← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

أعطَتْها مَولاةٌ لِمَيمونةَ مِنْ الصَّدَقةِ؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلَّا انتَفَعتُم بجِلدِها»، قالوا: إنَّها مَيْتةٌ، قالَ ﷺ : «إنَّما حُرِّمَ أكلُها»، وفي لَفظٍ: «هَلَّا أخَذتُم إهابَها فدَبَغتُموه فانتَفَعتُم به» (١). ولأنَّ حُدوثَ النَّجاسةِ إذا منَع مِنْ جَوازِ البَيعِ كانَ مَأْذونًا بجَوازِ البَيعِ، كنَجاسةِ الخَمرِ إذا ارتَفَعتْ بانقِلابِها خَلًّا، ولأنَّ دِباغةَ الجِلدِ قد أعادَتْه إلى حُكمِ الحَياةِ، فلمَّا كانَ بَيعُه في الحَياةِ جائِزًا اقتَضَى أنْ يَكونَ بعدَ الدِّباغةِ جائِزًا. فأمَّا الآيةُ فمَخصوصةٌ، وأمَّا المُضطَرُّ إلى أكلِ المَيْتةِ فإنَّما استَباحَها لِمَعنًى فيه لا في المَيْتةِ، واستِباحةُ الجِلدِ لِمَعنًى في الجِلدِ، لا في المُستَبيحِ. وذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ عندَهما -وهو لا يَطهُرُ بالدِّباغِ عندَهما- والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّه لا يَجوزُ عندَهم بَيعُ جِلدِ المَيْتةِ، وإنْ دُبِغَ؛ وعَلَّلَ الشافِعيَّةُ ذلك بعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٤٣]، ولأنَّ إباحةَ الِانتِفاعِ بالمَيْتةِ لا تَقتَضي جَوازَ بَيعِها، كالمُضطَرِّ إلى أكلِها، ولأنَّ تَأثيرَ الدِّباغةِ إنَّما هو التَّطهيرُ، وليسَ التَّطهيرُ عِلَّةً في جَوازِ البَيعِ، ك (أُمِّ الوَلَدِ)، وقد ذُكِرَتِ المَسألةُ مُفصَّلةً في كِتابِ الطَّهارةِ في الأعيانِ النَّجِسةِ (٢).

стр. 3537

حُكمُ الانتِفاعِ بالمَيْتةِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الِانتِفاعِ بالمَيْتةِ على قَولَيْنِ: القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ، قالوا: لا يَجوزُ الِانتِفاعُ بالمَيْتةِ بأيِّ نَوعٍ مِنْ أنواعِ الِانتِفاعِ. قالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: قالَ أصحابُنا: لا يَجوزُ الِانتِفاعُ بالمَيْتةِ على وَجْهٍ، ولا بطُعمِها لِلكِلابِ والجَوارِحِ؛ لأنَّ ذلك ضَرْبٌ مِنْ الِانتِفاعِ بها، وقد حرَّم اللَّهُ المَيْتةَ تَحريمًا مُطلَقًا مُعلَّقًا بعَينِها مُؤكِّدًا له حُكمُ الحَظرِ؛ فلا يَجوزُ الِانتِفاعُ بشَيءٍ مِنها إلَّا أنْ يُخَصَّ شَيءٌ مِنها بدَليلٍ يَجِبُ التَّسليمُ له (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمدُ: لا أرَى أنْ يُطعِمَ كَلبَه المُعلَّمَ المَيْتةَ، ولا الطَّيرَ المُعلَّمَ؛ لأنَّه يُضْريهِ على المَيْتةِ، فإنْ أكلَ الكَلبُ فلا أرَى صاحِبَه حَرِجًا، ولَعَلَّ أحمدَ كَرِهَ أنْ يَكونَ الكَلبُ المُعلَّمُ إذا صادَ وقَتَلَ أكَلَ مِنه، لِتَضْريَتِه بإطعامِه المَيْتةَ (٢). وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فقالَ عنه القُرطُبيُّ: واختلَف العُلماءُ، هل يَجوزُ أنْ يُنتفَعَ بالمَيْتةِ أو بشَيءٍ مِنْ النَّجاساتِ، واختُلِفَ عن مالِكٍ في ذلك أيضًا،

стр. 3538

فقالَ مَرَّةً: يَجوزُ الِانتِفاعُ بها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ على شاةِ مَيمونةَ ﵂ فقالَ: «هَلَّا أخَذتُم إهابَها» الحَديثَ. وقالَ مَرَّةً: جُملَتُها مُحرَّمةٌ؛ فلا يَجوزُ الِانتِفاعُ بشَيءٍ مِنها، ولا بشَيءٍ مِنْ النَّجاساتِ على وَجْهٍ مِنْ وُجوهِ الِانتِفاعِ حتى إنَّه لا يَجوزُ أنْ يُسقَى الزَّرعُ، ولا الحَيَوانُ الماءَ النَّجِسَ، ولا أنْ تُعلَفَ البَهائِمُ النَّجاساتِ، ولا أنْ تُطعَمَ الكِلابُ والسِّباعُ المَيْتةَ وإنْ أكلَتْها لَم تُمنَعْ (١). والقَولُ الثَّاني: ذهَب الشافِعيَّةُ إلى جَوازِ الِانتِفاعِ بالمَيْتةِ بكُلِّ أنواعِ الِانتِفاعِ، وإنَّما المُحرَّمُ هو البَيعُ فَقط. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا قَولُه: «لا، هو حَرامٌ»، فمَعناه: لا تَبيعوها؛ فإنَّ بَيعَها حَرامٌ، والضَّميرُ في «هو» يَعودُ إلى البَيعِ، لا إلى الِانتِفاعِ، هذا هو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيِّ وأصحابِه أنَّه يَجوزُ الِانتِفاعُ بشَحمِ المَيْتةِ في طَلْيِ السُّفُنِ والِاستِصباحِ به، وغيرِ ذلك ممَّا ليسَ بأكْلٍ ولا في بَدَنِ الآدَميِّ، وبِهذا قالَ أيضًا عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ ومُحمَّدُ بنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ، وقالَ الجُمهورُ: لا يَجوزُ الِانتِفاعُ به في شَيءٍ أصلًا؛ لِعُمومِ النَّهيِ عن الِانتِفاعِ بالمَيْتةِ، إلَّا ما خُصَّ، وهو الجِلدُ المَدبوغُ (٢). وسَبَبُ الخِلافِ في هذا هو حَديثُ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵄ أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ عامَ الفَتحِ وهو بمَكَّةَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم

стр. 3539

بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ»، فقيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ شُحومَ المَيْتةِ فإنَّها يُطلَى بها السُّفُنُ ويُدهَنُ بها الجُلودُ ويَستَصبِحُ بها النَّاسُ؟ فقالَ: «لا، هو حَرامٌ». ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ ذلك: «قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ، إنَّ اللَّهَ لمَّا حرَّم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكَلوا ثَمَنَه» (١). فقَولُه: «لا، هو حَرامٌ»، هل الضَّميرُ (هو) يَعودُ إلى البَيعِ والِانتِفاعِ، أو إلى البَيعِ فَقط دونَ الِانتِفاعِ؟ فالجُمهورُ قالوا: يَعودُ على البَيعِ والِانتِفاعِ، والشافِعيَّةُ قالوا: والضَّميرُ في (هو) يَعودُ إلى البَيعِ، لا إلى الِانتِفاعِ. قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: هذا مَوضِعٌ اختلَف النَّاسُ فيه؛ لِاختِلافِهم في فَهْمِ مُرادِه، وهو أنَّ قَولَه: «لا، هو حَرامٌ»، هل هو عائِدٌ إلى البَيعِ أو عائِدٌ إلى الأفعالِ التي سَألوا عنها؟ فقالَ شَيخُنا: هو راجِعٌ إلى البَيعِ؛ فإنَّه لمَّا أخبَرَهم بأنَّ اللَّهَ حرَّم بَيعَ المَيْتةِ قالوا: إنَّ شُحومَها مِنْ المَنافِعِ كذا وكذا، يَعنونَ: فهل ذلك مُسوِّغٌ لِبَيعِها؟ فقالَ: «لا، هو حَرامٌ». قُلتُ: كَأنَّهم طَلَبوا تَخصيصَ الشُّحومِ مِنْ جُملةِ المَيْتةِ بالجَوازِ، كما طَلَبَ العَبَّاسُ تَخصيصَ الإذْخِرِ مِنْ جُملةِ تَحريمِ نَباتِ الحَرَمِ بالجَوازِ؛ فلَم يُجِبْهم إلى ذلك فقالَ: «لا، هو حَرامٌ». وقالَ غيرُه مِنْ أصحابِ أحمدَ وغيرِهم: التَّحريمُ عائِدٌ إلى الأفعالِ المَسؤولِ عنها، وقالَ: «هو حَرامٌ»، ولَم يَقُلْ: «هي»، لأنَّه أرادَ المَذكورَ جَميعَه، ويُرجِّحُ قَولَهم عَودُ الضَّميرِ إلى أقرَبِ مَذكورٍ، ويُرجِّحُه مِنْ جِهةِ

стр. 3540

المَعنَى أنَّ إباحةَ هذه الأشياءِ ذَريعةٌ إلى اقتِناءِ الشُّحومِ وبَيعِها، ويُرجِّحُه أيضًا أنَّ في بَعضِ ألفاظِ الحَديثِ: «لا هي حَرامٌ»، وهذا الضَّميرُ إمَّا أنْ يَرجِعَ إلى الشُّحومِ، وإمَّا إلى هذه الأفعالِ، وعلى التَّقديرَيْنِ هو حُجَّةٌ على تَحريمِ الأفعالِ التي سَألوا عنها. ويُرجِّحُه أيضًا قَولُه في حَديثِ أبي هُرَيرةَ في الفَأرةِ التي وَقَعتْ في السَّمنِ: «إنْ كانَ جامِدًا فألقُوها وما حَولَها، وإنْ كانَ مائِعًا فلا تَقرَبوه» (١)، وفي الِانتِفاعِ به في الاستِصباحِ وغيرِه قُربانٌ له. ومَن رَجَّحَ الأوَّلَ يَقولُ: ثبَت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إنَّما حُرِّمَ مِنْ المَيْتةِ أكلُها»، وهذا صَريحٌ في أنَّه لا يَحرُمُ الِانتِفاعُ بها في غيرِ الأكلِ، كالوَقيدِ وسَدِّ البُثوقِ ونَحوِهما، قالوا: والخَبيثُ إنَّما تَحرُمُ مُلابَسَتُه باطِنًا وظاهِرًا، كالأكلِ واللُّبسِ، وأمَّا الِانتِفاعُ به مِنْ غيرِ مُلابَسةٍ فلِأيِّ شَيءٍ يَحرُمُ؟ قالوا: ومَن تَأمَّلَ سِياقَ حَديثِ جابرٍ ﵁ عَلِمَ أنَّ السُّؤالَ إنَّما كانَ مِنهم عنِ البَيعِ، وأنَّهم طَلَبوا مِنه أنْ يُرخِّصَ لَهم في بَيعِ الشُّحومِ؛ لِما فيها مِنْ المَنافِعِ، فأبَى عليهم، وقالَ: «هو حَرامٌ». فإنَّهم لو سَألوه عن حُكمِ هذه الأفعالِ لَقالوا: أرَأيتَ شُحومَ المَيْتةِ هل يَجوزُ أنْ يَستَصبِحَ بها النَّاسُ وتُدهَنَ بها الجُلودُ؟ ولَم يَقولوا: فإنَّه يُفعَلُ بها كذا

стр. 3541

وكذا؛ فإنَّ هذا إخبارٌ مِنهم، لا سُؤالٌ، وهُم لَم يُخبِروه بذلك عُقَيبَ تَحريمِ هذه الأفعالِ عليهم؛ لِيَكونَ قَولُه: «لا، هو حَرامٌ»، صَريحًا في تَحريمِها، وإنَّما أخبَروه به عُقَيبَ تَحريمِ بَيعِ المَيْتةِ، فكَأنَّهم طَلَبوا مِنه أنْ يُرخِّصَ لَهم في بَيعِ الشُّحومِ لِهذه المَنافِعِ التي ذَكَرُوها، فلَم يَفعَلْ، ونِهايةُ الأمْرِ أنَّ الحَديثَ يَحتمِلُ الأمرَيْنِ، فلا يَحرُمُ ما لَم يُعلَم أنَّ اللَّهَ ورَسولَه ﷺ حَرَّماه. قالوا: وقد ثبَت عنه أنَّه نَهاهم عن الِاستِسقاءِ مِنْ آبارِ ثَمودَ، وأباحَ لَهم أنْ يُطعِموا ما عَجَنوا مِنه مِنْ تلك الآبارِ لِلبَهائِمِ، قالوا: ومَعلومٌ أنَّ إيقادَ النَّجاسةِ والِاستِصباحَ بها انتِفاعٌ خالٍ عن هذه المَفسَدةِ، وعَن مُلابَسَتِها باطِنًا وظاهِرًا؛ فهو نَفْعٌ مَحضٌ لا مَفسَدةَ فيه، وما كانَ هَكَذا فالشَّريعةُ لا تُحرِّمُه؛ فإنَّ الشَّريعةَ إنَّما تُحرِّمُ المَفاسِدَ الخالِصةَ أو الرَّاجِحةَ وطُرُقَها وأسبابَها المُوصِّلةَ إليها. ثم قالَ: والمَقصودُ أنَّه لا يَلزَمُ مِنْ تَحريمِ بَيعِ المَيْتةِ تَحريمُ الِانتِفاعِ بها في غيرِ ما حرَّم اللَّهُ ورَسولُه ﷺ مِنها، كالوَقيدِ وإطعامِ الصُّقورِ والبُزاةِ وغيرِ ذلك، وقد نصَّ مالِكٌ على جَوازِ الِاستِصباحِ بالزَّيتِ النَّجِسِ في غيرِ المَساجِدِ، وعلى جَوازِ عَمَلِ الصَّابونِ مِنه، ويَنبَغي أنْ يُعلَمَ أنَّ بابَ الِانتِفاعِ أوسَعُ مِنْ بابِ البَيعِ؛ فليسَ كلُّ ما حُرِّمَ بَيعُه حُرِّمَ الِانتِفاعُ به، بَلْ لا تَلازُمَ بينَهما، فلا يُؤخذُ تَحريمُ الِانتِفاعِ مِنْ تَحريمِ البَيعِ (١).

стр. 3542

بَيعُ الخَمْرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يَحرُمُ على المُسلِمِ بَيعُ الخَمرِ وأكْلُ ثَمَنِها؛ لقولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، فاللَّهُ تَعالى سَمَّاها رِجسًا، فيَقضي ذلك بنَجاسةِ العَينِ وفَسادِ الماليَّةِ، والتَّقوُّمِ، كما في المَيْتةِ والدَّمِ ولَحمِ الخِنزيرِ، وقد أمَرَ باجتِنابِها، فاقتَضى ذلك ألَّا يَجوزَ لِلمُسلِمِ الِاقتِرابُ مِنها على جِهةِ التَّموُّلِ بحالٍ (١). ولِحَديثِ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵄ أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ عامَ الفَتحِ وهو بمَكَّةَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ»، فقيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ شُحومَ المَيْتةِ فإنَّها يُطلَى بها السُّفُنُ ويُدهَنُ بها الجُلودُ ويَستَصبِحُ بها النَّاسُ، فقالَ: «لا، هو حَرامٌ»، ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ ذلك: «قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ، إنَّ اللَّهَ لمَّا حرَّم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكَلوا ثَمَنَه» (٢). وعن ابنِ وَعلةَ المِصريِّ أنَّه سَألَ عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَمَّا يُعصَرُ مِنْ العِنَبِ، فقالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵁: أهدَى رَجُلٌ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ رَاويةَ خَمْرٍ، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أما عَلِمتَ أنَّ اللَّهَ حرَّمها؟»، قالَ: لا؛ فسارَّه رَجُلٌ إلى جَنبِه، فقالَ له ﷺ : «بمَ سارَرْتَه؟»،

стр. 3543

فقالَ: أمَرتُه أنْ يَبيعَها، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الذي حرَّم شُربَها حرَّم بَيعَها»، ففَتَحَ الرَّجُلُ المَزادَتَيْنِ حتى ذهَب ما فيهما (١). قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: فأطلَقَ النَّبيُّ ﷺ عن اللَّهِ تَحريمَها، ولا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ أنَّ تَحريمَها إنَّما ورَد في سُورةِ المائِدةِ بلَفظِ النَّهيِ، في قَولِه : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، وهذه الآيةُ نَسَختْ كُلَّ لَفظٍ ورَد بإباحَتِها نَصًّا أو دَليلًا؛ فنَسَختْ ما جَرى مِنْ ذِكرِها في سُورةِ البَقَرةِ وسُورةِ النِّساءِ وسُورةِ النَّحلِ، وأجمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ خَمرَ العِنَبِ حَرامٌ في عَينِها، حَرامٌ قَليلُها وكَثيرُها، فأغنَى ذلك عن الإكثارِ فيها (٢). وقالَ أيضًا: وأمَّا قَولُه ﷺ في الخَمرِ في حَديثِ هذا البابِ: «إنَّ الذي حرَّم شُربَها حرَّم بَيعَها»، هذا إجماعٌ مِنْ المُسلِمينَ كافَّةً عن كافَّةٍ أنَّه لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ بَيعُ الخَمرِ، ولا التِّجارةُ في الخَمرِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ بَيعَ الخَمرِ غيرُ جائِزٍ (٤).

стр. 3544

وقالَ الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على تَحريمِ بَيعِ الخَمرِ والدَّمِ (١). وعن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: لمَّا أُنْزِلَتِ الآياتُ مِنْ آخِرِ سُورةِ البَقَرةِ قرَأهُنَّ النَّبيُّ -صلى الله عليه ﵁ وسلم- في المَسجِدِ، وحرَّم التِّجارةَ في الخَمرِ (٢). قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وحرَّم التِّجارةَ في الخَمرِ وإنْ كانَ إنَّما يَبيعُها مِنْ كافِرٍ يَستحِلُّ شُربَها؛ فإنَّ التِّجارةَ فيها ذَريعةٌ إلى اقتِنائِها وشُربِها، ولِهَذا لمَّا نَزَلتِ الآياتُ في تَحريمِ الرِّبا قَرَأها عليهم رَسولُ اللَّهِ ﷺ وقَرَنَ بها تَحريمَ التِّجارةِ في الخَمرِ؛ فإنَّ الرِّبا ذَريعةٌ إلى إفسادِ الأموالِ، والخَمرَ ذَريعةٌ إلى إفسادِ العُقولِ، فجَمَعَ بينَ تَحريمِ التِّجارةِ في هذا وهذا (٣). قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ الطَّبرِيُّ: فإنْ قيلَ: ما وَجْهُ قَولِه في بَيع الخَمرِ: «لعَن اللَّهُ اليَهودَ؛ إنَّ اللَّهَ لمَّا حرَّم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكَلوا ثَمَنَه»، وأنتَ تَعلَمُ أنَّ أشياءَ كَثيرةً حرَّم اللَّهُ أكْلَها، ولَم تَحرُمْ أثمانُها، كالحُمُرِ الأهليةِ وسِباعِ الطَّيرِ، كالعِقبانِ والبُزاةِ وشِبهِها؟ قُلتُ: المَعنَى الذي خالَفَ بينَهما مع اشتِباهِهما في الوَجهِ الذي وَصَفتَ بَيِّنٌ، وهو أنَّ اللَّهَ جعَل الخَمرَ والخِنزيرَ نَجِسَيْنِ؛ فحُكمُهما في أنَّه لا يَحِلُّ بَيعُهما ولا شِراؤُهما، ولا أكْلُ أثمانِهما حُكمُ سائِرِ النَّجاساتِ

стр. 3545

مِنْ المَيْتةِ والدَّمِ والعُذرةِ والبَولِ، وذلك هو المَعنَى الذي مُثِّلَ به بائِعُ الخَمرِ وآكِلُ ثَمَنِها، بالبائِعِ مِنْ اليَهودِ الشُّحومَ وآكِلِ أثمانِها؛ إذ كانَتِ الشُّحومُ يَحرُمُ أكلُها على اليَهودِ، نَجِسةً عندَهم نَجاسةَ الخَمرِ والمَيْتةِ في دِينِنا؛ فكانَ بائِعُها مِنهم وآكِلُ ثَمَنِها نَظيرَ بائِعِ الخَمرِ والخِنزيرِ مِنَّا، وآكِلِ ثَمَنِها؛ فالواجِبُ أنْ يَكونَ كلُّ ما كانَ نَجِسًا حَرامًا بَيعُه وشِراؤُه وأكْلُ ثَمَنِه، وكُلُّ ما حُرِّمَ أكْلُه وهو طاهِرٌ فحَلالٌ بَيعُه وشِراؤُه، والِانتِفاعُ به فيما لَم يَحظُرِ اللَّهُ الِانتِفاعَ به؛ فبانَ الفَرقُ بينَهما (١). بَيعُ الذِّمِّيِّ الخَمرَ: اختلَف الفُقهاءُ في أهلِ الذِّمَّةِ، هل يَجوزُ لَهم بَيعُ الخَمرِ أو لا يَجوزُ، كالمُسلِمينَ؟ على قَولَيْنِ لِلفُقهاءِ: القَولُ الأوَّلُ: وهو مَذهبُ الحَنفيَّةِ أنَّه يَجوزُ لَهم بَيعُها. قالَ الإمامُ الجَصَّاصُ ﵀: قالَ أصحابُنا: أهلُ الذِّمَّةِ مَحمولونَ في البُيوعِ والمَواريثِ وسائِرِ العُقودِ على أحكامِ الإسلامِ، كالمُسلِمينَ، إلَّا في بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ؛ فإنَّ ذلك جائِزٌ فيما بينَهم؛ لأنَّهم مُقَرُّونَ على أنْ تَكونَ مالًا لَهم … وما عَدَا ذلك فهو مَحمولٌ على أحكامِنا (٢)، ومِثلُه ما قالَه الإمامُ السَّرخَسيُّ في المَبسوطِ، وصرَّح به الكاسانيُّ في البَدائِعِ، حيثُ قالَ: كلُّ ما جازَ مِنْ بُيوعِ المُسلِمينَ جازَ مِنْ بُيوعِ أهلِ الذِّمَّةِ، وما يَبطُلُ أو يَفسُدُ مِنْ

стр. 3546

بُيوعِ المُسلِمينَ يَبطُلُ ويَفسُدُ مِنْ بُيوعِهم، إلَّا الخَمرَ والخِنزيرَ (١). وقالَ الكاسانيُّ أيضًا: فأمَّا أهلُ الذِّمَّةِ فلا يُمنَعونَ مِنْ بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ، أمَّا على قَولِ بَعضِ مَشايِخِنا فلأنَّه مُباحٌ الِانتِفاعُ بهما شَرعًا لَهم، كالخَلِّ وكالشاةِ لَنا؛ فكانَ مالًا في حَقِّهم، فيَجوزُ بَيعُه. ورُويَ عن سَيِّدِنا عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّه كتَب إلى عُشَّارِه بالشامِ: «أن وَلُّوهم بَيعَها، وخُذوا العُشرَ مِنْ أثمانِها» (٢)، ولو لَم يَجُزْ بَيعُ الخَمرِ مِنهم لَما أمَرَهم بتَولِيَتِهم البَيعَ. وعن بَعضِ مَشايِخِنا حُرمةُ الخَمرِ والخِنزيرِ ثابِتةٌ على العُمومِ في حَقِّ المُسلِمِ والكافِرِ؛ لأنَّ الكُفَّارَ مُخاطَبونَ بشَرائِعَ هي حُرُماتٌ، هو الصَّحيحُ مِنْ مَذهبِ أصحابِنا، فكانَتِ الحُرمةُ ثابِتةً في حَقِّهم، لكنَّهم لا يُمنَعونَ من بَيعِها؛ لأنَّهم لا يَعتَقِدونَ حُرمَتها، ويَتمَوَّلونها، ونحن أُمِرْنا بتَركِهم وما يَدينونَ. ولو باعَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمرًا أو خِنزيرًا ثم أسلَما، أو أسلَمَ أحَدُهما قبلَ القَبضِ يُفسَخُ البَيعُ؛ لأنَّه بالإسلامِ حُرِّمَ البَيعُ والشِّراءُ، فيَحرُمُ القَبضُ والتَّسليمُ أيضًا؛ لأنَّه يُشبِهُ الإنشاءَ، أو إنشاءً مِنْ وَجْهٍ فيُلحَقُ به في بابِ الحُرُماتِ احتياطًا (٣).

стр. 3547

وقالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: والذِّمِّيُّ كالمُسلِمِ في بَيعِ غيرِ الخَمرِ، والخِنزيرِ … أمَّا في الخَمرِ والخِنزيرِ فإنَّ عَقدَهم فيهما كعَقدِ المُسلِمِ على العَصيرِ، والشاةِ، فيَجوزُ فيهما ما جازَ فيهما مِنه مِنْ السَّلَمِ وغيرِه، ولا يَجوزُ ما لا يَجوزُ؛ لأنَّهما أموالٌ نَفيسةٌ عندَهم، فيُلحَقانِ بنَظيرِهما مِنْ أموالِنا؛ وهذا لأنَّا أُمِرْنا بأنْ نَترُكَهم وما يَعتَقِدونَ، وما بَذَلوا الجِزيةَ إلَّا لِذلك، ولِهذا قالَ عمرُ ﵁ في الخَمرِ: «وَلُّوهم بَيعَها وخُذوا العُشرَ مِنْ أثمانِها»، والصَّحابةُ مُتوافِرونَ، ولَم يُعرَفْ له مُخالِفٌ، فصارَ إجماعًا (١). القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّه يَحرُمُ بَيعُها أيضًا بينَ أهلِ الذِّمَّةِ. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ في «الأُمِّ»: تَبطُلُ بينَهمُ البُيوعُ التي تَبطُلُ بينَ المُسلِمينَ كُلُّها؛ فإذا مَضَتْ واستُهلِكَتْ لَم نُبطِلْها، وقالَ: فإنْ جاءَ رَجُلانِ مِنهم قد تَبايَعا خَمرًا ولَم يَتقابَضاها أبطَلْنا البَيعَ، وإنْ تُقابِضاها لَم نَرُدَّه؛ لأنَّه قد مَضَى (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ذَكَرْنا أنَّ بَيعَ الخَمرِ باطِلٌ، سَواءٌ باعَها مُسلِمٌ أو ذِمِّيٌّ، أو تَبايَعَها ذِمِّيَّانِ، أو وكَل المُسلِمُ ذِمِّيًّا في شِرائِها لَه؛ فكلُّه باطِلٌ بلا خِلافٍ عندَنا، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ المُسلِمُ ذِمِّيًّا في بَيعِها وشِرائِها، وهذا فاسِدٌ مُنابِذٌ لِلأحاديثِ الصَّحيحةِ في النَّهيِ عن بَيعِ الخَمرِ.

стр. 3548

فَرعٌ: بَيعُ الخَمرِ وسائِرِ أنواعِ التَّصرُّفِ فيها حَرامٌ على أهلِ الذِّمَّةِ، كما هو حَرامٌ على المُسلِمِ، هذا مَذهبُنا، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَحرُمُ ذلك عليهم، قالَ المُتَوَلِّي: المَسألةُ مَبنيَّةٌ على أصْلٍ مَعروفٍ في الأُصولِ، وهو أنَّ الكافِرَ عندَنا مُخاطَبٌ بفُروعِ الشَّرعِ، وعندَهم ليسَ بمُخاطَبٍ، وقد سَبَقتْ هذه المَسألةُ في بابِ إزالةِ النَّجاسةِ (١). وكَلامُ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ أيضًا يَدلُّ على عَدَمِ صِحَّةِ بَيعِ الخَمرِ على أهلِ الذِّمَّةِ كالمُسلِمينَ (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وما حُرِّمَ بَيعُه لا لِحُرمَتِه، لَم تَجِبْ قِيمَتُه، كالمَيْتةِ، ولأنَّ ما لَم يَكُنْ مَضمونًا في حَقِّ المُسلِمِ لَم يَكُنْ مَضمونًا في حَقِّ الذِّمِّيِّ، كالمُرتَدِّ، ولأنَّها غيرُ مُتقوَّمةٌ، فلا تُضمَنُ، كالمَيْتةِ، ودَليلُ أنَّها غيرُ مُتقوَّمةٍ في حَقِّ المُسلِمِ فكذلك في حَقِّ الذِّمِّيِّ؛ أنَّ تَحريمَها ثبَت في حَقِّهما، وخِطابُ النَّواهي يَتوَجَّهُ إلَيهما؛ فما ثبَت في حَقِّ أحَدِهما ثبَت في حَقِّ الآخَرِ (٣). ضَمانُ إتلافِ الخَمرِ والخِنزيرِ: إذا أُتلِفَ الخَمرُ والخِنزيرُ لِمُسلِمٍ فلا ضَمانَ، اتِّفاقًا، سَواءٌ كانَ المُتلِفُ مُسلِمًا أو ذِمِّيًّا؛ لعَدمِ تَقوُّمِهما في حَقِّ المُسلِمينَ.

стр. 3549

واختَلَفوا فيما لو أتلَفَهما مُسلِمٌ لِأهلِ الذِّمَّةِ؛ فعندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّها غيرُ مَضمونةٍ أيضًا؛ لأنَّ ما لا يَكونُ مَضمونًا في حَقِّ المُسلِمِ لا يَكونُ مَضمونًا في حَقِّ غيرِه (١). لكنَّ الحَنفيَّةَ صَرَّحوا بضَمانِ مُتلِفِهما لِأهلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّهما مالٌ مُتقوَّمٌ في حَقِّهم، وبِهذا قالَ المالِكيَّةُ، إذا لَم يُظهِرِ الذِّمِّيُّ الخَمرَ والخِنزيرَ (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَنْ أتلَفَ لِذِمِّيٍّ خَمرًا أو خِنزيرًا فلا غُرمَ عليه، ويُنهَى عنِ التَّعرُّضِ لَهم فيما لا يُظهِرونَه. وجُملةُ ذلك أنَّه لا يَجِبُ ضَمانُ الخَمرِ والخِنزيرِ، سَواءٌ كانَ مُتلِفُه مُسلِمًا أو ذِمِّيًّا لِمُسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ، نصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي الحارِثِ؛ في الرَّجُلِ يُهَريقُ مُسكِرًا لِمُسلِمٍ أو لِذِمِّيٍّ؛ فلا ضَمانَ عليه، وبِهذا قالَ الشافِعيُّ. وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: يَجِبُ ضَمانُهما إذا أتلَفَهما على ذِمِّيٍّ. قالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ مُسلِمًا بالقِيمةِ، وإنْ كانَ ذِمِّيًّا بالمِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمَّةِ إذا عَصَمَ عَينًا قَوَّمَها، كنَفسِ الآدَميِّ. وقد عُصِمَ خَمرُ الذِّمِّيِّ، بدَليلِ أنَّ المُسلِمَ يُمنَعُ مِنْ إتلافِها؛ فيَجِبُ أنْ يُقوِّمَها؛ ولأنَّها مالٌ لَهم يَتمَوَّلونَها، بدَليلِ ما رُويَ عن عمرَ ﵁ أنَّ عامِلَه كتَب إلَيهِ: إنَّ أهلَ الذِّمَّةِ يَمُرُّونَ بالعاشِرِ، ومعهمُ الخُمورُ؛ فكتَب إليه

стр. 3550

عمرُ ﵁: وَلُّوهم بَيعَها، وخُذوا مِنهم عُشرَ ثَمَنِها. وإذا كانَتْ مالًا لَهم وجَب ضَمانُها، كسائِرِ أموالِهم. ولَنا: أنَّ جابِرًا رَوى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ» مُتَّفقٌ على صِحَّتِه. وما حُرِّمَ بَيعُه، لا لِحُرمَتِه، لَم تَجِبْ قِيمَتُه، كالمَيْتةِ، ولأنَّ ما لَم يَكُنْ مَضمونًا في حَقِّ المُسلِمِ لَم يَكُنْ مَضمونًا في حَقِّ الذِّمِّيِّ، كالمُرتَدِّ، ولأنَّها غيرُ مُتقوَّمةٍ، فلا تُضمَنُ، كالمَيْتةِ، ودَليلُ أنَّها غيرُ مُتقوَّمةٍ في حَقِّ المُسلِمِ، فكذلك في حَقِّ الذِّمِّيِّ أنَّ تَحريمَها ثبَت في حَقِّهما، وخِطابُ النَّواهي يَتوَجَّهُ إلَيهما؛ فما ثبَت في حَقِّ أحَدِهما ثبَت في حَقِّ الآخَرِ، ولا نُسلِّمُ بأنَّها مَعصومةٌ؛ بَلْ متى أُظهِرَتْ حَلَّتْ إراقَتُها، ثم لو عَصَمَها ما لزِم تَقويمُها؛ فإنَّ نِساءَ أهلِ الحَربِ وصِبيانَهم مَعصومونَ غيرُ مُتقوَّمِينَ. وقَولُهم: إنَّها مالٌ عندَهم يَنتقِضُ بالعَبدِ المُرتَدِّ، فإنَّه مالٌ عندَهم، وأمَّا حَديثُ عمرَ فمَحمولٌ على أنَّه أرادَ تَركَ التَّعرُّضِ لَهم، وإنَّما أُمِرَ بأخْذِ عُشرِ أثمانِها؛ لأنَّهم إذا تَبايَعوا وتَقابَضوا حَكَمْنا لَهم بالمِلْكِ، ولَم نَنقُضْه، وتَسميتُها أثمانًا تَسميةٌ مَجازيَّةٌ، كما سَمَّى اللَّهُ تَعالى ثَمَنَ يُوسفَ ثَمَنًا؛ فقالَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. وأمَّا قَولُ الخِرَقيِّ: ويُنهَى عن التَّعرُّضِ لَهم فيما لا يُظهِرونَه؛ فلأنَّ كُلَّ ما اعتَقَدوا حِلَّه في دِينِهم ممَّا لا أذَى لِلمُسلِمينَ فيه، مِنْ الكُفرِ وشُربِ الخَمرِ، واتِّخاذِها، ونِكاحِ ذَواتِ المَحارِمِ، لا يَجوزُ لَنا التَّعرُّضُ لَهم فيه إذا

стр. 3551

لَم يُظهِروه؛ لأنَّنا التَزَمْنا إقرارَهم عليه في دارِنا؛ فلا نَتعرَّضُ لَهم فيما التَزَمْنا تَرْكَه، وما أظهَروه مِنْ ذلك تَعيَّنَ إنكارُه عليهم؛ فإنْ كانَ خَمرًا جازَتْ إراقَتُه، وإنْ أظهَروا صَليبًا أو طُنبورًا جازَ كَسرُه، وإنْ أظهَروا كُفرَهم أُدِّبوا على ذلك، ويُمنَعونَ مِنْ إظهارِ ما يَحرُمُ على المُسلِمينَ (١). واتَّفَقوا أيضًا على أنَّه لا تُراقُ الخَمرُ المَغصوبةُ مِنْ مُسلِمٍ إذا كانَتْ مُحتَرَمةً، وهي التي عُصِرتْ لا بقَصدِ الخَمريَّةِ، وإنَّما بقَصدِ التَّخليلِ، وتُرَدُّ إلى المُسلِمِ؛ لأنَّ له إمساكَها لِتَصيرَ خَلًّا. والضَّمانُ هُنا -إذا وجَب على المُسلِمِ- فإنَّه يَكونُ بالقِيمةِ عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ، لا بالمِثْلِ؛ لأنَّ المُسلِمَ مَمنوعٌ مِنْ تَمليكِه وتَملُّكِه إيَّاها؛ لِما فيه مِنْ إعزازِها. وإذا وجَب لِذِمِّيٍّ على ذِمِّيٍّ؛ فقد صرَّح الحَنفيَّةُ بأنَّه يَكونُ بالمِثْلِ (٢). وقالَ الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابُ هل تُكسَرُ الدِّنانُ التي فيها خَمرٌ، أو تُخرَقُ الزُّقاقُ؟:

стр. 3552

قالَ الحافِظُ: لَم يُبيَّنِ الحُكمُ؛ لأنَّ المُعتمَدَ فيه التَّفصيلُ؛ فإنْ كانَتِ الأوعيةُ بحيثُ يُراقُ ما فيها، وإذا غُسِلَتْ طَهُرتْ وانتُفِعَ بها، لَم يَجُزْ إتلافُها، وإلَّا جازَ (١). بَيعَ الخِنزيرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ بَيعِ الخِنزيرِ؛ لقولِ اللَّهِ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. ولِحَديثِ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵄ أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ عامَ الفَتحِ وهو بمَكَّةَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ»، فقيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ شُحومَ المَيْتةِ فإنَّها يُطلَى بها السُّفُنُ ويُدهَنُ بها الجُلودُ ويَستَصبِحُ بها النَّاسُ، فقالَ: «لا، هو حَرامٌ»، ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ ذلك: قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ، إنَّ اللَّهَ لمَّا حرَّم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكَلوا ثَمَنَه» (٢). قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على تَحريمِ ما حرَّم اللَّهُ مِنْ المَيْتةِ والدَّمِ والخِنزيرِ. وقالَ: وأجمَعوا على أنَّ بَيعَ الخِنزيرِ وشِراءَه حَرامٌ (٣).

стр. 3553

وقالَ في «الأوسَطِ»: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على تَحريمِ الخِنزيرِ، والخِنزيرُ مُحرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنةِ واتِّفاقِ الأُمَّةِ (١). وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ بَيعَ الخِنزيرِ وشِراءَه حَرامٌ، وأجمَعوا على قَتلِ كلِّ ما يُستضَرُّ به ويُؤذِي ممَّا لا يَبلُغُ أذَى الخِنزيرِ، كالفَواسِقِ التي أمَرَ النَّبيُّ ﷺ المُحرِمَ بقَتلِها؛ فالخِنزيرُ أوْلَى بذلك؛ لِشِدَّةِ أذاه. ألَا تَرَى أنَّ عيسى ابنَ مَريَمَ يَقتُلُه عندَ نُزولِه؟! فقَتْلُه واجِبٌ، وفيه دَليلٌ على أنَّ الخِنزيرَ حَرامٌ في شَريعةِ عيسى، وأنَّ قَتلَه له تَكذيبٌ لِلنَّصارَى أنَّه حَلالٌ في شَريعَتِهم (٢). ولأنَّ مِنْ شَرطِ المَعقودِ عليه -سَواءٌ أكانَ ثَمَنًا أو مُثمَّنًا- أنْ يَكونَ طاهِرًا، وأنْ يُنتفَعَ به شَرعًا. والأصلُ في حِلِّ ما يُباعُ أنْ يَكونَ مُنتفَعًا بهِ؛ لأنَّ بَيعَ غيرِ المُنتفَعِ به شَرعًا لا يَتحقَّقُ به الرِّضا؛ فيَكونُ مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ، وهو مَنهيٌّ عنه، والخِنزيرُ -إنْ كانَ فيه بَعضُ المَنافِعِ- مَنافِعُه مُحرَّمةٌ شَرعًا، والمَعدومُ شَرعًا كالمَعدومِ حِسًّا. وكذا يَحرُمُ شَحمُه ولَحمُه وسائِرُ أجزائِه؛ لقولِه : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، قالَ النَّوويُّ: فذكَر

стр. 3554

اللَّحمَ لأنَّه أعظَمُ المَقصودِ، وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على تَحريمِ شَحمِه ودَمِه وسائِرِ أجزائِه (١). قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا تَحريمُ بَيعِ الخِنزيرِ فيَتناوَلُ جُملَتَه وجَميعَ أجزائِه الظَّاهِرةِ والباطِنةِ. وتَأمَّلْ كَيفَ ذكَر لَحمَه عندَ تَحريمِ الأكلِ، إشارةً إلى تَحريمِ أكلِه، ومُعظَمُه اللَّحمُ؛ فذكَر اللَّحمَ تَنبيهًا على تَحريمِ أكلِه دونَ ما قَبلُه، بخِلافِ الصَّيدِ؛ فإنَّه لَم يَقُلْ فيه: وحرَّم عليكم لَحمَ الصَّيدِ، بَلْ حرَّم الصَّيدَ نَفْسَه؛ لِيَتناوَلَ ذلك أكلَه وقَتلَه، وهَهُنا لمَّا حرَّم البَيعَ ذكَر جُملَتَه، ولَم يَخُصَّ التَّحريمَ بلَحمِه؛ لِيَتناوَلَ بَيعَه حَيًّا ومَيْتًا (٢). وقالَ ابنُ كَثيرٍ عندَ تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، قالَ: يَعني إنسيَّه ووَحشيَّه واللَّحمُ يُعمِّمُ جَميعَ أجزائِه، حتى الشَّحمِ، ولا يَحتاجُ إلى تَحَذلُقِ الظَّاهِريَّةِ في جُمودِهم ههُنا وتَعسُّفِهم في الِاحتِجاجِ بقَولِه : ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾، يَعنونَ قَولَه تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، أعادوا الضَّميرَ فيما فَهِموه على الخِنزيرِ، حتى يُعمِّمَ جَميعَ أجزائِه، وهذا بَعيدٌ مِنْ حيثُ اللُّغةُ؛ فإنَّه لا يَعودُ الضَّميرُ إلَّا إلى المُضافِ دونَ المُضافِ إليه، والأظهَرُ أنَّ اللَّحمَ يُعمِّمُ جَميعَ الأجزاءِ، كما هو

стр. 3555

المَفهومُ مِنْ لُغةِ العَرَبِ، ومِنَ العُرفِ المُطَّرِدِ، وفي صَحيحِ مُسلِمٍ عن بُريدةَ بن الخَصيبِ الأسلَميِّ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَعِبَ بالنَّردَشيرِ فكَأنَّما صَبَغَ يَدَه في لَحمِ الخِنزيرِ ودَمِه» (١)، فإذا كانَ هذا التَّنفيرُ لِمُجرَّدِ اللَّمسِ؛ فكَيفَ يَكونُ التَّهديدُ والوَعيدُ الأكيدُ على أكلِه والتَّغَذِّي به؟ وفيه دِلالةٌ على شُمولِ اللَّحمِ لِجَميعِ الأجزاءِ مِنْ الشَّحمِ وغيرِه (٢). وفَصَّلَ الحَنفيَّةُ في حُكمِ بَيعِ الخِنزيرِ، فهو عندَهم باطِلٌ إذا بِيعَ بدَراهِمَ أو دَنانيرَ، وفاسِدٌ إذا بِيعَ بعَينٍ، على قَولِهم بالتَّفريقِ بينَ البُطلانِ والفَسادِ، والفَرقُ بينَ بَيعِه بدَراهِمَ أو دَنانيرَ، وبينَ بَيعِه بعَينٍ، أنَّ الشَّرعَ أمَرَ بإهانةِ الخِنزيرِ وتَرْكِ إعزازِه، وفي شِرائِه بدَراهِمَ أو دَنانيرَ إعزازٌ له، لأنَّها غيرُ مَقصودةٍ في العَقدِ؛ لِكَونِها وَسيلةً لِلتَّملُّكِ، وإنَّما المَقصودُ الخِنزيرُ، ولِذا كانَ بَيعُه بهما باطِلًا ويُسقِطُ التَّقوُّمَ. أمَّا إذا بِيعَ بعَينٍ، كالثِّيابِ؛ فقد وُجِدتْ حَقيقةُ البَيعِ، لأنَّه مُبادَلةٌ مالٍ بمالٍ، والخِنزيرُ يُعتبَرُ مالًا في بَعضِ الأحوالِ، كما هو عندَ أهلِ الكِتابِ، إلَّا أنَّه في هذه الصُّورةِ يُعتبَرُ كُلٌّ مِنهما ثَمَنًا ومَبيعًا، ورُجِّحَ اعتِبارُ الثَّوبِ مَبيعًا تَصحيحًا لِتَصرُّفِ العُقَلاءِ الذي يَقضي بأنْ يَكونَ الإعزازُ لِلثَّوبِ، وهو المَقصودُ بالعَقدِ، لا الخِنزيرُ، فتَكونُ تَسميةُ الخِنزيرِ في العَقدِ مُعتبَرةً في

стр. 3556

تَملُّكِ الثَّوبِ، لا في الخِنزيرِ نَفْسِه؛ فيَفسُدُ العَقدُ لِفَسادِ الثَّمنِ المُسَمَّى، وتَجِبُ قِيمةُ الثَّوبِ دونَ الخِنزيرِ (١). بَيعُ الكَلبِ: اختلَف الفُقهاءُ في بَيعِ الكَلبِ هل يَجوزُ بَيعُه مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ مُعلَّمًا أو غيرَ مُعلَّمٍ، وسَواءٌ كانَ لِلصَّيدِ أو لِلحِراسةِ أو لِغيرِ ذلك، أو لا؟ على أقوالٍ: القَولُ الأوَّلُ لِلحَنَفيةِ: أنَّه يَجوزُ بَيعُ الكَلبِ -والفَهدِ والسِّباعِ-، مُعلَّمًا كانَ أو غيرَ مُعلَّمٍ؛ لأنَّه حَيَوانٌ مُنتَفَعٌ به، حِراسةً واصطيادًا، فيَجوزُ، ولأنَّ الكَلبَ مالٌ، فكانَ مَحلًّا لِلبَيعِ، كالصَّقرِ والبازِي، والدَّليلُ على أنَّه مالٌ أنَّه مُنتَفَعٌ به حَقيقةً، مُباحُ الِانتِفاعِ به شَرعًا على الإطلاقِ، فكانَ مالًا، ولا شَكَّ أنَّه مُنتَفَعٌ به حَقيقةً، والدَّليلُ على أنَّه مُباحٌ الِانتِفاعُ به شَرعًا على الإطلاقِ أنَّ الِانتِفاعَ به بجِهةِ الحِراسةِ والِاصطيادِ مُطلَقٌ شَرعًا في الأحوالِ كُلِّها، فكانَ مَحلًّا لِلبَيعِ؛ لأنَّ البَيعَ إذا صادَفَ مَحلًّا مُنتَفَعًا به حَقيقةً، مُباحًا الِانتِفاعُ به شَرعًا على الإطلاقِ، مَسَّتِ الحاجةُ إلى شَرعِه؛ لأنَّ شَرعَه يقعُ سَبَبًا ووَسيلةً لِلِاختِصاصِ القاطِعِ لِلمُنازَعةِ؛ إذِ الحاجةُ إلى قَطعِ المُنازَعةِ فيما يُباحُ الِانتِفاعُ به شَرعًا على الإطلاقِ، لا فيما يَجوزُ. والحَديثُ الوارِدُ في النَّهيِ -كَما سَيَأتي- يُحتمَلُ أنَّه كانَ في ابتِداءِ الإسلامِ؛ لأنَّهم كانوا ألِفوا اقتِناءَ الكِلابِ، فأمَرَ ﷺ بقَتلِها، ونهَى عن بَيعِها؛ مُبالَغةً في الزَّجرِ، أو يُحمَلُ على هذا تَوفيقًا بينَ الدَّلائِلِ.

стр. 3557

قالَ السَّرخَسيُّ ﵀: وعَن إبراهيمَ ﵀ تَعالى قالَ: لا بَأْسَ بثَمَنِ كَلبِ الصَّيدِ، ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَخَّصَ في ثَمَنِ كَلبِ الصَّيدِ، وبه نَأخُذُ، فنَقولُ: بَيعُ الكَلبِ المُعلَّمِ يَجوزُ. وحُجَّتُنا في ذلك ما رَواه إبراهيمُ مِنْ الرُّخصةِ، وذلك بعدَ النَّهيِ والتَّحريمِ فيه يَتبيَّنُ تَيسيرُ انتِساخِ ما رُويَ مِنْ النَّهيِ، وهذا لأنَّهم كانوا ألِفوا اقتِناءَ الكِلابِ وكانَتِ الكِلابُ فيهم تُؤذي الضَّيفانَ والغُرَباءَ، فنُهُوا عن اقتِنائِها، فشَقَّ ذلك عليهم؛ فأُمِروا بقَتلِ الكِلابِ ونُهُوا عن بَيعِها تَحقيقًا لِلزَّجرِ عن العادةِ المَألوفةِ، ثم رُخِّصَ لَهم بعدَ ذلك في ثَمَنِ المُنتَفَعِ به مِنْ الكِلابِ، وهو كَلبُ الصَّيدِ، وكَلبُ الحَرثِ، وكَلبُ الماشيةِ. وقد جاءَ في حَديثِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الكَلبِ إلَّا كَلبَ الصَّيدِ والحَرثِ والماشيةِ. ورُويَ أنَّه قَضَى في كَلبِ الصَّيدِ بأربَعينَ دِرهَمًا، وفي كَلبِ الحَرثِ بفَرقٍ مِنْ طَعامٍ، وفي كَلبِ الماشيةِ بشاةٍ مِنها. وعن عُثمانَ ﵁ أنَّه قضَى على رَجُلٍ أتلَفَ كَلبًا لِامرَأةٍ بعِشرينَ بَعيرًا، والحَديثُ له قِصَّةٌ مَعروفةٌ. وإذا ثبَت أنَّه مالٌ مُتقوَّمٌ وهو مُنتَفَعٌ به شَرعًا، جازَ بَيعُه، كَسائِرِ الأموالِ، وبَيانُ كَونِه مُنتفَعًا به أنَّه يَحِلُّ الِانتِفاعُ به في حالةِ الِاختيارِ، ويَجوزُ تَمليكُه بغيرِ عِوَضٍ في حالةِ الحَياةِ بالهِبةِ، وبعدَ المَوتِ بالوَصيَّةِ؛ فيَجوزُ تَمليكُه بالعِوَضِ أيضًا، وبِهَذا يَتبيَّنُ أنَّه ليسَ بنَجِسِ العَينِ؛ فإنَّ الِانتِفاعَ بما هو نَجِسُ العَينِ لا يَحِلُّ في حالةِ الِاختِيارِ، كالخَمرِ، ولا يَجوزُ تَمليكُه قَصدًا بالهِبةِ والوَصيَّةِ.

стр. 3558

ثم الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ أنَّ المُعلَّمَ وغيرَ المُعلَّمِ إذا كانَ بحيثُ يَقبَلُ التَّعليمَ سَواءٌ في حُكمِ البَيعِ، حتى ذُكِرَ في النَّوادِرِ: لو باعَ جَرْوًا جازَ بَيعُه؛ لأنَّه يَقبَلُ التَّعليمَ؛ فأمَّا الذي لا يَجوزُ بَيعُه العَقورُ مِنها، الذي لا يَقبَلُ التَّعليمَ؛ لأنَّه عَينٌ مُؤذيةٌ غيرُ مُنتفَعٍ بها؛ فلا يَكونُ مالًا مُتقَّوَمًا كالذِّئبِ، وهكذا يَقولُ في الأسَدِ، إنْ كانَ بحيثُ يَقبَلُ التَّعليمَ ويَصطادُ به، فبَيعُه جائِزٌ، وإنْ كانَ لا يَقبَلُ ذلك ولا يُنتفَعُ به فحينَئذٍ لا يَجوزُ بَيعُه، والفَهدُ والبازِي يَقبَلانِ التَّعليمَ على كلِّ حالٍ، فجازَ بَيعُهما كذلك. وعن جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الكَلبِ والسِّنَّوْرِ» (١)، وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: يَنقُضُ هذا الحَديثَ في السِّنَّوْرِ حَديثُه ﷺ أنَّه كانَ يُصَفِّي لَها الإناءَ فتَشرَبُ مِنه، وهو مَشهورٌ عنه، وحَديثُ عُروةَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُصَفِّي الإناءَ لِلهِرِّ؛ لِيَشرَبَ مِنه ثم يَتوَضَّأُ. وفي هذا دَليلٌ على أنَّها ليسَتْ بنَجِسةٍ، وقد نصَّ على ذلك بقَولِه ﷺ : «إنَّها ليسَتْ بنَجِسةٍ، إنَّها مِنْ الطَّوَّافينَ عليكم والطَّوَّافاتِ»، ويَجوزُ الِانتِفاعُ بها مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، وما يَكونُ بهذه الصِّفةِ فهو مالٌ مُتقوَّمٌ يَجوزُ بَيعُه، والنَّهيُ إنْ ثبَت مَحمولٌ على أنَّه كانَ في الِابتِداءِ (٢).

стр. 3559

القَولُ الثَّاني: أنَّ بَيعَ الكَلبِ باطِلٌ وثَمَنَه حَرامٌ، ولا قِيمةَ على مُتلِفِه بحالٍ، سَواءٌ كانَ مُعلَّمًا أو غيرَ مُعلَّمٍ، وسَواءٌ كانَ جَرْوًا أو كَبيرًا، وسَواءٌ كانَ مُنتفَعًا به أو غيرَ مُنتفَعٍ به، وهو قَولُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لِحَديثِ أبي مَسعودٍ ﵁ قالَ: نهَى النَّبيُّ ﷺ عن ثَمَنِ الكَلبِ، ومَهرِ البَغيِّ، وحُلوانِ الكاهِنِ (١). فلا يَصحُّ بَيعُ الكَلبِ مُطلَقًا، وإنْ كانَ مُعلَّمًا؛ لأنَّه لو كانَ مالًا مُتقوَّمًا لَما أمَرَ بذلك، ولأنَّه حَيَوانٌ يَجِبُ غَسلُ الإناءِ مِنْ وُلوغِه، فوجَب أنْ يَحرُمَ ثَمَنُه وقِيمَتُه، كالخِنزيرِ. وكُلُّ ما لَم يَجُزْ بَيعُه فلا قِيمةَ على مُتلِفِه، وكُلُّ ما جازَ بَيعُه وَجَبتِ القِيمةُ على مُتلِفِه (٢). وأمَّا المالِكيَّةُ فاتَّفَقوا على أنَّ الكَلبَ المَنهيَّ عن اتِّخاذِه لا يَجوزُ بَيعُه

стр. 3560

اتِّفاقًا، واختَلَفوا في بَيعِ الكَلبِ المَأْذونِ في اتِّخاذِه، والِانتِفاعِ به، على خَمسةِ أقوالٍ، وقيلَ: على سَبعةٍ وهذه الأقوالُ هي: المَنعُ مُطلَقًا، وهو المَشهورُ في المَذهبِ، والجَوازُ مُطلَقًا، وهُما لِمالِكٍ، كما في المُدوَّنةِ، وقالَ سَحنونٌ: أبيعُه وأحُجُّ بثَمَنِه، ورَوى ابنُ القاسِمِ كَراهيةَ بَيعِه، وعن ابنِ القاسِمِ أيضًا: يَجوزُ شِراؤُه، ولا يَجوزُ بَيعُه، وعن مالِكٍ يَجوزُ بَيعُه في المِيراثِ والدَّيْنِ والمَغانِمِ، ومَكروهٌ بَيعُه ابتِداءً، والأوَّلُ هو المَشهورُ. ووَجْهُ الجَوازِ ما رُويَ أنَّه ﷺ نهَى عن ثَمَنِ الكَلبِ، إلَّا كَلبَ صَيدٍ أو زَرعٍ أو ماشيةٍ (١)؛ ولأنَّه جارِحٌ يُصادُ به، كالبازِي؛ ولأنَّه حَيَوانٌ يُملَكُ بالأخْذِ؛ فجازَ أنْ يُملَكَ بالبَيعِ، كالصَّيدِ؛ ولأنَّه حَيَوانٌ يُملَكُ بالوَصيَّةِ، كَسائِرِ الحَيَوانِ، ولأنَّ كُلَّ ما يُنتفَعُ به جائِزٌ شِراؤُه وبَيعُه، ويَلزَمُ قاتِلَه القِيمةُ؛ لأنَّه أتلَفَ مَنفَعةَ أخيه.

стр. 3561

ووَجْهُ المَنعِ نَهيُه عن ثَمَنِ الكَلبِ؛ ولأنَّه حَيَوانٌ مَنهيٌّ عن اتِّخاذِه في الجُملةِ. وقالَ المالِكيَّةُ: سَواءٌ على القَولِ بجَوازِ بَيعِه أو بالمَنعِ، مَنْ قَتَلَ لِرَجُلٍ كَلبًا لِصَيدٍ أو لِزَرعٍ أو ماشيةٍ فعليه قِيمَتُه على الوَجهَيْنِ جَميعًا في بَيعِه؛ لأنَّه عَينٌ مَأْذونٌ في اتِّخاذِها لِلِانتِفاعِ بها؛ فوجَب إذا تلِف على صاحِبِها أنْ يُلزِمَ القِيمةَ مُتلِفَها، كَسائِرِ الأعيانِ؛ ولأنَّه حَيَوانٌ تَصحُّ الوَصيةُ به، كالخَيلِ والبِغالِ؛ ولأنَّه حَيَوانٌ مَأْذونٌ في الِانتِفاعِ به، كَسائِرِ الحَيَوانِ، ولأنَّها بَهيمةٌ يَجوزُ الِاصطيادُ بها، كالبازِي (١). بَيعَ السِّنَّوْرِ (القِطِّ أو الهِرِّ): ذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم إلى جَوازِ بَيعِ الهِرِّ، وحَمَلوا النَّهيَ الوارِدَ في بَيعِه على أنَّه لا يَنفَعُ، أو على أنَّه نَهيُ تَنزيهٍ لا نَهيُ تَحريمٍ، لكنَّه دَنيءٌ. فعن جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن ثَمَنِ الكَلبِ والسِّنَّوْرِ» (٢). وعن جابرٍ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن ثَمَنِ الهِرَّةِ» (٣).

стр. 3562

قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: لَم نَعلَمِ اختِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ في ثَمَنِ السِّنَّورِ أنَّه ليسَ بحَرامٍ، ولكنَّه دَنيءٌ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا النَّهيُ عن ثَمَنِ السِّنَّورِ فثابِتٌ، ولكنَّ الجُمهورَ على إباحَتِه؛ لأنَّه طاهِرُ العَينِ، مُباحُ المَنافِعِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا الهِرُّ فقالَ الخِرَقيُّ: يَجوزُ بَيعُها، وبه قالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵁ والحَسَنُ وابنُ سِيرينَ والحَكَمُ وحَمَّادٌ والثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأصحابُ الرَّأيِ. وعن أحمدَ أنَّه كَرِهَ ثَمَنَها، ورُويَ ذلك عن أبي هُرَيرةَ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ ﵃، واختارَه أبو بَكرٍ (وهو اختيارُ ابنِ القيِّمِ) (٣) لِمَا رَوى مُسلِمٌ عن جابرٍ ﵁ أنَّه سُئلَ عن ثَمَنِ السِّنَّورِ فقالَ:

стр. 3563

زَجَرَ النَّبيُّ ﷺ عن ذلك. وفي لَفظٍ رَواه أبو داوُدَ عن جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن ثَمَنِ السِّنَّورِ. قالَ التِّرمِذيُّ: هذا حَديثٌ حَسَنٌ، وفي إسنادِه اضطِرابٌ. ولنا: ما ذَكَرْنا فيما يُصادُ به مِنْ السِّباعِ، ويُحمَلُ الحَديثُ على غيرِ المَملوكِ مِنها، أو ما لا نَفْعَ فيه مِنها، بِدَليلِ ما ذَكَرْنا، ولأنَّ البَيعَ شرَع طَريقًا لِلتَّوصُّلِ إلى قَضاءِ الحاجَةِ واستِيفاءِ المَنفَعةِ المُباحةِ لِيَصِلَ كلُّ واحِدٍ إلى الِانتِفاعِ بما في يَدِ صاحِبِه ممَّا يُباحُ الِانتِفاعُ به؛ فيَنبَغي أنْ يُشرَعَ ذلك فيه لِيَصِلَ كلُّ واحِدٍ إلى الِانتِفاعِ بما في يَدِ صاحِبِه، فما يُباحُ الِانتِفاعُ به يَنبَغي أنْ يَجوزَ بَيعُه (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا النَّهيُ عن ثَمَنِ السِّنَّورِ فهو مَحمولٌ على أنَّه لا يَنفَعُ، أو على أنَّه نَهيُ تَنزيهٍ، حتى يَعتادَ النَّاسُ هِبَتَه وإعارَتَه والسَّماحةَ به، كما هو الأغلَبُ؛ فإنْ كانَ ممَّا يَنْفَعُ وباعَه صَحَّ البَيعُ، وكانَ ثَمَنُه حَلالًا، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ العُلماءِ كافَّةً، إلَّا ما حَكَى ابنُ المُنذِرِ عن

стр. 3564

أبي هُرَيرةَ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ ﵃ أنَّه لا يَجوزُ بَيعُه. واحتَجُّوا بالحَديثِ، وأجابَ الجُمهورُ عنه بأنَّه مَحمولٌ على ما ذَكَرْناه، فهذا هو الجَوابُ المُعتمَدُ. وأمَّا ما ذكَره الخَطابيُّ وأبو عمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ مِنْ أنَّ الحَديثَ في النَّهيِ عنه ضَعيفٌ؛ فليسَ كما قالا، بَلِ الحَديثُ صَحيحٌ، رَواه مُسلِمٌ وغيرُه. وقَولُ ابنِ عَبدِ البَرِّ أنَّه لَم يَرْوِه عن أبي الزُّبَيرِ غيرُ حَمَّادِ بنِ سَلَمةَ، غَلَطٌ مِنه أيضًا؛ لأنَّ مُسلِمًا قد رَواه في صَحيحِه، كما رُويَ مِنْ رِوايةِ مَعقِلِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ عن أبي الزُّبَيرِ؛ فهَذانِ ثِقَتانِ رَوَياه عن أبي الزُّبَيرِ وهو ثِقةٌ أيضًا، واللَّهُ أعلَمُ (١). وقالَ البَغَويُّ ﵀: وجَوَّزَ الأكثَرونَ بَيعَه، وهو قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁، وإليه ذهَب الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، والحَكَمُ وحَمَّادٌ، وبه قالَ مالِكٌ والثَّوريُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ، والشافِعيُّ وأحمدُ، وإسحاقُ، وتَأوَّلَ بَعضُهمُ الحَديثَ على بَيعِ الوَحشِيِّ مِنه، الذي لا يَقدِرُ على تَسليمِه (٢). بَيعُ الدَّمِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ بَيعِ الدَّمِ، وأنَّ ثَمَنَه حَرامٌ، لقولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، ولقولِه تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].

стр. 3565

وعن أبي جُحَيفةَ ﵁ قالَ: «إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن ثَمَنِ الدَّمِ وثَمَنِ الكَلبِ … » (١). قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وجَميعُ العُلماءِ على تَحريمِ بَيعِ الدَّمِ (٢). وقالَ الحافِظُ ابنَ حَجَرِ ﵀: ثَمَنُ الدَّمِ اختُلِفَ في المُرادِ به، فقيلَ: أُجرةُ الحِجامةِ، وقيلَ: هو على ظاهِرِه، والمُرادُ تَحريمُ بَيعِ الدَّمِ، كما حُرِّمَ بَيعُ المَيْتةِ والخِنزيرِ، وهو حَرامٌ إجماعًا، أعني بَيعَ الدَّمِ وأخْذَ ثَمَنِه (٣). وقالَ البَيهَقيُّ ﵀: قالَ أبو سُلَيمانَ الخطَّابيُّ فيما بلَغني عنه: الدَّمُ حَرامٌ بالإجماعِ (٤). وقالَ ابنُ العَرَبيِّ المالِكيُّ ﵀: اتَّفق العُلماءُ على أنَّ الدَّمَ حَرامٌ نَجِسٌ، لا يُؤكَلُ ولا يُنتفَعُ به، وقد عَيَّنَه اللَّهُ ههُنا مُطلَقًا، وعَيَّنَه في سُورةِ الأنعامِ بالمَسفوحِ، وحَمَلَ العُلماءُ ههُنا المُطلَقَ على المُقيَّدِ إجماعًا (٥). وقالَ الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: اتَّفق العُلماءُ على أنَّ الدَّمَ حَرامٌ نَجِسٌ لا يُؤكَلُ ولا يُنتفَعُ به (٦). وقالَ الكاسانيُّ ﵀: وانعقَد الإجماعُ على حُرمَتِه (٧)، أي: الدَّمِ.

стр. 3566

وقالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيثَميُّ ﵀: والدَّمُ وسَبَبُ تَحريمِه نَجاسَتُه أيضًا، وكانوا يَملَؤونَ المِعَى أو المَباعِرَ مِنْ الدَّمِ ويَشوُونَه ويُطعِمونَه الضَّيفَ، فحرَّم اللَّهُ عليهم ذلك، واتَّفق العُلماءُ على تَحريمِه ونَجاسَتِه، نَعَمْ يُعفَى عَمَّا يَبقَى في العُروقِ واللَّحمِ على أنَّه خرَج بالمَسفوحِ في الآيةِ الأُخرَى المُقيِّدةِ لِإطلاقِه في هذه الآيةِ، ويُستَثنَى مِنه الكَبِدُ والطِّحالُ؛ لِلحَديثِ الصَّحيحِ بهما على أنَّهما خَرَجا بالمَسفوحِ أيضًا، فلا استِثناءَ، ونَقلَ بَعضُهم عن الجُمهورِ أنَّ الدَّمَ حَرامٌ، ولو غيرَ مَسفوحٍ. ورُدَّ قَولُ أبي حَنيفةَ بحِلِّ غيرِ المَسفوحِ، وليسَ كما زَعَمَ (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: يَحِلُّ أكْلُ الكَبِدِ والطِّحالِ بلا خِلافٍ؛ لِلحَديثِ الصَّحيحِ السَّابِقِ: «أُحِلَّ لَنا مَيتَتانِ ودَمانِ؛ فأمَّا المَيتَتانِ: فالحُوتُ والجَرادُ، وأمَّا الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ (٢)» (٣). بَيعَ الأصنامِ والأوثانِ والصَّليبِ: قالَ ابنُ الآثيرِ: الفَرقُ بينَ الوَثَنِ والصَّنَمِ أنَّ الوَثَنَ كلُّ ما له جُثَّةٌ مَعمولةٌ مِنْ جَواهِرِ الأرضِ، أو مِنْ الخَشَبِ والحِجارةِ، كصُورةِ الآدَميِّ، تُعمَلُ وتُنصَبُ فتُعبَدُ، والصَّنَمُ الصُّورةُ بلا جُثَّةٍ، ومِنهم مَنْ لَم يُفرِّقْ بينَهما، وأطلَقَها على المَعنيَيْنِ، وقد يُطلَقُ الوَثَنُ على غيرِ الصُّورةِ، ومِنه حَديثُ عِدِيِّ بنِ حاتِمٍ ﵁: قَدِمتُ على النَّبيِّ ﷺ وفي عُنُقي صَليبٌ

стр. 3567

مِنْ ذَهَبٍ، فقالَ لي ﷺ : «ألْقِ هذا الوَثَنَ عَنْكَ» (١). وقالَ ابنُ مَنظورٍ الأزهَريُّ: قالَ شِمْرٌ فيما قَرَأتُ بخَطِّه: أصْلُ الأوثانِ عندَ العَرَبِ كلُّ تِمثالٍ مِنْ خَشَبٍ أو حِجارةٍ أو ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو نُحاسٍ أو نَحوِها، وكانَتِ العَرَبُ تَنصِبُها وتَعبُدُها، وكانَتِ النَّصارَى نَصَبتِ الصَّليبَ، وهو كالتِّمثالِ، تُعظِّمُه وتَعبُدُه، ولِذلك سَمَّاه الأعشَى وَثَنًا، وقالَ: تَطوفُ العُفاةُ بأبوابِه كطَوفِ النَّصارى ببَيتِ الوَثَنْ أرادَ بالوَثَنِ الصَّليبَ. قالَ: وقالَ عَدِيُّ بنُ حاتِمٍ ﵁: قَدِمتُ على النَّبيِّ ﷺ وفي عُنُقي صَليبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فقالَ لي: «ألْقِ هذا الوَثَنَ عَنْكَ»، أرادَ به الصَّليبَ، كما سَمَّاه الأعشَى وَثَنًا (٢). وقد اتَّفق أهلُ العِلمِ على حُرمةِ بَيعِ الأصنامِ بكُلِّ أنواعِها وأشكالِها وصُوَرِها؛ لِحَديثِ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵁ أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ عامَ الفَتحِ وهو بمَكَّةَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ … » (٣). قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ المَيْتةِ والأصنامِ؛ لأنَّه لا يَحِلُّ الِانتِفاعُ بهما؛ فوَضْعُ الثَّمنِ فيهما إضاعةٌ

стр. 3568

لِلمالِ، وقد نهَى النَّبيُّ ﷺ عن إضاعةِ المالِ (١). وقالَ ابنُ بطَّالٍ: وقالَ ابنُ المُنذِرِ: في مَعنَى الأصنامِ: الصُّورُ المُتَّخَذةُ مِنْ المَدَرِ والخَشَبِ وشِبْهِهما، وكُلُّ ما يَتَّخِذُ النَّاسَ ممَّا لا مَنفَعةَ فيه إلَّا لِلَّهوِ المَنهيِّ عنه، فلا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِنه إلَّا الأصنامَ التي تَكونُ مِنْ الذَّهبِ والفِضَّةِ والحَديدِ والرَّصاصِ، إذا غُيِّرتْ عَمَّا هي عليه وصارَت نُقَرًا، أو قِطَعًا؛ فيَجوزُ بَيعُها والشِّراءُ بها (٢). قالَ الإمامُ البَغَويُّ ﵀: وفي تَحريمِ بَيعِ الأصنامِ دَليلٌ على تَحريمِ بَيعِ جَميعِ الصُّورِ المُتَّخَذةِ مِنْ الخَشَبِ والحَديدِ والذَّهبِ والفِضَّةِ وغيرِها، وعلى تَحريمِ بَيعِ جَميعِ آلاتِ اللَّهوِ والباطِلِ، مثلَ الطُّنبورِ والمِزمارِ والمَعازِفِ كُلِّها؛ فإذا طُمِسَتِ الصُّوَرُ، وغُيِّرتْ آلاتُ اللَّهوِ عن حالَتِها يَجوزُ بَيعُ جَواهِرِها، وأُصولِها؛ فِضَّةً كانَتْ أو حَديدًا أو خَشَبًا أو غيرَها (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا تَحريمُ بَيعِ الأصنامِ فيُستَفادُ مِنه تَحريمُ بَيعِ كلِّ آلةٍ مُتَّخَذةٍ لِلشِّركِ على أيِّ وَجْهٍ كانَتْ، ومِن أيِّ نَوعٍ كانَتْ، صَنَمًا أو وَثَنًا أو صَليبًا، وكذلك الكُتُبُ المُشتَمِلةُ على الشِّركِ وعِبادةِ غيرِ اللَّهِ ؛ فهذه كُلُّها يَجِبُ إزالَتُها وإعدامُها، وبَيعُها يَكونُ ذَريعةً إلى اقتِنائِها واتِّخاذِها، فهو أوْلَى بتَحريمِ البَيعِ مِنْ كلِّ ما عَداها؛ فإنَّ مَفسَدةَ بَيعِها

стр. 3569

بحَسَبِ مَفسَدَتِها في نَفْسِها، والنَّبيُّ ﷺ لَم يُؤَخِّرْ ذِكرَها لِخِفَّةِ أمْرِها، ولكنَّه تَدَرَّجَ مِنْ الأسهَلِ إلى ما هو أغلَظُ مِنه … ثم ذكَر بعدَ تَحريمِ بَيعِ الأصنامِ وهو أعظَمُ تَحريمًا وإثمًا وأشَدُّ مُنافاةً لِلإسلامِ مِنْ بَيعِ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: والصَّليبُ لا يَجوزُ عَمَلُه بأُجرةٍ ولا بغيرِ أُجرةٍ، ولا بَيعُه صَليبًا، كما لا يَجوزُ بَيعُ الأصنامِ ولا عَمَلُها (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ زَكَريا الأنصاريُّ ﵀: آلاتُ المَلاهي -كالمِزمارِ والطُّنبورِ والصُّورِ- لا يَصحُّ بَيعُها، ولو كانَتْ ذَهَبًا أو فِضَّةً؛ إذْ لا نَفْعَ بها شَرعًا، ولأنَّها على هَيئَتِها لا يُقصَدُ مِنها غيرُ المَعصيةِ، وقد حرَّم النَّبيُّ ﷺ بَيعَ الأصنامِ فيما رَواه الشَّيخانِ (٣). بَيعُ العُذرةِ والسِّرقينِ: (أي: الزِّبلِ وهو رَجيعُ ما سِوَى الإنسانِ ويُقالُ لَهُ: سِرجينُ): اختلَف الفُقهاءُ في جَوازِ بَيعِ العُذرةِ والزِّبلِ: فقالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ بَيعُ السِّرقينِ والبَعرِ؛ لأنَّه مُباحٌ الِانتِفاعُ به شَرعًا على الإطلاقِ؛ فكانَ مالًا؛ لأنَّه يُلقَى في الأرضِ؛ لِاستِكثارِ الرِّيعِ، فكانَ مالًا، ولأنَّه فِعلُ الأمصارِ في سالِفِ الأعصارِ مِنْ غيرِ إنكارٍ؛ فلَولا إباحَتُه

стр. 3570

باتِّفاقِهم لَأنكَروه، أو بَعضُهم، ولأنَّ ما جازَ الِانتِفاعُ به مِنْ غيرِ ضَرورةٍ جازَ بَيعُه، كَسائِرِ الأموالِ. وَلا يَنعقِدُ بَيعُ العُذرةِ الخالِصةِ؛ لأنَّه لا يُباحُ الِانتِفاعُ بها بحالٍ، فلا تَكونُ مالًا إلَّا إذا كانَ مَخلوطًا بالتُّرابِ، والتُّرابُ غالِبٌ، فيَجوزُ بَيعُه؛ لأنَّه يَجوزُ الِانتِفاعُ به (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ بَيعُ العُذرةِ ولا السِّرجينِ، وهو زِبلُ البَهائِمِ المَأكولةِ وغيرِها، وثَمَنُه حَرامٌ؛ لأنَّه نَجِسٌ، فلَم يَجُزْ بَيعُه، كالمَيْتةِ، ولِحَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لعَن اللَّهُ اليَهودَ، حرَّم عليهم الشُّحومَ فباعوها فأكَلوا أثمانَها، وإنَّ اللَّهَ إذا حرَّم على قَومٍ شَيئًا حرَّم عليهم ثَمَنَه» (٢)، ولأنَّ الزِّبلَ نَجِسُ العَينِ لَم يَجُزْ بَيعُه، كالعُذرةِ. وَرَدُّوا على الحَنفيَّةِ بأنَّ ما ذَكَروه ليسَ باجماعٍ؛ لأنَّ الإجماعَ اتِّفاقُ أهلِ العِلمِ، ولَم يُوجَدْ، وإنَّما يَفعَلُه الجَهَلةُ والأراذلُ؛ فلا يَكونُ ذلك حُجَّةً في دِينِ الإسلامِ (٣).

стр. 3571

ويَرَى الحَنابِلةُ عَدَمَ صِحَّةِ بَيعِ العُذرةِ، ولا الزِّبلِ النَّجِسِ، بخِلافِ الطَّاهِرِ منه، كرَوَثِ الحَمامِ، وبَهيمةِ الأنعامِ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فعندَهم في بَيعِ العُذرةِ أربَعةُ أقوالٍ: - المَنعُ لِمالِكٍ، على فَهْمِ الأكثَرِ مِنْ أنَّ الكَراهةَ على التَّحريمِ. - الكَراهةُ على فَهْمِ أبي الحَسَنِ، وهو ظاهِرُ اللَّخميِّ مِنْ أنَّ الكَراهةَ على بابِها. - الجَوازُ لِابنِ الماجِشونِ. - الفَرقُ بينَ الِاضطِرارِ، فيَجوزُ، وعَدَمِه فيُمنَعُ لِأشهَبَ. أمَّا الزِّبلُ فذكَر ابنُ عَرَفةَ في بَيعِه ثَلاثةَ أقوالٍ: - المَنعُ لِابنِ القاسِمِ، قياسًا على مَنعِ مالِكٍ بَيعَ العُذرةِ. - الجَوازُ، وهو قَولٌ لِابنِ القاسِمِ. - الجَوازُ لِلضَّرورةِ، وهو قَولُ أشهَبَ. والعَمَلُ عندَ المالِكيَّةِ على جَوازِ بَيعِ الزِّبلِ دونَ العُذرةِ لِلضَّرورةِ، كما يَقولُ الدُّسوقيُّ وغيرُه. قالَ الحَطَّابُ ﵀: واعلَم أنَّ القَولَ بالمَنعِ هو الجاري على أصْلِ المَذهبِ في المَنعِ مِنْ بَيعِ النَّجاساتِ، والقَولَ بالجَوازِ لِمُراعاةِ الضَّرورةِ، ومَن قالَ بالكَراهةِ تَعارَضَ عندَه الأمرانِ، ورَأى أنَّ أخْذَ الثَّمنِ عن ذلك

стр. 3572

ليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، والقَولُ الآخَرُ رَأى أنَّ العِلَّةَ في الجَوازِ إنَّما هي الِاضطِرارُ؛ فلا بدَّ مِنْ تَحَقُّقِها بوُجودِ الِاضطِرارِ إليه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ بَيعُ سِرجينٍ نَجِسٍ، لِلإجماعِ على نَجاسَتِه، ويَصحُّ بَيعُ سِرجينٍ طاهِرٍ، كرَوَثِ مَأكولِ اللَّحمِ، كَرَوثِ حَمامٍ وبَقَرٍ (٢). بَيعُ العُربونِ: العُربونُ في البَيعِ: هو أنْ يَشتَريَ أو يَكتَريَ سِلعةً فيَدفَعَ إلى البائِعِ شَيئًا مِنْ الثَّمنِ، على أنَّه -أي: المُشتَرِي أو المُكتَرِي- إنْ أخَذ السِّلعةَ احتُسِبَ المَدفوعُ مِنْ الثَّمنِ، وإنْ لَم يَأخُذْها ترَك العُربونَ لِلبائِعِ، يُقالُ: عُربونٌ وأُربونٌ وعُربانٌ وأُربانٌ. وكَذا يَدخُلُ العُربونُ في الإجارةِ؛ لأنَّه لا فَرقَ بينَ ذَواتِ المَنافِعِ، كما لو دَفَعَ دَراهِمَ إلى صانِعٍ لِيَعمَلَ له خُفًّا، أو خاتَمًا، أو يَنسِجَ له ثَوبًا على أنَّه إنْ رَضيَه فالمَدفوعُ مِنْ الثَّمنِ، وإلَّا فهو لِلمَدفوعِ إليه (٣).

стр. 3573

وقد اختلَف العُلماءُ في حُكمِ بَيعِ العُربونِ على ثَلاثةِ أقوالٍ: القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ وأحمدَ في رِوايةٍ اختارَها أبو الخطَّابِ أنَّه لا يَصحُّ بَيعُ العُربونِ؛ لِمَا رُويَ عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه ﵁، أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ : نهَى عن بَيعِ العُربانِ (١). والعُربانِ مَردودٌ إلى صاحِبِه؛ لأنَّه مِنْ أكْلِ أموالٍ النَّاسِ بالباطِلِ، ويُفسَخُ البَيعُ، فإنْ فاتَ مَضَى بالقِيمةِ، ويُحسَبُ مِنها العُربونُ، كما يَقولُ المالِكيَّةُ. ولأنَّ فيه شَرطَيْنِ فاسِدَيْنِ: شَرطَ الهِبةِ. وشَرطَ الرَّدِّ، على تَقديرِ ألَّا يَرضَى (٢). ولأنَّه شرَط لِلبائِعِ شَيئًا بغيرِ عِوَضٍ لَم يَصحَّ، كما لو شرَطه لِأجنَبيٍّ. ولأنَّه بمَنزِلةِ الخِيارِ المَجهولِ؛ فإنَّه اشتَرطَ أنَّ له رَدَّ المَبيعِ مِنْ غيرِ ذِكرِ مُدَّةٍ، فلَم يَصحَّ، كما لو قالَ: وَلِيَ الخِيارُ مَتَى شِئتُ رَدَدتُ السِّلعةَ ورَدَدتُ معها دِرهَمًا (٣). قالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: وحَديثُ البابِ يَدلُّ على تَحريمِ البَيعِ مع العُربانِ، وبه قالَ الجُمهورُ، وخالَفَ في ذلك أحمدُ، فأجازَه، ورُويَ نَحوُه عن عمرَ وابنِه ﵄.

стр. 3574

ويَدلُّ على ذلك حَديثُ زَيدِ بنِ أسلَمَ المُتقدِّمُ، وفيه المَقالُ المَذكورُ، والأوْلَى ما ذهَب إلَيه الجُمهورُ؛ لأنَّ حَديثَ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ قد ورَد مِنْ طُرُقٍ يُقَوِّي بَعضُها بَعضًا، ولأنَّه يَتضمَّنُ الحَظرَ، وهو أرجَحُ مِنْ الإباحةِ، كما تَقرَّرَ في الأُصولِ. والعِلَّةُ في النَّهيِ عنه اشتِمالُه على شَرطَيْنِ فاسِدَيْنِ: أحَدُهما: شَرطُ كَونِ ما دَفَعَه إلَيه يَكونُ مَجَّانًا، إنِ اختارَ تَركَ السِّلعةِ. والآخَرُ: شَرطُ الرَّدِّ على البائِعِ إذا لَم يَقَعْ مِنه الرِّضا بالبَيعِ (١). وَأمَّا إنِ اشتَرَى شَيئًا وأعطاه عُربونًا على أنَّه إنْ رَضيَه أخَذه وحَسَبَ العُربونَ مِنْ الثَّمنِ، وإنْ سَخِطَه رَدَّه وأخَذ عُربونَه، فلا بَأْسَ به عندَ عامَّةِ العُلماءِ، ولكنْ لا يَحِلُّ له إذا فسَخ العَقدَ فيما بَعدُ إلَّا برِضا المُشتَرِي. قالَ الشافِعيَّةُ: إنْ قالَ: هذا الشَّرطُ في العَقدِ نَفْسِه فالبَيعُ باطِلٌ، وإنْ قالَه قبلَه ولَم يَتلفَّظا به حالةَ العَقدِ فهو بَيعٌ صَحيحٌ؛ لأنَّ الشَّرطَ المُؤثِّرَ في البَيعِ هو ما قارَنَ العَقدَ (عندَ الشافِعيَّةِ) (٢). قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ بعدَ أنْ ذكَر قَولَ الإمامِ مالِكٍ: على قَولِ مالِكٍ هذا جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ مِنْ الحِجازيِّينَ والعِراقيِّينَ، مِنهم الشافِعيُّ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ والأوزاعيُّ واللَّيثُ؛ لأنَّه مِنْ بَيعِ القِمارِ والغَرَرِ والمُخاطَرةِ وأكلِ المالِ بغيرِ عِوَضٍ ولا هِبةٍ، وذلك باطِلٌ، وبَيعُ العُربانِ

стр. 3575

مَنسوخٌ عندَهم إذا وقَع قبلَ القَبضِ وبعدَه، وتُرَدُّ السِّلعةُ إذا كانَتْ قائِمةً، فإنْ فاتَتْ رُدَّتْ قِيمَتُها يَومَ قَبضِها، وعلى كلِّ حالٍ يُرَدُّ ما أُخِذَ عُربانًا في الكِراءِ والبَيعِ. ثم قالَ: ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ بَيعُ العُربانِ الجائِزُ على ما تَأوَّلَه مالِكٌ والفُقهاءُ مَعَه، وذلك أنْ يُعَربِنَه ثم يَحسُبُ عُربانَه مِنْ ثَمَنِه إذا اختارَ تَمامَ البَيعِ، وهذا لا خِلافَ في جَوازِه عن مالِكٍ وغيرِه، والحَمدُ لِلَّهِ (١). وقالَ في الِاستِذكارِ: إنْ وقَع بَيعُ العُربانِ الفاسِدُ فُسِخَ، ورُدَّتِ السِّلعةُ إلى البائِعِ والثَّمنُ لِلمُشتَرِي، فإنْ فاتَتْ كانَ على المُشتَرِي قِيمَتُها بالِغةً ما بَلَغتْ، وله ثَمَنُه، هذا قَولُ مالِكٍ وأصحابِه وسائِرِ الفُقهاءِ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فَرعٌ: في مَذاهبِ العُلماءِ في بَيعِ العُربونِ: قد ذَكَرْنا أنَّ مَذهبَنا بُطلانُه إنْ كانَ الشَّرطُ في العَقدِ نَفْسِه، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ عن ابنِ عَبَّاسٍ، والحَسَنِ ومالِكٍ وأبي حَنيفةَ، قالَ: وهو يُشبِهُ قَولَ الشافِعيِّ، قالَ: ورَوَيْنا عن ابنِ عمرَ وابنِ سِيرينَ جَوازَه، قالَ: وقد رَوَيْنا عن نافِعِ بنِ عَبدِ الحارِثِ أنَّه اشتَرَى دارًا بمَكَّةَ مِنْ صَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأربَعةِ آلافٍ؛ فإنْ رَضيَ عمرُ ﵁ فالبَيعُ لَه، وإنْ لَم يَرْضَ فلِصَفوانَ أربَعُمِئةٍ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: وذُكِرَ لِأحمدَ بنِ حَنبَلٍ حَديثُ عمرَ، فقالَ: أيُّ شَيءٍ أقدَرُ أقولُ،
следующие страницы →