كانَ لا يَضُرُّه فلا قِيمةَ له؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن عَسبِ الفَحلِ (١).
القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ المالِكيَّةِ وابنِ عَقيلٍ مِنْ الحَنابِلةِ أنَّه يَجوزُ استِئجارُ الفَحلِ لِذلك، إذا كانَ على دُفعاتٍ مَعلومةٍ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنافِعِ الفَحلِ ونَزْوِه على الأُنثَى، وهي مَنفَعةٌ مَقصودةٌ، وماءُ الفَحلِ يَدخُلُ تَبَعًا، والأغلَبُ حُصولُه عُقَيبَ نَزْوِه، فيَكونُ كالعَقدِ على الظِّئرِ؛ لِيَحصُلَ اللَّبَنُ في بَطنِ الصَّبيِّ، وكما لوِ استَأجَرَ أرضًا وفيها بِئرُ ماءٍ، فإنَّ الماءَ يَدخُلُ تَبَعًا، وقد يُغتفَرُ في الأتباعِ ما لا يُغتفَرُ في المَتبوعاتِ.
والنَّهيُ الوارِدُ مَحمولٌ على التَّنزيهِ والحَثِّ على مَكارِمِ الأخلاقِ، وليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ أنْ يُؤخَذَ على ذلك أجْرٌ؛ فإنْ فعَل لَم تُفسَخِ الإجارةُ، وإنْ أخَذها لَم تُرَدَّ منه.
قالَ الإمامُ القَرافيُّ ﵀: تَجوزُ إجارةُ الفَحلِ لِلإنزاءِ أكوامًا مَعروفةً أو شَهرًا بكَذا؛ لأنَّها مَنفَعةٌ مَقصودةٌ مَضبوطةٌ، وتُمتنَعُ على نَزْوِه حتى يَكِلَّ الإنزاءَ؛ لِلغَرَرِ، ومنَعه الأئِمَّةُ مُطلَقًا؛ لِنَهيِه ﷺ عن عَسبِ الفَحلِ،
стр. 3607
أو لأنَّه يُعجَزُ عن تَسليمِه؛ لأنَّه باختيارِ الفَحلِ، أو لأنَّه تافِهٌ لا يُقابَلُ بالأعواضِ، أو لأنَّ فيه استِيفاءَ عَينٍ، وكُلُّها مُبطِلاتٌ.
والجَوابُ عن الأوَّلِ أنَّ النَّهيَ مَحمولٌ على ما فيه غَرَرٌ مِنْ اشتِراطِ الحَملِ؛ جَمعًا بينَ الأدِلَّةِ.
وعن الثَّاني بأنَّ تَنهيضَ الفَحلِ لِذلك مَعلومٌ عادةً مِنْ طَبعِه، فهو مَقدورٌ على تَسليمِه.
وعن الثَّالثِ بأنَّ حَرَكةَ الفَحلِ مَقصودةٌ عادةً عندَ جَميعِ العُقَلاءِ، ولَولا ذلك لَبطَل النَّسلُ.
وعن الرَّابِعِ بأنَّ تلك العَينَ كاللَّبَنِ في الرَّضاعِ لِلضَّرورةِ.
قالَ ابنُ يُونُسَ ﵀: قالَ ابنُ حَبيبٍ ﵀: تُعِيقُ -بضَمِّ التَّاءِ وكَسرِ العَينِ- الرَّمَكةَ، أي: أنْ تَحَمِلَ، والأكوامُ جَمعُ كَومٍ، وهو الضِّرابُ والنَّزْو، ويُقالُ: كامَهَا يَكومُها، إذا فعَل ذلك، وإذا سَمَّى شَهرًا امتَنَعَ تَسميةُ المَرَّاتِ.
قالَ اللَّخميُّ ﵀: وعَن مالِكٍ: كَراهةُ بَيعِ عَسبِ الفَحلِ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، قالَ سَحنونٌ: إذا استَأجَرَ الفَحلَ مَرَّتَيْنِ فعَطِبتِ الدَّابَّةُ بعدَ مَرَّةٍ انفَسَختِ الإجارةُ، كالصَّبيِّ في الرَّضاعِ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا مالِكٌ فحُكيَ عنه جَوازُه، والَّذي ذكَره أصحابُه التَّفصيلُ؛ فقالَ صاحِبُ الجَواهِرِ في بابِ فَسادِ العَقدِ مِنْ جِهةِ نَهيِ
стр. 3608
الشارِعِ، ومِنها بَيعُ عَسبِ الفَحلِ، ويُحمَلُ النَّهيُ فيه على استِئجارِ الفَحلِ على لِقاحِ الأُنثَى، وهو فاسِدٌ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه؛ فأمَّا أنْ يَستَأجِرَه على أنْ يَنزُوَ عليه دُفعاتٍ مَعلومةً فذلك جائِزٌ؛ إذ هو أمَدٌ مَعلومٌ في نَفْسِه، ومَقدورٌ على تَسليمِه.
والصَّحيحُ تَحريمُه مُطلَقًا، وفَسادُ العَقدِ به على كلِّ حالٍ، ويَحرُمُ على الآخَرِ أخْذُ أُجرةِ ضِرابِه، ولا يَحرُمُ على المُعطي؛ لأنَّه بَذَلَ مالَه في تَحصيلِ مُباحٍ يَحتاجُ إليه، ولا يُمنَعُ مِنْ هذا، كما في كَسبِ الحَجَّامِ وأُجرةِ الكَسَّاحِ.
والنَّبيُّ ﷺ نهَى عَمَّا يَعتادونَه مِنْ استِئجارِ الفَحلِ لِلضِّرابِ، وسَمَّى ذلك بَيعَ عَسبِه؛ فلا يَجوزُ حَملُ كَلامِه على غيرِ الواقِعِ والمُعتادِ، وإخلاءُ الواقِعِ مِنْ البَيانِ، مع أنَّه الذي قُصِدَ بالنَّهيِ، ومِنَ المَعلومِ أنَّه ليسَ لِلمُستأجِرِ غَرَضٌ صَحيحٌ في نَزْوِ الفَحلِ على الأُنثَى الذي له دُفعاتٌ مَعلومةٌ، وإنَّما غَرَضُه نَتيجةُ ذلك وثَمرَتُه، ولِأجلِه بَذَلَ مالَه.
وقد عُلِّلَ التَّحريمُ بعِدَّةِ عِلَلٍ:
إحداها: أنَّه لا يُقدَرُ على تَسليمِ المَعقودِ عليه، فأشبَهَ إجارةَ الآبِقِ؛ فإنَّ ذلك مُتعلِّقٌ باختِيارِ الفَحلِ وشَهوَتِه.
الثَّانيةُ: أنَّ المَقصودَ هو الماءُ، وهو ممَّا لا يَجوزُ إفرادُه بالعَقدِ؛ فإنَّه مَجهولُ القَدْرِ والعَينِ، وهذا بخِلافِ إجارةِ الظِّئرِ؛ فإنَّها احتَمَلتْ مَصلَحةَ الآدَميِّ، فلا يُقاسُ عليها غيرُها.
وقد يُقالُ -واللَّهُ أعلَمُ-: إنَّ النَّهيَ عن ذلك مِنْ مَحاسِنِ
стр. 3609
الشَّريعةِ وكَمالِها؛ فإنَّ مُقابَلةَ ماءِ الفَحلِ بالأثمانِ وجَعلَه مَحَلًّا لِعُقودِ المُعاوَضاتِ ممَّا هو مُستقبَحٌ ومُستهجَنٌ عندَ العُقَلاءِ، وفاعِلُ ذلك عندَهم ساقِطٌ مِنْ أعيُنِهم في أنْفُسِهم، وقد جعَل اللَّهُ فِطَرَ عِبادِه لا سيَّما المُسلِمينَ مِيزانًا لِلحَسَنِ والقَبيحِ، فما رَآه المُسلِمونَ حَسَنًا فهو عندَ اللَّهِ حَسَنٌ، وما رَآه المُسلِمونَ قَبيحًا فهو عندَ اللَّهِ قَبيحٌ.
ويَزيدُ هذا بَيانًا أنَّ ماءَ الفَحلِ لا قِيمةَ له، ولا هو ممَّا يُعاوَضُ عليه، ولِهَذا لو نَزا فَحلُ الرَّجُلِ على رَمَكةِ غيرِه فأوْلَدَها فالوَلَدُ لِصاحِبِ الرَّمَكةِ اتِّفاقًا؛ لأنَّه لَم يَنفصِلْ عن الفَحلِ إلَّا مُجرَّدُ الماءِ، وهو لا قِيمةَ له؛ فحَرَّمتْ هذه الشَّريعةُ الكامِلةُ المُعاوَضةَ على ضِرابِه؛ لِيَتناوَلَه النَّاسُ بينَهم مَجَّانًا؛ لِمَا فيه مِنْ تَكثيرِ النَّسلِ المُحتاجِ إليه مِنْ غيرِ إضرارٍ بصاحِبِ الفَحلِ ولا نُقصانٍ مِنْ مالِه.
فمِن مَحاسِنِ الشَّريعةِ إيجابُ بَذلِ هذا مَجَّانًا، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ مِنْ حَقِّها إطراقَ فَحلِها وإعارةَ دَلوِها» (١)، فهذه حُقوقٌ يَضرُّ بالنَّاسِ مَنعُها، إلَّا بالمُعاوَضةِ، فأوجَبَتِ الشَّريعةُ بَذلَها مَجَّانًا.
فإنْ قيلَ: فإذا أهدَى صاحِبُ الأُنثَى إلى صاحِبِ الفَحلِ هَديَّةً، أو ساقَ إلَيه كَرامةً فهل له أخْذُها؟
قيلَ: إنْ كانَ ذلك على وَجْهِ المُعاوَضةِ والِاشتِراطِ في الباطِنِ لَم يَحِلَّ له أخْذُه، وإنْ لَم يَكُنْ كذلك فلا بَأْسَ به، قالَ أصحابُ أحمدَ وأصحابُ
стр. 3610
الشافِعيِّ: وإنْ أعطَى صاحِبَ الفَحلِ هَديَّةً أو كَرامةً مِنْ غيرِ إجارةٍ جازَ.
واحتَجَّ أصحابُنا بحَديثٍ رُويَ عن أنَسٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا كانَ إكرامًا فلا بَأْسَ»، ذكَره صاحِبُ المُغني، ولا أعرِفُ حالَ هذا الحَديثِ ولا مَنْ خرَجه.
وقد نصَّ أحمدُ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ على خِلافِه؛ فقيلَ له: ألَّا يَكونَ مثلَ الحَجَّامِ يُعطَى وإنْ كانَ مَنهيًّا عنه؟ فقالَ: لَم يَبلُغْنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطَى في مِثلِ هذا شَيئًا، كما بلَغنا في الحَجَّامِ.
واختلَف أصحابُنا في حَملِ كلامِ أحمدَ ﵀ على ظاهِرِه، أو تَأويلِه؛ فحَمَلَه القاضي على ظاهِرِه، وقالَ: هذا مُقتَضى النَّظَرِ، لكنَّ تَرْكَ مُقتَضاه في الحَجَّامِ فبَقيَ فيما عَداه على مُقتَضى القِياسِ.
وقالَ أبو مُحمَّدٍ في «المُغنِي»: كَلامُ أحمدَ يُحمَلُ على الوَرَعِ، لا على التَّحريمِ، والجَوازُ أرفَقُ بالنَّاسِ، وأوْفَقُ لِلقياسِ (١).
بَيعَتانِ في بَيعةٍ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على الحُرمةِ والفَسادِ لِبيعَتَيْنِ في بَيعةٍ؛ لِمَا رَوى أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: نهَى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ (٢).
стр. 3611
لكنَّهمُ اختَلَفوا في المُرادِ ببَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ:
فقالَ المالِكيَّةُ: أي: بَيعَتانِ حاصِلَتانِ في بَيعةٍ، أو ناشِئَتانِ بسَبَبِ بَيعةٍ؛ فإنَّه فاسِدٌ؛ لِلنَّهيِ عنه؛ لِلجَهلِ بالثَّمنِ حالَ العَقدِ، بأنْ يَبيعَها المالِكُ بشَرطِ إلزامٍ لِلمُشتَرِي أو لِلبائِعِ بالشِّراءِ، وأنَّه ليسَ له تَرْكُه على وَجْهٍ يَتردَّدُ فيه النَّظَرُ ويَحصُلُ به الغَرَرُ، كبَيعِها بخَمسةٍ مِنْ الدَّراهِمِ مَثَلًا نَقدًا، أو بأكثَرَ مِنها، كعَشَرةٍ لِأجَلٍ، كشَهرٍ، والحالُ أنَّهما دخَلا على أنَّ السِّلعةَ قد لزِمتْه بأحَدِ الثَّمنَيْنِ، فيَرضَى المُشتَرِي ذلك، ويَأخُذُ السِّلعةَ مِنْ سُكوتٍ، ثم يَختارُ بعدَ تَمامِ العَقدِ، فهذا بَيعٌ فاسِدٌ، إنْ أُدرِكَ فُسِخَ، وإنْ قُبِضتِ السِّلعةُ وفاتَتِ رَدَّ قابضُها قِيمَتَها يَومَ قَبضِها؛ بالِغةً ما بَلَغتْ.
وإنَّما مُنِعَ ذلك لِلغَرَرِ؛ لأنَّ البائِعَ لا يَدْري بِمَ باعَ، والمُشتَرِيَ لا يَدْري ما اشتَرَى، ولِذلك لو عُكِسَ التَّصويرُ كانَ يَبيعُها بعَشَرةٍ نَقدًا، أو بخَمسةٍ لِأجَلٍ، لَجازَ؛ لعَدمِ التَّرَدُّدِ حينَئذٍ؛ لأنَّ العاقِلَ إنَّما يَختارُ البَيعَ إلى أجَلٍ بالثَّمنِ القَليلِ، وتَسميةُ ذلك العَقدِ بَيعَتَيْنِ باعتِبارِ تَعدُّدِ الثَّمنِ؛ فإنْ كانَ البَيعُ على أنَّ المُشتَريَ بالخيارِ فيهما جَميعًا بينَ أنْ يَأخُذَ بأيَّتِهما شاءَ، وبينَ أنْ يَرُدَّهما جَميعًا، كأنْ قالَ له: بِعتُكَ هذه السِّلعةَ بخَمسةٍ حالَّةٍ، وبعَشَرةٍ مُؤجَّلةٍ، على أنْ يَكونَ لَكَ الخِيارُ، فذلك جائِزٌ، وليسَ مِنْ بابِ بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ؛ لأنَّ البَيعَ هَهُنا نافِذٌ، وقَع على شَيءٍ بعَينِه يَختارُه مِنْ شَيئَيْنِ مَعلومَيْنِ له الخِيارُ في أحَدِهما، والسِّلعةُ الأُولَى لَم يَقَعْ شِراؤُها على شَيءٍ بعَينِه بقَطعٍ أو خِيارٍ.
стр. 3612
قالَ في «المُدوَّنةِ»: لا يَجوزُ بَيعُ سِلعةٍ على أنَّها بالنَّقدِ بدِينارٍ، أو إلى شَهرٍ بدِينارَيْنِ، وكذلك على أنَّها إلى شَهرٍ بدِينارٍ، أو إلى شَهرَيْنِ بدِينارَيْنِ، على الإلزامِ لَهما أو لِأحَدِهما، وليسَ لِلمُبتاعِ تَعجيلُ النَّقدِ؛ لِإجازةِ البَيعِ؛ لأنَّه عَقدٌ فاسِدٌ، وإنْ كانَ على غيرِ الإلزامِ جازَ.
ومِثلُ ذلك ما إذا باعَ واحِدةً مِنْ سِلعَتَيْنِ مُختلِفَتَيْنِ في الجِنسِ أو الوَصفِ.
مِثالُ مُختَلِفي الجِنسِ: أنْ يَقولَ: بِعتُكَ أحَدَ هَذيْنِ الأمرَيْنِ «الثَّوبَ أو الدابَّةَ» بعِشرينَ، ثم يَختارَ المُشتَري مِنهما بعدَ تَمامِ البَيعِ ما يُحِبُّ، وهذا البَيعُ فاسِدٌ بدُونِ شَرطِ الخِيارِ، أمَّا إذا شرَط الخِيارَ فإنَّه يَصحُّ.
ومِثالُ مُختَلِفي الوَصفِ: أنْ يَبيعَه واحِدًا غيرَ مُعيَّنٍ مِنْ رِداءٍ وكِساءٍ؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّ المَبيعَ في الأمرَيْنِ غيرُ مُعيَّنٍ، ولا يَصحُّ بَيعُ المَجهولِ، وإذا اشتَراه بثَمَنِ مُختلِفٍ كانَ الفَسادُ أظهَرَ؛ لأنَّ الجَهالةَ تَكونُ في المَبيعِ وفي الثَّمنِ.
أمَّا إذا كانا مُختلِفَيْنِ جَودةً ورَداءةً فَقط، كما إذا باعَه إحدَى صُبرَتَيْنِ مِنْ قَمحٍ، إحداهما جَيِّدةٌ والأُخرَى رَديئةٌ، بثَمَنٍ واحِدٍ، على أنْ يَختارَ مِنهما ما يُعجِبُه، فإنَّه يَصحُّ؛ لأنَّ المُعتادَ في مِثلِ ذلك شِراءُ الجَيِّدِ، لا الرَّديءِ (١).
стр. 3613
وقالَ الشافِعيَّةُ: بَيعَتانِ في بَيعةٍ؛ فيه تَأويلانِ:
أحَدُهما: أنْ يَقولَ: بِعتُكَ هذا بألْفٍ، على أنْ تَبيعَني دارَكَ بكذا، أو تَشتَريَ مِنِّي داري بكَذا، وهو باطِلٌ لِلتَّعليقِ على الشَّرطِ في هذه الصُّورةِ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يَلزَمُ، ويَتفاوَتُ بعَدَمِه مَقصودُ العَقدِ.
والآخَرُ: أنْ يَقولَ: بِعتُكَه بألْفٍ نَقدًا، أو بألفَيْنِ نَسيئةً (تَقسيطًا)؛ فخُذْه بأيِّهما شِئتَ، أو شِئتُ أنا؛ فيَقبَلَ المُشتَري البَيعَ بالنَّقدِ أو بالتَّقسيطِ، فباطِلٌ أيضًا؛ لِلجَهلِ بالثَّمنِ.
أمَّا لو قالَ: بِعتُكَ بألْفٍ نَقدًا، وبِألفَيْنِ نَسيئةً، أو قالَ: بِعتُكَ نِصفَه بألْفٍ، ونِصفَه بألفَيْنِ؛ فيَصحُّ العَقدُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: بَيعَتانِ في بَيعةٍ تَكونُ مثلَ أنْ يَقولَ: بِعتُكَ داري هذه على أنْ أبيعَكَ داري الأُخرَى بكَذا، أو على أنْ تَبيعَني دارَكَ أو على أنْ أُؤجِّرَكَ أو على أنْ تُؤجِّرَني كذا، أو على أنْ تُزوِّجَني ابنَتَكَ، أو على أنْ أُزوِّجَكَ ابنَتي، ونَحوِ هذا؛ فهذا كُلُّه لا يَصحُّ.
وكذا إنْ باعَه بعَشَرةٍ نَقدًا، أو بخَمسَةَ عشَرَ نَسيئةً، أو بعَشَرةٍ صِحاحًا، أو بعِشرينَ مُكسَّرةً، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ، وهو هذا، ولأنَّه لَم يَجزِمْ له ببَيعٍ واحِدٍ، أشبَهَ ما لو قالَ: بِعتُكَ أحَدَ هَذيْنِ،
стр. 3614
ولِجَهالةِ الثَّمنِ، إلَّا أنْ يَتفرَّقَ المُتعاقِدانِ على أحَدِهما، أي: أحَدِ الثَّمنَيْنِ، في الكُلِّ، فيَصحَّ؛ لِزَوالِ المانِعِ؛ لأنَّه عِوَضٌ؛ فتَعيَّنَ بالتَّعيينِ، كالمَبيعِ (١).
وأمَّا الحَنفيَّةُ فقالَ الحَدَّادُ ﵀: وأمَّا نَهيُه عن شَرطَينِ في بَيعٍ فهو أنْ يَبيعَ عَبدًا بألْفٍ إلى سَنةٍ، أو بألْفٍ وخَمسِمِئةٍ إلى سَنَتَيْنِ، ولَم يَثبُتِ العَقدُ على أحَدِهما، أو يَقولَ: على إنْ أعطَيتَني الثَّمنَ حالًّا فبِألْفٍ، وإنْ أخَّرتَه إلى شَهرٍ فبِألفَيْنِ، أو يَقولَ: أبيعُكَ بقَفيزِ حِنطةٍ، أو بقَفيزَيْ شَعيرٍ، فهذا لا يَجوزُ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَجهولٌ عندَ العَقدِ، ولا يَدري البائِعُ أيُّ الثَّمنَيْنِ يَلزَمُ المُشتَريَ (٢).
وقد ذكَر ابنُ رُشدٍ ﵀ المَسألةَ وبيَّن المُرادَ مِنها عندَ جُمهورِ العُلماءِ، فقالَ -بعدَ أنْ ذكَر حَديثَ أبي هُريرةَ ﵁ المُتقدِّمَ -أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ-: فاتَّفق الفُقهاءُ على القَولِ بمُوجِبِ هذا الحَديثِ عُمومًا، واختَلَفوا في التَّفصيلِ، أعني في الصُّورةِ التي يُطلَقُ عليها هذا الِاسمُ مِنْ التي لا يُطلَقُ عليها.
واتَّفَقوا أيضًا على بَعضِها، وذلك يُتصوَّرُ على وُجوهٍ ثَلاثةٍ:
أحدُها: إمَّا في مَثمونَيْنِ بثَمَنَيْنِ، أو مَثمونٍ واحِدٍ بثَمَنَيْنِ، أو مَثمونَيْنِ بثَمَنٍ واحِدٍ، على أنَّ أحَدَ البَيعَيْنِ قد لزِم.
стр. 3615
أمَّا في مَثمونَيْنِ بثَمَنَيْنِ فإنَّ ذلك يُتصوَّرُ على وَجهَيْنِ:
أحَدُهما: أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ هذه السِّلعةَ بثَمَنِ كذا، على أنْ تَبيعَني هذه الدَّارَ بثَمَنِ كذا.
والآخَرُ: أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ هذه السِّلعةَ بدِينارٍ، أو هذه الأُخرَى بدِينارَيْنِ.
وأمَّا بَيعُ مَثمونٍ واحِدٍ بثَمَنَيْنِ فإنَّ ذلك يُتصوَّرُ أيضًا على وَجهَيْنِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ أحَدَ الثَّمنَيْنِ نَقدًا والآخَرُ نَسيئةً، مثلَ أنْ يَقولَ لَهُ: أبيعُكَ هذا الثَّوبَ نَقدًا بثَمَنِ كذا، على أنْ أشتَريَه مِنْكَ إلى أجَلِ كذا بثَمَنِ كذا.
وأمَّا مَثمونانِ بثَمَنٍ واحِدٍ فيَكونُ مثلَ أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ أحَدَ هَذَيْنِ بثَمَنِ كذا.
أمَّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ هذه الدَّارَ بكذا، على أنْ تَبيعَني هذا الغُلامَ بكذا، فنَصَّ الشافِعيُّ على أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ الثَّمنَ في كِلَيْهما يَكونُ مَجهولًا؛ لأنَّه لو أفرَدَ المَبيعَيْنِ لَم يَتَّفقا في كلِّ واحِدٍ مِنهما على الثَّمنِ الذي اتَّفَقا عليه في المَبيعَيْنِ في عَقدٍ واحِدٍ، وأصْلُ الشافِعيِّ في رَدِّ بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ إنَّما هو جَهلُ الثَّمنِ أو المَثمونِ.
وأمَّا الوَجْهُ الثَّاني: وهو أنْ يَقولَ: أبيعُكَ هذه السِّلعةَ بدِينارٍ، أو هذه الأُخرى بدِينارَيْنِ على أنَّ البَيعَ قد لزِم في أحَدِهما، فلا يَجوزُ عندَ الجَميعِ، وسَواءٌ أكانَ النَّقدُ واحِدًا أو مُختَلِفًا، وخالَفَ عَبدُ العَزيزِ بنُ أبي سَلَمةَ في
стр. 3616
ذلك، فأجازَه إذا كانَ النَّقدُ واحِدًا أو مُختلِفًا، وعِلَّةُ مَنعِه عندَ الجَميعِ الجَهلُ، وعندَ مالِكٍ مِنْ بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ؛ لأنَّه مُمكِنٌ أنْ يَختارَ في نَفْسِه أحَدَ الثَّوبَيْنِ، فيَكونَ قد باعَ ثَوبًا ودِينارًا بثَوبٍ ودِينارٍ، وذلك لا يَجوزُ على أصْلِ مالِكٍ.
وأمَّا الوَجْهُ الثَّالثُ: وهو أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ هذا الثَّوبَ نَقدًا بكَذا، أو نَسيئةً بكَذا، فهذا إذا كانَ البَيعُ فيه واجِبًا فلا خِلافَ في أنَّه لا يَجوزُ، وأمَّا إذا لَم يَكُنِ البَيعُ لازِمًا في أحَدِهما فقد أجازَه مالِكٌ، ومنَعه أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ؛ لأنَّهما افتَرَقا على ثَمَنٍ غيرِ مَعلومٍ، وجعَله مالِكٌ مِنْ بابِ الخِيارِ؛ لأنَّه إذا كانَ عندَه على الخِيارِ لَم يُتصوَّرْ فيه نَدَمٌ يُوجِبُ تَحويلَ أحَدِ الثَّمنَيْنِ في الآخَرِ، وهذا عندَ مالِكٍ هو المانِعُ.
فعِلَّةُ امتِناعِ هذا الوَجْهِ الثَّالثِ عندَ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ مِنْ جِهةِ جَهلِ الثَّمنِ فهو عندَهما مِنْ بُيوعِ الغَرَرِ التي نُهيَ عنها، وعِلَّةُ امتِناعِه عندَ مالِكٍ سَدُّ الذَّريعةِ المُوجِبةِ لِلرِّبا؛ لِإمكانِ أنْ يَكونَ الذي له الخِيارُ قد اختارَ أوَّلًا إنفاذَ العَقدِ بأحَدِ الثَّمنَيْنِ، المُؤجَّلِ أو المُعجَّلِ، ثم بَدا له ولَم يَظهَرْ ذلك؛ فيَكونَ قد ترَك أحَدَ الثَّمنَيْنِ لِلثَّمَنِ الثَّاني، فكَأنَّه باعَ أحَدَ الثَّمنَيْنِ بالثَّاني، فيَدخُلَه ثَمَنٌ بثَمَنٍ نَسيئةً، أو نَسيئةً ومُتفاضِلًا، وهذا كُلُّه إذا كانَ الثَّمنُ نَقدًا، وإنْ كانَ الثَّمنُ غيرَ نَقدٍ، بَلْ طَعامًا دخَله وَجْهٌ آخَرُ، وهو بَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ مُتفاضِلًا.
وأمَّا إذا قالَ: أشتَري مِنْكَ هذا الثَّوبَ نَقدًا بكذا على أنْ تَبيعَه مِنِّي إلى أجَلٍ، فهو عندَهم لا يَجوزُ بإجماعٍ؛ لأنَّه مِنْ بابِ العَيِّنةِ، وهو بَيعُ الرَّجُلِ ما ليسَ عندَه، ويَدخُلُه أيضًا عِلَّةُ جَهلِ الثَّمنِ.
стр. 3617
وأمَّا إذا قالَ له: أبيعُكَ أحَدَ هَذيْنِ الثَّوبَيْنِ بدِينارٍ، وقد لزِمه أحَدُهما أيَّهما يَختارُ، وافتَرَقا قبلَ الخِيارِ؛ فإذا كانَ الثَّوبانِ مِنْ صِنفَيْنِ وهُما ممَّا يَجوزُ أنْ يُسلَّمَ أحَدُهما في الثَّاني؛ فإنَّه لا خِلافَ بينَ مالِكٍ والشافِعيِّ في أنَّه لا يَجوزُ، وقالَ عَبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمةَ: إنَّه يَجوزُ، وعِلَّةُ المَنعِ الجَهلُ والغَرَرُ.
وأمَّا إنْ كانا مِنْ صِنفٍ واحِدٍ فيَجوزُ عندَ مالِكٍ، ولا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ، وأمَّا مالِكٌ فإنَّه أجازَه؛ لأنَّه يُجيزُ الخِيارَ بعدَ عَقدِ البَيعِ في الأصنافِ المُستَويةِ لِقِلَّةِ الغَرَرِ عندَه في ذلك.
وأمَّا مَنْ لا يُجيزُه فيَعتبِرُه بالغَرَرِ الذي لا يَجوزُ؛ لأنَّهما افتَرَقا على بَيعٍ غيرِ مَعلومٍ.
وبِالجُملةِ الفُقهاءُ مُتَّفِقونَ على أنَّ الغَرَرَ الكَثيرَ في المَبيعاتِ لا يَجوزُ، وأنَّ القَليلَ يَجوزُ، ويَختلِفونَ في أشياءَ مِنْ أنواعِ الغَرَرِ، فبَعضُهم يُلحِقُها بالغَرَرِ الكَثيرِ، وبَعضُهم يُلحِقُها بالغَرَرِ القَليلِ المُباحِ؛ لِتَردُّدِها بينَ القَليلِ والكَثيرِ (١).
أمَّا الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: فقد فسَّر البَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ بأنَّهما الشَّرطانِ في البَيعِ، قالَ: الوَجْهُ الثَّاني والسِّتُّونَ أنَّه ﷺ نهَى عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ، وهو الشَّرطانِ في البَيعِ في الحَديثِ الآخَرِ، وهو الذي لِعاقِدِه أوكَسُ البَيعَتَيْنِ أو الرِّبا في الحَديثِ الثَّالثِ، وذلك سَدٌّ لِذَريعةِ الرِّبا؛ فإنَّه إذا باعَه السِّلعةَ بمِئةٍ مُؤجَّلةٍ ثم اشتَراها مِنه بمِئَتَيْنِ حالَّةٍ فقد باعَ بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ؛ فإنْ
стр. 3618
أخَذ بالثَّمنِ الزَّائِدِ أخَذ بالرِّبا، وإنْ أخَذ بالنَّاقِصِ أخَذ بأوكَسِهما، وهذا مِنْ أعظَمِ الذَّرائِعِ إلى الرِّبا، وهو أبعَدُ كُلَّ البُعدِ مِنْ حَمْلِ الحَديثِ على البَيعِ بمِئةٍ مُؤجَّلةٍ أو خَمسينَ حالَّةٍ، وليسَ ههُنا رِبًا ولا جَهالةٌ ولا غَرَرٌ ولا قِمارٌ ولا شَيءٌ مِنْ المَفاسِدِ؛ فإنَّه خَيَّرَه بينَ أيِّ الثَّمنَيْنِ شاءَ، وليسَ هذا بأبعَدَ مِنْ تَخييرِه بعدَ البَيعِ بينَ الأخْذِ والإمضاءِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، وأيضًا فإنَّه فرَّق بينَ عَقدَيْنِ، كُلٌّ مِنهما ذَريعةٌ ظاهِرةٌ جِدًّا إلى الرِّبا، وهُما السَّلَفُ والبَيعُ والشَّرطانِ في البَيعِ، وهَذانِ العَقدانِ بينَهما مِنْ النَّسَبِ والإخاءِ والتَّوسُّلِ بهما إلى أكْلِ الرِّبا ما يَقتَضي الجَمعَ بينَهما في التَّحريمِ؛ فصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُه على مَنْ كَلامُه الشِّفاءُ والعِصمةُ والهُدَى والنُّورُ (١).
بَيعُ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على حُرمةِ بَيعِ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ، وعلى أنَّه بَيعٌ فاسِدٌ؛ لِحَديثِ عامِرِ بنِ سَعدٍ أنَّ أبا سَعيدٍ ﵁ أخبَرَه أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن المُنابَذةِ، وهي طَرحُ الرَّجُلِ ثَوبَه بالبَيعِ إلى الرَّجُلِ قبلَ أنْ يُقلِّبَه أو يَنظُرَ إليه، ونهَى عن المُلامَسةِ، والمُلامَسةُ لَمسُ الثَّوبِ لا يَنْظُرُ إليه (٢)، ولأنَّ في كلِّ واحِدٍ مِنْ هذه البُيوعِ تَعليقَ المِلْكِ بالخَطَرِ، وهو مِنْ بَيعِ الغَرَرِ والقِمارِ؛ لأنَّه إذا لَم يَتأمَّلْ ما اشتَراه، ولَم يَعلَم صِفَتَه، لا يَدرِي حَقيقَتَه، وهو مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ، وهو مِنْ بُيوعِ الجاهِليَّةِ.
стр. 3619
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أبطَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ما كانَ عليه أهلُ الجاهِليَّةِ مِنْ أخْذِ الشَّيءِ على وَجْهِ القِمارِ، وأباحَه بالتَّراضي، وبِذلك نَطَقَ القُرآنُ في قَولِ اللهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقد نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بُيوعٍ كَثيرةٍ، وإنْ تَراضَى بها المُتبايِعانِ.
والحُكمُ في بَيعِ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ كُلُّه، وما كانَ مثلَه، إنْ أُدرِكَ فُسِخَ، وإنْ فاتَ رُدَّ إلى قِيمَتِه يَومَ قُبِضَ بالِغًا ما بلَغ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: أمَّا بَيعُ المُلامَسةِ فكانَتْ صُورَتُه في الجاهِليَّةِ أنْ يَلمِسَ الرَّجُلُ الثَّوبَ ولا يَنشُرَه، أو يَبتاعَه لَيلًا ولا يَعلَمَ ما فيه، وهذا مُجمَعٌ على تَحريمِه، وسَبَبُ تَحريمِه الجَهلُ بالصِّفةِ.
وأمَّا بَيعُ المُنابَذةِ فكانَ أنْ يَنبِذَ كلُّ واحِدٍ مِنْ المُتبايِعَيْنِ إلى صاحِبِه الثَّوبَ مِنْ غيرِ أنْ يُعيِّنَ أنَّ هذا بهذا، بَلْ كانوا يَجعَلونَ ذلك راجِعًا إلى الِاتِّفاقِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبَيعُ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ غيرُ جائِزٍ، لا نَعلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في فَسادِ هَذيْنِ البَيعَيْنِ (٣).
وقد اختَلَفتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في مَعنَى المُلامَسةِ والمُنابَذةِ، وإنْ كانَتْ كُلُّها قَريبةً مِنْ السَّواءِ.
стр. 3620
فعرَّف الحَنفيَّةُ المُلامَسةَ بأنَّها: أنْ يَقولَ: أبيعُكَ هذا المَتاعَ بكَذا؛ فإذا لَمَسَكَ لزِمكَ البَيعُ، أو يَقولَ المُشتَرِي كذلك.
والمُنابَذةُ: أنْ يَنبِذَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ ثَوبَه ويَنبِذَ الآخَرُ إليه ثَوبَه، ويَكونَ بذلك بَيعُهما مِنْ غيرِ نَظَرٍ ولا تَراضٍ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: بَيعُ المُنابَذةِ: أنْ يَبيعَه ثَوبًا بمِثلِه، أو بدَراهِمَ، ويَنبِذَه له على أنَّه يَلزَمُ بالنَّبذِ، مِنْ غيرِ تَأمُّلٍ فيه؛ فالمُفاعَلةُ فيه قد تَكونُ على بابِها، وقد لا تَكونُ.
فالأُولى: كما إذا شرَط عليكَ نَبْذَ المُثمَّنِ، واشتَرَطتَ عليه نَبْذَ الثَّمنِ.
والثَّانيةُ: كما إذا كانَ الشَّرطُ مِنْ أحَدِهما.
وأمَّا المُلامَسةُ: فلا تَكونُ على بابِها، بَلْ مِنْ جانِبٍ واحِدٍ، وهي أنْ يَشترِطَ البائِعُ على المُشتَرِي لُزومَ المَبيعِ بمُجرَّدِ لَمسِه له، مِنْ غيرِ تَفتيشٍ فيه ولا تَأمُّلٍ (٢).
وعرَّف الشافِعيَّةُ بَيعَ المُلامَسةِ بأنَّه: أنْ يَأتيَ بثَوبٍ مَطويٍّ، أو في ظُلمةٍ، فيَلمِسَه المُستامُ، فيَقولَ صاحِبُه: بِعتُكَه هو بكَذا، بشَرطِ أنْ يَقومَ لَمسُكَ مَقامَ نَظَرِكَ، ولا خيارَ لكَ إذا رأيتَه.
أو أنْ يَجعَلا اللَّمسَ نَفسَه بَيعًا، فيَقولَ: إذا لَمَستَه فهو مُباعٌ لَكَ.
стр. 3621
أو أنْ يَبيعَه شَيئًا على أنَّه حِينَ يَمَسُّه يَنقطِعُ خِيارُ المَجلِسِ وغيرُه.
والمُنابَذةُ: بأنْ يَجعَلَا النَّبْذَ بَيعًا، كأنْ يَقولَ: بِعتُكَ هذا بكذا، على أنِّي إذا نَبَذتُه إليكَ لزِم البَيعُ وانقطَع الخِيارُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: بَيعُ المُلامَسةِ بأنْ يَقولَ: بِعتُكَ ثَوبي هذا على أنَّكَ مَتَى لَمَستَه فهو عليكَ بكذا، أو يَقولَ: أيَّ ثَوبٍ لَمَستَه فهو لَكَ بكذا.
وبَيعُ المُنابَذةِ كأنْ يَقولَ: أيَّ ثَوبٍ نَبَذتَه إلَيَّ -أي: طَرَحتَه- فعليكَ بكذا (٢).
بَيعُ المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ، وعلى فَسادِهما؛ لِما رَواه الشَّيخانِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ (٣).
وفي لَفظِ مُسلِمٍ عن جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵁ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ والمُعاوَمةِ والمُخابَرةِ، وعَنِ الثُّنْيا، ورَخَّصَ في العَرايا (٤).
стр. 3622
وعن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ عن جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ والمُخابَرةِ، وأنْ تُشتَرَى النَّخلُ حتى تُشْقِهَ -والإشقاهُ أنْ يَحمَرَّ أو يَصفَرَّ أو يُؤكَلَ مِنه شَيءٌ-، والمُحاقَلةُ أنْ يُباعَ الحَقلُ بكَيلٍ مِنْ الطَّعامِ مَعلومٍ، والمُزابَنةُ أنْ يُباعَ النَّخلُ بأوساقٍ مِنْ التَّمرِ، والمُخابَرةُ الثُّلُثُ والرُّبُعُ وأشباهُ ذلك. قالَ زَيدٌ: قُلتُ لِعَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ: أسَمِعتَ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ ﵁ يَذكُرُ هذا عن رَسولِ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ (١).
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على النَّهيِ عن بَيعِ المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ، وانفَرَدَ ابنُ عَبَّاسٍ، أي: لَم يَنْهَ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يَحرُمُ بَيعُ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، وهو المُزابَنةُ، كما فسَّره في الحَديثِ، مُشتَقٌّ مِنْ الزَّبْنِ وهو المُخاصَمةُ والمُدافَعةُ، وقد اتَّفق العُلماءُ على تَحريمِ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ في غيرِ العَرايا، وأنَّه رِبًا.
وأجمَعوا أيضًا على تَحريمِ بَيعِ العِنَبِ بالزَّبيبِ.
وأجمَعوا أيضًا على تَحريمِ بَيعِ الحِنطةِ في سُنبُلِها بحِنطةٍ صافيةٍ، وهي المُحاقَلةُ، مَأْخوذةٌ مِنْ الحَقلِ، وهو الحَرثُ ومَوضِعُ الزَّرعِ.
وسَواءٌ عندَ جُمهورِهم كانَ الرُّطَبُ والعِنَبُ على الشَّجَرِ أو مَقطوعًا، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ مَقطوعًا جازَ بَيعُه بمِثلِه مِنْ اليابِسِ.
стр. 3623
وأمَّا العَرايا فهي أنْ يَخرُصَ الخارِصُ نَخَلاتٍ فيَقولَ: هذا الرُّطَبُ الذي عليها إذا يَبِسَ تَجيءُ مِنه ثَلاثةُ أوسُقٍ مِنْ التَّمرِ مَثَلًا؛ فيَبيعَه صاحِبُه لِإنسانٍ بثَلاثةِ أوسُقِ تَمرٍ، ويَتقابَضا في المَجلِسِ؛ فيُسلِّمُ المُشتَرِي التَّمرَ ويُسلِّمُ بائِعُ الرُّطَبِ الرُّطَبَ بالتَّخليةِ، وهذا جائِزٌ فيما دونَ خَمسةِ أوسُقٍ، ولا يَجوزُ فيما زادَ على خَمسةِ أوسُقٍ، وفي جَوازِه في خَمسةِ أوسُقٍ قَولانِ لِلشافِعيِّ، أصَحُّهما: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الأصلَ تَحريمُ بَيعِ التَّمرِ بالرُّطَبِ، وجاءَتِ العَرايا رُخصةً، وشَكَّ الرَّاوي في خَمسةِ أوسُقٍ أو ما دُونَها، فوجَب الأخْذُ باليَقينِ، وهو دونَ خَمسةِ أوسُقٍ، وبَقيتِ الخَمسةُ على التَّحريمِ، والأصَحُّ أنَّه يَجوزُ ذلك لِلفُقَراءِ والأغنياءِ، وأنَّه لا يَجوزُ في غيرِ الرُّطَبِ والعِنَبِ مِنْ الثِّمارِ، وفيه قَولٌ ضَعيفٌ: أنَّه يَختَصُّ بالفُقَراءِ، والقَولُ بأنَّه لا يَختَصُّ بالرُّطَبِ والعِنَبِ هذا تَفصيلُ مَذهبِ الشافِعيِّ في العُريةِ، وبه قالَ أحمدُ وآخَرونَ، وتَأوَّلَها مالِكٌ وأبو حَنيفةَ على غيرِ هذا، وظَواهِرُ الأحاديثِ تَرُدُّ تَأويلَها (١).
وقالَ في «المَجموعِ»: ثَبَتتِ الأحاديثُ الصَّحيحةُ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن المُحاقَلةِ، قالَ العُلماءُ: المُحاقَلةُ بَيعُ الحِنطةِ في سُنبُلِها بكَيلٍ مَعلومٍ مِنْ الحِنطةِ، واتَّفق العُلماءُ على بُطلانِها، ولَه عِلَّتانِ مع الحَديثِ:
إحداهُما: أنَّه بَيعُ حِنطةٍ وتِبنٍ بحِنطةٍ، وذلك رِبًا.
والأُخرى: أنَّه بَيعُ حِنطةٍ في سُنبُلِها؛ فلو باعَ شَعيرًا في سُنبُلِه بحِنطةٍ
стр. 3624
خالِصةٍ صافية وتَقابَضا في المَجلِسِ جازَ بلا خِلافٍ.
ولو باعَ زَرعًا قبلَ ظُهورِ حَبِّه بحَبٍّ مِنْ جِنسِه صَحَّ البَيعُ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ الحَشيشَ ليسَ رِبَويًّا (١).
وقد تَعَدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ، وإن كانَ مَضمونُها واحِدًا ومُتقارِبًا:
فقالَ الحَنفيَّةُ: المُحاقَلةُ: هي بَيعُ الحِنطةِ في سُنبُلِها بمِثلِها مِنْ الحِنطةِ كَيلًا خَرصًا، ولأنَّه باعَ مَكيلًا بمَكيلٍ مِنْ جِنسِه، فلا تَجوزُ بطَريقِ الخَرصِ، كما إذا كانا مَوضوعَيْنِ على الأرضِ، وكذا العِنَبُ بالزَّبيبِ على هذا.
والمُزابَنةُ: وهي بَيعُ الثَّمرِ على رَأْسِ النَّخلِ بتَمرٍ مَجدودٍ، مثلَ كَيلِه خَرصًا (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: المُزابَنةُ هي: بَيعُ مَجهولٍ وَزنُه، أو كيلُه، أو عَدَدُه، بمَعلومٍ قَدْرُه مِنْ جِنسِهِ؛ كجُزافٍ مِنْ قَمحٍ أو غيرِه بإردَبٍّ مِنه، أو بمَجهولٍ مِنْ جِنسِه، كبَيعِ غِرارةٍ مَملوءةٍ قَمحًا بغِرارةٍ أُخرَى مَملوءةٍ قَمحًا، ولا يُعلَمُ قَدرُ ما فيهما، أو كبَيعِ قَفَصٍ خَوخًا بمِثلِه لا يُدْرَى قَدْرُ ما فيهما، أو كبَيعِ صُبرةٍ مِنْ قُطنٍ بمِثلِها، ويَكونُ في الطَّعامِ وغيرِه، كالقُطنِ والحَديدِ وغيرِهما مِنْ المِثليَّاتِ؛ فإنِ اختلَف الجِنسُ -ولو بالنَّقلِ- جازَ البَيعُ بشُروطِ الجُزافِ.
стр. 3625
وانتَقلَ الطَّعامُ عن جِنسِه بالطَّبخِ بالأبزارِ، ونَزعِ السَّمنِ مِنْ اللَّبَنِ والخُبزِ.
وانتَقلَ غيرُ الطَّعامِ عن أصلِه بصَنعةٍ مُعتبَرةٍ، كالأواني.
والمُحاقَلةُ: اشتِراءُ الزَّرعِ بالحِنطةِ واستِكراءِ الأرضِ بالحِنطةِ.
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: رَوى مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن المُزابَنِة والمُحاقَلةِ، والمُزابَنةُ: اشتِراءُ الثَّمرِ بالتَّمرِ، والمُحاقَلةُ اشتِراءُ الزَّرعِ بالحِنطةِ، واستِكراءُ الأرضِ بالحِنطةِ، هكذا، هذا الحَديثُ مُرسَلٌ في المُوطَّأِ عندَ جَميعِ الرُّواةِ.
وكذلك رَواه أصحابُ ابنِ شِهابٍ عنه، ورَواه أحمدُ بنُ أبي طَيبةَ عن مالِكٍ عن الزُّهريِّ عن سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ عن أبي هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ ، وجاءَ فيه مِنْ تَفسيرِ المُزابَنةِ والمُحاقَلةِ ما فيه مَقنَعٌ لِمَنْ فَهِمَ، ولا خِلافَ عَلِمتُه في هذا التَّأويلِ، وهو أحسَنُ تَفسيرٍ في المُزابَنةِ والمُحاقَلةِ وأعَمُّه (١).
وقالَ الشافِعيَّةُّ: المُحاقَلةُ: هي أنْ يَبيعَ الحِنطةَ في سُنبُلِها بكَيلٍ مِنْ الحِنطةِ.
فلو باعَ شَعيرًا في سُنبُلِه بحِنطةٍ خالِصةٍ وتَقابَضا في المَجلِسِ، أو باعَ زَرعًا قبلَ ظُهورِ الحَبِّ بحَبٍّ، جازَ؛ لأنَّ الحَشيشَ غيرُ رِبَويٍّ.
وأمَّا المُزابَنةُ: فهي بَيعُ الرُّطَبِ على نَخلِه بتَمرٍ في الأرضِ (٢).
стр. 3626
وقالَ الحَنابِلةُ: المُحاقَلةُ هي: بَيعُ الحَبِّ -كالبُرِّ والشَّعيرِ- المُشتَدِّ في سُنبُلِه بحَبٍّ مِنْ جِنسِه، وكذا بَيعُ قُطنٍ في أُصولِه بقُطنٍ؛ فإنْ لَم يَشتَدَّ الحَبُّ وبِيعَ، ولو بجِنسِه لِمالِكِ الأرضِ، أو بشَرطِ القَطعِ، صَحَّ إنِ انتفعَ به.
والمُحاقَلةُ: مِنْ الحَقلِ، وهو الزَّرعُ، إذا تَشعَّبَ قبلَ أنْ تَغلُظَ سُوقُه.
والمُزابَنةُ هي: بَيعُ الرُّطَبِ على النَّخلِ بالتَّمرِ إلَّا العَرايا، وهي بَيعُ الرُّطَبِ على النَّخلِ خَرصًا بمِثلِ ما يَؤولُ إليه الرُّطَبُ إذا جَفَّ وصارَ تَمرًا، كَيلًا فيما دونَ خَمسةِ أوسُقٍ لِمَنْ به حاجةٌ إلى أكْلِ الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ معه (١).
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: والبَيعُ في المُزابَنةِ إذا وقَع كتَمرٍ بِيعَ برُطَبٍ، وزَبيبٍ بِيعَ بعِنَبٍ، وكذلك المُحاقَلةُ، كزَرعٍ بِيعَ بحِنطةٍ صُبرةً أو كَيلًا مَعلومًا، أو تَمرٍ بِيعَ في رُؤوسِ النَّخلِ جُزافًا بكَيلٍ مِنْ التَّمرِ مَعلومًا؛ فهذا كُلُّه إذا وقَع فُسِخَ إنْ أُدرِكَ قبلَ القَبضِ أو بعدَه؛ فإنْ قُبِضَ وفاتَ رجَع صاحِبُ التَّمرِ بمَكيلةِ تَمرِه وجِنسِه على صاحِبِ الرُّطَبِ، ورجَع صاحِبُ الرُّطَبِ على صاحِبِ التَّمرِ بقِيمةِ رُطَبِه يَومَ قَبضِه، بالِغًا ما بلَغ، وكذلك يَرجِعُ صاحِبُ النَّخلِ وصاحِبُ الزَّرعِ بقِيمةِ تَمرِه وقِيمةِ زَرعِه على صاحِبِ المَكيلةِ يَومَ قَبضِه ذلك، بالِغًا ما بلَغ، ويَرجِعُ صاحِبُ المَكيلةِ بمَكيلَتِه في مِثلِ صِفةِ ما قبَض منه (٢).
стр. 3627
بَيعَ الثَّمرِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِنْ الثِّمارِ مُفرَدًا قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه، ولا الزَّرعِ الأخضَرِ، إلَّا بشَرطِ القَطعِ؛ فإنْ شُرِطَ القَطعُ صَحَّ بالِاتِّفاقِ؛ فإنْ لَم يُشترَطِ القَطعُ وشُرِطَتِ التَّبقيةُ إلى وَقتِ الحَصادِ فالبَيعُ فاسِدٌ لا يَصحُّ بالإجماعِ؛ لقولِه ﷺ : «لا تَبتاعوا الثِّمارَ حتى يَبدُوَ صَلاحُها»، نهَى البائِعَ والمُبتاعَ (١).
وعَن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن بَيعِ الثِّمارِ حتى تُزهيَ، فقيلَ لَهُ: وما تُزهي؟ قالَ: حتى تَحمَرَّ. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أرَأيتَ إذا منَع اللَّهُ الثَّمرةَ، بِمَ يَأخُذُ أحَدُكم مالَ أخيهِ» (٢).
وعَن نافِعٍ عن ابنِ عمرَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن بَيعِ النَّخلِ حتى يَزهُوَ، وعنِ السُّنبُلِ حتى يَبيَضَّ ويَأمَنَ العاهةَ، نهَى البائِعَ والمُشتَريَ (٣). ولأنَّه رُبَّما تَلِفتِ الثَّمرةُ قبلَ إدراكِها؛ فيَكونُ البائِعُ قد أكَلَ مالَ أخيه بالباطِلِ، ولأنَّه شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وهو شَغلُ مِلكِ الغيرِ، أو هو صَفقةٌ في صَفقةٍ، وهو إعارةٌ أو إجارةٌ في بَيعٍ، وكذا بَيعُ الزَّرعِ بشَرطِ التَّركِ.
أمَّا إذا شُرِطَ القَطعُ فقد انتَفَى هذا الضَّرَرُ؛ لأنَّ المَنعَ إنَّما كانَ خَوفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمرةِ وحُدوثِ العاهةِ عليها قبلَ أخْذِها، وهذا مَأمونٌ فيما يُقطَعُ، فصَحَّ بَيعُه كما لو بَدا صَلاحُه، وأمَّا إذا بِيعَتِ الثَّمرةُ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ فيَجوزُ
стр. 3628
بَيعُها مُطلَقًا، وبشَرطِ القَطعِ وبشَرطِ التَّبقيةِ عندَ جُمهورِ العُلماءِ؛ لِمَفهومِ هذه الأحاديثِ، ولأنَّ ما بعدَ الغايةِ يُخالِفُ ما قبلَها إذا لَم يَكُنْ مِنْ جِنسِها، ولأنَّ الأغلَبَ فيها السَّلامةُ، بخِلافِ ما قبلَ الصَّلاحِ.
فأمَّا أبو حَنيفةَ فإنَّه قالَ: إذا باعَ الثَّمرةَ بعدَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرطِ التَّبقيةِ فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وهو شَغلُ مِلكِ الغيرِ، أو هو صَفقةٌ في صَفقةٍ، وهو إعارةٌ أو إجارةٌ في بَيعٍ؛ لأنَّه إنْ كانَ بمُقابَلةِ مَنفَعةِ التَّركِ بَعضُ البَدَلِ فهو إجارةٌ مَشروطةٌ في البَيعِ، وإنْ لَم يَكُنْ بمُقابَلَتِها شَيءٌ مِنْ البَدَلِ فهو إعارةٌ مَشروطةٌ في العَقدِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهما مُفسِدٌ لِلعَقدِ، وكذا بَيعُ الزَّرعِ بشَرطِ التَّركِ، وإنِ اشتَرَى بشَرطِ القَطعِ فالبَيعُ صَحيحٌ؛ فإنْ ترَكها برِضا البائِعِ فما زادَ في الثِّمارِ مِنْ نَماءِ ثَمَرةِ الأُصولِ فإنَّ ذلك النَّماءَ لِلمُشتَرِي.
ثم اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا اشتَراها قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، ولَم يَشترَطْ قَطعَها ولا تَبقيَتَها:
فقالَ جُمهورُ العُلماءِ، مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: البَيعُ باطِلٌ؛ لأنَّ إطلاقَ العَقدِ يَقتَضي التَّبقيةَ، فيَصيرُ العَقدُ المُطلَقُ كالَّذي شُرِطَتْ فيه التَّبقيةُ، يَتناوَلُهما النَّهيُ جَميعًا، ويَصحُّ تَعليلُهما بالعِلَّةِ التي عَلَّلَ بها النَّبيُّ ﷺ مِنْ مَنعِ الثَّمرةِ وهَلاكِها.
وقالَ أبو حَنيفةَ: البَيعُ صَحيحٌ، ويُؤمَرُ بقَطعِها تَفريغًا لِمِلكِ البائِعِ؛ لأنَّ إطلاقَ العَقدِ يَقتَضي القَطعَ، فهو كما لو اشتَرطَه؛ فإنْ ترَكها بإذْنِ البائِعِ طابَ له الفَضلُ؛ لأنَّه تَبرُّعٌ عليه بمَنافِعِ أرضِه، وإنْ ترَكها بغيرِ إذْنِه فعليه أنْ يَتصدَّقَ بالفَضلِ؛ لأنَّه حصَل له بكَسْبٍ خَبيثٍ فإنَّه غاصِبٌ لِلأرضِ،
стр. 3629
والزِّيادةُ إنَّما حَصَلتْ بقُوَّةِ الأرضِ، فكانَ بمَنزِلةِ مَنْ غَصَبَ أرضًا وزَرَعَها فعليه أنْ يَتصدَّقَ بالفَضلِ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا أيضًا فيما إذا اشتَرَى الثَّمرةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرطِ القَطعِ، فلَم يَقطَعْها حتى بَدا صَلاحُها، وأتَى عليها أوانُ جِذاذِها.
فقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ: العَقدُ صَحيحٌ، لا يَبطُلُ، والثَّمرةُ بزيادَتِها لِلمُشتَرِي، ويُلزِمُه البائِعُ القَطعَ، وقالَ الشافِعيَّةُ: فإنْ تَراضَيا على إبقائِه جازَ.
وعَن أحمدَ رِوايَتانِ، إحداهُما: يَبطُلُ البَيعُ، وتَكونُ الثَّمرةُ وزِيادَتُها لِلبائِعِ، ويُرَدُّ الثَّمنُ على المُشتَرِي، والرِّوايةُ الأُخرَى: العَقدُ صَحيحٌ لا يَبطُلُ، ثم ماذا يَصنَعُ بالزِّيادةِ؟ على رِوايَتَينِ، إحداهُما: يَشتَرِكانِ فيها، والأُخرَى: يَتصدَّقانِ بها.
وبُدُوُّ الصَّلاحِ في الثَّمرِ هو احمِرارُه أو اصفِرارُه، وهو وَقتٌ لِلأمْنِ مِنْ العاهاتِ عليها في الأغلَبِ، وذلك إذا بَدا طِيبُها ونُضجُها، وكذلك سائِرُ الثِّمارِ إذا طابَ ما يُؤكَلُ مِنها الطَّيِّبُ المَعهودُ في التِّينِ والعِنَبِ وسائِرِ الثِّمارِ، جازَ بَيعُها على التَّركِ في شَجَرِها حتى يَنقَضيَ أوانُها بطِيبِ جَميعِها.
واختَلَفوا فيما إذا بَدا الصَّلاحُ في شَجَرةٍ، فقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ: هو صَلاحٌ لِبَقيَّةِ ذلك النَّوعِ في القِراحِ الذي فيه تلك الشَّجَرةُ.
وقالَ مالِكٌ: إذا بَدا الصَّلاحُ في نَخلةٍ جازَ بَيعُ ذلك القِراحِ وما جاوَرَه، إذا كانَ الصَّلاحُ المَعهودُ -لا المُنكَرُ- في غيرِ وَقتِه، وعن أحمدَ نَحوُه.
стр. 3630
فأمَّا أبو حَنيفةَ فإنَّه قالَ: إذا باعَ الثَّمرةَ بعدَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرطِ التَّبقيةِ فالبَيعُ فاسِدٌ، وإنِ اشتَرَى بشَرطِ القَطعِ فالبَيعُ صَحيحٌ؛ فإنْ ترَكها برِضا البائِعِ فما زادَ في الثِّمارِ مِنْ نَماءِ ثَمَرةِ الأُصولِ فإنَّ ذلك النَّماءَ لِلمُشتَرِي.
واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ القِثَّاءِ بالخِيارِ والباذِنجانِ ونَحوِه إلَّا القَطفةَ القَطفةَ.
وكذلك الرُّطَبةُ لا يَجوزُ بَيعُها إلَّا جَزَّةً جَزَّةً، إلَّا مالِكًا؛ فإنَّه خالَفَ فيما عَدا الرُّطَبةِ، وقالَ: إذا بَدا أوَّلُه جازَ بَيعُ جَميعِه بأُصولِه.
واختَلَفوا في بَيعِ الأشياءِ التي يُواريها التُّرابُ مِنْ النَّباتاتِ، كالجَزَرِ والبَصَلِ والكُراثِ ونَحوِها.
فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ: لا يَجوزُ بَيعُ ذلك حتى يُقلَعَ ويُشاهَدَ.
وقالَ مالِكٌ: يَجوزُ بَيعُ ذلك كُلِّه إذا غَلُظتْ أُصولُه، ودَلَّتْ عليه فُروعُه وتَناهَى طِينُه.
واختَلَفوا في بَيعِ الجَوزِ واللَّوزِ والباقِلَّاءِ في قِشرِه الأعلَى، وفي بَيعِ الحِنطةِ في سُنبُلِها إذا استَغنَتْ عنِ الماءِ؛ فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ ومالِكٌ: يَجوزُ ذلك. وقالَ الشافِعيُّ: لا يَجوزُ (١).
стр. 3631
وَضْعُ الجَوائِحِ:
اختلَف العُلماءُ في الثَّمرةِ إذا بِيعَتْ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، وسلَّمها البائِعُ إلى المُشتَرِي بالتَّخليةِ بينَه وبينَها، ثم تَلِفتْ قبلَ أوانِ الجِذاذِ بآفةٍ سَماويَّةٍ، هل تَكونُ مِنْ ضَمانِ البائِعِ أو مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي؟ على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: أنَّ ما تُهلِكُه الجائِحةُ مِنْ الثِّمارِ مِنْ ضَمانِ البائِعِ، وبِهذا قالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في القَديمِ، إلَّا أنَّ المالِكيَّةَ والحَنابِلةَ في قَولٍ اشتَرَطوا لِوَضعِ الجَوائِحِ أنْ تُصيبَ الجائِحةُ ثُلُثَ الثِّمارِ فأكثَرَ؛ فإنْ أصابَتْ أقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ لَم يُوضَعْ عن المُشتَرِي شَيءٌ، وإذا أصابَتِ الثُّلُثَ فأكثَرَ لزِم المُشتَرِيَ قِيمَتُها بعدَ حَطِّ ما أصابَتْه الجائِحةُ، واستَثنَوْا مِنْ ذلك الجائِحةَ مِنْ العَطَشِ، فيُوضَعُ قَليلُها وكَثيرُها، سَواءٌ بَلَغتِ الثُّلُثَ أو لا.
واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه مُسلِمٌ في صَحيحِه عن جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بوَضعِ الجَوائِحِ (١) وعَنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنْ بِعتَ مِنْ أخيكَ ثَمَرًا فأصابَتْه جائِحةٌ فلا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأخُذَ مِنه شَيئًا، بِمَ تَأخُذُ مالَ أخيكَ بغيرِ حَقٍّ؟» (٢)، وفي لَفظِ أبي داوُدَ: «مَنْ
стр. 3632
باعَ ثَمَرًا فأصابَتْه جائِحةٌ فلا يَأخُذْ مِنْ مالِ أخيه شَيئًا، عَلَامَ يَأخُذُ أحَدُكم مالَ أخيه المُسلِمِ؟» (١)، وهذا صَريحٌ في الحُكمِ، فلا يُعدَلُ عنه.
ولأنَّه مَبيعٌ بَقيَ على البائِعِ فيه حَقُّ تَوفيةٍ، بدَليلٍ ما عليه مِنْ سَقيِه إلى أنْ يَكمُلَ، فكَأنَّها تَلِفتْ قبلَ القَبضِ؛ فكانَتْ مِنْ ضَمانِ البائِعِ، أصْلُه سائِرُ المَبيعاتِ التي بَقيَ لَها حَقُّ تَوفيةٍ.
والفَرقُ بينَ هذا المَبيعِ وبينَ سائِرِ البُيوعِ أنَّ هذا بَيعٌ وقَع في الشَّرعِ، والمَبيعُ لَم يَكمُلْ بَعدُ؛ فكَأنَّه مُستَثنًى مِنْ النَّهيِ عن بَيعِ ما لَم يُخلَقْ؛ فوجَب أنْ يَكونَ في ضَمانِه مُخالِفًا لِسائِرِ المَبيعاتِ.
القَولُ الثَّاني: أنَّ الجائِحةَ تَكونُ مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ في المَذهبِ؛ لِمَا رَوَتْ عَمْرةُ بنتُ عَبدِ الرَّحمَنِ قالَتْ: سَمِعتُ عائِشةَ ﵂ تَقولُ: سَمِعَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ صَوتَ خُصومٍ بالبابِ عاليةٍ أصواتُهما، وإذا أحَدُهما يَستَوضِعُ الآخَرَ ويَستَرفِقُه في شَيءٍ، وهو يَقولُ: واللَّهِ لا أفعَلُ؛ فخرَج عليهما رَسولُ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «أينَ المُتَألِّي على اللَّهِ لا يَفعَلُ المَعروفَ؟»، فقالَ: أنا يا رَسولَ اللَّهِ، ولَه أيُّ ذلك أحَبَّ (٢)، فالنَّبيُّ أخرَجَ الحَطَّ عن المُشتَرِي مَخرَجَ الخَيرِ والفَضلِ، لا مَخرَجَ الوُجوبِ والحَتمِ.
стр. 3633
ولأنَّه لَم يُجبِرِ البائِعَ على الحَطِّ عن المُشتَرِي حتى بلَغ البائِعُ ذلك، فتَطوَّعَ بحَطِّه عنه، ولو كانَ واجِبًا لَأجبَرَه عليه، ولأنَّ التَّخليةَ كافيةٌ في جَوازِ التَّصرُّفِ، فكانَتْ كافيةً في جَوازِ نَقلِ الضَّمانِ، قياسًا على العَقارِ؛ لأنَّ التَّخليةَ في هذا المَبيعِ هي القَبضُ، وضَمانُ المَبيعاتِ بعدَ القَبضِ مِنْ المُشتَرِي؛ ولأنَّه لا يَضمَنُه إذا أتلَفَه آدَميٌّ كذلك لا يَضمَنُه بإتلافِ غيرِه.
وعَن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: أُصيبَ رَجُلٌ في عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ في ثِمارٍ ابتاعَها، فكَثُرَ دَيْنُه؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «تَصَدَّقوا عليه». فتَصدَّقَ النَّاسُ عليه، فلَم يَبلُغْ ذلك وَفاءَ دَيْنِه، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمائِه: «خُذوا ما وَجَدتُم، وليسَ لَكم إلَّا ذلك» (١)، فلَم يَحكُمِ النَّبيُّ ﷺ بوَضعِ الجائِحةِ، فلَو كانَتْ تُوضَعُ لَم يَفتقِرْ إلى ذلك.
وأمَّا الأمرُ بوَضعِ الجَوائِحِ فهو على الِاستِحبابِ، أو فيما بِيعَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ.
لأنَّه أمرٌ حدَث بعدَ استِقرارِ مِلكِ المُشتَرِي عليها؛ فلو أرادَ أنْ يَبيعَها أو يَهَبَها لَصَحَّ ذلك مِنه فيها، وقد نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها؛ فلو كانَتِ الجائِحةُ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ مِنْ مالِ البائِعِ لَم يَكُنْ لِهذا النَّهيِ فائِدةٌ.
стр. 3634
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ -بعدَ أنْ ذكَر هذه الأحاديثَ-: والجَوابُ أنَّ وَضعَ الجَوائِحِ لا يُخالِفُ شَيئًا مِنْ الأُصولِ الصَّحيحةِ، بَلْ هو مُقتَضى أُصولِ الشَّريعةِ، ونحن بحَمدِ اللَّهِ نُبيِّنُ هذا بمَقامَيْنِ:
أمَّا الأوَّلُ: فحَديثُ وَضعِ الجَوائِحِ لا يُخالِفُ كِتابًا ولا سُنَّةً ولا إجماعًا، وهو أصْلٌ بنَفْسِه، فيَجِبُ قَبولُه، وأمَّا ما ذَكَرتُم مِنْ القياسِ فيَكفي في فسادِه شَهادةُ النَّصِّ له بالإهدارِ، فكيفَ وهو فاسِدٌ في نَفًسِه؟!
وهذا يَتبيَّنُ بالمَقامِ الثَّاني: وهو أنَّ وَضعَ الجَوائِحِ كما هو مُوافِقٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحيحةِ الصَّريحةِ هو مُقتَضى القياسِ الصَّحيحِ، فإنَّ المُشتَريَ لَم يَتسلَّمِ الثَّمرةَ، ولَم يَقبِضْها القَبضَ التَّامَّ الذي يُوجِبُ نَقلَ الضَّمانِ إليه؛ فإنَّ قَبضَ كلِّ شَيءٍ بحَسَبِه، وإنَّ قَبضَ الثِّمارِ إنَّما يَكونُ عندَ كَمالِ إدراكِها شَيئًا فشَيئًا، فهو كقَبضِ المَنافِعِ في الإجارةِ، وتَسليمِ الشَّجَرةِ إليه كتَسليمِ العَينِ المُؤجَّرةِ مِنْ الأرضِ والعَقارِ والحَيَوانِ، وعُلَقُ البائِعِ لَم تَنقطِعْ عن المَبيعِ؛ فإنَّ له سَقيَ الأصْلِ وتَعاهُدَه، كما لَم تَنقطِعْ عُلَقُ المُؤجِّرِ عن العَينِ المُستَأجَرةِ، والمُشتَرِي لَم يَتسلَّمِ التَّسليمَ التَّامَّ، كما لَم يَتسلَّمِ المُستأجِرُ التَّسليمَ التَّامَّ؛ فإذا جاءَ أمرٌ غالِبٌ اجتاحَ الثَّمرةَ مِنْ غيرِ تَفريطٍ مِنْ المُشتَرِي لَم يَحِلَّ لِلبائِعِ إلزامُه بثَمَنِ ما أتلَفَه اللَّهُ مِنها قبلَ تَمكُّنِه مِنْ قَبضِها القَبضَ المُعتادَ.
وهذا مَعنَى قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أرأيتَ إنْ منَع اللَّهُ الثَّمرةَ، فبِمَ يَأخُذُ أحَدُكم مالَ أخيه بغيرِ حَقٍّ»، فذكَر الحُكمَ، وهو قَولُه ﷺ :
стр. 3635
«فلا يَحِلُّ له أنْ يَأخُذَ مِنه شيئًا»، وذكَر عِلَّةَ الحُكمِ، وهي قَولُه ﷺ : «أرأيتَ إنْ مَنعَ اللَّهُ الثَّمرةً … » إلى آخِرِه، وهذا الحُكمُ نَصٌّ لا يَحتَمِلُ التَّأويلَ، والتَّعليلُ وَصفٌ مُناسِبٌ لا يَقبَلُ الإلغاءَ ولا المُعارَضةَ، وقِياسُ الأُصولِ لا يَقتَضي غيرَ ذلك، ولِهَذا لو تَمكَّنَ مِنْ القَبضِ المُعتادِ في وَقتِه ثم أخَّرَه؛ لِتَفريطٍ منه، أو لِانتِظارِ غَلاءِ السِّعرِ، كانَ التَّلَفُ مِنْ ضَمانِه، ولَم تُوضَعْ عنه الجائِحةُ.
وأمَّا مُعارَضةُ هذه السُّنةِ بحَديثِ الذي أُصيبَ في ثِمارٍ ابتاعَها فمِن بابِ رَدِّ المُحكَمِ بالمُتَشابِه؛ فإنَّه ليسَ فيه أنَّه أُصيبَ فيها بجائِحةٍ، فليسَ في الحَديثِ أنَّها كانَتْ جائِحةً عامَّةً، بَلْ لَعَلَّه أُصيبَ فيها بانحِطاطِ سِعرِها، وإنْ قُدِّرَ أنَّ المُصيبةَ كانَتْ جائِحةً فليسَ في الحَديثِ أنَّها كانَتْ جائِحةً عامَّةً، بَلْ لَعَلَّها جائِحةٌ خاصَّةٌ، كسَرِقةِ اللُّصوصِ التي يُمكِنُ الِاحتِرازُ مِنها، ومِثلُ هذا لا يَكونُ جائِحةً تُسقِطُ الثَّمنَ عن المُشتَرِي، بخِلافِ نَهبِ الجُيوشِ والتَّلَفِ بآفةٍ سَماويَّةٍ، وإنْ قُدِّرَ أنَّ الجائِحةَ عامَّةٌ، فليسَ في الحَديثِ ما يُبيِّنُ أنَّ التَّلَفَ لَم يَكُنْ بتَفريطِه في التَّأخيرِ، ولو قُدِّرَ أنَّ التَّلَفَ لَم يَكُنْ بتَفريطِه فليسَ فيه أنَّه طَلَبُ الفَسخِ، وأنْ تُوضَعَ عنه الجائِحةُ، بَلْ لَعَلَّه رَضيَ بالمَبيعِ ولَم يَطلُبِ الوَضعَ، والحَقُّ في ذلك له إنْ شاءَ طَلَبَه، وإنْ شاءَ ترَكه، فأينَ في الحَديثِ أنَّه طَلَبَ ذلك، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ منَع مِنه؟ ولا يَتمُّ الدَّليلُ إلَّا بثُبوتِ المُقدِّمَتَيْنِ، فكَيفَ يُعارَضُ نَصُّ قَولِه ﷺ الصَّحيحِ الصَّريحِ المُحكَمِ الذي لا يَحتمِلُ غيرَ مَعنًى واحِدٍ، وهو نَصٌّ فيه بهذا
стр. 3636
الحَديثِ المُتَشابِهِ، ثم قَولُه فيه: «ليسَ لكم فيه إلَّا ذلك»، دَليلٌ على أنَّه لَم يَبْقَ لِبائِعي الثِّمارِ في ذِمَّةِ المُشتَرِي غيرُ ما أخَذه، وعندَكمُ المالُ كُلُّه في ذِمَّتِه، فالحَديثُ حُجَّةٌ عليكم.
وأمَّا المُعارَضةُ بخَبَرِ مالِكٍ فمِن أبطَلِ المُعارَضاتِ وأفسَدِها؛ فأينَ فيه أنَّه أصابَتْه جائِحةٌ بوَجْهٍ ما؟! وإنَّما فيه أنَّه عالَجَه وأقامَ عليه حتى تَبيَّن له النُّقصانُ، ومِثلُ هذا لا يَكونُ سَبَبًا لِوَضعِ الثَّمنِ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ (١).
تَعريفُ الجائِحةِ:
الجائِحةُ في اللُّغةِ: الشِّدَّةُ، تَجتاحُ المالَ مِنْ سَنةٍ أو فِتنةٍ، وهي مَأخوذةٌ مِنْ الجَوْحِ، بمَعنَى الِاستِئصالِ والهَلاكِ، يُقالُ: جاحَتْهمُ الجائِحةُ،
стр. 3637
واجتاحَتْهم، وجاحَ اللَّهُ مالَه وأجاحَه، أي: أهلَكَه بالجائِحةِ.
وتَكونُ بالبَرَدِ يقعُ مِنْ السَّماءِ إذا عَظُمَ حَجمُه، فكَثُرَ ضَرَرُه، وتَكونُ بالبَرَدِ أو الحَرِّ المُفرِطَيْنِ حتى يَفسُدَ الثَّمرُ (١).
والجائِحةُ عندَ الفُقهاءِ -كما قالَ ابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيَّةِ وتَبِعَه أكثَرُهم-: كلُّ شَيءٍ لا يُستَطاعُ دَفعُه لو عُلم به، كسَماويٍّ، كالبَرَدِ والحَرِّ، ومِثلُ ذلك رِيحُ السَّمومِ، والثَّلجُ، والمَطَرُ، والجَرادُ، والفِئرانُ، والغُبارُ، والنَّارُ، ونَحوُ ذلك، أو كغيرِ سَماويٍّ، كجَيشٍ وغيرِه، وأمَّا فِعلُ السَّارِقِ ففيه خِلافٌ عندَهم، مَحَلُّه إذا لَم يُعلَم، أمَّا إذا عُلم فإنَّه لا يَكونُ جائِحةً، على قَولِ ابنِ القاسِمِ وأكثَرِ المالِكيَّةِ؛ لأنَّه يُستَطاعُ دَفْعُه، ويَكونُ جائِحةً عندَ غيرِهم (٢).
وعرَّفها الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ بأنَّها كلُّ ما أذهَبَ الثَّمرةَ أو بَعضَها بغيرِ جِنايةِ آدَميٍّ، كرِيحٍ ومَطَرٍ وثَلجٍ، وبَرَدٍ، وجَليدٍ، وصاعِقةٍ، وحَرٍّ، وعَطَشٍ، ونَحوِها (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: مَعرِفةُ الأسبابِ الفاعِلةِ لِلجَوائِحِ، وأمَّا ما أصابَ الثَّمرةَ مِنْ السَّماءِ، مثلَ البَرَدِ والقَحطِ وضِدِّه والعَفَنِ، فلا خِلافَ في المَذهبِ أنَّه جائِحةٌ.
стр. 3638
وأمَّا العَطَشُ -كما قُلْنا- فلا خِلافَ بينَ الجَميعِ أنَّه جائِحةٌ.
وأمَّا ما أصابَ مِنْ صُنعِ الآدَميِّينَ فبَعضٌ مِنْ أصحابِ مالِكٍ رَآه جائِحةً، وبَعضٌ لَم يَرَه جائِحةً.
والَّذينَ رَأوْه جائِحةً انقَسَموا قِسمَيْنِ، فبَعضُهم رَأى مِنه جائِحةَ ما كانَ غالِبًا، كالجَيشِ، ولَم يَرَ ما كانَ مِنه بمُغافَصةِ جائِحةٍ مثلَ السَّرِقةِ، وبَعضُهم جعَل كُلَّ ما يُصيبُ الثَّمرةَ مِنْ جِهةِ الآدَميِّينَ جائِحةً، بأيِّ وَجْهٍ كانَ.
فمَن جعَلها في الأُمورِ السَّماويَّةِ فَقَط اعتَمَدَ ظاهِرَ قَولِه ﵊: «أرأيتَ إنْ منَع اللَّهُ الثَّمرةَ؟» (١).
ومَن جعَلها في أفعالِ الآدَميِّينَ شبَّهها بالأُمورِ السَّماويَّةِ.
ومَن استَثنَى اللِّصَّ قالَ: يُمكِنُ أنْ يُتحفَّظَ منه (٢).
مِقدارُ ما يُوضَعُ مِنْ الجائِحةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في القَدْرِ الذي يُوضَعُ مِنْ الجائِحةِ، فذكَر المالِكيَّةُ أنَّ المَبيعَ الذي تُصيبُه الجائِحةُ ثَلاثةُ أنواعٍ:
أحَدُها: ثِمارُ التِّينِ، والتَّمرِ، والعِنَبِ، وما جَرى مَجراها مِنْ الجَوزِ، واللَّوزِ، والتُّفَّاحِ؛ فهذه يُراعَى في جَوائِحها الثُّلُثُ؛ فإنْ كانَ الذي تلِف أقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الثِّمارِ فلا يُوضَعُ عن المُشتَرِي شَيءٌ، وإنْ بلَغ التَّالِفُ مِنها الثُّلُثَ وُضِعَ عنه جَميعُ الجائِحةِ.
стр. 3639
وإنَّما اعتُبِرَ الثُّلُثَ لأنَّ الثُّلُثَ فَرقٌ بينَ القَليلِ والكَثيرِ، كما ورَد في الوَصيَّةِ في قَولِه ﷺ : «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثيرٌ» (١).
الثَّاني: البُقولُ والأُصولُ المُغَيَّبةُ، ممَّا الغَرَضُ في أعيانِها دونَ ما يَخرُجُ مِنها؛ ففيها رِوايَتانِ:
إحداهُما: انتِفاءُ وَضْعِ الجَوائِحِ فيها، والثَّانيةُ: إثباتُ حُكمِ الجائِحةِ فيها.
فعلى القَولِ بإثباتِ حُكمِ الجائِحةِ فيها هل يُعتبَرُ فيها الثُّلُثُ أو لا؟ رَوى ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ: أنَّ الجائِحةَ تُوضَعُ فيها، قَليلَها وكَثيرَها، بَلَغتِ الثُّلُثَ أو قَصُرتْ عنه، وفي المُدوَّنةِ عن ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ: إلَّا أنْ يَكونَ التَّالِفُ شَيئًا تافِهًا، ورَوى عَلِيُّ بنُ زِيادٍ عنه: لا يُوضَعُ مِنْ جائِحَتِها إلَّا ما بلَغ الثُّلُثَ.
الثَّالثُ: هو نَوعٌ جَرى مَجرَى البُقولِ في أنَّ أصْلَه مَبيعٌ مع ثَمَرَتِه، ويَجري مَجرَى الأشجارِ في أنَّ المَقصودَ مِنه ثَمَرَتُه، كالقِثَّاءِ، والبِطِّيخِ، والقَرْعِ، والباذِنجانِ، والفُولِ، والجُلبانِ؛ فهذا النَّوعُ يُعتبَرُ في جائِحَتِه الثُّلُثُ على رِوايةِ ابنِ القاسِمِ، وعليه جَميعُ المالِكيَّةِ.
ووَجْهُه أنَّ المَقصودَ مِنْ البَيعِ الثَّمرةُ؛ فوجَب أنْ يَكونَ حُكمُها حُكمَ سائِرِ الثِّمارِ، وقالَ أشهَبُ في كِتابِ ابنِ المَوَّازِ: المَقاثي، كالبَقلِ تُوضَعُ الجائِحةُ فيها، قَليلِها وكَثيرِها، دونَ اعتِبارِ الثُّلُثِ. ووَجْهُه أنَّ هذا نَباتٌ ليسَ له أصْلٌ ثابِتٌ، فلَم يُعتبَرْ فيه الثُّلُثُ، كالبُقولِ (٢).
стр. 3640
وقد ذكَر ابنُ جُزَيٍّ أنَّه إذا كانَ المَبيعُ مِنْ الثِّمارِ أجناسًا مُختلِفةً، كالعِنَبِ والتِّينِ، في صَفقةٍ واحِدةٍ فأصابَتِ الجائِحةُ صِنفًا مِنها وسَلِمَ سائِرُها، فجائِحةُ كلِّ جِنسٍ مُعتبَرةٌ بنَفْسِه؛ فإنْ بَلَغتْ ثُلُثَه وُضِعَتْ، وإنْ قَصُرتْ عنه لَم تُوضَعْ.
وقالَ أصبَغُ ﵀: يُعتبَرُ الجُملةُ؛ فإنْ كانَتِ الجائِحةُ ثُلُثَ الجَميعِ وُضِعَتْ، وإلَّا فلا (١).
ولو اشتَرطَ البائِعُ عندَ بَيعِ الثَّمرِ ألَّا يَضَعَ الجائِحةَ عنِ المُشتَرِي إنْ حَصَلتْ، فإنَّه يَكونُ عندَ المالِكيَّةِ شَرطًا فاسِدًا، ولو فيما عادَتُه أنْ يُجاحَ، ويَصحُّ العَقدُ لِنُدرةِ الجائِحةِ، وكذا لو شرَط البائِعُ ذلك لِنَفْسِه بعدَ العَقدِ. وإذا فسَد الشَّرطُ فلا يُقابِلُه مِنْ الثَّمنِ شَيءٌ.
وقالَ أبو الحَسَنِ: يَفسُدُ العَقدُ بذلك الشَّرطِ، أي: لِزِيادةِ الغَرَرِ (٢).
وذهَب الحَنابِلةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى وَضْعِ الجَوائِحِ في الثِّمارِ.
قالَ الحَنابِلةُ: هو في القَليلِ والكَثيرِ، إلَّا أنَّ الشَّيءَ التَّافِهَ لا يُلتَفَتُ إليه؛ فإذا تلِف شَيءٌ له قَدْرٌ خارِجٌ عن العادةِ وُضِعَ مِنْ الثَّمنِ بقَدْرِ الذَّاهِبِ؛ فإنْ تلِف الجَميعُ بطَل العَقدُ، ورجَع المُشتَرِي بجَميعِ الثَّمنِ.
وفي رِوايةٍ أُخرَى: أنَّ ما كانَ يُعَدُّ دونَ الثُّلُثِ فهو مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي، ولا يُوضَعُ عن البائِعِ شَيءٌ، ويُعتبَرُ ثُلُثُ المَبلَغِ (المِقدارِ)، وقيلَ: ثُلُثُ
стр. 3641
القِيمةِ؛ فإنْ تلِف الجَميعُ أو أكثَرُ مِنْ الثُّلُثِ رجَع بقِيمةِ التَّالِفِ كُلِّه مِنْ الثَّمنِ (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيُّ في أصَحِّ قَولَيْه في الجَديدِ كما سبَقَ إلى أنَّ الثِّمارَ المَبيعةَ تَكونُ بعدَ التَّخليةِ في ضَمانِ المُشتَرِي، ولا يَجِبُ وَضْعُ الجائِحةِ، ولكنْ يُستحَبُّ (٢).
قالَ الشافِعيُّ ﵀: إنَّ الرَّجُلَ إذا اشتَرَى الثَّمرَ فقبَضه فأصابَتْه جائِحةٌ، فسَواءٌ مِنْ قَبلِ أنْ يَجِفَّ أو بعدَما جَفَّ، ما لَم يَجِدْه، وسَواءٌ كانَتِ الجائِحةُ أصابَتْ ثَمَرةً واحِدةً أو أتَتْ على جَميعِ المالِ، لا يَجوزُ فيها إلَّا واحِدٌ مِنْ قَولَيْنِ، إمَّا أنْ يَكونَ لمَّا قبَضها، وكانَ مَعلومًا أنْ يَترُكَها إلى الجِذاذِ، كانَ في غيرِ مَعنَى مَنْ قبَض، فلا يَضمَنُ إلَّا ما قبَض، كما يَشتَرِي الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الطَّعامَ كَيلًا؛ فيَقبِضُ بَعضَه ويَهلِكُ بَعضُه قبلَ أنْ يَقبِضَه، فلا يَضمَنُ ما هلَك؛ لأنَّه لَم يَقبِضْه، ويَضمَنُ ما قبَض، وإمَّا أنْ يَكونَ إذا قبَض الثَّمرةَ كانَ مُسلَّطًا عليها إنْ شاءَ قطَعها، وإنْ شاءَ ترَكها؛ فما هلَك في يَدَيْه فإنَّما هلَك مِنْ مالِه، لا مِنْ مالِ البائِعِ؛ فأمَّا ما يَخرُجُ مِنْ هذا المَعنَى فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: يَضمَنُ البائِعُ الثُّلُثَ إنْ أصابَتْه جائِحةٌ، فأكثَرَ، ولا يَضمَنُ
стр. 3642
أقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ؛ لأنَّه إنَّما اشتَراها بَيعةً واحِدةً، وقبَضها قَبضًا واحِدًا (١).
فَخُلاصةُ ما قالَه العُلماءُ في هذا تَنحصِرُ في ثَلاثةِ أقوالٍ:
أحَدُها: وَضعُ الجائِحةِ مُطلَقًا، سَواءٌ ما زادَ على الثُّلُثِ، أو ما نقَص عنه، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ والشافِعيِّ في القَديمِ.
بِالإضافةِ إلى ما سبَق ذِكْرُه عن المالِكيَّةِ في الثِّمارِ وفيما زادَ على الثُّلُثِ.
واستَدَلُّوا بوَضعِ الجائِحةِ بحَديثِ جابرٍ ﵁: أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنْ باعَ ثَمَرًا فأصابَتْه جائِحةٌ فلا يَأخُذْ مِنْ أخيه شَيئًا، عَلَامَ يَأخُذُ أحَدُكم مالَ أخيهِ؟» (٢).
وما رُويَ عنه ﵁ أنَّه قالَ: أمرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بوَضعِ الجَوائِحِ (٣).
فعُمدةُ مَنْ أجازَ الجَوائِحَ حَديثا جابرٍ ﵁ هَذانِ، وقياسُ الشَّبَهِ أيضًا، وذلك أنَّهم قالوا: إنَّه مَبيعٌ بَقيَ على البائِعِ فيه حَقُّ تَوفيةٍ، بدَليلِ ما عليه مِنْ سَقْيِه إلى أنْ يَكمُلَ؛ فوجَب أنْ يَكونَ ضَمانُه مِنه، أصْلُه سائِرُ المَبيعاتِ التي بَقيَ فيها حَقُّ تَوفيةٍ.
والفَرقُ عندَهم بينَ هذا المَبيعِ وبينَ سائِرِ البُيوعِ أنَّ هذا بَيعٌ وقَع في الشَّرعِ، والمَبيعُ لَم يَكمُلْ بَعدُ؛ فكَأنَّه مُستَثنًى مِنْ النَّهيِ عن بَيعِ ما لَم
стр. 3643
يُخلَقْ؛ فوجَب أنْ يَكونَ في ضَمانِه مُخالِفًا لِسائِرِ المَبيعاتِ.
القَولُ الثَّاني: عَدَمُ وَضعِ الجائِحةِ مُطلَقًا: وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ في الجَديدِ، واستَدَلُّوا بتَشبيهِ هذا البَيعِ بسائِرِ المَبيعاتِ، وأنَّ التَّخليةَ في هذا المَبيعِ هي القَبضُ.
وقد اتَّفَقوا على أنَّ ضَمانَ المَبيعاتِ بعدَ القَبضِ مِنْ المُشتَرِي، ومِن طَريقِ السَّماعِ أيضًا حَديثُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: أُجيحَ رَجُلٌ في ثِمارٍ ابتاعَها، وكَثُرَ دَيْنُه؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «تَصَدَّقوا عليه»؛ فتُصُدِّقَ عليه، فلَم يَبلُغْ وَفاءَ دَيْنِه. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «خُذُوا ما وَجَدتُم، وليسَ لَكم إلَّا ذلك» (١)، قالوا: فلَم يَحكُمْ بالجائِحةِ.
وأيضًا فإنَّ أمْرَه إيَّاهم بالتَّصدُّقِ عليه وأمْرَ غُرَمائِه بأخْذِ ما وَجَدوا، لا يَدلُّ على وُجوبِ وَضعِ الجائِحةِ؛ إذ لو كانَتْ تُوضَعُ لَم يَفتقِرْ إلى أمْرِه إيَّاهم بالصَّدَقةِ عليه والأخْذِ، ويَكونُ الأمْرُ مَحمولًا على الِاستِحبابِ، أو فيما بِيعَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ (٢).
القَولُ الثَّالثُ: التَّفريقُ؛ فيُوضَعُ الثُّلُثُ وما زادَ عليه، ولا يُوضَعُ أقَلُّ منه، وهذا قَولُ المالِكيَّةِ ورِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ؛ لقولِه ﷺ : «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثيرٌ» (٣).
стр. 3644
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: الفَصلُ الثَّالثُ في مِقدارِ ما يُوضَعُ مِنه فيه، وأمَّا المِقدارُ الذي تَجِبُ فيه الجائِحةُ في الثِّمارِ فالثُّلُثُ، وأمَّا في البُقولِ فقيلَ في القَليلِ والكَثيرِ.
وقيلَ: في الثُّلُثِ.
وابنُ القاسِمِ يَعتبِرُ ثُلُثَ الثَّمرِ بالكَيلِ، وأشهَبُ يَعتبِرُ الثُّلُثَ في القِيمةِ.
فإذا ذهَب مِنْ الثَّمرِ عندَ أشهَبَ ما قِيمَتُه الثُّلُثُ مِنْ الكَيلِ وُضِعَ عنه الثُّلُثَ مِنْ الثَّمنِ.
وسَواءٌ كانَ ثُلُثًا في الكَيلِ أو لَم يَكُنْ.
وأمَّا ابنُ القاسِمِ فإنَّه إذا ذهَب مِنْ الثَّمرِ الثُّلُثُ مِنْ الكَيلِ فإنْ كانَ نَوعًا واحِدًا ليسَ تَختلِفُ قِيمةُ بُطونِه حُطَّ عنه مِنْ الثَّمنِ الثُّلُثُ، وإنْ كانَ الثَّمرُ أنواعًا كَثيرةً مُختلِفةَ القِيمةِ، أو كانَ بُطونًا مُختلِفةَ القِيمةِ أيضًا، اعتُبِرَتْ قِيمةُ ذلك الثُّلُثِ الذَّاهِبِ مِنْ قِيمةِ الجَميعِ؛ فأيًّا كانَ قَدْرُه حُطَّ بذلك القَدْرِ مِنْ الثَّمنِ، ففي مَوضِعٍ يُعتبَرُ المَكيلةُ فَقط، حيثُ تَستَوي القِيمةُ في أجزاءِ الثَّمرةِ وبُطونِها، وفي مَوضِعٍ يُعتبَرُ الأمرَانِ جَميعًا، حيثُ تَختلِفُ القِيمةُ.
والمالِكيَّةُ يَحتَجُّونَ في مَصيرِهم إلى التَّقديرِ في وَضعِ الجَوائِحِ، وإنْ كانَ الحَديثُ الوارِدُ فيها مُطلَقًا، بأنَّ القَليلَ في هذا مَعلومٌ مِنْ حُكمِ العادةِ أنَّه يُخالِفُ الكَثيرَ؛ إذْ كانَ مَعلومًا أنَّ القَليلَ يَذهَبُ مِنْ كلِّ ثَمَرٍ، فكَأنَّ المُشتَريَ دخَل على هذا الشَّرطِ بالعادةِ، وإنْ لَم يَدخُلْ بالنُّطقِ.
وأيضًا فإنَّ الجائِحةَ التي عُلِّقَ الحُكمُ بها تَقتَضي الفَرقَ بينَ القَليلِ والكَثيرِ.
стр. 3645
قالوا: وإذا وجَب الفَرقُ وجَب أنْ يُعتبَرَ فيه الثُّلُثُ؛ إذْ قد اعتبَرَه الشَّرعُ في مَواضِعَ كَثيرةٍ، وإنْ كانَ المَذهبُ يَضطَرِبُ في هذا الأصْلِ؛ فمَرَّةً يَجعَلُ الثُّلُثَ مِنْ حَيِّزِ الكَثيرِ، كجَعلِه إيَّاه هَهُنا، ومَرَّةً يَجعَلُه في حَيِّزِ القَليلِ.
ولَم يَضطَرِبْ في أنَّه الفَرقُ بينَ القَليلِ والكَثيرِ، والمُقدَّراتُ يَعسُرُ إثباتُها بالقياسِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ.
ولِذلك قالَ الشافِعيُّ: لو قُلتُ بالجائِحةِ لَقُلتُ فيها بالقَليلِ والكَثيرِ، وكَونُ الثُّلُثِ فَرقًا بينَ القَليلِ والكَثيرِ هو نَصٌّ في الوَصيَّةِ في قَولِه ﷺ : «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثيرٌ» (١). (٢).
بَيعُ السِّنينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ بَيعَ ثَمَرِ الشَّجَرةِ سَنَتَيْنِ أو ثَلاثًا أو أكثَرَ باطِلٌ؛ لِمَا رَواه مُسلِمٌ عن جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵄ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ والمُعاوَمةِ والمُخابَرةِ -قالَ أحَدُهما: بَيعُ السِّنينِ هو المُعاوَمةُ-، وعَن الثُّنْيا، ورَخَّصَ في العَرايا.
وفي رِوايةٍ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بَيعِ الأرضِ البَيضاءِ سَنَتَيْنِ أو ثَلاثًا.
وفي رِوايةٍ قالَ ﵁: نهَى النَّبيُّ عن بَيعِ السِّنينِ، وفي رِوايةِ ابنِ أبي شَيبةَ: عن بَيعِ الثَّمرِ سِنينَ (٣).