← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

ويَرُدُّه ولو زادَتْ قِيمةُ صاعِ التَّمرِ على المُصَرَّاةِ أو نَقَصتْ قِيمَتُه عن قِيمةِ اللَّبَنِ؛ لِعُمومِ الحَديثِ، فإنْ لَم يَجِدِ المُشتَرِي التَّمرَ فعليه قِيمَتُه مَوضِعَ العَقدِ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ ما لو أتلَفَه. وذهَب المالِكيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ إلى أنَّ الواجِبَ صاعٌ مِنْ غالِبِ قُوتِ البَلَدِ؛ لأنَّ في بَعضِ الحَديثِ: «ورُدَّ معها صاعًا مِنْ طَعامٍ»، وفي بَعضِها: «ورُدَّ معها مثلَ -أو قال: مثلَيْ- لَبَنِها قَمحًا»، وهذا يَكونُ جَمعًا بينَ الأحاديثِ. وجعَل الإمامُ مالِكٌ تَنصيصَ النَّبيِّ ﷺ على التَّمرِ لأنَّه غالِبُ قُوتِ البَلَدِ في المَدينةِ، ونَصَّ على القَمحِ لأنَّه غالِبُ قُوتِ بَلَدٍ آخَرَ. وقالَ أبو يُوسفَ: يَرُدُّ قِيمةَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه ضَمانُ مُتلَفٍ، فكانَ مُقدَّرًا بقِيمَتِه كسائِرِ المُتلَفاتِ. ومُدَّةُ الخِيارِ في التَّصريةِ ثَلاثةُ أيَّامٍ، كما في حَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ ابتاعَ شاةً مُصَرَّاةً فهو فيها بالخِيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، إنْ شاءَ أمسَكَها، وإنْ شاءَ رَدَّها ورَدَّ مَعَها صاعًا مِنْ تَمرٍ» (١). ثم اختَلَفوا هل الرَّدُّ يَكونُ على الفَورِ أو بعدَ الثَّلاثةِ: فالمَذهبُ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ أنَّ الرَّدَّ يَكونُ على الفَورِ قياسًا على سائِرِ العُيوبِ.

стр. 3677

وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ: بأنَّه يَمتَدُّ ثَلاثةَ أيَّامٍ؛ لِظاهِرِ الأحاديثِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ قد يَختلِفُ لِاختِلافِ المَكانِ، وتَغيرِ العَلَفِ، فإذا مَضَتِ الثَّلاثةُ بانَتِ التَّصريةُ وثبَت الخِيارُ على الفَورِ بعدَ ذلك (١). بَيعُ النَّجْشِ: اتَّفق العُلماءُ على حُرمةِ النَّجْشِ، وهو أنْ يَزيدَ في ثَمَنِ السِّلعةِ المَعروضةِ لِلبَيعِ، وهو غيرُ راغِبٍ في شِرائِها؛ لِيَغُرَّ غيرَه ويَقتَديَ به لِيَزيدَ في الثَّمنِ لِذلك، أو يَمدَحَ المَبيعَ بما ليسَ فيه؛ لِيُروِّجَه، أو يَفعَلَ ذلك البائِعُ نَفسُه؛ لِيَغُرَّ النَّاسَ بذلك، وهم لا يَعرِفونَ أنَّه رَبُّها. وذلك لِنَهيِه ﷺ عن النَّجْشِ (٢)، وعَن أبي هُرَيرةَ قالَ: قالَ

стр. 3678

رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يُتلَقَّى الرُّكبانُ لِبَيعٍ، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، ولا تَناجَشوا، ولا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ» (١). ولأنَّ ذلك سَبَبٌ لِإيقاعِ رَجُلٍ فيه بأزيَدَ مِنْ الثَّمنِ، وهو خِداعٌ، والخِداعُ قَبيحٌ، جاوَرَ هذا البَيعَ، فكانَ حَرامًا. وقالَ الحَنفيَّةُ وبَعضُ المالِكيَّةِ وبَعضُ الشافِعيَّةِ: هذا النَّهيُ مَحمولٌ على ما إذا طَلَبَه المُشتَري بمِثلِ قِيمَتِه، أو أكثَرَ، أمَّا إذا طَلَبَه بأقَلَّ مِنْ قِيمَتِه فلا بَأْسَ أنْ يَزيدَ في ثَمَنِه إلى أنْ يَبلُغَ قِيمةَ المَبيعِ، فلو أنَّ رَجُلًا رَأى سِلعةً تُباعُ بدُونِ قِيمَتِها فزادَ فيها لِتَنتَهيَ إلى قِيمَتِها لَم يَكُنْ ناجِشًا عاصيًا؛ لأنَّه نَفعٌ لِلمُسلِمِ مِنْ غيرِ إضرارٍ بأحَدٍ، وإنْ لَم يَكُنْ له رَغبةٌ فيه؛ لأنَّ ذلك مِنْ النَّصيحةِ. ثم اختَلَفوا في البَيعِ، هل هو صَحيحٌ مع الحُرمةِ أو أنَّ هذا عَيبٌ، والمُشتَرِي مُخيَّرٌ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ؟ فَقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: البَيعُ صَحيحٌ لازِمٌ مع الحُرمةِ؛ لأنَّ النَّجشَ فِعلُ النَّاجِشِ لا العاقِدِ؛ فلَم يُؤثِّرْ في البَيعِ، والنَّهيُ لِحَقِّ الآدَميِّ؛ فلَم يَفسُدِ العَقدُ، كتَلَقِّي الرُّكبانِ وبَيعِ المَعيبِ والمُدلِّسِ، بخِلافِ ما كانَ حَقًّا لِلَّهِ ؛ لأنَّ حَقَّ العَبدِ يَنجَبِرُ بالخِيارِ، أو زيادةِ الثَّمنِ. وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: لا يَصحُّ بَيعُ النَّجشِ؛ لأنَّه مَنهيٌّ عنه،

стр. 3679

والنَّهيُ يَقتَضي الفَسادَ؛ لأنَّه خَديعةٌ؛ فإذا كانَ مَنهيًّا عنه كانَ باطِلًا؛ تَغليبًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى في النَّهيِ. ثُمَّ اختَلَفوا هل يثبُتُ له الخِيارُ أو لا، سَواءٌ أكانَ النَّجشُ بعِلمِ البائِعِ وأمْرِه ومُواطأتِه أم لا؟ فقالَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: لا خِيارَ لِلمُشتَرِي في ذلك سَواءٌ أفعَله النَّاجِشُ بعِلمِ المُشتَرِي ومُواطأتِه له أم لا؛ لأنَّه ليسَ بعَيبٍ في المَبيعِ نَفْسِه، وإنَّما هي خَديعةٌ في الثَّمنِ؛ لأنَّ التَّفريطَ مِنه حيثُ اشتَرَى ما لا يُعرَفُ قِيمَتُه، وقد كانَ على المُشتَرِي أنْ يَتحفَّظَ ويُحضِرَ مَنْ يُميِّزُ إنْ لَم يَكُنْ هو يُميِّزُ. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ إذا كانَ بمُواطأةٍ فله الخِيارُ. وقالَ المالِكيَّةُ: مَنْ اشتَرَى سِلعةً بنُجوشةٍ فهو بالخِيارِ إذا عَلِمَ، إنْ شاءَ التَزَمَها بالثَّمنِ الذي كانَ اشتَراها به إنْ كانَتْ قائِمةً، وإنْ شاءَ رَدَّها، وإنْ فاتَتْ في يَدِه رُدَّتْ إلى القِيمةِ يَومَ القَبضِ وإنْ كانَتْ أقَلَّ مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّ النَّجشَ عَيبٌ مِنْ العُيوبِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن التَّصريةِ، ثم جعَل المُشتَريَ بالخِيارِ إذا عَلِمَ بأنَّها كانَتْ مُصَرَّاةً، ولَم يَقضِ بفَسادِ البَيعِ، ومَعلومٌ أنَّ التَّصريةَ غِشٌّ وخَديعةٌ، فكذلك النَّجشُ يَصحُّ فيه البَيعُ، ويَكونُ المُبتاعُ بالخِيارِ مِنْ أجْلِ ذلك قِياسًا ونَظَرًا. وهذا إذا كانَ البائِعُ هو النَّاجِشَ، ولو كانَ بأمْرِه وإذْنِه أو بسَبَبِه، وإنْ لَم يَكُنْ شَيءٌ مِنْ ذلك وكانَ أجنَبيًّا لا يَعرِفُ فلا شَيءَ على البائِعِ، والإثْمُ على النَّاجِشِ، وأمَّا البَيعُ فهو صَحيحٌ.

стр. 3680

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ كانَ في البَيعِ غَبنٌ لَم تَجْرِ العادةُ بمِثلِه فلِلمُشتَرِي الخِيارُ، سَواءٌ أكانَ النَّجشُ بمُواطأةٍ مِنْ البائِعِ أو لَم يَكُنْ؛ لأنَّه تَغريرٌ بالعاقِدِ، فإذا كانَ مَغبونًا ثبَت له الخِيارُ، كما في تَلَقِّي الرُّكبانِ، وإنْ كانَ يُتغابَنُ بمِثلِه فلا خيارَ له (١). مُشارَكةُ الدَّلاَّلِ في الشِّراءِ مع بَعضِ مَنْ يَزيدُ دونَ عِلمِ البائِعِ: سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن سَماسِرةٍ في فُندُقٍ مِنْ جُملَتِهم ثَلاثةٌ يَشتَرونَ مِنْ يَدِ بَعضِهم لِبَعضٍ، ثم إنَّهم يَزيدونَ في الشِّراءِ ويُقسِّمونَ الفائِدةَ، فهل يَجوزُ ذلك؟ فأجابَ: الحَمدُ لِلَّهِ، لا يَجوزُ لِلدَّلَّالِ الذي هو وَكيلُ البائِعِ في المُناداةِ أنْ يَكونَ شَريكًا لِمَنْ يَزيدُ بغيرِ عِلمِ البائِعِ؛ فإنَّ هذا يَكونُ هو الذي يَزيدُ ويَشتَري في المَعنَى، وهذا خيانةٌ لِلبائِعِ، ومَن عَمِلَ مثلَ هذا لَم يُحِبَّ أنْ يَزيدَ أحَدٌ عليه، ولَم يَنصَحِ البائِعَ في طَلَبِ الزِّيادةِ وإنهاءِ المُناداةِ.

стр. 3681

وإذا تَواطأَ جَماعةٌ على ذلك فإنَّهم يَستَحِقُّونَ التَّعزيرَ البَليغَ الذي يَردَعُهم وأمثالَهم عن مِثلِ هذه الخيانةِ، ومِن تَعزيرِهم أنْ يُمنَعوا مِنْ المُناداةِ حتى تَظهَرَ تَوبَتُهم، واللَّهُ أعلَمُ (١). التَّواطُؤُ على تَركِ المُزايَدةِ بعدَ سِعرٍ مُحدَّدٍ: نَصَّ المالِكيَّةُ وابنُ تَيميَّةَ على أنَّ التَّواطُؤَ على تَركِ المُزايَدةِ إنْ تَمَّ بينَ أحَدِ الحاضِرينَ وآخَرَ، بأنْ يَسألَه تَركَ المُزايَدةِ فلا بَأْسَ به، قالَ المالِكيَّةُ: ولو كانَ ذلك في نَظيرِ شَيءٍ مِنْ المالِ يَجعَلُه لِمَنْ كَفَّ عن الزِّيادةِ، كما لو قالَ له: كُفَّ عن الزِّيادةِ ولَكَ دِينارٌ، أو قالَ له: كُفَّ عن الزِّيادةِ ونحن شَريكانِ في السِّلعةِ، وذلك لأنَّ بابَ المُزايَدةِ مَفتوحٌ، وإنَّما ترَك أحَدُهما مُزايَدةَ الآخَرِ. أمَّا إنْ تَمَّ التَّواطُؤُ بينَ جَميعِ الحاضِرينَ على الكَفِّ عن الزِّيادةِ فلا يَجوزُ؛ لِمَا فيه مِنْ الضَّرَرِ على البائِعِ. ومِثلُ تَواطُؤِ الجَميعِ تَصرُّفُ مَنْ حُكمُهم كمَجموعةٍ مُتَحكِّمةٍ في سُوقِ المُزايَدةِ، أو شَيخِ السُّوقِ. والهَدَفُ مِنْ التَّواطُؤِ قد يَكونُ الِاشتِراكَ بينَهم في تَملُّكِ السِّلعةِ المَبيعةِ بأقلَّ مِنْ قِيمَتِها؛ لِاقتِسامِها بينَهم، وقد يَكونُ بتَخصيصِ سِلعةٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، لِيَشتَريَها بأقلَّ مِنْ قِيمَتِها دونَ مُنازَعةِ الآخَرينَ له، وفي الحالَتَيْنِ ضَرَرٌ بالبائِعِ وبَخسٌ لِسِلعَتِه، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]، فإنْ وقَع التَّواطُؤُ

стр. 3682

المَمنوعُ خُيِّرَ البائِعُ بينَ الرَّدِّ والإمضاءِ؛ فإنْ هَلَكتِ السِّلعةُ فلَه الأكثَرُ مِنْ الثَّمنِ والقِيمةِ. قالَ في «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: وجازَ لِمَنْ أرادَ شِراءَ سِلعةٍ في المَزادِ سُؤالُ بَعضٍ مِنْ الحاضِرينَ لِسَوْمِها؛ لِيَكُفَّ عن الزِّيادةِ فيها؛ لِيَشتَريَها السَّائِلُ، قالَ ابنُ رُشدٍ: ولو في نَظيرِ شَيءٍ يَجعَلُه لِمَنْ كَفَّ عن الزِّيادةِ، نَحوَ: كُفَّ عن الزِّيادةِ ولَكَ دِرهَمٌ، ويَقضي له به حيثُ كَفَّ عنها. لا سُؤالُ الجَميعِ لِيَكُفُّوا عن الزِّيادةِ؛ فلا يَجوزُ؛ لِمَا فيه مِنْ الضَّرَرِ على البائِعِ. ومِثلُ الجَميعِ مَنْ في حُكمِهم، كشَيخِ السُّوقِ؛ فإنْ وقَع خُيِّرَ البائِعُ في الرَّدِّ والإمضاءِ؛ فإنْ فاتَ فلَه الأكثَرُ مِنْ الثَّمنِ والقِيمةِ. فإنْ أمْضَى فليسَ لَهم مُشارَكَتُه على الصَّوابِ، وليسَ له أنْ يُلزِمَهم الشَّرِكةَ، وهو ظاهِرٌ (١). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن تاجِرَيْنِ عُرِضتْ عليهما سِلعةٌ لِلبَيعِ، فرَغِبَ في شِرائِها كلُّ واحِدٍ مِنهُما؛ فقالَ أحَدُهما لِلآخَرِ: أشتَريها شَرِكةً بَيني وبينَكَ. وكانَتْ نِيَّتُه ألَّا يَزيدَ عليه في ثَمَنِها، وأنْ يَنفرِدُ فيها، فرَغِبَ في الشَّرِكةِ لِأجْلِ ذلك، فاشتَراها أحَدُهما ودَفَعَ ثَمَنَها مِنْ مالِهما على السَّويَّةِ؛ فهل يَصحُّ هذا البَيعُ والحالةُ هذه، أو يَكونُ في ذلك دُلسةٌ على بائِعِها والحالةُ هذه؟

стр. 3683

فأجابَ: الحَمدُ لِلَّهِ، أمَّا إذا كانَ في السُّوقِ مَنْ يُزايِدُهما ولكنَّ أحَدَهما ترَك مُزايِدةَ صاحِبِه خاصَّةً لِأجْلِ مُشارَكَتِه له فهذا لا يَحرُمُ؛ فإنَّ بابَ المُزايَدةِ مَفتوحٌ، وإنَّما ترَك أحَدُهما مُزايَدةَ الآخَرِ، بخِلافِ ما إذا اتَّفق أهلُ السُّوقِ على ألَّا يُزايِدوا في سِلَعٍ هم مُحتاجونَ لَها؛ لِيَبيعَها صاحِبُها بدُونِ قِيمَتِها ويَتقاسَموها بينَهم؛ فإنَّ هذا قد يَضُرُّ صاحِبَها أكثَرَ ممَّا يَضُرُّ تَلَقِّي السِّلَعِ إذا باعَها مُساوَمةً؛ فإنَّ ذلك فيه مِنْ بَخسِ النَّاسِ ما لا يَخفَى، واللَّهُ أعلَمُ (١). تَلَقِّي الرُّكبانِ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على حُرمةِ تَلَقِّي الرُّكبانِ إذا قُصِدَ التَّلَقِّي والشِّراءُ مِنهم، وكانَ عالِمًا بالنَّهيِ، وكانَ ذلك يَضُرُّ بأهلِ البَلَدِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يُتَلَقَّى الرُّكبانُ لِبَيعٍ، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، ولا تَناجَشوا، ولا يَبِعُ حاضِرٌ لِبادٍ» (٢). وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ أنَّه قالَ: «نهَى النَّبيُّ ﷺ عن تَلَقِّي البُيوعِ» (٣). وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، ولا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حتى يُهبَطَ بها إلى السُّوقِ» (٤).

стр. 3684

ولقولِه ﷺ : «لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ؛ فمَن تَلَقَّاه فاشتَرَى مِنه فإذا أتَى سَيِّدُه السُّوقَ فهو بالخِيارِ» (١). وعن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: نُهينا أنْ يَبيعَ حاضِرٌ لِبادٍ، وإنْ كانَ أخاه أو أباه (٢)، ففي هذه الأحاديثِ المَنعُ مِنْ تَلَقِّي الرُّكبانِ لِابتياعِ أمتِعَتِهم قبلَ قُدومِ البَلَدِ. وقالَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ بأنَّ البَيعَ صَحيحٌ مع الحُرمةِ؛ لأنَّ النَّهيَ لا يَرجِعُ إلى العَقدِ نَفْسِه، ولا يُخِلُّ بشَيءٍ مِنْ أركانِه وشَرائِطِه، وإنَّما هو لِدَفعِ الإضرارِ بالرُّكبانِ. ولقولِه ﷺ : «لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ؛ فمَنْ تَلَقَّاه فاشتَرَى مِنه فإذا أتَى سَيِّدُه السُّوقَ فهو بالخِيارِ» (٣). والخيارُ لا يَكونُ إلَّا في عَقدٍ صَحيحٍ، ولأنَّ النَّهيَ لا لِمَعنًى في البَيعِ، بَلْ يَعودُ إلى ضَربٍ مِنْ الخَديعةِ يُمكِنُ استِدراكُها بإثباتِ الخِيارِ، فأشبَهَ بَيعَ المُصَرَّاةِ. وقالَ بَعضُ المالِكيَّةِ وبَعضُ الحَنابِلةِ -وهي رِوايةٌ عن أحمدَ-: البَيعُ باطِلٌ ويُفسَخُ البَيعُ؛ لِظاهِرِ النَّهيِ (٤).

стр. 3685

ما المَقصودُ بالتَّلَقِّي: قالَ الحَنفيَّةُ: ولِلمُتَلَقِّي صُورتانِ: إحداهما: أنَّ الرَّجُلَ مِنْ أهلِ المِصْرِ؛ إذا سَمِعَ بمَجيءِ قافِلةٍ معها طَعامٌ، وأهلُ المِصْرِ في قَحطٍ وغَلاءٍ، يَخرُجُ يَتلَقَّاهم ويَشتَرِي مِنهم جَميعَ طَعامِهم، ويَدخُلُ به المِصْرَ، ويَبيعُه على ما يُريدُ مِنْ الثَّمنِ، ولو ترَكهم حتى يَدخُلوا باعوا على أهلِ المِصْرِ مُتفرِّقًا، تَوسَّعَ أهلُ المِصْرِ بذلك، وأمَّا إذا كانَ أهلُ المِصْرِ لا يَتضرَّرونَ بذلك فإنَّه لا يُكرَهُ. وثانيها: أنْ يَتلَقَّاهم رَجُلٌ مِنْ أهلِ المِصْرِ فيَشتَريَ مِنهم بأرخَصَ مِنْ سِعرِ المِصْرِ وهم لا يَعلَمونَ بسِعرِ أهلِ المِصْرِ، فالشِّراءُ جائِزٌ في الحُكمِ، ولكنَّه مَكروهٌ تَحريمًا؛ لأنَّه غَرَّهم، سَواءٌ أتَضرَّرَ به أهلُ المِصْرِ، أم لا. ومَحمَلُ النَّهيِ إذا كانَ يَضُرُّ بأهلِ البَلَدِ، أو لَبَّسَ السِّعرَ على الوارِدِينِ؛ لِمَا فيه مِنْ الغَرَرِ والضَّرَرِ، أمَّا إذا انتَفَيا فلا بَأْسَ به (١). وقالَ المالِكيَّةُ: التَّلَقِّي تارةً يَكونُ لِلسِّلعةِ الوارِدةِ لِبَلَدٍ مع صاحِبِها قبلَ وُصولِ سُوقِها، أو البَلَدِ، إنْ لَم يَكُنْ لَها سُوقٌ، وتارةً يَكونُ لِصاحِبِها، كما

стр. 3686

إذا وَصَلَ قبلَ سِلعَتِه فيَتلَقَّاه رَجُلٌ فيَشتَري مِنه ما سَيَصِلُ بَعدُ على الصِّفةِ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: المَقصودُ بالتَّلَقِّي أنْ يَتلَقَّى شَخصٌ طائِفةً يَحمِلونَ مَتاعًا إلى البَلَدِ مَثَلًا، فيَشتَريَه مِنهم قبلَ قُدومِهم البَلَدَ ومَعرِفَتِهم بالسِّعرِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: المَقصودُ بتَلَقِّي الرُّكبانِ هم القادِمونَ مِنْ السَّفَرِ بجَلوبةٍ، وهي ما يُجلَبُ لِلبَيعِ، وإنْ كانوا مُشاةً (٣). عِلَّةُ النَّهيِ: وقد اختلَف الفُقهاءُ في عِلَّةِ النَّهيِ، هل هو لِأجْلِ الضَّرَرِ بأهلِ البَلَدِ، أو بجالِبِ السِّلعةِ أو بماذا؟ فقالَ الحَنفيَّةُ: النَّهيُ عن تَلَقِّي السِّلَعِ إنَّما هو مِنْ أجْلِ الضَّرَرِ بأهلِ البَلَدِ؛ فإنْ كانَ لا يَضُرُّ بهم فلا بَأْسَ به (٤). وقالَ المالِكيَّةُ: العِلَّةُ هي الرِّفقُ بأهلِ الأسواقِ؛ لِئَلَّا يَقطَعُ بهم عَمَّا له جَلَسوا يَبتَغونَ مِنْ فَضلِ اللَّهِ ؛ فنُهِيَ النَّاسُ أنْ يَتلَقَّوُا السِّلَعَ التي

стр. 3687

يُهبَطُ بها إليهم؛ لأنَّ في ذلك فَسادًا عليهم، فعلى هذا تُعرَضُ السِّلعةُ في التَّلَقِّي على أهلِ الحاضِرةِ في السُّوقِ بالثَّمنِ الذي اشتَراها به؛ لأنَّ لَهم حَقًّا فيها؛ فإنْ قَبِلوها وإلَّا رُدَّتْ عليه، ولا تُرَدُّ على بائِعِها؛ لِلحَقِّ الذي لَهم في ذلك (١). أمَّا الشافِعيَّةُ؛ فقالَ منهم الماوَرديُّ ﵀: فاختلَف أصحابُنا في المَعنَى الذي لِأجْلِه نهَى النَّبيُّ ﷺ عن ذلك، ومنَع منه؛ فقالَ جُمهورُهم: إنَّ المَعنَى فيه أنَّ قَومًا بالمَدينةِ كانوا يَتلَقَّوْنَ الرُّكبانَ إذا وَرَدتْ بالأمتِعةِ فيُخبِرونَهم برُخصِ الأمتِعةِ وكَسادِها، ويَبتاعونَها مِنهم بتلك الأسعارِ؛ فإذا ورَد أربابُ الأمتِعةِ المَدينةَ شاهَدوا زيادةَ الأسعارِ وكَذِبَ مَنْ تَلَقَّاهم بالأخبارِ؛ ويُؤَدِّي ذلك إلى انقِطاعِ الرُّكبانِ وعُدولِهم بالأمتِعةِ إلى غيرِها مِنْ البُلدانِ، فنهَى النَّبيُّ ﷺ عن تَلَقِّيهم؛ نَظَرًا لَهم، ولِمَا في ذلك مِنْ الخَديعةِ المُجانِبةِ لِلدِّينِ، كما نهَى ﷺ أنْ يَبيعَ حاضِرٌ لِبادٍ؛ نَظَرًا لِأهلِ البَلَدِ؛ لِتَعُمَّ المَصلَحةُ بالفَريقَيْنِ؛ بالنَّظَرِ لَهما. وقالَ آخَرونَ: بَلِ المَعنَى في النَّهيِ عن تَلَقِّيهم أنَّ مَنْ كانَ يَبتاعُها مِنهم يَحمِلُها إلى مَنزِلِه، ويَتربَّصُ بها زِيادةَ السِّعرِ؛ فلا يَتَّسِعُ على أهلِ المَدينةِ، ولا يَنالونَ نَقصًا مِنْ رُخصِها، فنهَى النَّبيُّ ﷺ عن تَلَقِّي الرُّكبانِ لِلبَيعِ حتى تَرِدَ أمتِعَتُهم السُّوقَ، فتَجتَمِعَ فيه وتَرخُصَ الأسعارُ بكَثرَتِها، فيَنالَ أهلُ المَدينةِ نَفعًا برُخصِها؛ فيَكونَ هذا النَّهيُ نَظَرًا لِأهلِ المَدينةِ

стр. 3688

أيضًا، كما نهَى ﷺ أنْ يَبيعَ حاضِرٌ لِبادٍ؛ نَظَرًا لِأهلِ المَدينةِ، واللَّهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ العُلماءُ: سَبَبُ التَّحريمِ إزالةُ الضَّررِ عن الجالِبِ، وصيانَتُه مِمَّنْ يَخدَعُه. قالَ الإمامُ أبو عَبدِ اللَّهِ المازِريُّ ﵀: فإنْ قيلَ: المَنعُ مِنْ بَيعِ الحاضِرِ لِلبادي سَبَبُه الرِّفقُ بأهلِ البَلَدِ، واحتُمِلَ فيه غَبنُ البادي؛ فالمَنعُ مِنْ التَّلَقِّي ألَّا يُغبَنَ البادي، ولِهذا قالَ ﷺ : «فإذا أتَى سَيِّدُه السُّوقَ فهو بالخِيارِ». فالجَوابُ: أنَّ الشَّرعَ يَنْظُرُ في مِثلِ هذه المَسائِلِ إلى مَصلَحةِ النَّاسِ، والمَصلَحةُ تَقتَضي أنْ يُنظَرَ لِلجَماعةِ على الواحِدِ، لا لِلواحِدِ على الجَماعةِ؛ فلمَّا كانَ البادي إذا باعَ بنَفْسِه انتفعَ جَميعُ أهلِ السُّوقِ، واشتَرَوْا رَخيصًا، فانتفعَ به جَميعُ سُكَّانِ البَلَدِ، نَظَرَ الشَّرعُ لِأهلِ البَلَدِ على البادي. ولمَّا كانَ في التَّلَقِّي إنَّما يَنتَفِعُ المُتلَقِّي خاصَّةً، وهو واحِدٌ في مُقابَلةِ واحِدٍ، لَم تَكُنْ إباحةُ التَّلَقِّي مَصلَحةً، لا سيَّما أنَّه يُضافُ إلى ذلك عِلَّةُ أُخرى، وهي لُحوقُ الضَّررِ بأهلِ السُّوقِ في انفِرادِ المُتلَقِّي عنهم بالرُّخصِ، وقَطعُ المَوادِّ عنهم وهُم أكثَرُ مِنْ المُتلَقِّي؛ فنَظَرَ الشَّرعُ لَهم عليه، فلا تَناقُضَ بينَ المَسألَتَيْنِ، بَلْ هما مُتَّفِقَتانِ في الحُكمِ والمَصلَحةِ (٢).

стр. 3689

وقالَ الحَنابِلةُ: المَعنَى في النَّهيِ عن تَلَقِّي الرُّكبانِ لَحِقَه، لا غيرَه؛ لأنَّ المُتلَقِّي في الأغلَبِ إمَّا أنْ يَكذِبَ في سِعرِ البَلَدِ، وإذًا يَكونُ غارًّا غاشًّا، أو يَسكُتَ فيَكونَ مُدلِّسًا خادِعًا (١). هل يثبُتُ الخِيارُ في حَقِّ المُتلَقِّي مُطلَقًا أو إذا كانَ مَغبونًا فَقط؟ اختلَف الفُقهاءُ في المُتلَقِّي إذا باعَ السِّلعةَ ثم ذهَب إلى السُّوقِ، هل له الخِيارُ أو لا؟ فقالَ الحَنفيَّةُ: لا خِيارَ له. وقالَ المالِكيَّةُ: ليسَ له الخِيارُ، وإنَّما تُعرَضُ السِّلعةُ على أهلِ الحاضِرةِ في السُّوقِ بالثَّمنِ الذي اشتَراها به؛ لأنَّ لَهم حَقًّا فيها؛ فإنْ قَبِلوها وإلَّا رُدَّتْ عليه، ولا تُرَدُّ على بائِعِها؛ لِلحَقِّ الذي لَهم في ذلك (٢). وقالَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: لا خِيارَ لَهم قبلَ أنْ يَقدَموا ويَعلَموا السِّعرَ، وبعدَه يثبُتُ لَهم الخِيارُ إنْ كانَ الشِّراءُ بأرخَصَ مِنْ سِعرِ البَلَدِ، وقد غُبِنوا؛ لأنَّه إنَّما ثبَت لِأجْلِ الخَديعةِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، ولا ضَرَرَ مع عَدَمِ الغَبنِ؛ لقولِه ﷺ : «لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فمَن تَلَقَّاه فاشتَرَى مِنه فإذا أتَى سَيِّدُه السُّوقَ فهو بالخِيارِ» (٣)، ولأنَّه غَرَّهم ودلَّس عليهم، فثبَت لَهمُ الخِيارُ، كما لو دلَّس عليهم بعَيبٍ.

стр. 3690

ويُحمَلُ إطلاقُ الحَديثِ في إثباتِ الخِيارِ على هذا؛ لِعِلمِنا بمَعناه ومُرادِه؛ لأنَّه مَعنًى يَتعلَّقُ الخِيارُ بمِثلِه، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَل له الخِيارَ إذا أتَى السُّوقَ، فيُفهَمُ مِنه أنَّه أشارَ إلى مَعرِفَتِه بالغَبنِ في السُّوقِ، ولَولا ذلك لَكانَ الخِيارُ له مِنْ حينِ البَيعِ. وشَرطُ ثُبوتِ الخِيارِ بالغَبنِ عندَ الحَنابِلةِ في المَذهبِ أنْ يَكونَ فاحِشًا، يَخرُجُ عن العادةِ، ويَرجِعُ ذلك إلى العُرفِ؛ لأنَّه لَم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحديدِه، فرجَع فيه إلى العُرفِ، وقيلَ: يُقدَّرُ الغَبنُ بالثُّلُثِ، وقيلَ: بالرُّبُعِ، وقيلَ: بالسُّدُسِ، وقيلَ: يثبُتُ الخِيارُ بمُجرَّدِ الغَبنِ، وإنْ قَلَّ. وإنْ كانَ الشِّراءُ بسِعرِ البَلَدِ أو أكثَرَ، أو ابتَدَأ القادِمونَ فالتَمَسوا مِنه الشِّراءَ وهُم عالِمونَ بسِعرِ البَلَدِ، أو غيرُ عالِمِينَ، فالأصَحُّ عندَ الشافِعيَّةِ -وهو قَولُ الحَنابِلةِ-: لا خِيارَ لَهُم؛ لأنَّهم لَم يَلحَقْهم غَبنٌ في بَيعِهم. وفي وَجْهٍ عندَ الشافِعيَّةِ لَهم الخِيارُ؛ اعتِبارًا بوُجوبِه في ابتِداءِ الحالِ. وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أنَّ له الخِيارَ مُطلَقًا، وإنْ لَم يُغبَنوا. هَلْ الخِيارُ يَكونُ على الفَورِ؟ قالَ الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: الخِيارُ يَكونُ على الفَورِ؛ لأنَّه خِيارُ عَيبٍ؛ فمَتَى أمكَنَهمُ الفَسخُ بعدَ قُدومِ البَلَدِ فلَم يَفسَخوا سقَط، وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: يَمتَدُّ ثَلاثةَ أيَّامٍ؛ لأنَّه خِيارُ شَرْعٍ. وقالَ الحَنابِلةُ: إنَّه على التَّراخي (١).

стр. 3691

هَلْ النَّهيُ الوارِدُ يَشمَلُ البَيعَ لَهم، والشِّراءَ مِنهم، أو يَشمَلُ الشِّراءَ مِنهم فَقط؟ فقالَ الحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في وَجْهٍ: إذا تَلَقَّى الرُّكبانَ فباعَهم شَيئًا فهو بمَنزِلةِ الشِّراءِ مِنهم، ولَهمُ الخِيارُ إذا غَبَنَهم غَبنًا يَخرُجُ عن العادةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَلَقَّوُا الرُّكبانَ». والبائِعُ داخِلٌ في هذا، ولأنَّ النَّهيَ عنه لِمَا فيه مِنْ خَديعَتِهم وغَبنِهم، وهذا في البَيعِ كما هو في الشِّراءِ، والحَديثُ قد جاءَ مُطلَقًا، ولو كانَ مُختَصًّا بالشِّراءِ لَأُلحِقَ به ما في مَعناه، وهذا في مَعناه. وقالَ الشافِعيَّةُ في الوَجهِ الآخَرِ: النَّهيُ عن الشِّراءِ دونَ البَيعِ، فلا يَدخُلُ البَيعُ فيه. وفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ: إنَّه لا خِيارَ له، إلَّا إذا قصَد تَلَقِّيَهم (١). إذا تَلَقَّى الرُّكبانَ بدُونِ قَصْدِ التَّلَقِّي: لو خرَج ولَم يَقصِدِ التَّلَقِّيَ، بأنْ خرَج لِشُغلٍ أو لِاصطيادٍ ونَحوِهما، فرَآهُم فاشتَرَى مِنهم؛ فقالَ الشافِعيَّةُ في وَجهٍ -وهو اختيارُ الخِرَقيِّ، واحتِمالٌ

стр. 3692

لِابنِ قُدامةَ مِنْ الحَنابِلةِ-: إنَّه لا يَعصي بذلك؛ لأنَّه لَم يَقصِدِ التَّلَقِّيَ، فلَم يَتناوَلْه النَّهيُ، ولا خيارَ لَهم، وإنْ كانوا مَغبونينَ. وقالَ الشافِعيَّةُ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ والقاضي مِنْ الحَنابِلةِ: يَعصي بذلك، ولا فَرقَ بينَ القَصدِ وعَدَمِه؛ لِشُمولِ المَعنَى؛ لأنَّه إنَّما نهَى عن التَّلَقِّي دَفعًا لِلخَديعةِ والغَبنِ عنهم، وهذا مُتحقَّقٌ، سَواءٌ قُصِدَ التَّلَقِّي أو لَم يُقصَدْ، فوجَب المَنعُ مِنه، كما لو قُصِدَ (١). بَيعُ الحاضِرِ لِلبادي: الحاضِرُ: هو المُقيمُ في المُدُنِ والقُرَى. والبادِي: هو المُقيمُ بالباديةِ. تَعريفُ بَيعِ الحاضِرِ لِلبادي: قالَ الحَنفيَّةُ: هو أنْ يَجلِبَ البادي السِّلعةَ فيَأخُذَها الحاضِرُ لِيَبيعَها له بعدَ وَقتٍ بأغلَى مِنْ السِّعرِ المَوجودِ وَقتَ الجَلبِ؛ فالحاضِرُ سِمسارٌ، والبادي صاحِبُ السِّلعةِ. وقيلَ: هو أنْ يَجيءَ البادي بالطَّعامِ إلى المِصْرِ، فلا يَترُكَه السِّمسارُ الحاضِرُ يَبيعُه بنَفْسِه، بَلْ يَتوكَّلُ عليه ويَبيعُه، ويُغَلِّي على النَّاسِ السِّعرَ، وإنَّما نُهِيَ عنه لأنَّه لو ترَكه يَبيعُه بنَفْسِه لَرُبَّما أرخَصَ السِّعرَ.

стр. 3693

وقيلَ: هو أنْ يَبيعَ الحَضَريُّ سِلعَتَه مِنْ البَدَويِّ ويَكونَ أهلُ البَلَدِ في قَحطٍ، وهو يَبيعُ لِأهلِ البَدْوِ؛ طَمَعًا في الثَّمنِ الغالي؛ لِمَا فيه مِنْ الإضرارِ بأهلِ البَلَدِ، وعلى هذا التَّفسيرِ تَكونُ اللَّامُ في «وَلا يَبعْ حاضِرٌ لِبادٍ»، بمَعنَى «مِنْ»، أي: لا يَبعْ حاضِرٌ مِنْ بادٍ، ويَشهَدُ لِهَذا التَّفسيرِ ما رُويَ عن أبي يُوسفَ: لو أنَّ أعرابًا قَدِموا الكُوفةَ، وأرادوا أنْ يَمتاروا مِنها، ويَضُرُّ ذلك بأهلِ الكُوفةِ، قالَ: أمنَعُهم عن ذلك، قالَ: ألَا تَرَى أنَّ أهلَ البَلدةِ يُمنَعونَ عن الشِّراءِ لِلحُكرةِ، فهذا أوْلَى. وهذا تَفسيرٌ مِمَّنْ قالَ: إنَّ الحاضِرَ هو المالِكُ، والباديَ هو المُشتَرِي. وقالَ المالِكيَّةُ: أنْ يَبيعَ أهلُ القُرَى لِأهلِ الباديةِ سِلَعَهم أو يُرسِلَ بها لِتُباعَ له. وقالَ الشافِعيَّةُ: هو أنْ يَقدَمَ إلى البَلَدِ بَدَويٌّ بسِلعةٍ يُريدُ بَيعَها بسِعرِ الوَقتِ؛ لِيَرجِعَ إلى وَطَنِه، فيَأتيَه بَلَديٌّ فيَقولَ: ضَعْ مَتاعَكَ عِندي لِأبيعَه لَكَ على التَّدريجِ بأغلَى مِنْ هذا السِّعرِ. وقالَ الحَنابِلةُ: هو أنْ يَخرُجَ الحَضَريُّ إلى البادي وقد جَلَبَ السِّلعةَ فيُعرِّفَه السِّعرَ، ويَقولَ: أنا أبيعُ لَكَ. والبادي هَهُنا مَنْ يَدخُلُ البَلدةَ مِنْ غيرِ أهلِها سَواءٌ أكانَ بَدَويًّا أو مِنْ قَريةٍ أو بَلدةٍ أُخرَى. حُكمُ بَيعِ الحاضِرِ لِلبادي: قد اختلَف العُلماءُ في حُكمِ بَيعِ الحاضِرِ لِلبادي، هل هو صَحيحٌ مع الحُرمةِ أو باطِلٌ؟

стр. 3694

فقالَ جُمهورُ العُلماءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ بأنَّ البَيعَ صَحيحٌ مع الحُرمةِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يُتلَقَّى الرُّكبانُ لِبَيعٍ، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، ولا تَناجَشوا، ولا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ» (١). وعن طاووسٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تُتلَقَّى الرُّكبانُ، وأنْ يَبيعَ حاضِرٌ لِبادٍ، قالَ: فقُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: ما قَولُه: حاضِرٌ لِبادٍ؟ قالَ: لا يَكُنْ له سِمسارًا (٢). وعن جابرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرزُقُ اللَّهُ بَعضَهم مِنْ بَعضٍ» (٣). وعن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: نُهينا أنْ يَبيعَ حاضِرٌ لِبادٍ، وإنْ كانَ أخاه أو أباهُ (٤). وأمَّا دَليلُ صِحَّةِ البَيعِ فلِكَونِ النَّهيِ لِمَعنًى في غيرِ المَنهيِّ عنه؛ لأنَّ النَّهيَ لِمَعنًى يَتعلَّقُ بعَينِ المَعقودِ عليه، وهو النَّظَرُ لِأهلِ البَلَدِ، لِمَقصودِ التَّوسِعةِ؛ فهو كتَلَقِّي الرُّكبانِ؛ نَظَرًا لِحَقِّ الجالِبِينَ؛ فيَحرُمُ البَيعُ ويَصحُّ. وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ وبَعضُ المالِكيَّةِكابنِ القاسِمِ في أحَدِ قَولَيْه وأصبَغ وهو مَرويٌّ عن مالِكٍ إلى أنَّ البَيعَ حَرامٌ، ولا يَصحُّ، ويَفسُدُ العَقدُ،

стр. 3695

رَضُوا بذلك أو لا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عنه، والنَّهيُ يَقتَضي فَسادَ المَنهيِّ عنه، ولأنَّ الضَّرَرَ لا يُمكِنُ تَدارُكُه؛ لأنَّه لِآدَميٍّ غيرِ مُعيَّنٍ. وعن الإمامِ أحمدَ: أنَّه مَكروهٌ، وليسَ بحَرامٍ. وعنه: أنَّه جائِزٌ، وأنَّ النَّهيَ اختَصَّ بأوَّلِ الإسلامِ؛ لِمَا كانَ عليهم مِنْ الضِّيقِ في ذلك. لكنْ قَيَّدَ العُلماءُ الحُرمةَ بشُروطٍ تَختلِفُ مِنْ مَذهبٍ لِمَذهبٍ: فقالَ الحَنفيَّةُ: وهو مَكروهٌ تَحريمًا، إذا كانَ أهلُ البَلَدِ في قَحطٍ وعَوَزٍ، أي: في حاجةٍ، وهو أنْ يَبيعَ مِنْ أهلِ البَلَدِ طَمَعًا في الثَّمنِ الغالي؛ لِمَا فيه مِنْ الإضرارِ بهم، أمَّا إذا لَم يَكُنْ كذلك فلا بَأْسَ به؛ لِانعِدامِ الضَّرَرِ. وقيلَ: هو أنْ يَمنَعَ السِّمسارُ الحاضِرُ القَرَويَّ مِنْ البَيعِ، ويَقولَ له: لا تَبِعْ أنتَ، أنا أعلَمُ بذلك مِنْكَ. فيَتوكَّلُ له ويَبيعُ ويُغالي، ولو ترَكه يَبيعُ بنَفْسِه لَأرخَصَ على النَّاسِ. وقالَ المالِكيَّةُ: يَحرُمُ بَيعُ حاضِرٍ سِلَعًا، ولو لِتِجارةٍ لِعَموديٍّ قَدِمَ بها الحاضِرةَ، ولا يُعرَفُ ثَمَنُها بالحاضِرةِ، وكانَ البَيعُ لِحاضِرٍ، فلا يَجوزُ؛ لِلنَّهيِ عن ذلك بخِلافِ ما لو باعَ الحاضِرُ لِبَدَويٍّ مِثلِه؛ فإنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ البَدَويَّ لا يَجهَلُ أسعارَ هذه السِّلَعِ؛ فلا يَأخُذُها إلَّا بأسعارِها، سَواءٌ اشتَراها مِنْ حَضَريٍّ أو مِنْ بَدَويٍّ، فبَيعُ الحَضَريِّ له بمَنزِلةِ بَيعِ بَدَويٍّ لِبَدَويٍّ، أو كانَ العَموديُّ يَعرِفُ ثَمَنَها، فيَجوزُ لِلحاضِرِ أنْ يَتوَلَّى بَيعَها له؛ وذلك لأنَّ النَّهيَ لِأجْلِ أنْ يَبيعوا لِلنَّاسِ برُخصٍ، وهذه العِلَّةُ إنَّما تُوجَدُ إذا

стр. 3696

كانوا جاهِلِينَ بالأسعارِ، فإذا عَلِموا بالأسعارِ لا يَبيعونَ إلَّا بقِيمَتِها، كما يَبيعُ الحاضِرُ؛ فبَيعُ الحاضِرِ حينَئذٍ بمَنزِلةِ بَيعِهم. وكذا يَحرُمُ لو بَعَثَ بالسِّلعةِ إلى أخٍ له مِنْ أهلِ القُرَى، ولَم يَقدَمْ مع سِلعَتِه لِيَبيعَها له. وقالَ الشافِعيَّةُ: لِتَحريمِ بَيعِ الحاضِرِ لِلبادي شُروطٌ: أحَدُها: أنْ يَكونَ عالِمًا بالنَّهيِ فيه، وهذا شَرطٌ يَعُمُّ جَميعَ المَناهي. والثَّاني: أنْ يَكونَ المَتاعُ المَجلوبُ ممَّا تَعُمُّ الحاجةُ إليه، كالأطعِمةِ ونَحوِها، فأمَّا ما لا يُحتاجُ إليه إلَّا نادِرًا فلا يَدخُلُ في النَّهيِ. والثَّالثُ: أنْ يَظهَرَ ببَيعِ ذلك المَتاعِ سَعةٌ في البَلَدِ، فإنْ لَم يَظهَرْ -لِكِبَرِ البَلَدِ، أو قِلَّةِ ما معه، أو لِعُمومِ وُجودِه ورُخصِ السِّعرِ- فوَجهانِ، أوفَقُهما لِلحَديثِ: التَّحريمُ. والرَّابِعُ: أنْ يَعرِضَ الحَضَريُّ ذلك على البَدَويِّ ويَدعوَه إليه، أمَّا إذا التَمَسَ البَدَويُّ مِنه بَيعَه تَدريجًا، أو قصَد الإقامةَ في البَلَدِ لِيَبيعَه كذلك، فسَألَ البَلَديُّ تَفويضَه إليه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه لَم يَضُرَّ بالنَّاسِ، ولا سَبيلَ إلى مَنعِ المالِكِ منه. ولو أنَّ البَدَويَّ استَشارَ البَلَديَّ فيما فيه حَظُّه فهل يُرشِدُه إلى الِادِّخارِ والبَيعِ على التَّدريجِ؟ وَجهانِ: أحَدُهما: يَجِبُ عليه إرشادُه إليه أداءً لِلنَّصيحةِ.

стр. 3697

والآخَرُ: لا يُرشِدُه إليه تَوسيعًا على النَّاسِ، ثم لو باعَ البَلَديُّ لِلبَدَويِّ عندَ اجتِماعِ شُروطِ التَّحريمِ أثِمَ، وصَحَّ البَيعُ. والإثْمُ على البَلَديِّ دونَ البَدَويِّ، ولا خِيارَ لِلمُشتَرِي. وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يُشترَطُ لعَدمِ الصِّحَّةِ خَمسةُ شُروطٍ: أحَدُها: أنْ يَكونَ الحاضِرُ قصَد الباديَ لِيَتوَلَّى البَيعَ له؛ لأنَّه إذا قصَده البادي لَم يَكُنْ لِلحاضِرِ أثَرٌ في عَدَمِ التَّوسِعةِ. والثَّاني: أنْ يَكونَ البادي جاهِلًا بالسِّعرِ؛ لأنَّه إذا عرَفه لَم يَزِدْه الحاضِرُ على ما عندَه؛ فإذا كانَ البادي عارِفًا بالسِّعرِ لَم يَحرُمْ. الثَّالثُ: أنْ يَكونَ قد جَلَبَ السِّلَعَ لِلبَيعِ؛ لأنَّه إذا حضَر لِخَزْنِها فقصَده الحاضِرُ وحَضَّه على بَيعِها، كانَ ذلك تَوسِعةً، لا تَضييقًا. والرَّابِعُ: أنْ يَحضُرَ البادي لِبَيعِ سِلعَتِه بسِعرِ يَومِها؛ لأنَّه مَتَى لَم يَقدَمْ إلى مَوضِعٍ آخَرَ لَم يَكُنْ باديًا، فيَكونَ ذلك بسِعرِ يَومِها؛ لأنَّه إذا قصَد بَيعَها بسِعرٍ مَعلومٍ كانَ المَنعُ مِنْ جِهَتِه، لا مِنْ جِهةِ الحاضِرِ، وهذا هو المَذهبُ. وعنه حُكمُ ما إذا وَجَّهَ بها البادي إلى الحاضِرِ لِيَبيعَها له، حُكمُ حُضورِ البادي لِيَبيعَها. والخامِسُ: أنْ يَكونَ بالنَّاسِ حاجةٌ إلى مَتاعِه، وضِيقٌ في تَأخيرِ بَيعِه؛ لأنَّهم إذا لَم يَكونوا مُحتاجينَ لَم يُوجَدِ المَعنَى الذي نهَى الشَّرعُ لِأجْلِه. فَمَتَى اختَلَّ مِنها شَرطٌ صَحَّ البَيعُ، ولَم يَحرُمْ، وزالَ النَّهيُ؛ لأنَّ

стр. 3698

المَوقوفَ على شُروطٍ يَزولُ بزَوالِ أحَدِها، وإنِ اجتَمَعتْ هذه الشُّروطُ فالبَيعُ حَرامٌ ويَبطُلُ. وقد اختلَف العُلماءُ في المَقصودِ بهذا الحَديثِ، هل هذا النَّهيُ عامٌّ فيَشمَلَ أهلَ البَوادي والمَدائِنِ أو خاصٌّ بأهلِ الباديةِ دونَ غيرِهم؟ فجُمهورُ العُلماءِ يَرَوْنَ أنَّ هذا عامٌّ، ولا يَختَصُّ بالبَدَويِّ، فكلُّ وَرَّادٍ على مَحَلٍّ، ولو مَدَنيًّا، يَدخُلُ تَحتَ هذا الحَديثِ، وقَوله ﷺ : «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ»، إنَّما خرَج على الأعَمِّ في أنَّ أهلَ الباديةِ هُمْ الذين يَجلِبونَ إلى الحاضِرةِ؛ فالحاضِرُ ساكِنُ الحاضِرةِ، وهي المُدُنُ والقُرَى، والبادي ساكِنُ الباديةِ، وهي خِلافُ الحاضِرةِ، والتَّعبيرُ به جَرى على الأغلَبِ، وإلَّا فالمُرادُ أيُّ شَخصٍ، كما تَقدَّمَ. أمَّا الإمامُ مالِكٌ فاختلَف قَولُه في أهلِ الباديةِ الذين لا يَجوزُ لِلحَضَريِّ أنْ يَبيعَ لَهم، على ثَلاثةِ أقوالٍ: أحَدُها -وهو المَشهورُ-: أنَّهم أهْلُ العَمودِ خاصَّةً دونَ أهلِ القُرَى المَسكونةِ التي لا يُفارِقُها أهلُها. والثَّاني: أنَّهم أهلُ العَمودِ، وأهلُ القُرَى دونَ أهلِ المُدُنِ. والثَّالثُ: أنَّه لا يَجوزُ لِلحاضِرِ أنْ يَبيعَ لِلجالِبِ، وإنْ كانَ مِنْ أهلِ المُدُنِ والحَواضِرِ؛ فرَأى على هذا القَولِ أنَّ المَعنَى في النَّهيِ إنَّما هو على أنْ يَبيعَ الحاضِرُ لِلبادي، ولأنَّ قَولَه ﷺ : «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ»، إنَّما خرَج على الأعَمِّ في أنَّ أهلَ الباديةِ هُمْ الذين يَجلِبونَ إلى الحاضِرةِ.

стр. 3699

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: كانَ مالِكٌ يَقولُ: تَفسيرُ ذلك أهلُ الباديةِ وأهلُ القُرَى؛ فأمَّا أهلُ المَدائِنِ مِنْ أهلِ الرِّيفِ فإنَّه ليسَ بالبَيعِ لَهم بَأْسٌ مِمَّنْ يَرَى أنَّه يَعرِفُ السَّومَ، إلَّا مَنْ كانَ مِنهم يُشبِهُ أهلَ الباديةِ؛ فإنِّي لا أُحِبُّ أنْ يَبيعَ لَهم حاضِرٌ. وقالَ في البَدَويِّ: يَقدَمُ فيَسألُ الحاضِرَ عن السِّعرِ، أكرَهُ له أنْ يُخبِرَه، ولا بَأْسَ أنْ يَشتَريَ له، إنَّما يُكرَهُ أنْ يَبيعَ له؛ فأمَّا أنْ يُشترَطَ له فلا بَأْسَ. هذه رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عنه، قالَ ابنُ القاسِمِ: ثم قالَ بَعدُ -يَعني مالِكًا-: ولا يَبيعُ مِصريٌّ لِمَدَنيِّ، ولا مَدَنيٌّ لِمِصريٍّ، ولكنْ يُشيرُ عليه. وقالَ ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ: لا أرَى أنْ يَبيعَ الحاضِرُ لِلبادي، ولا لِأهلِ القُرَى. وقد حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسِمِ قالَ: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ المُؤمِنِ قالَ: حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ مُحمَّدٍ الجُنديُّ قالَ: حدَّثنا عَلِيُّ بنُ زِيادٍ قالَ: حدَّثنا أبو قُرَّةَ قالَ: قُلتُ لِمالِكٍ: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ»، ما تَفسيرُه؟ قالَ: لا يَبِعْ أهلُ القُرَى لِأهلِ الباديةِ سِلَعَهم. قُلتُ: فإنْ بَعَثَ بالسِّلعةِ إلى أخٍ له مِنْ أهلِ القُرَى، ولَم يَقدَمْ مع سِلعَتِه؟ قالَ: لا يَنبَغي لَه. قُلتُ له: ومَن أهلُ الباديةِ؟ قالَ: أهْلُ العَمودِ. قُلتُ لَهُ: القُرَى المَسكونةُ التي لا يُفارِقُها أهلُها يُقيمونَ فيها تَكونُ قُرًى صِغارًا في نَواحي المَدينةِ العَظيمةِ؛ فيَقدَمُ بَعضُ أهلِ تلك القُرَى الصِّغارِ إلى أهلِ المَدينةِ بالسِّلَعِ، فيَبيعُها لَهم أهلُ المَدينةِ. قالَ: نَعَمْ، إنَّما مَعنَى الحَديثِ أهْلُ العَمودِ. ورَوى أصبَغُ عن ابنِ القاسِمِ فيمَن فعَل ذلك مِنْ بَيعِ الحاضِرِ

стр. 3700

لِلبادي أنَّه يُفسَخُ بَيعُه، وكذلك رَوى عيسى عن ابنِ القاسِمِ قالَ: وإنْ فاتَ فلا شَيءَ عليه (١). عِلَّةُ النَّهيِ: قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: والَّذينَ مَنَعوه اتَّفَقوا على أنَّ القَصدَ بهذا النَّهيِ هو إرفاقُ أهلِ الحَضَرِ؛ لأنَّ الأشياءَ عندَ أهلِ الباديةِ أيسَرُ مِنْ أهلِ الحاضِرةِ، وهي عندَهم أرخَصُ، بَلْ أكثَرُ ما يَكونُ مَجَّانًا عندَهم -أي: بغيرِ ثَمَنٍ-، فكَأنَّهم رَأوْا أنَّه يُكرَهُ أنْ يَنصَحَ الحَضَريُّ لِلبَدَويِّ، وهذا مُناقِضٌ لقولِه ﵊: «الدِّينُ النَّصيحةُ»، وبِهذا تَمسَّكَ في جَوازِه أبو حَنيفةَ. وحُجَّةُ الجُمهورِ حَديثُ جابرٍ ﵁ عندَ مُسلِمٍ، وأبي داوُدَ، قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرزُقُ اللَّهُ بَعضَهم مِنْ بَعضٍ»، وهذه الزِّيادةُ انفَرَدَ بها أبو داوُدَ فيما أحسَبُ. والأشبَهُ أنْ يَكونَ مِنْ بابِ غَبنِ البَدَويِّ؛ لأنَّه يَرِدُ والسِّعرُ مَجهولٌ عندَه، إلَّا أنْ تَثبُتَ هذه الزِّيادةُ، ويَكونُ على هذا مَعنَى الحَديثِ مَعنَى النَّهيِ عن تَلَقِّي الرُّكبانِ على ما تَأوَّلَه الشافِعيُّ: إذا وقَع فقد تَمَّ وجازَ البَيعُ؛ لقولِه ﵊: «دَعُوا النَّاسَ يَرزُقُ اللَّهُ بَعضَهم مِنْ بَعضٍ» (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والمَعنَى في ذلك أنَّه مَتَى تُرِكَ البَدَويُّ يَبيعُ سِلعَتَه اشتَراها النَّاسُ برُخصٍ، ويُوسَّعُ عليهم السِّعرُ؛ فإذا تَولَّى الحاضِرُ

стр. 3701

بَيعَها وامتَنَعَ مِنْ بَيعِها إلَّا بسِعرِ البَلَدِ، ضاقَ على أهلِ البَلَدِ، وقد أشارَ النَّبيُّ إلى هذا المَعنَى (١). هل النَّهيُ يَختَصُّ بالبَيعِ له، ويَجوزُ الشِّراءُ له، أو هو عامٌّ يَشمَلُ البَيعَ والشِّراءَ؟ اختلَف الفُقهاءُ، هل النَّهيُ يَختَصُّ بالبَيعِ له أو يَشمَلُ الشِّراءَ له أيضًا؟ فذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النَّهيَ يَختَصُّ بالبَيعِ له، أمَّا شِراؤُه له فيَصحُّ؛ لأنَّ النَّهيَ غيرُ مُتناوِلٍ لِلشِّراءِ بلَفظِه، ولا هو في مَعناه؛ فإنَّ النَّهيَ عن البَيعِ لِلرِّفقِ بأهلِ الحَضَرِ؛ لِيَتَّسِعَ عليهم السِّعرُ ويَزولَ عنهم الضَّرَرُ، وليسَ ذلك في الشِّراءِ لَهم؛ إذ لا يَتضَرَّرونَ؛ لعَدمِ الغَبنِ لِلبادي، بَلْ هو دَفعُ الضَّرَرِ عنهم، والخَلْقُ في نَظَرِ الشارِعِ على السَّواءِ؛ فكما شرَع ما يَدفَعُ الضَّرَرَ عن أهلِ الحَضَرِ، لا يَلزَمُ أنْ يَلزَمَ أهلَ البَدْوِ الضَّرَرُ. وسُئلَ الإمامُ مالِكٌ: عن البَدَويِّ يَقدَمُ فيَسألُ الحاضِرَ عن السِّعرِ: أتُرَى أنْ يُخبِرَهُ؟ قالَ: يُكرَهُ ذلك، قيلَ: أفتَرَى أنْ يَشريَ له؟ قالَ: لا بَأْسَ بذلك، إنَّما يُكرَهُ أنْ يَبيعَ له؛ فأمَّا الِاشتِراءُ له فلا بَأْسَ. وذهَب الشافِعيَّةُ وابنُ الماجِشونِ وابنُ حَبيبٍ مِنْ المالِكيَّةِ وحَكاه ابنُ عَبدِ البَرِّ رِوايةً عن مالِكٍ، وهو ما حَكاه ابنُ هانِئٌ عن الإمامِ أحمدَ أنَّه لا يَجوزُ الشِّراءُ له أيضًا؛ لأنَّ العَرَبَ تَقولُ: بِعتُ في مَعنَى اشتَرَيتُ، فكما لا يَصحُّ البَيعُ لَهم، لا يَصحُّ الشِّراءُ لَهم.

стр. 3702

وأمَّا الحَنفيَّةُ فيَمنَعونَ الشِّراءَ له إذا كانَ أهلُ البَلَدِ في قَحطٍ وعَوَزٍ؛ طَمَعًا في الثَّمنِ الغالي؛ لِمَا فيه مِنْ الإضرارِ بأهلِ البَلَدِ، ويَشهَدُ لِهذا ما رُويَ عن أبي يُوسفَ: لو أنَّ أعرابًا قَدِموا الكُوفةَ وأرادوا أنْ يَمتاروا منها، ويَضُرُّ ذلك بأهلِ الكُوفةِ، قالَ: أمنَعُهم من ذلك، قالَ: ألَا تَرَى أنَّ أهلَ البَلدةِ يُمنَعونَ مِنْ الشِّراءِ لِلحُكرةِ؟! هذا أوْلَى. واختلَف العُلماءُ أيضًا، هل لِلحَضَريِّ أنْ يُرشِدَ البَدَويَّ أو لا؟ فذهَب الإمامُ مالِكٌ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلحَضَريِّ أنْ يُخبِرَ البَدَويَّ بالأسعارِ، ولا أنْ يَستَشيرَه فيما فيه حَظُّه؛ لِمَا في ذلك مِنْ الضَّرَرِ بأهلِ الحاضِرةِ في قَطعِ المِرفَقِ الذي جعَله رَسولُ اللَّهِ ﷺ لَهم في الإصابةِ منهم؛ لأنَّهم إذا لَم يَعلَموا السِّعرَ فلَعَلَّهم أنْ يَرضَوْا بالبَيعِ بأقَلَّ مِنْ القِيمةِ. وذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّه لا بَأْسَ إنْ أشارَ الحاضِرُ على البادي مِنْ غيرِ أنْ يُباشِرَ البَيعَ له؛ لِحَديثِ طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ ﵁ أنَّه قالَ لِلأعرابيِّ حينَ قَدِمَ عليه بحَلوبةٍ له يَبيعُها: إنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى أنْ يَبيعَ حاضِرٌ لِبادٍ، ولَكِنِ اذهَبْ إلى السُّوقِ فانظُرْ مَنْ يُبايِعُكَ وشاوِرْني حتى آمُرَكَ أو أنهاكَ. وقالَ الشافِعيَّةُ: ولو أنَّ البَدَويَّ استَشارَ البَلَديَّ فيما فيه حَظُّه فهل يُرشِدُه إلى الِادِّخارِ والبَيعِ على التَّدريجِ؟ وَجهانِ: أحَدُهما: يَجِبُ عليه إرشادُه إليه أداءً لِلنَّصيحةِ. والآخَرُ: لا يُرشِدُه إليه؛ تَوسيعًا على النَّاسِ، ثم لو باعَ البَلَديُّ لِلبَدَويِّ

стр. 3703

عندَ اجتِماعِ شُروطِ التَّحريمِ أثِمَ وصَحَّ البَيعُ (١). بَيعُ المَرءِ على بَيعِ أخيه وشِراؤُه على شِرائِه: ما المَقصودُ ببَيعِ المُسلِمِ على بَيعِ أخيه وشِرائِه على شِرائِهِ؟ اختلَف مُرادُ العُلماءِ في المَقصودِ بالبَيعِ على بَيعِ أخيه، هل هو مِثلُ السَّومِ على سَومِ أخيه بعدَ أنْ يَتَراضَيا على ثَمَنِ السِّلعةِ ولَم يَشتَرِها بَعدُ، فيَجيءُ آخَرُ ويَقولُ: أنا أبيعُكَ مثلَها بأنقَصَ مِنْ هذا الثَّمنِ، أو ما شابَهَ -كما هو مَذهبُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ (٢) - أو بعدَ أنْ يَشتَريَ السِّلعةَ فيَجيءَ آخَرُ

стр. 3704

ويَقولَ له ذلك في مُدَّةِ الخِيارِ، كما هو مَذهبُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؟ قالَ الحَنفيَّةُ: وصُورةُ البَيعِ على بَيعِ أخيه أنْ يَتَراضَيا على ثَمَنِ سِلعةٍ فيَجيءَ آخَرُ فيَقولَ: أنا أبيعُكَ مثلَها بأنقَصَ مِنْ هذا الثَّمنِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: المُرادُ ب «لا يَبِعْ أحَدُكم على بَيعِ أخيه»، هو أنْ يَستَحسِنَ المُشتَرِي السِّلعةَ ويَهواها ويَركَنَ إلى البائِعِ ويَميلَ إليه، ويَتَذاكَرا الثَّمنَ، ولَم يَبْقَ إلَّا العَقدُ والرِّضا الذي يَتمُّ به البَيعُ؛ فإذا كانَ البائِعُ والمُشتَرِي على مِثْلِ هذه الحالِ لَم يَجُزْ لِأحَدٍ أنْ يَعتَرِضَه فيَعرِضَ على أحَدِهما ما به يُفسِدُ به ما هُما عليه مِنْ التَّبايُعِ، فإنْ فعَل أحَدٌ ذلك فقد أساءَ. فأمَّا إنْ كانَ في أوَّلِ الغَرَضِ وابتِداءِ السَّومِ قبلَ التَّقديرِ والرُّكونِ فلا بَأْسَ. قالَ الإمامُ مالِكٌ: وتَفسيرُ قَولِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فيما نَرَى -واللَّهُ أعلَمُ- «لا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ»، أنَّه إنَّما نهَى أنْ يَسومَ الرَّجُلُ على سَومِ أخيه إذا رَكَنَ البائِعُ إلى السَّائِمِ -أي: المُشتَرِي- وجعَل يَشترِطُ وَزنَ الذَّهبِ ويَتَبَرَّأُ مِنْ العُيوبِ وما أشبَهَ، هذا ممَّا يُعرَفُ به أنَّ البائِعَ قد أرادَ مُبايَعةَ السَّائِمِ، فهذا الذي نهَى عنه، واللَّهُ أعلَمُ. قالَ مالِكٌ ﵀: ولا بَأْسَ بالسَّومِ بالسِّلعةِ تُوقَفُ لِلبَيعِ، فيَسومُ بها

стр. 3705

غيرُ واحِدٍ، قالَ: ولو ترَك النَّاسُ السَّومَ عندَ أوَّلِ مَنْ يَسومُ بها أُخِذتْ بشُبَهِ الباطِلِ مِنْ الثَّمنِ، ودخَل على الباعةِ في سِلَعِهم المَكروهُ، ولَم يَزَلِ الأمْرُ عندَنا على هذا (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: البَيعُ على بَيعِ أخيه هو أنْ يَجيءَ إلى مَنْ اشتَرَى شَيئًا في مُدَّةِ الخِيارِ، سَواءٌ خِيارُ المَجلِسِ أو خِيارُ الشَّرطِ، فيَقولَ: افسَخْ؛ فإنِّي أبيعُكَ أجوَدَ مِنه بهذا الثَّمنِ، أو أبيعُكَ مثلَه بدُونِ هذا الثَّمنِ، ويُرغِّبَه في فَسخِ البَيعِ الأوَّلِ بهذا السَّببِ. وكذلك إذا رَغِبَ المُشتَرِي في الفَسخِ لِغَرَضِ سِلعةٍ أجوَدَ مِنها بمِثلِ ثَمَنِها، أو مِثْلِها بدُونِ ذلك الثَّمنِ. والشِّراءُ على شِرائِه أنْ يَشتَريَ الرَّجُلُ سِلعةً ولا يُفارِقَ بائِعَها حتى يَأتيَ رَجُلٌ ويَشتَريَها مِنْ بائِعِها بأكثَرَ مِنْ ذلك الثَّمنِ. ولو أذِنَ البائِعُ في بَيعِه ارتَفَعَ التَّحريمُ على الصَّحيحِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: ولا يَجوزُ بَيعُ الرَّجُلِ على بَيعِ أخيه، وهو أنْ يَقولَ لِمَنِ اشتَرَى سِلعةً بعَشَرةٍ: أنا أُعطيكَ مثلَها بتِسعةٍ. ويَحرُمُ شِراءُ الرَّجُلِ على شِراءِ أخيه، وهو أنْ يَقولَ لِمَنْ باعَ سِلعةً بتِسعةٍ: عِندي فيها عَشَرةٌ، لِيَفسَخَ البَيعَ، ويَعقِدَ معه.

стр. 3706

وهذا بلا نِزاعٍ فيهما، ويُتصوَّرُ ذلك في مَسألَتَيْنِ: الأُولَى: في خِيارِ المَجلِسِ، والأُخرى: في خِيارِ الشَّرطِ (١). حُكمُ بَيعِ المَرءِ على بَيعِ أخيه والشِّراءِ على شِرائِه: اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَحرُمُ على الإنسانِ أنْ يَبيعَ على بَيعِ أخيه، وأنْ يَشتَريَ على شِرائِه؛ لِمَا فيه مِنْ الفَسادِ والإضرارِ بينَ المُتبايِعَيْنِ الأوَّلَيْنِ ولِلأحاديثِ الوارِدةِ في هذا؛ فعَن أبي هُرَيرةَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ» (٢). وفي لَفظٍ: «لا يَبتاعُ المَرءُ على بَيعِ أخيهِ» (٣). وعن عُقبةَ بنِ عامِرٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «المُؤمِنُ أخو المُؤمِنِ، فلا يَحِلُّ لِلمُؤمِنِ أنْ يَبتاعَ على بَيعِ أخيه، ولا يَخطُبَ على خِطبةِ أخيه حتى يَذَرَ» (٤). فإنْ فعَل واشتَرَى أو باعَ فقد اختلَف العُلماءُ في البَيعِ الثَّاني هل هو صَحيحٌ مع الحُرمةِ أو يَبطُلُ؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه إذا فعَل وباعَ على بَيعِ أخيه أو اشتَرَى على شِرائِه صَحَّ البَيعُ والشِّراءُ مع الإثْمِ؛ لأنَّ فَسخَ البَيعِ الأوَّلِ في المَجلِسِ جائِزٌ،

стр. 3707

ولِرُجوعِ النَّهيِ إلى مَعنًى خارِجٍ عن الذَّاتِ وعن لازِمِها؛ إذ لَم يَفقِدْ رُكنًا ولا شَرطًا، لكنَّ النَّهيَ لِمَعنًى مُقترِنٍ به، وهو خارِجٌ غيرُ لازِمٍ، وهو الإيذاءُ هُنا، والإضرارُ بالغيرِ، ولأنَّ المُحرَّمَ هو عَرضُ سِلعَتِه على المُشتَرِي، أو قَولُه الذي فسَخ البَيعَ مِنْ أجلِه، وذلك سابِقٌ على البَيعِ، ولأنَّه إذا صَحَّ الفَسخُ الذي حصَل به الضَّرَرُ؛ فالبَيعُ المُحصِّلُ لِلمَصلَحةِ أوْلَى، ولأنَّ النَّهيَ لِحَقٍّ آدَميٍّ؛ فأشبَهَ بَيعَ النَّجشِ. وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه غيرُ جائِزٍ، وهو حَرامٌ، ولا يَصحُّ البَيعُ الثَّاني، بَلْ هو باطِلٌ؛ لأنَّه مَنهيٌّ عنه، لِمَا فيه مِنْ الإضرارِ بالمُسلِمِ والإفسادِ عليه، والنَّهيُ يَقتَضي الفَسادَ. هل يَدخُلُ الذِّمِّيُّ في هذا الحُكمِ أو لا؟ ذهَب جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَبيعَ المُسلِمُ على بَيعِ الذِّمِّيِّ، ولا أنْ يَشتَريَ على شِرائِه. قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: لا أعلَمُ خِلافًا في أنَّ الذِّمِّيَّ لا يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يَبيعَ على بَيعِه، ولا أنْ يَسومَ على سَومِه، وأنَّه والمُسلِمُ في ذلك سَواءٌ، والحُجَّةُ لَهم أنَّه كما دخَل الذِّمِّيُّ في النَّهيِ عن النَّجشِ وفي رِبحِ ما لَم يُضمَنْ ونَحوِه كذلك يَدخُلُ في هذا، وقد يُقالُ: هذا طَريقُ المُسلِمينَ، ولا يَمنَعُ ذلك أنْ يَدخُلَ فيه ويَسلُكَه أهلُ الذِّمَّةِ، وقد أجمَعَ العُلماءُ على كَراهةِ سَومِ الذِّمِّيِّ على سَومِ المُسلِمِ، وعلى سَومِ الذِّمِّيِّ إذا تَحاكَموا إلينا، فدَلَّ على أنَّهم مُرادونَ وداخِلونَ في ذلك.

стр. 3708

لكنَّ مَذهبَ الحَنابِلةِ أنَّه لو باعَ على بَيعِ يَهوديٍّ أو نَصرانِيٍّ لَم يَكُنْ داخِلًا في ذلك؛ لأنَّهم لَيسوا بإخوةٍ لِلمُسلِمينَ؛ لأنَّ لَفظَ النَّهيِ خاصٌّ بالمُسلِمينَ، وإلحاقُ غيرِهم بهم إنَّما يَصحُّ إذا كانوا مثلَهم، وليسَ الذِّمِّيُّ كالمُسلِمِ، ولا حُرمَتُه كحُرمَتِه، ولِذلك لَم تَجِبْ إجابَتُهم في دَعوةِ الوَليمةِ ونَحوِها، وقَولُهم خرَج مَخرَجَ الأغلَبِ، قُلنا: مَتَى كانَ في المَخصوصِ بالذِّكرِ مَعنًى يَصحُّ أنْ يُعتبَرَ في الحُكمِ لَم يَجُزْ حَذفُه ولا تَعديةُ الحُكم بدُونِه، ولِلأُخوَّةِ الإسلاميَّةِ تَأثيرٌ في وُجوبِ الِاحتِرامِ، وزِيادةِ الِاحتياطِ في رِعايةِ حُقوقِه وحِفظِ قَلبِه واستِبقاءِ مَوَدَّتِه، فلا يَجوزُ خِلافُ ذلك (١). السَّومُ على سَومِ الغيرِ: السَّومُ على سَومِ الغيرِ هو أنْ يَكونَ قد اتَّفق مالِكُ السِّلعةِ والرَّاغِبُ فيها على البَيعِ بثَمَنٍ ما، ورَضيا به، ولَم يَعقِداه؛ فيَقولَ الآخَرُ لِلبائِعِ: أنا أشتَريه بأكثَرَ مِنْ هذا الثَّمنِ. قبلَ أنْ يَتَواجَبا البَيعَ، أو يَقولَ له: رُدَّه حتى أبيعَكَ خَيرًا مِنه بهذا الثَّمنِ.

стр. 3709

وقد اتَّفق العُلماءُ على حُرمةِ هذا السَّومِ بعدَ استِقرارِ الثَّمنِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَستامَ الرَّجُلُ على سَومِ أخيهِ (١) ولِمَا في ذلك مِنْ الفَسادِ وإيقاعِ العَداوةِ والبَغضاءِ مع النَّهيِ الوارِدِ عنه نَصًّا. هَلْ البَيعُ صَحيحٌ أو لا؟ اختلَف الفُقهاء في هَذا، هل البَيعُ الثَّاني صَحيحٌ مع الحُرمةِ أو باطِلٌ؟ فذهَب جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ البَيعَ صَحيحٌ مع الحُرمةِ؛ لأنَّه أمرٌ لَم يَتِمَّ أوَّلًا، وقد كانَ لِصاحِبِه ألَّا يُتِمَّه إنْ شاءَ. ولأنَّ هذا نَهيٌ لِمَعنًى في غيرِ المَنهيِّ عنه، غيرُ مُتَّصِلٍ به، وهو الأذَى والوَحشةُ اللذانِ يَلحَقانِ صاحِبَه، وذلك ليسَ مِنْ العَقدِ في شَيءٍ؛ فيُوجِبُ الِاستياءَ، ولا يُفسِدُ العَقدَ، كالنَّهيِ عن الصَّلاةِ في الأرضِ المَغصوبةِ، ثم هذا النَّهيُ بعدَما رَكَنَ أحَدُهما إلى صاحِبِه. وذهَب الحَنابِلةُ في قَولٍ وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن الإمامِ مالِكٍ -لكنَّ جُمهورَ المالِكيَّةِ على تَضعيفِه- أنَّ البَيعَ باطِلٌ لا يَصحُّ. وأمَّا السَّومُ في السِّلعةِ التي تُباعُ فيمَن يَزيدُ، بأنْ كانَتِ السِّلعةُ مَعروضةً فيمَن يَزيدُ قبلَ الِاتِّفاقِ على الثَّمنِ والرِّضا، بأنْ لَم يُوجَدْ رِضًا، ولا ما يَدلُّ

стр. 3710

عليه مِنْ البائِعِ، فليسَ بحَرامٍ إجماعًا؛ لأنَّ بَيعَ المُزايَدةِ مَوضوعٌ لِطَلَبِ الزِّيادةِ، وأنَّ السَّومَ لا يَمنَعُ النَّاسَ مِنْ الطَّلَبِ؛ فإذا طَلَبَها طالِبٌ بثَمَنٍ فلِلغيرِ أنْ يَطلُبَها بأكثَرَ إذا لَم يَتحقَّقْ تَوافُقٌ على مِقدارٍ، والسِّلعةُ إنَّما تُعرَضُ على مَنْ يَزيدُ لِلتَّزايُدِ، فكانَ الذي يَجري ليسَ سَومًا. ولو ترَك النَّاسُ السَّومَ عندَ أوَّلِ مَنْ يَسومُ بها أُخِذتْ بشُبَهِ الباطِلِ مِنْ الثَّمنِ، ودخَل على الباعةِ في سِلَعِهم المَكروهُ، وهذا إجماعُ المُسلِمينَ، يَبيعونَ في أسواقِهم بالمُزايَدةِ في كلِّ عَصرٍ ومِصْرٍ. وقد رُويَ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فشَكا إليه الفاقةَ، ثم رجَع فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، لقد جِئتُكَ مِنْ عِنْدِ أهلِ بَيتٍ ما أُراني أرجِعُ إليهم حتى يَموتَ بَعضُهم. قالَ: فقالَ له ﷺ : «انطَلِقْ حتى تَجِدَ مِنْ شَيءٍ»، قالَ: فانطَلَقَ فجاءَ بحِلسٍ وقَدَحٍ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا الحِلسُ كانوا يَفترِشونَ بَعضَه ويَلبَسونَ بَعضَه، وهذا القَدَحُ كانوا يَشرَبونَ فيه؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَأخُذُهما مِنِّى بدِرهَمٍ». فقالَ رَجُلٌ: أنا يا رَسولَ اللَّهِ. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَزيدُ على دِرهَمٍ». فقالَ رَجُلٌ: أنا آخُذُهما باثنَيْنِ، فقالَ ﷺ : «هُما لَكَ». قالَ: فدَعا ﷺ الرَّجُلَ فقالَ له: «اشتَرِ بدِرهَمٍ فأْسًا وبدِرهَمٍ طَعامًا لِأهلِكَ» (١).

стр. 3711

وعن هِشامٍ الخُزاعيِّ: شَهِدتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ باعَ إبِلًا مِنْ إبِلِ الصَّدَقةِ فيمَن يَزيدُ. وصِفةُ بَيعِ المُزايَدةِ: أنْ يُناديَ الرَّجُلُ على سِلعَتِه بنَفْسِه، أو بنائِبِه، ويَزيدَ النَّاسُ بَعضُهم على بَعضٍ، فما لَم يَكُفَّ عن النِّداءِ فلا بَأْسَ لِلغيرِ أنْ يَزيدَ. إذا لَم يُصرِّحْ بالرِّضا ولكنْ جَرى ما يَدلُّ على الرِّضا هل يَحرُمُ أو لا؟ اختلَف العُلماءُ فيما إذا لَم يُصرِّحِ البائِعُ بالرِّضا، ولكنْ جَرى ما يَدلُّ على الرِّضا مِنه، هل يَحرُمُ السَّومُ أو لا؟ فذهَب الشافِعيَّةُ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَحرُمُ؛ لأنَّ الإمساكَ كِنايةٌ؛ فلَم تَقُمْ مَقامَ اللَّفظِ الصَّريحِ إلَّا فيما خَصَّه الشَّرعُ مِنْ إذْنِ البِكرِ. وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الوَجهِ الثَّاني والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَحرُمُ سَومُ تلك السِّلعةِ على غيرِ الأوَّلِ؛ لأنَّ سُكوتَ الرَّاضي كنُطقِه، ولأنَّ النَّهيَ عامٌّ خَرَجتْ منه الصُّورُ المَخصوصةُ بأدِلَّتِها؛ فتَبقَى هذه الصُّورةُ على مُقتَضى العُمومِ. ولأنَّه وُجدَ مِنه دَليلُ الرِّضا أشبَهَ ما لو صرَّح به، ولا يَضُرُّ اختِلافُ الدَّليلِ بعدَ التَّساوي في الدِّلالةِ. وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا ساوَمَه إنسانٌ بشَيءٍ فكَفَّ عن النِّداءِ ورَضيَ بذلك، فحينَئذٍ يُكرَهُ لِلغيرِ أنْ يَزيدَ، ويَكونُ هذا استيامًا على سَومِ الغيرِ.

стр. 3712

الحُكمُ إذا سكَت ولَم يُوجَدْ مِنْ البائِعِ ما يَدلُّ على الرِّضا ولا عَدَمِه، هل يَحرُمُ السَّومُ أو لا؟ اختلَف العُلماءُ أيضًا فيما إذا سكَت البائِعُ وتَساوَى الأمرانِ ولَم يُوجَدْ مِنه ما يَدلُّ على الرِّضا، ولا على عَدَمِه، هل يَحرُمُ السَّومُ على سَومِه أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهما إلى أنَّه لا يَحرُمُ السَّومُ، كما لو صرَّح بالرَّدِّ. وقالَ الشافِعيَّةُ في وَجْهٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ قُدامةَ ﵀ بأنَّه يَحرُمُ. هَلْ يَدخُلُ الذِّمِّيُّ في هذا الحُكمِ أو لا؟ وكذلك الذِّمِّيُّ لا يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يَسومَ على سَومِه، وهو والمُسلِمُ في ذلك سَواءٌ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ؛ لأنَّ الحَديثَ خرَج مَخرَجَ الأغلَبِ، لا لِتَخصيصِ المُسلِمِ به، ونقَل ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀ الإجماعَ على هذا، فقالَ: لا أعلَمُ خِلافًا في أنَّ الذِّمِّيَّ لا يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يَبيعَ على بَيعِه، ولا أنْ يَسومَ على سَومِه، وأنَّه والمُسلِمَ في ذلك سَواءٌ. والحُجَّةُ لَهم أنَّه كما دخَل الذِّمِّيُّ في النَّهيِ عن النَّجشِ وفي رِبحِ ما لَم يُضمَنْ ونَحوِه، كذلك يَدخُلُ في هذا، وقد يُقالُ: هذا طَريقُ المُسلِمينَ، ولا يَمنَعُ ذلك أنْ يَدخُلَ فيه ويَسلُكَه أهلُ الذِّمَّةِ. وقد أجمَعَ العُلماءُ على كَراهةِ سَومِ الذِّمِّيِّ على سَومِ المُسلِمِ، وعلى

стр. 3713

سَومِ الذِّمِّيِّ إذا تَحاكَموا إلَينا، فدَلَّ على أنَّهم مُرادونَ وداخِلونَ في ذلك (١). لكنَّ مَذهبَ الحَنابِلةِ أنَّه لو سامَ على سَومِ يَهوديٍّ أو نَصرانيٍّ لَم يَكُنْ داخِلًا في ذلك؛ لأنَّهم لَيسوا بإخوةٍ لِلمُسلِمينَ؛ لأنَّ لَفظَ النَّهيِ خاصٌّ بالمُسلِمينَ، وإلحاقُ غيرِهم بهم إنَّما يَصحُّ إذا كانوا مثلَهم، وليسَ الذِّمِّيُّ كالمُسلِمِ، ولا حُرمَتُه كحُرمَتِه، ولِذلك لَم تَجِبْ إجابَتُهم في دَعوةِ الوَليمةِ ونَحوِها، وقَولُهم خرَج مَخرَجَ الأغلَبِ، فنَقولُ: مَتَى كانَ في المَخصوصِ بالذِّكرِ مَعنًى يَصحُّ أنْ يُعتبَرَ في الحُكمِ لَم يَجُزْ حَذفُه ولا تَعديةُ الحُكمِ بدُونِه، ولِلأُخوَّةِ الإسلاميَّةِ تَأثيرٌ في وُجوبِ الِاحتِرامِ وزِيادةِ الِاحتياطِ في رِعايةِ حُقوقِه وحِفظِ قَلبِه واستِبقاءِ مَوَدَّتِه، فلا يَجوزُ خِلافُ ذلك (٢).

стр. 3714

بَيعُ العِينةِ: بَيعُ العِينةِ مِنْ البُيوعِ التي يُحتالُ بها على الرِّبا، ولَها أكثَرُ مِنْ صُورةٍ سَأذكُرُ هُنا أشهَرَ هذه الصُّوَرِ ثم أُردِفُها ببَعضِ الصُّوَرِ عندَ المالِكيَّةِ. صُورةُ بَيعِ العِينةِ: أنْ يَشتَريَ شَيئًا ويَقبِضَه بثَمَنٍ مَعلومٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثم يَبيعَه مِنْ البائِعِ بأقَلَّ مِنْ ذلك الثَّمنِ نَقدًا، قبلَ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ؛ لِيَبقَى كَثيرٌ في ذِمَّتِه. وسُمِّيَتْ عِينةً لِحُصولِ العَينِ، أي: النَّقدِ الحاضِرِ فيها، ولأنَّه يَعودُ إلى البائِعِ عَينُ مالِه. حُكمُ بَيعِ العِينةِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ بَيعِ هذه الصُّورةِ مِنْ العِينةِ على قَولَيْنِ: القَولُ الأوَّلُ: هو قَولُ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّ هذا البَيعَ حَرامٌ، وهو مِنْ الرِّبا المُحرَّمِ، وقالَ الحَنفيَّةُ: البَيعُ الأوَّلُ صَحيحٌ، والثَّاني فاسِدٌ. وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: البَيعانِ باطِلانِ. الدَّليلُ على تَحريمِها مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حرَّم الرِّبا، وبَيعُ العِينةِ وَسيلةٌ إلى الرِّبا، بَلْ هو مِنْ أقرَبِ وسائِلِه، والوَسيلةُ إلى الحَرامِ حَرامٌ؛ فهُنا مَقامانِ: أحَدُهما: بَيانُ كَونِه وَسيلةً. والآخَرُ: بَيانُ أنَّ الوَسيلةَ إلى الحَرامِ حَرامٌ. فأمَّا الأوَّلُ: فيَشهَدُ له به النَّقلُ والعُرفُ والنِّيَّةُ والقَصدُ، وحالُ المُتعاقدَيْنِ.

стр. 3715

فأمَّا النَّقلُ: فبِما ثبَت عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه سُئلَ عن رَجُلٍ باعَ مِنْ رَجُلٍ حَريرةً بمِئةٍ، ثم اشتَراها بخَمسينَ؛ فقالَ: دَراهِمُ بدَراهِمَ مُتَفاضِلةٌ، دَخَلتْ بينَها حَريرةٌ. وفي كِتابِ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ اللَّهِ الحافِظِ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّه قالَ: اتَّقُوا هذه العِينةَ، لا تَبيعوا دَراهِمَ بدَراهِمَ بينَهما حَريرةٌ. وفي كِتابِ أبي مُحمَّدٍ الحافِظِ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّه سُئلَ عن العِينةِ، يَعني بَيعَ الحَريرةِ؟ فقالَ ﵁: إنَّ اللَّهَ لا يُخدَعُ، هذا ممَّا حرَّم اللَّهُ ورَسولُه. وفي كِتابِ الحافِظِ مَعينٍ، عن أنَسٍ ﵁ أنَّه سُئلَ عن العِينةِ -يَعني بَيعَ الحَريرةِ- فقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُخدَعُ، هذا ممَّا حرَّم اللَّهُ ورَسولُه. وقَولُ الصَّحابيِّ: «حرَّم رَسولُ اللَّهِ كذا، أو أمَرَ بكذا، وقَضى بكذا، وأوجَبَ كذا»، في حُكمِ المَرفوعِ، اتِّفاقًا عندَ أهلِ العِلمِ، إلَّا خِلافًا شاذًّا لا يُعتَدُّ به ولا يُؤبَهُ له. وأمَّا شَهادةُ العُرفِ بذلك: فأظهَرُ مِنْ أنْ تَحتاجَ إلى تَقريرٍ، بَلْ قد عَلِمَ اللَّهُ وعِبادُه مِنْ المُتبايِعَيْنِ ذلك، قَصدَهما أنَّهما لَم يَعقِدا على السِّلعةِ عَقدًا يَقصِدانِ به تَمَلُّكها، ولا غَرَضَ لَهما فيها بحالٍ، وإنَّما الغَرَضُ والمَقصودُ بالقَصدِ الأوَّلِ مِئةٌ بمِئةٍ وعِشرينَ، وإدخالُ تلك السِّلعةِ في الوَسَطِ تَلبيسٌ وعَبَثٌ، وهي بمَنزِلةِ الحَرفِ الذي لا مَعنَى له في نَفْسِه، بَلْ جيءَ به لِمَعنًى في غيرِه، حتى لو كانَتْ تلك السِّلعةُ تُساوي أضعافَ ذلك
следующие страницы →