، والسَّاقِطُ شَرعًا والعَدَمُ الأصليُّ سَواءٌ.
стр. 3477
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الجَيِّدِ بالرَّديءِ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ ممَّا يَجري فيه الرِّبا، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بسَواءٍ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والجَيِّدُ والرَّديءُ والتِّبرُ والمَضروبُ والصَّحيحُ والمَكسورُ سَواءٌ في جَوازِ البَيعِ مع التَّماثُلِ وتَحريمِه مع التَّفاضُلِ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، مِنهم أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، وحُكيَ عن مالِكٍ جَوازُ بَيعِ المَضروبِ بقِيمَتِه مِنْ جِنسِه، وأنكَرَ أصحابُه ذلك، ونَفَوْه عنه (٢).
أثَرُ الصَّنعةِ في النَّقدَيْنِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا اعتِبارَ لِلصَّنعةِ في الذَّهبِ والفِضَّةِ، فتِبرُه وعَينُه وصَحيحُه ومُكَسَّرُه ومَصنوعُ ذلك كُلِّه ومَضروبُه لا يَحِلُّ التَّفاضُلُ في شَيءٍ مِنه، حتى لو باعَ آنيةَ فِضَّةٍ بفِضَّةٍ، أو آنيةَ ذَهَبٍ بذَهَبٍ، أحَدُهما أثقَلُ مِنْ الآخَرِ، لا يَجوزُ.
واستَدلَّ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ على هذا بما يَلي: رَوى الإمامُ مالِكٌ في
стр. 3478
المُوطَّأِ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ ﵁ أنَّه قالَ: أمَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ السَّعدَيْنِ ﵄ أنْ يَبيعا آنيةً مِنْ المَغانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فباعا كُلَّ ثَلاثةٍ بأربَعةٍ عَينًا، أو كُلَّ أربَعةٍ بثَلاثةٍ عَينًا، فقالَ لَهُما رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أربَيتُما؛ فرُدَّا» (١).
وعَن أبي سَعيدٍ ﵁ مَرفوعًا: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تَشِفُّوا (٢) بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تَشِفُّوا بَعضَها على بَعضٍ، ولا تَبيعوا مِنها غائِبًا بناجِزٍ (٣)» (٤).
وعَن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الذَّهبُ بالذَّهبِ تِبرُها (٥) وعَينُها، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ تِبرُها وعَينُها … فمَن زادَ أو ازدادَ فقد أرْبَى» (٦).
стр. 3479
قالَ الخطَّابيُّ ﵀: التِّبرُ قِطَعُ الذَّهبِ والفِضَّةِ قبلَ أنْ تُضرَبَ وتُطبَعَ دَراهِمَ أو دَنانيرَ، واحِدَتُها تِبرةٌ، والعَينُ: المَضروبُ مِنْ الدَّراهِمِ أو الدَّنانيرِ، وقد حرَّم رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُباعَ مِثقالُ ذَهَبٍ عُيِّنَ بمِثقالٍ، وشَيءٌ مِنْ تِبرٍ غيرِ مَضروبٍ، وكذلك حرَّم التَّفاوُتَ بينَ المَضروبِ مِنْ الفِضَّةِ وغيرِ المَضروبِ مِنها، وذلك مَعنَى قَولِه ﷺ : «تِبرُها وعَينُها سَواءٌ» (١).
وعَن زَيدِ بنِ أسلَمَ عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ ﵁ أنَّ مُعاويةَ بنَ أبِى سُفيانَ باعَ سِقايةً مِنْ ذَهَبٍ، أو مِنْ وَرِقٍ بأكثَرَ مِنْ وَزنِها، فقالَ له أبو الدَّرداءِ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَنهَى عن مِثلِ هذا، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ. فقالَ مُعاويةُ: ما أرَى بهذا بَأْسًا. فقالَ له أبو الدَّرداءِ: مَنْ يَعذِرُني مِنْ مُعاويةَ؟ أُخبِرُه عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ ويُخبِرُني عن رَأْيِه، لا أُساكِنُكَ بأرضٍ أنتَ بها. ثم قَدِمَ أبو الدَّرداءِ على عمرَ بنِ الخطَّابِ، فذكَر له ذلك، فكتَب عمرُ إلى مُعاويةَ: ألَّا يَبيعَ ذلك إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، وَزنًا بوَزْنٍ» (٢)، ولأنَّهما تَساوَيا في الوَزنِ فلا يُؤثِّرُ اختِلافُهما في القِيمةِ كالجَيِّدِ والرَّديءِ.
وعَن مُجاهِدٍ ﵁ أنَّه قالَ: كُنْتُ مع عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ﵁ فجاءَه صائِغٌ، فقالَ له: يا أبا عَبدِ الرَّحمَنِ، إنِّي أصوغُ الذَّهبَ ثم أبيعُ الشَّيءَ مِنْ ذلك بأكثَرَ مِنْ وَزنِه، فأستَفضِلُ مِنْ ذلك قَدْرَ عَمَلِ يَدي، فنَهاه عَبدُ اللَّهِ
стр. 3480
عن ذلك، فجعَل الصَّائِغُ يُردِّدُ عليه المَسألةَ وعَبدُ اللَّهِ يَنهاه، حتى انتَهَى إلى بابِ المَسجِدِ، أو إلى دابَّةٍ يُريدُ أنْ يَركَبَها، ثم قالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: الدِّينارُ بالدِّينارِ، والدِّرهَمُ بالدِّرهَمِ، لا فَضلَ بينَهما، هذا عَهدُ نَبيِّنا إلينا، وعَهدُنا إليكم» (١).
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الذَّهبَ تِبرَه وعَينَه سَواءٌ، لا يَجوزُ التَّفاضُلُ في شَيءٍ مِنه، وكذلك الفِضَّةُ بالفِضَّةُ تِبرُها وعَينُها، ومَصنوعُ ذلك كُلِّه ومَضروبُه لا يَحِلُّ التَّفاضُلُ في شَيءٍ مِنه، وعلى ذلك مَضى السَّلَفُ مِنْ العُلماءِ والخَلَفُ إلَّا شَيئًا يَسيرًا يُروَى عن مُعاويةَ … والسُّنةُ المُجتَمَعُ عليها مِنْ نَقلِ الآحادِ ونَقلِ الكافَّةِ خِلافُ ما كانَ يَذهَبُ إليه مُعاويةُ (٢).
وقالَ أيضًا: الحَديثُ في الصَّرفِ مَحفوظٌ لِعُبادةَ ﵁، وهو الأصلُ الذي عَوَّلَ عليه العُلماءُ في بابِ الرِّبا، ولَم يَختَلِفوا أنَّ فِعلَ مُعاويةَ في ذلك غيرُ جائِزٍ، وأنَّ بَيعَ الذَّهبِ بالذَّهبِ والفِضَّةِ بالفِضَّةِ لا يَجوزُ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، تِبرِهما وعَينِهما ومَصوغِهما، وعلى أيِّ وَجْهٍ كانَتْ (٣).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعَ الجُمهورُ على أنَّ مَسكوكَه وتِبرَه ومَصوغَه سَواءٌ في مَنعِ بَيعِ بَعضِه ببَعضٍ مُتفاضِلًا؛ لِعُمومِ الأحاديثِ (٤).
стр. 3481
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والجَيِّدُ والرَّديءُ والتِّبرُ والمَضروبُ والصَّحيحُ والمَكسورُ سَواءٌ في جَوازِ البَيعِ مع التَّماثُلِ، وتَحريمِه مع التَّفاضُلِ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، مِنهم أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، وحُكيَ عن مالِكٍ جَوازُ بَيعِ المَضروبِ بقِيمَتِه مِنْ جِنسِه، وأنكَرَ أصحابُه ذلك، ونَفَوْه عنه.
وقالَ ابنُ قُدامةَ أيضًا: إنْ قالَ لِصانِعٍ: اصنَعْ لي خاتَمًا وَزْنَ دِرهَمٍ، وأُعطيكَ مثلَ وَزنِه وأُجرَتَكَ دِرهَمًا، فليسَ ذلك بَيعَ دِرهمٍ بدِرهَمَيْنِ، وقالَ أصحابُنا: لِلصَّائِغِ أخْذُ الدِّرهَمَيْنِ، أحَدِهما في مُقابَلةِ الخاتَمِ، والآخَرِ أُجرةً له (١).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولا أثَرَ لِقِيمةِ الصَّنعةِ في ذلك حتى لو اشتَرَى بدَنانيرَ ذَهَبًا مَصوغًا قِيمَتُه أضعافُ الدَّنانيرِ، وتُعتبَرُ المُماثَلةُ ولا نَظَرَ إلى القِيمةِ.
ثم قالَ: والحِيلةُ في تَمليكِ الرِّبَويِّ بجِنسِه مُتفاضِلًا كبَيعِ ذَهَبٍ بذَهَبٍ مُتفاضِلًا أنْ يَبيعَه مِنْ صاحِبِه بدَراهِمَ أو عَرَضٍ، ويَشتَريَ مِنه بها أو به الذَّهبَ بعدَ التَّقابُضِ، فيَجوزَ، وإنْ لَم يَتفرَّقَا، ولَم يَتَخايَرَا؛ لِتَضمُّنِ البَيعِ الثَّاني إجازةَ الأوَّلِ، بخِلافِه مع الأجنَبيِّ، أو يُقرِضَ كُلٌّ صاحِبَه ويُبرِئَه، أو يَتَواهَبا الفاضِلَ لِصاحِبِه، وهذا جائِزٌ إذا لَم يُشترَطْ في بَيعِه وإقراضِه وهِبَتِه ما يَفعَلُه صاحِبُه، وإنْ كُرِهَ قَصدُه (٢).
стр. 3482
ورُويَ عن كَثيرٍ مِنْ أصحابِ مالِكٍ، وبَعضُهم يَرويه عن مالِكٍ، في التَّاجِرِ يَحفِزُه الخُروجُ وبه حاجةٌ إلى دَراهِمَ مَضروبةٍ أو دَنانيرَ مَضروبةٍ، فيَأتي دارَ الضَّربِ بفِضَّتِه أو ذَهَبِه، فيَقولُ لِلضَّرَّابِ: خُذْ فِضَّتي هذه، أو ذَهَبي، وخُذْ قَدْرَ عَمَلِ يَدِكَ، وادفَعْ إلَيَّ دَنانيرَ مَضروبةً في ذَهَبي، أو دَراهِمَ مَضروبةً في فِضَّتي هذه؛ لِأنِّي مَحفوزٌ لِلخُروجِ، وأخافُ أنْ يَفوتَني مَنْ أخرُجُ معه، أنَّ ذلك جائِزٌ لِلضَّرورةِ، وأنَّه قد عَمِلَ به بَعضُ النَّاسِ.
قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ بعدَما ذكَر هذا الكَلامَ: «هذا ممَّا يُرسِلُه العالِمُ عن غيرِ تَدبُّرٍ ولا رِوايةٍ، ورُبَّما حَكاه لِمَعنًى قادَه إلى حِكايَتِه، فيَتوهَّمُ السَّامِعُ أنَّه مَذهبُه، فيَحمِلُه عنه، وهذا عَينُ الرِّبا؛ لأنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنْ زادَ أو ازدادَ فقد أرْبَى»، وقالَ ابنُ عمرَ لِلصَّائِغِ: «لا»، في مِثلِ هذه المَسألةِ، ونَهاه عنها، وقالَ: «هذا عَهدُ نَبيِّنا إلينا، وعَهدُنا إليكم»، وهذا قد باعَ فِضَّةً بفِضَّةٍ أكثَرَ مِنها، وأخَذ في المَضروبِ زيادةً على غيرِ المَضروبِ، وهو الرِّبا المُجتَمَعُ عليه؛ لأنَّه لا يَجوزُ مَضروبُ الفِضَّةِ ومَصوغُها بتِبرِها، ولا مَضروبُ الذَّهبِ ومَصوغُه بتِبرِه وعَينِه، إلَّا وَزنًا بوَزنٍ، عندَ جَميعِ الفُقهاءِ، وعلى ذلك تَواتَرتِ السُّنَنُ عنِ النَّبيِّ ﷺ » (١).
وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ ونَصَرَها أنَّه إذا كانَتِ الصِّياغةُ مُباحةً، كخاتَمِ الفِضَّةِ وحِليةِ النِّساءِ وما
стр. 3483
أُبيحَ مِنْ حِليةِ السِّلاحِ وغيرِها، فإنَّه يَجوزُ التَّفاضُلُ فيها؛ لأنَّ لِلصِّناعةِ قِيمةً، بدَليلِ حالةِ الإتلافِ، فيَصيرُ كَأنَّه ضَمَّ قِيمةَ الصِّناعةِ إلى الذَّهبِ.
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا رِبا الفَضلِ فأُبيحَ مِنه ما تَدْعو إليه الحاجةُ، كالعَرايا، فإنَّ ما حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّريعةِ أخَفُّ ممَّا حُرِّمَ تَحريمَ المَقاصِدِ، وعلى هذا فالمَصوغُ والحِليةُ إنْ كانَا صياغَتُهما مُحَرَّمةً كالآنيةِ، حرُم بَيعُهما بجِنسَيْهما وغيرِ جِنسَيْهما، وبَيعُ هذا هو الذي أنكَرَه عُبادةُ ﵁ على مُعاويةَ ﵁، فإنَّه يَتضمَّنُ مُقابَلةَ الصِّياغةِ المُحرَّمةِ بالأثمانِ، وهذا لا يَجوزُ، كَآلاتِ المَلاهي.
وأمَّا إنْ كانَتِ الصِّياغةُ مُباحةً، كخاتَمِ الفِضَّةِ، وحِليةِ النِّساءِ، وما أُبيحَ مِنْ حِليةِ السِّلاحِ وغيرِها، فالعاقِلُ لا يَبيعُ هذه بوَزنِها مِنْ جِنسِها؛ فإنَّه سَفَهٌ، وإضاعةٌ لِلصَّنعةِ، والشارِعُ أحكَمُ مِنْ أنْ يُلزِمَ الأُمَّةَ بذلك، فالشَّريعةُ لا تَأتي به، ولا تَأتي بالمَنعِ مِنْ بَيعِ ذلك وشِرائِه لِحاجةِ النَّاسِ إليه، فلَم يَبْقَ إلَّا أنْ يُقالَ: لا يَجوزُ بَيعُها بجِنسِها ألبَتَّةَ، بَلْ يَبيعُها بجِنسٍ آخَرَ، وفي هذا مِنْ الحَرَجِ والعُسرِ والمَشقَّةِ ما تَتَّقيه الشَّريعةُ، فإنَّ أكثَرَ النَّاسِ عندَهم ذَهَبٌ، يَشتَرونَ به ما يَحتاجونَ إليه مِنْ ذلك، ولا يَسمَحُ البائِعُ ببَيعِه ببُرٍّ وشَعيرٍ وثيابٍ، وتَكليفُ الِاستِصناعِ لِكُلِّ مَنْ احتاجَ إليه إمَّا مُتعَذَّرٌ أو مُتعَسِّرٌ، والحِيَلُ باطِلةٌ في الشَّرعِ، وقد جَوَّزَ الشارِعُ بَيعَ الرُّطَبِ بالتَّمرِ لِشَهوةِ الرُّطَبِ، وأينَ هذا مِنْ الحاجةِ إلى بَيعِ المَصوغِ الذي تَدعو الحاجةُ إلى بَيعِه
стр. 3484
وشِرائِهِ؟! فلَم يَبْقَ إلَّا جَوازُ بَيعِه كما تُباعُ السِّلَعُ، فلو لَم يَجُزْ بَيعُه بالدَّراهِمِ فَسَدتْ مَصالِحُ النَّاسِ، والنُّصوصُ الوارِدةُ عنِ النَّبيِّ ﷺ ليسَ فيها ما هو صَريحٌ في المَنعِ، وغايَتُها أنْ تَكونَ عامَّةً أو مُطلَقةً، ولا يُنكَرُ تَخصيصُ العامِّ وتَقييدُ المُطلَقِ بالقياسِ الجَلِيِّ، وهي بمَنزِلةِ نُصوصِ وُجوبِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفِضَّةِ، والجُمهورُ يَقولونَ: لَم تَدخُلْ في ذلك الحِليةُ، ولا سيَّما أنَّ لَفظَ النُّصوصِ في المَوضِعَيْنِ قد ذُكِرَ تارةً بلَفظِ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، كَقَولِه ﷺ : «الدَّراهِمُ بالدَّراهِمِ، والدَّنانيرُ بالدَّنانيرِ»، وفي الزَّكاةِ كقَولِه ﷺ : «في الرِّقَةِ رُبُعُ العُشرِ»، والرِّقَةُ هي الوَرِقُ، وهي الدَّراهِمُ المَضروبةُ، وتارةً بلَفظِ الذَّهبِ والفِضَّةِ، فإنَّ حَمْلَ المُطلَقِ على المُقيَّدِ كانَ نَهيًا عن الرِّبا في النَّقدَيْنِ، وإيجابًا لِلزَّكاةِ فيهما، ولا يَقتَضي ذلك نَفيَ الحُكمِ عن جُملةِ ما عَداهُما، بَلْ فيه تَفصيلٌ، فتَجِبُ الزَّكاةُ ويَجري الرِّبا في بَعضِ صُوَرِها، لا في كُلِّها، وفي هذا تَوفيةُ الأدِلَّةِ حَقَّها، وليسَ فيه مُخالَفةٌ بشَيءٍ لِدَليلٍ مِنها.
يُوضِّحُه أنَّ الحِليةَ المُباحةَ صارَتْ بالصَّنعةِ المُباحةِ مِنْ جِنسِ الثِّيابِ والسِّلَعِ، لا مِنْ جِنسِ الأثمانِ، ولِهذا لَم تَجِبْ فيها الزَّكاةُ، فلا يَجري الرِّبا بينَها وبينَ الأثمانِ، كما لا يَجري بينَ الأثمانِ وبينَ سائِرِ السِّلَعِ، وإنْ كانَتْ مِنْ غيرِ جِنسِها، فإنَّ هذه بالصِّناعةِ قد خَرَجتْ عن مَقصودِ الأثمانِ، وأُعِدَّتْ لِلتِّجارةِ، فلا مَحذورَ في بَيعِها بجِنسِها، ولا يَدخُلُها (إمَّا أنْ تَقضيَ وإمَّا أنْ تُربيَ)، إلَّا كما يَدخُلُ في سائِرِ السِّلَعِ، إذا بِيعَتْ بالثَّمنِ المُؤجَّلِ، ولا
стр. 3485
رَيبَ أنَّ هذا قد يقعُ فيها، لكنْ لو سُدَّ على النَّاسِ ذلك لَسُدَّ عليهم بابُ الدِّينِ، وتَضَرَّروا بذلك غايةَ الضَّرَرِ.
يُوضِّحُه أنَّ النَّاسَ على عَهدِ نَبيِّهم كانوا يَتَّخِذونَ الحِليةَ، وكانَ النِّساءُ يَلبَسْنَها، وكُنَّ يَتصدَّقْنَ بها في الأعيادِ وغيرِها، ومِنَ المَعلومِ بالضَّرورةِ أنَّه كانَ يُعطيها لِلمَحاويجِ، ويَعلَمُ أنَّهم يَبيعونَها، ومَعلومٌ قَطعًا أنَّها لا تُباعُ بوَزنِها؛ فإنَّه سَفَهٌ، ومَعلومٌ أنَّ مثلَ الحَلقةِ والخاتَمِ والفَتخةِ لا تُساوي دِينارًا، ولَم يَكُنْ عندَهم فُلوسٌ يَتعامَلونَ بها، وهم كانوا أتقَى لِلَّهِ وأفقَهَ في دِينِه، وأعلَمَ بمَقاصِدِ رَسولِه ﷺ مِنْ أنْ يَرتَكِبوا الحِيَلَ أو يُعَلِّموها النَّاسَ.
يُوضِّحُه أنَّه لا يُعرَفُ عن أحَدٍ مِنْ الصَّحابةِ أنَّه نهَى أنْ يُباعَ الحُلِيُّ إلَّا بغيرِ جِنْسِه أو بوَزنِه، والمَنقولُ عنهم إنَّما هو في الصَّرفِ.
يُوضِّحُه أنَّ تَحريمَ رِبا الفَضلِ إنَّما كانَ سَدًّا لِلذَّريعةِ كما تَقدَّمَ بَيانُه، وما حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّريعةِ أُبيحَ لِلمَصلَحةِ الرَّاجِحةِ، كما أُبيحَتِ العَرايا مِنْ رِبا الفَضلِ، وكما أُبيحَتْ ذَواتُ الأسبابِ مِنْ الصَّلاةِ بعدَ الفَجرِ والعَصرِ، وكما أُبيحَ النَّظَرُ لِلخاطِبِ والشاهِدِ والطَّبيبِ والمُعامِلِ مِنْ جُملةِ النَّظَرِ المُحرَّمِ، وكذلك تَحريمُ الذَّهبِ والحَريرِ على الرِّجالِ حُرِّمَ لِسَدِّ ذَريعةِ التَّشبيهِ بالنِّساءِ المَلعونِ فاعِلُه، وأُبيحَ مِنه ما تَدعو إليه الحاجةُ، وكذلك يَنبَغي أنْ يُباحَ بَيعُ الحِليةِ المَصوغةِ صياغةً مُباحةً بأكثَرَ مِنْ وَزنِها؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى ذلك، وإنَّما كانَ تَحريمُ التَّفاضُلِ سَدًّا لِلذَّريعةِ، فهذا مَحضُ القِياسِ
стр. 3486
ومُقتَضى أُصولِ الشَّرعِ، ولا تَتِمُّ مَصلَحةُ النَّاسِ إلَّا به، أو بالحِيَلِ، والحِيَلُ باطِلةٌ في الشَّرعِ، وغايةُ ما في ذلك جَعْلُ الزِّيادةِ في مُقابَلةِ الصِّياغةِ المُباحةِ المُتقوَّمةِ بالأثمانِ في الغُصوبِ وغيرِها، وإذا كانَ أربابُ الحِيَلِ يُجوِّزونَ بَيعَ عَشَرةٍ بخَمسةَ عشَرَ في خِرقةٍ تُساوي فِلسًا، ويَقولونَ: الخَمسةُ في مُقابَلةِ الخِرقةِ، فكَيفَ يُنكِرونَ بَيعَ الحِليةِ بوَزنِها وزِيادةٍ تُساوي الصِّناعةَ؟! وكَيفَ تَأتي الشَّريعةُ الكامِلةُ الفاضِلةُ التي بَهَرتِ العُقولَ حِكمةً وعَدلًا ورَحمةً وجَلالةً بإباحةِ هذا وتَحريمِ ذلك؟! وهل هذا إلَّا عَكسٌ لِلمَعقولِ والفِطَرِ والمَصلَحةِ؟! والَّذي يَقضي مِنه العَجَبُ مُبالَغَتُهم في رِبا الفَضلِ أعظَمُ مُبالَغةً حتى مَنَعوا بَيعَ رِطلِ زَيتٍ برِطلِ زَيتٍ، وحَرَّموا بَيعَ الكِشكِ بالسِّمسِمِ، وبَيعَ النِّشا بالحِنطةِ، وبَيعَ الخَلِّ بالزَّبيبِ، ونَحوِ ذلك، وحَرَّموا بَيعَ مُّدِّ حِنطةٍ ودِرهَمٍ بمُدٍّ ودِرهَمٍ، وجاؤوا إلى رِبا النَّسيئةِ ففَتَحوا لِلتَّحيُّلِ عليه كُلَّ بابٍ، فتارةً بالعَيِّنةِ، وتارةً بالمُحلِّلِ، وتارةً بالشَّرطِ المُتقدِّمِ المُتَواطَأِ عليه، ثم يُطلِقونَ العَقدَ مِنْ غيرِ اشتِراطٍ، وقد عَلِمَ اللَّهُ والكِرامُ الكاتِبونَ والمُتعاقِدانِ ومَن حضَر أنَّه عَقدُ رِبًا مَقصودُه ورُوحُه بَيعُ خَمسةَ عشَرَ مُؤجَّلةً بعَشَرةٍ نَقدًا، ليسَ إلّا، ودُخولُ السِّلعةِ كخُروجِها، حَرفٌ جاءَ لِمَعنًى في غيرِه، فهَلَّا فَعَلوا ههُنا كما فَعَلوا في مَسألةِ مُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بمُدٍّ ودِرهَمٍ، وقالوا: قد يُجعَلُ وَسيلةً إلى رِبا الفَضلِ بأنْ يَكونَ المُدُّ في أحَدِ الجانِبَيْنِ يُساوي بَعضَ مُدٍّ في الجانِبِ الآخَرِ، فيَقَعَ التَّفاضُلُ، فيا لَلعَجَبِ! كَيفَ حُرِّمتْ هذه الذَّريعةُ إلى رِبا الفَضلِ، وأُبيحَتْ تلك الذَّرائِعِ
стр. 3487
القَريبةِ المُوصِّلةِ إلى رِبا النَّسيئةِ بَحتًا خالِصًا؟ وأينَ مَفسَدةُ بَيعِ الحِليةِ بجِنسِها ومُقابَلةِ الصِّياغةِ بحَظِّها مِنْ الثَّمنِ إلى مَفسَدةِ الحِيَلِ الرِّبَويةِ التي هي أساسُ كلِّ مَفسَدةٍ، وأصْلُ كلِّ بَليَّةٍ؟ وإذا حَصحَصَ الحَقُّ فليَقُلِ المُتعصِّبُ الجاهِلُ ما شاءَ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ.
فإنْ قيلَ: الصِّفاتُ لا تُقابَلُ بالزِّيادةِ، ولو قُوبِلَتْ بها لَجازَ بَيعُ الفِضَّةِ الجَيِّدةِ بأكثَرَ مِنها مِنْ الرَّديئةِ، وبَيعُ التَّمرِ الجَيِّدِ بأزيَدَ مِنه مِنْ الرَّديءِ، ولمَّا أبطَلَ الشارِعُ ذلك عُلم أنَّه منَع مِنْ مُقابَلةِ الصِّفاتِ بالزِّيادةِ.
قيلَ: الفَرقُ بينَ الصَّنعةِ التي هي أثَرُ فِعلِ الآدَميِّ وتَقابُلٌ بالأثمانِ، ويَستَحِقُّ عليها الأُجرةَ، وبينَ الصِّفةِ التي هي مَخلوقةٌ لِلَّهِ ، لا أثَرَ لِلعَبدِ فيها، ولا هي مِنْ صَنعَتِه، فالشارِعُ بحِكمَتِه وعَدلِه منَع مِنْ مُقابَلةِ هذه الصِّفةِ بزِيادةٍ؛ إذْ ذلك يُفضي إلى نَقضٍ ما شرَعه مِنْ المَنعِ مِنْ التَّفاضُلِ؛ فإنَّ التَّفاوُتَ في هذه الأجناسِ ظاهِرٌ، والعاقِلُ لا يَبيعُ جِنسًا بجِنسِه إلَّا لِما هو بينَهما مِنْ التَّفاوُتِ، فإنْ كانا مُتَساويَيْنِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ لَم يَفعَلْ ذلك، فلو جَوَّزَ لَهم مُقابَلةَ الصِّفاتِ بالزِّيادةِ لَم يَحرُمْ عليهم رِبا الفَضلِ، وهذا بخِلافِ الصِّياغةِ التي جُوِّزَ لَهم المُعاوَضةُ عليها معه.
يُوضِّحُه أنَّ المُعاوَضةَ إذا جازَتْ على هذه الصِّياغةِ مُفرَدةً جازَتْ عليها مَضمومةً إلى غيرِ أصلِها وجَوهَرِها، ولا فَرقَ بينَهما في ذلك.
يُوضِّحُه أنَّ الشارِعَ لا يَقولُ لِصاحِبِ هذه الصِّياغةِ: بِعْ هذا المَصوغَ بوَزنِه واخسَرْ صِياغَتَكَ، ولا يَقولُ له: لا تَعمَلْ هذه الصِّياغةَ واترُكْها،
стр. 3488
ولا يَقولُ له: تَحَيَّلْ على بَيعِ المَصوغِ بأكثَرَ مِنْ وَزنِه بأنواعِ الحِيَلِ، ولَم يَقُلْ قَطُّ: لا تَبِعْه إلَّا بغيرِ جِنسِه، ولَم يَحرِّمْ على أحَدٍ أنْ يَبيعَ شَيئًا مِنْ الأشياءِ بجِنسِه.
فإنْ قيلَ: فهَبْ أنَّ هذا قد سلَّم لَكم في المَصوغِ، فكَيفَ يسلمُ لَكم في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ المَضروبةِ إذا بِيعَتْ بالسَّبائِكِ مُفاضَلًا، وتَكونُ الزِّيادةُ في مُقابَلةِ صِناعةِ الضَّربِ؟
قيلَ: هذا سُؤالٌ قَويٌّ وارِدٌ، وجَوابُه: أنَّ السَّكَّةَ لا تُتقوَّمُ فيها الصِّناعةُ لِلمَصلَحةِ العامَّةِ المَقصودةِ مِنها، فإنَّ السُّلطانَ يَضرِبُها لِمَصلَحةِ النَّاسِ العامَّةِ، وإنْ كانَ الضَّارِبُ يَضرِبُها بأُجرةٍ فإنَّ القَصدَ بها أنْ تَكونَ مِعيارًا لِلنَّاسِ، لا يَتَّجِرونَ فيها، كما تَقدَّمَ، والسَّكَّةُ فيها غيرُ مُقابَلةٍ بالزِّيادةِ في العُرفِ، ولو قُوبِلَتْ بالزِّيادةِ فَسَدتِ المُعامَلةُ وانتَقَضتِ المَصلَحةُ التي ضُرِبَتْ لِأجَلِها واتَّخَذَها النَّاسُ سِلعةً، واحتاجَتْ إلى التَّقويمِ بغيرِها، ولِهذا قامَ الدِّرهَمُ مَقامَ الدِّرهَمِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ، وإذا أخَذ الرَّجُلُ الدَّراهِمَ رَدَّ نَظيرَها، وليسَ المَصوغُ كذلك، ألَا تَرَى أنَّ الرَّجُلَ يَأخُذُ مِئةً خِفافًا، ويَرُدُّ خَمسينَ ثِقالًا بوَزنِها، ولا يَأبَى ذلك الآخِذُ ولا القابِضُ، ولا يَرَى أحَدُهما أنَّه قد خسِر شَيئًا، وهذا بخِلافِ المَصوغِ، والنَّبيُّ وخُلَفاؤُه لَم يَضرِبوا دِرهَمًا واحِدًا، وأوَّلُ مَنْ ضَرَبَها في الإسلامِ عَبدُ المَلِكِ بنُ مَروانَ، وإنَّما كانوا يَتعامَلونَ بضَربِ الكُفَّارِ.
فإنْ قيلَ: فيَلزَمُكم على هذا أنْ تُجَوِّزوا بَيعَ فُروعِ الأجناسِ بأُصولِها
стр. 3489
مُتفاضِلًا، فجَوِّزوا بَيعَ الحِنطةِ بالخُبزِ مُتفاضِلًا، والزَّيتِ بالزَّيتونِ والسِّمسِمِ بالشَّيرَجِ.
قيلَ: هذا سُؤالٌ وارِدٌ أيضًا، وجَوابُه أنَّ التَّحريمَ إنَّما يثبُتُ بنَصٍّ، أو إجماعٍ، أو تَكونُ الصُّورةُ المُحرَّمةُ بالقياسِ مُساويةً مِنْ كلِّ وَجْهٍ لِلمَنصوصِ على تَحريمِها، والثَّلاثةُ مُنتَفيةٌ في فُروعِ الأجناسِ مع أُصولِها.
وقد تَقدَّمَ أنَّ غيرَ الأصنافِ الأربَعةِ لا يَقومُ مَقامَها، ولا يُساويها في إلحاقِها بها، وأمَّا الأصنافُ الأربَعةُ ففَرعُها إنْ خرَج عن كَونِه قُوتًا لَم يَكُنْ مِنْ الرِّبَويَّاتِ، وإنْ كانَتْ قُوتًا كانَ جِنسًا قائِمًا بنَفْسِه، وحرُم بَيعُه بجِنسِه الذي هو مِثلُه مُتفاضِلًا، كالدَّقيقِ بالدَّقيقِ، والخُبزِ بالخُبزِ، ولَم يَحرُمْ بَيعُه بجِنسٍ آخَرَ، وإنْ كانَ جِنسُهما واحِدًا فلا يَحرُمُ السِّمسِمُ بالشَّيرَجِ، ولا الهَريسةُ بالخُبزِ؛ فإنَّ هذه الصِّناعةَ لَها قِيمةٌ، فلا تَضيعُ على صاحِبِها، ولَم يَحرُمْ بَيعُها بأُصولِها في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ ولا قِياسٍ، ولا حَرامَ إلَّا ما حرَّمه اللَّهُ ، كما أنَّه لا عِبادةَ إلَّا ما شرَعها اللَّهُ ، وتَحريمُ الحَلالِ كتَحليلِ الحَرامِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: ويَجوزُ بَيعُ المَصوغِ مِنْ الذَّهبِ والفِضَّةِ بجِنسِه مِنْ غيرِ اشتِراطِ التَّماثُلِ، ويُجعَلُ الزَّائِدُ في مُقابَلةِ الصِّيغةِ ليسَ برِبًا (٢).
стр. 3490
وقالَ الإمامُ المِرداويُّ ﵀: الذَّهبُ والفِضَّةُ داخِلانِ على الرِّواياتِ كُلِّها، فيَحرُمُ التَّفاضُلُ فيهما مُطلَقًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعليه الأصحابُ، إلَّا أنَّ الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّينِ جَوَّزَ بَيعَ المَصوغِ المُباحِ بقِيمَتِه حالًّا، قُلتُ: وعَمَلُ النَّاسِ عليه، وكذا جَوَّزَه نَساءً ما لَم يُقصَدْ كَونُها ثَمَنًا، قالَ: وإنَّما خرَج عنِ القُربِ بالصَّنعةِ فليسَ برِبَويٍّ (١).
مِقياسُ الأموالِ الرِّبَويةِ (الكَيلِ والوَزنِ):
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةِ -ما عَدا أبا يُوسفَ- والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ على أنَّه تُعتبَرُ المُماثَلةُ بمِعيارِ الشَّرعِ مِنْ كَيلٍ أو وَزنٍ، فكلُّ شَيءٍ نصَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ على تَحريمِ التَّفاضُلِ فيه كَيلًا فهو مَكِيلٌ أبَدًا، وإنْ ترَك النَّاسُ الكَيلَ فيه، كالحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والمِلحِ؛ لأنَّ النَّصَّ أقوَى مِنْ العُرفِ، والأقوَى لا يُترَكُ بالأدْنَى، فعلى هذا إذا باعَ الحِنطةَ بجِنسِها مُتَساويةً وَزنًا، أو الفِضَّةَ بجِنسِها مُتماثِلًا كَيلًا لا يَجوزُ، وإنْ تَعارَفوا ذلك؛ لِتَوهُّمِ الفَضلِ على ما هو المِعيارُ فيه، كما إذا باعَه مُجازَفةً.
وكُلُّ ما نصَّ على تَحريمِ التَّفاضُلِ فيه وَزنًا فهو مَوزونٌ أبَدًا، وإنْ ترَك النَّاسُ الوَزنَ فيه، مثلَ الذَّهبِ والفِضَّةِ؛ لأنَّ النَّصَّ أقوَى مِنْ العُرفِ، والأقوَى لا يُترَكُ بالأدْنَى، حتى لو باعَ الفِضَّةَ والذَّهبَ بمثلَيْهما كَيلًا لا يَجوزُ.
لقولِه ﷺ : «الذَّهبُ بالذَّهبِ وَزنًا بوَزنٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزنًا
стр. 3491
بوَزنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ، كَيلًا بكَيلٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ كَيلًا بكَيلٍ … » (١). فنَصَّ النَّبيُّ ﷺ على تَحريمِ هذه الأشياءِ السِّتَّةِ، ومُخالَفةُ النَّبيِّ ﷺ مَعصيةٌ، وطاعَتُه ﷺ مَفروضةٌ.
وما لَم يَنُصَّ عليه النَّبيُّ ﷺ وليسَ فيه مِعيارٌ شَرعيٌّ فهو مَحمولٌ على عاداتِ النَّاسِ وأعرافِهم؛ لأنَّ عادةَ النَّاسِ دالَّةٌ على جَوازِ الحُكمِ فيما وَقَعتْ عليه عادَتُهم؛ لأنَّها دِلالةٌ ظاهِرةٌ، ولأنَّ ما لا عُرفَ له في الشَّرعِ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، كالقَبضِ والحِرزِ، قالَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: فإنِ اختَلَفتِ البِلادُ اعتُبِرَ الأغلَبُ، فإنْ لَم يَكُنْ رُدَّ إلى أقرَبِ ما يُشبِهُه بالحِجازِ، وكُلُّ مائِعٍ مَكيلٌ، وقالَ الحَنابِلةُ: ويَجوزُ التَّعامُلُ بكَيلٍ لَم يُعهَدْ.
وعن أبي يُوسفَ في رِوايةٍ ضَعيفةٍ أنَّه يُعتبَرُ العُرفُ على خِلافِ المَنصوصِ عليه أيضًا؛ لأنَّ النَّصَّ على ذلك لِمَكانِ العادةِ، فكانَتْ هي المَنظورَ إليها، وقد تَبدَّلَتْ (٢).
стр. 3492
الرِّبا في دارِ الحَربِ:
اختلَف العُلماءُ في حُكمِ الرِّبا إذا كانَ بينَ مُسلِمٍ وحَربيٍّ، أو بينَ مُسلِمٍ ومُسلِمٍ في بلادِ الحَربِ، هل يَجري الرِّبا بينَهم كما يَجري في بلادِ الإسلامِ؟
اختَلَفوا في ذلك على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: هو قَولُ الإمامِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ، وهو المَذهبُ عندَ الحَنفيَّةِ: أنَّ الرِّبا لا يَكونُ إلَّا في بلادِ الإسلامِ، فلا رِبا بينَ مُسلِمٍ وحَربيٍّ في دارِ الحَربِ -ولا بينَ مُسلِمٍ ومُسلِمٍ أحَدُهما في دارِ الحَربِ لَم يُهاجِرْ إلينا عندَ أبي حَنيفةَ- بشَرطِ أنْ تَكونَ الزِّيادةُ لِلمُسلِمِ، وليسَتْ لِلحَربيِّ، أمَّا لو دخَل الحَربيُّ دارَنا بأمانٍ فباعَ مِنه مُسلِمٌ دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ فلا يَجوزُ اتِّفاقًا.
والعُقودُ الفاسِدةُ كُلُّها في مَعنَى الرِّبا، فتَجوزُ عندَهما، فلو باعَ مُسلِمٌ دخَل إليهم مُستَأمِنًا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ، حَلَّ، وكذا إذا باعَ مِنهم مَيْتةً أو خِنزيرًا، أو قامَرَهم وأخَذ المالَ، يَحِلُّ كلُّ ذلك.
فلا يَجري الرِّبا في هذه المَسائِلِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ:
١ - لا رِبا بينَ المُسلِمِ والحَربيِّ في دارِ الحَربِ، ولو لِعَقدٍ فاسِدٍ: لِحَديثِ مَكحولٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ : «لا رِبا بينَ المُسلِمِ والحَربيِّ في دارِ الحَربِ» (١).
стр. 3493
ولأنَّ المُسلِمَ إذا دخَل إليهم بغيرِ أمانٍ يَجوزُ له أخْذُ مالِ الحَربيِّ بغيرِ طِيبةِ نَفْسِه، فإذا أخَذه على هذا الوَجْهِ بطِيبةِ نَفْسِه كانَ أوْلَى بالجَوازِ، فبِأيِّ طَريقٍ أخَذه المُسلِمُ أخَذ مالًا مُباحًا إذا لَم يَكُنْ فيه غَدرٌ، بخِلافِ المُستَأمَنِ مِنهُم؛ لأنَّ مالَه صارَ مَحظورًا بعَقدِ الأمانِ.
وإذا دخَل إليهم بأمانٍ فأموالُهم مُباحةٌ في الأصلِ، إلَّا ما حَظَرَه الأمانُ، وقد حَظَرَ عليه الأمانُ ألَّا يَأخُذَ مالَه إلَّا بطِيبةِ نَفْسِه، وإذا أسلَمَ إليه مالَه على هذا الوَجْهِ فقد طابَتْ به نَفْسُه، فوجَب أنْ يَجوزَ.
٢ - وكذا إذا دخَل إليهم مُسلِمٌ بأمانٍ فباعَ مِنْ مُسلِمٍ أسلَمَ في دارِ الحَربِ، ولَم يُهاجِرْ إلينا، جازَ الرِّبا معه عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ مالَ المُسلِمِ في دارِ الحَربِ إذا لَم يُهاجِرْ إلينا باقٍ على حُكمِ مالِهم، ألَا تَرَى أنَّه إذا أتلَفَه مُتلِفٌ لَم يَضمَنْ؟!
وأمَّا إذا هاجَرَ إلينا ثم عادَ إلى دارِهِم لَم يَجُزِ الرِّبا معه؛ لأنَّه قد أحرَزَ مالَه بدارِنا فصارَ كأهلِ دارِ الإسلامِ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: لا يَجوزُ؛ لأنَّهما مُسلِمانِ، فلا يَجوزُ بينَهما الرِّبا، كما لو كانا في دارِنا.
стр. 3494
٣ - وكذا لا رِبا بينَ شَخصَيْنِ أسلَما في دارِ الحَربِ ولَم يُهاجِرا إلينا عندَ أبي حَنيفةَ، خِلافًا لَهُما.
وأمَّا إذا هاجَرَ إلَينا ثم عادَ إليهم لَم يَجُزِ الرِّبا معه؛ لِكَونِه أحرَزَ مالَه بدارِنا، فكانَ مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ.
وكَذا الحُكمُ إذا تَبايَعا بَيعًا فاسِدًا في دارِ الحَربِ، فهو جائِزٌ، كما إذا باعَ مِنهم مَيْتةً أو خِنزيرًا، أو قامَرَهم وأخَذ المالَ، فإنَّه يَحِلُّ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّ مالَهم مُباحٌ بغيرِ عَقدٍ، فالعَقدُ الفاسِدُ أوْلَى.
ولأنَّ أبا بَكرٍ ﵁ خاطَرَ قُرَيشًا قبلَ الهِجرةِ حينَ أنزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ١ - ٣]، وقالَتْ قُرَيشٌ: أتُروْنَ أنَّ الرُّومَ تُغلَبُ؟ قالَ ﵁: نَعَمْ. فقالوا: هل لَكَ أنْ تُخاطِرَنا في ذلك؟ فأخبَرَ ﵁ النَّبيَّ ﷺ ، فقالَ: «اذهَبْ إليهم فزِدْ في الخَطَرِ، وزِدْ في الأجَلِ»، ففعَل، وغَلَبتِ الرُّومُ فارِسًا، فأخَذ أبو بَكرٍ ﵁ خَطَرَه، فأقَرَّه النَّبيُّ ﷺ ، وهو القِمارُ بعَينِه (١). وكانَتْ مَكَّةُ في ذلك الوَقتِ دارَ حَربٍ، فدَلَّ ذلك على أنَّ لِلمُسلِمِ أخْذَ مالِ الحَربيِّ في دارِ الحَربِ ما لَم يَكُنْ غَدرًا.
стр. 3495
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا شَرائِطُ جَرَيانِ الرِّبا:
فَمِنها: أنْ يَكونَ البَدَلانِ مَعصومَيْنِ، فإنْ كانَ أحَدُهما غيرَ مَعصومٍ لا يَتَحَقَّقُ الرِّبا عندَنا، وعندَ أبي يُوسفَ هذا ليسَ بشَرطٍ، ويَتحقَّقُ الرِّبا.
وعلى هذا الأصلِ يَخرُجُ ما إذا دخَل مُسلِمٌ دارَ الحَربِ تاجِرًا، فباعَ حَربيًّا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ، أو غيرَ ذلك مِنْ سائِرِ البُيوعِ الفاسِدةِ في حُكمِ الإسلامِ، فهو يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ، وعندَ أبي يُوسفَ لا يَجوزُ.
وعلى هذا الخِلافِ يَكونُ المُسلِمُ الأسيرُ في دارِ الحَربِ، أو الحَربيُّ الذي أسلَمَ هُناكَ ولَم يُهاجِرْ إلينا، فبايَعَ أحَدًا مِنْ أهلِ الحَربِ.
وَجْهُ قَولِ أبي يُوسفَ أنَّ حُرمةَ الرِّبا كما هي ثابِتةٌ في حَقِّ المُسلِمينَ ثابِتةٌ في حَقِّ الكُفَّارِ؛ لأنَّهم مُخاطَبونَ بالحُرُماتِ في الصَّحيحِ مِنْ الأقوالِ، فاشتِراطُه في البَيعِ يُوجِبُ فَسادَه، كما إذا بايَعَ المُسلِمُ الحَربيَّ المُستأْمَنَ في دارِ الإسلامِ.
ولَهُما أنَّ مالَ الحَربيِّ ليسَ بمَعصومٍ، بَلْ هو مُباحٌ في نَفْسِه، إلَّا أنَّ المُسلِمَ المُستأْمَنَ مُنِعَ مِنْ تَملُّكِه مِنْ غيرِ رِضاه؛ لِما فيه مِنْ الغَدرِ والخِيانةِ، فإذا بدَّله باختيارِه ورِضاه فقد زالَ هذا المَعنَى، فكانَ الأخْذُ استِيلاءً على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ، وأنَّه مَشروعٌ مُفيدٌ لِلمِلْكِ كالِاستِيلاءِ على الحَطَبِ والحَشيشِ، وبِه تَبيَّن أنَّ العَقدَ هَهُنا ليسَ بتَملُّكٍ، بَلْ هو تَحصيلُ شَرطِ التَّملُّكِ، وهو الرِّضا؛ لأنَّ مِلْكَ الحَربيِّ لا يَزولُ بدُونِه، وما لَم يَزُلْ مِلْكُه لا يقعُ الأخْذُ تَملُّكًا، لكنَّه إذا زالَ فالمِلْكُ لِلمُسلِمِ يثبُتُ بالأخْذِ والِاستيلاءِ، لا بالعَقدِ، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا؛ لأنَّ الرِّبا اسمٌ لِفَضلٍ يُستَفادُ بالعَقدِ، بخِلافِ
стр. 3496
المُسلِمِ إذا باعَ حَربيًّا دخَل دارَ الإسلامِ بأمانٍ؛ لأنَّه استَفادَ العِصمةَ بدُخولِه دارَ الإسلامِ بأمانٍ، والمالُ المَعصومُ لا يَكونُ مَحَلًّا لِلِاستِيلاءِ، فتَعيَّنَ التَّملُّكُ فيه بالعَقدِ، وشَرطُ الرِّبا في العَقدِ مُفسِدٌ.
وكذلك الذِّمِّيُّ إذا دخَل دارَ الحَربِ فباعَ حَربيًّا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ أو غيرَ ذلك مِنْ البُيوعِ الفاسِدةِ في الإسلامِ، فهو على هذا الخِلافِ الذي ذَكَرْنا؛ لأنَّ ما جازَ مِنْ بُيوعِ المُسلِمينَ جازَ مِنْ بُيوعِ أهلِ الذِّمَّةِ، وما يَبطُلُ أو يَفسُدُ مِنْ بُيوعِ المُسلِمينَ يَبطُلُ أو يَفسُدُ مِنْ بُيوعِهم، إلَّا الخَمرَ والخِنزيرَ، على ما نَذكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ومِنها: أنْ يَكونَ البَدَلانِ مُتقوَّمَيْنِ شَرعًا، وهو أنْ يَكونا مَضمونَيْنِ حَقًّا لِلعَبدِ، فإنْ كانَ أحَدُهما غيرَ مَضمونٍ حَقًّا لِلعَبدِ لا يَجري فيه الرِّبا.
وعلى هذا الأصلِ يَخرُجُ ما إذا دخَل المُسلِمُ دارَ الحَربِ فبايَعَ رَجُلًا أسلَمَ في دارِ الحَربِ ولَم يُهاجِرْ إلينا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ، أو غيرَ ذلك مِنْ البُيوعِ الفاسِدةِ في دارِ الإسلامِ أنَّه يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ.
وعندَهما لا يَجوزُ؛ لأنَّ العِصمةَ -وإنْ كانَتْ ثابِتةً فالتَّقوُّمُ ليسَ بثابِتٍ عندَه، حتى هو لا يَضمَنُ نَفسَه بالقِصاصِ ولا بالدِّيةِ عندَه، وكذا مالُه لا يُضمَنُ بالإتلافِ؛ لأنَّه تابِعٌ لِلنَّفسِ، وعندَهما نَفسُه ومالُه مَعصومانِ مُتقوَّمانِ.
ولو دخَل مُسلِمانِ دارَ الحَربِ فتَبايَعا دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ أو غيرَه مِنْ البُيوعِ الفاسِدةِ في دارِ الإسلامِ، لا يَجوزُ؛ لأنَّ مالَ كلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعصومٌ مُتقوَّمٌ، فكانَ التَّملُّكُ بالعَقدِ، فيَفسُدُ بالشَّرطِ الفاسِدِ.
стр. 3497
ولو أسلَمَ الحَربيُّ الذي بايَعَ المُسلِمَ ودخَل دارَ الإسلامِ أو أسلَمَ أهلُ الدَّارِ، فما كانَ مِنْ رِبًا مَقبوضٍ أو بَيعٍ فاسِدٍ مَقبوضٍ فهو جائِزٌ ماضٍ، وما كانَ غيرَ مَقبوضٍ يَبطُلُ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨]، أمَرَهم بتَركِ ما بَقيَ مِنْ الرِّبا، وبتَركِ ما بَقيَ مِنْ الرِّبا، ونهَى عن قَبضِه، فكَأنَّه تَعالى قالَ: اترُكوا قَبْضَه، فيَقتَضي حُرمةَ القَبضِ.
ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «كُلُّ رِبًا في الجاهِليةِ فهو مَوضوعٌ تَحتَ قَدَمَيَّ»، والوَضعُ عِبارةٌ عن الحَطِّ والإسقاطِ، وذلك فيما لَم يُقبَضْ، ولأنَّ بالإسلامِ حرُم ابتِداءُ العَقدِ، فكذا القَبضُ بحُكمِ العَقدِ؛ لأنَّه تَقريرُ العَقدِ وتَأكيدُه، فيُشبِهُ العَقدَ، فيُلحَقُ به، إذ هو عَقدٌ مِنْ وَجْهٍ، فيُلحَقُ بالثَّابِتِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ، في بابِ الحُرُماتِ، احتياطًا، ومَتَى حُرِّمَ القَبضُ لَم يَكُنْ في بَقاءِ العَقدِ فائِدةٌ (١).
القَولُ الثَّاني: أنَّ الرِّبا حَرامٌ، لا فَرقَ في تَحريمِه بينَ دارِ الإسلامِ ودارِ الحَربِ؛ فكلُّ عَقدٍ كانَ رِبًا حَرامًا بينَ مُسلِمينَ في دارِ الإسلامِ كانَ رِبًا
فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (١).
وعُمومُ الأخبارِ يَقتَضي تَحريمَ التَّفاضُلِ، وقَولُه ﷺ : «فَمَنْ زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى»، عامٌّ، وكذلك سائِرُ الأحاديثِ، ولأنَّ كُلَّ ما كانَ حَرامًا في دارِ الإسلامِ كانَ حَرامًا في دارِ الشِّركِ كَسائِرِ الفَواحِشِ والمَعاصي، ولأنَّ كُلَّ عَقدٍ حُرِّمَ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ، حُرِّمَ بينَ المُسلِمِ والحَربيِّ، كدارِ الإسلامِ، ولأنَّه عَقدٌ فاسِدٌ، وجَب ألَّا يُستَباحَ به المَعقودُ عليه، كالنِّكاحِ، فأمَّا احتِجاجُه بحَديثِ مَكحولٍ فهو مُرسَلٌ، والمَراسيلُ ضَعيفةٌ، ليسَتْ حُجَّةً.
ويُحتمَلُ أنَّه أرادَ النَّهيَ عن ذلك، ولا يَجوزُ تَركُ ما ورَد بتَحريمِه القُرآنُ، وتَظاهَرتْ به السُّنةُ، وانعقَد الإجماعُ على تَحريمِه بخَبَرٍ مَجهولٍ لَم يَرِدْ في صَحيحٍ ولا مُسنَدٍ ولا كِتابٍ مَوثوقٍ به، وهو مع ذلك مُرسَلٌ مُحتمَلٌ.
وأيضًا: ليسَ كلُّ ما استُبيحَ مِنهم بغيرِ عَقدٍ جازَ أنْ يُستَباحَ مِنهم بالعَقدِ الفاسِدِ، ألَا تَرَى أنَّ الفُروجَ يَجوزُ استِباحَتُها مِنهم بالفَيءِ مِنْ غيرِ عَقدٍ، ولا يَجوزُ استِباحَتُها بعَقدٍ فاسِدٍ؟!
فكذا الأموالُ، وإنْ جازَ أنْ تُستَباحَ مِنهم بغيرِ عَقدٍ لَم يَجُزْ أنْ تُستَباحَ بالعَقدِ الفاسِدِ (٢).
стр. 3500
ضَعْ وتَعجَّلْ:
مَعنَى (ضَعْ وتَعجَّلَ): أنْ يَكونَ لِرَجُلٍ على آخَرَ دَينٌ مُؤجَّلٌ، فيَقولَ المَدِينُ لِصاحِبِ الدَّينِ: ضَعْ بَعضَ دَينِكَ وتَعجَّلِ الباقيَ، أو يَقولَ صاحِبُ الدَّينِ لِلمَدِينِ: عَجِّلْ لي بَعضَه وأضَعُ عنكَ باقيَه (١).
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ هذه الصُّورةِ، فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ -ما عَدا زُفَرَ- والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ هذه الصُّورةَ بهذا الشَّرطِ لا تَجوزُ، وهي مِنْ الرِّبا المُحرَّمِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ كانَ له دَينٌ على رَجُلٍ إلى أجَلٍ فلا يَحِلُّ له أنْ يَضَعَ عنه بَعضَ الدَّينِ قبلَ الأجَلِ لِيُعجِّلَ له الباقيَ، وأنَّ ذلك حَرامٌ (٢).
واستَدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
١ - عن أبي صالِحٍ، مَولَى السَّفَّاحِ، أنَّه قالَ: بِعتُ بَزًّا مِنْ أهلِ السُّوقِ إلى أجَلٍ، ثم أرَدتُ الخُروجَ إلى الكُوفةِ، فعَرَضوا علَيَّ أنْ أضَعَ عنهم ويَنقُدوني، فسَألتُ عن ذلك زَيدَ بنَ ثابِتٍ ﵁ فقالَ: «لا آمُرُكَ أنْ تَأكُلَ هذا ولا تُؤكِلَه» (٣).
стр. 3501
٢ - عن سالِمِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أنَّ ابنَ عمرَ ﵁ عن رَجُلٍ يَكونُ له الدَّينُ على رَجُلٍ إلى أجَلٍ، فيَضَعُ عنه صاحِبُه ويُعجِّلُ له الآخَرُ، قالَ: فكَرِهَ ابنُ عمرَ ﵁ ذلك، ونهَى عنه (١).
٣ - عن المِقدادِ بنِ الأسوَدِ ﵁ قالَ: أسلَفتُ رَجُلًا مِئة دِينارٍ، ثم خرَج سَهْمي في بَعْثٍ بَعَثَه رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقُلتُ لَهُ: عَجِّلْ لي تِسعينَ دِينارًا وأحُطُّ عَشَرةَ دَنانيرَ، فقالَ: نَعَمْ، فذُكِرَ ذلك لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «أكَلتَ رِبًا يا مِقدادُ، وأطعَمْتَه» (٢).
٤ - وعن أبي المِنهالِ أنَّه سَألَ ابنَ عمرَ ﵁ قالَ: لِرَجُلٍ علَيَّ دَينٌ؟ فقالَ لي: عَجِّلْ لي وأضَعُ عنكَ. فنَهاني عنه، وقالَ: نهَى أميرُ المُؤمِنينَ، يَعنِى عمرَ ﵁، أنْ نَبيعَ العَينَ بالدَّيْنِ (٣).
ولأنَّه إذا تَعجَّلَ البَعضَ وأسقَطَ الباقيَ فقد باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي أسقَطَه، وذلك عَينُ الرِّبا، كما لو باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي يَزيدُه إذا حَلَّ عليه الدَّينُ، فقالَ: زِدْني في الدَّيْنِ وأزيدُكَ في المُدَّةِ. فأيُّ فَرقٍ بينَ أنْ تَقولَ: حُطَّ
стр. 3502
مِنْ الأجَلِ وأحُطُّ مِنْ الدَّينِ، أو تَقولَ: زِدْ في الأجَلِ وأزيَدُ في الدَّيْنِ؟!
قالَ زَيدُ بنُ أسلَمَ: كان الرِّبا في الجاهِليَّةِ أنْ يَكونَ لِلرَّجلِ على الرَّجُلِ الحَقُّ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ قالَ: أتَقضي أم تُرْبِي؟ فإنْ قَضى أخَذ، وإلا زادَه في حَقِّه وأخَّرَ عنه في الأجَلِ (١).
وقد عَلَّلَ الحَنفيَّةُ المَنعَ في غيرِ دَينِ الكِتابةِ: بأنَّ صاحِبَ الدَّيْنِ المُؤجَّلِ لا يَستحِقُّ المُعجَّلَ، فلا يُمكِنُ أنْ يُجعَلَ استِيفاءً، فصارَ عِوَضًا، وبَيعُ خَمسِمِئةٍ بألْفٍ لا يَجوزُ.
وبَيانُ ذلك أنَّ المُعجَّلَ لَم يَكُنْ مُستحَقًّا بالعَقدِ حتى يَكونَ استيفاؤُه استيفاءً لِبَعضِ حَقِّه، والتَّعجيلُ خَيرٌ مِنْ النَّسيئةِ لا مَحالةَ، وحينَئذٍ يَكونُ الخَمسُمِئةِ بمُقابَلةِ خَمسِمِئةٍ مثلَها مِنْ الدَّينِ، والتَّعجيلُ في مُقابَلةِ البَقيَّةِ، وذلك اعتياضٌ عن الأجَلِ، وهو باطِلٌ؛ ألَا تَرَى أنَّ الشَّرعَ حرَّم رِبا النَّسيئةِ؟ وليسَ فيه إلَّا شُبهةُ مُبادَلةِ المالِ بالأجَلِ، وإذا كانَتْ شُبهةُ الرِّبا مُوجِبةً لِلحُرمةِ فحَقيقَتُه أوْلَى بذلك (٢).
وعَلَّلَه الشافِعيَّةُ بأنَّه تَرْكُ بَعضِ المِقدارِ لِيَحصُلَ الحُلولُ في البَقيَّةِ،
стр. 3503
والصِّفةُ بانفِرادِها لا تُقابَلُ بعِوَضٍ، ولأنَّ صِفةَ الحُلولِ لا يَصحُّ إلحاقُها بالمُؤجَّلِ، وإذا لَم يَحصُلْ ما تُرِكَ مِنْ القَدْرِ لِأجْلِه لَم يَصحَّ التَّركُ (١).
وإليكَ نُصوصَ بَعضِ الفُقهاءِ في ذلك:
قالَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ -بعدَ رِوايةِ حَديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ ﵁ -: وبهذا نَأخُذُ، مَنْ وجَب له دَينٌ على إنسانٍ إلى أجَلٍ، فسَألَ أنْ يَضَعَ عنه، ويُعجِّلَ له ما بَقيَ، لَم يَنبَغِ ذلك؛ لأنَّه يُعجِّلُ قَليلًا بكَثيرٍ دَينًا، فكَأنَّه يَبيعُ قَليلًا نَقدًا بكَثيرٍ دَيْنًا، وهو قَولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وعَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ﵃، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ﵀ (٢).
وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: والأمْرُ المَكروهُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا أنْ يَكونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الدَّينُ إلى أجَلٍ، فيَضَعَ عنه الطَّالِبُ، ويُعجِّلُه المَطلوبُ، وذلك عندَنا بمَنزِلةِ الذي يُؤخِّرُ دَيْنَه بعدَ مَحِلِّه عن غَريمِه، ويَزيدُه الغَريمُ في حَقِّه، قالَ: فهذا الرِّبا بعَيْنِه لا شَكَّ فيه (٣).
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ -بعدَ ذِكْرِ قَولِ الإمامِ مالِكٍ-: قد بيَّن مالِكٌ ﵀ أنَّ مَنْ وَضَعَ مِنْ حَقٍّ له لَم يَحِلَّ أجلُه يَستَعجِلُه فهو بمَنزِلةِ مَنْ أخَذ حَقَّه بعدَ حُلولِ أجَلِه لِزيادةٍ يَزدادُها مِنْ غَريمِه لِتَأخيرِه ذلك؛ لأنَّ المَعنَى الجامِعَ لَهُما هو أنْ يَكونَ بإزاءِ الأمَدِ السَّاقِطِ والزَّائِدِ بَدَلًا وعِوَضًا يَزدادُه الذي يَزيدُ
стр. 3504
في الأجَلِ، ويُسقَطُ عن الذي يُعجِّلُ الدَّيْنَ قبلَ مَحِلِّه، فهَذانِ -وإنْ كانَ أحَدُهما عَكسَ الآخَرِ- مُجتَمِعانِ في المَعنَى الذي وَصَفْنا (١).
وقالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: والَّذي يَدلُّ على بُطلانِ ذلك شَيئانِ:
أحَدُهما: تَسميةُ ابنِ عمرَ إيَّاه رِبًا، وقد بيَّنا أنَّ أسماءَ الشَّرعِ تَوقيفٌ.
والآخَرُ: أنَّه مَعلومٌ أنَّ رِبا الجاهِليَّةِ إنَّما كانَ قَرضًا مُؤجَّلًا بزيادةٍ مَشروطةٍ، فكانَتِ الزِّيادةُ بَدَلًا مِنْ الأجَلِ، فأبطَلَه اللَّهُ تَعالى وحرَّمه، وقالَ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فحَظَرَ أنْ يُؤخَذَ لِلأجَلِ عِوَضٌ، فإذا كانَتْ عليه ألْفُ دِرهَمٍ مُؤجَّلةٌ فوَضَعَ عنه على أنْ يُعجِّلَه، فإنَّما جعَل الحَطَّ بحِذاءِ الأجَلِ، فكانَ هذا هو مَعنَى الرِّبا الذي نصَّ اللَّهُ تَعالى على تَحريمِه، ولا خِلافَ أنَّه لو كانَ عليه ألْفُ دِرهَمٍ حالَّةٌ فقالَ له: أجِّلْني وأزيدُكَ فيها مِئةَ دِرهَمٍ، لا يَجوزُ؛ لأنَّ المِئةَ عِوَضٌ مِنْ الأجَلِ، كذلك الحَطُّ في مَعنَى الزِّيادةِ؛ إذ جعَله عِوَضًا مِنْ الأجَلِ، وهذا هو الأصلُ في امتِناعِ جَوازِ أخْذِ الأبدالِ عن الآجالِ (٢).
فَحُرمةُ رِبا النَّساءِ ليسَتْ إلَّا لِشُبهةِ مُبادَلةِ المالِ بالأجَلِ، وإذا كانَتْ شُبهةُ الرِّبا مُوجِبةً لِلحُرمةِ فحَقيقَتُه أوْلَى بذلك.
стр. 3505
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا صالَحَه على المُؤجَّلِ ببَعضِه حالًّا لَم يَجُزْ، كَرِهَه زَيدُ بنُ ثابِتٍ وابنُ عمرَ ﵄ وقالَ: نهَى عمرُ أنْ تُباعَ العَينُ بالدَّينِ، وسَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ والقاسِمُ وسالِمٌ والحَسَنُ والشَّعبيُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ والثَّوريُّ وابنُ عُيَينةَ وهُشَيمٌ وأبو حَنيفةَ وإسحاقُ.
ورُويَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ والنَّخَعيِّ وابنِ سِيرينَ أنَّه لا بَأْسَ به.
وعن الحَسَنِ وابنِ سِيرينَ أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ بَأْسًا بالعُروضِ أنْ يَأخُذَها مِنْ حَقِّه قبلَ مَحِلِّه؛ لأنَّهما تَبايَعا العُروضَ بما في الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشتَراها بثَمَنٍ مِثلِها، ولَعَلَّ ابنَ سِيرينَ يَحتَجُّ بأنَّ التَّعجيلَ جائِزٌ، والإسقاطَ وَحدَه جائِزٌ، فجازَ الجَمعُ بينَهما، كما لو فعَلا ذلك مِنْ غيرِ وَطأةٍ عليه.
ولنا: أنَّه يَبذُلُ القَدْرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعجيلِ ما في ذِمَّتِه، وبَيعُ الحُلولِ والتَّأجيلِ لا يَجوزُ، كما لا يَجوزُ أنْ يُعطيَه عَشَرةً حالَّةً بعِشرينَ مُؤجَّلةً؛ ولأنَّه يَبيعُه عَشَرةً بعِشرينَ، فلَم يَجُزْ، كما لو كانَتْ مَعيبةً.
وبِفارِقِ ما إذا كانَ عن غيرِ مُواطَأةٍ، ولا عَقدٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما مُتبرِّعٌ ببَذْلِ حَقِّه مِنْ غيرِ عِوَضٍ، ولا يَلزَمُ مِنْ جَوازِ ذلك جَوازُه في العَقدِ، أو مع الشَّرِكةِ، كبَيعِ دِرهَمٍ بدِرهَمَيْنِ، ويُفارِقُ ما إذا اشتَرَى العُروضَ بثَمَنِ مِثلِها؛ لأنَّه لَم يَأخُذْ عن الحُلولِ عِوَضًا (١).
وذهَب زُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ وابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ مِنْ الحَنابِلةِ، وهي رِوايةٌ عن أحمدَ، إلى جَوازِ هذه الصُّورةِ.