← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ﷺ : «يَكفي منه الوُضوءُ»؛ فإنَّما أوجَبَ هذا الحَديثُ الوُضوءَ من المَذيِ، وهو نادِرٌ، فكذلك مِنْ كلِّ نادِرٍ، ولأنَّه خارِجٌ من مَخرجِ الحَدثِ المُعتادِ فوجَبَ أنْ يَنقُضَ الوُضوءَ كالخارِجِ المُعتادِ. فأمَّا قَولُه: «لا وُضوءَ إلا مِنْ صَوتٍ أو رِيحٍ» فهو أنَّه لا ظاهِرَ له يَتعلَّقُ الحُكمُ به، ثم فيه دَليلٌ على وُجوبِ الوُضوءِ من الصَّوتِ والرِّيحِ، وإنْ كانَ نادِرًا كما يُوجِبُه، وإنْ كانَ مُعتادًا، وأمَّا خَبَرُ المُستحاضةِ فلا دَليلَ فيه؛ لأنَّ المُستحاضةَ مُحدِثةٌ، وإنَّما أجزَأتْها الصَّلاةُ للضَّرورةِ، وأمَّا المُعتادُ إذا خرَجَ من غيرِ المَخرجِ المُعتادِ فليسَ المَعنى في سُقوطِ الوُضوءِ منه أنَّه نادِرٌ، ولكنَّ المَعنى فيه أنَّه خارِجٌ من غيرِ مَخرجٍ مُعتادٍ (١). إلا أنَّ الشافِعيةَ نَصُّوا في الصَّحيحِ من المَذهبِ عندَهم على أنَّ خُروجَ المَنيِّ يُوجبُ الغُسلَ ولا يَنقضُ الوُضوءَ، كانَ أمْنَى بمُجرَّدِ نَظرٍ أو احتِلامٍ، مُمكِّنًا مَقعَدَه، فلا يَنقضُ الوُضوءَ؛ لأنَّه أوجَبَ أعظَمَ الأمرَينِ، وهو الغُسلُ بخُصوصِه، أي: بخُصوصِ كَونِه مَنيًّا، فلا يُوجبُ أدوَنَهما، وهو الوُضوءُ بعُمومِه، أي: بعُمومِ كَونِه خارِجًا كزِنا المُحصَنِ لمَا أوجَبَ أعظَمَ الحَدَّين لكَونِه زِنا المُحصَنِ، فلا يُوجبُ أدوَنَهما لكَونِه زِنًا، وإنَّما أوجَبَه الحَيضُ والنِّفاسُ مع إِيجابِهما الغُسلَ؛ لأنَّهما يَمنَعانِ صِحةَ الوُضوءِ فلا يُجامِعانِه بخِلافِ خُروجِ المَنيِّ يُصبحُ معه الوُضوءُ في صُورةِ سَلسِ المَنيِّ فيُجامِعُه.

стр. 387

وعن القاضِي أبي الطَّيبِ: أنَّ خُروجَ المَنيِّ يَنقضُ، ويَصيرُ به جُنُبًا مُحدِثًا، قالَ الدَّميريُّ: وهو قَويٌّ؛ لأنَّه خارِجٌ من السَّبيلَينِ كالحَيضِ، وهو يُوجبُ الغُسلَ والوُضوءَ بالاتِّفاقِ، كما حَكاه الماوَرديُّ وابنُ عَطيةَ، فلذلك اختارَه الشَّيخُ وصحَّحَه الرافِعيُّ في كِتابِه: «المَحمود»، وهو: كِتابٌ مَبسوطٌ، وصَلَ فيه إلى الصَّلاةِ في ثمَاني مُجلَّداتٍ ولم يُكمِلْه. ولعَدمِ النَّقضِ بخُروجِ المَنيِّ فائِدَتانِ: إحداهُما: إذا كانَ مُحدِثًا فاغتسَلَ للجَنابةِ، ففي صِحةِ صَلاتِه خِلافٌ، وههنا إذا اغتسَلَ صحَّت صَلاتُه بلا خِلافٍ. والثانية: إذا تجَرَّدت جَنابَتُه عن الحَدثِ، فتَيممَ لها عندَ عَجزِه عن استِعمالِ الماءِ فله أنْ يُصليَ ما شاءَ من الفَرائضِ بتَيممٍ واحِدٍ، ما لم يُحدِثْ ولم يُمكِنْه استِعمالُ الماءِ، كالحائِضِ إذا تَيمَّمت لاستِباحةِ الوَطءِ أو الصَّلاةِ، ثم أحدَثَت، يَجوزُ وَطؤُها ومُكثُها في المَسجدِ، ما لم تَجدِ الماءَ أو يَعُدْ حَيضُها (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الخارِجُ من أحدِ السَّبيلَينِ، عَينًا كانَ، أو رِيحًا، من قُبلِ الرَّجلِ والمَرأةِ، أو دُبرِهما، نادِرًا كانَ، كالدَّمِ والحَصى، أو مُعتادًا، نَجسَ العَينِ، أو طاهِرَها، كالدُّودِ والحَصى، إلا المَنيَّ، فلا يَنقضُ الوُضوءَ بخُروجِه، وإنَّما يُوجبُ الغُسلَ، ولنا وَجهٌ شاذٌّ: أنَّه يُوجبُ الوُضوءَ أيضًا (٢).

стр. 388

ثانيًا: خُروجُ النَّجاسةِ من غيرِ السَّبيلَينِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خرَجَ شَيءٌ من النَّجاساتِ من سائِرِ البَدنِ غيرِ السَّبيلَينِ كالجُرحِ والفِصادِ والحِجامةِ والرُّعافِ والقَيءِ والدَّمِ هل يَنتقِضُ وُضوؤُه أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ النَّجاساتِ الخارجةَ من غيرِ السَّبيلَينِ من أيِّ مَوضِعٍ كانَ ناقِضةٌ للوُضوءِ، لكنَّ الإمامَ أحمدَ ﵀ قالَ: إذا كانَ الخارِجُ فاحِشًا كَثيرًا، أمَّا إذا كانَ الخارِجُ يَسيرًا فعلى رِوايَتينِ: إحداهُما: يَنقُضُ. والأُخرى: لا يَنقُضُ، وهي الصَّوابُ. قالَ البُهوتيُّ: وأمَّا كَونُ القَليلِ من ذلك لا يَنقُضُ فلمَفهومِ قَولِ ابنِ عَباسٍ في الدَّمِ: إنْ كانَ فاحِشًا فعليه الإعادةُ، قالَ أحمدُ: عِدةٌ من الصَّحابةِ تَكلَّموا فيه، وابنُ عُمرَ عصَرَ بَثرةً فخرَجَ الدَّمُ فصَلَّى ولم يَتوضَّأْ، وابنُ أبي أوْفَى عصَرَ دُمَّلًا، وذكَرَ غيرَهما ولم يُعلَمْ لهم مُخالِفٌ من الصَّحابةِ، فكانَ إِجماعًا (١).

стр. 389

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنَّ خُروجَ هذه الأشياءِ غيرُ ناقِضٍ للوُضوءِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: سَواءٌ قَلَّ ذلك أو كثُرَ، وإنَّما يَلزمُ تَطهيرُ المَوضعِ الذي أصابَتْه النَّجاسةُ الخارِجةُ من سائِرِ البَدنِ، ويَبقَى الوُضوءُ إلا إذا انتُقضَ بسَببٍ آخَرَ؛ ولأنَّ الأصلَ أنَّه لا نَقضَ حتى يَثبُتَ بالشَّرعِ، ولم يَثبُتْ، والقياسُ مُمتنعٌ في هذا البابِ؛ لأنَّ عِلةَ النَّقضِ غيرُ مَعقولةٍ. قالَ النَّوويُّ: قالَ أبو بَكرِ بنُ المُنذرِ ﵀: لا وُضوءَ في شَيءٍ من ذلك؛ لأنَّي لا أعلَمُ مع مَنْ أوجَبَ الوُضوءَ فيه حُجةً. قالَ النَّوويُّ: هذا كَلامُ ابنِ المُنذرِ الذي لا شَكَّ في إتْقانِه وتَحقيقِه وكَثرةِ اطِّلاعِه على السُّنةِ ومَعرفتِه بالدَّلائلِ الصَّحيحةِ وعَدمِ تَعصُّبِه (١). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والأظهَرُ أنَّه لا يَجبُ الوُضوءُ من مَسِّ الذَّكرِ ولا النِّساءِ ولا خُروجِ النَّجاساتِ من غيرِ السَّبيلَينِ ولا القَهقهةِ ولا غُسلِ المَيِّتِ؛ فإنَّه ليسَ مع المُوجِبين دَليلٌ صَحيحٌ، بل الأدِلةُ الراجِحةُ تَدلُّ على عَدمِ الوُجوبِ لكنَّ الاستِحبابَ مُتوجَّهٌ ظاهِرٌ؛ فيُستحبُّ أنْ يَتوضَّأَ (٢). وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: وبهذه الطَّريقةِ يُعلمُ أنَّه لم يُوجِبْ -أي: النَّبيُّ ﷺ الوُضوءَ مِنْ لَمسِ النِّساءِ ولا مِنْ النَّجاساتِ الخارِجةِ من

стр. 390

غيرِ السَّبيلَينِ؛ فإنَّه لم يَنقُلْ أحَدٌ بإِسنادٍ يَثبُتُ مِثلُه أنَّه أمَرَ بذلك مع العِلمِ بأنَّ الناسَ كانوا لا يَزالونَ يَحتَجِمونَ ويَتقيَّؤونَ ويُجرَحونَ في الجِهادِ وغيرِ ذلك، وقد قطَعَ عِرقَ بعضِ أَصحابِه ليُخرجَ منه الدَّمَ، وهو الفِصادُ، ولم يَنقُلْ عنه مُسلمٌ أنَّه أمَرَ أَصحابَه بالتَّوضُّؤِ من ذلك (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلفَ عُلماءُ الأَمصارِ في انتِقاضِ الوُضوءِ مما يَخرجُ من الجَسدِ من النَّجسِ على ثَلاثةِ مَذاهبَ: فاعتبَرَ قَومٌ في ذلك الخارِجَ وَحدَه من أيِّ مَوضعٍ خرَجَ، وهو أبو حَنيفةَ وأَصحابُه والثَّوريُّ وأحمدُ وجَماعةٌ، ولهم من الصَّحابةِ السَّلفُ فقالوا: كلُّ نَجاسةٍ تَسيلُ من الجَسدِ وتَخرجُ منه يَجبُ منها الوُضوءُ كالدَّمِ والرُّعافِ الكَثيرِ والفَصدِ والحِجامةِ والقَيءِ إلا البَلغمَ عندَ أبي حَنيفةَ. وقالَ أبو يُوسفَ من أَصحابِ أبي حَنيفةَ: إنَّه إذا ملَأَ الفَمَ ففيه الوُضوءُ، ولم يَعتبِرْ أحَدٌ من هؤلاء اليَسيرَ من الدَّمِ إلا مُجاهدًا، واعتبَرَ قَومٌ آخَرونَ المَخرَجَين الذَّكرَ والدُّبرَ، فقالوا: كلُّ ما خرَجَ من هذَين السَّبيلَينِ فهو ناقِضٌ للوُضوءِ من أيِّ شَيءٍ خرَجَ من دَمٍ أو حَصاةٍ أو بَلغَمٍ، وعلى أيِّ وَجهٍ خرَجَ كانَ خُروجُه على سَبيلِ الصِّحةِ أو على سَبيلِ المَرضِ، وممَّن قالَ بهذا القَولِ الشافِعيُّ وأَصحابُه، ومُحمدُ بنُ عبدِ الحَكمِ من أَصحابِ مالِكٍ.

стр. 391

واعتبَرَ قَومٌ آخَرونَ الخارِجَ والمَخرجَ وصِفةَ الخُروجِ فقالوا: كلُّ ما خرَجَ من السَّبيلَينِ ممَّا هو مُعتادٌ خُروجُه، وهو البَولُ والغائِطُ والمَذيُ، والوَديُ والرِّيحُ إذا كانَ خُروجُها على وَجهِ الصِّحةِ فهي تَنقضُ الوُضوءَ، فلم يَرَوْا في الدَّمِ والحَصاةِ والدُّودِ وُضوءًا، ولا في السَّلسِ، وممَّن قالَ بهذا القَولِ مالِكٌ وكلُّ أَصحابِه. والسَّببُ في اختِلافِهم: أنَّه لمَّا أجمَعَ المُسلِمونَ على انتِقاضِ الوُضوءِ ممَّا يَخرجُ من السَّبيلَينِ من غائِطٍ وبَولٍ ورِيحٍ ومَذيٍ لظاهِرِ الكِتابِ ولتَظاهُرِ الآثارِ بذلك، تَطرَّق إلى ذلك ثَلاثةُ احتِمالاتٍ: أحدُها: أنْ يَكونَ الحُكمُ إنَّما عُلقَ بأَعيانِ هذه الأشياءِ فقط المُتَّفقِ عليها على ما رآه مالِكٌ ﵀. الاحتِمالُ الثاني: أنْ يَكونَ الحُكمُ إنَّما عُلِّق بهذه من جِهةِ أنَّها أنجاسٌ خارِجةٌ من البَدنِ لكَونِ الوُضوءِ طَهارةً، والطَّهارةُ إنَّما يُؤثِّرُ فيها النَّجسُ. والاحتِمالُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ الحُكمُ أيضًا إنَّما عُلِّق بها من جِهةِ أنَّها خارِجةٌ من هذَين السَّبيلَينِ، فيَكونُ على هذَين القَولَينِ الأخيرَينِ وُرودُ الأمرِ بالوُضوءِ من تلك الأَحداثِ المُجمَعِ عليها، إنَّما هو من بابِ الخاصِّ أُريدَ به العامُّ، ويَكونُ عندَ مالِكٍ وأَصحابِه إنَّما هو من بابِ الخاصِّ المَحمولِ على خُصوصِه؛ فالشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ اتَّفَقا على أنَّ الأمرَ بها هو من بابِ الخاصِّ أُريدَ به العامُّ، واختَلَفا أيُّ عامٍّ هو الذي قُصدَ به؟

стр. 392

فمالِكٌ يُرجِّحُ مَذهبَه بأنَّ الأصلَ هو أنْ يُحملَ الخاصُّ على خُصوصِه حتى يَدلَّ الدَّليلُ على غيرِ ذلك، والشافِعيُّ مُحتجٌّ بأنَّ المُرادَ به المَخرجُ لا الخارِجُ باتِّفاقِهم على إِيجابِ الوُضوءِ من الرِّيحِ التي تَخرجُ من أسفَلَ، وعلى عَدمِ إِيجابِ الوُضوءِ منه إذا خرَجَ من فوقُ، وكِلاهما ذاتٌ واحِدةٌ، والفَرقُ بينَهما اختِلافُ المَخرَجَين، فكان هذا تَنبيهًا على أنَّ الحُكمَ للمَخرجِ وهو ضَعيفٌ؛ لأنَّ الرِّيحَينِ مُختلِفانِ في الصِّفةِ والرائِحةِ، وأبو حَنيفةَ يَحتجُّ؛ لأنَّ المَقصودَ بذلك هو الخارِجُ النَّجسُ لكَونِ النَّجاسةِ مُؤثِّرةً في الطَّهارةِ، وهذه الطَّهارةُ -وإنْ كانَت طَهارةً حُكميةً- فيها شَبهٌ بالطَّهارةِ المَعنويةِ، أعني طَهارةَ النَّجسِ، وبحَديثِ ثَوبانَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قاءَ فأفطَرَ فتَوضَّأَ» وبما رُويَ عن عُمرَ وابنِ عُمرَ من إِيجابِ الوُضوءِ من الرُّعافِ، وبما رُويَ من أمرِه ﷺ المُستحاضةَ بالوُضوءِ لكلِّ صَلاةٍ، فكانَ المَفهومُ من هذا كلِّه عندَ أبي حَنيفةَ الخارِجَ النَّجسَ، وإنَّما اتَّفَق الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ على إِيجابِ الوُضوءِ من الأَحداثِ المُتَّفقِ عليها، وإنْ خرَجَت على جِهةِ المَرضِ لأمرِه ﷺ بالوُضوءِ عندَ كلِّ صَلاةٍ المُستحاضةَ، والاستِحاضةُ مَرضٌ. وأمَّا مالِكٌ فرأى أنَّ المَرضَ له ههنا تأثيرٌ في الرُّخصةِ قياسًا أيضًا على ما رُويَ أيضًا من أنَّ المُستحاضةَ لم تُؤمَرْ بالغُسلِ فقط، وذلك أنَّ حَديثَ فاطِمةَ بِنتَ أبي حُبَيشٍ هذا مُتَّفقٌ على صِحتِه، ويُختلَفُ في هذه الزِّيادةِ فيه، أعني الأمرَ بالوُضوءِ لكلِّ صَلاةٍ، ولكنْ صحَّحَها أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ،

стр. 393

قياسًا على مَنْ يَغلبُه الدَّمُ من جُرحٍ ولا يَنقطِعُ، مِثلَما رُويَ أنَّ عُمرَ ﵁ صلَّى وجُرحُه يَثغَبُ دَمًا (١). ثالِثًا: النَّومُ: النَّومُ: هو فَترةٌ طَبيعيةٌ تَحدثُ للإِنسانِ بلا اختِيارٍ منه تَمنعُ الحَواسَّ الظاهِرةَ والباطِنةَ عن العَملِ مع سَلامتِها واستِعمالِ العَقلِ مع قيامِه فيَعجِزُ العَبدُ عن أداءِ الحُقوقِ. اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ النَّومَ في الجُملةِ يَنقضُ الوُضوءَ، وكذا نَومُ المُضطجِعِ والمُستنِدِ والمُتَّكئِ يَنقضُ الوُضوءَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «العَينُ وِكاءُ السَّهِ (٢)، فمَن نامَ فليَتوضَّأْ» (٣). ثم اختَلَفوا فيمَن نامَ على حالةٍ من أَحوالِ المُصلِّينَ أو نامَ مُمكِّنًا مَقعَدتَه من الأرضِ هل يَنتقضُ وُضوؤُه أو لا؟ فقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: لا يَنقضُ، وإنْ طالَ، إذا كانَ على حالةٍ من أَحوالِ الصَّلاةِ، فأمَّا إذا وقَعَ على جَنبِه واضطَجعَ انتَقضَ وُضوؤُه. قالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: إنَّ المُوجبَ للوُضوءِ هو النَّومُ المُعتادُ الذي يَجوزُ أنْ يُقالَ فيه إنَّه قامَ من النَّومِ، ومَن نامَ قاعِدًا أو ساجِدًا أو راكِعًا لا يُقالُ: إنَّه قامَ من النَّومِ، وإنَّما يُطلقُ ذلك في نَومِ المُضطجِعِ.

стр. 394

ثم قالَ: وقد اتَّفقَ السَّلفُ وسائِرُ فُقهاءِ الأَمصارِ على نَفيِ إِيجابِ الوُضوءِ على مَنْ نامَ قاعِدًا غيرَ مُستنِدٍ إلى شَيءٍ، رَوى عَطاءٌ عن ابنِ عَباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ ذاتَ لَيلةٍ حتى نامَ الناسُ ثم استَيقَظوا فجاءَه عُمرُ فقالَ: الصَّلاةَ يا رَسولَ اللهِ، فخرَجَ وصَلَّى ولم يَذكُرْ أنَّهم تَوضَّؤوا» (١). ورُويَ عن أنَسٍ قالَ: «كُنَّا نَجيءُ إلى مَسجدِ رَسولِ اللهِ ﷺ نَنتظِرُ الصَّلاةَ فمِنَّا مَنْ نعَسَ ومِنَّا مَنْ نامَ ولا نُعيدُ وُضوءًا» (٢). وقد ذكَرنا اختِلافَ الفُقهاءِ في ذلك في غيرِ ذلك المَوضعِ، ورَوى أبو يُوسفَ عن مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه كانَ يُصلِّي الصُّبحَ ولا يَتوضَّأُ فسُئِلَ عن ذلك فقالَ: «إنِّي لستُ كأحدِكم، إنَّه تَنامُ عَينايَ ولا يَنامُ قَلبي، لو أحدَثتُ لعَلمتُه» (٣). وهذا الحَديثُ يَدلُّ على أنَّ النَّومَ في نَفسِه ليسَ بحَدثٍ، وإنَّ إِيجابَ الوُضوءِ فيه إنَّما هو لمَا عسَى أنْ يَكونَ فيه من الحَدثِ الذي لا يَشعرُ به، وهو الغالِبُ في حالِ النائِمِ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «العَينُ وِكاءُ السَّهِ، فإذا نامَتِ العَينُ استَطلَقَ الوِكاءُ» (٤)، فلمَّا كانَ الأغلَبُ

стр. 395

في النَّومِ الذي يَستثقِلُ فيه النائِمُ وُجودَ الحَدثِ فيه حُكمَ له بحُكمِ الحَدثِ، هذا في النَّومِ المُعتادِ الذي يَضعُ النائِمُ جَنبَه فيه على الأرضِ ويَكونُ في المُضطجِعِ من غيرِ عِلمٍ منه بما يَكونُ منه، فإذا كانَ جالِسًا أو على حالٍ من أَحوالِ الصَّلاةِ لغيرِ ضَرورةٍ مِثلَ القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ لم تَنتقِضْ طَهارتُه؛ لأنَّ هذه الأَحوالَ يَكونُ الإِنسانُ فيها مُتحفِّظًا وإنْ كانَ منه حَدثٌ علِمَ به (١). أمَّا عندَ المالِكيةِ: فالصَّحيحُ عندَهم أنَّ العِبرةَ بصِفةِ النَّومِ لا بهَيئةِ النائِمِ من اضطِجاعٍ أو قيامٍ أو غيرِهما، فمَتى كانَ النَّومُ ثَقيلًا: نقَضَ بكلِّ حالٍ، سَواءٌ أكانَ النائِمُ مُضطجِعًا أم ساجِدًا أم جالِسًا أم قائِمًا، وعَلامةُ النَّومِ الثَّقيلِ: ما لا يَشعرُ صاحِبُه بالأَصواتِ المُرتفِعةِ القَريبةِ منه، أو كانَ بيَدِه شَيءٌ فسقَطَ ولم يَشعُرْ به. وإنْ كانَ النَّومُ غيرَ ثَقيلٍ بأنْ سمِعَ الأَصواتَ المَرتفِعةَ القَريبةَ منه أو شعَرَ بسُقوطِ ما كانَ بيَدِه أو شعَرَ بسَيلانِ رِيقِه، فلا نَقضَ بحالٍ حينَئذٍ؛ لخِفتِه، وهذه طَريقةُ اللَّخميِّ. واعتبَرَ بَعضُهم صِفةَ النَّومِ مع الثِّقلِ، وصِفةَ النائِمِ مع النَّومِ غيرِ الثَّقيلِ، فأمَّا النَّومُ الثَّقيلُ فيَجبُ منه الوُضوءُ على أيِّ حالٍ، وعلى أيِّ هَيئةٍ كانَ. وأمَّا غيرُ الثَّقيلِ فقالوا: يَجبُ الوُضوءُ في الاضطِجاعِ والسُّجودِ، ولا

стр. 396

يَجبُ في القيامِ والجُلوسِ، قالَ الصاويُّ: وعَزا في «التَّوضيح» هذه الطَّريقةَ لعَبدِ الحَقِّ وغيرِه، ولكنَّ الطَّريقةَ الأُولى هي الأشهَرُ، وهي طَريقةُ ابنِ مَرزوقٍ (١). وأمَّا الشافِعيةُ: فالصَّحيحُ عندَهم الذي نَصَّ عليه الإمامُ الشافِعيُّ في كُتُبِه هو ما حَكاه الإمامُ النَّوويُّ حيثُ قالَ: وهو الصَّحيحُ من حيثُ المَذهبُ، والدَّليلُ أنَّه إنْ نامَ مُمكِّنًا مَقعَدتَه من الأرضِ أو نَحوِها لم يَنتقضْ، وإنْ لم يَكنْ مُمكِنًا انتقَضَ على أيِّ هَيئةٍ كانَ في الصَّلاةِ وغيرِها. وقَليلُ النَّومِ وكَثيرُه سَواءٌ عندَهم جَمعًا بينَ الأَحاديثِ الوارِدةِ في ذلك، منها حَديثُ علِيٍّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «العَينانِ وِكاءُ السَّهِ فمَن نامَ فليَتوضَّأْ» (٢)، وحَديثُ صَفوانَ ﵁ مَرفوعًا: «ولكنْ مِنْ غائِطٍ وبَولٍ ونَومٍ» (٣)، وحَديثُ أنَسٍ ﵁: «كانَ أَصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَنامونَ ثم يُصلُّونَ ولا يَتوضَّؤونَ»، وفي رِوايةٍ: «حتى تَخفِقَ رُؤوسُهم» (٤).

стр. 397

وعن أنَسٍ قالَ: أُقيمَت صَلاةُ العِشاءِ فقالَ رَجلٌ: لي حاجةٌ، فقامَ النَّبيُّ ﷺ : «يُناجيه حتى نامَ القَومُ أو بعضُ القَومِ ثم صَلَّوْا» وفي رِوايةٍ: «حتى نامَ أَصحابُه ثم جاءَ فصَلَّى بهم» رَواهُما مُسلمٌ في صَحيحِه (١). وعن ابنِ عُمرَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «شُغلَ لَيلةً عن العِشاءِ فأخَّرَها حتى رقَدنا في المَسجدِ ثم استَيقَظنا ثم رقَدنا ثم استَيقَظنا ثم خرَجَ علينا» وعن ابنِ عَباسٍ: «أعتَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ لَيلةً بالعِشاءِ حتى رقَدَ الناسُ واستَيقَظوا ورَقَدوا واستَيقَظوا» (٢). رَوى البُخاريُّ في صَحيحِه هذَين الحَديثَينِ بهذا اللَّفظِ وظاهِرهُما أنَّهم صَلَّوْا بذلك الوُضوءِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: ورَوى مالِكٌ والشافِعيُّ بإِسنادٍ صَحيحٍ أنَّ ابنَ عُمرَ ﵁: «كانَ يَنامُ وهو جالِسٌ ثم يُصلِّي ولا يَتوضَّأُ» ولأنَّ النائمَ غيرُ المُمكِّنِ يَخرجُ منه الرِّيحُ غالِبًا، فأَقامَ الشَّرعُ هذا الظاهِرَ مَقامَ اليَقينِ، كما أَقامَ شَهادةَ الشاهِدينِ التي تُفيدُ الظَّنَّ مَقامَ اليَقينِ في شَغلِ الذِّمةِ. وأمَّا عن الحَديثِ الأولِ؛ فإنَّه مَحمولٌ على نَومِ غيرِ المُمكِّنِ وهذا يَتعيَّنُ المَصيرُ إليه للجَمعِ بينَ الأَحاديثِ الصَّحيحةِ. وقالَ النَّوويُّ: قالَ الشافِعيُّ في «الأُم» والأَصحابُ: لا يَنتقضُ الوُضوءُ بالنُّعاسِ وهو السِّنَةُ، وهذا لا خِلافَ فيه، ودَليلُه من الأَحاديثِ حَديثُ ابنِ

стр. 398

عَباسٍ ﵁ قالَ: «قامَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَعني يُصلِّي في اللَّيلِ، فقُمتُ إلى جَنبِه الأيسَرِ فجعَلَني في شِقِّه الأيمَنِ فجعَلَت إذا أغفَيتُ يَأخذُ بشَحمةِ أُذُني، فصلَّى إحدَى عَشرةَ رَكعةً» رَواه مُسلمٌ (١). قالَ الشافِعيُّ والأَصحابُ: والفَرقُ بينَ النَّومِ والنُّعاسِ أنَّ النَّومَ فيه غَلبةٌ على العَقلِ وسُقوطُ حاسةِ البَصرِ وغيرِها، والنُّعاسُ لا يَغلبُ على العَقلِ وإنَّما تَفتُرُ فيه الحَواسُّ بغيرِ سُقوطٍ (٢). أمَّا الحَنابِلةُ: فالنَّومُ يَنقسِمُ عندَهم إلى ثَلاثةِ أَقسامٍ: الأولُ: نَومُ المُضطجِعِ: فيَنقضُ الوُضوءَ يَسيرُه وكَثيرُه، وهذا قَولُ كلِّ مَنْ يَقولُ بنَقضِ النَّومِ. والثاني: نَومُ القاعِدِ: إنْ كانَ كَثيرًا نقَضَ، رِوايةً واحِدةً، وإنْ كانَ يَسيرًا لم يُنقضْ. واستدَلُّوا على ذلك بعُمومِ حَديثِ: «العَينُ وِكاءُ السَّهِ، فمَن نامَ فليَتوضَّأْ» وقَولُ صَفوانَ بنِ عَسَّالٍ ﵁: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَأمُرُنا إذا كُنَّا سَفرًا ألَّا ننزِعَ خِفافَنا ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليَهنَّ إلا مِنْ جَنابةٍ، ولكنْ من غائِطٍ وبَولٍ ونَومٍ» قالوا: وإنَّما خصَّصْناهما باليَسيرِ لحَديثِ أنَسٍ

стр. 399

﵁: «كانَ أَصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَنامونَ ثم يُصلُّونَ ولا يَتوضَّؤونَ»، وليسَ فيه بَيانُ كَثرةٍ ولا قِلةٍ؛ فإنَّ النائِمَ يَخفِقُ رَأسُه من يَسيرِ النَّومِ، فهو يَقينٌ في اليَسيرِ، فيَعملُ به، وما زادَ عليه فهو مُحتمَلٌ لا يُتركُ له العُمومُ المُتيقَّنُ، ولأنَّ نَقضَ الوُضوءِ بالنَّومِ يُعلَّلُ بإفضائِه إلى الحَدثِ، ومع الكَثرةِ والغَلبةِ يُفضي إليه، ولا يُحسُّ بخُروجِه منه، بخِلافِ اليَسيرِ، ولا يَصحُّ قياسُ الكَثيرِ على اليَسيرِ لاختِلافِهما في الإفضاءِ إلى الحَدثِ. وعن الإمامِ أحمدَ: أنَّه لا يَنقضُ، وعنه: لا يَنقضُ نَومُ الجالِسِ ولو كان كَثيرًا، واختارَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ، وحُكيَ عنه لا يَنقضُ غيرُ نَومِ المُضطجِعِ. الثالِثُ: ما عَدا هاتَين الحالَتينِ وهو نَومُ القائِمِ والراكِعِ والساجِدِ، فورَدَ عن أحمدَ في جَميعِ ذلك رِواياتٌ: إِحداها: يَنقضُ، وهو المَذهبُ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في تَخصيصِه من عُمومِ أَحاديثِ النَّقضِ نَصٌّ، ولا هو في مَعنى المَنصوصِ؛ لكَونِ القاعِدِ مُتحفِّظًا لاعتِمادِه بمَحلِّ الحَدثِ إلى الأرضِ، والراكِعُ والساجِدُ يَنفرِجُ مَحلُّ الحَدثِ منهما. والثانيةُ: لا يَنقضُ إلا إذا كثُرَ. قالَ في «الإنصاف»: الصَّحيحُ من المَذهبِ أنَّ نَومَ القائِمِ كنَومِ الجالِسِ فلا يَنقضُ الكَثيرُ منه، نَصَّ عليه.

стр. 400

قالَ في «المُغني»: الظاهِرُ عن أحمدَ التَّسويةُ بينَ الجالِسِ والقائِمِ؛ لأنَّهما يَشتبِهانِ في الانخِفاضِ واجتِماعِ المَخرجِ، وربَّما كانَ القائِمُ أبعَدَ من الحَدثِ لعَدمِ التَّمكُّنِ من الاستِثقالَ في النَّومِ؛ فإنَّه لو استَثقَلَ لسقَطَ. قالَ في «الإنصاف»: وعليه جُمهورُ الأَصحابِ. أمَّا نَومُ الراكِعِ والساجِدِ: إذا كانَ يَسيرًا فالمَذهبُ أنَّه يَنقضُ، وعنه: أنَّ نَومَ الراكِعِ والساجِدِ لا يَنقضُ يَسيرُه، وعليه جُمهورُ الأَصحابِ، وعنه: لا يَنقضُ نَومُ القائِمِ والراكِعِ ويَنقضُ نَومُ الساجِدِ (١). رابِعًا: مَسُّ الذَّكرِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ مَسَّ فَرجَه بغيرِ يَدِه من أَعضائِه لا يُنقضُ وُضوؤُه. ثم اختَلَفوا إذا مَسَّه بباطِنِ كَفِّه على ثَلاثةِ مذاهِبَ. المَذهبُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنَّ مَسَّ الذَّكرِ لا يَنقضُ الوُضوءَ ولا يَجبُ الوُضوءُ من مَسِّ الذَّكرِ، بل يُستحبُّ فقط؛ لحَديثِ طَلقِ بنِ عليٍّ قالَ: «قدِمْنا على نَبيِّ اللهِ ﷺ فجاءَ رَجلٌ كأنَّه بَدويٌّ فقالَ: يا نَبيَّ اللهِ ما تَرى في مَسِّ الرَّجلِ ذكَرَه بعدَما يَتوضَّأُ» وفي رِوايةٍ: «في الصَّلاةِ»

стр. 401

فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «وهل هو إلا مُضغةٌ منكَ، أو قالَ: بِضعةٌ منك» (١). قالوا: ولأنَّه عُضوٌ منه، فكانَ كسائِرِ جَسدِه كمَن مَسَّ فَخِذَه أو أنفَه، أو رِجلَه. وقالوا: لكنْ يُستحبُّ خُروجًا من الخِلافِ (٢). المَذهبُ الثاني: ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في الأشهَرِ كما سيَأتي مُفصَّلًا إلى أنَّ مَنْ مَسَّ فَرجَه بيَدِه انتَقضَ وُضوؤُه واستدَلُّوا على نَقضِ الوُضوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكرِ بعِدةِ أَحاديثَ عن النَّبيِّ ﷺ منها ما رَوَت بُسرةُ بِنتُ صَفوانَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ مَسَّ ذكَرَه فليَتوضَّأْ» (٣). وبحَديثِ أبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا أفضَى أحدُكم بيَدِه إلى فَرجِه وليسَ بينَهما سِترٌ ولا حِجابٌ فليَتوضَّأْ» (٤).

стр. 402

وبما رَوى عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما رَجلٍ مَسَّ فَرجَه فليَتوضَّأْ، وأيُّما امرأةٍ مَسَّت فَرجَها فلتَتوضَّأْ» (١). وبما رَوتْه أمُّ حَبيبةَ ﵂ قالَت: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ مَسَّ فَرجَه فليَتوضَّأْ» (٢). وقالوا: إنَّ حَديثَ طَلقًا لو صَحَّ لكانَ حَديثُ أبي هُريرةَ ومَن معه مُقدَّمًا عليه؛ لأنَّ طَلقًا قدِمَ المَدينةَ وهُم يَبنونَ المَسجدَ فذكَرَ الحَديثَ وفيه قِصةُ مَسِّ الذَّكرِ، وأبو هُريرةَ أسلَمَ عامَ خَيبَرَ بعدَ ذلك بسِتِّ سِنينَ وإنَّما يُؤخذُ بالأحدَثِ فالأحدَثِ من أمرِه ﷺ . وقالوا: إنَّ حَديثَ طَلقٍ باقٍ على الأصلِ، وإنَّ حَديثَ بُسرةَ ناقِلٌ، والناقِلُ مُقدَّمٌ؛ لأنَّ أَحكامَ الشارِعِ ناقِلةٌ عما كانوا عليه. وقالوا: إنَّ رُواةَ النَّقضِ أكثَرُ وأَحاديثَه أشهَرُ؛ فإنَّه مِنْ رِوايةِ بُسرةَ وأُمِّ حَبيبةَ وأبي هُريرةَ وزَيدِ بنِ خالِدٍ ﵃ جَميعًا. وأيضًا: فإنَّه قد ثبَتَ الفَرقُ بينَ الذَّكرِ وسائِرِ الجَسدِ في النَّظرِ والحِسِّ فثبَتَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ : «أنَّه نَهى أنْ يَمسَّ الرَّجلُ ذكَرَه بيَمينِه» (٣)،

стр. 403

فدَلَّ على أنَّ الذَّكرَ لا يُشبهُ سائِرَ الجَسدِ، ولهذا صانَ اليَمينَ عن مَسِّه، فدَلَّ على أنَّه ليسَ بمَنزلةِ الأنفِ والفَخذِ والرِّجلِ، فلو كان كما قالَ المانِعونَ إنَّه بمَنزلةِ الإبهامِ واليَدِ والرِّجلِ لم يَنهَ عن مَسِّه باليَمينِ، ولأنَّ قياسَ الذَّكرِ أيضًا على سائِرِ البَدنِ لا يَستقيمُ؛ لأنَّه تَتعلَّقُ به أَحكامٌ يَنفردُ بها مِنْ وُجوبِ الغُسلِ بإيلاجِه والحَدِّ والمَهرِ وغيرِ ذلك. وقالوا أيضًا: إنَّ حَديثَ طَلقٍ مَحمولٌ على المَسِّ فوقَ حائِلٍ؛ لأنَّه قالَ: «سألتُه عن مَسِّ الذَّكرِ في الصَّلاةِ»، والظاهِرُ أنَّ الإِنسانَ لا يَمسُّ الذَّكرَ في الصَّلاةِ بلا حائِلٍ. ولا فَرقَ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ بينَ أنْ يَمسَّه عامِدًا أو غيرَ عامِدٍ. وفي رِوايةٍ عن الإمامِ أحمدَ وهو قَولٌ للمالِكيةِ لا يَنتقضُ الوُضوءُ إلا بمَسِّه قاصِدًا مَسَّه. قالَ أحمدُ بنُ الحُسينِ: قيلَ لأحمدَ: الوُضوءُ من مَسِّ الذَّكرِ؟ فقالَ: هكذا، وقبَضَ على يَدِه، يَعني إذا قبَضَ عليه (١). المَذهبُ الثالِثُ: مَذهبُ المالِكيةِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واضطَرَب قَولُ مالِكٍ في إِيجابِ الوُضوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، واختَلفَ مَذهبُه

стр. 404

فيه، والذي تَقرَّر عليه المَذهبُ عندَ أهلِ المَغربِ من أَصحابِه أنَّه مَنْ مَسَّ ذكَرَه أمَرَه بالوُضوءِ ما لم يُصلِّ؛ فإنْ صلَّى أمَرَه بالإعادةِ في الوَقتِ؛ فإنْ خرَجَ الوَقتُ فلا إِعادةَ عليه. واختَلفَ أَصحابُه وأَتباعُه على أربَعةِ أَقوالٍ: فمِنهم مَنْ لم يَرَ على مَنْ مَسَّ ذكَرَه وُضوءًا ولا على مَنْ صلَّى بعدَ أنْ مَسَّه إعادةَ صَلاتِه في وَقتٍ ولا غيرِه، وممَّن ذهَبَ إلى هذا سُحنونٌ والعِتقيُّ. ورأى الإِعادةَ في الوَقتِ ابنُ القاسِمِ وأشهَبُ وهو رِوايةٌ عن ابنِ وَهبٍ. ومنهم مَنْ رَأى الوُضوءَ عليه واجبًا، ورَأى الإِعادةَ على مَنْ صلَّى بعدَ أنْ مَسَّه في الوَقتِ وبعدَه، منهم أصبَغُ بنُ الفَرجِ وعيسى بنُ دِينارٍ، وهو مَذهبُ ابنِ عُمرَ؛ لأنَّه أعادَ منه صَلاةَ الصُّبحِ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ وهو قَولُ الشافِعيِّ. وأمَّا إِسماعيلُ بنُ إِسحاقَ وأَصحابُه البَغداديُّونَ المالِكيُّيونَ كابنِ كَبيرٍ وابنِ المُنتابِ، وأبي الفَرجِ الأبهَريِّ؛ فإنَّهم اعتبَروا في مَسِّه وُجودَ اللَّذةِ كلامِسِ النِّساءِ عندَهم؛ فإنِ التَذَّ الذي مَسَّ ذكَرَه وجَبَ عليه الوُضوءُ، وإنْ صلَّى وقد مَسَّه قبلَ أنْ يَتوضَّأَ أعادَ الصَّلاةَ أبدًا، وإنْ خرَجَ الوَقتُ، وإنْ لم يَلتَذَّ بمَسِّه فلا شَيءَ عليه، وهذا قَولٌ رابِعٌ ومَن ذهَبَ إلى هذا سَوَّى بينَ باطِنِ الكَفِّ وظاهِرِها (١).

стр. 405

وقالَ المالِكيةُ في الصَّحيحِ والشافِعيةُ: لا يَنتقِضُ لمَسِّه إلا بباطِنِ الكَفِّ؛ لأنَّ ظاهِرَ الكَفِّ ليسَ بآلةِ اللَّمسِ فأشبَهَ ما لو مَسَّه بفَخذِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا فرقَ بينَ ظاهِرِ الكَفِّ وباطِنِه لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا أفضَى أحدُكم بيَدِه إلى فَرجِه وليسَ بينَهما سِترٌ ولا حِجابٌ فليَتوضَّأْ» (٢)، وظاهِرُ كَفِّه من يَدِه، والإفضاءُ اللَّمسُ من غيرِ حائِلٍ؛ ولأنَّه جُزءٌ من يَدِه تَتعلَّقُ به الأَحكامُ المُتعلقةُ على مُطلقِ اليَدِ، أشبَهَ باطِنَ الكَفِّ (٣). مَسُّ الدُّبرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ مَسَّ دُبرَه هل يَنتقِضُ وُضوؤُه أو لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَنتقضُ وُضوؤُه ولا فرقَ بينَ مَسِّ القُبلِ ومَسِّ الدُّبرِ في نَقضِ الوُضوءِ لحَديثِ عائِشةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ مَسَّ فَرجَه فليَتوضَّأْ» (٤). واسمُ الفَرجِ يُطلقُ على القُبلِ والدُّبرِ جَميعًا، ولأنَّه أحدُ سَبيلَيِ الحَدثِ فوجَبَ أنْ يَكونَ مَسُّه حَدثًا كالقُبلِ، فإذا ثبَتَ وُجوبُ الوُضوءِ من مَسِّ الدُّبرِ؛ فإنَّما يَتعلَّقُ بمَسِّ الحَلقةِ دونَ ما قارَبَها واتَّصلَ بها، وهكَذا الوُضوءُ

стр. 406

من مَسِّ الذَّكرِ يَتعلَّقُ به دونَ ما قارَبَه من العانةِ أو الأُنثَيينِ أو ما بينَ السَّبيلَينِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالكيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَنتقضُ وُضوؤُه لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ مَسَّ ذكَرَه فليَتوضَّأْ» (٢)، فخَصَّ الذَّكرَ بالحُكمِ، وهذا ليسَ في مَعناه؛ لأنَّه لا يَقصدُ مَسَّه ولا يُفضي إلى خُروجِ خارِجٍ (٣). الوُضوءُ من مَسَّ فَرجِ البَهيمةِ: قالَ النَّوويُّ ﵀: ولا يَنقضُ مَسُّ فَرجِ البَهيمةِ عندَنا، وبه قالَ العُلماءُ كافَّةً (٤). مَسُّ المَرأةِ فَرجَها: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ المَرأةِ التي مَسَّت فَرجَها هل يَنتقضُ وُضوؤُها أو لا يَنتقِضُ؟

стр. 407

فذهَبَ الشافِعيةُ ومالِكٌ في رِوايةٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا مَسَّت فَرجَها انتُقضَ وُضوؤُها كالرَّجلِ؛ لحَديثِ: «أيُّما امرأةٍ مَسَّت فَرجَها فلتَتوضَّأْ» (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَنتقِضُ وُضوؤُها؛ لأنَّ الحَديثَ المَشهورَ في مَسِّ الذَّكرِ، وليسَ مَسُّ المَرأةِ فَرجَها في مَعناه، لكَونِه لا يَدعو إلى خُروجِ خارِجٍ، فلم يُنقضْ (٢). قالَ المالِكيةُ في المَشهورِ عندَهم: ولا يَنتقضُ وُضوءُ المَرأةِ بمَسِّها فَرجَها ولو ألطَفَت: أي أدخَلَت أُصبُعًا أو أكثَرَ من أَصابعِها في فَرجِها (٣). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختُلفَ عن مالِكٍ في مَسِّ المَرأةِ فَرجَها فرُويَ عنه أنَّها في ذلك كالرَّجلِ على ما ذَكَرنا من اختِلافِ أَحوالِ الرَّجلِ في ذلك، وعليها الوُضوءُ، وهو الأشهَرُ، ورُويَ عنه أنَّه خفَّفَ ذلك ولم يُوجبْ منه وُضوءًا إلا أنْ تُلطِّفَ، وفُسِّر الإِلطافُ بالالتِذاذِ، وقالَ إِسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسٍ: سأَلتُ مالِكَ بنَ أنَسٍ عن المَرأةِ إذا مَسَّت فَرجَها أعليها الوُضوءُ؟ قالَ مالِكٌ: إذا ألطَفَت وجَبَ عليها الوُضوءُ. فقُلتُ له: ما ألطَفَت؟ قالَ: تُدخِلُ يَدَها بينَ الشَّفرَتينِ (٤).

стр. 408

مَنْ مَسَّ فَرجَ غيرِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ مَسَّ ذكَرَ غيرَه ولو صَغيرًا هل يَنتقضُ وُضوؤُه أو لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ مَسَّ فَرجَ غيرِه يَنتقضُ وُضوءُ اللَّامسِ وإنْ كان المَلموسُ صَغيرًا أو كَبيرًا، حَيًّا أو مَيتًا؛ لأنَّ مَسَّ ذكَرِ غيرِه مَعصيةٌ، وأدْعَى إلى الشَّهوةِ وخُروجِ الخارِجِ، وحاجةُ الإِنسانِ تَدعو إلى مَسِّ ذكَرِ نَفسِه، فإذا انتَقضَ بمَسِّ ذكَرِ نَفسِه فبمَسِّ ذكَرِ غيرِه أَولى، وهذا تَنبيهٌ يُقدَّمُ على الدَّليلِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يُنقضُ الوُضوءُ مُطلقًا بمَسِّ ذَكرِ الغيرِ (٢). وقالَ المالِكيةُ: إذا مَسَّ ذكَرَ الغيرِ؛ فإنَّ حُكمَه في ذلك حُكمُ المُلامسِ إنْ قصَدَ اللَّذةَ أو وجَدَها نُقضَ وُضوؤُه، وإلا فلا، هذا المَذهبُ عندَهم، لكنْ أطلَقَ القَرافِيُّ في «الذَّخيرة» عَدمَ النَّقضِ ولم يُفصِّلْ (٣).

стр. 409

خامِسًا: لَمسُ النِّساءِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ لَمسِ النِّساءِ هل يَنقضُ الوُضوءَ مُطلقًا سَواءٌ كانَ لشَهوةٍ أو لغيرِ شَهوةٍ أو لا يَنقضُ مُطلقًا، سَواءٌ كانَ لشَهوةٍ أو لغيرِ شَهوةٍ أو يَنقضُ الوُضوءَ إذا كان لشَهوةٍ، ولا يَنقضُ إذا كان لغيرِ شَهوةٍ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ لأهلِ العِلمِ. فذهَبَ الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ -وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنَّ لَمسَ النِّساءِ لا يَنقضُ الوُضوءَ مُطلقًا، إلا أنْ يُباشِرَها مُباشرةً بالِغةً ويَنتَهيَ إلى ما دونَ الإيلاجِ؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالَت: «كُنْتُ أنامُ بينَ يَدَيِ النَّبيِّ ﷺ ورِجلي في قِبلَتِه، فإذا أرادَ أنْ يَسجدَ غمَزَني فقَبَضت رِجلي فإذا قامَ بسَطتُها» (١). وعنها أنَّه ﷺ : «قبَّلَ بعضَ نِسائِه ثم خرَجَ إلى الصَّلاةِ ولم يَتوضَّأْ» (٢). ولمَا رَوى أبو أُمامةَ ﵁ قالَ: بينَما رَسولُ اللهِ ﷺ في المَسجدِ، ونحنُ قُعودٌ معه، إذْ جاءَ رَجلٌ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أصَبتُ حَدًّا فأقِمْه علَيَّ، فسكَتَ عنه رَسولُ اللهِ ﷺ ، ثم أعادَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أصَبتُ حَدًّا فأقِمْه علَيَّ، فسكَتَ عنه، وأُقيمَت الصَّلاةُ، فلمَّا انصرَفَ

стр. 410

نَبيُّ اللهِ ﷺ قالَ أبو أُمامةَ: فاتَّبعَ الرَّجلُ رَسولَ اللهِ ﷺ حينَ انصرَفَ، واتَّبعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ أنظُرُ ما يَردُّ على الرَّجلِ، فلحِقَ الرَّجلُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أصَبتُ حَدًّا فأقِمْه علَيَّ، قالَ أبو أُمامةَ: فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : «أرأيتَ حين خرَجتَ من بَيتِك أليس قد تَوضَّأتَ فأحسَنتَ الوُضوءَ؟ قالَ: بَلى يا رَسولَ اللهِ. قالَ: ثم شَهِدتَ الصَّلاةَ معَنا؟ فقالَ: نَعمْ يا رَسولَ اللهِ. قالَ: فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : فإنَّ اللهَ قد غفَرَ لكَ حَدَّك، أو قالَ: ذَنبَك» (١)؛ وفي رِوايةٍ عن عبدِ اللهِ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي عالَجتُ امرأةً في أقصَى المَدينةِ وإنِّي أصَبتُ منها ما دونَ أنْ أمَسَّها، فأنا هذا فاقضِ فِيَّ ما شِئتَ، فقالَ له عُمرُ: لقد ستَرَك اللهُ لو ستَرتَ نَفسَك، قالَ: فلم يَردَّ النَّبيُّ ﷺ شَيئًا، فقامَ الرَّجلُ فانطلَقَ فأتْبَعَه النَّبيُّ ﷺ رَجلًا دَعاه وتَلا عليه هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، فقالَ رَجلٌ من القَومِ: يا نَبيَّ اللهِ، هذا له خاصَّةً؟ قالَ: بل للناسِ كافَّةً (٢). ولأنَّ اللَّمسَ ليسَ بحَدثٍ في نَفسِه، ولا بسَببٍ لوُجودِ الحَدثِ غالبًا، فأشبَهَ مَسَّ الرَّجلِ الرَّجلَ، والمَرأةِ المَرأةَ، ولأنَّ مَسَّ أحدِ الزَّوجَين صاحِبَه مما يَكثرُ وُجودُه، فلو جُعلَ حَدثًا لوقَعَ الناسُ في الحَرجِ.

стр. 411

وأمَّا آيةُ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فقد نُقلَ عن ابنِ عَباسٍ أنَّ المُرادَ من اللَّمسِ: هو الجِماعُ. وهو تَرجُمانُ القُرآنِ. ولأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ، ولم يَرِدْ بهذا شَرعٌ ولا هو في مَعنى ما ورَدَ الشَّرعُ به (١). قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وكذلك مَسُّ النِّساءِ لشَهوةٍ إذا قيلَ باستِحبابِه، فهذا يُتوجَّهُ، وأمَّا وُجوبُ ذلك فلا يَقومُ الدَّليلُ إلا على خِلافِه، ولا يَقدرُ أحدٌ قَطُّ على أنْ يَنقُلَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كانَ يأمُرُ أَصحابَه بالوُضوءِ من مَسِ النِّساءِ، ولا من النَّجاساتِ الخارِجةِ لعُمومِ البَلوى بذلك، وقَولُه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] المُرادُ به الجِماعُ، كما فسَّرَه بذلك ابنُ عَباسٍ وغيرُه لوُجوهٍ مُتعدِّدةٍ (٢). ثم قالَ: والأظهَرُ أنَّه لا يَجبُ الوُضوءُ من مَسِّ الذَّكرِ ولا النِّساءِ، ولا من خُروجِ النَّجاساتِ من غيرِ السَّبيلَينِ ولا من القَهقَهةِ، ولا غُسلِ المَيتِ؛ فإنَّه ليسَ مع المُوجِبين دَليلٌ صَحيحٌ، بل الأدِلةُ الراجِحةُ تَدلُّ على عَدمِ الوُجوبِ، لكنَّ الاستِحبابَ مُتوجَّهٌ ظاهِرٌ فيُستحبُّ أنْ يَتوضَّأَ من مَسِّ النِّساءِ لشَهوةٍ (٣).

стр. 412

وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا لمَسَ الرَّجلُ بَشرةَ المَرأةِ أو لمَسَت المَرأةُ بَشرةَ الرَّجلِ بلا حائِلٍ بينَهما انتُقضَ وُضوءُ اللَّامسِ والمَلموسِ بكلِّ حالٍ، سَواءٌ كان لشَهوةٍ أو لغيرِ شَهوةٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وقرأها ابنُ مَسعودٍ: ﴿أو لمستم النساء﴾، وحَقيقةُ اللَّمسِ مُلاقاةُ البَشرتَين، قالَ اللهُ تَعالى مُخبرًا عن الجِنِّ أنَّهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨]، وقالَ الشاعِرُ: لمَستُ بكَفِّي كَفَّه أَبتَغي الغِنى وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ في مُسندِه: أخبَرَنا مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن سالِمٍ عن أبيه قالَ: «قُبلةُ الرَّجلِ امرَأتَه أو جَسُّها بيَدِه من المُلامَسةِ فمَن قبَّلَ امرَأتَه أو جسَّها بيَدِه فعليه الوُضوءُ» (١). والمُرادُ بالمَرأةِ المَرأةُ الأجنَبيةُ التي يَجوزُ للإِنسانِ الزَّواجُ بها، وكذا الزَّوجةُ، أمَّا المُحرَّمةُ التي لا يَحلُّ له الزَّواجُ بها فلا يَنتقضُ الوُضوءُ بلَمسِها، وكذلك لا يَنتقضُ الوُضوءُ بلَمسِ الأجنَبيةِ الصَّغيرةِ التي لا تُشتَهى (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّ اللَّمسَ إنْ كانَ لشَهوةٍ نقَضَ وإلا فلا. قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: مَسألةٌ: في لَمسِ النِّساءِ هل يَنقضُ الوُضوءَ، أو لا؟

стр. 413

الجَوابُ: الحَمدُ للهِ؛ أمَّا نَقضُ الوُضوءِ بلَمسِ النِّساءِ فللفُقهاءِ فيه ثَلاثةُ أَقوالٍ، طَرفانِ ووَسطٌ: أضعَفُها: أنَّه يُنقضُ باللَّمسِ، وإنْ لم يَكنْ لشَهوةٍ إذا كان المَلموسُ مَظِنَّةً للشَّهوةِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ تَمسُّكًا بقَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وفي القِراءةِ الأُخرى: ﴿أو لمستم﴾. القَولُ الثاني: أنَّ اللَّمسَ لا يَنقضُ بحالٍ، وإنْ كانَ لشَهوةٍ، كقَولِ أبي حَنيفةَ وغيرِه، وكلا القَولَينِ يُذكرُ رِوايةً عن أحمدَ، لكنَّ ظاهِرَ مَذهبِه كمَذهبِ مالِكٍ، والفُقهاءُ السَّبعةُ على أنَّ اللَّمسَ إنْ كانَ لشَهوةٍ نقَضَ، وإلا فلا، وليسَ في المَسألةِ قَولٌ مُتوجَّهٌ إلا هذا القَولَ أو الذي قبلَه. فأمَّا تَعليقُ النَّقضِ بمُجردِ اللَّمسِ فهذا خِلافُ الأُصولِ، وخِلافُ إِجماعِ الصَّحابةِ، وخِلافُ الآثارِ، وليسَ مع قائِلِه نَصٌّ ولا قياسٌ؛ فإنْ كانَ اللَّمسُ في قَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] إذا أُريدَ به اللَّمسُ باليَدِ والقُبلةُ ونَحوُ ذلك -كما قالَه ابنُ عُمرَ وغيرُه- فقد عُلمَ أنَّه حيثُ ذُكرَ مِثلُ ذلك في الكِتابِ والسُّنةِ؛ فإنَّما يُرادُ به ما كانَ لشَهوةٍ، مِثلَ قَولِه في آيةِ الاعتِكافِ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومُباشرةُ المُعتكِفِ لغيرِ شَهوةٍ لا تَحرمُ عليه بخِلافِ المُباشرةِ لشَهوةٍ. وكذلك المُحرِمُ الذي هو أشَدُّ لو باشَرَ المَرأةَ لغيرِ شَهوةٍ لم يَحرُمْ عليه، ولم يَجبْ عليه به دَمٌ. وكذلك قَولُه: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [لقمان: ٤٩] وقَولُه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ فإنَّه لو

стр. 414

مسَّها مَسيسًا خاليًا من غيرِ شَهوةٍ لم يَجبْ به عِدَّةٌ، ولا يَستقرُّ به مَهرٌ، ولا تَنتشِرُ به حُرمةُ المُصاهَرةِ باتِّفاقِ العُلماءِ، بخِلافِ ما لو مَسَّ المَرأةَ لشَهوةٍ ولم يَخلُ بها ولم يَطَأْها: ففي استِقرارِ المَهرِ بذلك نِزاعٌ مَعروفٌ بينَ العُلماءِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه. فمَن زعَمَ أنَّ قَولَه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] يَتناوَلُ اللَّمسَ وإنْ لم يَكنْ لشَهوةٍ فقد خرَجَ عن اللُّغةِ التي جاءَ بها القُرآنُ، بل وعن لُغةِ الناسِ في عُرفِهم؛ فإنَّه إذا ذُكرَ المَسُّ الذي يُقرنُ فيه بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ عُلمَ أنَّه مَسُّ الشَّهوةِ، كما أنَّه إذا ذُكرَ الوَطءُ المَقرونُ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ عُلمَ أنَّه الوَطءُ بالفَرجِ لا بالقَدمِ. وأيضًا: فإنَّه لا يَقولُ: إنَّ الحُكمَ مُعلَّقٌ بمَسِّ النِّساءِ مُطلقًا، بل بصِنفٍ من النِّساءِ، وهو ما كانَ مَظِنةَ الشَّهوةِ، فأمَّا مَسُّ مَنْ لا يَكونُ مَظِنةً كذَواتِ المَحارمِ والصَّغيرةِ فلا يُنقضُ بها، فقد ترَكَ ما ادَّعاه من الظاهِرِ واشتَرَط شَرطًا لا أصلَ له بنَصٍّ ولا قياسٍ؛ فإنَّ الأُصولَ المَنصوصةَ تُفرِّقُ بينَ اللَّمسِ لشَهوةٍ واللَّمسِ لغيرِ شَهوةٍ لا تُفرقُ بينَ أنْ يَكونَ المَلموسُ مَظِنةَ الشَّهوةِ أو لا يَكونُ، وهذا هو المَسُّ المُؤثِّرُ في العِباداتِ كلِّها، كالإِحرامِ والاعتِكافِ والصِّيامِ وغيرِ ذلك، وإذا كانَ هذا القَولُ لا يَدلُّ عليه ظاهِرُ اللَّفظِ، ولا يَدلُّ عليه القياسُ، لم يَكنْ له أصلٌ في الشَّرعِ. وأمَّا مَنْ علَّقَ النَّقضَ بالشَّهوةِ فالظاهِرُ المَعروفُ في مِثلِ ذلك دَليلٌ له، وقياسُ أُصولِ الشَّريعةِ دَليلٌ.

стр. 415

ومَن لم يَجعَلِ اللَّمسَ ناقِضًا بحالٍ؛ فإنَّه يَجعلُ اللَّمسَ إنَّما أُريدَ به الجِماعُ، كما في قَولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ونَظائِرُه كَثيرةٌ، وفي السُّننِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «قبَّلَ بعضَ نِسائِه ثم صلَّى ولم يَتوضَّأْ» لكنْ تُكلِّمَ فيه. وأيضًا: فمِن المَعلومِ أنَّ مَسَّ الناسِ نِساءَهم مما تَعُمُّ به البَلوى، ولا يَزالُ الرَّجلُ يَمسُّ امرأتَه؛ فلو كانَ هذا مما يَنقضُ الوُضوءَ لكانَ النَّبيُّ ﷺ بيَّنَه لأُمَّتِه؛ ولكانَ مَشهورًا بينَ الصَّحابةِ، ولم يَنقُلْ أحَدٌ أنَّ أحدًا من الصَّحابةِ كانَ يَتوضَّأُ بمُجردِ مُلاقاةِ يَدِه لامرأتِه أو غيرِها، ولا نقَلَ أحدٌ في ذلك حَديثًا عن النَّبيِّ ﷺ فعُلمَ أنَّ ذلك قَولٌ باطِلٌ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: الذي ذهَبَ إليه مالِكٌ وأَصحابُه في اشتِراطِ اللَّذةِ ووُجودِ الشَّهوةِ عندَ المُلامَسةِ أصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ ؛ لأنَّ الصَّحابةَ لم يأتِ عنهم في مَعنى المُلامَسةِ إلا قَولانِ: أحدُهما: الجِماعُ نَفسُه. والآخَرُ: ما دونَ الجِماعِ من دَواعي الجِماعِ وما يُشبهُه. ومَعلومٌ في قَولِ القائِلينَ أنَّه ما دونَ الجِماعِ أنَّهم أرادوا ما ليسَ بجِماعٍ ولم يُريدوا اللَّطمةَ ولا قُبلةَ الرَّجلِ ابنَتَه رَحمةً، ولا اللَّمسَ لغيرِ لَذةٍ.

стр. 416

ولمَّا لم يَجزْ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّمسَ أُريدَ به اللَّطمُ وما شاكَلَه لم يَبقَ إلا أنْ يَكونَ اللَّمسُ ما وقَعَ فيه اللَّذةُ والشَّهوةُ؛ لأنَّه لا خِلافَ فيمَن لطَمَ امرَأتَه أو داوَى جُرحَها، ولا في المَرأةِ تُرضعُ أولادَها أنَّه لا وُضوءَ على واحِدٍ من هؤلاء، فكذلك مَنْ قصَدَ إلى اللَّمسِ ولم يَلتَذَّ في حُكمِهم (١). وذكَرَ المالِكيةُ تَفصيلًا في اللَّمسِ فقالوا: يَنتقضُ الوُضوءُ بمُلامَسةِ المُتوضِّئِ شَخصًا يُشتَهى عادةً، بيَدِه أو بجُزءٍ من بَدنِه، ولو كانَ بعُضوٍ زائِدٍ، أو كانَ اللَّمسُ لظُفرٍ أو شَعرٍ مُتصلٍ. وذلك ضِمنَ شُروطٍ: أ- شُروطُ اللَّامِسِ: ١ - أنْ يَكونَ اللَّامِسُ بالِغًا. ٢ - أنْ يَقصدَ اللَّامِسُ اللَّذةَ أو يَجدَها، (إلا إذا كانَ المَلموسُ من مَحارمِه ولم يَجدِ اللَّامسُ لذَّةً فلا يَنتقضُ الوُضوءُ)، وكذلك يُنقضُ الوُضوءُ إنْ وجَدَ اللَّذةَ حالَ اللَّمسِ، وإنْ لم يَكنْ قاصِدًا لها ابتِداءً؛ فإنِ انتَفى القَصدُ واللَّذةُ فلا نَقضَ. أمَّا القُبلةُ في الفَمِ؛ فإنَّها تَنقضُ الوُضوءَ مُطلقًا، قصَدَ اللَّذةَ، أو وجَدَها، أو لم يَجِدْها؛ لأنَّها مَظِنةُ اللَّذةِ، وسَواءٌ في النَّقضِ المُقبِّلُ والمُقبَّلُ، إنْ كانا بالِغَين، أو البالِغُ منهما إنْ كانَ الآخَرُ ممَّن يُشتَهى عادةً، ولو وقَعَت القُبلةُ

стр. 417

بإكراهٍ، فلا يُشترطُ في النَّقضِ الطَّوعُ، أمَّا إذا كانَت القُبلةُ لوَداعٍ أو لرَحمةٍ؛ فإنَّها لا تَنقضُ الوُضوءَ إلا إذا وجَدَ اللَّذةَ. أمَّا إنْ قصَدَ اللَّذةَ أو وجَدَها بالنَّظرِ أو بالفِكرِ فلا يُنقضُ الوُضوءُ، وإنْ أمذى وجَبَ الوُضوءُ للمَذيِ، وإنْ أمْنَى وجَبَ عليه الغُسلُ بخُروجِ المَنيِّ (١). تَقبيلُ الرَّجلِ المَرأةَ: ذهَبَ الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قبَّلَ امرأةً انتَقضَ وُضوؤُه سَواءٌ كانَت تَحلُّ له أو لا تَحلُّ، التَذَّ بذلك أو لم يَلتَذَّ إلا أنْ تَكونَ القُبلةُ رَحمةً كقُبلةِ الرَّجلِ الطِّفلةَ من بَناتِه (٢). وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قبَّلَ لشَهوةٍ انتقَضَ وُضوؤُه، وإنْ قبَّلَ لغيرِ شَهوةٍ لم يُنتقَضْ. قالَ الإمامُ أحمدُ: المَدنيُّونَ والكُوفيُّونَ ما زالوا يَقولونَ: إنَّ القُبلةَ من اللَّمسِ تَنقضُ الوُضوءَ، حتى كانَ بأُخرةٍ وصارَ فيهم أبو حَنيفةَ، فقالوا: لا تَنقضُ الوُضوءَ، ويَأخذونَ بحَديثِ عُروةَ (٣).

стр. 418

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ ثابِتةٍ عنه كما يَقولُ ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قبَّلَ المَرأةَ لشَهوةٍ أو لغيرِ شَهوةٍ أنَّه لا وُضوءَ عليه؛ لمَا رَواه عُروةُ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «قبَّلَ بعضَ نِسائِه ثم خرَجَ إلى الصَّلاةِ ولم يَتوضَّأْ» (١)؛ ولأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ ولم يَرِدْ بهذا شَرعٌ ولا هو في مَعنى ما ورَدَ به الشَّرعُ (٢). وأمَّا تَقبيلُ الرَّجلِ ابنَتَه أو أُمَّه: فقد قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّه لا وُضوءَ على الرَّجلِ إذا قبَّلَ أُمَّه أو ابنَتَه أو أُختَه إِكرامًا لهُنَّ وبِرًّا عندَ قُدومٍ من سَفرٍ، أو مَسَّ بعضُ بَدنِه بعضَ بَدنِها عندَ مُناولةِ شَيءٍ إنْ ناوَلَها إلا ما ذُكرَ مِنْ أحدِ قَولَيِ الشافِعيِّ؛ فإنَّ بعضَ المِصريِّين من أَصحابِه حَكى عنه في المَسألةِ قَولَينِ: أحدُهما: إِيجابُ الوُضوءِ منه. والآخَرُ: كقَولِ سائِرِ أهلِ العِلمِ، ولم أجِدْ هذه المَسألةَ في كُتبِه المِصريةِ التي قَرأناها على الرَّبيعِ، ولست أدري أيَثبُتُ ذلك عن الشافِعيِّ أم لا؛ لأنَّ الذي حَكاه لم يَذكُرْ أنَّه سمِعَه منه، ولو ثبَتَ ذلك عنه لكانَ قَولُه الذي يُوافقُ فيه المَدنِيَّ والكُوفِيَّ، وسائِرَ أهلِ العِلمِ أَولى به.

стр. 419

وقد ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى وهو حامِلٌ أُمامةَ بِنتَ أبي العاصِ فقد رَوى أبو قَتادةَ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي وهو حامِلٌ أُمامةَ بِنتَ زَينبَ بِنتِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولأبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ، فإذا قامَ حمَلَها، وإذا سجَدَ وضَعَها» (١). قالَ أبو بَكرٍ: في حَملِ رَسولِ اللهِ ﷺ أُمامةَ بِنتَ أبي العاصِ دَليلٌ على صِحةِ قَولِ عَوامِّ أهلِ العِلمِ؛ إذْ مَعلومٌ مُتعارَفٌ أنَّ مَنْ حمَلَ صَبيةً صَغيرةً لا يَكادُ يَخلو أنْ يَمسَّ بَدنُه بَدنَها، واللهُ أعلَمُ، مع إِيجابِ الطَّهارةِ من ذلك فَرضٌ، والفَرائِضُ لا يَجوزُ إِيجابُها إلا بحُجةٍ، وما زالَ الناسُ في القَديمِ والحَديثِ يَتعارَفون أنَّ يُعانقَ الرَّجلُ أُمَّه وجَدَّتَه ويُقبِّلَ ابنَتَه في حالِ الصِّغرِ قُبلةَ الرَّحمةِ، ولا يَروْن ذلك يَنقضُ الطَّهارةَ ولا يُوجبُ وُضوءًا عندَهم، ولو كانَ ذلك حَدثًا يَنقضُ الطَّهارةَ ويُوجبُ الوُضوءَ لتَكلَّمَ فيه أهلُ العِلمِ كما تَكلَّموا في مُلامَسةِ الرَّجلِ امرأتَه وقُبلتِه إيَّاها (٢). سادِسًا: أكلُ لُحومِ الجَزورِ، الإبِلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ أكلَ لَحمَ جَزورٍ هل يَنتقضُ وُضوؤُه أو لا يَنتقضُ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ أكَلَ لَحمَ جَزورٍ لا يَجبُ عليه الوُضوءُ.

стр. 420

لحَديثِ جابِرٍ ﵁ أنَّه قالَ: «كانَ آخِرُ الأمرَينِ من رَسولِ اللهِ ﷺ تَركُ الوُضوءِ مما مَسَّته النارُ» (١)، ولأنَّه إذا لم يُنقضُ الوُضوءُ بأكلِ الخِنزيرِ وهو حَرامٌ، فلَأنْ يَكونَ لا يُنتقضُ بغيرِه أَولى، ولأنَّه مَأكولٌ أشبَهَ المَأكولاتِ. ولحَديثِ: «الوُضوءُ مما يَخرجُ وليسَ مما يَدخلُ» (٢). قالَ الكاسانِيُّ: والمَعنى في المَسألةِ أنَّ الحَدثَ هو خُروجُ النَّجسِ حَقيقةً أو ما هو سَببُ الخُروجِ ولم يُوجدْ (٣). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ -وهو اختيارُ النَّوويِّ- والبَيهَقيُّ وابنُ المُنذرِ وابنُ خُزيمةَ من الشافِعيةِ إلى وُجوبِ الوُضوءِ من أكلِ لُحومِ الإبِلِ.

стр. 421

قالَ النَّوويُّ: هذا هو القَويُّ أو الصَّحيحُ من حيثُ الدَّليلُ، وهو الذي أعتقِدُ رُجحانَه؛ فإنَّ فيه حَديثَينِ صَحيحَينِ ليسَ عنهما جَوابٌ شافٍ، وقد اختارَه جَماعةٌ من مُحقِّقي أَصحابِنا المُحدِّثينِ (١). واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ جابِرِ بنِ سَمُرةَ أنَّ رَجلًا سألَ النَّبيَّ ﷺ : «قالَ يا رَسولَ اللهِ: أنتَوضَّأُ من لُحومِ الإبِلِ؟ قالَ: نَعمْ» (٢). وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن الوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ، فقالَ: «تَوضَّؤُوا منها»، وسُئلَ عن لُحومِ الغَنمِ، فقالَ: «لا تَوضَّؤوا منها» (٣). قالَ الإمامُ أحمدُ وإِسحاقُ بنُ رَاهوَيهِ: فيه حَديثانِ صَحيحانِ عن النَّبيِّ ﷺ : حَديثُ البَراءِ وحَديثُ جابِرِ بنِ سَمُرةَ.

стр. 422

قالَ ابنُ قُدامةَ: وحَديثُهم عن ابنِ عَباسٍ لا أصلَ له، وإنَّما هو من قَولِ ابنِ عَباسٍ مَوقوفًا عليه، ولو صَحَّ لوجَبَ تَقديمُ حَديثِنا عليه؛ لكَونِه أصَحَّ منه وأخَصَّ، والخاصُّ يُقدَّمُ على العامِّ، وحَديثُ جابِرٍ لا يُعارِضُ حَديثَنا أيضًا لصِحتِه وخُصوصِه؛ فإنْ قيلَ: فحَديثُ جابِرٍ مُتأخِّرٌ، فيَكونُ ناسِخًا، قُلنا: لا يَصحُّ النَّسخُ به لوُجوهٍ أربَعةٍ: أحدُها: أنَّ الأمرَ بالوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ مُتأخِّرٌ عن نَسخِ الوُضوءِ مما مَسَّت النارُ أو مُقارنٌ له، بدَليلِ أنَّه قرَنَ الأمرَ بالوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ بالنَّهيِ عن الوُضوءِ من لُحومِ الغَنمِ، وهي مما مَسَّت النارُ، فإمَّا أنْ يَكونَ النَّسخُ حصَلَ بهذا النَّهيِ وإمَّا أنْ يَكونَ بشَيءٍ قبلَه؛ فإنْ كانَ به، والأمرُ بالوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ مُقارِنٌ لنَسخِ الوُضوءِ مما غيَّرتِ النارُ، فكيفَ يَجوزُ أنْ يَكونَ مَنسوخًا به؟ ومِن شُروطِ النَّسخِ تأخُّرُ الناسِخِ، وإنْ كانَ الناسِخُ قبلَه، لم يَجزْ أنْ يُنسخَ بما قبلَه. والثاني: أنَّ أكلَ لُحومِ الإبِلِ إنَّما نقَضَ لكَونِه من لُحومِ الإبِلِ، لا لكَونِه مما مَسَّت النارُ، ولهذا يَنقضُ، وإنْ كانَ نَيِّئًا، فنَسخُ إحدَى الجِهتَينِ لا يَثبُتُ به نَسخُ الجِهةِ الأُخرى، كما لو حُرِّمت المَرأةُ للرَّضاعِ، ولكَونِها رَبيبةً، فنَسخُ التَّحريمِ بالرَّضاعِ لم يَكنْ نَسخًا لتَحريمِ الرَّبيبةِ. والثالِثُ: أنَّ خبَرَهم عامٌّ وخبَرَنا خاصٌّ، والعامُّ لا يُنسخُ به الخاصُّ؛ لأنَّ من شُروطِ النَّسخِ تَعذُّرَ الجَمعِ، والجَمعُ بينَ الخاصِّ والعامِّ مُمكنٌ بتَنزيلِ العامِّ على ما عَدا مَحلِّ التَّخصيصِ.

стр. 423

والرابِعُ: أنَّ خبَرَنا صَحيحٌ مُستَفيضٌ ثبَتَ له قُوةُ الصِّحةِ والاستِفاضةِ والخُصوصِ، وخبَرُهم ضَعيفٌ لعَدمِ هذه الوُجوهِ الثَّلاثةِ فيه، فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ ناسِخًا له. فإنْ قيلَ: الأمرُ بالوُضوءِ في خَبَرُكم يَحتمِلُ الاستِحبابُ، فنَحمِلُه عليه، ويَحتملُ أنَّه أرادَ بالوُضوءِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه غَسلَ اليَدينِ؛ لأنَّ الوُضوءَ إذا أُضيفَ إلى الطَّعامِ اقتَضى غَسلَ اليَدِ، كما كانَ ﷺ يأمُرُ بالوُضوءِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه، وخَصَّ ذلك بلَحمِ الإبِلِ؛ لأنَّ فيه من الحَرارةِ والزُّهومةِ ما ليسَ في غيرِه. قُلنا: أمَّا الأولُ فمُخالِفٌ للظاهِرِ من ثَلاثةِ أوجُهٍ: أحدُها: أنَّ مُقتَضى الأمرِ الوُجوبُ. والثاني: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِل عن حُكمِ هذا اللَّحمِ، فأجابَ بالأمرِ بالوُضوءِ منه، فلا يَجوزُ حَملُه على غيرِ الوُجوبِ؛ لأنَّه يَكونُ تَلبيسًا على السائِلِ لا جَوابًا. والثالِثُ: أنَّه ﷺ قرَنَه بالنَّهيِ عن الوُضوءِ من لُحومِ الغَنمِ، والمُرادُ بالنَّهيِ ههنا نَفيُ الإِيجابِ، ليسَ المُرادُ التَّحريمَ، فيَتعيَّنُ حَملُ الأمرِ على الإِيجابِ ليَحصُلَ الفَرقُ. وأمَّا الثاني: فلا يَصحُّ لوُجوهٍ أربَعةٍ: أحدُها: أنَّه يَلزمُ منه حَملُ الأمرِ على الاستِحبابِ؛ فإنَّ غَسلَ اليَدِ بمُفردِه غيرُ واجِبٍ، وقد بَيَّنَّا فَسادَه.

стр. 424

والثاني: أنَّ الوُضوءَ إذا جاءَ على لِسانِ الشارِعِ وجَبَ حَملُه على المَوضوعِ الشَّرعيِّ دونَ اللُّغويِّ؛ لأنَّ الظاهِرَ منه أنَّه إنَّما يَتكلَّمُ بمَوضعاتِه. والثالِثُ: أنَّه خرَجَ جَوابًا لسُؤالِ السائِلِ عن حُكمِ الوُضوءِ من لُحومِها والصَّلاةِ في مَبارِكِها، فلا يُفهمُ من ذلك سِوى الوُضوءِ المُرادِ للصَّلاةِ. والرابِعُ: أنَّه لو أرادَ غَسلَ اليَدِ لمَا فرَّقَ بينَه وبينَ لَحمِ الغَنمِ؛ فإنَّ غَسلَ اليَدِ منهما مُستحبٌّ، ولهذا قالَ: «مَنْ باتَ وفي يَدِه رِيحُ غَمَرٍ (١) فأصابَه شَيءٌ فلا يَلومَنَّ إلا نَفسَه» (٢). وما ذَكَروه من زيادةِ الزُّهومةِ فأمْرٌ يَسيرٌ لا يَقتَضي التَّفريقَ، واللهُ أعلَمُ. ثم لا بدَّ من دَليلٍ نَصرفُ به اللَّفظَ عن ظاهِرِه، ويَجبُ أنْ يَكونَ الدَّليلُ له من القُوةِ بقَدرِ قُوةِ الظَّواهرِ المَتروكةِ وأَقوى منها، وليسَ لهم دَليلٌ، وقياسُهم فاسِدٌ؛ فإنَّه طَرديٌّ لا مَعنى فيه، وانتِفاءُ الحُكمِ في سائِرِ المَأكولاتِ لانتِفاءِ المُقتَضى لا لكَونِه مَأكولًا، فلا أثَرَ لكَونِه مَأكولًا، ووُجودُه كعَدمِه. ومن العَجبِ أنَّ مُخالِفينا في هذه المَسألةِ أوجَبوا الوُضوءَ بأَحاديثَ ضَعيفةٍ تُخالِفُ الأُصولَ، فأبو حَنيفةَ أوجَبَه بالقَهقَهةِ في الصَّلاةِ دونَ خارِجِها بحَديثٍ من مَراسيلِ أبي العاليةِ، ومالِكٌ والشافِعيُّ أوجباه بمَسِّ الذَّكرِ بحَديثٍ مُختلَفٍ فيه، مُعارَضٌ بمِثلِه دونَ مَسِّ بَقيةِ الأَعضاءِ، وترَكوا

стр. 425

هذا الحَديثَ الصَّحيحَ الذي لا مُعارِضَ له مع بُعدِه عن التَّأويلِ وقُوةِ الدِّلالةِ فيه لمُخالَفتِه لقياسٍ طَرديٍّ (١). سابِعًا: الوُضوءُ من غُسلِ المَيتِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ كانَ مُتوضِّئًا ثم غسَّلَ مَيتًا هل يَنتقضُ وُضوؤُه أو لا؟ فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِ الوُضوءِ من غُسلِ المَيتِ، أي: إذا كانَ الإِنسانُ مُتوضِّئًا ثم غسَّلَ مَيتًا انتَقضَ وُضوؤُه سَواءٌ كانَ المَغسولُ صَغيرًا أو كَبيرًا، ذَكرًا أو أُنثى، مُسلمًا أو كافِرًا؛ لأنَّ الغالِبَ فيه أنَّه لا يَسلَمُ أنْ تَقعَ يَدُه على فَرجِ المَيتِ، فكانَت مَظِنةُ ذلك قائِمةً مَقامَ حَقيقتِه كما أُقيمَ النَّومُ مَقامَ الحَدثِ. وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى عَدمِ وُجوبِ الوُضوءِ على مَنْ غسَّلَ مَيتًا؛ ولأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ، ولم يَرِدْ في هذا نَصٌّ، ولا هو في مَعنى المَنصوصِ عليه؛ فيَبقى على الأصلِ؛ ولأنَّه غُسلُ آدَميٍّ فأشبَهَ غُسلَ الحَيِّ، ولكنَّ الاستِحبابَ مُتوجَّهٌ ظاهِرٌ فيُستحبُّ أنْ يَتوضَّأَ.
следующие страницы →