ويَرَى الحَنابِلةُ عَدَمَ صِحَّةِ بَيعِ العُذرةِ، ولا الزِّبلِ النَّجِسِ، بخِلافِ الطَّاهِرِ منه، كرَوَثِ الحَمامِ، وبَهيمةِ الأنعامِ (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فعندَهم في بَيعِ العُذرةِ أربَعةُ أقوالٍ:
- المَنعُ لِمالِكٍ، على فَهْمِ الأكثَرِ مِنْ أنَّ الكَراهةَ على التَّحريمِ.
- الكَراهةُ على فَهْمِ أبي الحَسَنِ، وهو ظاهِرُ اللَّخميِّ مِنْ أنَّ الكَراهةَ على بابِها.
- الجَوازُ لِابنِ الماجِشونِ.
- الفَرقُ بينَ الِاضطِرارِ، فيَجوزُ، وعَدَمِه فيُمنَعُ لِأشهَبَ.
أمَّا الزِّبلُ فذكَر ابنُ عَرَفةَ في بَيعِه ثَلاثةَ أقوالٍ:
- المَنعُ لِابنِ القاسِمِ، قياسًا على مَنعِ مالِكٍ بَيعَ العُذرةِ.
- الجَوازُ، وهو قَولٌ لِابنِ القاسِمِ.
- الجَوازُ لِلضَّرورةِ، وهو قَولُ أشهَبَ.
والعَمَلُ عندَ المالِكيَّةِ على جَوازِ بَيعِ الزِّبلِ دونَ العُذرةِ لِلضَّرورةِ، كما يَقولُ الدُّسوقيُّ وغيرُه.
قالَ الحَطَّابُ ﵀: واعلَم أنَّ القَولَ بالمَنعِ هو الجاري على أصْلِ المَذهبِ في المَنعِ مِنْ بَيعِ النَّجاساتِ، والقَولَ بالجَوازِ لِمُراعاةِ الضَّرورةِ، ومَن قالَ بالكَراهةِ تَعارَضَ عندَه الأمرانِ، ورَأى أنَّ أخْذَ الثَّمنِ عن ذلك
стр. 3572
ليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، والقَولُ الآخَرُ رَأى أنَّ العِلَّةَ في الجَوازِ إنَّما هي الِاضطِرارُ؛ فلا بدَّ مِنْ تَحَقُّقِها بوُجودِ الِاضطِرارِ إليه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ بَيعُ سِرجينٍ نَجِسٍ، لِلإجماعِ على نَجاسَتِه، ويَصحُّ بَيعُ سِرجينٍ طاهِرٍ، كرَوَثِ مَأكولِ اللَّحمِ، كَرَوثِ حَمامٍ وبَقَرٍ (٢).
بَيعُ العُربونِ:
العُربونُ في البَيعِ: هو أنْ يَشتَريَ أو يَكتَريَ سِلعةً فيَدفَعَ إلى البائِعِ شَيئًا مِنْ الثَّمنِ، على أنَّه -أي: المُشتَرِي أو المُكتَرِي- إنْ أخَذ السِّلعةَ احتُسِبَ المَدفوعُ مِنْ الثَّمنِ، وإنْ لَم يَأخُذْها ترَك العُربونَ لِلبائِعِ، يُقالُ: عُربونٌ وأُربونٌ وعُربانٌ وأُربانٌ.
وكَذا يَدخُلُ العُربونُ في الإجارةِ؛ لأنَّه لا فَرقَ بينَ ذَواتِ المَنافِعِ، كما لو دَفَعَ دَراهِمَ إلى صانِعٍ لِيَعمَلَ له خُفًّا، أو خاتَمًا، أو يَنسِجَ له ثَوبًا على أنَّه إنْ رَضيَه فالمَدفوعُ مِنْ الثَّمنِ، وإلَّا فهو لِلمَدفوعِ إليه (٣).
стр. 3573
وقد اختلَف العُلماءُ في حُكمِ بَيعِ العُربونِ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ وأحمدَ في رِوايةٍ اختارَها أبو الخطَّابِ أنَّه لا يَصحُّ بَيعُ العُربونِ؛ لِمَا رُويَ عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه ﵁، أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ : نهَى عن بَيعِ العُربانِ (١). والعُربانِ مَردودٌ إلى صاحِبِه؛ لأنَّه مِنْ أكْلِ أموالٍ النَّاسِ بالباطِلِ، ويُفسَخُ البَيعُ، فإنْ فاتَ مَضَى بالقِيمةِ، ويُحسَبُ مِنها العُربونُ، كما يَقولُ المالِكيَّةُ.
ولأنَّ فيه شَرطَيْنِ فاسِدَيْنِ: شَرطَ الهِبةِ. وشَرطَ الرَّدِّ، على تَقديرِ ألَّا يَرضَى (٢).
ولأنَّه شرَط لِلبائِعِ شَيئًا بغيرِ عِوَضٍ لَم يَصحَّ، كما لو شرَطه لِأجنَبيٍّ.
ولأنَّه بمَنزِلةِ الخِيارِ المَجهولِ؛ فإنَّه اشتَرطَ أنَّ له رَدَّ المَبيعِ مِنْ غيرِ ذِكرِ مُدَّةٍ، فلَم يَصحَّ، كما لو قالَ: وَلِيَ الخِيارُ مَتَى شِئتُ رَدَدتُ السِّلعةَ ورَدَدتُ معها دِرهَمًا (٣).
قالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: وحَديثُ البابِ يَدلُّ على تَحريمِ البَيعِ مع العُربانِ، وبه قالَ الجُمهورُ، وخالَفَ في ذلك أحمدُ، فأجازَه، ورُويَ نَحوُه عن عمرَ وابنِه ﵄.
стр. 3574
ويَدلُّ على ذلك حَديثُ زَيدِ بنِ أسلَمَ المُتقدِّمُ، وفيه المَقالُ المَذكورُ، والأوْلَى ما ذهَب إلَيه الجُمهورُ؛ لأنَّ حَديثَ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ قد ورَد مِنْ طُرُقٍ يُقَوِّي بَعضُها بَعضًا، ولأنَّه يَتضمَّنُ الحَظرَ، وهو أرجَحُ مِنْ الإباحةِ، كما تَقرَّرَ في الأُصولِ.
والعِلَّةُ في النَّهيِ عنه اشتِمالُه على شَرطَيْنِ فاسِدَيْنِ:
أحَدُهما: شَرطُ كَونِ ما دَفَعَه إلَيه يَكونُ مَجَّانًا، إنِ اختارَ تَركَ السِّلعةِ.
والآخَرُ: شَرطُ الرَّدِّ على البائِعِ إذا لَم يَقَعْ مِنه الرِّضا بالبَيعِ (١).
وَأمَّا إنِ اشتَرَى شَيئًا وأعطاه عُربونًا على أنَّه إنْ رَضيَه أخَذه وحَسَبَ العُربونَ مِنْ الثَّمنِ، وإنْ سَخِطَه رَدَّه وأخَذ عُربونَه، فلا بَأْسَ به عندَ عامَّةِ العُلماءِ، ولكنْ لا يَحِلُّ له إذا فسَخ العَقدَ فيما بَعدُ إلَّا برِضا المُشتَرِي.
قالَ الشافِعيَّةُ: إنْ قالَ: هذا الشَّرطُ في العَقدِ نَفْسِه فالبَيعُ باطِلٌ، وإنْ قالَه قبلَه ولَم يَتلفَّظا به حالةَ العَقدِ فهو بَيعٌ صَحيحٌ؛ لأنَّ الشَّرطَ المُؤثِّرَ في البَيعِ هو ما قارَنَ العَقدَ (عندَ الشافِعيَّةِ) (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ بعدَ أنْ ذكَر قَولَ الإمامِ مالِكٍ: على قَولِ مالِكٍ هذا جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ مِنْ الحِجازيِّينَ والعِراقيِّينَ، مِنهم الشافِعيُّ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ والأوزاعيُّ واللَّيثُ؛ لأنَّه مِنْ بَيعِ القِمارِ والغَرَرِ والمُخاطَرةِ وأكلِ المالِ بغيرِ عِوَضٍ ولا هِبةٍ، وذلك باطِلٌ، وبَيعُ العُربانِ
стр. 3575
مَنسوخٌ عندَهم إذا وقَع قبلَ القَبضِ وبعدَه، وتُرَدُّ السِّلعةُ إذا كانَتْ قائِمةً، فإنْ فاتَتْ رُدَّتْ قِيمَتُها يَومَ قَبضِها، وعلى كلِّ حالٍ يُرَدُّ ما أُخِذَ عُربانًا في الكِراءِ والبَيعِ.
ثم قالَ: ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ بَيعُ العُربانِ الجائِزُ على ما تَأوَّلَه مالِكٌ والفُقهاءُ مَعَه، وذلك أنْ يُعَربِنَه ثم يَحسُبُ عُربانَه مِنْ ثَمَنِه إذا اختارَ تَمامَ البَيعِ، وهذا لا خِلافَ في جَوازِه عن مالِكٍ وغيرِه، والحَمدُ لِلَّهِ (١).
وقالَ في الِاستِذكارِ: إنْ وقَع بَيعُ العُربانِ الفاسِدُ فُسِخَ، ورُدَّتِ السِّلعةُ إلى البائِعِ والثَّمنُ لِلمُشتَرِي، فإنْ فاتَتْ كانَ على المُشتَرِي قِيمَتُها بالِغةً ما بَلَغتْ، وله ثَمَنُه، هذا قَولُ مالِكٍ وأصحابِه وسائِرِ الفُقهاءِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فَرعٌ: في مَذاهبِ العُلماءِ في بَيعِ العُربونِ: قد ذَكَرْنا أنَّ مَذهبَنا بُطلانُه إنْ كانَ الشَّرطُ في العَقدِ نَفْسِه، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ عن ابنِ عَبَّاسٍ، والحَسَنِ ومالِكٍ وأبي حَنيفةَ، قالَ: وهو يُشبِهُ قَولَ الشافِعيِّ، قالَ: ورَوَيْنا عن ابنِ عمرَ وابنِ سِيرينَ جَوازَه، قالَ: وقد رَوَيْنا عن نافِعِ بنِ عَبدِ الحارِثِ أنَّه اشتَرَى دارًا بمَكَّةَ مِنْ صَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأربَعةِ آلافٍ؛ فإنْ رَضيَ عمرُ ﵁ فالبَيعُ لَه، وإنْ لَم يَرْضَ فلِصَفوانَ أربَعُمِئةٍ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: وذُكِرَ لِأحمدَ بنِ حَنبَلٍ حَديثُ عمرَ، فقالَ: أيُّ شَيءٍ أقدَرُ أقولُ،
стр. 3576
هذا ما ذكَره ابنُ المُنذِرِ، وقالَ الخطَّابيُّ: اختلَف النَّاسُ في جَوازِ هذا البَيعِ، فأبطَلَه مالِكٌ والشافِعيُّ لِلحَديثِ، ولِمَا فيه مِنْ الشَّرطِ الفاسِدِ والغَرَرِ، وأكْلِ المالِ بالباطِلِ، وأبطَلَه أيضًا أصحابُ الرَّأْيِ، وعَن عمرَ وابنِ عمرَ ﵄ جَوازُه، ومالَ إليه أحمدُ بنُ حَنبَلٍ، واللَّهُ أعلَمُ (١).
القَولُ الثَّاني: هو قَولُ الحَنابِلةِ في المَذهبِ أنَّ هذا البَيعَ صَحيحٌ، وكذا الشَّرطُ صَحيحٌ، والمَدفوعُ لِلبائِعِ إنْ لَم يَتِمَّ البَيعُ والإجارةُ مِثلُه، وسَواءٌ عَيَّنَ وَقتًا لِأخْذِه أو لَم يُعيِّنْ، بأنْ أطلَقَ (٢).
لِما رُويَ أنَّ نافِعَ بنَ عَبدِ الحارِثِ اشتَرَى دارًا لِلسِّجنِ مِنْ صَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأربَعةِ آلافِ دِرهَمٍ؛ فإنْ رَضيَ عمرُ ﵁ فالبَيعُ له، وإنْ عمرُ لَم يَرْضَ فأربَعُمِئةٍ لِصَفوانَ (٣)، قالَ الأثرَمُ: قُلتُ لِأحمدَ: تَذهَبُ إليه، قالَ: أيُّ شَيءٍ أقولُ؟ هذا عمرُ. وضَعَّفَ الحَديثَ المَرويَّ (٤).
стр. 3577
وعن زَيدِ بنِ أسلَمَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أحَلَّ العُربانَ في البَيعِ (١).
القَولُ الثَّالثُ: هو وَجْهٌ عندَ الحَنابِلةِ أنَّه يَصحُّ بَيعُ العُربونِ إذا قَيَّدَ المُتعاقِدانِ هذا البَيعَ بزَمَنٍ مُعيَّنٍ. قالَ في مَطالِبِ أُولي النُّهَى في شَرحِ غايةِ المُنتَهى: ويَتَّجِهُ صِحَّةُ هذا الِاشتِراطِ في بَيعِ العُربونِ وإجارَتِه إنْ قَيَّدَ المُتعاقِدانِ ذلك بزَمَنٍ مُعيَّنٍ؛ ك: إلى شَهرٍ مِنْ الآنَ، وفاتَ ذلك الزَّمَنُ، وإلَّا يُقيِّداه بزَمَنٍ؛ فلا يَصحُّ اشتِراطُه مِنْ أصلِهِ؛ لأنَّ البائِعَ أو المُؤجِّرَ لا يَدْري إلى مَتَى يَنتظِرُ؛ فالإطلاقُ لا يُناسِبُ؛ لِمَا يَلزَمُ عليه مِنْ طُولِ الأمَدِ بلا نِهايةٍ؛ فيَترتَّبُ عليه مِنْ الضَّرَرِ ما فيه كِفايةٌ. جَزَمَ به في الرِّعايَتَيْنِ، والحاويَيْنِ، والفائِقِ، لكنَّه مَرجوحٌ، والمَذهبُ الصَّمتُ، سَواءٌ قبلَه بوَقتٍ أو لا (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا دَفَعَ إنسانٌ لِبائِعٍ أو مُؤجِّرٍ قبلَ العَقدِ دِرهَمًا مَثَلًا، وقالَ: لا تَبِعْ هذه السِّلعةَ لِغَيري، أو لا تُؤجِّرْها لِغَيري، وإنْ لَم أشتَرِها أو أستَأجِرْها مِنكَ، فهذا الدِّرهَمُ أو نَحوُه لَكَ، ثم اشتَراها مِنه بعدَ ذلك بعَقدٍ مُبتَدِئٍ وحَسَبَ الدِّرهَمَ مِنْ الثَّمنِ صَحَّ؛ لأنَّ البَيعَ خَلا عن الشَّرطِ المُفسِدِ.
وإنْ لَم يَشتَرِ السِّلعةَ أو يَستَأجِرْ في هذه الصُّورةِ لَم يَستحِقَّ البائِعُ الدِّرهَمَ؛ لأنَّ رَبَّ السِّلعةِ لو أخَذه لَأخَذه بغيرِ عِوَضٍ، ولِصاحِبِه الرُّجوعُ فيه، ولا يَصحُّ جَعلُه عِوَضًا عن انتِظارِه وتَأخيرِ بَيعِه مِنْ أجلِهِ؛ لأنَّه لو كانَ عِوَضًا عن ذلك لَما جازَ جَعْلُه مِنْ الثَّمنِ في حالِ الشِّراءِ؛ ولأنَّ الِانتِظارَ بالبَيعِ لا تَجوزُ المُعاوَضةُ
стр. 3578
عنه، ولو جازَتْ لَوجَب أنْ يَكونَ مَعلومَ المِقدارِ، كما في الإجارةِ (١).
بَيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، أو بَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ:
الدَّينُ هو: عِبارةٌ عن مالٍ حُكميٍّ يَحدُثُ في الذِّمَّةِ ببيعٍ أو استِهلاكٍ، أو غيرِهما (٢).
أو هو: ما يثبُتُ في الذِّمَّةِ مِنْ مالٍ بسَبَبٍ يَقتَضي ثُبوتَه.
وقد اختَلَفتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الدَّيْنِ، إلَّا أنَّ الجامِعَ بينَ هذه العِباراتِ هو حَقيقةٌ واحِدةٌ، وهي أنَّ الدَّيْنَ يَعني: الأموالَ المُؤجَّلةَ في الذِّمَمِ، كثَمَنِ مَبيعٍ، وبَدَلِ قَرضٍ، ومَهرٍ بعدَ دُخولٍ بالمَرأةِ، أو قبلَ الدُّخولِ بها، وأُجرةٍ مُقابِلَ مَنفَعةٍ، وأرشِ جِنايةٍ، وغَرامةِ مُتلَفٍ، وعِوَضِ خُلعٍ، ومُسلَّمٍ فيه.
وعلى هذا فمَعنَى بَيعِ الدَّينِ: مُبادَلةُ الأموالِ المُؤجَّلةِ في الذِّمَمِ بغيرِها.
وبَيعُ الدَّينِ إمَّا أنْ يَكونَ لِمَنْ في ذِمَّتِه الدَّينُ، أو لِغيرِ مَنْ عليه الدَّيْنُ.
وفي كُلٍّ مِنْ الحالَتَيْنِ إمَّا أنْ يُباعَ الدَّيْنُ نَقدًا في الحالِ، أو نَسيئةً مُؤجَّلًا.
وبَيعُ الدَّينِ نَسيئةً: هو ما يُعرَفُ ببَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ، أي: الدَّيْنِ بالدَّينِ، وهو بَيعٌ مَمنوعٌ شَرعًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ (٣)،
стр. 3579
وهو بَيعُ ما في الذِّمَّةِ بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ لِمَنْ هو عليه، وكذا في حالِ لَم يَقبِضْ قبلَ التَّفرُّقِ، وجَعْلِه رَأْسَ مالِ سَلَمٍ.
وبَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ هو: بَيعُ النَّسيئةِ بالنَّسيئةِ.
قالَ أبو عُبَيدٍ: صُورَتُه: أنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ الدَّراهِمَ في طَعامٍ إلى أجَلٍ؛ فإذا حَلَّ الأجَلُ يَقولُ الذي عليه الطَّعامُ: ليسَ عِندي طَعامٌ، ولكنْ بِعْني إيَّاه إلى أجَلٍ؛ فهذه نَسيئةٌ انقَلَبَتْ إلى نَسيئةٍ؛ فلَو قبَض الطَّعامَ، ثم باعَه مِنه أو مِنْ غيرِه، لَم يَكُنْ كالِئًا بكالِئٍ (١).
ولا يَخرُجُ المَعنَى الشَّرعيُّ عن المَعنَى اللُّغَويِّ؛ إذ هو بَيعُ الدَّينِ بالدَّينِ كما تَقدَّمَ.
وقد أجمَعَ العُلماءُ على عَدَمِ جَوازِ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ نَسيئةً، سَواءٌ أكانَ البَيعُ لِلمَدينِ، أو لِغيرِ المَدينِ.
ومِثالُ الأوَّلِ -وهو بَيعُ الدَّينِ لِلمَدِينِ-: أنْ يَقولَ شَخصٌ لِآخَرَ: اشتَرَيتُ مِنْكَ مُدًّا مِنْ الحِنطةِ بدِينارٍ على أنْ يَتِمَّ تَسليمُ العِوَضَيْنِ بعدَ شَهرٍ مَثَلًا.
أو أنْ يَشتَريَ شَخصٌ شَيئًا إلى أجَلٍ؛ فإذا حَلَّ الأجَلُ، لَم يَجِدِ المُشتَرِي ما يَقضي به دَيْنَه؛ فيَقولَ المُشتَرِي: بِعْني هذا الشَّيءَ إلى أجَلٍ آخَرَ بزِيادةِ شَيءٍ؛ فيَبيعَه ولا يَجري بينَهما تَقابُضٌ؛ فيَكونَ هذا رِبًا حَرامًا؛ تَطبيقًا لِقاعِدةِ: (زِدْني في الأجَلِ، وأزيدُكَ في القَدْرِ).
أمَّا لو باعَ الدَّينَ بنَحوٍ آخَرَ، كأنْ يَبيعَه الألْفَ الذي له في ذِمَّتِه بمَتاعٍ،
стр. 3580
كسَجَّادةٍ مَثَلًا، أو بقَدْرٍ مِنْ المالِ يَدفَعُه مَنْ عليه الدَّينُ، يَصحُّ البَيعُ؛ لأنَّه في مَعنَى الصُّلحِ.
ومِثالُ بَيعِ الدَّينِ لِغيرِ المَدِينِ: أنْ يَقولَ رَجُلٌ لِغيرِه: بِعتُكَ العِشرينَ مُدًّا مِنْ القَمحِ التي لي عندَ فُلانٍ بكَذا، تَدفَعُها لي بعدَ شَهرٍ، أو بسِلعةٍ حاضِرةٍ (عَينٍ)، لَم يَصحَّ البَيعُ؛ لعَدمِ القُدرةِ على تَسليمِ المَبيعِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ بَيعَ الدَّينِ بالدَّينِ لا يَجوزُ.
وقالَ أحمدُ: إنَّما هو إجماعٌ (١).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: قالَ أحمدُ: لَم يَصحَّ فيه حَديثٌ، ولكنْ هو إجماعٌ، وهذا مِثلُ أنْ يُسلِفَ إلَيه شَيئًا مُؤجَّلًا في شَيءٍ مُؤجَّلٍ؛ فهذا هو الذي لا يَجوزُ بالإجماعِ (٢).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: «لا يَجوزُ نَسيئةً بنَسيئةٍ، بأنْ يَقولَ: بِعْني ثَوبًا في ذِمَّتي بصِفةِ كذا إلى شَهرِ كذا بدِينارٍ مُؤجَّلٍ، إلى وَقتِ كذا، فيَقولَ قَبِلتُ، وهذا فاسِدٌ بلا خِلافٍ (٣).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: إنَّما ورَد النَّهيُ عن بَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ، -والكالِئُ هو المُؤخَّرُ الذي لَم يُقبَضْ، كما لو أسلَمَ في شَيءٍ في الذِّمَّةِ
стр. 3581
وكِلاهُما مُؤخَّرٌ- فهذا لا يَجوزُ بالِاتِّفاقِ، وهو بَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ (١).
وقالَ السُّيوطيُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ، وهو بَيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ (٢).
وقالَ ابنُ جُزَيٍّ ﵀: لا يَجوزُ بَيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، مثلَ أنْ يَبيعَ دَيْنًا له على رَجُلٍ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ بالتَّأخيرِ، وكذلك فَسخُ الدَّينِ بالدَّينِ، مثلَ أنْ يَدفَعَ الغَريمُ لِصاحِبِ الدَّينِ ثَمَرةً يَجنيها، أو دارًا يَسكُنُها؛ لِتأخُّرِ القَبضِ في ذلك.
وكذلك إنْ باعَ الدَّينَ مِنْ الغَريمِ بالتَّأخيرِ (٣).
وأجازَ جُمهورُ الفُقهاءِ بَيعَ الدَّينِ لِمَنْ عليه الدَّينُ، أو هِبتَه له؛ لأنَّ المانِعَ مِنْ صِحَّةِ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ هو العَجزُ عن التَّسليمِ، ولا حاجةَ إلى التَّسليمِ هَهُنا؛ فما في ذِمَّةِ المَدِينِ مُسلَّمٌ له.
ومِثالُه: أنْ يَبيعَ الدَّائِنُ لِلمَدِينِ دَينًا له في ذِمَّتِه بدَينٍ آخَرَ مِنْ غيرِ جِنسِه؛ فيَسقُطَ الدَّينُ المَبيعُ، ويَجِبُ عِوَضُه؛ لأنَّه في مَعنَى الصُّلحِ، وهو جائِزٌ، ويَدلُّ عليه حَديثُ ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقُلتُ: إنَّي أبيعُ الإبِلَ بالبَقيعِ؛ فأبيعُ بالدَّنانيرِ وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبيعُ بالدَّراهِمِ فآخُذُ
стр. 3582
الدَّنانيرَ؛ فقالَ ﷺ : «لا بَأْسَ أنْ تَأخُذَ بسِعرِ يَومِها ما لَم تَفتَرِقا وبينَكما شَيءٌ» (١).
فهذا البَيعُ بينَ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ بَيعٌ لِلدَّينِ بعَينٍ مِمَّنْ عليه الدَّيْنُ، لأنَّ قَولَه: أبيعُ بالدَّنانيرِ، أي: دَيْنًا؛ لأنَّه لَم يَقبِضْهما، ثم أستَبدِلُ بها دَراهِمَ أقبِضُها.
وأمَّا إنْ باعَه لِغيرِ مَنْ هو عليه فباطِلٌ عندَ الجُمهورِ.
وإلَيكَ نُصوصَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ في مُسالةِ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ:
قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: ولا يَنعقِدُ بَيعُ الدَّينِ مِنْ غيرِ مَنْ عليه الدَّينُ؛ لأنَّ الدَّينَ إمَّا أنْ يَكونَ عِبارةً عن مالٍ حُكميٍّ في الذِّمَّةِ، وإمَّا أنْ يَكونَ عِبارةً عن فِعلِ تَمليكِ المالِ وتَسليمِه.
وكُلُّ ذلك غيرُ مَقدورِ التَّسليمِ في حَقِّ البائِعِ.
ولو شرَط التَّسليمَ على المَدِينِ لا يَصحُّ أيضًا؛ لأنَّه شرَط التَّسليمَ على غيرِ البائِعِ فيَكونُ شَرطًا فاسِدًا؛ فيَفسُدُ البَيعُ، ويَجوزُ بَيعُه مِمَّنْ عليه؛ لأنَّ المانِعَ هو العَجزُ عن التَّسليمِ، ولا حاجةَ إلى التَّسليمِ هَهُنا.
ونَظيرُ بَيعِ المَغصوبِ أنَّه يَصحُّ مِنْ الغاصِبِ ولا يَصحُّ مِنْ غيرِه إذا كانَ الغاصِبُ مُنكِرًا، ولا بَيِّنةَ لِلمالِكِ، ولا يَجوزُ بَيعُ المُسلَّمِ فيه؛ لأنَّ المُسلَّمَ فيه مَبيعٌ، ولا يَجوزُ بَيعُ المَبيعِ قبلَ القَبضِ (٢).
стр. 3583
وأمَّا المالِكيَّةُ فقد قَسَّموا بَيعَ الكالِئِ بالكالِئِ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ، وهي:
فَسخُ الدَّينِ في الدَّينِ، وبَيعُ الدَّينِ بالدَّينِ، وابتِداءُ الدَّينِ بالدَّينِ.
فالأوَّلُ: فَسخُ ما في الذِّمَّةِ في مُؤخَّرٍ مِنْ غيرِ جِنسِه، أو في أكثَرَ، ممَّا لو كانَ عليه عَشَرةُ دَراهِمَ فسَخها في دِينارٍ أو ثَوبٍ مُتأخِّرٍ قَبْضُه، أو في أحَدَ عشَرَ دِرهَمًا يَتأخَّرُ قَبضُها، وأمَّا تَأخيرُها مِنْ غيرِ زِيادةٍ أو مع حَطيطةِ بَعضِها، بأنْ يَحُطَّ عنه بَعضًا ويُؤخِّرَ البَقيَّةَ فجائِزٌ، هذا إذا كانَ المَفسوخُ فيه في الذِّمَّةِ، بَلْ ولو كانَ مُعيَّنًا، عَقارًا أو غيرَه، يَتأخَّرُ قَبضُه كغائِبٍ عن مَجلِسٍ الفَسخِ؛ لأنَّه لا يَدخُلُ في ضَمانِه إلَّا بالقَبضِ مع بَقاءِ الصِّفةِ المُعيَّنةِ حينَ الفَسخِ.
أو كانَ المَفسوخُ فيه مَنافِعُ شَيءٍ مُعيَّنٍ؛ كأنْ يُفسَخَ ما عليه مِنْ الدَّينِ في رُكوبِ دابَّةٍ أو خِدمةِ عَبدٍ أو سُكنَى دارٍ مُعيَّنةٍ، وأمَّا غيرُ المُعيَّنةِ فلا يَجوزُ؛ فعُلم أنَّه لا يَجوزُ لِمَنْ له دَينٌ على ناسِخٍ أنْ يَقولَ لَهُ: انسَخْ لي هذا الكِتابَ بما لي علَيكَ مِنْ الدَّينِ، وأمَّا لو نَسَخَ لَكَ الكِتابَ أو خَدَمَكَ بأجْرٍ مَعلومٍ بغيرِ شَرطٍ، وبعدَ الفَراغِ قاصَصتَه بما عليه فجائِزٌ؛ لأنَّه ليسَ بفَسخِ ما في الذِّمَّةِ في مُؤخَّرٍ، بَلْ هو مُقاصَصةٌ شَرعيَّةٌ.
والثَّاني: بَيعُ الدَّينِ بدَيْنٍ لِغيرِ مَنْ هو عليه، كبَيعِ دَينٍ على غَريمِكَ بدَينٍ في ذِمَّةِ رَجُلٍ ثالِثٍ أو رابِعٍ.
مِثالُه: بَكْرٌ له دَينٌ على زَيدٍ، وخالِدٌ له دَينٌ على عَمرٍو، فيَبيعُ خالِدٌ دَينَه الذي على عَمرٍو بدَينِ بَكرٍ الذي على زَيدٍ، وهذه مُمتَنَعةٌ، ولو كانَ كُلٌّ مِنْ الدَّينَيْنِ حالًّا؛ لعَدمِ تَأتِّي الحَوالةِ.
стр. 3584
وأمَّا بَيعُه بحالٍّ أو بمُعيَّنٍ يَتأخَّرُ قَبْضُه، أو بمَنافِعَ مُعيَّنةٍ فلا يُمنَعُ.
والثَّالثُ: ابتِداءُ الدَّيْنِ بالدَّينِ؛ كتَأخيرِ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ. ومَعناهُ: أنْ يَتعاقَدا على أنْ يُسَلِّمَه دِينارًا في شَيءٍ على أنَّه لا يَأتيه برَأْسِ السَّلَمِ إلَّا بعدَ ثَلاثةِ أيَّامٍ أو أكثَرَ؛ فإنَّه مَمنوعٌ؛ لِما فيه مِنْ ابتِداءِ دَينٍ بدَينٍ؛ إذْ كُلٌّ مِنهما أشغَلُ ذِمَّةَ صاحِبِه بدَينٍ له عليه.
وقالوا في بَيانِ حُكمِ بَيعِ الدَّينِ بالنَّقدِ:
يُشترَطُ لِصِحَّةِ بَيعِ الدَّينِ:
١ - حُضورُ المَدينِ، وذلك يَستلزِمُ حَياتَه، فلا يَجوزُ مع غَيبةِ المَدينِ؛ لأنَّه مع الغَيبةِ لا يَدري حالَه مِنْ فَقرٍ أو غِنًى، والثَّمنُ يَختلِفُ باختِلافِ حالِه، فيُؤَدِّي لِلجَهلِ.
٢ - إقرارُ المَدِينِ بالدَّيْنِ، وإنْ لَم يُقِرَّ لا يَصحُّ، ولو ثبَت بالبَيِّنةِ؛ لأنَّه مِنْ بَيعِ ما فيه خُصومةٌ.
٣ - تَعجيلُ الثَّمنِ؛ لأنَّه إذا لَم يُعجِّلْ في الحينِ كانَ مِنْ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، ولا فَرقَ بينَ أنْ يُعجِّلَ حَقيقةً أو حُكمًا، كبَيعِه بمَنافِعِ عَينٍ أو بمُعيَّنٍ يَتَأخَّرُ قَبْضُه؛ إذْ لا يُمتنَعُ ذلك في بَيعِ الدَّينِ، بخِلافِ فَسخِه.
٤ - كَونُ الثَّمنِ مِنْ غيرِ جِنسِ الدَّينِ أو بجِنسِه في غيرِ العَينِ، لأنَّه إذا بِيعَ بجِنسِه كانَ سَلَفًا بزِيادةٍ؛ لأنَّ شَأنَ الدَّينِ أنْ يُباعَ بأقَلَّ.
٥ - أنْ يَتَّحِدا قَدْرًا وصِفةً، ليس إنْ كانَ أقَلَّ؛ لِما فيه مِنْ دَفعِ قَليلٍ في كَثيرٍ، وهو سَلَفٌ بمَنفَعةٍ.
стр. 3585
٦ - ليسَ الدَّينُ ذَهَبًا بِيعَ بفِضَّةٍ، وعَكسُه؛ لِما فيه مِنْ الصَّرفِ المُؤخَّرِ.
٧ - ألَّا يَكونَ طَعامَ مُعاوَضةٍ، وإلَّا لزِم بَيعُ طَعامِ المُعاوَضةِ قبلَ قَبضِه، وقد ورَد النَّهيُ عنه.
٨ - ألَّا يَكونَ بينَ المُشتَرِي والمَدِينِ عَداوةٌ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إنْ كانَ المِلْكُ على الدُّيونِ مُستقِرًّا، كغَرامةِ المُتلَفِ وبَدَلِ القَرضِ جازَ بَيعُه مِمَّنْ عليه قبلَ القَبضِ، لأنَّ مِلْكَه مُستقِرٌّ عليه، فجازَ بَيعُه، كالمَبيعِ بعدَ القَبضِ.
واختَلَفوا في بَيعِه مِنْ غيرِ مَنْ هو عليه هل يَجوزُ أو لا؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يَجوزُ، وهو المُعتمَدُ؛ لأنَّ ما جازَ بَيعُه مِمَّنْ عليه جازَ بَيعُه مِنْ غيرِه، كالوَديعةِ، ولأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه يَقدِرُ على تَسليمِه إلَيه مِنْ غيرِ مَنعٍ ولا جُحودٍ.
لكنْ بشَرطِ أنْ يَقبِضَ مُشتَرِي الدَّينِ الدَّينَ مِمَّنْ هو عليه، وأنْ يَقبِضَ بائِعُ الدَّينِ العِوَضَ في المَجلِسِ؛ فإنْ تَفرَّقا قبلَ قَبضِ أحَدِهما بطَل العَقدُ.
والآخَرُ: لا يَجوزُ، وهو الأظهَرُ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على تَسليمِه إليه؛ لأنَّه رُبَّما منَعه أو جَحَدَه، وذلك غَرَرٌ لا حاجةَ به إليه؛ فلَم يَجُزْ.
وقِيمةِ مُتلَفٍ، ونَحوِ ذلك لِمَنْ هو في ذِمَّتِه بشَرطِ أنْ يَقبِضَ عِوَضَه في المَجلِسِ، هذا إذا كانَ ممَّا لا يُباعُ به نَسيئةً، أو بمَوصوفٍ في الذِّمَّةِ اشتُرِطَ قَبضُ عِوَضِه في المَجلِسِ، بلا نِزاعٍ، وإنْ كانَ بغيرِهِما ممَّا لا يُشترَطُ فيه التَّقابُضُ مثلَما لو قالَ: بِعتُكَ الشَّعيرَ الذي في ذِمَّتِكَ بمِئةِ دِرهَمٍ أو بهذا العَبدِ أو الثَّوبِ ونَحوِه؛ فلا يُشترَطُ لِلصِّحَّةِ قَبضُ العِوَضِ في المَجلِسِ.
ولا يَجوزُ بَيعُ الدَّينِ المُستقِرِّ لِغيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه، وهو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ، كما لا تَصحُّ هِبةُ الدَّينِ لِغيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِهِ؛ لأنَّ الهِبةَ تَقتَضي وُجودَ مُعيَّنٍ، وهو مُنتَفٍ هُنا، كما يَصحُّ بَيعُ الدَّينِ غيرِ المُستقِرِّ، كأُجرةِ عَقارٍ قبلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الإيجارِ، ومَهرٍ قبلَ دُخولٍ بالمَرأةِ، ومُسلَّمِ فيه قبلَ القَبضِ.
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أنَّه يَصحُّ بَيعُ الدَّينِ المُستقِرِّ في ذِمَّةِ الغيرِ، لِغيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه، واختارَ هذا القَولَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: يَجوزُ بَيعُ الدَّينِ في الذِّمَّةِ مِنْ الغَريمِ وغيرِه، ولا فَرقَ بينَ دَينِ السَّلَمِ وغيرِه، وهو رِوايةٌ عن أحمدَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَليُّ ﵀: بَيعُ الصِّكاكِ قبلَ قَبضِها -وهي الدُّيونُ الثَّابِتةُ على النَّاسِ، وتُسَمَّى صِكاكًا لأنَّها تُكتَبُ في صِكاكٍ، وهي ما يُكتَبُ فيه مِنْ الرِّقِّ ونَحوِه، فيُباعُ ما في الصَّكِّ- فإنْ كانَ الدَّينُ نَقدًا
стр. 3588
(أي: أموالَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ) وبِيعَ بنَقدٍ (أي: بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ)، لَم يَجُزْ بلا خِلافٍ؛ لأنَّه صَرْفٌ بنَسيئةٍ.
وإنْ بِيعَ بعَرضٍ وقبَضه في المَجلِسِ ففيه رِوايَتانِ، إحداهما: لا يَجوزُ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ في بَيعِ الصَّكِّ: هو غَرَرٌ، ونقَل أبو طالِبٍ عنه أنَّه كَرِهَه، وقالَ: الصَّكُّ لا يُدْرَى أيَخرُجُ أو لا، وهذا يَدلُّ على أنَّ مُرادَه الصَّكُّ مِنْ عَطاءِ الدِّيوانِ، والأُخرى الجَوازُ، نصَّ عليهما في رِوايةِ حَربٍ وحَنبَلٍ ومُحمَّدِ بنِ الحَكَمِ، وفرَّق بينَه وبينَ العَطاءِ، وقالَ: الصَّكُّ إنَّما يَحتالُ على رَجُلٍ، وهو يُقِرُّ بدَينٍ عليه، والعَطاءُ إنَّما هو شَيءٌ مُغيَّبٌ لا يَدري أيَصِلُ إلَيه أم لا، وكذلك نقَل حَنبَلٌ عنه في الرَّجُلِ يَشتَرِي الصَّكَّ على الرَّجُلِ بالدَّينِ، قالَ: لا بَأْسَ به بالعَرضِ، إذا خرَج، ولا يَبيعُه حتى يَقبِضَه، يَعني مُشتَرِيَه، وهذا يَدلُّ على أنَّه لَم يَجعَلْه مِنْ ضَمانِ مُشتَريه بمُجرَّدِ القَبضِ، ولا أباحَ له التَّصرُّفَ فيه، لأنَّه بمَنزِلةِ المَنافِعِ، والثَّمرِ في شَجَرِه، وحاصِلُ هذا يَرجِعُ إلى جَوازِ بَيعِ الدَّينِ مِنْ غيرِ الغَريمِ، وقد نصَّ على جَوازِه، كما تَرَى (١).
بَيعُ اللَّحمِ بالحَيَوانِ:
بَيعُ اللَّحمِ بالحَيَوانِ إمَّا أنْ يُباعَ بجِنسِه، كبَيعِ لَحمِ شاةٍ بشاةٍ حَيَّةٍ، وإمَّا أنْ يَختلِفَ الجِنسُ، كالشاةِ الحَيَّةِ مع لَحمِ الإبِلِ والبَقَرِ.
وقد اختلَف العُلماءُ في هذا على أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: قَولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ أنَّه يَجوزُ بَيعُ حَيَوانٍ يُؤكَلُ
стр. 3589
بلَحمٍ مِنْ جِنسِه بشَرطِ التَّعيينِ؛ لِاتِّحادِ الجِنسِ، فيَجوزُ بَيعُ بَعضٍ ببَعضٍ مُجازَفةً، ومُفاضَلةً، بعدَ أنْ يَكونَ يَدًا بيَدٍ، وذلك لأنَّه باعَ المَوزونَ بما ليسَ بمَوزونٍ، فصارَ كبَيعِ السَّيفِ بالحَديدِ؛ لأنَّ الحَيَوانَ لا يُوزَنُ عادةً، ولا يُمكِنُ مَعرِفةُ ثِقلِه بالوَزنِ.
وإنَّما لا يَجوزُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ نَسيئةً؛ لأنَّ المُتأخِّرَ مِنهما لا يُمكِنُ ضَبطُه.
وقالَ مُحمَّدٌ: لا يَجوزُ إذا كانَ مِنْ جِنسِه، إلَّا إذا كانَ اللَّحمُ المُفرَزُ أكثَرَ مِنْ اللَّحمِ الذي في الحَيَوانِ؛ لِيَكونَ اللَّحمُ بمُقابَلةِ ما فيه، والباقي مِنْ اللَّحمِ بمُقابَلةِ السَّقَطِ، وهو بفَتحَتَيْنِ، ما لا يَنطلِقُ عليه اسمُ اللَّحمِ، كالجِلدِ، والكِرشِ، والأمعاءِ، والطِّحالِ.
وأمَّا إذا كانَتِ الشاةُ مَذبوحةً غيرَ مَسلوخةٍ، واشتَراها بلَحمِ شاةٍ؛ فإنَّه لا يَجوزُ إلَّا على وَجْهِ الِاعتِبارِ في قَولِهم جَميعًا، بأنْ يَكونَ اللَّحمُ المَفصولُ أكثَرَ، وأرادَ بغيرِ المَسلوخةِ غيرَ مَفصولةٍ عن السَّقَطِ.
وَإن اشتَرَى شاةً حَيَّةً بشاةٍ مَذبوحةٍ يَجوزُ إجماعًا، أمَّا عندَهما فلا يُشكِلُ؛ لأنَّها لو اشتَراها بلَحمٍ يَجوزُ كيفما كانَ فكذا إذا اشتَراها بشاةٍ مَذبوحةٍ، وأمَّا عندَ مُحمَّدٍ فإنَّما يَجوزُ لأنَّه بَيعُ لَحمٍ بلَحمٍ، وزِيادةُ اللَّحمِ في أحَدِهما مع سَقَطِها بإزاءِ سَقَطِ الأُخرَى فلا يُؤَدِّي إلى الرِّبا، أمَّا إذا كانا جِنسَيْنِ مُختلِفَيْنِ، بأنْ باعَ لَحمَ البَقَرِ بالشاةِ، وما أشبَهَه، يَجوزُ بالِاتِّفاقِ، كيفَما كانَ، مِنْ غيرِ اعتِبارِ الكَثرةِ والقِلَّةِ، ومَعنَى الِاعتِبارِ: أنْ يَكونَ اللَّحمُ
стр. 3590
أكثَرَ مِنْ اللَّحمِ الذي في الشاةِ؛ لِيَكونَ اللَّحمُ بمِثلِه مِنْ لَحمِ الشاةِ، والبَقيَّةُ بمُقابَلةِ الرَّأْسِ، والجِلدِ، والأكارِعِ، وإنْ لَم يَكُنْ كذلك يَتحقَّقِ الرِّبا مِنْ حيثُ زِيادةُ الأكارِعِ والرَّأْسِ، والجِلدِ، أو مِنْ حيثُ زِيادةُ اللَّحمِ (١).
القَولُ الثَّاني: قَولُ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ اللَّحمِ بالحَيَوانِ إذا كانَ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ، اتِّفاقًا بينَ المَذاهبِ الثَّلاثةِ -على اختِلافٍ عِند كلِّ مَذهبٍ مِنهم: ما المَقصودُ بالجِنسِ الواحِدِ؟ -؛ لأنَّه بَيعُ مَعلومٍ -وهو اللَّحمُ- بمَجهولٍ -وهو الحَيَوانُ-، ولأنَّه مالٌ رِبَويٌّ بِيعَ بأصْلِه الذي فيه مِنه، فلَم يَجُزْ، كالزَّيتونِ بالزَّيتِ.
واختَلَفوا إذا بِيعَ بغيرِ جِنسِه، فقالَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَجوزُ بَيعُه مِنْ غيرِ جِنسِه؛ لأنَّه مالٌ رِبَويٌّ بِيعَ بغيرِ أصْلِه وبِغيرِ جِنسِه، فجازَ، كما لو باعَه بنَقدٍ، لكنْ يَحرُمُ بَيعُه نَسيئةً.
وقالَ الشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في القَولِ الثَّاني: هو باطِلٌ، سَواءٌ كانَ مِنْ جِنسِه أو مِنْ غيرِ جِنسِه، قالَ الشافِعيَّةُ: ويَحرُمُ بَيعُ اللَّحمِ وما في مَعناه، كالشَّحمِ والكَبِدِ والقَلبِ والكُلْيةِ والطِّحالِ والألْيةِ بالحَيَوانِ مِنْ جِنسِه، كبَيعِ لَحمِ ضَأْنٍ بضَأْنٍ، وكذا يَحرُمُ بغيرِ جِنسِه مِنْ مَأكولٍ، كبَيعِ لَحمِ
стр. 3591
البَقَرِ بالضَّأْنِ، ولَحمِ السَّمَكِ بالشاةِ، ولَحمِ الشاةِ بالبَعيرِ، وغيرِه، أي: غيرِ مَأكولٍ، كبَيعِ لَحمِ ضَأنٍ بحِمارٍ.
واستَدلَّ الجُمهورُ بحَديثِ سُمُرةَ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه نهَى أنْ تُباعَ الشاةُ باللَّحمِ (١).
وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ اللَّحمِ بالحَيَوانِ (٢).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ بعدَ ذِكْرِ هذا الحَديثِ-: وقد اختلَف الفُقهاءُ في القَولِ بهذا الحَديثِ والعَمَلِ به والمُرادِ منه؛ فكانَ مالِكٌ يَقولُ: مَعنَى الحَديثِ تَحريمُ التَّفاضُلِ في الجِنسِ الواحِدِ، حَيَوانِه بلَحمِه، وهو عندَه مِنْ بابِ المُزابَنةِ والغَرَرِ والقِمارِ؛ لأنَّه لا يَدري هل في الحَيَوانِ مِثلُ اللَّحمِ الذي أعطَى، أو أقَلُّ أو أكثَرُ؟ وبَيعُ اللَّحمِ باللَّحمِ لا يَجوزُ مُتفاضِلًا، فكانَ بَيعُ
стр. 3592
الحَيَوانِ باللَّحمِ كبَيعِ اللَّحمِ المُغيَّبِ في جِلدِه بلَحمٍ، إذا كانا مِنْ جِنسٍ واحِدٍ، قالَ: وإذا اختلَف الجِنسانِ فلا خِلافَ عن مالِكٍ وأصحابِه أنَّه جائِزٌ حينَئذٍ بَيعُ اللَّحمِ بالحَيَوانِ.
وأمَّا أهلُ الكُوفةِ -كأبي حَنيفةَ وأصحابِه- فلا يَأخُذونَ بهذا الحَديثِ، ويُجوِّزونَ بَيعَ اللَّحمِ بالحَيَوانِ مُطلَقًا.
وأمَّا أحمدُ فيَمنَعُ بَيعَه بحَيَوانٍ مِنْ جِنسِه، ولا يَمنَعُ بَيعَه بغيرِ جِنسِه، وإنْ منَعه بَعضُ أصحابِه.
وأمَّا الشافِعيُّ فيَمنَعُ بَيعَه بجِنسِه، وبِغيرِ جِنسِه، ورَوى الشافِعيُّ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّ جَزورًا نُحِرتْ على عَهدِ أبي بَكرٍ الصَّدِّيقِ ﵁ فقُسِّمتْ على عَشَرةِ أجزاءٍ، فقالَ رَجُلٌ: أعطُوني جُزءًا مِنها بشاةٍ، فقالَ أبو بَكرٍ ﵁: لا يَصلُحُ هذا. قالَ الشافِعيُّ: ولَستُ أعلَمُ لِأبي بَكرٍ في ذلك مُخالِفًا مِنْ الصَّحابةِ.
والصَّوابُ في هذا الحَديثِ -إنْ ثبَت- أنَّ المُرادَ به إذا كانَ الحَيَوانُ مَقصودًا لِلَحمٍ، كشاةٍ يُقصَدُ لَحمُها، فتُباعُ بلَحمٍ، فيَكونُ قد باعَ لَحمًا بلَحمٍ أكثَرَ مِنه مِنْ جِنسٍ واحِدٍ، واللَّحمُ قُوتٌ مَوزونٌ فيَدخُلُه رِبا الفَضلِ، وأمَّا إذا كانَ الحَيَوانُ غيرَ مَقصودٍ به اللَّحمُ، كما إذا كانَ غيرَ مَأْكولٍ، أو مَأكولًا لا يُقصَدُ لَحمُه، كالفَرَسِ تُباعُ بلَحمِ إبِلٍ، فهذا لا يَحرُمُ بَيعُه به، بَقيَ ما إذا كانَ الحَيَوانُ مَأكولًا لا يُقصَدُ لَحمُه، وهو مِنْ غيرِ جِنسِ اللَّحمِ، فهذا يُشبِهُ المُزابَنةَ بينَ الجِنسَيْنِ، كبَيعِ صُبرةِ تَمرٍ بصُبرةِ زَبيبٍ، وأكثَرُ الفُقهاءِ لا يَمنَعونَ مِنْ ذلك؛ إذْ غايَتُه التَّفاضُلُ بينَ الجِنسَيْنِ، والتَّفاضُلُ المُتحقَّقُ جائِزٌ
стр. 3593
بينَهما، فكَيفَ بالمَظنونِ، وأحمدُ في إحدَى الرِّوايَتَيْنِ عنه يَمنَعُ ذلك، لا لِأجْلِ التَّفاضُلِ، ولكنْ لِأجْلِ المُزابَنةِ وشِبهِ القِمارِ، وعلى هذا يُمتنَعُ بَيعُ اللَّحمِ بحَيَوانٍ مِنْ غيرِ جِنسِه، واللَّهُ أعلَمُ (١).
المَقصودُ بالأجناسِ عندَ كلِّ مَذهبٍ:
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا في اللُّحْمانِ، هل هي جِنسٌ واحِدٌ أو أجناسٌ؟
فقالَ أبو حَنيفةَ: هي أجناسٌ مُختلِفةٌ باختِلافِ أُصولِها.
وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثةُ أصنافٍ: لَحمُ ذَواتِ الأربَعِ مِنْ الأنعامِ والوَحشِ، كُلُّها صِنفٌ واحِدٌ، ولُحومُ الطَّيرِ كُلُّها صِنفٌ واحِدٌ، ولُحومُ ذَواتِ الماءِ صِنفٌ.
وقالَ الشافِعيُّ في قَولٍ: كُلُّها جِنسٌ واحِدٌ، وفي آخَرَ: أجناسٌ على الإطلاقِ.
стр. 3594
وعن أحمدَ ثَلاثُ رِواياتٍ، إحداها: أنَّها أجناسٌ مُختلِفةٌ باختِلافِ أُصولِها مُطلَقًا، كمَذهبِ أبي حَنيفةَ، وأحَدِ القَولَيْنِ عن الشافِعيِّ، وعنه رِوايةٌ ثانيةٌ: أنَّها أربَعةُ أجناسٍ: لَحمُ الأنعامِ صِنفٌ، والوُحوشُ صِنفٌ، والطَّيرُ صِنفٌ، وذَواتُ الماءِ صِنفٌ.
وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنَّها كُلَّها صِنفٌ واحِدٌ، كالقَولِ الآخَرِ عن الشافِعيِّ، وهذا -أعني الرِّوايةَ الثَّالثةَ- اختيارُ الخِرَقيِّ.
ففائِدةُ الخِلافِ بينَهم أنَّ مَنْ قالَ: كُلُّها جِنسٌ واحِدٌ لَم يُجِزْ بَيعَ بَعضِها ببَعضٍ على الإطلاقِ مُتماثِلًا، ومَن قالَ: أجناسٌ ثَلاثةٌ أو أربَعةٌ أو مُختلِفةٌ على الإطلاقِ أجازَ بَيعَ كلِّ واحِدٍ مِنها بخِلافِه مِنْ الجِنسِ الآخَرِ مُتفاضِلًا، ولَم يُجِزْه بصِفةٍ إلَّا مُتماثِلًا، وكذلك اختِلافُهم في الألبانِ (١).
بَيعَ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ مُتفاضِلاً:
اختلَف الفُقهاءُ في بَيعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ، هل يَجري فيه الرِّبا أو لا؟ سَواءٌ رِبا الفَضلِ أو رِبا النَّسيئةِ على أربَعةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: قَولُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ أنَّه لا رِبا في الحَيَوانِ مُطلَقًا، لا رِبا فَضلٍ ولا رِبا نَسيئةٍ؛ فيَجوزُ بَيعُ شاةٍ بشاتَيْنِ وبَعيرٍ ببَعيرَيْنِ ودَجاجةٍ بدَجاجَتَيْنِ إلى أجَلٍ، وكذا سائِرُ الحَيَوانِ.
لِما رَوى عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ ﵄ قالَ: أمَرَني رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أُجهِّزَ جَيشًا، فنَفِدتِ الإبِلُ؛ فأمَرَني أنْ آخُذَ على قِلاصِ -
стр. 3595
جَمعُ قَلوصٍ، النَّاقةُ الشابَّةُ- الصَّدَقةِ؛ فكُنتُ آخُذُ البَعيرَ بالبَعيرَيْنِ إلى إبِلِ الصَّدَقةِ (١).
وعن عَلِيٍّ ﵁ أنه باعَ جَمَلًا له يُدعَى عُصَيفيرًا بعِشرينَ بَعيرًا إلى أجَلٍ (٢)، وباعَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ بَعيرًا بأربَعةِ أبعِرةٍ.
واشتَرَى ابنُ عمرَ ﵄ راحِلةً بأربَعةِ أبعِرةٍ مَضمونةٍ عليه يُوَفِّيها إيَّاه بالرَّبَذةِ (٣)، واشتَرَى رافِعُ بنُ خَديجٍ بَعيرًا ببَعيرَيْنِ، فأعطاه أحَدَهما، وقالَ: آتِيكَ بالآخَرِ غَدًا.
وعن أبي الزُّبَيرِ عن جابرٍ ﵁ قالَ: جاءَ عَبدٌ فبايَعَ النَّبيَّ ﷺ على الهِجرةِ، ولَم يَشعُرْ أنَّه عَبدٌ فجاءَ سَيِّدُه يُريدُه فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «بِعنيه»، فاشتَراه بعَبدَيْنِ أسوَدَيْنِ، ثم لَم يُبايِعْ أحَدًا بَعدُ حتى يَسألَه: أعَبدٌ هو؟ (٤).
قالَ النَّوويُّ ﵀: وفيه -أي: هذا الحَديثِ- جَوازُ بَيعِ عَبدٍ بعَبدَيْنِ، سَواءٌ كانَتِ القِيمةُ مُتَّفِقةً أو مُختلِفةً، وهذا مُجمَعٌ عليه إذا بِيعَ نَقدًا، وكذا حُكمُ سائِرِ الحَيَوانِ فإنْ باعَ عَبدًا بعَبدَيْنِ، أو بَعيرًا ببَعيرَيْنِ إلى أجَلٍ، فمَذهبُ الشافِعيِّ والجُمهورِ جَوازُه (٥).
стр. 3596
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ أيضًا: مَذهبُنا جَوازُ بَيعِ كلِّ ما ليسَ مَطعومًا ولا ذَهَبًا ولا فِضَّةً بَعضِه ببَعضٍ مُتفاضِلًا ومُؤجَّلًا، وبِه قالَ جُمهورُ العُلماءِ (١).
ولأنَّهما مالانِ لا يَجري فيهما رِبا الفَضلِ، جازَ النَّساءُ فيهما، كالعَرضِ بالدِّينارِ، ولأنَّ النَّساءَ أحَدُ نَوعَيِ الرِّبا لَم يَجُزْ في الأموالِ كُلِّها، كالنَّوعِ الآخَرِ (٢).
القَولُ الثَّاني: قَولُ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ بأنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسيئةً؛ لِحَديثِ الحَسَنِ عن سَمُرةَ ﵁ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بَيعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسيئةً (٣)، ولأنَّ الجِنسَ أحَدُ وَصفَيْ عِلَّةِ رِبا الفَضلِ حرُم النَّساءُ، كالكَيلِ والوَزنِ (٤).
القَولُ الثَّالثُ: وهو رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ، أنَّه لا يَحرُمُ النَّساءُ إلَّا فيما بِيعَ بجِنسِه مُتفاضِلًا، فأمَّا مع التَّماثُلِ فلا؛ لِما رَوى جابِرٌ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الحيوانُ اثنانِ بواحِدٍ لا يَصلُحُ نَساءً، ولا بَأْسَ به يَدًا بيَدٍ»، قالَ التِّرمِذيُّ: هذا حَديثٌ حَسَنٌ. ورَوى ابنُ عمرَ ﵁ أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ الرَّجُلَ يَبيعُ الفَرَسَ بالأفراسِ والنَّجيبةَ بالإبِلِ؟
стр. 3597
فقالَ: «لا بَأْسَ إذا كانَ يَدًا بيَدٍ»، وهذا يَدلُّ على إباحةِ النَّساءِ مع التَّماثُلِ بمَفهومِه (١).
القَولُ الرَّابِعُ: هو مَشهورُ قَولِ المالِكيَّةِ، قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: الأمْرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا أنَّه لا بَأْسَ بالجَمَلِ بالجَمَلِ مِثلِه وزِيادةِ دَراهِمَ يَدًا بيَدٍ، أي: مُناجَزةً؛ لأنَّه بَيعٌ لا سَلَفَ فيه.
ولا بَأْسَ ببَيعِ الجَمَلِ بالجَمَلِ مِثلِه وزِيادةِ دَراهِمَ، الجَمَلُ بالجَمَلِ يَدًا بيَدٍ، أي: مُناجَزةً؛ لأنَّه بَيعٌ مُستَقِلٌّ، والدَّراهِمُ إلى أجَلٍ.
ولا خَيرَ في الجَمَلِ بالجَمَلِ مِثلِه وزِيادةِ دَراهِمَ، تَكونُ الدَّراهمُ نَقدًا والجَمَلُ إلى أجَلٍ، أي: لا يَجوزُ، وإنْ أخَّرتَ الجَمَلَ والدَّراهِمَ فلا خَيرَ في ذلك أيضًا، أي: لا يَجوزُ.
ولا بَأْسَ بأنْ يُبتاعَ البَعيرُ النَّجيبُ بالبَعيرَيْنِ، أو بالأبعِرةِ مِنْ الحَمولةِ مِنْ حاشِيةِ الإبِلِ، وإنْ كانَتْ مِنْ نَعَمٍ واحِدةٍ فلا بَأْسَ بأنْ يَشتَرِيَ مِنها اثنَيْنِ بواحِدٍ إلى أجَلٍ، إذا اختَلَفتْ فبانَ اختِلافُهما، وإنْ أشبَهَ بَعضُها بَعضًا، واختَلَفتْ أجناسُها، أو لَم تَختلِفْ، فلا يُؤخَذُ مِنها اثنانِ بواحِدٍ إلى أجَلٍ.
وتَفسيرُ ما كُرِهَ مِنْ ذلك أنْ يُؤخَذَ البَعيرُ بالبَعيرَيْنِ ليسَ بينَهما تَفاضُلٌ في نَجابةٍ ولا رِحلةٍ، أي: حِمْلٍ، فإنْ كانَ هذا على ما وَصَفتُ لَكَ، فلا يُشترَى مِنه اثنانِ بواحِدٍ إلى أجَلٍ، ووَجْهُ تَفرِقَتِه هذه أنَّ اختِلافَ المَنافِعِ يُصيِّرُ الجِنسَ الواحِدَ جِنسَيْنِ، ويَتَّضِحُ معه أنَّ القَصدَ بالمُبايَعةِ حُصولُ النَّفعِ
стр. 3598
والغَرَضِ، لا الزِّيادةُ في السَّلَفِ، وأيضًا فمَعَ اختِلافِ الجِنسِ ليسَ القَصدُ إلَّا المَنافِعَ؛ لأنَّها التي تُملَكُ، وأمَّا الذَّواتُ فلا يَملِكُها إلَّا خالِقُها ، وإنْ كانَتِ المَنافِعُ هي المَقصودةَ مِنْ دابَّةِ الحَملِ، والمَقصودُ مِنْ آخَرَ مِنْ جِنسِها الجَريَ، صارَ ذلك بمَنزِلةِ دابَّةٍ وثَوبٍ، فإنِ اتَّفَقتْ مَنافِعُ الجِنسِ لَم يَجُزْ؛ لأنَّه إنْ قدَّم الأقَلَّ سَلَفٌ بزِيادةٍ، وإنْ قدَّم الأكثَرَ فضَمانٌ يُجعَلُ؛ لأنَّه أعطاه أحَدَ الثَّوبَيْنِ على أنْ يَكونَ الآخَرُ في ذِمَّتِه إلى أجَلٍ، وسَلَّفَه لِيَنتفِعَ بالضَّمانِ، وهو مَمنوعٌ؛ فلَو تَحقَّقَ السَّلَفُ دونَ مَنفَعةٍ ليسَتْ مُحقَّقةً ولا مُقدَّرةً جازَ.
ولا بَأْسَ بأنْ تَبيعَ ما اشتَرَيتَ مِنها قبلَ أنْ تَستَوفيَه مِنْ غيرِ الذي اشتَرَيتَه مِنهُ؛ لِاختِصاصِ النَّهيِ بالطَّعامِ، كما هو صَريحُ الأحاديثِ إذا انتَقَدتَ ثَمَنَه، لا بمُؤجَّلٍ.
ومن سَلَّفَ في شَيءٍ مِنْ الحَيَوانِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فوصَفه وحَلَّاه، أي: وَصْفَه، فالعَطفُ مُساوٍ، ونَقْدُ ثَمَنِه، فذلك جائِزٌ، وهو لازِمٌ لِلبائِعِ والمُبتاعِ على ما وَصَفا، وحَلَّيَا، ولَم يَزَلْ ذلك مِنْ عَمَلِ النَّاسِ الجائِزِ بينَهم، الَّذي لَم يَزَلْ عليه أهلُ العِلمِ ببَلَدِنا المَدينةِ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ بعدَما ذكَر الأحاديثَ التي ذَكَرتُها في المَسألةِ-: ولِلنَّاسِ في هذه الأحاديثِ والتَّأليفِ بينَها ثَلاثةُ مَسالِكَ:
стр. 3599
أحَدُها: تَضعيفُ حَديثِ الحَسَنِ عن سَمُرةَ ﵁؛ لأنَّه لَم يَسمَعْ مِنه سِوَى حَديثَيْنِ، ليسَ هذا مِنهما، وتَضعيفُ حَديثِ الحَجَّاجِ بنِ أرطاةَ.
والمَسلَكُ الثَّاني: دَعوَى النَّسخِ، وإنْ لَم يَتبيَّنِ المُتأخِّرُ مِنها مِنْ المُتقدِّمِ، ولِذلك وقَع الِاختِلافُ.
والمَسلَكُ الثَّالثُ: حَملُها على أحوالٍ مُختَلِفةٍ، وهو أنَّ النَّهيَ عن بَيعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسيئةً إنَّما كانَ لأنَّه ذَريعةٌ إلى النَّسيئةِ في الرِّبَويَّاتِ، فإنَّ البائِعَ إذا رَأى ما في هذا البَيعِ مِنْ الرِّبحِ لَم تَقتصِرْ نَفْسُه عليه، بَلْ تَجُرُّه إلى بَيعِ الرِّبَويِّ كذلك، فسَد عليهم الذَّريعةَ وأباحَه يَدًا بيَدٍ، ومنَع مِنْ النِّساءِ فيه، وما حُرِّمَ لِلذَّريعةِ يُباحُ لِلمَصلَحةِ الرَّاجِحةِ، كما أباحَ مِنْ المُزابَنةِ العَرايا لِلمَصلَحةِ الرَّاجِحةِ، وأباحَ ما تَدعو إلَيه الحاجةُ مِنها، وكذلك بَيعُ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسيئةً مُتفاضِلًا في هذه القِصَّةِ، وفي حَديثِ ابنِ عَمرٍو إنَّما وقَع في الجِهادِ، وعندَ حاجةِ المُسلِمينَ إلى تَجهيزِ الجَيشِ، ومَعلومٌ أنَّ مَصلَحةَ تَجهيزِه أرجَحُ مِنْ المَفسَدةِ في بَيعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسيئةً، والشَّريعةُ لا تُعطِّلُ المَصلَحةَ الرَّاجِحةَ لِأجْلِ المَرجوحةِ، ونَظيرُ هذا جَوازُ لُبسِ الحَريرِ في الحَربِ، وجَوازُ الخُيَلاءِ فيها؛ إذْ مَصلَحةُ ذلك أرجَحُ مِنْ مَفسَدةِ لُبسِه، ونَظيرُ ذلك لِباسُه القَباءَ الحَريرَ الذي أهداه له مَلِكُ أيلةَ ساعةً ثم نَزَعَه لِلمَصلَحةِ الرَّاجِحةِ في تَأليفِه، وجَبْرِه، وكانَ هذا بعدَ النَّهيِ عن لِباسِ الحَريرِ، كما بَيَّناه مُستَوفًى في كِتابِ التَّخييرِ فيما يَحِلُّ ويَحرُمُ مِنْ لِباسِ الحَريرِ، وبيَّنا أنَّ هذا كانَ عامَ الوُفودِ سَنةَ تِسعٍ، وأنَّ النَّهيَ عن لِباسِ الحَريرِ كانَ قبلَ ذلك، بدَليلِ أنَّه ﷺ نهَى عمرَ عن لُبسِ الحُلَّةِ الحَريرِ التي
«فَإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ فبِيعوا كيفَ شِئتُم إذا كانَ يَدًا بيَدٍ» (١).
ولأنَّ الرُّطَبَ نَوعٌ مِنْ التَّمرِ يَنقُصُ باليُبسِ وطُولِ المُكثِ، فلَم يَجُزْ أنْ يَكونَ ذلك مانِعًا مِنْ بَيعِه بتَمرٍ مِنْ جِنسِه هو أكثَرُ مِنْ يُبْسِه، كما جازَ بَيعُ التَّمرِ الحَديثِ بالتَّمرِ العَتيقِ، وإنْ كانَ الحَديثُ يَنقُصُ إذا صارَ كالعَتيقِ.
ولأنَّ التَّماثُلَ في الجِنسِ مُعتبَرٌ بحالِ العَقدِ، ولا اعتِبارَ بحُدوثِ التَّفاضُلِ فيما بَعدُ، كالسِّمسِمِ، يَجوزُ بَيعُه بالسِّمسِمِ إذا تَماثَلَا، وإنْ جازَ بعدَ استِخراجِهما دُهنًا أنْ يَتفاضَلَا.
ولأنَّه لمَّا جازَ بَيعُ العَرايا -وهي تَمرٌ برُطَبٍ على رُؤوسِ النَّخلِ، لا يُقدَرُ على تَماثُلِهما كَيلًا إلَّا بالخَرصِ-، كانَ بَيعُ التَّمرِ بالرُّطَبِ المَقدورِ على تَماثُلِهما بالكَيلِ أجْوَزَ، وهو مِنْ الرِّبا أبعَدُ.
وذهَب جُمهورُ العُلماءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ إلى عَدَمِ جَوازِ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، وعَدَمِ جَوازِ بَيعِ العِنَبِ بالزَّبيبِ؛ لِحَديثِ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، فقالَ ﷺ : «أيَنقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟»، قالوا: نَعَمْ. فنهَى عن ذلك (٢). وهذا السُّؤالُ -وإنْ خرَج مَخرَجَ الِاستِفهامِ- ليسَ المَقصودُ به الِاستِفهامَ، وإنَّما قُصِدَ به
стр. 3602
التَّقريرُ، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧]، فلَم يَكُنْ ذلك استِفهامًا مِنْ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما كانَ تَقريرًا على موسى ﷺ ، كذلك هذا السُّؤالُ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِ التَّقريرِ؛ لِيُنبِّهَ به على العِلَّةِ، وأنَّ كُلَّ ما يَنقُصُ إنْ يَبِسَ مِنْ سائِرِ الأجناسِ، فلا يَجوزُ بَيعُ بَعضِه ببَعضٍ، ولو أجابَ مِنْ غيرِ تَقريرٍ لَكانَ الجَوابُ مَقصورًا على السُّؤالِ، وسَواءٌ كانَ الرُّطَبُ في النَّخلِ أو في الأرضِ إذا بِيعَ بتَمرٍ مَجهولٍ فإنَّه يَكونُ مُزابَنةً.
ولأنَّه جِنسٌ فيه الرِّبا بِيعَ مِنه ما هو على هَيئةِ الِادِّخارِ، بما هو مِنه على غيرِ هَيئةِ الِادِّخارِ على وَجْهٍ يَتفاضَلانِ فيه في حالِ الِادِّخارِ؛ فوجَب ألَّا يَجوزَ أصْلُه، بَيعُ الحِنطةِ بدَقيقِها، أو بالحِنطةِ المَقليَّةِ.
ومَعنَى: (على وَجْهٍ يَتفاضَلانِ فيه في حالِ الادِّخارِ): احتِرازٌ مِنْ العُريةِ؛ لأنَّهما على صِفةٍ لا يَتفاضَلانِ فيها في حالِ الِادِّخارِ، وذلك أنَّ الرُّطَبَ على النَّخلِ يُخرَصُ؛ فيُنظَرُ: كم هو، ثم يَنقُصُ مِنه ما يَنقُصُ في حالِ الجَفافِ، ثم يُباعُ بمِثلِ ذلك تَمرًا (١).
стр. 3603
بَيعُ ضِرابِ الفَحلِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ ضِرابِ الفَحلِ على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّه لا يَصحُّ استِئجارُ الفَحلِ لِذلك، وهو باطِلٌ وحَرامٌ، ولا يُستحَقُّ فيه عِوَضٌ، ولو أنزاه المُستأجِرُ لا يَلزَمُه المُسَمَّى مِنْ أجْرِه ولا أُجرةِ مِثلٍ، ولا شَيءٍ مِنْ الأموالِ؛ لأنَّه غَرَرٌ مَجهولٌ وغيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه، ولِما رَوى مُسلِمٌ عن أبي الزُّبَيرِ أنَّه سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ ﵁ يَقولُ: «نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بَيعِ ضِرابِ الجَمَلِ» (١).
وعن ابنِ عُمرَ ﵁ قالَ: «نهَى النَّبيُّ ﷺ عن عَسبِ الفَحلِ» (٢). ولأنَّه لا يَتحقَّقُ تَسليمُ ذلك؛ لأنَّه مُعلَّقٌ باختيارِ الفَحلِ وشَهوَتِه، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ طُرُقِ الفَحلِ إنزالُ مائِه، وإنزالَ الماءِ غيرُ مُتحقَّقٍ، والعُلوقَ مِنه غيرُ مُتيقَّنٌ.
والعَسبُ: هو الكِراءُ الذي يُؤخَذُ في ضِرابِ الفَحلِ.
وقيلَ: عَسبُ الفَحلِ هو ماؤُه الذي يَطرُقُ به الإناثَ ويَنزُو عليها به (٣).
стр. 3604
والفَحلُ لُغةً: الذَّكَرُ مِنْ كلِّ حَيَوانٍ (١).
قالَ الإمامُ البَغَويُّ ﵀: والمُرادُ مِنْ النَّهيِ هو الكِراءُ الذي يُؤخَذُ على ضِرابِه، كما صرَّح في حَديثِ جابرٍ ﵁ أنَّه نهَى ﷺ عن بَيعِ ضِرابِ الجَمَلِ؛ فعَبَّرَ بالعَسبِ عن الكِراءِ، لأنَّه سَبَبٌ فيه؛ إذ الضِّرابُ والإنزاءُ نَفْساهما غيرُ حَرامٍ؛ لأنَّ بَقاءَ النَّسلِ فيهما، وقيلَ: العَسبُ هو الكِراءُ الذي يُؤخَذُ على الضِّرابِ، يُقالُ: عَسَبتُ الرَّجُلَ أعسَبُه عَسْبًا: إذا أعطَيتُه الكِراءَ على ذلك، وأرادَ به أنَّه لو استَأجَرَ فَحلًا لِلإنزاءِ لا يَجوزُ؛ لِما فيه مِنْ الغَرَرِ؛ لأنَّ الفَحلَ قد يَضرِبُ وقد لا يَضرِبُ، وقد تُلقَّحُ الأُنثَى وقد لا تُلقَّحُ، وقد ذهَب إلى تَحريمِه أكثَرُ الصَّحابةِ والفُقهاءِ … أمَّا إعارةُ الفَحلِ لِلإنزاءِ وإطراقِه؛ فلا بَأْسَ بها، ثم لو أكرَمَه المُستَعيرُ بشَيءٍ يَجوزُ له قَبولُ كَرامَتِه (٢).
وقالَ الكاسانيُّ ﵀: ولا يَجوزُ استِئجارُ الفَحلِ لِلضِّرابِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنه النَّسلُ، وذلك بإنزالِ الماءِ، وهو عَينٌ، وقد رُويَ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه نهَى عن عَسبِ الفَحلِ، أي: كِرائِه؛ لأنَّ العَسبَ في اللُّغةِ -وإنْ كانَ اسمًا لِلضِّرابِ- لا يُمكِنُ حَملُه عليه؛ لأنَّ ذلك ليسَ بمَنهيٍّ عنه؛ لِما في النَّهيِ عنه مِنْ قَطعِ النَّسلِ، فكانَ المُرادُ مِنه كِراءَ عَسبِ الفَحلِ، إلَّا أنَّه حَذَفَ الكِراءَ وأقامَ العَسبَ مَقامَه، كما في قَولِ اللهِ : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ونَحوِ ذلك (٣).
стр. 3605
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وسَمَّى أُجرةَ ضِرابِه بَيعًا، إمَّا لِكَونِ المَقصودِ هو الماءَ الذي له؛ فالثَّمنُ مَبذولٌ في مُقابَلةِ عَينِ مائِه، وهو حَقيقةُ البَيعِ، وإمَّا أنَّه سَمَّى إجارَتَه لِذلك بَيعًا؛ إذ هي عَقدُ مُعاوَضةٍ، وهي بَيعُ المَنافِعِ، والعادةُ أنَّهم يَستأجِرونَ الفَحلَ لِلضِّرابِ، وهذا هو الذي نُهيَ عنه، والعَقدُ الوارِدُ عليه باطِلٌ، سَواءٌ كانَ بَيعًا أو إجارةً، وهذا قَولُ جُمهورِ العُلماءِ، مِنهم أحمدُ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهم (١).
ثُمَّ قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ -إلَّا أحمدَ في رِوايةٍ عنه- الَّذينَ مَنَعوا أخْذَ الأُجرةِ على ضِرابِ الفَحلِ: إذا أهدَى صاحِبُ الأُنثَى إلى صاحِبِ الفَحلِ هَديةً أو ساقَ إليه كَرامةً جازَ له أخْذُها؛ لأنَّه سَبَبٌ مُباحٌ، فجازَ أخْذُ الهَديةِ عليه، كالحِجامةِ.
وأمَّا إنْ كانَ ذلك على وَجْهِ المُعاوَضةِ والِاشتِراطِ في الباطِنِ، فقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: لَم يَحِلَّ له أخْذُه وسَيَأتي، وإنِ احتاجَ إنسانٌ إلى ذلك ولَم يَجِدْ مَنْ يَطرُقُ له دابَّتَه مَجَّانًا، جازَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أنْ يَبذُلَ الكِراءَ؛ لأنَّه بَذْلٌ لِتَحصيلِ مَنفَعةٍ مُباحةٍ لِحاجةٍ؛ فجازَ بَذْلُ عِوَضٍ دَفعًا لِلحاجةِ، وحرُم على رَبِّ الفَحلِ أخْذُه العِوَضَ؛ لِلنَّهيِ السَّابِقِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: إذا أنزَى على بَهائِمِه فَحلَ غيرِه، فالنِّتاجُ له، ولكنْ إذا كانَ ظالِمًا في الإنزاءِ بحيثُ يَضُرُّ بالفَحلِ المُنزِي فعليه ضَمانُ ما نقَص لِصاحِبِه؛ فإنْ لَم يَعرِفْ صاحِبَه تَصدَّقَ بقِيمةِ نَقصِه، وأمَّا إنْ
стр. 3606
كانَ لا يَضُرُّه فلا قِيمةَ له؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن عَسبِ الفَحلِ (١).
القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ المالِكيَّةِ وابنِ عَقيلٍ مِنْ الحَنابِلةِ أنَّه يَجوزُ استِئجارُ الفَحلِ لِذلك، إذا كانَ على دُفعاتٍ مَعلومةٍ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنافِعِ الفَحلِ ونَزْوِه على الأُنثَى، وهي مَنفَعةٌ مَقصودةٌ، وماءُ الفَحلِ يَدخُلُ تَبَعًا، والأغلَبُ حُصولُه عُقَيبَ نَزْوِه، فيَكونُ كالعَقدِ على الظِّئرِ؛ لِيَحصُلَ اللَّبَنُ في بَطنِ الصَّبيِّ، وكما لوِ استَأجَرَ أرضًا وفيها بِئرُ ماءٍ، فإنَّ الماءَ يَدخُلُ تَبَعًا، وقد يُغتفَرُ في الأتباعِ ما لا يُغتفَرُ في المَتبوعاتِ.
والنَّهيُ الوارِدُ مَحمولٌ على التَّنزيهِ والحَثِّ على مَكارِمِ الأخلاقِ، وليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ أنْ يُؤخَذَ على ذلك أجْرٌ؛ فإنْ فعَل لَم تُفسَخِ الإجارةُ، وإنْ أخَذها لَم تُرَدَّ منه.
قالَ الإمامُ القَرافيُّ ﵀: تَجوزُ إجارةُ الفَحلِ لِلإنزاءِ أكوامًا مَعروفةً أو شَهرًا بكَذا؛ لأنَّها مَنفَعةٌ مَقصودةٌ مَضبوطةٌ، وتُمتنَعُ على نَزْوِه حتى يَكِلَّ الإنزاءَ؛ لِلغَرَرِ، ومنَعه الأئِمَّةُ مُطلَقًا؛ لِنَهيِه ﷺ عن عَسبِ الفَحلِ،
стр. 3607
أو لأنَّه يُعجَزُ عن تَسليمِه؛ لأنَّه باختيارِ الفَحلِ، أو لأنَّه تافِهٌ لا يُقابَلُ بالأعواضِ، أو لأنَّ فيه استِيفاءَ عَينٍ، وكُلُّها مُبطِلاتٌ.
والجَوابُ عن الأوَّلِ أنَّ النَّهيَ مَحمولٌ على ما فيه غَرَرٌ مِنْ اشتِراطِ الحَملِ؛ جَمعًا بينَ الأدِلَّةِ.
وعن الثَّاني بأنَّ تَنهيضَ الفَحلِ لِذلك مَعلومٌ عادةً مِنْ طَبعِه، فهو مَقدورٌ على تَسليمِه.
وعن الثَّالثِ بأنَّ حَرَكةَ الفَحلِ مَقصودةٌ عادةً عندَ جَميعِ العُقَلاءِ، ولَولا ذلك لَبطَل النَّسلُ.
وعن الرَّابِعِ بأنَّ تلك العَينَ كاللَّبَنِ في الرَّضاعِ لِلضَّرورةِ.
قالَ ابنُ يُونُسَ ﵀: قالَ ابنُ حَبيبٍ ﵀: تُعِيقُ -بضَمِّ التَّاءِ وكَسرِ العَينِ- الرَّمَكةَ، أي: أنْ تَحَمِلَ، والأكوامُ جَمعُ كَومٍ، وهو الضِّرابُ والنَّزْو، ويُقالُ: كامَهَا يَكومُها، إذا فعَل ذلك، وإذا سَمَّى شَهرًا امتَنَعَ تَسميةُ المَرَّاتِ.
قالَ اللَّخميُّ ﵀: وعَن مالِكٍ: كَراهةُ بَيعِ عَسبِ الفَحلِ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، قالَ سَحنونٌ: إذا استَأجَرَ الفَحلَ مَرَّتَيْنِ فعَطِبتِ الدَّابَّةُ بعدَ مَرَّةٍ انفَسَختِ الإجارةُ، كالصَّبيِّ في الرَّضاعِ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا مالِكٌ فحُكيَ عنه جَوازُه، والَّذي ذكَره أصحابُه التَّفصيلُ؛ فقالَ صاحِبُ الجَواهِرِ في بابِ فَسادِ العَقدِ مِنْ جِهةِ نَهيِ
стр. 3608
الشارِعِ، ومِنها بَيعُ عَسبِ الفَحلِ، ويُحمَلُ النَّهيُ فيه على استِئجارِ الفَحلِ على لِقاحِ الأُنثَى، وهو فاسِدٌ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه؛ فأمَّا أنْ يَستَأجِرَه على أنْ يَنزُوَ عليه دُفعاتٍ مَعلومةً فذلك جائِزٌ؛ إذ هو أمَدٌ مَعلومٌ في نَفْسِه، ومَقدورٌ على تَسليمِه.
والصَّحيحُ تَحريمُه مُطلَقًا، وفَسادُ العَقدِ به على كلِّ حالٍ، ويَحرُمُ على الآخَرِ أخْذُ أُجرةِ ضِرابِه، ولا يَحرُمُ على المُعطي؛ لأنَّه بَذَلَ مالَه في تَحصيلِ مُباحٍ يَحتاجُ إليه، ولا يُمنَعُ مِنْ هذا، كما في كَسبِ الحَجَّامِ وأُجرةِ الكَسَّاحِ.
والنَّبيُّ ﷺ نهَى عَمَّا يَعتادونَه مِنْ استِئجارِ الفَحلِ لِلضِّرابِ، وسَمَّى ذلك بَيعَ عَسبِه؛ فلا يَجوزُ حَملُ كَلامِه على غيرِ الواقِعِ والمُعتادِ، وإخلاءُ الواقِعِ مِنْ البَيانِ، مع أنَّه الذي قُصِدَ بالنَّهيِ، ومِنَ المَعلومِ أنَّه ليسَ لِلمُستأجِرِ غَرَضٌ صَحيحٌ في نَزْوِ الفَحلِ على الأُنثَى الذي له دُفعاتٌ مَعلومةٌ، وإنَّما غَرَضُه نَتيجةُ ذلك وثَمرَتُه، ولِأجلِه بَذَلَ مالَه.
وقد عُلِّلَ التَّحريمُ بعِدَّةِ عِلَلٍ:
إحداها: أنَّه لا يُقدَرُ على تَسليمِ المَعقودِ عليه، فأشبَهَ إجارةَ الآبِقِ؛ فإنَّ ذلك مُتعلِّقٌ باختِيارِ الفَحلِ وشَهوَتِه.
الثَّانيةُ: أنَّ المَقصودَ هو الماءُ، وهو ممَّا لا يَجوزُ إفرادُه بالعَقدِ؛ فإنَّه مَجهولُ القَدْرِ والعَينِ، وهذا بخِلافِ إجارةِ الظِّئرِ؛ فإنَّها احتَمَلتْ مَصلَحةَ الآدَميِّ، فلا يُقاسُ عليها غيرُها.
وقد يُقالُ -واللَّهُ أعلَمُ-: إنَّ النَّهيَ عن ذلك مِنْ مَحاسِنِ
стр. 3609
الشَّريعةِ وكَمالِها؛ فإنَّ مُقابَلةَ ماءِ الفَحلِ بالأثمانِ وجَعلَه مَحَلًّا لِعُقودِ المُعاوَضاتِ ممَّا هو مُستقبَحٌ ومُستهجَنٌ عندَ العُقَلاءِ، وفاعِلُ ذلك عندَهم ساقِطٌ مِنْ أعيُنِهم في أنْفُسِهم، وقد جعَل اللَّهُ فِطَرَ عِبادِه لا سيَّما المُسلِمينَ مِيزانًا لِلحَسَنِ والقَبيحِ، فما رَآه المُسلِمونَ حَسَنًا فهو عندَ اللَّهِ حَسَنٌ، وما رَآه المُسلِمونَ قَبيحًا فهو عندَ اللَّهِ قَبيحٌ.
ويَزيدُ هذا بَيانًا أنَّ ماءَ الفَحلِ لا قِيمةَ له، ولا هو ممَّا يُعاوَضُ عليه، ولِهَذا لو نَزا فَحلُ الرَّجُلِ على رَمَكةِ غيرِه فأوْلَدَها فالوَلَدُ لِصاحِبِ الرَّمَكةِ اتِّفاقًا؛ لأنَّه لَم يَنفصِلْ عن الفَحلِ إلَّا مُجرَّدُ الماءِ، وهو لا قِيمةَ له؛ فحَرَّمتْ هذه الشَّريعةُ الكامِلةُ المُعاوَضةَ على ضِرابِه؛ لِيَتناوَلَه النَّاسُ بينَهم مَجَّانًا؛ لِمَا فيه مِنْ تَكثيرِ النَّسلِ المُحتاجِ إليه مِنْ غيرِ إضرارٍ بصاحِبِ الفَحلِ ولا نُقصانٍ مِنْ مالِه.
فمِن مَحاسِنِ الشَّريعةِ إيجابُ بَذلِ هذا مَجَّانًا، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ مِنْ حَقِّها إطراقَ فَحلِها وإعارةَ دَلوِها» (١)، فهذه حُقوقٌ يَضرُّ بالنَّاسِ مَنعُها، إلَّا بالمُعاوَضةِ، فأوجَبَتِ الشَّريعةُ بَذلَها مَجَّانًا.
فإنْ قيلَ: فإذا أهدَى صاحِبُ الأُنثَى إلى صاحِبِ الفَحلِ هَديَّةً، أو ساقَ إلَيه كَرامةً فهل له أخْذُها؟
قيلَ: إنْ كانَ ذلك على وَجْهِ المُعاوَضةِ والِاشتِراطِ في الباطِنِ لَم يَحِلَّ له أخْذُه، وإنْ لَم يَكُنْ كذلك فلا بَأْسَ به، قالَ أصحابُ أحمدَ وأصحابُ
стр. 3610
الشافِعيِّ: وإنْ أعطَى صاحِبَ الفَحلِ هَديَّةً أو كَرامةً مِنْ غيرِ إجارةٍ جازَ.
واحتَجَّ أصحابُنا بحَديثٍ رُويَ عن أنَسٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا كانَ إكرامًا فلا بَأْسَ»، ذكَره صاحِبُ المُغني، ولا أعرِفُ حالَ هذا الحَديثِ ولا مَنْ خرَجه.
وقد نصَّ أحمدُ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ على خِلافِه؛ فقيلَ له: ألَّا يَكونَ مثلَ الحَجَّامِ يُعطَى وإنْ كانَ مَنهيًّا عنه؟ فقالَ: لَم يَبلُغْنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطَى في مِثلِ هذا شَيئًا، كما بلَغنا في الحَجَّامِ.
واختلَف أصحابُنا في حَملِ كلامِ أحمدَ ﵀ على ظاهِرِه، أو تَأويلِه؛ فحَمَلَه القاضي على ظاهِرِه، وقالَ: هذا مُقتَضى النَّظَرِ، لكنَّ تَرْكَ مُقتَضاه في الحَجَّامِ فبَقيَ فيما عَداه على مُقتَضى القِياسِ.
وقالَ أبو مُحمَّدٍ في «المُغنِي»: كَلامُ أحمدَ يُحمَلُ على الوَرَعِ، لا على التَّحريمِ، والجَوازُ أرفَقُ بالنَّاسِ، وأوْفَقُ لِلقياسِ (١).
بَيعَتانِ في بَيعةٍ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على الحُرمةِ والفَسادِ لِبيعَتَيْنِ في بَيعةٍ؛ لِمَا رَوى أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: نهَى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ (٢).