القِيمةِ؛ فإنْ تلِف الجَميعُ أو أكثَرُ مِنْ الثُّلُثِ رجَع بقِيمةِ التَّالِفِ كُلِّه مِنْ الثَّمنِ (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيُّ في أصَحِّ قَولَيْه في الجَديدِ كما سبَقَ إلى أنَّ الثِّمارَ المَبيعةَ تَكونُ بعدَ التَّخليةِ في ضَمانِ المُشتَرِي، ولا يَجِبُ وَضْعُ الجائِحةِ، ولكنْ يُستحَبُّ (٢).
قالَ الشافِعيُّ ﵀: إنَّ الرَّجُلَ إذا اشتَرَى الثَّمرَ فقبَضه فأصابَتْه جائِحةٌ، فسَواءٌ مِنْ قَبلِ أنْ يَجِفَّ أو بعدَما جَفَّ، ما لَم يَجِدْه، وسَواءٌ كانَتِ الجائِحةُ أصابَتْ ثَمَرةً واحِدةً أو أتَتْ على جَميعِ المالِ، لا يَجوزُ فيها إلَّا واحِدٌ مِنْ قَولَيْنِ، إمَّا أنْ يَكونَ لمَّا قبَضها، وكانَ مَعلومًا أنْ يَترُكَها إلى الجِذاذِ، كانَ في غيرِ مَعنَى مَنْ قبَض، فلا يَضمَنُ إلَّا ما قبَض، كما يَشتَرِي الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الطَّعامَ كَيلًا؛ فيَقبِضُ بَعضَه ويَهلِكُ بَعضُه قبلَ أنْ يَقبِضَه، فلا يَضمَنُ ما هلَك؛ لأنَّه لَم يَقبِضْه، ويَضمَنُ ما قبَض، وإمَّا أنْ يَكونَ إذا قبَض الثَّمرةَ كانَ مُسلَّطًا عليها إنْ شاءَ قطَعها، وإنْ شاءَ ترَكها؛ فما هلَك في يَدَيْه فإنَّما هلَك مِنْ مالِه، لا مِنْ مالِ البائِعِ؛ فأمَّا ما يَخرُجُ مِنْ هذا المَعنَى فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: يَضمَنُ البائِعُ الثُّلُثَ إنْ أصابَتْه جائِحةٌ، فأكثَرَ، ولا يَضمَنُ
стр. 3642
أقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ؛ لأنَّه إنَّما اشتَراها بَيعةً واحِدةً، وقبَضها قَبضًا واحِدًا (١).
فَخُلاصةُ ما قالَه العُلماءُ في هذا تَنحصِرُ في ثَلاثةِ أقوالٍ:
أحَدُها: وَضعُ الجائِحةِ مُطلَقًا، سَواءٌ ما زادَ على الثُّلُثِ، أو ما نقَص عنه، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ والشافِعيِّ في القَديمِ.
بِالإضافةِ إلى ما سبَق ذِكْرُه عن المالِكيَّةِ في الثِّمارِ وفيما زادَ على الثُّلُثِ.
واستَدَلُّوا بوَضعِ الجائِحةِ بحَديثِ جابرٍ ﵁: أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنْ باعَ ثَمَرًا فأصابَتْه جائِحةٌ فلا يَأخُذْ مِنْ أخيه شَيئًا، عَلَامَ يَأخُذُ أحَدُكم مالَ أخيهِ؟» (٢).
وما رُويَ عنه ﵁ أنَّه قالَ: أمرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بوَضعِ الجَوائِحِ (٣).
فعُمدةُ مَنْ أجازَ الجَوائِحَ حَديثا جابرٍ ﵁ هَذانِ، وقياسُ الشَّبَهِ أيضًا، وذلك أنَّهم قالوا: إنَّه مَبيعٌ بَقيَ على البائِعِ فيه حَقُّ تَوفيةٍ، بدَليلِ ما عليه مِنْ سَقْيِه إلى أنْ يَكمُلَ؛ فوجَب أنْ يَكونَ ضَمانُه مِنه، أصْلُه سائِرُ المَبيعاتِ التي بَقيَ فيها حَقُّ تَوفيةٍ.
والفَرقُ عندَهم بينَ هذا المَبيعِ وبينَ سائِرِ البُيوعِ أنَّ هذا بَيعٌ وقَع في الشَّرعِ، والمَبيعُ لَم يَكمُلْ بَعدُ؛ فكَأنَّه مُستَثنًى مِنْ النَّهيِ عن بَيعِ ما لَم
стр. 3643
يُخلَقْ؛ فوجَب أنْ يَكونَ في ضَمانِه مُخالِفًا لِسائِرِ المَبيعاتِ.
القَولُ الثَّاني: عَدَمُ وَضعِ الجائِحةِ مُطلَقًا: وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ في الجَديدِ، واستَدَلُّوا بتَشبيهِ هذا البَيعِ بسائِرِ المَبيعاتِ، وأنَّ التَّخليةَ في هذا المَبيعِ هي القَبضُ.
وقد اتَّفَقوا على أنَّ ضَمانَ المَبيعاتِ بعدَ القَبضِ مِنْ المُشتَرِي، ومِن طَريقِ السَّماعِ أيضًا حَديثُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: أُجيحَ رَجُلٌ في ثِمارٍ ابتاعَها، وكَثُرَ دَيْنُه؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «تَصَدَّقوا عليه»؛ فتُصُدِّقَ عليه، فلَم يَبلُغْ وَفاءَ دَيْنِه. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «خُذُوا ما وَجَدتُم، وليسَ لَكم إلَّا ذلك» (١)، قالوا: فلَم يَحكُمْ بالجائِحةِ.
وأيضًا فإنَّ أمْرَه إيَّاهم بالتَّصدُّقِ عليه وأمْرَ غُرَمائِه بأخْذِ ما وَجَدوا، لا يَدلُّ على وُجوبِ وَضعِ الجائِحةِ؛ إذ لو كانَتْ تُوضَعُ لَم يَفتقِرْ إلى أمْرِه إيَّاهم بالصَّدَقةِ عليه والأخْذِ، ويَكونُ الأمْرُ مَحمولًا على الِاستِحبابِ، أو فيما بِيعَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ (٢).
القَولُ الثَّالثُ: التَّفريقُ؛ فيُوضَعُ الثُّلُثُ وما زادَ عليه، ولا يُوضَعُ أقَلُّ منه، وهذا قَولُ المالِكيَّةِ ورِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ؛ لقولِه ﷺ : «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثيرٌ» (٣).
стр. 3644
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: الفَصلُ الثَّالثُ في مِقدارِ ما يُوضَعُ مِنه فيه، وأمَّا المِقدارُ الذي تَجِبُ فيه الجائِحةُ في الثِّمارِ فالثُّلُثُ، وأمَّا في البُقولِ فقيلَ في القَليلِ والكَثيرِ.
وقيلَ: في الثُّلُثِ.
وابنُ القاسِمِ يَعتبِرُ ثُلُثَ الثَّمرِ بالكَيلِ، وأشهَبُ يَعتبِرُ الثُّلُثَ في القِيمةِ.
فإذا ذهَب مِنْ الثَّمرِ عندَ أشهَبَ ما قِيمَتُه الثُّلُثُ مِنْ الكَيلِ وُضِعَ عنه الثُّلُثَ مِنْ الثَّمنِ.
وسَواءٌ كانَ ثُلُثًا في الكَيلِ أو لَم يَكُنْ.
وأمَّا ابنُ القاسِمِ فإنَّه إذا ذهَب مِنْ الثَّمرِ الثُّلُثُ مِنْ الكَيلِ فإنْ كانَ نَوعًا واحِدًا ليسَ تَختلِفُ قِيمةُ بُطونِه حُطَّ عنه مِنْ الثَّمنِ الثُّلُثُ، وإنْ كانَ الثَّمرُ أنواعًا كَثيرةً مُختلِفةَ القِيمةِ، أو كانَ بُطونًا مُختلِفةَ القِيمةِ أيضًا، اعتُبِرَتْ قِيمةُ ذلك الثُّلُثِ الذَّاهِبِ مِنْ قِيمةِ الجَميعِ؛ فأيًّا كانَ قَدْرُه حُطَّ بذلك القَدْرِ مِنْ الثَّمنِ، ففي مَوضِعٍ يُعتبَرُ المَكيلةُ فَقط، حيثُ تَستَوي القِيمةُ في أجزاءِ الثَّمرةِ وبُطونِها، وفي مَوضِعٍ يُعتبَرُ الأمرَانِ جَميعًا، حيثُ تَختلِفُ القِيمةُ.
والمالِكيَّةُ يَحتَجُّونَ في مَصيرِهم إلى التَّقديرِ في وَضعِ الجَوائِحِ، وإنْ كانَ الحَديثُ الوارِدُ فيها مُطلَقًا، بأنَّ القَليلَ في هذا مَعلومٌ مِنْ حُكمِ العادةِ أنَّه يُخالِفُ الكَثيرَ؛ إذْ كانَ مَعلومًا أنَّ القَليلَ يَذهَبُ مِنْ كلِّ ثَمَرٍ، فكَأنَّ المُشتَريَ دخَل على هذا الشَّرطِ بالعادةِ، وإنْ لَم يَدخُلْ بالنُّطقِ.
وأيضًا فإنَّ الجائِحةَ التي عُلِّقَ الحُكمُ بها تَقتَضي الفَرقَ بينَ القَليلِ والكَثيرِ.
стр. 3645
قالوا: وإذا وجَب الفَرقُ وجَب أنْ يُعتبَرَ فيه الثُّلُثُ؛ إذْ قد اعتبَرَه الشَّرعُ في مَواضِعَ كَثيرةٍ، وإنْ كانَ المَذهبُ يَضطَرِبُ في هذا الأصْلِ؛ فمَرَّةً يَجعَلُ الثُّلُثَ مِنْ حَيِّزِ الكَثيرِ، كجَعلِه إيَّاه هَهُنا، ومَرَّةً يَجعَلُه في حَيِّزِ القَليلِ.
ولَم يَضطَرِبْ في أنَّه الفَرقُ بينَ القَليلِ والكَثيرِ، والمُقدَّراتُ يَعسُرُ إثباتُها بالقياسِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ.
ولِذلك قالَ الشافِعيُّ: لو قُلتُ بالجائِحةِ لَقُلتُ فيها بالقَليلِ والكَثيرِ، وكَونُ الثُّلُثِ فَرقًا بينَ القَليلِ والكَثيرِ هو نَصٌّ في الوَصيَّةِ في قَولِه ﷺ : «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثيرٌ» (١). (٢).
بَيعُ السِّنينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ بَيعَ ثَمَرِ الشَّجَرةِ سَنَتَيْنِ أو ثَلاثًا أو أكثَرَ باطِلٌ؛ لِمَا رَواه مُسلِمٌ عن جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵄ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ والمُعاوَمةِ والمُخابَرةِ -قالَ أحَدُهما: بَيعُ السِّنينِ هو المُعاوَمةُ-، وعَن الثُّنْيا، ورَخَّصَ في العَرايا.
وفي رِوايةٍ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بَيعِ الأرضِ البَيضاءِ سَنَتَيْنِ أو ثَلاثًا.
وفي رِوايةٍ قالَ ﵁: نهَى النَّبيُّ عن بَيعِ السِّنينِ، وفي رِوايةِ ابنِ أبي شَيبةَ: عن بَيعِ الثَّمرِ سِنينَ (٣).
стр. 3646
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵁: وأمَّا النَّهيُ عن بَيعِ المُعاوَمةِ وهو بَيعُ السِّنينِ، فمَعناه أنْ يَبيعَ ثَمَرَ الشَّجَرةِ سَنَتَيْنِ، أو ثَلاثًا، أو أكثَرَ، فيُسَمَّى بَيعَ المُعاوَمةِ وبَيعَ السِّنينِ، وهو باطِلٌ بالإجماعِ، نقَل الإجماعَ فيه ابنُ المُنذِرِ وغيرُه لِهذه الأحاديثِ، ولأنَّه بَيعُ غَرَرٍ؛ لأنَّه بَيعُ مَعدومٍ ومَجهولٍ، غيرِ مَقدورٍ على تَسليمِه، وغيرُ مَملوكٍ لِلعاقِدِ (١).
وقالَ في «المَجموعِ»: فبَيعُ المَعدومِ باطِلٌ؛ بالإجماعِ، ونقَل ابنُ المُنذِرِ وغيرُه إجماعَ المُسلِمينَ على بُطلانِ بَيعِ الثَّمرةِ سَنَتَيْنِ، ونَحوَ ذلك (٢).
بَيعُ الطَّعامِ قبلَ أنْ يُستَوفَى:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَجوزُ لِمَنِ اشتَرَى طَعامًا أنْ يَبيعَه قبلَ قَبضِه حتى يَستَوفيَه؛ لقولِه ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه»، وفي رِوايةٍ: «حتى يَقبِضَه»، فعَن طاووسٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى أنْ يَبيعَ الرَّجُلُ طَعامًا حتى يَستَوفيَه. قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: كيفَ ذاكَ؟ قالَ: ذاكَ دَراهِمُ بدَراهِمَ والطَّعامِ مُرجَأً (٣)، ووَجْهُ الدِّلالةِ
стр. 3647
أنَّه عبَّر عنِ المَنعِ مِنْ البَيعِ قبلَ استِيفاءِ المَبيعِ؛ فإذا استَوفَى جازَ البَيعُ.
وعَن سالِمٍ عن أبيه ﵁ قالَ: رأيتُ الذين يَشتَرونَ الطَّعامَ مُجازَفةً يُضرِبونَ على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَبيعوه حتى يُؤووه إلى رِحالِهم (١).
وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ قالَ: سَمِعتُ ابنَ عمرَ ﵁ يَقولُ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَقبِضَه» (٢).
وفي رِوايةٍ: «مَنِ اشتَرَى طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه ويَقبِضَه» (٣).
والقَبضُ والِاستِيفاءُ سَواءٌ، ولا يَكونُ ما بِيعَ مِنْ الطَّعامِ على الكَيلِ والوَزنِ مَقبوضًا إلَّا كَيلًا أو وَزنًا، وهذا ما لا خِلافَ بينَ جَماعةِ العُلماءِ فيه.
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ولَم يَختلِفِ العُلماءُ في كلِّ ما يُكالُ أو يُوزَنُ مِنْ الطَّعامِ كُلِّه والآدامِ أنَّه لا يَجوزُ بَيعُه لِمَنِ ابتاعَه على الكَيلِ والوَزنِ حتى يَقبِضَه كَيلًا أو وَزنًا (٤).
стр. 3648
وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ كُلَّ ما يُكالُ أو يُوزَنُ مِنْ الطَّعامِ كُلِّه -مُقتاتًا كانَ أو غيرَ مُقتاتٍ-، وكذلك الإدامُ والمِلحُ والكُسبُرةُ وزَرِّيعةُ الفُجلِ الذي فيه الزَّيتُ المَأْكولُ؛ فلا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِنه قبلَ قَبضِه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ اشتَرَى طَعامًا فليسَ له أنْ يَبيعَه حتى يَستَوفيَه (٢).
وقالَ الإمامُ الخطَّابيُّ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الطَّعامَ لا يَجوزُ بَيعُه قبلَ القَبضِ، واختَلَفوا فيما عَداه (٣).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه فإنَّ العُلماءَ مُجمِعونَ على مَنعِ ذلك، إلَّا ما يُحكَى عن عُثمانَ البَتِّيِّ.
وإنَّما أجمَعَ العُلماءُ على ذلك لِثُبوتِ النَّهيِ عنه عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَديثِ مالِكٍ عن نافِعٍ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَقبِضَه» (٤).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ الطَّعامَ إذا اشتُرِيَ مُكايَلةً أو مُوازَنةً أو مُعادَدةً؛ لا يَجوزُ لِمَنِ اشتَراه أنْ يَبيعَه مِنْ آخَرَ أو يُعاوِضَ به حتى يَقبِضَ الأوَّلَ، وأنَّ القَبضَ شَرطٌ في صِحَّةِ هذا البَيعِ (٥).
стр. 3649
وعِلَّةُ تَحريمِ بَيعِ السِّلَعِ قبلَ قَبضِها أنَّ البائِعَ إذا باعَها ولَم يَقبِضْها المُشتَرِي فإنَّها تَبقَى في ضَمانِه؛ فإذا هَلَكتْ كانَتْ خَسارَتُها عليه دونَ المُشتَرِي -كما سَيَأتي- فإذا باعَها المُشتَرِي في هذه الحالةِ ورَبِحَ فيها كانَ رابِحًا لِشَيءٍ لَم يَتحمَّلْ فيه تَبِعةَ الخَسارةِ، وقد نهَى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعِ ما لَم يُضمَنْ، كما أنَّ المُشتَريَ الذي باعَ ما اشتَراه قبلَ قَبضِه يُماثِلُ مَنْ دَفَعَ مَبلَغًا مِنْ المالِ إلى آخَرَ لِيأخُذَ في نَظيرِه مَبلَغًا أكثَرَ مِنه، إلَّا أنَّ هذا أرادَ أنْ يَحتالَ على تَحقيقِ قَصدِه بإدخالِ السِّلعةِ بينَ العَقدَيْنِ، فيَكونُ ذلك أشبَهَ بالرِّبا، وقد فَطِنَ إلى هذا ابنُ عَبَّاسٍ ﵁ حينَما سُئلَ عن سَبَبِ النَّهيِ عن بَيعِ ما لَم يُقبَضْ، كما رَوى البُخاريُّ عن طاوُسٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى أنْ يَبيعَ الرَّجُلُ طَعامًا حتى يَستَوفيَه. قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ ﵁: كيفَ ذاكَ؟ قالَ ﵁: ذاكَ دَراهِمُ بدَراهِمَ والطَّعامِ مُرجَأً (١)، استَفهَمَه عن سَبَبِ النَّهيِ، فأجابَه بأنَّه إذا باعَه المُشتَرِي قبلَ القَبضِ وتَأخَّرَ المَبيعُ في يَدِ البائِعِ فكَأنَّه باعَ دَراهِمَ بدَراهِمَ، ويُبيِّنُ ذلك ما أخرَجَه مُسلِمٌ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّه قالَ -لمَّا سَألَه طاوُسٌ-: ألَا تَراهُم يَبتاعونَ بالذَّهبِ والطَّعامِ مُرجَأً، وذلك لأنَّه إذا اشتَرَى طَعامًا بمِئةِ دِينارٍ ودَفَعَها لِلبائِعِ ولَم يَقبِضْ مِنه الطَّعامَ، ثم باعَ الطَّعامَ إلى آخَرَ بمِئةٍ وعِشرينَ مِثْلًا؛ فكَأنَّه اشتَرَى بذَهَبِه ذَهَبًا أكثَرَ مِنه، ولا يَخفَى أنَّ مثلَ هذه العِلَّةِ لا يَنطبِقُ على ما كانَ مِنْ التَّصرُّفاتِ بغيرِ عِوَضٍ، قالَ الشَّوكانيُّ: وهذا التَّعليلُ
стр. 3650
أجوَدُ ما عُلِّلَ به النَّهيُ؛ لأنَّ الصَّحابةَ أعرَفُ بمَقاصِدِ الرَّسولِ ﷺ ، ولا شَكَّ أنَّ المَنعَ مِنْ كلِّ تَصرُّفٍ قبلَ القَبضِ مِنْ غيرِ فَرقٍ بينَ ما كانَ بعِوَضٍ، وما لا عِوَضَ فيه لا دَليلَ عليه إلَّا الإلحاقَ لِسائِرِ التَّصرُّفاتِ بالبَيعِ، وقد عَرَفتَ بُطلانَ إلحاقِ ما لا عِوَضَ فيه بما فيه عِوَضٌ، ومُجرَّدُ صِدقِ اسمِ التَّصرُّفِ على الجَميعِ لا يَجعَلُه عارِفٌ بعِلمِ الأُصولِ مُسوِّغًا لِلقياسِ (١).
وقالَ العينيُّ ﵀: قَولُه -أي: في حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ السابِقِ-: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ، القائِلُ هو طاووسٌ. قَولُه: كيف ذاكَ، يَعني: كيفَ حالُ هذا البَيعِ؟ حتى نهَى عنه. قَولُه: قال: ذاك، أي: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: يَكونُ حالُ ذاكَ البَيعِ دَراهِمَ بدَراهِمَ والطَّعامِ غائِبًا، وهو مَعنَى: قَولِه: والطَّعامُ مُرجأُ، أي: مُؤخَّرٌ مُؤجَّلٌ، مَعناهُ: أنْ يَشتَريَ مِنْ إنسانٍ طَعامًا بدِرهَمٍ إلى أجَلٍ، ثم يَبيعَه مِنه، أو مِنْ غيرِه قبلَ أنْ يَقبِضَه بدِرهَمَيْنِ مِثْلًا؛ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه في التَّقديرِ بَيعُ دِرهَمٍ بدِرهَمِ والطَّعامِ غائِبًا؛ فكَأنَّه قد باعَه دِرهَمَه الذي اشتَرَى به الطَّعامَ بدِرهَمَيْنِ؛ فهو رِبًا، لأنَّه بَيعُ غائِبٍ بناجِزٍ، فلا يَصحُّ، وقالَ ابنُ التِّينِ: قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ: دَراهِمَ بدَراهِمَ، تَأوَّلَه عُلماءُ السَّلَفِ، وهو أنْ يَشتَريَ مِنه طَعامًا بمِئةٍ إلى أجَلٍ، ويَبيعَه مِنه قبلَ قَبضِه بمِئةٍ وعِشرينَ، وهو غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه في التَّقديرِ بَيعُ دَراهِمَ بدَراهِمَ والطَّعامِ مُؤجَّلًا غائِبًا. وقيلَ: مَعناه أنْ يَبيعَه مِنْ آخَرَ ويُحيلَه به (٢).
стр. 3651
ثم اختلَف العُلماءُ في غيرِ الطَّعامِ، هل يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه أو لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ بَيعُ شَيءٍ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ مَنقولًا، أو غيرَ مَنقولٍ، كالعَقارِ قبلَ قَبضِه، كالطَّعامِ -إلَّا أبا حَنيفةَ وأبا يُوسفَ قالا: يَجوزُ بَيعُ الدُّورِ والأرضِ قبلَ قَبضِها-، وكذا لا يَجوزُ التَّصرُّفُ فيه برَهنٍ ولا هِبةٍ ولا صَدَقةٍ ولا إجارةٍ عندَهم جَميعًا، إلَّا عندَ مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ؛ فإنَّه يُجيزُ الهِبةَ والصَّدَقةَ والرَّهنَ به قبلَ القَبضِ.
فإنْ تلِف المَبيعُ قبلَ القَبضِ فهو مِنْ ضَمانِ البائِعِ، ولا يَجوزُ لِلمُشتَرِي التَّصرُّفُ فيه قبلَ القَبضِ.
واحتَجُّوا على ذلك بقَولِه ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه»، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵁: وأحسَبُ كُلَّ شَيءٍ مثلَه (١).
فقالوا: فهذا ابنُ عَبَّاسٍ لَم يَمنَعْه قَصدُ النَّبيِّ ﷺ بالنَّهيِ إلى الطَّعامِ أنْ يُدخِلَ في ذلك النَّهيِ غيرَ الطَّعامِ.
وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ عِصمةَ أنَّ حَكيمَ بنَ حِزامٍ ﵁ قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أبيعُ بُيوعًا كَثيرةً، فما يَحِلُّ لي مِنها ممَّا يَحرُمُ عَلَيَّ؟ فقالَ ﷺ : «لا تَبيعَنَّ ما لَم تَقبِضْ» (٢).
وعن ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: ابتَعتُ زَيتًا في السُّوقِ، فلمَّا استَوجَبتُه
стр. 3652
لِنَفْسي لَقِيَني رَجُلٌ، فأعطاني به رِبحًا حَسَنًا، فأرَدتُ أنْ أضرِبَ على يَدِه، فأخَذ رَجُلٌ مِنْ خَلفي بذِراعي، فالتَفَتُّ فإذا زَيدُ بنُ ثابِتٍ ﵁، فقالَ: لا تَبِعْه حيثُ ابتَعتَه حتى تَحوزَه إلى رَحلِكَ؛ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى أنْ تُباعَ السِّلَعُ حيثُ تُبتاعُ حتى يَحوزَها التُّجَّارُ إلى رِحالِهم (١).
وعن ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَنهَى أنْ تُباعَ السِّلَعُ حيثُ تُشتَرَى حتى يَحوزَها الذي اشتَراها إلى رَحلِه، وإنْ كانَ لِيَبعَثُ رِجالًا فيَضرِبونَنا على ذلك (٢).
فهذه الأحاديثُ تَشمَلُ الطَّعامَ وغيرَه، وقد ورَد النَّهيُ عن بَيعِها قبلَ قَبضِها.
ولأنَّ فيه غَرَرَ انفِساخِ العَقدِ الأوَّلِ على اعتِبارِ هَلاكِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، فيَتبيَّنُ حينَئذٍ أنَّه باعَ مِلكَ الغيرِ بغيرِ إذْنِه، وذلك مُفسِدٌ لِلعَقدِ، وفي الصِّحاحِ أنَّه نهَى عن بَيعِ الغَرَرِ، والغَرَرُ ما طُوِيَ عَنْكَ عِلمُه.
ولِأبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ في جَوازِ بَيعِ العَقارِ أنَّ رُكنَ البَيعِ صدَر مِنْ
стр. 3653
أهلِه في مَحَلِّه، وأنَّ المانِعَ المُثيرَ لِلنَّهيِ -وهو غَرَرُ الِانفِساخِ بالهَلاكِ- مُنتَفٍ؛ فإنَّ هَلاكَ العَقارِ نادِرٌ، والنَّادِرُ لا عِبرةَ به، ولا يُبنَى الفِقهُ باعتِبارِه، فلا يُمنَعُ الجَوازُ، وهذا لأنَّه لا يُتصوَّرُ هَلاكُه إلَّا إذا صارَ بَحرًا ونَحوَه، حتى لو كانَ على شَطِّ البَحرِ، أو كانَ المَبيعُ عُلُوًّا لا يَجوزُ بَيعُه قبلَ القَبضِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: كلُّ مَبيعٍ مُتعيَّنٌ لا يَتعلَّقُ به حَقُّ تَوفيةِ كَيلٍ ووَزنٍ فبَيعُه قبلَ قَبضِه جائِزٌ مِنْ أيِّ الأصنافِ كانَ مِنْ العُروضِ أو مِنْ الحَيَوانِ والمَكيلِ والمَوزونِ سِوَى طَعامِ المُعاوَضةِ؛ فإنِ امتَنَعَ المُبتاعُ مِنْ القَبضِ مع قُدرَتِه على القَبضِ فهو مِنْ ضَمانِه، وإنْ تلِف قبلَ ذلك فهو مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَقبِضَهُ» (٢)؛ فالنَّبيُّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه خاصَّةً؛ فدَلَّ على أنَّ غيرَ الطَّعامِ ليسَ كالطَّعامِ، ولو لَم يَكُنْ كذلك ما كانَ في تَخصيصِ الطَّعامِ فائِدةٌ.
وقد أجمَعوا أنَّ مَنْ اشتَرَى جاريةً وأعتَقَها في تلك الحالةِ قبلَ قَبضِها، أنَّ عِتقَه جائِزٌ، وكذلك يَجوزُ له بَيعُها قبلَ قَبضِها (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنَّ كُلَّ ما بِيعَ على الكَيلِ أو الوَزنِ أو العَدِّ
стр. 3654
أو الذَّرعِ لا يَجوزُ التَّصرُّفُ فيه ببَيعٍ أو هِبةٍ أو إجارةٍ أو رَهنٍ أو حَوالةٍ حتى يَستَوفيَه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» (١).
فإنْ تلِف المَبيعُ قبلَ نَقلِه، فمِن ضَمانِ البائِعِ، ويَرجِعُ المُشتَرِي عليه.
وما ليسَ بمَكيلٍ ولا مَوزونٍ يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه، وإنْ تلِف قبلَ قَبضِه فمِن ضَمانِ المُشتَرِي، لقولِه ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ» (٢)، وهذا نَماؤُه لِلمُشتَرِي، فضَمانُه عليه، وهذا ما لَم يَمنَعْه البائِعُ مِنْ قَبضِه؛ فإنْ مَنعَه حتى تلِف ضمِنه ضَمانَ غَصبٍ (٣).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا وقَع البَيعُ على مَكِيلٍ أو على مَوزونٍ أو مَعدودٍ فتلِف قبلَ قَبضِه فهو مِنْ مالِ البائِعِ.
ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ أنَّ المَكيلَ والمَوزونَ والمَعدودَ لا تَدخُلُ في ضَمانِ المُشتَرِي إلَّا بقَبضِه، سَواءٌ كانَ مُتعيَّنًا، كالصُّبرةِ، أو غيرَ مُتعيَّنٍ، كقَفيزٍ مِنها، وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، ونَحوُه قَولُ إسحاقَ.
ورُويَ عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ وسَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ والحَكَمِ
стр. 3655
وحَمَّادِ بنِ أبي سُلَيمانَ أنَّ كُلَّ ما بِيعَ على الكَيلِ والوَزنِ لا يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه، وما ليسَ بمَكيلٍ ولا مَوزونٍ يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه.
وقالَ القاضي وأصحابُه: المُرادُ بالمَكيلِ والمَوزونِ والمَعدودِ ما ليسَ بمُتعيَّنٍ مِنه، كالقَفيزِ مِنْ صُبرةٍ، والرِّطْلِ مِنْ زُبرةٍ، ومَكيلةِ زَيتٍ مِنْ دَنٍّ؛ فأمَّا المُتعيَّنُ فيَدخُلُ في ضَمانِ المُشتَرِي، كالصُّبرةِ يَبيعُها مِنْ غيرِ تَسميةِ كَيلٍ، وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدلُّ على قَولِهم؛ فإنَّه قالَ في رِوايةِ أبي الحارِثِ في رَجُلٍ اشتَرَى طَعامًا فطَلَبَ مَنْ يَحمِلُه، فرجَع وقد احتَرَقَ الطَّعامُ، فهو مِنْ مالِ المُشتَرِي، واستَدلَّ بحَديثِ ابنِ عمرَ ﵁: ما أدرَكَتِ الصَّفقةُ حَيًّا مَجموعًا فهو مِنْ مالِ المُشتَرِي، وذكَر الجوزَجانيُّ عنه فيمَنِ اشتَرَى ما في السَّفينةِ صُبرةً، ولَم يُسَمِّ كَيلًا، فلا بَأْسَ أنْ يُشرِكَ فيها ويَبيعَ ما شاءَ، إلَّا أنْ يَكونَ بينَهما كَيلٌ، فلا يُولِّي حتى يُكالَ عليه، ونَحوَ هذا قالَ مالِكٌ؛ فإنَّه قالَ: ما بِيعَ مِنْ الطَّعامِ مُكايَلةً أو مُوازَنةً لَم يَجُزْ بَيعُه قبلَ قَبضِه، وما بِيعَ مُجازَفةً أو بِيعَ مِنْ غيرِ الطَّعامِ مُكايَلةً أو مُوازَنةً جازَ بَيعُه قبلَ قَبضِه.
ووَجْهُ ذلك: ما رَوى الأوزاعيُّ عن الزُّهريِّ عن حَمزةَ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ أنَّه سَمِعَ عَبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ ﵁ يَقولُ: مَضَتِ السُّنةُ أنَّ ما أدرَكَتْه الصَّفقةُ حَيًّا مَجموعًا فهو مِنْ مالِ المُبتاعِ، رَواه البُخاريُّ عنِ ابنِ عمرَ ﵁ مِنْ قَولِه، تَعليقًا، وقَولُ الصَّحابيِّ: مَضَتِ السُّنةُ، يَقتَضي سُنَّةَ النَّبيِّ ﷺ ، ولأنَّ المَبيعَ المُعيَّنَ لا يَتعلَّقُ به حَقُّ تَوفِيَتِه، فكانَ مِنْ مالِ المُشتَرِي، كغيرِ المَكيلِ والمَوزونِ.
стр. 3656
ونُقِلَ عن أحمدَ أنَّ المَطعومَ لا يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه، سَواءٌ كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا أو لَم يَكُنْ، وهذا يَقتَضي أنَّ الطَّعامَ خاصَّةً لا يَدخُلُ في ضَمانِ المُشتَرِي حتى يَقبِضَه؛ فإنَّ التِّرمِذيَّ رَوى عن أحمدَ أنَّه أرخَصَ في بَيعِ ما لا يُكالُ ولا يُوزَنُ ممَّا لا يُؤكَلُ ولا يُشرَبُ قبلَ قَبضِه.
وقالَ الأثرَمُ: سَألتُ أبا عَبدِ اللَّهِ عن قَولِه: «نهَى عن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ»، قالَ: هذا في الطَّعامِ وما أشبَهَه مِنْ مَأكولٍ أو مَشروبٍ، فلا يَبيعُه حتى يَقبِضَه.
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: الأصَحُّ عن أحمدَ بنِ حَنبَلٍ ﵀ أنَّ الذي يُمنَعُ مِنْ بَيعِه قبلَ قَبضِه هو الطَّعامُ، وذلك لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه؛ فمَفهومُه إباحةُ بَيعِ ما سِواه قبلَ قَبضِه، ورَوى ابنُ عمرَ ﵁ قالَ: رَأيتُ الذين يَشتَرونَ الطَّعامَ مُجازَفةً يُضرِبونَ على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَبيعوه حتى يُؤووه إلى رِحالِهم، وهذا نَصٌّ في بَيعِ المُعيَّنِ، وعُمومُ قَولِه ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» مُتَّفقٌ عليه.
ولِمُسلِمٍ عن ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: كُنا نَشتَري الطَّعامَ مِنْ الرُّكبانِ جُزافًا، فنَهانا رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَبيعَه حتى نَنقُلَه مِنْ مَكانِه.
وقالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ اشتَرَى طَعامًا فليسَ له أنْ يَبيعَه حتى يَستَوفيَه.
ولو دخَل في ضَمانِ المُشتَرِي جازَ له بَيعُه والتَّصرُّفُ فيه، كما بعدَ القَبضِ، وهذا يَدلُّ على تَعميمِ المَنعِ في كلِّ طَعامٍ، مع تَنصيصِه على المَبيعِ
стр. 3657
مُجازَفةً بالمَنعِ، وهو خِلافُ قَولِ القاضي وأصحابِه، ويَدلُّ بمَفهومِه على أنَّ ما عَدَا الطَّعامَ يُخالِفُه في ذلك.
ووَجْهُ قَولِ الخِرَقيِّ أنَّ الطَّعامَ المَنهيَّ عن بَيعِه قبلَ قَبضِه لا يَكادُ يَخلو مِنْ كَونِه مَكيلًا أو مَوزونًا أو مَعدودًا؛ فتَعلُّقُ الحُكمِ بذلك كتَعلُّقِ رِبا الفَضلِ به، ويُحتمَلُ أنَّه أرادَ المَكيلَ والمَوزونَ والمَعدودَ مِنْ الطَّعامِ الذي ورَد النَّصُّ بمَنعِ بَيعِه، وهذا أظهَرُ دَليلًا وأحسَنُ (١).
ثم اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا تلِف المَبيعُ قبلَ قَبضِه، هل يَكونُ مِنْ ضَمانِ البائِعِ أم المُشتَرِي؟
تَلَفُ المَبيعِ إمَّا أنْ يَكونَ كُلِّيًّا أو جُزئيًّا، قبلَ القَبضِ أو بعدَه، ولِكُلِّ قِسمٍ أحكامٌ.
والتَّلَفُ قد يَكونُ بآفةٍ سَماويَّةٍ، وقد يَكونُ بفِعلِ المُشتَرِي، أو البائِعِ، أو بفِعلِ أجنَبيٍّ.
تَلَفُ كلِّ المَبيعِ قبلَ القَبضِ:
إذا تلِف المَبيعُ كُلُّه قبلَ القَبضِ بآفةٍ سَماويَّةٍ -أو بفِعلِ المَبيعِ، بأنْ كانَ حَيَوانًا فقَتَلَ نَفْسَه كما يَقولُ الحَنفيَّةُ- انفسخَ البَيعُ عندَ الجُمهورِ، الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ وهو رِوايةٌ عن أحمدَ، وسقَط الثَّمنُ عنِ المُشتَرِي، ولو
стр. 3658
أبرَأه المُشتَرِي مِنْ الضَّمانِ لَم يُبرَأْ، ولَم يَتغيَّرِ الحُكمُ كما يَقولُ الشافِعيَّةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ ولا شَرطانِ في بَيعٍ، ولا رِبحُ ما لَم تَضمَنْ، ولا بَيعُ ما ليسَ عندَكَ» (١)، والمُرادُ به رِبحُ ما بِيعَ قبلَ القَبضِ، والمَبيعُ قبلَ قَبضِ المُشتَرِي له هو في ضَمانِ البائِعِ، ولأنَّه لو بَقيَ أوجَبَ مُطالَبةَ المُشتَرِي بالثَّمنِ، وإذا طالَبَه بالثَّمنِ فهو يُطالِبُه بتَسليمِ المَبيعِ، وأنَّه عاجِزٌ عن التَّسليمِ؛ فتُمتنَعُ المُطالَبةُ أصلًا؛ فلَم يَكُنْ في بَقاءِ البَيعِ فائِدةٌ، وإذا انفسخَ البَيعُ سقَط الثَّمنُ عن المُشتَرِي؛ لأنَّ انفِساخَ البَيعِ ارتِفاعُه مِنْ الأصْلِ، كأنْ لَم يَكُنْ.
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ في المَكيلِ والمَوزونِ وما بِيعَ برُؤيةٍ أو صِفةٍ مُتقدِّمةٍ إلى مِثلِ قَولِ الجُمهورِ، وفي غيرِهما يَهلِكُ قبلَ القَبضِ على حِسابِ المُشتَرِي، إلَّا إنْ منَعه البائِعُ مِنْ قبَضه، فعَلَيه ضَمانُه، كالغاصِبِ، واحتَجُّوا بحَديثِ: «الخَراجُ بالضَّمانِ» (٢).
وأمَّا إذا كانَ التَّلَفُ بفِعلِ البائِعِ فإنَّ حُكمَه كالتَّلَفِ بآفةٍ سَماويَّةٍ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ (٣).
стр. 3659
وذهَب الحَنابِلةُ في المَبيعِ إذا كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا أو نَحوَهما إلى أنَّ المُشتَريَ بالخِيارِ، إنْ شاءَ فسَخ البَيعَ، وأخَذ الثَّمنَ الذي دَفَعَه إنْ كانَ، ولِلبائِعِ مُطالَبةُ مُتلِفِه ببَدَلِه، أي: بمِثلِه، إنْ كانَ مِثلِيًّا، وإلَّا فبِقيمَتِه؛ لأنَّه لمَّا فسَخ المُشتَرِي عادَ المِلْكُ لِلبائِعِ، فكانَ له الطَّلَبُ على المُتلِفِ، وإنْ شاءَ أمْضى البَيعَ، ويَنقُدُ لِلبائِعِ الثَّمنَ إنْ كانَ لَم يَدفَعْه، ويُطالِبُ المُشتَرِي مُتلِفَه، بائِعًا كانَ أو أجنبيًّا، بمِثلِه، إنْ كانَ مِثليًّا، وإلَّا فبِقيمَتِه؛ لأنَّ الإتلافَ كالعَيبِ، وقد حصَل في مَوضِعٍ يَلزَمُ البائِعَ ضَمانُه؛ فكانَ لِلمُشتَري الخيارُ، كالعَيبِ في المَبيعِ، وفارَقَ ما إذا كانَ بآفةٍ سَماويَّةٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ ما يَقتَضي الضَّمانَ، بخِلافِ ما إذا أتلَفَه آدَميٌّ، فإنَّ إتلافَه يَقتَضي الضَّمانَ بالبَدَلِ، وحُكمُ العَقدِ يَقتَضي الضَّمانَ بالثَّمنِ؛ فكانَتِ الخِيَرةُ لِلمُشتَرِي في التَّضمينِ بأيِّهما شاءَ.
أمَّا إذا لَم يَكُنِ المَبيعُ مَكيلًا أو مَوزونًا أو نَحوَهما، لَم يَنفَسِخِ البَيعُ عندَهم، ويُطالِبُ المُشتَرِي البائِعَ بالقِيمةِ (١). وهذا قَولٌ مَرجوحٌ عندَ الشافِعيَّةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنْ تلِف المَبيعُ مِنْ ذلك قبلَ قَبضِه بآفةٍ سَماويَّةٍ بطَل العَقدُ، ورجَع المُشتَرِي بالثَّمنِ، وإنْ تلِف بفِعلِ المُشتَرِي استَقَرَّ الثَّمنُ عليه، وكانَ كالقَبضِ؛ لأنَّه تَصرَف فيه.
وَإنْ أتلَفَه أجنَبيٌّ لَم يَبطُلِ العَقدُ على قِياسِ قَولِه في الجائِحةِ، ويثبُتُ لِلمُشتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسخِ والرُّجوعِ بالثَّمنِ؛ لأنَّ التَّلَفَ حصَل في يَدِ البائِعِ، فهو كحُدوثِ العَيبِ في يَدِه، وبينَ البَقاءِ على العَقدِ ومُطالَبةِ المُتلِفِ بالمِثلِ إنْ كانَ مِثليًّا، وبِهذا قالَ الشافِعيُّ، ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا.
стр. 3660
وإنْ أتلَفَه البائِعُ، قالَ أصحابُنا: الحُكمُ فيه كما لو أتلَفَه أجنَبيٌّ؛ لأنَّه أتلَفَه مَنْ يَلزَمُه ضَمانُه، فأشبَهَ ما لو أتلَفَه أجنَبيٌّ.
وقالَ الشافِعيُّ: يَنفَسِخُ العَقدُ ويَرجِعُ المُشتَرِي بالثَّمنِ لا غيرُ؛ لأنَّه تلِف، يَضمَنُه به البائِعُ؛ فكانَ الرُّجوعُ عليه بالثَّمنِ كالتَّلَفِ بفِعلِ اللَّهِ .
وفرَّق أصحابُنا بينَهما بكَونِه إذا تلِف بفِعلِ اللَّهِ لَم يُوجَدْ مُقتَضٍ لِلضَّمانِ سِوَى حُكمِ العَقدِ، بخِلافِ ما إذا أتلَفَه، فإنَّ إتلافَه يَقتَضي الضَّمانَ بالمِثْلِ، ولأنَّ حُكمَ العَقدِ يَقتَضي الضَّمانَ بالثَّمنِ؛ فكانَتِ الخِيَرةُ إلى المُشتَرِي في التَّضمينِ بأيِّهما شاءَ.
ولو تَعيَّبَ في يَدِ البائِعِ أو تلِف بَعضُه بأمْرٍ سَماويٍّ فالمُشتَرِي مُخيَّرٌ بينَ قَبولِه ناقِصًا ولا شَيءَ له، وبينَ فَسخِ العَقدِ والرُّجوعِ بالثَّمنِ؛ لأنَّه إنْ رَضيَه مَعيبًا فكَأنَّه اشتَرَى مَعيبًا هو عالِمٌ بعَيبِه، ولا يَستَحِقُّ شَيئًا مِنْ أجلِ العَيبِ، وإنْ فُسِخَ العَقدُ لَم يَكُنْ له أكثَرُ مِنْ الثَّمنِ، لأنَّه لو تلِف المَبيعُ كُلُّه لَم يَكُنْ له أكثَرُ مِنْ الثَّمنِ، فإذا تَعيَّبَ أو تلِف بَعضُه كانَ أوْلَى، وإنْ تَعيَّبَ بفِعلِ المُشتَرِي أو تلِف بَعضُه لَم يَكُنْ له فَسخٌ لِذلك؛ لأنَّه أتلَفَ مِلْكَه، فلَم يَرجِعْ على غيرِه.
وإنْ كانَ ذلك بفِعلِ البائِعِ فقياسُ قَولِ أصحابِنا أنَّ المُشتَريَ مُخيَّرٌ بينَ الفَسخِ والرُّجوعِ بالثَّمنِ، وبينَ أخْذِه والرُّجوعِ على البائِعِ بعِوَضِ ما أُتلِفَ، أو عِيبَ، وقياسُ قَولِ الشافِعيِّ أنْ يَكونَ بمَنزِلةِ ما لو تلِف بفِعلِ اللَّهِ ، وإنْ كانَ بفِعلِ أجنَبيٍّ فلَه الخِيارُ بينَ الفَسخِ والمُطالَبةِ بالثَّمنِ، وبينَ أخْذِ المَبيعِ ومُطالَبةِ المُتلِفِ بعِوَضِ ما أُتلِفَ (١).
стр. 3661
وفرَّق المالِكيَّةُ بينَ أنْ يَكونَ البَيعُ على البَتِّ، أو على الخِيارِ، وبينَ أنْ يَكونَ عَمدًا أو خَطأً؛ فإذا كانَ البَيعُ على البَتِّ فإتلافُ البائِعِ يُوجِبُ الغُرمَ لِلمُشتَرِي، كانَ الضَّمانُ مِنه أو مِنْ البائِعِ، وسَواءٌ أكانَ الإتلافُ عَمدًا أم خَطأً (١).
وإذا كانَ البَيعُ على الخيارِ؛ فالخيارُ إمَّا أنْ يَكونَ لِلبائِعِ أو لِلمُشتَرِي؛ فإذا كانَ الخيارُ لِلبائِعِ انفسخَ البَيعُ، سَواءٌ أكانَ الإتلافُ عَمدًا أو خَطأً.
وإذا كانَ الخيارُ لِلمُشتَرِي، وكانَ إتلافُ البائِعِ لِلمَبيعِ عَمدًا ضمِن البائِعُ لِلمُشتَرِي الأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ، أو القِيمةِ؛ لأنَّ لِلمُشتَرِي أنْ يَختارَ الرَّدَّ إنْ كانَ الثَّمنُ أكثَرَ، أو الإمضاءَ إنْ كانَتِ القِيمةُ أكثَرَ.
وَأمَّا إذا كانَ إتلافُ البائِعِ لِلمَبيعِ خَطَأً فيَنفَسِخُ البَيعُ (٢).
وإذا تلِف كلُّ المَبيعِ بفِعلِ المُشتَري لا يَنفَسِخُ البَيعُ، وعليه الثَّمنُ؛ لأنَّه بالإتلافِ صارَ قابِضًا كُلَّ المَبيعِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُه إتلافُه إلَّا بعدَ إثباتِ يَدِه عليه، وهو مَعنَى القَبضِ، فيَتقرَّرُ عليه الثَّمنُ، سَواءٌ أكانَ البَيعُ باتًّا أم بالخيارِ، عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.
стр. 3662
وقَصَرَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ الحُكمَ السَّابِقَ على البَيعِ الباتِّ، أو بشَرطِ الخِيارِ لِلمُشتَرِي؛ لأنَّ خِيارَ المُشتَرِي لا يَمنَعُ زَوالَ البَيعِ عن مِلكِ البائِعِ، بلا خِلافٍ؛ فلا يَمنَعُ صِحَّةَ القَبضِ؛ فلا يَمنَعُ تَقرُّرَ الثَّمنِ.
فإنْ كانَ البَيعُ بشَرطِ الخِيارِ لِلبائِعِ ذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ عليه ضَمانَ مِثلِه إنْ كانَ له مِثْلٌ، وقِيمَتِه إنْ لَم يَكُنْ له مِثْلٌ؛ لأنَّ خِيارَ البائِعِ يَمنَعُ زَوالَ السِّلعةِ عن مِلْكِه، بلا خِلافٍ؛ فكانَ المَبيعُ على حُكمِ مِلْكِ البائِعِ، ومِلْكُه مَضمونٌ بالمِثْلِ أو القِيمةِ.
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّ المُشتَريَ يَضمَنُ الأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ والقِيمةِ؛ لأنَّه إذا كانَ الثَّمنُ أكثَرَ كانَ لِلبائِعِ أنْ يُجيزَ البَيعَ في زَمَنِ الخِيارِ؛ لِمَا له فيه مِنْ الخِيارِ، وإنْ كانَتِ القِيمةُ أكثَرَ مِنْ الثَّمنِ فلِلبائِعِ أنْ يَرُدَّ البَيعَ؛ لِمَا له فيه مِنْ الخِيارِ، ويَأخُذَ القِيمةَ، لا فَرقَ في ذلك بينَ أنْ يَكونَ التَّلَفُ عَمدًا أو خَطَأً، إلَّا أنْ يَحلِفَ المُشتَرِي أنَّه ضاعَ بغيرِ تَفريطٍ أو تلِف بغيرِ سَبَبِه؛ فإنَّه يَضمَنُ الثَّمنَ دونَ التِفاتٍ إلى القِيمةِ، وهذا إذا كانَتِ القِيمةُ أكثَرَ مِنْ الثَّمنِ؛ فإنْ كانَ الثَّمنُ أكثَرَ مِنْ القِيمةِ أو مُساويًا لَها ضِمنَ الثَّمنِ مِنْ غيرِ يَمينٍ (١).
وإذا كانَ التَّلَفُ بفِعلِ أجنَبيٍّ فَعليه ضَمانُه بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، سَواءٌ أكانَ الإتلافُ عَمدًا أم خَطأً؛ لأنَّه أتَلَفَ مالًا مَملوكًا لِغيرِه بغيرِ إذْنِه، ولا يَدَ له عليه؛ فيَكونُ مَضمونًا عليه ببَدَلِه، أي: بمِثلِه، إنْ كانَ مِثليًّا، وإلَّا فبقِيمَتِه.
стр. 3663
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ المُشتَريَ بالخِيارِ إنْ شاءَ فسَخ البَيعَ وأخَذ الثَّمنَ الذي دَفَعَه، إنْ كانَ، ولِلبائِعِ مُطالَبةُ مُتلِفِه ببَدَلِه، أي: بمِثلِه إنْ كانَ مِثليًّا، وإلَّا فبقِيمَتِه؛ لأنَّه لمَّا فسَخ المُشتَري عادَ المِلْكُ لِلبائِعِ، فكانَ له الطَّلَبُ على المُتلِفِ، وإنْ شاءَ أمْضى البَيعَ، ويَنقُدُ لِلبائِعِ الثَّمنَ إنْ كانَ لَم يَدفَعْه، ويُطالِبُ المُشتَرِي مُتلِفَه البائِعَ بمِثلِه إنْ كانَ مِثليًّا، وإلَّا فبقِيمَتِه؛ لأنَّ الإتلافَ كالعَيبِ، وقد حصَل في مَوضِعٍ يَلزَمُ البائِعَ فيه ضَمانُه؛ فكانَ لِلمُشتَرِي الخِيارُ، كالعَيبِ في المَبيعِ، وفارَقَ ما إذا كانَ بآفةٍ سَماويَّةٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ ما يَقتَضي الضَّمانَ بخِلافِ ما إذا أتلَفَه آدَميٌّ، فإنَّ إتلافَه يَقتَضي الضَّمانَ بالبَدَلِ، وحُكمُ العَقدِ يَقتَضي الضَّمانَ بالثَّمنِ، فكانَتِ الخِيَرةُ لِلمُشتَرِي في التَّضمينِ بأيِّهما شاءَ؛ فإنْ شاءَ فسَخ البَيعَ، فيَعودُ المَبيعُ إلى مِلْكِ البائِعِ، فيَتبَعُ الجانيَ فيَضمَنُه، وإنْ شاءَ اختارَ البَيعَ فاتَّبَعَ الجانيَ بالضَّمانِ، وأتبَعَه البائِعُ بالثَّمنِ.
وذهَب الحَنابِلةُ إلى مِثلِ قَولِ الجُمهورِ إذا كانَ المَبيعُ مَكيلًا أو مَوزونًا أو نَحوَهما.
فإنْ لَم يَكُنْ كذلك هلَك على حِسابِ المُشتَرِي ويُتبَعُ المُتلِفُ بالضَّمانِ (١).
стр. 3664
تَلَفُ بَعضِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ:
إذا تلِف بَعضُ المَبيعِ قبلَ القَبضِ بآفةٍ سَماويَّةٍ؛ فالمُشتَرِي بالخِيارِ بينَ فَسخِ العَقدِ والرُّجوعِ بالثَّمنِ، وبينَ قَبولِه ناقِصًا ولا شَيءَ له؛ لِقُدرَتِه على الفَسخِ، هذا مَذهبُ الشافِعيَّةِ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ إذا كانَ المَبيعُ مَكيلًا أو نَحوَه، أمَّا غيرُ المَكيلِ ونَحوُه فتَلَفُ بَعضِه وتَعَيُّبُه يَكونُ على حِسابِ المُشتَرِي، ولا فَسخَ (١).
وفرَّق الحَنفيَّةُ بينَ التَّلَفِ الذي يَنشَأُ عنه نُقصانُ قَدْرٍ، والتَّلَفِ الذي يَنشَأُ عنه نُقصانُ وَصفٍ، ونُقصانُ الوَصفِ هو كلُّ ما يَدخُلُ في البَيعِ مِنْ غيرِ تَسميةٍ، كالشَّجَرِ والبِناءِ في الأرضِ وأطرافِ الحَيَوانِ والجَودةِ في المَكيلِ والمَوزونِ؛ فلا يَنفَسِخُ البَيعُ أصْلًا ولا يَسقُطُ عن المُشتَرِي شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّ الأوصافَ لا حِصَّةَ لَها مِنْ الثَّمنِ، إلَّا إذا ورَد عليها القَبضُ أو الجِنايةُ؛ لأنَّها تَصيرُ مَقصودةً بالقَبضِ والجِنايةِ، فالمُشتَرِي بالخِيارِ، إنْ شاءَ أخَذه بجَميعِ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ ترَك؛ لِتَعَيُّبِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ.
وأمَّا إذا كانَ التَّلَفُ قد نَشَأ عنه نُقصانُ قَدْرٍ -بأنْ كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا أو مَعدودًا- فالعَقدُ يَنفَسِخُ بقَدرِ الهالِكِ، وتَسقُطُ حِصَّتُه مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّ كُلَّ قَدْرٍ مِنْ المُقَدَّراتِ مَعقودٌ عليه؛ فيُقابِلُه شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ، وهَلاكُ كلِّ المَعقودِ عليه يُوجِبُ انفِساخَ البَيعِ في الكُلِّ وسُقوطَ الثَّمنِ؛ فهَلاكُ
стр. 3665
بَعضِه يُوجِبُ انفِساخَ البَيعِ وسُقوطَ الثَّمنِ بقَدْرِه، والمُشتَرِي بالخِيارِ في البَقيَّةِ، إنْ شاءَ أخَذه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ ترَك؛ لأنَّ الصَّفقةَ قد تَفرَّقتْ عليه (١).
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه إنْ كانَتِ البَقيَّةُ بعدَ التَّلَفِ النِّصفَ فأكثَرَ لزِم المُشتَريَ البَقيَّةُ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، ويَرجِعُ بحِصَّةِ ما تلِف، وذلك لأنَّ بَقاءَ النِّصفِ كبَقاءِ الجُلِّ (الأكثَرِ)، فيَلزَمُه، وهذا في المَبيعِ المُتعَدِّدِ.
فإنْ كانَ المَبيعُ مُتَّحِدًا (٢) كفَرَسٍ مَثَلًا، وبَقيَ بعدَ التَّلَفِ النِّصفُ فأكثَرُ، فالمُشتَرِي بالخِيارِ بينَ رَدِّ المَبيعِ وأخْذِ ثَمَنِه، وبينَ التَّمسُّكِ بالبَقيَّةِ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ.
وإنْ كانَتِ البَقيَّةُ بعدَ التَّلَفِ أقَلَّ مِنْ النِّصفِ حرُم التَّمسُّكُ بها، ووجَب رَدُّ المَبيعِ، وأخْذُ جَميعِ ثَمَنِه؛ لِاختِلالِ البَيعِ بتَلَفِ جُلِّ المَبيعِ؛ فتَمَسُّكُ المُشتَرِي ببَقيَّتِه كإنشاءِ عَقدٍ بثَمَنٍ مَجهولٍ؛ إذْ لا يُعلَمُ ما يَخُصُّ البَقيَّةَ إلَّا بعدَ تَقويمِ الجَميعِ، ثم النَّظَرُ فيما يَخُصُّ كُلَّ جُزءٍ على انفِرادِه، إلَّا المِثليَّ، فلا يَحرُمُ التَّمسُّكُ بالأقَلِّ، بَلِ المُشتَرِي بالخِيارِ بينَ فَسخِ البَيعِ وبينَ التَّمسُّكِ بالبَقيَّةِ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، وذلك لأنَّ المِثليَّ مَنابُه (مُقابِلُه) مِنْ الثَّمنِ المَعلومِ؛ فليسَ التَّمسُّكُ بالبَقيَّةِ القَليلةِ كإنشاءِ عَقدٍ بثَمَنٍ مَجهولٍ، وإنَّما يَأتي هذا في المُقوَّمِ (٣).
стр. 3666
ما يَحصُلُ به القَبضُ:
اختلَف الفُقهاءُ فيما يَحصُلُ به القَبضُ، لأنَّ لِكُلِّ نَوعٍ مِنْ البُيوعِ قَبضًا مُعيَّنًا:
فقالَ الحَنفيَّةُ: تَسليمُ المَبيعِ أنْ يُخَلَّى بينَه وبينَ المَبيعِ على وَجْهٍ يَتمكَّنُ مِنْ قَبْضِه مِنْ غيرِ حائِلٍ، وذلك يَختَلِفُ بحَسَبِ حالِ المَبيعِ، وكذا تَسليمُ الثَّمنِ، وفي الأجناسِ يُعتبَرُ في صِحَّةِ التَّسليمِ ثَلاثةُ مَعانٍ:
١ - أنْ يَقولَ: خَلَّيتُ بينَكَ وبينَ المَبيعِ.
٢ - أنْ يَكونَ المَبيعُ بحَضرةِ المُشتَرِي على صِفةٍ يَتَأتَّى فيها الفِعلُ مِنْ غيرِ مانِعٍ.
٣ - وأنْ يَكونَ مُفرَزًا غيرَ مَشغولٍ بحَقِ غيرِهِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: القَبضُ في العَقارِ -وهو الأرضُ، وما اتَّصَلَ بها مِنْ بِناءٍ أو شَجَرٍ- بالتَّخليةِ بينَه وبينَ المُشتَرِي، وتَمكينِه مِنْ التَّصرُّفِ به، وإنْ لَم يُخْلِ البائِعُ مَتاعَه مِنه، إنْ لَم تَكُنْ دارَ سُكناه، وفي دارِ السُّكنَى بالإخلاءِ لِمَتاعِه مِنها، ولا يَكفي مُجرَّدُ التَّخليةِ.
والقَبضُ في غيرِ العَقارِ مِنْ حَيَوانٍ وعَرَضٍ يَكونُ بالعُرفِ الجاري بينَ النَّاسِ، كتَسليمِ الثَّوبِ وزِمامِ الدَّابَّةِ أو سَوْقِها أو عَزْلِها عن دَوابِّ
стр. 3667
البائِعِ، أو انصِرافِ البائِعِ عنها (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: قَبْضُ العَقارِ -وهو الأرضُ والنَّخلُ والأبنيةُ- تَخليتُه لِلمُشتَرِي بلَفظٍ يَدلُّ عليها مِنْ البائِعِ، وتَمكينُه مِنْ التَّصرُّفِ فيه، كتَسليمِ المِفتاحِ إليه، وإنْ لَم يَتصرَّفْ فيه، ولَم يَدخُلْه، بشَرطِ فَراغِه مِنْ أمتِعةِ البائِعِ؛ لأنَّ التَّسليمَ في العُرفِ مَوقوفٌ على ذلك.
وقَبضُ المَنقولِ مِنْ حَيَوانٍ أو غيرِه تَحويلُه، وتَمكينُه مِنْ التَّصرُّفِ؛ لِمَا رَوى الشَّيخانِ عن ابنِ عمرَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ اشتَرَى طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه». قالَ: وكُنَّا نَشتَري الطَّعامَ مِنْ الرُّكبانِ جِزافًا، فنَهانا رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَبيعَه حتى نَنقُلَه مِنْ مَكانِه (٢).
وقِيسَ بالطَّعامِ غيرُه.
ولِلمُشتَرِي قَبضُ المَبيعِ إنْ كانَ دَفَعَ الثَّمنَ، أو كانَ مُؤجَّلًا، ولَم يَحِلَّ، أو سلَّمه البائِعُ، وإلَّا فلا بدَّ مِنْ إذْنِ البائِعِ؛ فلِلبائِعِ حَبسُ المَبيعِ نَظيرَ دَفعِ الثَّمنِ، إنْ خافَ فَوْتَه، وإنْ كانَ المَبيعُ يُكالُ أو يُوزَنُ أو يُقاسُ لزِم في صِحَّةِ قَبضِه الوَزنُ أو الكَيلُ أو المَقاسُ.
ولو امتَنَعَ المُتعاقِدانِ، كُلٌّ يُريدُ أنْ يُسلِّمَه الآخَرَ، كأنْ يَقولَ البائِعُ: لا أُسلِّمُ المَبيعَ حتى أقبِضَ ثَمَنَه، وقالَ المُشتَرِي في الثَّمنِ مثلَه، أُجبِرَ البائِعُ
стр. 3668
على الِابتِداءِ بالتَّسليمِ؛ لأنَّ حَقَّ المُشتَرِي في العَينِ، وحَقَّ البائِعِ في الذِّمَّةِ؛ فيُقدَّمُ ما يَتعلَّقُ بالعَينِ، كأرْشِ الجِنايةِ مع غيرِه مِنْ الدُّيونِ، وإنْ أُعسِرَ المُشتَرِي بالثَّمنِ فلِلبائِعِ الفَسخُ بالفَلَسِ، والخِلافُ في المُكري والمُستَأجِرِ كاختِلافِ البائِعِ والمُشتَرِي (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَحصُلُ قَبضُ المَكيلِ بالكَيلِ، والمَوزونِ بالوَزنِ، والمَعدودِ بالعَدِّ، والمَذروعِ بالذَّرعِ؛ لِحَديثِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا بِعتَ فكِلْ، وإذا ابتَعْتَ فاكتَلْ» (٢).
وحَديثِ: «إذا سَمَّيتَ الكَيلَ فكِلْ» (٣).
وقيسَ العَدُّ والذَّرعُ على الكَيلِ والوَزنِ.
وقَبْضُ الذَّهبِ والفِضَّةِ والجَواهِرِ باليَدِ، وقَبْضُ الحَيَوانِ أخْذُه بزِمامِه، أو تَمشيَتُه مِنْ مَكانِه، وما لا يُنقَلُ قَبضُه بالتَّخليةِ بينَ مُشتَريه وبينَه؛ لأنَّ القَبضَ مُطلَقٌ في الشَّرعِ؛ فيَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى العُرفِ.
ويَحصُلُ هذا القَبضُ بشَرطِ حُضورِ المُستَحِقِّ أو نائِبِه؛ لأنَّه يَقومُ مَقامَه.
وأُجرةُ الكَيَّالِ، والوَزَّانِ، والعَدَّادِ، والذَّرَّاعِ، والنَّقَّادِ على الباذِلِ؛ لأنَّه تَعلَّقَ به حَقُّ تَوفيةٍ، ولا تَحصُلُ إلَّا بذلك، أشبَهَ السَّقيَ على بائِعِ الثَّمرةِ.
стр. 3669
وأُجرةُ النَّقلِ على القابِضِ؛ لأنَّه لا يَتعلَّقُ به حَقُّ تَوفيةٍ.
ولا يَضمَنُ ناقِدٌ حاذِقٌ أمينٌ خَطأً سَواءٌ كانَ مُتبَرِّعًا، أو بأُجرةٍ؛ لأنَّه أمينٌ؛ فإنْ لَم يَكُنْ حاذِقًا، أو كانَ غيرَ ذي أمانةٍ وعَدالةٍ فهو ضامِنٌ لِتَغريرِه، كما لو تَعمَّدَ (١).
بَيعُ الطَّعامِ قبلَ أنْ تَجريَ فيه الصِّيعانُ:
اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا اشتَرَى الإنسانُ طَعامًا مُكايَلةً وقد قبَضه، هل يَجوزُ أنْ يَبيعَه لِآخَرَ بالكَيلِ نَفْسِه الذي اشتَراه به، أو لا بدَّ مِنْ كَيلِه مَرَّةً أُخرى؟ على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: ذهَب جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ اشتَرَى طَعامًا مُكايَلةً لا يَجوزُ له أنْ يَبيعَه لِآخَرَ حتى يَكيلَه على مَنْ اشتَراه مَرَّةً أُخرى إذا لَم يَرَ المُشتَرِي الكَيلَ؛ لِمَا رُويَ عن جابرٍ ﵁ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بَيعِ الطَّعامِ حتى يَجريَ فيه الصَّاعانِ، صاعُ البائِعِ، وصاعُ المُشتَرِي (٢)، ورَواه البَيهَقيُّ وغيرُه عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: نهَى النَّبيُّ عن بَيعِ الطَّعامِ حتى يَجريَ فيه الصَّاعانِ، فيَكونَ لِلبائِعِ الزِّيادةُ وعليه النُّقصانُ (٣).
стр. 3670
وعن ابنِ عمرَ ﵁ أنَّه سُئلَ عن الرَّجُلِ يَشتَري الطَّعامَ وقد شَهِدَ كَيْلَه، قالَ: لا، حتى يَجرِىَ فيه الصَّاعانِ (١).
وعن سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ قالَ: سَمِعتُ عُثمانَ ﵁ يَخطُبُ على المِنبَرِ وهو يَقولُ: كُنْتُ أبتاعُ التَّمرَ مِنْ بَطنٍ مِنْ اليَهودِ، يُقالُ لَهم بَنو قَينُقاعَ، فأبيعُه برِبحٍ، فبلَغ ذلك رَسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «يا عُثمانُ، إذا اشتَرَيتَ فاكتَلْ، وإذا بِعتَ فكِلْ» (٢).
فهذه الأحاديثُ تَدُلُّ على أنَّ مَنْ اشتَرَى شَيئًا مُكايَلةً، وقبَضه ثم باعَه إلى غيرِه، لَم يَجُزْ تَسليمُه بالكَيلِ الأوَّلِ، حتى يَكيلَه على مَنْ اشتَراه ثانيًا؛ لأنَّهما عَقدانِ يَفتقِرُ كلُّ واحِدٍ مِنهما إلى قَبضٍ، فلَم يَجُزْ أنْ يَكونَ القَبضُ الواحِدُ نايبًا عن العَقدَيْنِ؛ فعلى هذا يَكونُ القَبضُ نايبًا عَمَّا ابتاعَه، ولا يَنوبُ عَمَّا باعَه حتى يَستَأنِفَ كَيلَه عليه.
أمَّا إذا شاهَدَ المُشتَرِي الكَيلَ الأوَّلَ، وقالَ: خُذْه بهذا الكَيلِ الذي قد شاهَدتَه، فأخَذه به، صَحَّ عندَ الحَنفيَّةِ في الصَّحيحِ، والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّه قد شاهَدَ كَيلَه وعَلِمَه، فلا مَعنَى لِاعتِبارِ كَيلِه مَرَّةً أُخرى، ولأنَّ المَبيعَ صارَ مَعلومًا بكَيلٍ واحِدٍ، وتَحقَّقَ مَعنَى التَّسليمِ، والحَديثُ مَحمولٌ على ما إذا اجتَمَعتِ الصَّفقَتانِ.
وعلى هذا لِلمُشتَرِي التَّصرُّفُ فيه بذلك، وليسَ له مُطالَبةُ البائِعِ بكَيلٍ، وإنِ ادَّعَى نُقصانَه لَم يُقبَلْ منه.
стр. 3671
وقالَ الشافِعيَّةُ والحَنفيَّةُ في قَولٍ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يُجزِئُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الطَّعامِ حتى يَجريَ فيه الصَّاعانِ، وهذا داخِلٌ فيه، ولأنَّه قبَضه بغيرِ كَيلٍ، أشبَهَ ما لو قبَضه جِزافًا.
وعن ابنِ عمرَ ﵁ أنَّه سُئلَ عن الرَّجُلِ يَشتَرِي الطَّعامَ وقد شَهِدَ كَيلَه، قالَ: لا، حتى يَجرِىَ فيه الصَّاعانِ (١).
أمَّا إذا اشتَرَى مَوزونًا وقبَضه، ثم باعَه وَزنًا؛ فقد اختَلَفوا فيهِ:
فقالَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: يَجوزُ لِلمُشتَرِي الثَّاني أنْ يَأخُذَه بالوَزنِ الأوَّلِ؛ لأنَّ الوَزنَ لا يَتفاوَتُ، والكَيلُ اجتِهادٌ، وقد يقعُ التَّفاوُتُ.
وقالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في القَولِ الثَّاني: لا يَجوزُ إلَّا إذا وَزَنَه مَرَّةً أُخرى، وكذا المَعدودُ المُتقارِبُ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ المَعدودَ المُتقارِبَ يُساوي المَكيلَ والمَوزونَ فيما تَعلَّقَ به الفَسادُ، وهو جَهالةُ المَبيعِ لِاحتِمالِ الزِّيادةِ، فإنَّ مَنْ اشتَرَى جَوْزًا على أنَّه ألْفٌ فوجَده أكثَرَ يَرُدُّ الزَّائِدَ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: يَجوزُ بَيعُ المَعدودِ دونَ عَدِّه مَرَّةً أُخرى، كالمَذروعِ؛ لأنَّه ليسَ بمُقَدَّرٍ، ألَا تَرَى أنَّه يَجوزُ بَيعُه بجِنسِه مُتفاضِلًا، كالمَذروعِ.
القَولُ الثَّاني: ذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه إذا باعَه نَقدًا أو كانَ سَلَمًا يَجوزُ بالكَيلِ الأوَّلِ، وإنْ باعَه نَسيئةً؛ لا يَجوزُ.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختلَف العُلماءُ فيمَن أسلَمَ إلى آخَرَ أو باعَ مِنه
стр. 3672
طَعامًا على مَكيلةٍ ما، فأخبَرَ البائِعُ أو المُسلِّمُ إليه المُشتَريَ بكَيلِ الطَّعامِ، هل لِلمُشتَرِي أنْ يَقبِضَه مِنه دونَ أنْ يَكيلَه وأنْ يَعمَلَ في ذلك على تَصديقِه؟
فقالَ مالِكٌ: ذلك جائِزٌ في السَّلَمِ وفي البَيعِ، بشَرطِ النَّقدِ، وإلَّا خِيفَ أنْ يَكونَ مِنْ بابِ الرِّبا، كأنَّه إنَّما صَدَّقَه في الكَيلِ؛ لِمَكانِ أنَّه أنظَرَه بالثَّمنِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ واللَّيثُ: لا يَجوزُ ذلك حتى يَكيلَه البائِعُ لِلمُشتَرِي مَرَّةً أُخرى بعدَ أنْ كالَه لِنَفْسِه بحَضرةِ البائِعِ.
وحُجَّتُهم أنَّه لمَّا كانَ ليسَ لِلمُشتَرِي أنْ يَبيعَه إلَّا بعدَ أنْ يَكيلَه لَم يَكُنْ له أنْ يَقبِضَه إلَّا بعدَ أنْ يَكيلَه البائِعُ له؛ لأنَّه لمَّا كانَ مِنْ شَرطِ البَيعِ الكَيلُ كانَ كذلك القَبضُ، واحتَجُّوا بما جاءَ في الحَديثِ أنَّه ﵊ نهَى عن بَيعِ الطَّعامِ حتى يَجريَ فيه الصَّاعانِ، صاعُ البائِعِ وصاعُ المُشتَرِي.
واختَلَفوا إذا هلَك الطَّعامُ في يَدِ المُشتَرِي قبلَ الكَيلِ، فاختَلَفا في الكَيلِ؛ فقالَ الشافِعيُّ: القَولُ قَولُ المُشتَرِي، وبه قالَ أبو ثَوْرٍ. وقالَ مالِكٌ: القَولُ قَولُ البائِعِ؛ لأنَّه قد صَدَّقَه المُشتَرِي عندَ قَبضِه إيَّاه، وهذا مَبنيٌّ عندَه على أنَّ البَيعَ يَجوزُ بتَصديقِه نَفْسِه (١).
стр. 3673
بَيعُ المُصَرَّاةِ:
المُصَرَّاةُ: هي التي جُمِعَ اللَّبَنُ في ضَرعِها فلَم تُحلَبْ أيَّامًا حتى عَظُمَ الضَّرعُ؛ لِاجتِماعِ اللَّبَنِ فيه؛ فيَراه مُشتَريها كَثيرًا، فيَزيدُ في ثَمَنِها لِذلك، ثم إذا حَلَبَها بعدَ تلك الحَلْبةِ حَلبةً أو اثنَتَيْنِ عرَف أنَّ ذلك ليسَ بلَبَنِها لِنُقصانِه كُلَّ يَومٍ عن أوَّلِه (١).
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ اشتَرَى مُصَرَّاةً مِنْ بَهيمةِ الأنعامِ وهو لا يَعلَمُ بتَصريَتِها ثم عَلِمَ، هل يُعَدُّ هذا عَيبًا يُرَدُّ به البَيعُ ويثبُتُ له الخِيارُ أو لا؟ على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: هو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ وأبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ أنَّ هذا عَيبٌ، ومَن اشتَراها ووجَدها مُصَرَّاةً فهو بخَيرِ النَّظرَيْنِ بعدَ أنْ يَحتَلِبَها، إنْ شاءَ أمسَكَها، وإنْ شاءَ رَدَّها ومعها صاعٌ؛ لِمَا رَواه أبو هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ : «لا تُصِرُّوا الإبِلَ والغَنَمَ، فمَنِ ابتاعَها بَعدُ فإنَّه بخَيرِ النَّظرَيْنِ بعدَ أنْ يَحتَلِبَها، إنْ شاءَ أمسَكَ، وإنْ شاءَ رَدَّها وصاعَ تَمرٍ». قالَ البُخاريُّ: ويُذكَرُ عن أبي صالِحٍ ومُجاهِدٍ والوَليدِ بنِ رَباحٍ وموسى بنِ يَسارٍ عن أبي هُرَيرةَ عن النَّبيِّ ﷺ (صاعَ تَمرٍ)، وقالَ بَعضُهم عن ابنِ سِيرينَ صاعًا مِنْ طَعامٍ، وهو بالخِيارِ ثَلاثًا، وقالَ بَعضُهم عن ابنِ سِيرينَ صاعًا مِنْ تَمرٍ، ولَم يَذكُرْ ثَلاثًا، والتَّمرُ أكثَرُ (٢).
стр. 3674
وعن ابنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: مَنْ اشتَرَى شاةً مُحَفَّلةً فرَدَّها فليَرُدَّ مَعَها صاعًا مِنْ تَمرٍ، ونهَى النَّبيُّ ﷺ أنْ تُلَقَّى البُيوعُ (١).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا تَلَقَّوُا الرُّكبانَ، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، ولا تَناجَشوا، ولا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ، ولا تَصُرُّوا الغَنَمَ، ومَن ابتاعَها فهو بخَيرِ النَّظرَيْنِ بعدَ أنْ يَحتَلِبَها، إنْ رَضيَها أمسَكَها، وإنْ سَخِطَها رَدَّها وصاعًا مِنْ تَمرٍ» (٢)، فأثبَتَ له النَّبيُّ ﷺ الخِيارَ بالرَّدِّ مع التَّصريةِ، وذلك دالٌّ على كَونِه عَيبًا مُؤثِّرًا، ولأنَّه مُدلِّسٌ فأشبَهَ التَّدليسَ بسائِرِ العُيوبُ؛ لأنَّ هذا تَدليسٌ بما يَختلِفُ الثَّمنُ باختِلافِه؛ فوجَب به الرَّدُّ، كما لو كانَتْ شَمطاءَ فسَوَّدَ شَعرَها.
وإنَّما يثبُتُ الخِيارُ بشَرطِ ألَّا يَكونَ المُشتَرِي عالِمًا بالتَّصريةِ؛ فإنْ كانَ عالِمًا لَم يَثبُتْ له الخِيارُ عندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه اشتَراها عالِمًا بالتَّدليسِ، فلَم يَكُنْ له خِيارٌ، كما لو اشتَرَى مَنْ سُوِّدَ شَعرُها عالِمًا بذلك، ولأنَّه دخَل على بَصيرةٍ، فلَم يَثبُتْ له الرَّدُّ، كما لو اشتَرَى مَعيبًا يَعلَمُ عَيبَه.
وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: يثبُتُ له الخِيارُ في وَجْهٍ لِلخَبَرِ، ولأنَّ انقِطاعَ اللَّبَنِ لَم يُوجَدْ، وقد يَبقَى على حالِه، فلَم يَجعَلْ ذلك رِضًا، كما لو تَزوَّجَتْ عِنِّينًا ثم طَلَبتِ الفَسخَ.
القَولُ الآخَرُ: وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ، وهو أنَّ التَّصريةَ ليسَتْ عَيبًا، ولا خِيارَ له؛ لأنَّ ذلك ليسَ بعَيبٍ، للاتَّفاقِ على أنَّ الإنسانَ إذا
стр. 3675
اشتَرَى شاةً فخرَج لَبَنُها قَليلًا أنَّ ذلك ليسَ بعَيبِ، والتَّدليسُ بما ليسَ بعَيبٍ لا يُثبِتُ الخِيارَ، كما لو عَلَفَها فانتَفَخَ بَطنُها، فظَنَّ المُشتَرِي أنَّها حامِلٌ، لكنَّه يَرجِعُ عليه بنُقصانِ العَيبِ.
قالوا: وحَديثُ المُصَرَّاةِ يَجِبُ ألَّا يُوجِبَ عَمَلًا؛ لِمُفارَقَتِه الأُصولَ، وذلك أنَّه مُفارِقٌ لِلأُصولِ مِنْ وُجوهٍ:
منها: أنَّه مُعارِضٌ لقولِه ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، وهو أصْلٌ مُتَّفقٌ عليه.
ومنها: أنَّ فيه مُعارَضةَ مَنعِ بَيعِ طَعامٍ بطَعامٍ نَسيئةً، وذلك لا يَجوزُ باتِّفاقٍ.
ومنها: أنَّ الأصْلَ في المُتلَفاتِ إمَّا القِيَمُ وإمَّا الِمثْلُ، وإعطاءُ صاعٍ مِنْ تَمرٍ في لَبَنٍ ليسَ قِيمةً ولا مِثْلًا.
ثم اختلَف القائِلونَ بالتَّخييرِ في التَّصريةِ ما الذي يَجِبُ عليه إذا رَدَّ المُصَرَّاةَ:
فقالَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ بأنَّ الواجِبَ رَدُّ صاعٍ مِنْ تَمرٍ، كما قدَره الشَّرعُ، كما في الحَديثِ عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اشتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحتَلَبَها، فإنْ رَضيَها أمسَكَها، وإنْ سَخِطَها ففي حَلبَتِها صاعٌ مِنْ تَمرٍ» (١)، وفي لَفظِ مُسلِمٍ: «رَدَّها وصاعًا مِنْ تَمرٍ، لا سَمراءَ» (٢).
стр. 3676
ويَرُدُّه ولو زادَتْ قِيمةُ صاعِ التَّمرِ على المُصَرَّاةِ أو نَقَصتْ قِيمَتُه عن قِيمةِ اللَّبَنِ؛ لِعُمومِ الحَديثِ، فإنْ لَم يَجِدِ المُشتَرِي التَّمرَ فعليه قِيمَتُه مَوضِعَ العَقدِ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ ما لو أتلَفَه.
وذهَب المالِكيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ إلى أنَّ الواجِبَ صاعٌ مِنْ غالِبِ قُوتِ البَلَدِ؛ لأنَّ في بَعضِ الحَديثِ: «ورُدَّ معها صاعًا مِنْ طَعامٍ»، وفي بَعضِها: «ورُدَّ معها مثلَ -أو قال: مثلَيْ- لَبَنِها قَمحًا»، وهذا يَكونُ جَمعًا بينَ الأحاديثِ.
وجعَل الإمامُ مالِكٌ تَنصيصَ النَّبيِّ ﷺ على التَّمرِ لأنَّه غالِبُ قُوتِ البَلَدِ في المَدينةِ، ونَصَّ على القَمحِ لأنَّه غالِبُ قُوتِ بَلَدٍ آخَرَ.
وقالَ أبو يُوسفَ: يَرُدُّ قِيمةَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه ضَمانُ مُتلَفٍ، فكانَ مُقدَّرًا بقِيمَتِه كسائِرِ المُتلَفاتِ.
ومُدَّةُ الخِيارِ في التَّصريةِ ثَلاثةُ أيَّامٍ، كما في حَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ ابتاعَ شاةً مُصَرَّاةً فهو فيها بالخِيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، إنْ شاءَ أمسَكَها، وإنْ شاءَ رَدَّها ورَدَّ مَعَها صاعًا مِنْ تَمرٍ» (١).
ثم اختَلَفوا هل الرَّدُّ يَكونُ على الفَورِ أو بعدَ الثَّلاثةِ:
فالمَذهبُ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ أنَّ الرَّدَّ يَكونُ على الفَورِ قياسًا على سائِرِ العُيوبِ.
стр. 3677
وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ: بأنَّه يَمتَدُّ ثَلاثةَ أيَّامٍ؛ لِظاهِرِ الأحاديثِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ قد يَختلِفُ لِاختِلافِ المَكانِ، وتَغيرِ العَلَفِ، فإذا مَضَتِ الثَّلاثةُ بانَتِ التَّصريةُ وثبَت الخِيارُ على الفَورِ بعدَ ذلك (١).
بَيعُ النَّجْشِ:
اتَّفق العُلماءُ على حُرمةِ النَّجْشِ، وهو أنْ يَزيدَ في ثَمَنِ السِّلعةِ المَعروضةِ لِلبَيعِ، وهو غيرُ راغِبٍ في شِرائِها؛ لِيَغُرَّ غيرَه ويَقتَديَ به لِيَزيدَ في الثَّمنِ لِذلك، أو يَمدَحَ المَبيعَ بما ليسَ فيه؛ لِيُروِّجَه، أو يَفعَلَ ذلك البائِعُ نَفسُه؛ لِيَغُرَّ النَّاسَ بذلك، وهم لا يَعرِفونَ أنَّه رَبُّها.
وذلك لِنَهيِه ﷺ عن النَّجْشِ (٢)، وعَن أبي هُرَيرةَ قالَ: قالَ
стр. 3678
رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يُتلَقَّى الرُّكبانُ لِبَيعٍ، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، ولا تَناجَشوا، ولا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ» (١).
ولأنَّ ذلك سَبَبٌ لِإيقاعِ رَجُلٍ فيه بأزيَدَ مِنْ الثَّمنِ، وهو خِداعٌ، والخِداعُ قَبيحٌ، جاوَرَ هذا البَيعَ، فكانَ حَرامًا.
وقالَ الحَنفيَّةُ وبَعضُ المالِكيَّةِ وبَعضُ الشافِعيَّةِ: هذا النَّهيُ مَحمولٌ على ما إذا طَلَبَه المُشتَري بمِثلِ قِيمَتِه، أو أكثَرَ، أمَّا إذا طَلَبَه بأقَلَّ مِنْ قِيمَتِه فلا بَأْسَ أنْ يَزيدَ في ثَمَنِه إلى أنْ يَبلُغَ قِيمةَ المَبيعِ، فلو أنَّ رَجُلًا رَأى سِلعةً تُباعُ بدُونِ قِيمَتِها فزادَ فيها لِتَنتَهيَ إلى قِيمَتِها لَم يَكُنْ ناجِشًا عاصيًا؛ لأنَّه نَفعٌ لِلمُسلِمِ مِنْ غيرِ إضرارٍ بأحَدٍ، وإنْ لَم يَكُنْ له رَغبةٌ فيه؛ لأنَّ ذلك مِنْ النَّصيحةِ.
ثم اختَلَفوا في البَيعِ، هل هو صَحيحٌ مع الحُرمةِ أو أنَّ هذا عَيبٌ، والمُشتَرِي مُخيَّرٌ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ؟
فَقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: البَيعُ صَحيحٌ لازِمٌ مع الحُرمةِ؛ لأنَّ النَّجشَ فِعلُ النَّاجِشِ لا العاقِدِ؛ فلَم يُؤثِّرْ في البَيعِ، والنَّهيُ لِحَقِّ الآدَميِّ؛ فلَم يَفسُدِ العَقدُ، كتَلَقِّي الرُّكبانِ وبَيعِ المَعيبِ والمُدلِّسِ، بخِلافِ ما كانَ حَقًّا لِلَّهِ ؛ لأنَّ حَقَّ العَبدِ يَنجَبِرُ بالخِيارِ، أو زيادةِ الثَّمنِ.
وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: لا يَصحُّ بَيعُ النَّجشِ؛ لأنَّه مَنهيٌّ عنه،
стр. 3679
والنَّهيُ يَقتَضي الفَسادَ؛ لأنَّه خَديعةٌ؛ فإذا كانَ مَنهيًّا عنه كانَ باطِلًا؛ تَغليبًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى في النَّهيِ.
ثُمَّ اختَلَفوا هل يثبُتُ له الخِيارُ أو لا، سَواءٌ أكانَ النَّجشُ بعِلمِ البائِعِ وأمْرِه ومُواطأتِه أم لا؟
فقالَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: لا خِيارَ لِلمُشتَرِي في ذلك سَواءٌ أفعَله النَّاجِشُ بعِلمِ المُشتَرِي ومُواطأتِه له أم لا؛ لأنَّه ليسَ بعَيبٍ في المَبيعِ نَفْسِه، وإنَّما هي خَديعةٌ في الثَّمنِ؛ لأنَّ التَّفريطَ مِنه حيثُ اشتَرَى ما لا يُعرَفُ قِيمَتُه، وقد كانَ على المُشتَرِي أنْ يَتحفَّظَ ويُحضِرَ مَنْ يُميِّزُ إنْ لَم يَكُنْ هو يُميِّزُ.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ إذا كانَ بمُواطأةٍ فله الخِيارُ.
وقالَ المالِكيَّةُ: مَنْ اشتَرَى سِلعةً بنُجوشةٍ فهو بالخِيارِ إذا عَلِمَ، إنْ شاءَ التَزَمَها بالثَّمنِ الذي كانَ اشتَراها به إنْ كانَتْ قائِمةً، وإنْ شاءَ رَدَّها، وإنْ فاتَتْ في يَدِه رُدَّتْ إلى القِيمةِ يَومَ القَبضِ وإنْ كانَتْ أقَلَّ مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّ النَّجشَ عَيبٌ مِنْ العُيوبِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن التَّصريةِ، ثم جعَل المُشتَريَ بالخِيارِ إذا عَلِمَ بأنَّها كانَتْ مُصَرَّاةً، ولَم يَقضِ بفَسادِ البَيعِ، ومَعلومٌ أنَّ التَّصريةَ غِشٌّ وخَديعةٌ، فكذلك النَّجشُ يَصحُّ فيه البَيعُ، ويَكونُ المُبتاعُ بالخِيارِ مِنْ أجْلِ ذلك قِياسًا ونَظَرًا.
وهذا إذا كانَ البائِعُ هو النَّاجِشَ، ولو كانَ بأمْرِه وإذْنِه أو بسَبَبِه، وإنْ لَم يَكُنْ شَيءٌ مِنْ ذلك وكانَ أجنَبيًّا لا يَعرِفُ فلا شَيءَ على البائِعِ، والإثْمُ على النَّاجِشِ، وأمَّا البَيعُ فهو صَحيحٌ.
стр. 3680
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ كانَ في البَيعِ غَبنٌ لَم تَجْرِ العادةُ بمِثلِه فلِلمُشتَرِي الخِيارُ، سَواءٌ أكانَ النَّجشُ بمُواطأةٍ مِنْ البائِعِ أو لَم يَكُنْ؛ لأنَّه تَغريرٌ بالعاقِدِ، فإذا كانَ مَغبونًا ثبَت له الخِيارُ، كما في تَلَقِّي الرُّكبانِ، وإنْ كانَ يُتغابَنُ بمِثلِه فلا خيارَ له (١).
مُشارَكةُ الدَّلاَّلِ في الشِّراءِ مع بَعضِ مَنْ يَزيدُ دونَ عِلمِ البائِعِ:
سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن سَماسِرةٍ في فُندُقٍ مِنْ جُملَتِهم ثَلاثةٌ يَشتَرونَ مِنْ يَدِ بَعضِهم لِبَعضٍ، ثم إنَّهم يَزيدونَ في الشِّراءِ ويُقسِّمونَ الفائِدةَ، فهل يَجوزُ ذلك؟
فأجابَ: الحَمدُ لِلَّهِ، لا يَجوزُ لِلدَّلَّالِ الذي هو وَكيلُ البائِعِ في المُناداةِ أنْ يَكونَ شَريكًا لِمَنْ يَزيدُ بغيرِ عِلمِ البائِعِ؛ فإنَّ هذا يَكونُ هو الذي يَزيدُ ويَشتَري في المَعنَى، وهذا خيانةٌ لِلبائِعِ، ومَن عَمِلَ مثلَ هذا لَم يُحِبَّ أنْ يَزيدَ أحَدٌ عليه، ولَم يَنصَحِ البائِعَ في طَلَبِ الزِّيادةِ وإنهاءِ المُناداةِ.