← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

٢ - عن سالِمِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أنَّ ابنَ عمرَ ﵁ عن رَجُلٍ يَكونُ له الدَّينُ على رَجُلٍ إلى أجَلٍ، فيَضَعُ عنه صاحِبُه ويُعجِّلُ له الآخَرُ، قالَ: فكَرِهَ ابنُ عمرَ ﵁ ذلك، ونهَى عنه (١). ٣ - عن المِقدادِ بنِ الأسوَدِ ﵁ قالَ: أسلَفتُ رَجُلًا مِئة دِينارٍ، ثم خرَج سَهْمي في بَعْثٍ بَعَثَه رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقُلتُ لَهُ: عَجِّلْ لي تِسعينَ دِينارًا وأحُطُّ عَشَرةَ دَنانيرَ، فقالَ: نَعَمْ، فذُكِرَ ذلك لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «أكَلتَ رِبًا يا مِقدادُ، وأطعَمْتَه» (٢). ٤ - وعن أبي المِنهالِ أنَّه سَألَ ابنَ عمرَ ﵁ قالَ: لِرَجُلٍ علَيَّ دَينٌ؟ فقالَ لي: عَجِّلْ لي وأضَعُ عنكَ. فنَهاني عنه، وقالَ: نهَى أميرُ المُؤمِنينَ، يَعنِى عمرَ ﵁، أنْ نَبيعَ العَينَ بالدَّيْنِ (٣). ولأنَّه إذا تَعجَّلَ البَعضَ وأسقَطَ الباقيَ فقد باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي أسقَطَه، وذلك عَينُ الرِّبا، كما لو باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي يَزيدُه إذا حَلَّ عليه الدَّينُ، فقالَ: زِدْني في الدَّيْنِ وأزيدُكَ في المُدَّةِ. فأيُّ فَرقٍ بينَ أنْ تَقولَ: حُطَّ

стр. 3502

مِنْ الأجَلِ وأحُطُّ مِنْ الدَّينِ، أو تَقولَ: زِدْ في الأجَلِ وأزيَدُ في الدَّيْنِ؟! قالَ زَيدُ بنُ أسلَمَ: كان الرِّبا في الجاهِليَّةِ أنْ يَكونَ لِلرَّجلِ على الرَّجُلِ الحَقُّ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ قالَ: أتَقضي أم تُرْبِي؟ فإنْ قَضى أخَذ، وإلا زادَه في حَقِّه وأخَّرَ عنه في الأجَلِ (١). وقد عَلَّلَ الحَنفيَّةُ المَنعَ في غيرِ دَينِ الكِتابةِ: بأنَّ صاحِبَ الدَّيْنِ المُؤجَّلِ لا يَستحِقُّ المُعجَّلَ، فلا يُمكِنُ أنْ يُجعَلَ استِيفاءً، فصارَ عِوَضًا، وبَيعُ خَمسِمِئةٍ بألْفٍ لا يَجوزُ. وبَيانُ ذلك أنَّ المُعجَّلَ لَم يَكُنْ مُستحَقًّا بالعَقدِ حتى يَكونَ استيفاؤُه استيفاءً لِبَعضِ حَقِّه، والتَّعجيلُ خَيرٌ مِنْ النَّسيئةِ لا مَحالةَ، وحينَئذٍ يَكونُ الخَمسُمِئةِ بمُقابَلةِ خَمسِمِئةٍ مثلَها مِنْ الدَّينِ، والتَّعجيلُ في مُقابَلةِ البَقيَّةِ، وذلك اعتياضٌ عن الأجَلِ، وهو باطِلٌ؛ ألَا تَرَى أنَّ الشَّرعَ حرَّم رِبا النَّسيئةِ؟ وليسَ فيه إلَّا شُبهةُ مُبادَلةِ المالِ بالأجَلِ، وإذا كانَتْ شُبهةُ الرِّبا مُوجِبةً لِلحُرمةِ فحَقيقَتُه أوْلَى بذلك (٢). وعَلَّلَه الشافِعيَّةُ بأنَّه تَرْكُ بَعضِ المِقدارِ لِيَحصُلَ الحُلولُ في البَقيَّةِ،

стр. 3503

والصِّفةُ بانفِرادِها لا تُقابَلُ بعِوَضٍ، ولأنَّ صِفةَ الحُلولِ لا يَصحُّ إلحاقُها بالمُؤجَّلِ، وإذا لَم يَحصُلْ ما تُرِكَ مِنْ القَدْرِ لِأجْلِه لَم يَصحَّ التَّركُ (١). وإليكَ نُصوصَ بَعضِ الفُقهاءِ في ذلك: قالَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ -بعدَ رِوايةِ حَديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ ﵁ -: وبهذا نَأخُذُ، مَنْ وجَب له دَينٌ على إنسانٍ إلى أجَلٍ، فسَألَ أنْ يَضَعَ عنه، ويُعجِّلَ له ما بَقيَ، لَم يَنبَغِ ذلك؛ لأنَّه يُعجِّلُ قَليلًا بكَثيرٍ دَينًا، فكَأنَّه يَبيعُ قَليلًا نَقدًا بكَثيرٍ دَيْنًا، وهو قَولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وعَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ﵃، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ﵀ (٢). وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: والأمْرُ المَكروهُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا أنْ يَكونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الدَّينُ إلى أجَلٍ، فيَضَعَ عنه الطَّالِبُ، ويُعجِّلُه المَطلوبُ، وذلك عندَنا بمَنزِلةِ الذي يُؤخِّرُ دَيْنَه بعدَ مَحِلِّه عن غَريمِه، ويَزيدُه الغَريمُ في حَقِّه، قالَ: فهذا الرِّبا بعَيْنِه لا شَكَّ فيه (٣). قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ -بعدَ ذِكْرِ قَولِ الإمامِ مالِكٍ-: قد بيَّن مالِكٌ ﵀ أنَّ مَنْ وَضَعَ مِنْ حَقٍّ له لَم يَحِلَّ أجلُه يَستَعجِلُه فهو بمَنزِلةِ مَنْ أخَذ حَقَّه بعدَ حُلولِ أجَلِه لِزيادةٍ يَزدادُها مِنْ غَريمِه لِتَأخيرِه ذلك؛ لأنَّ المَعنَى الجامِعَ لَهُما هو أنْ يَكونَ بإزاءِ الأمَدِ السَّاقِطِ والزَّائِدِ بَدَلًا وعِوَضًا يَزدادُه الذي يَزيدُ

стр. 3504

في الأجَلِ، ويُسقَطُ عن الذي يُعجِّلُ الدَّيْنَ قبلَ مَحِلِّه، فهَذانِ -وإنْ كانَ أحَدُهما عَكسَ الآخَرِ- مُجتَمِعانِ في المَعنَى الذي وَصَفْنا (١). وقالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: والَّذي يَدلُّ على بُطلانِ ذلك شَيئانِ: أحَدُهما: تَسميةُ ابنِ عمرَ إيَّاه رِبًا، وقد بيَّنا أنَّ أسماءَ الشَّرعِ تَوقيفٌ. والآخَرُ: أنَّه مَعلومٌ أنَّ رِبا الجاهِليَّةِ إنَّما كانَ قَرضًا مُؤجَّلًا بزيادةٍ مَشروطةٍ، فكانَتِ الزِّيادةُ بَدَلًا مِنْ الأجَلِ، فأبطَلَه اللَّهُ تَعالى وحرَّمه، وقالَ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فحَظَرَ أنْ يُؤخَذَ لِلأجَلِ عِوَضٌ، فإذا كانَتْ عليه ألْفُ دِرهَمٍ مُؤجَّلةٌ فوَضَعَ عنه على أنْ يُعجِّلَه، فإنَّما جعَل الحَطَّ بحِذاءِ الأجَلِ، فكانَ هذا هو مَعنَى الرِّبا الذي نصَّ اللَّهُ تَعالى على تَحريمِه، ولا خِلافَ أنَّه لو كانَ عليه ألْفُ دِرهَمٍ حالَّةٌ فقالَ له: أجِّلْني وأزيدُكَ فيها مِئةَ دِرهَمٍ، لا يَجوزُ؛ لأنَّ المِئةَ عِوَضٌ مِنْ الأجَلِ، كذلك الحَطُّ في مَعنَى الزِّيادةِ؛ إذ جعَله عِوَضًا مِنْ الأجَلِ، وهذا هو الأصلُ في امتِناعِ جَوازِ أخْذِ الأبدالِ عن الآجالِ (٢). فَحُرمةُ رِبا النَّساءِ ليسَتْ إلَّا لِشُبهةِ مُبادَلةِ المالِ بالأجَلِ، وإذا كانَتْ شُبهةُ الرِّبا مُوجِبةً لِلحُرمةِ فحَقيقَتُه أوْلَى بذلك.

стр. 3505

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا صالَحَه على المُؤجَّلِ ببَعضِه حالًّا لَم يَجُزْ، كَرِهَه زَيدُ بنُ ثابِتٍ وابنُ عمرَ ﵄ وقالَ: نهَى عمرُ أنْ تُباعَ العَينُ بالدَّينِ، وسَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ والقاسِمُ وسالِمٌ والحَسَنُ والشَّعبيُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ والثَّوريُّ وابنُ عُيَينةَ وهُشَيمٌ وأبو حَنيفةَ وإسحاقُ. ورُويَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ والنَّخَعيِّ وابنِ سِيرينَ أنَّه لا بَأْسَ به. وعن الحَسَنِ وابنِ سِيرينَ أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ بَأْسًا بالعُروضِ أنْ يَأخُذَها مِنْ حَقِّه قبلَ مَحِلِّه؛ لأنَّهما تَبايَعا العُروضَ بما في الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشتَراها بثَمَنٍ مِثلِها، ولَعَلَّ ابنَ سِيرينَ يَحتَجُّ بأنَّ التَّعجيلَ جائِزٌ، والإسقاطَ وَحدَه جائِزٌ، فجازَ الجَمعُ بينَهما، كما لو فعَلا ذلك مِنْ غيرِ وَطأةٍ عليه. ولنا: أنَّه يَبذُلُ القَدْرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعجيلِ ما في ذِمَّتِه، وبَيعُ الحُلولِ والتَّأجيلِ لا يَجوزُ، كما لا يَجوزُ أنْ يُعطيَه عَشَرةً حالَّةً بعِشرينَ مُؤجَّلةً؛ ولأنَّه يَبيعُه عَشَرةً بعِشرينَ، فلَم يَجُزْ، كما لو كانَتْ مَعيبةً. وبِفارِقِ ما إذا كانَ عن غيرِ مُواطَأةٍ، ولا عَقدٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما مُتبرِّعٌ ببَذْلِ حَقِّه مِنْ غيرِ عِوَضٍ، ولا يَلزَمُ مِنْ جَوازِ ذلك جَوازُه في العَقدِ، أو مع الشَّرِكةِ، كبَيعِ دِرهَمٍ بدِرهَمَيْنِ، ويُفارِقُ ما إذا اشتَرَى العُروضَ بثَمَنِ مِثلِها؛ لأنَّه لَم يَأخُذْ عن الحُلولِ عِوَضًا (١). وذهَب زُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ وابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ مِنْ الحَنابِلةِ، وهي رِوايةٌ عن أحمدَ، إلى جَوازِ هذه الصُّورةِ.

стр. 3506

قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: إذا كانَ له على رَجُلٍ دَينٌ مُؤجَّلٌ وأرادَ رَبُّ الدَّيْنِ السَّفَرَ، وخافَ أنْ يَذهَبَ مالُه، أو احتاجَ إليه، ولا يُمكِنُه المُطالَبةُ قبلَ الحُلولِ، فأرادَ أنْ يَضَعَ عن الغَريمِ بَعضًا ويُعجِّلَ له باقيَه، فقدِ اختلَف السَّلَفُ والخَلَفُ في هذه المَسألةِ: فأجازَها ابنُ عَبَّاسٍ ﵁ وحرَّمها ابنُ عمرَ ﵁، وعَن أحمدَ فيها رِوايَتانِ، أشهَرُهما عنه: المَنعُ، وهي اختِيارُ جُمهورِ أصحابِه، والأُخرى: الجَوازُ، حَكاها ابنُ أبي موسى، وهي اختِيارُ شَيخِنا … قالَ المُبيحونَ: صَحَّ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّه كانَ لا يَرَى بَأْسًا أنْ يَقولَ: «أُعجِّلُ لَكَ وتَضَعُ عَنِّي»، وهو الذي رَوى أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا أمَرَ بإخراجِ بَني النَّضيرِ مِنْ المَدينةِ جاءَه ناسٌ مِنهم، فقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّكَ أمَرتَ بإخراجِهم، ولَهم على النَّاسِ دُيونٌ لَم تَحِلَّ؟ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ضَعوا وتَعَجَّلوا» (١)، قالَ أبو عَبدِ اللَّهِ الحاكِمُ: هو صَحيحُ الإسنادِ. قُلتُ: هو على شَرطِ السُّنَنِ، وقد ضَعَّفَه البَيهَقيُّ وإسنادُه ثِقاتٌ: وإنَّما ضُعِّفَ بمُسلِمِ بنِ خالِدٍ الزِّنجيِّ، وهو ثِقةٌ فَقيهٌ رَوى عنه الشافِعيُّ، واحتَجَّ به، وقالَ البَيهَقيُّ: بابُ مَنْ عجَّل له أدنَى مِنْ حَقِّه، قبلَ مَحِلِّه، فوَضَعَ عنه طَيِّبةً به أنْفُسُهما، وكَأنَّ مُرادَه أنَّ هذا وقَع بغيرِ شَرطٍ، بَلْ هذا عجَّل، وهذا وَضَعَ، ولا مَحذورَ في ذلك.

стр. 3507

قالوا: وهذا ضِدُّ الرِّبا، فإنَّ ذلك يَتضمَّنُ الزِّيادةَ في الأجَلِ والدَّينِ، وذلك إضرارٌ مَحضٌ بالغَريمِ، ومَسألَتُنا تَتضمَّنُ بَراءةَ ذِمَّةِ الغَريمِ مِنْ الدَّينِ، وانتِفاعَ صاحِبِه بما يَتعجَّلُه، فكِلاهُما حصَل له الِانتِفاعُ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ، بخِلافِ الرِّبا المُجمَعِ عليه؛ فإنَّ ضَرَرَه لاحِقٌ بالمَدِينِ، ونَفعَه مُختَصٌّ برَبِّ الدَّينِ، فهذا ضِدُّ الرِّبا صُورةً ومَعنًى. قالوا: ولأنَّ مُقابَلةَ الأجَلِ بالزِّيادةِ في الرِّبا ذَريعةٌ إلى أعظَمِ الضَّرَرِ، وهو أنْ يَصيرَ الدِّرهَمُ الواحِدُ أُلوفًا مُؤلَّفةً، فتَشتَغِلَ الذِّمَّةُ بغيرِ فائِدةٍ، وفي الوَضعِ والتَّعجيلِ تَتخلَّصُ ذِمَّةُ هذا مِنْ الدَّينِ، ويَنتفِعُ ذاكَ بالتَّعجيلِ له. قالوا: والشارِعُ له تَطلُّعٌ إلى بَراءةِ الذِّمَمِ مِنْ الدُّيونِ، وسَمَّى الغَريمَ المَدِينَ أسيرًا، ففي بَراءةِ ذِمَّتِه تَخليصٌ له مِنْ الأسْرِ، وهذا ضِدُّ شَغلِها بالزِّيادةِ مع الصَّبرِ، وهذا لازِمٌ لِمَنْ قالَ: يَجوزُ ذلك في دَينِ الكِتابةِ، وهو قَولُ أحمدَ وأبي حَنيفةَ؛ فإنَّ المَكاتَبَ مع سَيِّدِه كالأجنَبيِّ في بابِ المُعامَلاتِ، ولِهذا لا يَجوزُ أنْ يَبيعَه دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ، ولا أنْ يُبايِعَه بالرِّبا، فإذا جازَ له أنْ يَتعجَّلَ بَعضَ كِتابَتِه ويَضَعَ عنه بَقيَّتَها، لِما له في ذلك مِنْ مَصلَحةِ تَعجيلِ العِتقِ وبَراءةِ ذِمَّتِه مِنْ الدَّينِ، لَم يُمنَعْ ذلك في غيرِه مِنْ الدُّيونِ. ولو ذهَب ذاهِبٌ إلى التَّفصيلِ في المَسألةِ وقالَ: لا يَجوزُ في دَينِ القَرضِ، إذا قُلنا بلُزومِ تَأجيلِه، ويَجوزُ في ثَمَنِ المَبيعِ والأُجرةِ وعِوَضِ الخُلعِ والصَّداقِ، لَكانَ له وَجْهٌ، فإنَّه في القَرضِ يَجِبُ رَدُّ المِثْلِ، فإذا عجَّل

стр. 3508

له وأسقَطَ بَقيَّتَه خرَج عن مُوجِبِ العَقدِ، وكانَ قد أقرَضَه مِئةً، فوَفَّاه تِسعينَ بلا مَنفَعةٍ حَصَلتْ لِلمُقرِضِ، بَلِ اختَصَّ المُقتَرِضُ بالمَنفَعةِ، فهو كالمُرْبِي سَواءٌ في اختِصاصِه بالمَنفَعةِ دونَ الآخَرِ، وأمَّا في البَيعِ والإجارةِ فإنَّهما يَملِكانِ فَسخَ العَقدِ، وجَعْلَ العِوَضِ حالًّا أنقَص ممَّا كانَ، وهذا هو حَقيقةُ الوَضعِ والتَّعجيلِ، لكنْ تَحيَّلَا عليه، والِعبرةُ في العُقودِ بمَقاصِدِها لا بصُورِها، فإنْ كانَ الوَضعُ والتَّعجيلُ مَفسَدةً فالِاحتِيالُ عليه لا يُزيلُ مَفسَدَتَه، وإنْ لَم يَكُنْ مَفسَدةٌ لَم يَحتَجْ إلى الِاحتيالِ عليه. فتَلَخَّصَ في المَسألةِ أربَعةُ مَذاهبَ: المَنعُ مُطلَقًا بشَرطٍ وبِدونِه في دَينِ الكِتابةِ وغيرِه، كقَولِ مالِكٍ، وجَوازُه في دَينِ الكِتابةِ دونَ غيرِه، كالمَشهورِ مِنْ مَذهبِ أحمدَ وأبي حَنيفةَ، وجَوازُه في المَوضِعَيْنِ، كَقَولِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ وأحمدَ في الرِّوايةِ الأُخرَى، وجَوازُه بلا شَرطٍ، وامتِناعُه مع الشَّرطِ المُقارِنِ، كقَولِ أصحابِ الشافِعيِّ، واللَّهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ -بعدَ أنْ ذكَر كِلَا القَولَيْنِ-: فقالَ قائِلٌ: أفَتجعَلونَ حَديثَ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ الذي ذَكَرتُموه في أوَّلِ هذا البابِ حُجَّةً لِمَنْ أجازَ المَعنَى المَذكورَ فيه على مَنْ كَرِهَه؟ فكانَ جَوابُنا له في ذلك: أنَّه لا حُجَّةَ فيه عندَنا لِمَنْ ذهَب إلى إطلاقِ ذلك على مَنْ ذهَب إلى كَراهَتِه؛ لأنَّه

стр. 3509

قد يَجوزُ أنْ يَكونَ كانَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ما كانَ مِنه مِنْ ذلك قبلَ تَحريمِ اللَّهِ الرِّبا، ثم حرَّم الرِّبا بعدَ ذلك، فحُرِّمتْ أسبابُه، وهذه مَسألةٌ في الفِقهِ جَليلةُ المِقدارِ مِنه، يَجِبُ أنْ تُتأمَّلَ حتى يُوقَفَ على الوَجْهِ فيها إنْ شاءَ اللَّهُ ، وهي حَطيطةُ البَعضِ مِنْ الدَّينِ المُؤجَّلِ؛ لِيَكونَ سَبَبًا لِتَعجيلِ بَقيَّتِه، فكَرِهَ ذلك مَنْ كَرهَهُ مِمَّنْ ذَكَرْنا، وأطلَقَه مَنْ سِواه مِمَّنْ وَصَفْنا، وكانَ الأصلُ في ذلك أنَّ الأمرَ لو جَرى في ذلك بينَ مَنْ هو له وبينَ مَنْ هو عليه بالوَضعِ والتَّعجيلِ على أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما مَشروطٌ في صاحِبِه، كانَ واضِحًا أنَّ ذلك لا يَجوزُ، وأنَّه كالرِّبا الذي جاءَ القُرآنُ بتَحريمِه، وبِوَعيدِ اللَّهِ عليه، وهو أنَّ الجاهِليَّةَ كانوا يَدفَعونَ إلى مَنْ لَهم عليهم الدَّينُ العاجِلُ ما يَدفَعونَه إلَيهم مِنْ أموالِهم حتى يُؤَخِّروا عنهم ذلك الدَّينَ العاجِلَ إلى أجَلٍ يَذكُرونَه في ذلك التَّأخيرِ، فهُم يَكونونَ بذلك مُشتَرينَ أجَلًا بمالٍ، فحرَّم اللَّهُ ذلك، وأوعَدَ عليه الوَعيدَ الذي جاءَ به القُرآنُ، فكانَ مِثلُ ذلك وَضعَ بَعضِ الدَّينِ المُؤجَّلِ لِتَعجيلِ بَقيَّتِه في أنَّه لا يَجوزُ ذلك؛ لأنَّه ابتياعُ التَّعجيلِ بما يُتعجَّلُ مِنه بإسقاطِ بَقيَّةِ الدَّينِ الذي سقَط مِنه، فهذا واضِحٌ أنَّه لا يَجوزُ، ومِمَّن كانَ يَذهَبُ إلى ذلك مِنْ أهلِ العِلمِ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ، كما حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ العَبَّاسِ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ مَعبَدٍ أنبَأنا مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ حدَّثنا يَعقوبُ عن أبي حَنيفةَ بما ذَكَرْنا، ولَم يَحْكِ بينَهم في ذلك خِلافًا، وكما حدَّثنا يُونُسُ أنبَأنا

стр. 3510

ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ بهذا المَعنَى أيضًا، ومِمَّن كانَ يَذهَبُ إلى خِلافِ ذلك زُفَرُ بنُ الهُذَيلِ كما حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ العَبَّاسِ حدَّثنا يَحيَى بنُ سُلَيمانَ الجُعفيُّ حَدَّثنا الحَسَنُ بنُ زِيادٍ قالَ: قالَ زُفَرُ في رَجُلٍ له على رَجُلٍ ألْفُ دِرهَمٍ إلى سَنةٍ مِنْ ثَمَنِ مَتاعٍ، أو ضَمانٍ، فصالَحَه مِنها على خَمسِمِئةٍ نَقدًا، إنَّ ذلك جائِزٌ، وقد كانَ الشافِعيُّ ﵀ قد أجازَ ذلك مَرَّةً كما ذكَره لَنا المُزنيُّ عنه قالَ: ولو عجَّل المُكاتَبُ لِمَولاه بَعضَ الكِتابةِ على أنْ يُبرِئَه مِنْ الباقي لَم يَجُزْ، ورَدَّ عليه ما أخَذ، ولَم يُعتَقْ؛ لأنَّه أبرَأه ممَّا لَم يُبرَأْ مِنه. قالَ المُزَنيُّ: قد قالَ في هذا المَوضِعِ: ضَعْ وتَعجَّلْ لا يَجوزُ، وأجازَه في الدَّيْنِ. قالَ أبو جَعفَرٍ: وأمَّا إذا كانَ ذلك الوَضْعُ والتَّعجيلُ ليسَ واحِدٌ مِنهما مَشروطًا في صاحِبِه، ولكنَّه على وَضْعٍ مَرجُوٍّ به التَّعجيلُ لِبَقيَّةِ الدَّينِ، فذلك بخِلافِ البابِ الأوَّلِ، ولا يَجوزُ في المَعقولِ إبطالُه بالحُكمِ، ولكنَّه مَكروهٌ غيرُ مَحكومٍ بإبطالِه، كما يُكرَهُ القَرضُ الذي يَجُرُّ مَنفَعةً ولا يُحكَمُ بإبطالِه لِذلك، فهذا وَجْهُ هذا البابِ بإيقاعِ الصُّلحِ على اشتِراطِ التَّعجيلِ في الوَضعِ، وفي الوَضعِ المَرجُوِّ به تَعجيلُ بَقيَّةِ الدَّينِ بغيرِ اشتِراطٍ له في ذلك الوَضعِ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ (١).

стр. 3511

أمَّا إذا كانَ الدَّينُ حالًّا فأبرَأَه صاحِبُ الدَّينِ مِنْ بَعضِه على أنْ يُعطيَه بَعضَه الآخَرَ الحالَّ فجائِزٌ باتِّفاقِ العُلماءِ؛ لِحَديثِ كَعبِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّه تَقاضَى ابنُ أبي حَدرَدٍ ﵁ دَينًا كانَ له عليه في عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ في المَسجِدِ، فارتَفَعتْ أصواتُهما حتى سَمِعَها رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، وهو في بَيتِه، فخرَج رَسولُ اللَّهِ ﷺ إليهما حتى كَشَفَ سِجفَ حُجرَتِه، فنادَى كَعبَ بنَ مالِكٍ، فقالَ: «يا كَعبُ»، فقالَ: لَبَّيكَ يا رَسولَ اللَّهِ، فأشارَ ﷺ بيَدِه أنْ ضَعِ الشَّطرَ، فقالَ كَعبٌ ﵁: قد فَعَلتُ يا رَسولَ اللَّهِ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «قُم فاقضِه» (١). مُدُّ عَجوةٍ: المُدُّ: مِكيالٌ مَعروفٌ، وهو أصغَرُ المَكاييلِ، ومِقدارُه: رُبُعُ صاعٍ. والعَجوةُ: ضَربٌ مِنْ أجوَدِ التَّمرِ بالمَدينةِ المُنوَّرةِ. ومَسألةُ «مُدُّ عَجوةٍ» مُصطَلَحٌ درَج على ألسِنةِ الفُقهاءِ، وقد عرَّفها الفُقهاءُ بأنَّها: بَيعٌ رِبَويٌّ بجِنسِه مُتماثِلًا، وكانَ مع أحَدِ الجِنسَيْنِ شَيءٌ مِنْ غيرِه، أو معهما، ومِثالُ ذلك بَيعُ صاعِ تَمرٍ وثَوبٍ بصاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، أو دِينارٍ جَيِّدٍ ودِينارٍ مُتوسِّطٍ بدِينارَيْنِ جَيِّدَيْنِ، أو مُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بمُدَّيْ عَجوةٍ أو مُدِّ حِنطةٍ ومُدِّ شَعيرٍ بمُدَّيْ حِنطةٍ (٢).

стр. 3512

وقد اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ هذه المَسألةِ على قَولَيْنِ: القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ ذلك غيرُ جائِزٍ. واستَدلَّ الجُمهورُ على عَدَمِ الجَوازِ بما رَواه مُسلِمٌ عن فَضالةَ بنِ عُبَيدِ ﵁ قالَ: «اشتَرَيتُ يَومَ خَيبَرَ قِلادةً باثنَيْ عشَرَ دِينارًا، فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، ففَصَّلتُها، فوَجَدتُ فيها أكثَرَ مِنْ اثنَيْ عشَرَ دِينارًا، فذَكَرتُ ذلك لِلنَّبيِّ ﷺ فقال: «لا تُباعُ حتى تُفصَّلَ» (١)، ولأنَّ قَضيَّةَ اشتِمالِ أحَدِ طَرَفَيِ العَقدِ على مالَيْنِ مُختلِفَيْنِ تَوزيعُ ما في الآخَرِ عليهما، اعتِبارًا بالقِيمةِ، كما في بَيعِ شِقصٍ مَشفوعٍ وسَيفٍ بألْفٍ وقِيمةُ الشِّقصِ مِئةٌ والسَّيفِ خَمسونَ، فإنَّ الشَّفيعَ يَأخُذُ الشِّقصَ بثُلُثَيْنِ، والتَّوزيعُ هُنا يُؤَدِّي إلى المُفاضَلةِ، أو الجَهلِ بالمُماثَلةِ؛ لأنَّه إذا باعَ مُدًّا ودِرهَمًا بمُدَّيْنِ، إنْ كانَتْ قِيمةُ المُدِّ الذي مع الدِّرهَمِ أكثَرَ أو أقَلَّ مِنه، لزِمتْه المُفاضَلةُ أو مِثلُه، فالمُماثَلةُ مَجهولةٌ، فلو كانَتْ قِيمَتُه دِرهَمَيْنِ فالمُدُّ ثُلُثَا طَرَفِه، فيُقابِلُه ثُلُثَا المُدَّيْنِ، أو نِصفُ دِرهَمٍ، فالمُدُّ ثُلُثُ طَرَفِه، فيُقابِلُه ثُلُثُ المُدَّيْنِ، فنُلزِمُ المُفاضَلةَ أو مثلَه، فالمُماثَلةُ مَجهولةٌ؛ لأنَّها تَعتَمِدُ التَّقويمَ، وهو تَخمينٌ قد يُخطِئُ» (٢).

стр. 3513

والقَولُ الثَّاني وهو قَولُ الحَنفيَّةِ وأحمدَ في الرِّوايةِ الأُخرَى أنَّ ذلك جائِزٌ. قالَ الحَنفيَّةُ: ولا بَأْسَ بكُرِّ حِنطةٍ وكُرِّ شَعيرٍ بثَلاثةِ أكرارِ حِنطةٍ وكُرِّ شَعيرٍ يَدًا بيَدٍ، فتَكونُ حِنطةُ هذا بشَعيرٍ هذا، وشَعيرُ هذا بحِنطةِ هذا، وكذلك لو باعَ مُدَّ عَجوةٍ وزَبيبٍ بمُدَّيْ عَجوةٍ وزَبيبٍ، أو باعَ دِينارًا ودِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ ودِينارَيْنِ. وكذا إذا باعَ دِرهَمًا جَيِّدًا ودِرهَمًا زَائفًا بدِرهَمَيْنِ جَيِّدَيْنِ يَجوزُ، وكذلك لو باعَ دِينارًا نَيْسابوريًّا أو دِينارًا هَرويًّا بدِينارَيْنِ نَيسابوريِّيْنِ أو هَرويِّيْنِ، وهذا بِناءً على الأصلِ أنَّه لا قِيمةَ لِلجَودةِ في الأموالِ الرِّبَويَّةِ عندَ المُقابَلةِ بجِنسِها، فالمُقابَلةُ باعتِبارِ الأجزاءِ، ويَجوزُ العَقدُ لِوُجودِ المُساواةِ في الوَزنِ عَمَلًا بقَولِه ﷺ : «الذَّهبُ بالذَّهبِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ»، وبِقَولِه ﷺ : «جَيِّدُها ورَديئُها سَواءٌ». ولأنَّ العَقدَ اشتَمَلَ هُنا على نَوعَينِ مُختلِفَيْنِ، فيَنبَغي أنْ يَجوزَ العَقدُ كَيفَ شاءَ المُتعاقِدانِ، والمَعنَى فيه أنَّ تَحصيلَ مَقصودِ المُتعاقدَيْنِ مُمكِنٌ بطَريقٍ شَرعيٍّ، وهو صَرفُ الجِنسِ إلى خِلافِ الجِنسِ، فيَجِبُ المَصيرُ إليه، ويُجعَلُ ذلك كالمُصَرَّحِ به، وهذا لأنَّ الانقِسامَ في سائِرِ المُعاوَضاتِ باعتِبارِ القِيمةِ ليسَ بمُقتَضى العَقدِ، بَلْ لِلمُعاوَضةِ والمُساواةِ؛ إذْ ليسَ صَرْفُ بَعضٍ أوْلَى مِنْ بَعضٍ، فيَصيرُ الانقِسامُ والتَّوزيعُ باعتِبارِ

стр. 3514

القِيمةِ لِلمُعاوَضةِ، وذلك غيرُ مَوجودٍ هُنا؛ لأنَّه لو صرَف الجِنسَ إلى الجِنسِ فسَد العَقدُ. ولو صُرِفَ الجِنسُ إلى خِلافِ الجِنسِ صَحَّ العَقدُ، ولا مُعاوَضةَ بينَ الجائِزِ والفاسِدِ؛ فالجائِزُ مَشروعٌ بأصْلِه ووَصْفِه، والفاسِدُ مَشروعٌ بأصْلِه، حَرامٌ بوَصْفِه؛ فإذا لَم تَتحقَّقِ المُعاوَضةُ على وَجْهِ المُساواةِ لا يُصارُ إلى الِانقِسامِ باعتِبارِ القِيمةِ، ولكنْ يَترجَّحُ ما هو مَشروعٌ مِنْ كلِّ وَجْهٍ على ما هو مَشروعٌ مِنْ وَجْهٍ دونَ وَجْهٍ (١). وقد ذكَر الإمامُ الماوَرديُّ مَذهبَ الشافِعيَّةِ والحَنفيَّةِ وذكَر أدِلَّةَ كِلَا الفَريقَيْنِ ورَدَّ عليها، فقالَ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀ تَعالى: ولا خَيرَ في مُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بمُدِّ عَجوةٍ، حتى يَكونَ التَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلٍ. قالَ الماوَرديُّ: وجُملَتُه أنَّ كُلَّ جِنسٍ ثبَت فيه الرِّبا لا يَجوزُ أنْ يُباعَ بشَيءٍ مِنْ جِنسِه إذا ضُمَّ إليه عِوَضٌ مِنْ غيرِ جِنسِه؛ فعلى هذا لا يَجوزُ أنْ يُباعَ مُدُّ تَمرٍ ودِرهَمٌ بمُدَّيْ تَمرٍ، ولا بدِرهَمَيْنِ، ولا يَجوزُ أنْ يُباعَ دِينارٌ وثَوبٌ بدِينارَيْنِ، ولا دِرهَمٌ وسَيفٌ بدِرهَمَيْنِ. وقالَ أبو حَنيفةَ بجَوازِه، فأباحَ بَيعَ مُدِّ تَمرٍ ودِرهَمٍ بمُدَّيْنِ، وجعَل مُدًّا بمُدٍّ ودِرهَمًا بمُدٍّ، وأجازَ بَيعَ سَيفٍ مُحَلًّى بذَهَبٍ بالذَّهبِ، إذا كانَ الثَّمنُ أكثَرَ ذَهَبًا مِنْ الحِليةِ، لِيَكونَ الفاضِلُ مِنه ثَمَنًا لِلسَّيفِ، ويُجعَلَ الذَّهبُ

стр. 3515

بالذَّهبِ مِثْلًا بمِثْلٍ. فاستَدلَّ على ذلك بأنَّ العَقدَ إذا أمكَنَ حَملُه على الصِّحَّةِ كانَ أوْلَى مِنْ حَملِه على الفَسادِ، وقد رُويَ عن عمرَ ﵁ أنَّه قالَ: «إذا وَجَدتُم لِمُسلِمٍ مَخرَجًا فأخرِجوه». فلمَّا كانَ مُتبايِعًا المُدَّ والدِّرهَمَ بالمُدَّيْنِ لو شرَطا في العَقدِ أنْ يَكونَ مُدٌّ بمُدٍّ، ودِرهَمٌ بمُدٍّ، صَحَّ العَقدُ، وجَب أنْ يُحمَلَ عليه أيضًا مع عَدَمِ الشَّرطِ؛ لِيَكونَ العَقدُ مَحمولًا على وَجْهِ الصِّحَّةِ دونَ الفَسادِ. قالَ: ولأنَّ المُماثَلةَ فيما يَدخُلُه الرِّبا مُعتبَرةٌ بالكَيلِ إنْ كانَ مَكيلًا، أو بالوَزنِ إنْ كانَ مَوزونًا؛ فأمَّا القِيمةُ فلا اعتِبارَ بها في المُماثَلةِ، لا في المَكيلِ، ولا في المَوزونِ، ألَا تَراه لو باعَ كُرًّا مِنْ حِنطةٍ يُساوي عَشَرةَ دَنانيرَ بِكُّرٍّ مِنْ حِنطةٍ يُساوي عِشرينَ دِينارًا صَحَّ العَقدُ؛ لِوُجودِ التَّماثُلِ في الكَيلِ، وإنْ حصَل التَّفاضُلُ في القِيمةِ، وإذا بطَل اعتِبارُ القِيمةِ في المُماثَلةِ صارَ العَقدُ مُقَسَّطًا على الأجزاءِ دونَ القِيَمِ؛ ويَصيرُالبَيعُ مُدًّا بإزاءِ مُدٍّ، ودِرهَمًا بإزاءِ مُدٍّ. والدِّلالةُ عليه حَديثُ فَضالةَ بنِ عُبَيدٍ ﵁ قالَ: أُتيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عامَ خَيبَرَ بقِلادةٍ فيها خَرَزٌ، وذَهَبٌ، ابتاعَها رَجُلٌ بتِسعةِ دَنانيرَ، أو بسَبعةِ دَنانيرَ، فقالَ النَّبيِّ ﷺ : «لا، حتى تُميِّزَ بينَهما»، فقالَ الرَّجُلُ: إنَّما أرَدتُ الحِجارةَ. فقالَ: «لا، حتى تُميِّزَ بينَهما». فإنْ قيلَ: فيَجوزُ أنْ يَكونَ النَّبيُّ ﷺ رَدَّه لأنَّ ذهَب القِلادةِ أكثَرُ مِنْ ذَهَبِ الثَّمنِ؟ قُلْنا: لا يَصحُّ ذلك مِنْ وَجهَيْنِ:

стр. 3516

أحَدُهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أطلَقَ الجَوابَ مِنْ غيرِ سُؤالٍ، فدَلَّ على استِواءِ الحالَيْنِ. والآخَرُ: أنَّ قَولَ المُشتَرِي: إنَّما أرَدتُ الحِجارةَ، دَليلٌ على أنَّ الذَّهبَ يَسيرٌ دخَل على وَجْهِ التَّبَعِ. ورُويَ أنَّ مُعاويةَ ﵁ ابتاعَ سَيفًا مُحَلًّى بالذَّهبِ بذَهَبٍ. فقالَ أبو الدَّرداءِ: لا يَصلُحُ هذا؛ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عنه، فقالَ: «الذَّهبُ بالذَّهبِ مِثْلًا بمِثْلٍ». فقالَ مُعاويةُ: ما أرَى بذلك بَأْسًا؛ فقالَ أبو الدَّرداءِ: أُحدِّثُكَ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ وتُحدِّثُني عن رَأيِكَ، واللَّهِ لا أُساكِنُكَ أبدًا (١). فدَلَّ هَذانِ الحَديثانِ على صِحَّةِ ما ذَكَرْنا. ثم الدَّليلُ عليه مِنْ طَريقِ المَعنَى هو أنَّ العَقدَ الواحِدَ إذا جَمَعَ شَيئَيْنِ مُختلِفيِ القِيمةِ كانَ الثَّمنُ مُقَسَّطًا على قِيمَتِهما، لا على أعدادِهما، يُوضِّحُ ذلك أصلانِ: أحَدُهما: أنَّ مَنْ اشتَرَى شِقصًا مِنْ دارٍ وعَبدًا بألْفٍ، فاستَحقَّ الشِّقصَ بالشُّفعةِ، كانَ مَأخوذًا بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ اعتِبارًا بقِيمَتِه وقِيمةِ العَبدِ، ولا يَكونُ مَأخوذًا بنِصفِ الثَّمنِ. والآخَرُ: أنَّ مَنْ اشتَرَى عَبدًا وثَوبًا بألْفٍ، ثم استَحقَّ الثَّوبَ أو تلِف كانَ العَبدُ مَأخوذًا بحِصَّتِه مِنْ الألْفِ، ولا يَكونُ مَأخوذًا بنِصفِ الألْفِ.

стр. 3517

وإذا كانَتِ الأُصولُ تُوجِبُ تَقسيطَ الثَّمنِ على القِيمةِ اقتَضى أنْ يَكونَ العَقدُ ههُنا فاسِدًا؛ لأنَّه يَتردَّدُ بينَ أمرَيْنِ: أحَدُهما: العِلمُ بالتَّفاضُلِ. والآخَرُ: الجَهلُ بالتَّماثُلِ؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ تَكونَ قِيمةُ المُدِّ الذي مع الدِّرهَمِ أقَلَّ مِنْ دِرهَمٍ أو أكثَرَ مِنْ دِرهَمٍ، أو يَكونَ دِرهَمًا، لا أقَلَّ ولا أكثَرَ. فإنْ كانَ أقَلَّ أو أكثَرَ كانَ التَّفاضُلُ مَعلومًا، وإنْ كانَ دِرهَمًا كانَ التَّماثُلُ مَجهولًا، والجَهلُ بالتَّماثُلِ كالعِلمِ بالتَّفاضُلِ. فلَم يَخْلُ العَقدُ في كِلا الأمرَيْنِ مِنْ الفَسادِ. فإنْ قيلَ: الثَّمنُ لا يَتقسَّطُ على القِيمةِ في حالِ العَقدِ، وإنَّما يَتقسَّطُ على القِيمةِ بالِاستِحقاقِ فيما بَعدُ؛ لأنَّ الثَّمنَ لا يَصحُّ أنْ يَكونَ مَجهولًا حالَ العَقدِ، وتَقسيطُه على القِيمةِ به يُفضي إلى الجَهالةِ. قُلْنا: هذا القَولُ فاسِدٌ؛ لأنَّ الثَّمنَ لا بدَّ أنْ يَكونَ مُقَسَّطًا إمَّا على القِيمةِ، وإمَّا على العَدَدِ؛ فلمَّا بطَل أنْ يَكونَ مُقَسَّطًا على العَدَدِ؛ لأنَّه لا يُستحَقُّ به، ثبَت أنَّه مُقَسَّطٌ على القِيمةِ، وليسَ الجَهلُ بالتَّفصيلِ مع العِلمِ بالجُملةِ مانِعًا مِنْ الصِّحَّةِ. فأمَّا استِدلالُهم بأنَّ العَقدَ إذا أمكَنَ حَملُه على الصِّحَّةِ لَم يَجُزْ حَملُه على الفَسادِ. فيَنتقِضُ بمَن باعَ سِلعةً إلى أجَلٍ، ثم اشتَراها نَقدًا بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ عندَهم، مع إمكانِ حَملِه على الصِّحَّةِ، وهُما عَقدانِ يَجوزُ كلُّ واحِدٍ مِنهما على الِانفِرادِ، وجَعَلوا العَقدَ الواحِدَ ههُنا عَقدَيْنِ؛ لِيَحمِلوه على الصِّحَّةِ، فكانَ هذا إفسادًا لقولِهم. ولو كانَ هذا

стр. 3518

أصلًا مُعتبَرًا لَكانَ بَيعُ مُدِّ تَمرٍ بمُدَّيْنِ جائِزًا، لِيَكونَ تَمرُ كلِّ واحِدٍ مِنهُما بنَوَى الآخَرِ، حَملًا لِلعَقدِ على وَجْهٍ يَصحُّ فيه ولا يَفسُدُ، أو يَكونُ مُدًّا بمُدٍّ، والآخَرُ مَحمولًا على الهِبةِ دونَ البَيعِ؛ فلمَّا لَم يَجُزِ اعتِبارُ هذا في العَقدِ وجَب اعتِبارُ إطلاقِه في العُرفِ المَقصودِ مِنه كذلك في مَسألَتِنا. وأمَّا استِدلالُهم بأنَّ المُماثَلةَ مُعتبَرةٌ بالقَدْرِ دونَ القِيمةِ، فالجَوابُ عنه أنَّ القِيمةَ غيرُ مُعتبَرةٍ، وإنَّما يُعتبَرُ تَماثُلُ القَدْرِ، غيرَ أنَّ بالقِيمةِ في الأجناسِ المُختَلِفةِ يُعلَمُ تَماثُلُ القَدْرِ، أو تَفاضُلُه، واللَّهُ أعلَمُ (١). وجاءَ في «تَهذيبِ الفُروقِ» في الفَرقِ الثَّامِنِ والثَّمانينَ والمِئةِ بينَ قاعِدةِ تَحريمِ بَيعِ الرِّبَويِّ بجِنسِه، وبينَ قاعِدةِ عَدَمِ تَحريمِ بَيعِه بجِنسِه. واتَّفق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على جَوازِ بَيعِ الرِّبَويِّ بجِنسِه إذا كانَ الرِّبَويانِ مُستوِيَيْنِ في المِقدارِ، ولَم يَكُنْ معهما ولا مع أحَدِهما عَينٌ أُخرَى، ولا جِنسٌ آخَرُ. واتَّفق الجَميعُ على المَنعِ إذا كانَ الرِّبَويانِ مُستوِيَيْنِ في المِقدارِ، ومع أحَدِهما عَينٌ أُخرَى؛ لأنَّها تُقابِلُ مِنْ أحَدِهما جُزءًا، فيَبقَى أحَدُهما أكثَرَ مِنْ الآخَرِ بالضَّرورةِ، فيَذهَبُ ما يَعتمِدُ عليه أبو حَنيفةَ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بالمُسلِمينَ. واختَلَفوا فيما إذا اتَّحَدَ جِنسُ الرِّبَويِّ مِنْ الطَّرفَيْنِ وكانَ معهما أو مع

стр. 3519

أحَدِهما جِنسٌ آخَرُ؛ يُمتنَعُ حينَئذٍ البَيعُ أو يَجوزُ؟ فذهَب إلى الأوَّلِ مالِكٌ والشافِعيُّ وابنُ حَنبَلٍ مُحتَجِّينَ بثَلاثةِ وُجوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُضافَ يُحتمَلُ أنْ يُقابِلَه مِنْ الآخَرِ ما لا يَبقَى بعدَ المُقابَلةِ، إلَّا أقَلَّ مِنْ مُساوِي المُضافِ إليه، والمُماثِلَ له، والمُماثَلةُ شَرطٌ، والجَهلُ بالشَّرطِ يُوجِبُ الجَهلَ بالمَشروطِ، فلا يَقضي بالصِّحَّةِ. الوَجهُ الثَّاني: أنَّه ذَريعةٌ إلى التَّفاضُلِ، فيَجِبُ سَدُّها، لا سيَّما أنَّه ﷺ قالَ: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ، ولا الفِضَّةَ بالفِضَّةِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ»، فجعَل الجَميعَ على المَنعِ إلَّا في حالةِ المُماثَلةِ، وهذه الحالةُ غيرُ مَعلومةٍ في صُورةِ النِّزاعِ، فوجَب بَقاؤُها على المَنعِ. الوَجْهُ الثَّالثُ: في مُسلِمٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أُتيَ بقِلادةٍ وهو بخَيبَرَ فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، فمنَع بَيعَها حتى تُفصَّلَ. وذهَب إلى الثَّاني أبو حَنيفةَ؛ بناءً على أمرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ حالِ المُسلِمينَ يَقتَضي الظَّنَّ بحُصولِ المُماثَلةِ، والظَّنُّ كافٍ في ذلك، كالطَّهاراتِ وغيرِها. الأمرُ الآخَرُ: أنَّ قَضيةَ القِلادةِ واقِعةُ عَينٍ، لَم يَتعيَّنِ المَنعُ فيها لِما ذُكِرَ، أي: مِنْ أنَّ المُضافَ يُحتمَلُ أنْ يُقابِلَه مِنْ الآخَرِ ما لا يَبقَى بعدَ المُقابَلةِ، إلَّا أقَلَّ مِنْ مُساوِي المُضافِ إليه، إلَخ … بَلْ لأنَّ الحُلِيَّ كانَ الذي فيها مَجهولَ الزِّنةِ، ونحن لا نُجيزُه مع الجَهلِ بالزِّنةِ؛ فإذا فُصِّلَتِ القِلادةُ ووُزِنَتْ عُلم

стр. 3520

وَزنُها؛ فجازَ بَيعُها، فلِمَ قُلتُم: إنَّ المَنعَ ما كانَ لِذلك؟ والجَوابُ عن الأوَّلِ: إنَّا لا نُسلِّمُ بأنَّ الظَّنَّ يَكفي في المُماثَلةِ في بابِ الرِّبا، بَلْ لا بدَّ مِنْ العِلمِ بشَهادةِ المِيزانِ والمِكيالِ، وبابُ الرِّبا أضيَقُ مِنْ بابِ الطَّهارةِ، فَلا يُقاسُ عليه. وعن الأمرِ الآخَرِ: بأنَّا لَم نَقُلْ: إنَّ المَنعَ في قَضيةِ القِلادةِ كانَ لأنَّ الحُلِيَّ كانَ الذي فيها مَجهولَ الزِّنةِ، بَلْ قُلْنا: إنَّ المَنعَ فيها كانَ لِما ذَكَرْناه؛ اعتِمادًا على حَديثِ: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ … »؛ لأنَّ حالةَ المُماثَلةِ التي مُفادُ الحَديثِ اشتِراطُها في جَوازِ البَيعِ غيرُ مَعلومةٍ في صُورةِ النِّزاعِ؛ فوجَب بَقاؤُها على المَنعِ، كما تَقدَّمَ على أنَّه يَلزَمُ على أصلِ أبي حَنيفةَ أنْ يَجوزَ بَيعُ دِينارٍ في قِرطاسٍ بدِينارَيْنِ؛ لِاحتِمالِ مُقابَلةِ الدِّينارِ الزَّائِدِ بالقِرطاسِ، وهو قد جَوَّزَه، وهو شَنيعٌ، فتَأمَّلْ، وهذه القاعِدةُ تُسَمَّى مُدَّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بدِرهمَيْنِ، واللَّهُ أعلَمُ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: المَسألةُ التي نقَلها الفُقهاءُ -مَسألةَ «مُدُّ عَجوةٍ» - على ثَلاثةِ أقسامٍ، يَجمَعُها أنَّه بَيعُ رِبَويٍّ بجِنسِه، ومعهما، أو مع أحَدِهما مِنْ غيرِ جِنسِهما: القِسمُ الأوَّلُ: أنْ يَكونَ المَقصودُ بَيعً رِبَويٍّ بجِنسِه مُتفاضِلًا، ويُضَمَّ إلى الأقَلِّ غيرُ الجِنسِ حِيلةً، مثلَ أنْ يَبيعَ ألْفَيْ دِينارٍ بألْفِ دِينارٍ في مِنديلٍ،

стр. 3521

أو قَفيزِ حِنطةٍ بقَفيزٍ وغِرارةٍ، ونَحوِ ذلك؛ فإنَّ الصَّوابَ في مِثلِ هذا القَولِ بالتَّحريمِ، كما هو مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ، وإلَّا فلا يَعجِزُ أحَدٌ في رِبا الفَضلِ أنْ يَضُمَّ إلى القَليلِ شَيئًا مِنْ هَذا. القِسمُ الثَّاني: أنْ يَكونَ المَقصودُ بَيعَ غيرِ رِبَويٍّ مع رِبَويٍّ، وإنَّما دخَل الرِّبَويُّ ضِمنًا وتَبَعًا، كبَيعِ شاةٍ ذاتِ صُوفٍ ولَبَنٍ بشاةٍ ذاتِ صُوفٍ ولَبَنٍ، أو سَيفٍ فيه فِضَّةٌ يَسيرةٌ بسَيفٍ أو غيرِه أو دارٍ مُمَوَّهةٍ بذَهَبٍ بدارٍ ونَحوِ ذلك؛ فهُنا الصَّحيحُ في مَذهبِ مالِكٍ وأحمدَ جَوازُ ذلك. وكذلك لو كانَ المَقصودُ بَيعَ الرِّبَويِّ بغيرِ الرِّبَويِّ، مثلَ بَيعِ الدَّارِ والسَّيفِ ونَحوِهما بذَهَبٍ، أو بَيعِه بجِنسِه وهُما مُتَساويانِ. ومَسألةُ الدَّراهِمِ المَغشوشةِ في زَمانِنا مِنْ هذا البابِ؛ فإنَّ الفِضَّةَ التي في أحَدِ الدِّرهَمَيْنِ كالفِضَّةِ التي في الدِّرهَمِ الآخَرِ، وأمَّا النُّحاسُ فهو تابِعٌ غيرُ مَقصودٍ، ولِهذا كانَ الصَّحيحُ جَوازَ ذلك بخِلافِ القِسمِ الثَّالثِ. وهو ما إذا كانَ كِلاهُما مَقصودًا مثلَ بَيعِ مُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ بمُدِّ عَجوةٍ، ودِرهَمٍ أو مُدَّيْنِ أو دِرهَمَيْنِ، أو بَيعِ دينارٍ بنِصفِ دِينارٍ وعَشَرةِ دَراهِمَ، أو بَيعِ عَشَرةِ دَراهِمَ ورِطلِ نُحاسٍ بعَشَرةِ دَراهِمَ ورِطلِ نُحاسٍ؛ فمِثلُ هذه فيها نِزاعٌ مَشهورٌ، فأبو حَنيفةَ يُجوِّزُ ذلك، والشافِعيُّ يُحرِّمُه، وعَن أحمدَ رِوايَتانِ، ولِمالِكٍ تَفصيلٌ بينَ الثُّلُثِ وغيرِه (١).

стр. 3522

أثَرُ الرِّبا في العُقودِ وكُلِّ بَيعٍ مُحرَّمٍ والمَقبوضِ بعَقدٍ فاسِدٍ: ذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنَّ العَقدَ الذي خالَطَه رِبًا مَردودٌ أبَدًا، ولا يَجوزُ بحالٍ، وأنَّ مَنْ أرْبَى يُنقَضُ عَقدُه ويُرَدُّ فِعلُه، وإنْ كانَ جاهِلًا؛ لأنَّه فِعَلُ ما حرَّمه الشارِعُ ونهَى عنه، والنَّهيُ يَقتَضي التَّحريمَ والفَسادَ. والدَّليلُ على هذا: ما رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ ﵁ أنَّه قالَ: أمَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ السَّعدَيْنِ أنْ يَبيعا آنيةً مِنْ المَغانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فباعا كُلَّ ثَلاثةٍ بأربَعةٍ عَينًا، أو كُلَّ أربَعةٍ بثَلاثةٍ عَينًا، فقالَ لَهما رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أربَيتُما؛ فَرُدَّا» (١). قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وفي قَولِه: «أرْبَيُتما؛ فرُدَّا» دَليلٌ على أنَّ البَيعَ الحَرامَ مَردودٌ أبَدًا؛ فإنْ فاتَ رجَع فيه إلى القِيمةِ عندَ الفُقهاءِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ البَيعَ إذا وقَع مُحرَّمًا فهو مَفسوخٌ مَردودٌ؛ لقولِه ﵇: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا على غيرِ أمرِنا فهو رَدٌّ». وقد رُويَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ برَدِّ هذا البَيعِ مِنْ حَديثِ بِلالِ بنِ رَباحٍ ﵁ ومِن حَديثِ أبِي سَعيدٍ الخُدريِّ، ورَوى مَنصورٌ وقَيسُ بنُ الرَّبيعِ عن أبي حَمزةَ، عن سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن بِلالٍ ﵁ قالَ: كانَ عِندي تَمرٌ دُونٌ؛ فابتَعتُ تَمرًا أجوَدَ مِنه فى السُّوقِ بنِصفِ كَيْلِه، صاعَيْنِ بصاعٍ؛ فأتَيتُ النَّبيَّ ﵇ فحَدَّثتُه بما صَنَعتُ؛ فقالَ: «هذا الرِّبا

стр. 3523

بعَيْنِه، انطَلِقْ فرُدَّه على صاحِبِه، وخُذْ تَمرَكَ فبِعْه، ثم اشتَرِ التَّمرَ» (١). وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: العَقدُ الفاسِدُ يَستحِقُّ فَسخَه ورَدَّه؛ لأنَّ مُباشَرَتَه مَعصيةٌ، والإصرارُ على المَعصيةِ مَعصيةٌ؛ فلِهَذا قالَ ﷺ : «أرْبَيتُما فرُدَّا»، ولَم يُعاتِبْهما على ما صَنَعا؛ لأنَّ نُزولَ تَحريمِ الرِّبا لَم يَكُنِ اشتُهِرَ بَعدُ، فعَذَرَهما بالجَهلِ به (٢). وعَن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبيِّ ﷺ بتَمرٍ بَرنِيٍّ؛ فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «مِنْ أينَ هَذا؟»، قالَ بِلالٌ: كانَ عندَنا تَمرٌ رَديٌّ، فبِعتُ مِنه صاعَيْنِ بصاعٍ؛ لِنُطعِمَ النَّبيَّ ﷺ ؛ فقالَ النَّبيُّ ﷺ عندَ ذلك: «أوَّه أوَّه، عَينُ الرِّبا، عَينُ الرِّبا، لا تَفعَلْ، ولكنْ إذا أرَدتَ أنْ تَشتَريَ فبِعِ التَّمرَ ببَيعٍ آخَرَ ثم اشتَرِ به» (٣). وفي رِوايةِ مُسلِمٍ: «هذا الرِّبا؛ فرُدُّوه، ثم بِيعوا تَمرَنا واشتَرُوا لَنا مِنْ هذا» (٤). قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: قالَ عُلماؤُنا: فقَولُه: «أوَّه، عَينُ الرِّبا»، أي: هو الرِّبا المُحرَّمُ نَفْسُه، لا ما يُشبِهُه، وقَولُه: «فرُدُّوه» يَدلُّ على وُجوبِ فَسخِ صَفقةِ الرِّبا، وأنَّها لا تَصحُّ بوَجْهٍ، وهو قَولُ الجُمهورِ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ، حيثُ يَقولُ: إنَّ بَيعَ الرِّبا جائِزٌ بأصْلِه مِنْ حيثُ هو بَيعٌ مَمنوعٌ بوَصفِه

стр. 3524

مِنْ حيثُ هو رِبًا، فيَسقُطُ الرِّبا ويَصحُّ البَيعُ، ولو كانَ على ما ذُكِرَ لَما فسَخ النَّبيُّ ﷺ هذه الصَّفقةَ، ولَأمَرَه برَدِّ الزِّيادةِ على الصَّاعِ، ولَصَحَّحَ الصَّفقةَ في مُقابَلةِ الصَّاعِ المُوفِّيةِ عِشرينَ، وكُلُّ ما كانَ مِنْ حَرامٍ بَيِّنٍ فُسِخَ؛ فعلى المُبتاعِ رَدُّ السِّلعةِ بعَينِها؛ فإنْ تَلِفتْ بيَدِه رَدَّ القِيمةَ فيما له القِيمةُ، وذلك كالعَقارِ والعُروضِ والحَيَوانِ والمِثْلِ فيما له مِثْلٌ مِنْ مَوزونٍ أو مَكِيلٍ مِنْ طَعامٍ أو عَرضٍ. قالَ مالِكٌ: يُرَدُّ الحَرامُ البَيِّنُ، فاتَ أو لَم يَفُتْ، وما كانَ ممَّا كَرِهَ النَّاسُ رُدَّ، إلَّا أنْ يَفوتَ، فيُترَكُ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قَولُه ﷺ في حَديثِ أبي سَعيدٍ ﵁ لِمَنِ اشتَرَى صاعًا بصاعَيْنِ: «هذا الرِّبا؛ فرُدُّوه»، هذا دَليلٌ على أنَّ المَقبوضَ ببَيعٍ فاسِدٍ يَجِبُ رَدُّه على بائِعِه، وإذا رَدَّه استَرَدَّ الثَّمنَ، فإنْ قيلَ: فلَم يُذكَرْ في الحَديثِ السَّابِقِ أنَّه أمَرَ برَدِّه، فالجَوابُ: أنَّ الظَّاهِرَ أنَّها قَضيةٌ واحِدةٌ، وأمْرَ فيها برَدِّه، فبَعضُ الرُّواةِ حَفِظَ ذلك، وبَعضُهم لَم يَحفَظْه، فقَبِلْنا زِيادةَ الثِّقةِ، ولو ثبَت أنَّهُما قَضيَّتانِ لَحُمِلَتِ الأُولَى على أنَّه أيضًا أمَرَ به، وإنْ لَم يَبلُغْنا ذلك، ولو ثبَت أنَّه لَم يَأمُرْ به مع أنَّهُما قَضيَّتانِ لَحَمَلْناها على أنَّه جَهِلَ بائِعَه، ولا يُمكِنُ مَعرِفَتُه، فصارَ مالًا ضائِعًا لِمَنْ عليه دَيْنٌ بقِيمَتِه، وهو التَّمرُ الذي قبَضه عِوَضًا، فحصَل أنَّه لا إشكالَ في الحَديثِ، ولِلَّهِ الحَمدُ (٢).

стр. 3525

وفَصَّلَ ابنُ رُشدٍ ﵀ فقالَ: مَنْ باعَ بَيعًا أرْبَى فيه غيرَ مُستَحِلٍّ لِلرِّبا فعليه العُقوبةُ المُوجِعةُ إنْ لَم يُعذَرْ بجَهلٍ، ويُفسَخُ البَيعُ ما كانَ قائِمًا، والحُجَّةُ في ذلك أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ السَّعدَيْنِ بأنْ يَبيعا آنيةً مِنْ المَغانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فباعا كُلَّ ثَلاثةٍ بأربَعةٍ عَينًا، أو كُلَّ أربَعةٍ بثَلاثةٍ عَينًا، فقالَ لَهُما رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أرْبَيتُما؛ فرُدَّا» (١). فَإنْ فاتَ البَيعُ فليسَ له إلَّا رَأْسُ مالِه، قبَض الرِّبا أو لَم يَقبِضْه؛ فإنْ كانَ قبَضه رَدَّه إلى صاحِبِه، وكذلك مَنْ أرْبَى ثم تابَ، فليسَ له إلَّا رَأْسُ مالِه، وما قُبِضَ مِنْ الرِّبا وجَب عليه أنْ يَرُدَّه إلى مَنْ قبَضه مِنه، وأمَّا مَنْ أسلَمَ وله رِبًا؛ فإنْ كانَ قبَضه فهو لَهُ؛ لقولِ اللَّهِ : ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولقولِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أسلَمَ على شَيءٍ فهو له» (٢)، وأمَّا إنْ كانَ لَم يَقبِضِ الرِّبا فلا يَحِلُّ له أنْ يَأخُذَه وهو مَوضوعٌ عنِ الذي هو عليه، ولا خِلافَ في هذا أعلَمُه (٣).

стр. 3526

باب في البُيوعِ المَنهيِّ عنها النَّهيُ لُغةً: الزَّجرُ عنِ الشَّيءِ، وهو: ضِدُّ الأمْرِ. واصطِلاحًا: طَلَبُ الكَفِّ عنِ الفِعلِ على جِهةِ الِاستِعلاءِ. والأصلُ في البَيعِ الإباحةُ والصِّحَّةُ، حتى يَقومَ الدَّليلُ على الحَظْرِ أو الفَسادِ. والدَّليلُ على ذلك هو قَولُ اللَّهِ تَعالى في كِتابِه العَزيزِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فإنَّه عامٌّ في إباحةِ جَميعِ البُيوعِ. ودَليلُ العُمومِ هو: أنَّ لَفظَ البَيعِ مُفرَدٌ مُحَلًّى بالألِفِ واللَّامِ، والمُفرَدُ المُحَلَّى بالألِفِ واللَّامِ يُفيدُ العُمومَ عندَ أهلِ الأُصولِ، إذا لَم يَكُنْ هُناكَ عَهدٌ مُطلَقًا، ولا قَصدٌ إلى إرادةِ الحَقيقةِ والماهيَّةِ؛ فصارَ حاصِلُ مَعنَى الآيةِ: أنَّ كُلَّ بَيعٍ حَلالٌ، أخْذًا بعُمومِ اللَّفظِ، غيرَ أنَّ أهلَ العِلمِ لَم يَختَلِفوا في أنَّ هذه الآيةَ، وإنْ كانَ مَخرَجُها مَخرَجُ العُمومِ، فقد لَحِقَها التَّخصيصُ؛ لأنَّهم -كما يَقولُ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ- مُتَّفِقونَ على حَظرِ كَثيرٍ مِنْ البِياعاتِ، نَحوَ بَيعِ ما لَم يُقبَضْ، وبَيعِ ما ليسَ عندَ الإنسانِ، وبَيعِ الغَرَرِ، والمَجاهيلِ، وعَقدِ البَيعِ على المُحرَّماتِ مِنْ الأشياءِ، وقد كانَ لَفظُ الآيةِ يُوجِبُ جَوازَ هذه البِياعاتِ، وإنَّما خُصَّتْ مِنها بدَلائِلَ، إلَّا أنَّ تَخصيصَها

стр. 3527

غيرُ مانِعٍ مِنْ اعتِبارِ عُمومِ لَفظِ الآيةِ؛ فيما لَم تَقُمِ الدِّلالةُ على تَخصيصِه (١). وهُناكَ صُورٌ مِنْ البُيوعِ نهَى عنها الشارِعُ؛ لِخَلَلٍ فيها، أو لِأمرٍ اقتَرَنَ بها، وهذه البُيوعُ مِنها الباطِلُ، ومِنها الفاسِدُ، ومِنها الصَّحيحُ مع الحُرمةِ، ومِنها المَكروهُ، وهي تَختَلِفُ مِنْ مَذهبٍ لِمَذهبٍ: وجُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ لا يُفرِّقونَ بينَ الفاسِدِ والباطِلِ؛ فالفاسِدِ والباطِلِ عندَهم سيَّانِ؛ فكما أنَّ البَيعَ الباطِلَ لا يُفيدُ الحُكمَ فكذلك الفاسِدُ لا أثَرَ له عندَهم. أمَّا الحَنفيَّةُ فيُفرِّقونَ بينَ الفاسِدِ والباطِلِ في البَيعِ دونَ النِّكاحِ. فقالوا: الفَرقُ بينَ الباطِلِ والفاسِدِ أنَّ الباطِلَ هو الذي لا يَكونُ صَحيحًا بأصْلِه، ولا بوَصْفِه، وذلك لِفَواتِ رُكنِه أو شَرطِه؛ فإذا تَخلَّفَ الرُّكنُ أو شَرطٌ مِنْ شُروطِ الِانعِقادِ، كانَ البَيعُ باطِلًا، ولا وُجودَ له؛ لأنَّه لا وُجودَ لِلتَّصرُّفِ إلَّا مِنْ الأهلِ في المَحَلِّ حَقيقةً، ويَكونُ العَقدُ فائِتَ المَعنَى مِنْ كلِّ وَجْهٍ، إمَّا لِانعِدامِ مَعنَى التَّصرُّفِ، كبَيعِ المَيْتةِ والدَّمِ، أو لِانعِدامِ أهليَّةِ التَّصرُّفِ، كبَيعِ المَجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقِلُ. والفاسِدُ هو الذي يَكونُ صَحيحًا بأصْلِه، لا بوَصْفِه، كاختِلالِ شَرطٍ مِنْ شَرائِطِ الصِّحَّةِ. كبَيعِ دِرهَمٍ بدِرهمَيْنِ؛ فإنَّ العِوضَيْنِ قابِلانِ لِلبَيعِ، ولكنْ جاءَ الخَلَلُ مِنْ قِبَلِ الزِّيادةِ، وكذا البَيعُ بالخَمرِ والخِنزيرِ، فهو فاسِدٌ؛ لِوُجودِ حَقيقةِ البَيعِ. وهذا إنْ لَم يَكُنِ الثَّمنُ دَيْنًا، بأنْ باعَها بدَراهِمَ، فالبَيعُ

стр. 3528

باطِلٌ، وإنْ كانَ عَينًا، بأنْ باعَها بثَوبٍ ونَحوِه، فالبَيعُ فاسِدٌ في حَقِّ الثَّوبِ، ويَنعقِدُ بقِيمةِ الثَّوبِ؛ لأنَّ مَقصودَ العاقِدَيْنِ ليسَ هو تَملُّكَ الخَمرِ، وتَمليكَها؛ لأنَّها لا تَصلُحُ لِلتَّملُّكِ. والتَّمليكُ في حَقِّ المُسلِمِ مَقصودٌ، بَلْ تَمليكُ الثَّوبِ وتَملُّكُه؛ لأنَّ الثَّوبَ يَصلُحُ مَقصودًا بالتَّملُّكِ والتَّمليكِ؛ فالتَّسميةُ إنْ لَم تَظهَرْ في حَقِّ الخَمرِ تَظهَرُ في حَقِّ الثَّوبِ، ولا مُقابِلَ له، فيَصيرُ كَأنَّ المُشتَرِيَ باعَ الثَّوبَ ولَم يَذكُرِ الثَّمنَ، فيَنعقِدُ بقِيمَتِه، بخِلافِ ما إذا كانَ الثَّمنُ دَينًا؛ لأنَّ الثَّمنَ يَكونُ في الذِّمَّةِ، وما في الذِّمَّةِ لا يَكونُ مَقصودًا بنَفْسِه، بَلْ يَكونُ وَسيلةً إلى المَقصودِ، فتَصيرُ الخَمرُ مَقصودةً بالتَّمليكِ والتَّملُّكِ، فيَبطُلُ أصْلًا، وأمَّا بَيعُ الخَمرِ والخِنزيرِ فلا يَبطُلُ، بَلْ يَفسُدُ ويَنعقِدُ بقِيمةِ الثَّوبِ؛ لأنَّ الثَّوبَ مالٌ مُتقوَّمٌ. وقالَ أبو حَنيفةَ: الباطِلُ لا يُفيدُ المِلْكَ؛ لأنَّ الباطِلَ هو الخالي عن العِوَضِ والفائِدةِ، ويَكونُ أمانةً في يَدِه حتى لو هلَك فلا ضَمانَ على القابِضِ؛ لأنَّه لمَّا باعَ بما ليسَ بمالٍ، وأمَرَه بقَبضِه، فقد رَضيَ بقَبضِه بغيرِ بَدَلٍ ماليٍّ، فلا يَضمَنُ، كالمُودَعِ. فلو اشتَرَى عَبدًا بمَيْتةٍ وقبَضه وأعتَقَه، لا يُعتَقُ، وهذا عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ الصَّاحِبَيْنِ يَكونُ البَيعُ الباطِلُ مَضمونًا، ويَهلِكُ بالقِيمةِ؛ لأنَّ البائِعَ ما رَضيَ بقَبضِه مَجَّانًا. والمُعتبَرُ في القِيمةِ هو يَومُ القَبضِ؛ لأنَّ المَبيعَ بالقَبضِ دخَل في ضَمانِه،

стр. 3529

هذا إذا كانَ المَبيعُ قِيَميًّا، وإنْ كانَ مِثليًّا مَلَكَه بمِثلِه؛ إذْ هو أعدَلُ؛ لِكَونِه مِثْلًا له صُورةٌ ومَعنًى. والفاسِدُ يُفيدُ المِلْكَ بالقَبضِ بأمرِ البائِعِ صَريحًا أو دِلالةً، كما إذا قبَضه في المَجلِسِ وسكَت حتى يَجوزَ له التَّصرُّفُ فيه إلَّا الِانتِفاعَ، لِما رُويَ عن عَمْرةَ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: أتَتْها بَريرةُ تَسألُها في كِتابَتِها، فقالَتْ ﵂: إنْ شِئتِ أعطَيتُ أهلَكِ ويَكونُ الوَلاءُ لي. فلمَّا جاءَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرتْ ذلك، فقالَ النَّبيُّ: «ابتاعيها فأعتِقيها؛ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ»، ثم قامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ على المِنبَرِ، فقالَ: «ما بالُ أقوامٍ يَشتَرِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ اللَّهِ، مَنْ اشتَرطَ شَرطًا ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فليسَ له، وإنِ اشتَرطَ مِئةَ شَرطٍ» (١)، فالنَّبيُّ ﷺ أجازَ العِتقَ مع فَسادِ البَيعِ بالشَّرطِ؛ لأنَّ رُكنَ التَّمليكِ، وهو قَولُه: «بِعتُ واشتَرَيتُ»، صدَر مِنْ أهلِه، وهو المُكلَّفُ المُخاطَبُ مُضافًا إلى مَحَلِّه، وهو المالُ عن وِلايةٍ؛ إذِ الكَلامُ فيهِما؛ فيَنعقِدُ؛ لِكَونِه وَسيلةً إلى المَصالِحِ، والفَسادِ، لِمَعنًى يُجاوِرُه، كالبَيعِ وَقتَ النِّداءِ، والنَّهيُ لا يَنفي الِانعِقادَ، بَلْ يُقرِّرُه؛ لأنَّه يَقتَضي تَصَوُّرَ المَنهيِّ عنه والقُدرةَ عليه، لأنَّ النَّهيَ عَمَّا لا يُتصوَّرُ وعَن غيرِ المَقدورِ قَبيحٌ، إلَّا أنَّه يُفيدُ مِلْكًا خَبيثًا لِمَكانِ النَّهيِ. ولِهذا يَجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ فَسخُه إزالةً لِلخُبثِ، ورَفعًا لِلفَسادِ. ولا يُشترَطُ القَضاءُ، فيُفسَخُ بمَحضَرٍ مِنْ الآخَرِ، أي: بعِلمِه، رَضيَ أو لا؛ لأنَّ في الفَسخِ إلزامَ الفَسخِ على صاحِبِه؛ فلا يَلزَمُ بدُونِ عِلمِه.

стр. 3530

ويُشترَطُ قِيامُ المَبيعِ حالةَ الفَسخِ؛ لأنَّ الفَسخَ بدُونِه مُحالٌ؛ فإنْ باعَه أو أعتَقَه أو وهَبه بعدَ القَبضِ جازَ، ولا يُنقَضُ لِمُصادَفةِ هذه التَّصرُّفاتِ مِلْكُه، ومُنِعَ الفَسخُ. وعليه قِيمَتُه يَومَ قَبضِه، إنْ كانَ مِنْ ذَواتِ القِيَمِ، أو مِثلُه إنْ كانَ مِثليًّا؛ لأنَّه كالغَصبِ مِنْ حيثُ إنَّه مَنهيٌّ عن قَبضِه، ولِما كانَ هذا العَقدُ ضَعيفًا؛ لِمُجاوَرَتِه المُفسِدَ، تَوقَّفَ إفادةُ المِلْكِ على القَبضِ، كالهِبةِ. فاشتَرَطوا لِإفادةِ البَيعِ الفاسِدِ المِلْكَ شَرطَيْنِ: أحَدُهما: القَبضُ؛ فلا يثبُتُ المِلْكُ قبلَ القَبضِ، لأنَّه واجِبُ الفَسخِ؛ رَفعًا لِلفَسادِ، وفي وُجوبِ المِلْكِ قبلَ القَبضِ تَقرُّرُ الفَسادِ. والآخَرُ: أنْ يَكونَ القَبضُ بإذْنِ البائِعِ؛ فإنْ قبَض بغيرِ إذْنٍ لا يثبُتُ المِلْكُ. والمَكروهُ: ما يَصحُّ أصلًا ووَصفًا، وقد جاوَرَه مَنهيٌّ عنه، كالبَيعِ عندَ أذانِ الجُمُعةِ (١). وهذا في الجُملةِ، إلَّا أنَّ بَعضَ الشافِعيَّةِ وافَقوا الحَنفيَّةَ في الفَرقِ بينَ الفاسِدِ والباطِلِ، حيثُ قالوا: إنْ رجَع الخَلَلُ إلى رُكنِ العَقدِ فالبَيعُ باطِلٌ، وإنْ رجَع إلى شَرطِه ففاسِدٌ، وقالَ جُمهورُ الشافِعيَّةِ: إنَّهما مُتَرادِفانِ، إلَّا في أربَعِ مَسائِلَ: وهي الحَجُّ والعُمرةُ والخُلعُ والكِتابةُ.

стр. 3531

فالفاسِدُ مِنْ الحَجِّ والعُمرةِ يَجِبُ قَضاؤُه، والمُضِيُّ فيه، والخُلعُ الفاسِدُ يَترتَّبُ عليه البَينونةُ، والكِتابةُ الفاسِدةُ قد يَترتَّبُ عليها العِتقُ، بخِلافِ الباطِلِ مِنها، فلا يَترتَّبُ عليه شَيءٌ مِنها (١). وقالَ المالِكيَّةُ: مُطلَقُ النَّهيِ عنِ العَقدِ مِنْ جِهةِ الشارِعِ يَدلُّ على فَسادِه؛ فكلُّ مَنهيٍّ عنه فاسِدٌ، أي: باطِلٌ، سَواءٌ كانَ عِبادةً، كَصَومِ يَومِ العيدِ، أو عَقدًا، كَنِكاحِ المَريضِ أو المُحرِمِ، وكبَيعِ ما لا قُدرةَ على تَسليمِه، أو مَجهولٍ؛ لأنَّ النَّهيَ يَقتَضي الفَسادَ، إلَّا أنْ يَدُلَّ دَليلٌ شَرعيٌّ على صِحَّةِ المَنهيِّ عنه بعدَ الوُقوعِ، فلا فَسادَ، ويَكونَ حينَئذٍ مُخصَّصًا لِهَذِه القاعِدةِ، وذلك كالنَّجشِ، وبَيعِ المُصَرَّاةِ، وتَلَقِّي الرُّكبانِ، وسَواءٌ كانَ الدَّليلُ مُتَّصِلًا بالنَّهيِ، أو مُنفصِلًا عنه؛ فالمُتَّصِلُ كَأنْ يَكونَ النَّهيُ والصِّحَّةُ في حَيِّزٍ واحِدٍ، والمُنفصِلُ يَكونُ النَّهيُ فيه في حَيِّزٍ والصِّحَّةُ في حَيِّزٍ آخَرَ. وهذه قَضيَّةٌ كُلِّيَّةٌ شامِلةٌ لِلعِباداتِ والمُعامَلاتِ، وهي العُقودُ، سَواءٌ كانَ عَقدَ نِكاحٍ أو بَيعٍ، فكلُّ مَنهيٍّ عنه فاسِدٌ، إلَّا لِدَليلٍ شَرعيٍّ يَدلُّ على صِحَّتِه. والصِّحَّةُ في العُقودِ تَترتَّبُ آثارُها عليها، كحِلِ التَّلذُّذِ بعَقدِ النِّكاحِ، والتَّصرُّفِ بالمَبيعِ بعدَ عَقدِ البَيعِ.

стр. 3532

والفَسادُ عَدَمُه، أي: عَدَمُ تَرتُّبِ آثارِها عليها، كعَدَمِ حِلِ النِّكاحِ بالعَقدِ، وعَدَمِ جَوازِ التَّصرُّفِ في المَبيعِ بسَبَبِ عَقدِه. وفي العِبادةِ: مُوافَقةُ الفِعلِ ذي الوَجهَيْنِ الشَّرعَ؛ فما نُهيَ عنه ففاسِدٌ. وما فسَد تَعيَّنَ رَدُّه إلى رَبِّه، ما لَم يَفُتْ، كَألَّا يَخرُجَ عن يَدِه ببَيعٍ، أو بُنيانٍ، أو غَرسٍ؛ فإنْ فاتَ بيَدِ المُشتَري مَضى المُختلَفُ فيه -ولو في خارِجِ المَذهبِ المالِكيِّ- بالثَّمنِ الذي وقَع به البَيعُ، وإنْ لَم يَكُنْ مُختلَفًا فيه، بَلْ كانَ مُتَّفقًا على فَسادِه، ضمِن المُشتَرِي قِيمَتَه إنْ كانَ مُقوَّمًا حينَ القَبضِ، وضمِن مثلَ المِثلِيِّ إذا بِيعَ كَيلًا أو وَزنًا، وعُلم كَيلُه أو وَزنُه، ولَم يَتعذَّرْ وُجودُه، وإلَّا ضمِن قِيمَتَه يَومَ القَضاءِ عليه بالرَّدِّ (١). والبُيوعُ المَنهيُّ عنها مِنها هو مُتَّفقٌ على فَسادِه بينَ الفُقهاءِ، وهو الأغلَبُ؛ لأنَّه مُقتَضى النَّهيِ، ومِنها ما هو مُختلَفٌ فيه مع وُرودِ النَّهيِ عَنها؛ فيُحكَمُ بفَسادِها أو بصِحَّتِها؛ لِكَونِ النَّهيِ ليسَ لِخُصوصيَّةِ البَيعِ، بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ. وقد قَسَّمَ عُلماءُ الحَنفيَّةِ البُيوعَ المَنهيَّ عنها إلى بُيوعٍ باطِلةٍ وفاسِدةٍ ومَكروهةٍ -أي: تَحريمًا- وفَرَّقوا بينَها. والمالِكيَّةُ قالوا: إنَّ البُيوعَ المَنهيَّ عَنها كُلَّها فاسِدةٌ، أي: باطِلةٌ، إلَّا أنْ

стр. 3533

يَدُلَّ دَليلٌ شَرعيٌّ على صِحَّةِ المَنهيِّ عنه بعدَ الوُقوعِ، فلا فَسادَ، ويَكونُ حينَئذٍ مُخصَّصًا لِهذه القاعِدةِ، وذلك كالنَّجشِ وبَيعِ المُصَرَّاةِ، وتَلَقِّي الرُّكبانِ. وقالَ الشافِعيَّةُ: ما ورَد فيه النَّهيُ مِنْ البُيوعِ قد يُحكَمُ بفَسادِه، وهو الأغلَبُ؛ لأنَّه مُقتَضى النَّهيِ، كَبَيعِ اللَّحمِ بالحَيَوانِ، وبَيعِ مالِ الغيرِ. وقد لا يُحكَمُ بفَسادِه؛ لِكَونِ النَّهيِ ليسَ لِخُصوصيَّةِ البَيعِ، بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ، كبَيعِ حاضِرٍ لِبادٍ، وتَلَقِّي الرُّكبانِ (١). وكذلك قَسَّمَ الحَنابِلةُ ما نُهيَ عنه إلى فاسِدٍ، وإلى صَحيحٍ مع الحُرمةِ. وإليكَ بَيانَ البُيوعِ المَنهيِّ عنها: بَيعُ المَيْتةِ: المَيْتةُ: ما لَم تَلحَقْها ذَكاةٌ، وهي اسمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ خَرَجتْ رُوحُه بغيرِ ذَكاةٍ. والمَيْتةُ كلُّ ما ماتَ حَتْفَ أنْفِه، واختَلَّ فيه شَرطٌ مِنْ شُروطِ التَّذكيةِ، كذَبيحةِ المَجوسيِّ والمُرتَدِّ، وما ذُبِحَ بعَظْمٍ أو نَحوِه، وكذا ذَبْحُ ما لا يُؤكَلُ، وضابِطْ أنْ تَقولَ المَيْتةُ هو: هي التي زالَتْ حَياتُه بغيرِ ذَكاةٍ شَرعيَّةٍ، ويُستَثنَى مِنْ المَيْتاتِ السَّمَكُ والجَرادُ، كما سَيَأتي. أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ بَيعَ المَيْتةِ باطِلٌ، وكذا ذَبيحةُ المُرتَدِّ والمُشرِكِ والمَجوسيِّ.

стр. 3534

وقد نقَل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحِدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على تَحريمِ بَيعِ المَيْتةِ والخَمرِ والخِنزيرِ وشِرائِها (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا المَيْتةُ والخَمرُ والخِنزيرُ فأجمَعَ المُسلِمونَ على تَحريمِ بَيعِ كُلٍّ مِنها (٢). وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على تَحريمِ بَيعِ المَيْتةِ؛ لِتَحريمِ اللَّهِ تَعالى لها بقَولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٤٣] (٣). والدَّليلُ على حُرمةِ بَيعِ المَيْتةِ حَديثُ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵄ أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ عامَ الفَتحِ وهو بمَكَّةَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ» فقيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ شُحومَ المَيتةِ؛ فإنَّها يُطلَى بها السُّفُنُ، ويُدهَنُ بها الجُلودُ، ويَستصبِحُ بها النَّاسُ؟ فقالَ: «لا، هو حَرامٌ». ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ ذلك: «قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ؛ إنَّ اللَّهَ لمَّا حرَّم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه، فأكَلوا ثَمَنَه» (٤). وَعِلَّةُ تَحريمِ بَيعِ المَيْتةِ والدَّمِ ونَحوِهما عندَ الحَنفيَّةِ انتِفاءُ الماليَّةِ، وعندَ الجُمهورِ نَجاسةُ العَينِ. قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: فاشتَمَلتْ هذه الكَلِماتُ الجَوامِعُ على تَحريمِ

стр. 3535

ثَلاثةِ أجناسِ: مَشارِبَ، تُفسِدُ العُقولَ، ومَطاعِمَ تُفسِدُ الطِّباعَ وتُغَذِّي غِذاءً خَبيثًا، وأعيانٍ تُفسِدُ الأديانَ وتَدعو إلى الفِتنةِ والشِّركِ. فَصانَ بتَحريمِ النَّوعِ الأوَّلِ العُقولَ عَمَّا يُزيلُها ويُفسِدُها، وبِالثَّاني القُلوبَ عَمَّا يُفسِدُها مِنْ وُصولِ أثَرِ الغِذاءِ الخَبيثِ إليها، والغاذي شَبيهٌ بالمُتغَذِّي، وبِالثَّالثِ الأديانَ عَمَّا وُضِعَ لِإفسادِها؛ فتَضمَّنَ هذا التَّحريمُ صِيانةَ العُقولِ والقُلوبِ والأديانِ (١). ويُستَثنَى مِنْ ذلك مَيْتةُ السَّمَكِ والجَرادِ وما لا تُحِلُّه الحَياةُ، فإنَّه يَجوزُ بَيعُها بالإجماعِ. لِحَديثِ ابنِ عمرَ ﵁ مَرفوعًا: «أُحِلَّ لَنا مَيتَتانِ ودَمانِ؛ فأمَّا المَيْتَتانِ: فالحُوتُ والجَرادُ، وأمَّا الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ» (٢). بَيعُ جِلدِ المَيْتةِ: ذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنَّ جِلدَ المَيْتةِ لا يَجوزُ بَيعُه قبلَ دِباغِه؛ لأنَّه نَجِسٌ. إلَّا أنَّهمُ اختَلَفوا فيما لو دُبِغَ، هل يَجوزُ بَيعُه أو لا يَجوزُ؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ الجَديدِ ومالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ عنهما إلى أنَّه يَجوزُ بَيعُ جِلدِ المَيْتةِ إذا دُبِغَ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهُرَ» (٣)، وقد مَرَّ النَّبيُّ ﷺ على شاةٍ مَيْتةٍ

стр. 3536

أعطَتْها مَولاةٌ لِمَيمونةَ مِنْ الصَّدَقةِ؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلَّا انتَفَعتُم بجِلدِها»، قالوا: إنَّها مَيْتةٌ، قالَ ﷺ : «إنَّما حُرِّمَ أكلُها»، وفي لَفظٍ: «هَلَّا أخَذتُم إهابَها فدَبَغتُموه فانتَفَعتُم به» (١). ولأنَّ حُدوثَ النَّجاسةِ إذا منَع مِنْ جَوازِ البَيعِ كانَ مَأْذونًا بجَوازِ البَيعِ، كنَجاسةِ الخَمرِ إذا ارتَفَعتْ بانقِلابِها خَلًّا، ولأنَّ دِباغةَ الجِلدِ قد أعادَتْه إلى حُكمِ الحَياةِ، فلمَّا كانَ بَيعُه في الحَياةِ جائِزًا اقتَضَى أنْ يَكونَ بعدَ الدِّباغةِ جائِزًا. فأمَّا الآيةُ فمَخصوصةٌ، وأمَّا المُضطَرُّ إلى أكلِ المَيْتةِ فإنَّما استَباحَها لِمَعنًى فيه لا في المَيْتةِ، واستِباحةُ الجِلدِ لِمَعنًى في الجِلدِ، لا في المُستَبيحِ. وذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ عندَهما -وهو لا يَطهُرُ بالدِّباغِ عندَهما- والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّه لا يَجوزُ عندَهم بَيعُ جِلدِ المَيْتةِ، وإنْ دُبِغَ؛ وعَلَّلَ الشافِعيَّةُ ذلك بعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٤٣]، ولأنَّ إباحةَ الِانتِفاعِ بالمَيْتةِ لا تَقتَضي جَوازَ بَيعِها، كالمُضطَرِّ إلى أكلِها، ولأنَّ تَأثيرَ الدِّباغةِ إنَّما هو التَّطهيرُ، وليسَ التَّطهيرُ عِلَّةً في جَوازِ البَيعِ، ك (أُمِّ الوَلَدِ)، وقد ذُكِرَتِ المَسألةُ مُفصَّلةً في كِتابِ الطَّهارةِ في الأعيانِ النَّجِسةِ (٢).

стр. 3537

حُكمُ الانتِفاعِ بالمَيْتةِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الِانتِفاعِ بالمَيْتةِ على قَولَيْنِ: القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ، قالوا: لا يَجوزُ الِانتِفاعُ بالمَيْتةِ بأيِّ نَوعٍ مِنْ أنواعِ الِانتِفاعِ. قالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: قالَ أصحابُنا: لا يَجوزُ الِانتِفاعُ بالمَيْتةِ على وَجْهٍ، ولا بطُعمِها لِلكِلابِ والجَوارِحِ؛ لأنَّ ذلك ضَرْبٌ مِنْ الِانتِفاعِ بها، وقد حرَّم اللَّهُ المَيْتةَ تَحريمًا مُطلَقًا مُعلَّقًا بعَينِها مُؤكِّدًا له حُكمُ الحَظرِ؛ فلا يَجوزُ الِانتِفاعُ بشَيءٍ مِنها إلَّا أنْ يُخَصَّ شَيءٌ مِنها بدَليلٍ يَجِبُ التَّسليمُ له (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمدُ: لا أرَى أنْ يُطعِمَ كَلبَه المُعلَّمَ المَيْتةَ، ولا الطَّيرَ المُعلَّمَ؛ لأنَّه يُضْريهِ على المَيْتةِ، فإنْ أكلَ الكَلبُ فلا أرَى صاحِبَه حَرِجًا، ولَعَلَّ أحمدَ كَرِهَ أنْ يَكونَ الكَلبُ المُعلَّمُ إذا صادَ وقَتَلَ أكَلَ مِنه، لِتَضْريَتِه بإطعامِه المَيْتةَ (٢). وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فقالَ عنه القُرطُبيُّ: واختلَف العُلماءُ، هل يَجوزُ أنْ يُنتفَعَ بالمَيْتةِ أو بشَيءٍ مِنْ النَّجاساتِ، واختُلِفَ عن مالِكٍ في ذلك أيضًا،

стр. 3538

فقالَ مَرَّةً: يَجوزُ الِانتِفاعُ بها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ على شاةِ مَيمونةَ ﵂ فقالَ: «هَلَّا أخَذتُم إهابَها» الحَديثَ. وقالَ مَرَّةً: جُملَتُها مُحرَّمةٌ؛ فلا يَجوزُ الِانتِفاعُ بشَيءٍ مِنها، ولا بشَيءٍ مِنْ النَّجاساتِ على وَجْهٍ مِنْ وُجوهِ الِانتِفاعِ حتى إنَّه لا يَجوزُ أنْ يُسقَى الزَّرعُ، ولا الحَيَوانُ الماءَ النَّجِسَ، ولا أنْ تُعلَفَ البَهائِمُ النَّجاساتِ، ولا أنْ تُطعَمَ الكِلابُ والسِّباعُ المَيْتةَ وإنْ أكلَتْها لَم تُمنَعْ (١). والقَولُ الثَّاني: ذهَب الشافِعيَّةُ إلى جَوازِ الِانتِفاعِ بالمَيْتةِ بكُلِّ أنواعِ الِانتِفاعِ، وإنَّما المُحرَّمُ هو البَيعُ فَقط. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا قَولُه: «لا، هو حَرامٌ»، فمَعناه: لا تَبيعوها؛ فإنَّ بَيعَها حَرامٌ، والضَّميرُ في «هو» يَعودُ إلى البَيعِ، لا إلى الِانتِفاعِ، هذا هو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيِّ وأصحابِه أنَّه يَجوزُ الِانتِفاعُ بشَحمِ المَيْتةِ في طَلْيِ السُّفُنِ والِاستِصباحِ به، وغيرِ ذلك ممَّا ليسَ بأكْلٍ ولا في بَدَنِ الآدَميِّ، وبِهذا قالَ أيضًا عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ ومُحمَّدُ بنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ، وقالَ الجُمهورُ: لا يَجوزُ الِانتِفاعُ به في شَيءٍ أصلًا؛ لِعُمومِ النَّهيِ عن الِانتِفاعِ بالمَيْتةِ، إلَّا ما خُصَّ، وهو الجِلدُ المَدبوغُ (٢). وسَبَبُ الخِلافِ في هذا هو حَديثُ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵄ أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ عامَ الفَتحِ وهو بمَكَّةَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم

стр. 3539

بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ»، فقيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ شُحومَ المَيْتةِ فإنَّها يُطلَى بها السُّفُنُ ويُدهَنُ بها الجُلودُ ويَستَصبِحُ بها النَّاسُ؟ فقالَ: «لا، هو حَرامٌ». ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ ذلك: «قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ، إنَّ اللَّهَ لمَّا حرَّم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكَلوا ثَمَنَه» (١). فقَولُه: «لا، هو حَرامٌ»، هل الضَّميرُ (هو) يَعودُ إلى البَيعِ والِانتِفاعِ، أو إلى البَيعِ فَقط دونَ الِانتِفاعِ؟ فالجُمهورُ قالوا: يَعودُ على البَيعِ والِانتِفاعِ، والشافِعيَّةُ قالوا: والضَّميرُ في (هو) يَعودُ إلى البَيعِ، لا إلى الِانتِفاعِ. قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: هذا مَوضِعٌ اختلَف النَّاسُ فيه؛ لِاختِلافِهم في فَهْمِ مُرادِه، وهو أنَّ قَولَه: «لا، هو حَرامٌ»، هل هو عائِدٌ إلى البَيعِ أو عائِدٌ إلى الأفعالِ التي سَألوا عنها؟ فقالَ شَيخُنا: هو راجِعٌ إلى البَيعِ؛ فإنَّه لمَّا أخبَرَهم بأنَّ اللَّهَ حرَّم بَيعَ المَيْتةِ قالوا: إنَّ شُحومَها مِنْ المَنافِعِ كذا وكذا، يَعنونَ: فهل ذلك مُسوِّغٌ لِبَيعِها؟ فقالَ: «لا، هو حَرامٌ». قُلتُ: كَأنَّهم طَلَبوا تَخصيصَ الشُّحومِ مِنْ جُملةِ المَيْتةِ بالجَوازِ، كما طَلَبَ العَبَّاسُ تَخصيصَ الإذْخِرِ مِنْ جُملةِ تَحريمِ نَباتِ الحَرَمِ بالجَوازِ؛ فلَم يُجِبْهم إلى ذلك فقالَ: «لا، هو حَرامٌ». وقالَ غيرُه مِنْ أصحابِ أحمدَ وغيرِهم: التَّحريمُ عائِدٌ إلى الأفعالِ المَسؤولِ عنها، وقالَ: «هو حَرامٌ»، ولَم يَقُلْ: «هي»، لأنَّه أرادَ المَذكورَ جَميعَه، ويُرجِّحُ قَولَهم عَودُ الضَّميرِ إلى أقرَبِ مَذكورٍ، ويُرجِّحُه مِنْ جِهةِ

стр. 3540

المَعنَى أنَّ إباحةَ هذه الأشياءِ ذَريعةٌ إلى اقتِناءِ الشُّحومِ وبَيعِها، ويُرجِّحُه أيضًا أنَّ في بَعضِ ألفاظِ الحَديثِ: «لا هي حَرامٌ»، وهذا الضَّميرُ إمَّا أنْ يَرجِعَ إلى الشُّحومِ، وإمَّا إلى هذه الأفعالِ، وعلى التَّقديرَيْنِ هو حُجَّةٌ على تَحريمِ الأفعالِ التي سَألوا عنها. ويُرجِّحُه أيضًا قَولُه في حَديثِ أبي هُرَيرةَ في الفَأرةِ التي وَقَعتْ في السَّمنِ: «إنْ كانَ جامِدًا فألقُوها وما حَولَها، وإنْ كانَ مائِعًا فلا تَقرَبوه» (١)، وفي الِانتِفاعِ به في الاستِصباحِ وغيرِه قُربانٌ له. ومَن رَجَّحَ الأوَّلَ يَقولُ: ثبَت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إنَّما حُرِّمَ مِنْ المَيْتةِ أكلُها»، وهذا صَريحٌ في أنَّه لا يَحرُمُ الِانتِفاعُ بها في غيرِ الأكلِ، كالوَقيدِ وسَدِّ البُثوقِ ونَحوِهما، قالوا: والخَبيثُ إنَّما تَحرُمُ مُلابَسَتُه باطِنًا وظاهِرًا، كالأكلِ واللُّبسِ، وأمَّا الِانتِفاعُ به مِنْ غيرِ مُلابَسةٍ فلِأيِّ شَيءٍ يَحرُمُ؟ قالوا: ومَن تَأمَّلَ سِياقَ حَديثِ جابرٍ ﵁ عَلِمَ أنَّ السُّؤالَ إنَّما كانَ مِنهم عنِ البَيعِ، وأنَّهم طَلَبوا مِنه أنْ يُرخِّصَ لَهم في بَيعِ الشُّحومِ؛ لِما فيها مِنْ المَنافِعِ، فأبَى عليهم، وقالَ: «هو حَرامٌ». فإنَّهم لو سَألوه عن حُكمِ هذه الأفعالِ لَقالوا: أرَأيتَ شُحومَ المَيْتةِ هل يَجوزُ أنْ يَستَصبِحَ بها النَّاسُ وتُدهَنَ بها الجُلودُ؟ ولَم يَقولوا: فإنَّه يُفعَلُ بها كذا
следующие страницы →