← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

وعن هِشامٍ الخُزاعيِّ: شَهِدتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ باعَ إبِلًا مِنْ إبِلِ الصَّدَقةِ فيمَن يَزيدُ. وصِفةُ بَيعِ المُزايَدةِ: أنْ يُناديَ الرَّجُلُ على سِلعَتِه بنَفْسِه، أو بنائِبِه، ويَزيدَ النَّاسُ بَعضُهم على بَعضٍ، فما لَم يَكُفَّ عن النِّداءِ فلا بَأْسَ لِلغيرِ أنْ يَزيدَ. إذا لَم يُصرِّحْ بالرِّضا ولكنْ جَرى ما يَدلُّ على الرِّضا هل يَحرُمُ أو لا؟ اختلَف العُلماءُ فيما إذا لَم يُصرِّحِ البائِعُ بالرِّضا، ولكنْ جَرى ما يَدلُّ على الرِّضا مِنه، هل يَحرُمُ السَّومُ أو لا؟ فذهَب الشافِعيَّةُ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَحرُمُ؛ لأنَّ الإمساكَ كِنايةٌ؛ فلَم تَقُمْ مَقامَ اللَّفظِ الصَّريحِ إلَّا فيما خَصَّه الشَّرعُ مِنْ إذْنِ البِكرِ. وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الوَجهِ الثَّاني والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَحرُمُ سَومُ تلك السِّلعةِ على غيرِ الأوَّلِ؛ لأنَّ سُكوتَ الرَّاضي كنُطقِه، ولأنَّ النَّهيَ عامٌّ خَرَجتْ منه الصُّورُ المَخصوصةُ بأدِلَّتِها؛ فتَبقَى هذه الصُّورةُ على مُقتَضى العُمومِ. ولأنَّه وُجدَ مِنه دَليلُ الرِّضا أشبَهَ ما لو صرَّح به، ولا يَضُرُّ اختِلافُ الدَّليلِ بعدَ التَّساوي في الدِّلالةِ. وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا ساوَمَه إنسانٌ بشَيءٍ فكَفَّ عن النِّداءِ ورَضيَ بذلك، فحينَئذٍ يُكرَهُ لِلغيرِ أنْ يَزيدَ، ويَكونُ هذا استيامًا على سَومِ الغيرِ.

стр. 3712

الحُكمُ إذا سكَت ولَم يُوجَدْ مِنْ البائِعِ ما يَدلُّ على الرِّضا ولا عَدَمِه، هل يَحرُمُ السَّومُ أو لا؟ اختلَف العُلماءُ أيضًا فيما إذا سكَت البائِعُ وتَساوَى الأمرانِ ولَم يُوجَدْ مِنه ما يَدلُّ على الرِّضا، ولا على عَدَمِه، هل يَحرُمُ السَّومُ على سَومِه أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهما إلى أنَّه لا يَحرُمُ السَّومُ، كما لو صرَّح بالرَّدِّ. وقالَ الشافِعيَّةُ في وَجْهٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ قُدامةَ ﵀ بأنَّه يَحرُمُ. هَلْ يَدخُلُ الذِّمِّيُّ في هذا الحُكمِ أو لا؟ وكذلك الذِّمِّيُّ لا يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يَسومَ على سَومِه، وهو والمُسلِمُ في ذلك سَواءٌ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ؛ لأنَّ الحَديثَ خرَج مَخرَجَ الأغلَبِ، لا لِتَخصيصِ المُسلِمِ به، ونقَل ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀ الإجماعَ على هذا، فقالَ: لا أعلَمُ خِلافًا في أنَّ الذِّمِّيَّ لا يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يَبيعَ على بَيعِه، ولا أنْ يَسومَ على سَومِه، وأنَّه والمُسلِمَ في ذلك سَواءٌ. والحُجَّةُ لَهم أنَّه كما دخَل الذِّمِّيُّ في النَّهيِ عن النَّجشِ وفي رِبحِ ما لَم يُضمَنْ ونَحوِه، كذلك يَدخُلُ في هذا، وقد يُقالُ: هذا طَريقُ المُسلِمينَ، ولا يَمنَعُ ذلك أنْ يَدخُلَ فيه ويَسلُكَه أهلُ الذِّمَّةِ. وقد أجمَعَ العُلماءُ على كَراهةِ سَومِ الذِّمِّيِّ على سَومِ المُسلِمِ، وعلى

стр. 3713

سَومِ الذِّمِّيِّ إذا تَحاكَموا إلَينا، فدَلَّ على أنَّهم مُرادونَ وداخِلونَ في ذلك (١). لكنَّ مَذهبَ الحَنابِلةِ أنَّه لو سامَ على سَومِ يَهوديٍّ أو نَصرانيٍّ لَم يَكُنْ داخِلًا في ذلك؛ لأنَّهم لَيسوا بإخوةٍ لِلمُسلِمينَ؛ لأنَّ لَفظَ النَّهيِ خاصٌّ بالمُسلِمينَ، وإلحاقُ غيرِهم بهم إنَّما يَصحُّ إذا كانوا مثلَهم، وليسَ الذِّمِّيُّ كالمُسلِمِ، ولا حُرمَتُه كحُرمَتِه، ولِذلك لَم تَجِبْ إجابَتُهم في دَعوةِ الوَليمةِ ونَحوِها، وقَولُهم خرَج مَخرَجَ الأغلَبِ، فنَقولُ: مَتَى كانَ في المَخصوصِ بالذِّكرِ مَعنًى يَصحُّ أنْ يُعتبَرَ في الحُكمِ لَم يَجُزْ حَذفُه ولا تَعديةُ الحُكمِ بدُونِه، ولِلأُخوَّةِ الإسلاميَّةِ تَأثيرٌ في وُجوبِ الِاحتِرامِ وزِيادةِ الِاحتياطِ في رِعايةِ حُقوقِه وحِفظِ قَلبِه واستِبقاءِ مَوَدَّتِه، فلا يَجوزُ خِلافُ ذلك (٢).

стр. 3714

بَيعُ العِينةِ: بَيعُ العِينةِ مِنْ البُيوعِ التي يُحتالُ بها على الرِّبا، ولَها أكثَرُ مِنْ صُورةٍ سَأذكُرُ هُنا أشهَرَ هذه الصُّوَرِ ثم أُردِفُها ببَعضِ الصُّوَرِ عندَ المالِكيَّةِ. صُورةُ بَيعِ العِينةِ: أنْ يَشتَريَ شَيئًا ويَقبِضَه بثَمَنٍ مَعلومٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثم يَبيعَه مِنْ البائِعِ بأقَلَّ مِنْ ذلك الثَّمنِ نَقدًا، قبلَ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ؛ لِيَبقَى كَثيرٌ في ذِمَّتِه. وسُمِّيَتْ عِينةً لِحُصولِ العَينِ، أي: النَّقدِ الحاضِرِ فيها، ولأنَّه يَعودُ إلى البائِعِ عَينُ مالِه. حُكمُ بَيعِ العِينةِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ بَيعِ هذه الصُّورةِ مِنْ العِينةِ على قَولَيْنِ: القَولُ الأوَّلُ: هو قَولُ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّ هذا البَيعَ حَرامٌ، وهو مِنْ الرِّبا المُحرَّمِ، وقالَ الحَنفيَّةُ: البَيعُ الأوَّلُ صَحيحٌ، والثَّاني فاسِدٌ. وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: البَيعانِ باطِلانِ. الدَّليلُ على تَحريمِها مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حرَّم الرِّبا، وبَيعُ العِينةِ وَسيلةٌ إلى الرِّبا، بَلْ هو مِنْ أقرَبِ وسائِلِه، والوَسيلةُ إلى الحَرامِ حَرامٌ؛ فهُنا مَقامانِ: أحَدُهما: بَيانُ كَونِه وَسيلةً. والآخَرُ: بَيانُ أنَّ الوَسيلةَ إلى الحَرامِ حَرامٌ. فأمَّا الأوَّلُ: فيَشهَدُ له به النَّقلُ والعُرفُ والنِّيَّةُ والقَصدُ، وحالُ المُتعاقدَيْنِ.

стр. 3715

فأمَّا النَّقلُ: فبِما ثبَت عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه سُئلَ عن رَجُلٍ باعَ مِنْ رَجُلٍ حَريرةً بمِئةٍ، ثم اشتَراها بخَمسينَ؛ فقالَ: دَراهِمُ بدَراهِمَ مُتَفاضِلةٌ، دَخَلتْ بينَها حَريرةٌ. وفي كِتابِ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ اللَّهِ الحافِظِ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّه قالَ: اتَّقُوا هذه العِينةَ، لا تَبيعوا دَراهِمَ بدَراهِمَ بينَهما حَريرةٌ. وفي كِتابِ أبي مُحمَّدٍ الحافِظِ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّه سُئلَ عن العِينةِ، يَعني بَيعَ الحَريرةِ؟ فقالَ ﵁: إنَّ اللَّهَ لا يُخدَعُ، هذا ممَّا حرَّم اللَّهُ ورَسولُه. وفي كِتابِ الحافِظِ مَعينٍ، عن أنَسٍ ﵁ أنَّه سُئلَ عن العِينةِ -يَعني بَيعَ الحَريرةِ- فقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُخدَعُ، هذا ممَّا حرَّم اللَّهُ ورَسولُه. وقَولُ الصَّحابيِّ: «حرَّم رَسولُ اللَّهِ كذا، أو أمَرَ بكذا، وقَضى بكذا، وأوجَبَ كذا»، في حُكمِ المَرفوعِ، اتِّفاقًا عندَ أهلِ العِلمِ، إلَّا خِلافًا شاذًّا لا يُعتَدُّ به ولا يُؤبَهُ له. وأمَّا شَهادةُ العُرفِ بذلك: فأظهَرُ مِنْ أنْ تَحتاجَ إلى تَقريرٍ، بَلْ قد عَلِمَ اللَّهُ وعِبادُه مِنْ المُتبايِعَيْنِ ذلك، قَصدَهما أنَّهما لَم يَعقِدا على السِّلعةِ عَقدًا يَقصِدانِ به تَمَلُّكها، ولا غَرَضَ لَهما فيها بحالٍ، وإنَّما الغَرَضُ والمَقصودُ بالقَصدِ الأوَّلِ مِئةٌ بمِئةٍ وعِشرينَ، وإدخالُ تلك السِّلعةِ في الوَسَطِ تَلبيسٌ وعَبَثٌ، وهي بمَنزِلةِ الحَرفِ الذي لا مَعنَى له في نَفْسِه، بَلْ جيءَ به لِمَعنًى في غيرِه، حتى لو كانَتْ تلك السِّلعةُ تُساوي أضعافَ ذلك

стр. 3716

الثَّمنِ، أو تُساوي أقَلَّ جُزءٍ مِنْ أجزائِه لَم يُبالوا بجَعلِها مَورِدًا لِلعَقدِ؛ لأنَّهم لا غَرَضَ لَهم فيها، وأهلُ العُرفِ لا يُكابِرونَ أنْفُسَهم في هذا. وأمَّا النِّيَّةُ والقَصدُ: فالأجنَبيُّ المُشاهِدُ لَهما يَقطَعُ بأنَّه لا غَرَضَ لَهما في السِّلعةِ، وإنَّما القَصدُ الأوَّلُ مِئةٌ بمِئةٍ وعِشرينَ؛ فَضلًا على عِلمِ المُتعاقدَيْنِ ونِيَّتِهما، ولِهذا يَتواطأُ كَثيرٌ مِنهم على ذلك قبلَ العَقدِ، ثم يُحضِرانِ تلك السِّلعةَ، مُحَلِّلينَ لِمَا حرَّم اللَّهُ ورَسولُه ﷺ . وأمَّا المَقامُ الثَّاني -وهو أنَّ الوَسيلةَ إلى الحَرامِ حَرامٌ- فبانَتْ بالكِتابِ والسُّنةِ والفِطرةِ والمَعقولِ. فإنَّ اللَّهَ سُبحانَه مَسَخَ اليَهودَ قِرَدةً وخَنازيرَ، لمَّا تَوَسَّلوا إلى الصَّيدِ الحَرامِ بالوَسيلةِ التي ظَنُّوها مُباحةً، وسَمَّى أصحابُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ والتَّابِعونَ مثلَ ذلك مُخادَعةً، كما تَقدَّمَ. وقالَ أيُّوبُ السَّختيانيُّ: يُخادِعونَ اللَّهَ كما يُخادِعونَ الصِّبيانَ، لو أتَوُا الأمْرَ على وَجهِه كانَ أسهَلَ. والرُّجوعُ إلى الصَّحابةِ في مَعاني الألفاظِ مُتعَيَّنٌ، سَواءٌ كانَتْ لُغَويَّةً، أو شَرعيَّةً، والخِداعُ حَرامٌ. وأيضًا: فإنَّ هذا العَقدَ يَتضمَّنُ إظهارَ صُورةٍ مُباحةٍ، وإضمارَ ما هو مِنْ أكبَرِ الكَبائِرِ؛ فلا تَنقلِبُ الكَبيرةُ مُباحةً بإخراجِها في صُورةِ البَيعِ الذي لَم يُقصَدْ نَقلُ المِلْكِ فيه أصْلًا، وإنَّما قَصدُه حَقيقةُ الرِّبا. وأيضًا: فإنَّ الطَّريقَ مَتَى أفضَتْ إلى الحَرامِ؛ فإنَّ الشَّريعةَ لا تَأتي

стр. 3717

بإباحَتِها أصْلًا؛ لأنَّ إباحَتَها وتَحريمَ الغايةِ جَمعٌ بينَ النَّقيضَيْنِ؛ فلا يُتصوَّرُ أنْ يُباحَ شَيءٌ ويُحرَّمَ ما يُفضي إلَيه، بَلْ لا بدَّ مِنْ تَحريمِهما أو إباحَتِهما، والثَّاني باطِلٌ قَطعًا، فيَتعيَّنُ الأوَّلُ. وأيضًا: فإنَّ الشارِعَ إنَّما حرَّم الرِّبا، وجعَله مِنْ الكَبائِرِ، وتَوعَّدَ آكِلَه بمُحارَبةِ اللَّهِ ورَسولِه ﷺ ، لِمَا فيه مِنْ أعظَمِ الفَسادِ والضَّرَرِ؛ فكَيفَ يُتصوَّرُ -مع هذا- أنْ يُبيحَ هذا الفَسادَ العَظيمَ بأيسَرِ شَيءٍ يَكونُ مِنْ الحِيَلِ؟ فيالَلعَجَبِ، أتُرَى هذه الحِيلةَ أزالَتْ تلك المَفسَدةَ العَظيمةَ، وقَلَبَتْها مَصلَحةً بعدَ أنْ كانَتْ مَفسَدةً؟! وأيضًا: فإنَّ اللَّهَ عاقَبَ أهلَ الجَنَّةِ الذين أقسَموا لَيَصرِمُنَّها مُصبِحينَ، وكانَ مَقصودُهم مَنعَ حَقِّ الفُقَراءِ مِنْ التَّمرِ المُتَساقِطِ وَقتَ الحَصادِ؛ فلمَّا قَصَدوا مَنعَ حَقِّهم منَعهم اللَّهُ الثَّمرةَ جُملةً. وأيضًا: فإنَّ المُتَوَسِّلَ بالوَسيلةِ التي صُورتُها مُباحةٌ إلى المُحرَّمِ إنَّما نِيَّتُه المُحرَّمُ، ونِيَّتُه أوْلَى به مِنْ ظاهِرِ عَمَلِه. وأيضًا: فقد رَوى ابنُ بَطَّةَ وغيرُه بإسنادٍ حَسَنٍ عن أبي هُرَيرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَرتَكِبوا ما ارتَكَبَ اليَهودُ، فتَستَحِلُّوا مَحارِمَ اللَّهِ بأدنَى الحِيَلِ» وإسنادُه ممَّا يُصحِّحُه التِّرمِذيُّ. وأيضًا: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لعَن اللَّهُ اليَهودَ، حُرِّمتْ عليهم الشُّحومُ فجَمَلوها وباعوها وأكَلوا أثمانَها»، و «جَمَلوها» يَعني: أذابوها وخَلَطوها، وإنَّما فَعَلوا ذلك لِيَزولَ عنها اسمُ الشَّحمِ، ويَحدُثَ لَها اسمٌ

стр. 3718

آخَرُ، وهو الوَدَكُ، وذلك لا يُفيدُ الحِلَّ؛ فإنَّ التَّحريمَ تابِعٌ لِلحَقيقةِ، وهي لَم تَتبَدَّلْ بتبَدُّلِ الِاسمِ. وهذا الرِّبا تَحريمُه تابِعٌ لِمَعناه وحَقيقَتِه، فلا يَزولُ بتبَدُّلِ الِاسمِ بصُورةِ البَيعِ، كما لَم يَزُلْ تَحريمُ الشَّحمِ بتَبديلِ الِاسمِ بصُورةِ الجَمْلِ والإذابةِ وهذا واضِحٌ بحَمدِ اللَّهِ . وأيضًا: فإنَّ اليَهودَ لَم يَنتَفِعوا بعَين الشَّحمِ، إنَّما انتَفَعوا بثَمَنِه؛ فيَلزَمُ مِنْ وَقَفَ مع صُوَرِ العُقودِ والألفاظِ دونَ مَقاصِدِها وحَقائِقِها أنْ يُحرِّمَ ذلك؛ لأنَّ اللَّهَ لَم يَنُصَّ على تَحريمِ الثَّمنِ، وإنَّما حرَّم عليهم الشَّحمَ نَفسَه، ولمَّا لعَنهم على استِحلالِهمُ الثَّمنَ وإنْ لَم يَنُصَّ على تَحريمِه، دَلَّ على أنَّ الواجِبَ النَّظَرُ إلى المَقصودِ، وإنِ اختَلَفتِ الوَسائِلُ إليه، وأنَّ ذلك يُوجِبُ ألَّا يُقصَدَ الِانتِفاعُ بالعَينِ ولا ببَدَلِها. ونَظيرُ هذا أنْ يُقالَ لَكَ: لا تَقرَبْ مالَ اليَتيمِ، فتَبيعُه وتَأكُلُ عِوَضَه، وأنْ يُقالَ لَكَ: لا تَشرَبِ الخَمرَ، فتُغيِّرُ اسمَها وتَشرَبَها، وأنْ يُقالَ لَكَ: لا تَزْنِ بهذه المَرأةِ، فتَعقِدُ عليها عَقدَ إجارةٍ وتَقولُ: إنَّما أستَوفي مَنافِعَها، وأمثالُ ذلك. قالوا: ولِهَذا الأصلِ -وهو تَحريمُ الحِيَلِ المُتضمِّنةِ إباحةَ ما حرَّم اللَّهُ، أو إسقاطَ ما أوجَبَه اللَّهُ عليه- أكثَرُ مِنْ مِئةِ دَليلٍ، وقد ثبَت أنَّ النَّبيَّ ﷺ لعَن المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له، مع أنَّه أتَى بصُورةِ عَقدِ النِّكاحِ الصَّحيحِ، لمَّا كانَ مَقصودُه التَّحليلَ، لا حَقيقةَ النِّكاحِ.

стр. 3719

وقد ثبَت عن الصَّحابةِ أنَّهم سَمَّوْه زانيًا، ولَم يَنظُروا إلى صُورةِ العَقدِ. الدَّليلُ الثَّاني على تَحريمِ العِينةِ: ما رَواه ابنُ عمرَ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «إذا تَبايَعتُم بالعِينةِ وأخَذتُم أذنابَ البَقَرِ ورَضيتُم بالزَّرعِ وتَرَكتُم الجِهادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عليكم ذُلًّا لا يَنزِعُه حتى تَرجِعوا إلى دِينِكم» (١). والدَّليلُ الثَّالثُ: حَديثُ أبي إسحاقَ عن العاليةِ (زَوجَتِه) قالَتْ: خَرَجتُ أنا وأُمُّ مُحِبَّةَ إلى مَكَّةَ فدَخَلْنا على عائِشةَ ﵂ فسَلَمنا عليها، فقالَتْ لَنا ﵂: مِمَّنْ أنتُنَّ؟ قُلْنا: مِنْ أهلِ الكُوفةِ، فكَأنَّها أعرَضَتْ عَنَّا. فقالَتْ لَها أُمُّ مُحِبَّةَ: يا أُمَّ المُؤمِنينَ، كانَتْ لي جاريةٌ وإنِّي بِعتُها مِنْ زَيدِ بنِ أرقَمَ الأنصاريِّ بثَمانِمِئةِ دِرهَمٍ إلى عَطائِه، وأنَّه أرادَ بَيعَها فابتَعتُها مِنه بسِتِّمِئةٍ نَقدًا. قالَتْ: فأقبَلَتْ علينا فقالَتْ ﵂: بئسَما شَرَيتِ، وما اشتَرَيتِ، فأبلِغي زَيدًا أنَّه قد أبطَلَ جِهادَه مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، إلَّا أنْ يَتوبَ. فقالَتْ لَها: أرَأيتِ إنْ لَم آخُذْ مِنه إلَّا رَأْسَ مالي؟ قالَتْ ﵂: فمَن جاءَه مَوعِظةٌ مِنْ رَبِّه فانتَهَى فلَه ما سَلَفَ (٢).

стр. 3720

قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: فلَولا أنَّ عندَ أُمِّ المُؤمِنينَ عِلمًا لا تَستَريبُ فيه أنَّ هذا مُحرَّمٌ لَم تَستَجِزْ أنْ تَقولَ مثلَ هذا بالِاجتِهادِ، ولا سيَّما إنْ كانَتْ قد قَصَدتْ أنَّ العَمَلَ يُحبَطُ بالرِّدَّةِ، وأنَّ استِحلالَ الرِّبا أكفَرُ، وهذا مِنه، ولكنَّ زَيدًا مَعذورٌ؛ لأنَّه لَم يَعلَم أنَّ هذا مُحرَّمٌ، ولِهَذا قالَتْ ﵂: أبلِغيه. ويُحتمَلُ أنْ تَكونَ قد قَصَدتْ أنَّ هذا مِنْ الكَبائِرِ التي يُقاوِمُ إثمُها ثَوابَ الجِهادِ، فيَصيرُ بمَنزِلةِ مَنْ عَمِلَ حَسَنةً وسَيِّئةً بقَدْرِها، فكَأنَّه لَم يَعمَلْ شَيئًا. وعلى التَّقديرَيْنِ: جَزمُ أُمِّ المُؤمِنينَ ﵂ بهذا دَليلٌ على أنَّه لا يَسوغُ فيه الِاجتِهادُ، ولو كانَتْ هذه مِنْ مَسائِلِ الِاجتِهادِ والنِّزاعِ بينَ الصَّحابةِ لَم تُطلِقْ عائِشةُ ﵂ ذلك على زَيدٍ؛ فإنَّ الحَسَناتِ لا تُبطَلُ بمَسائِلِ الِاجتِهادِ (١). وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأُمُّنا عائِشةُ ﵂ لَم تَقُلْ لَها: إنَّه أبطَلَ صَلاتَه ولا صيامَه ولا حَجَّه؛ فمَعنَى ذلك أنَّ مَنْ جاهَدَ في سَبيلِ اللَّهِ فقد حارَبَ عنِ اللَّهِ ، ومَن فعَل ذلك ثم استَباحَ الرِّبا؛ فقد استَحقَّ مُحارَبةَ اللَّه ، ومَن أربَى فقد أبطَلَ حَربَه عنِ اللَّهِ ؛ فكانَتْ عُقوبَتُه مِنْ جِنسِ ذَنبِه (٢). وقالَ الكاسانيُّ ﵀: ووَجْهُ الِاستِدلالِ به -أي: بحَديثِ عائِشةَ- مِنْ وَجهَيْنِ:

стр. 3721

أحَدُهما: أنَّها ألحَقَتْ بزَيدٍ وَعيدًا لا يُوقَفُ عليه بالرَّأْيِ، وهو بُطلانُ الطَّاعةِ بما سِوَى الرِّدَّةِ؛ فالظَّاهِرُ أنَّها قالَتْه سَماعًا مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولا يَلتحِقُ الوَعيدُ إلَّا بمُباشَرةِ المَعصيةِ، فدَلَّ على فَسادِ البَيعِ؛ لأنَّ البَيعَ الفاسِدَ مَعصيةٌ. والآخَرُ: أنَّها سَمَّتْ ذلك بَيعَ سُوءٍ وشِراءَ سُوءٍ، والفاسِدُ هو الذي يُوصَفُ بذلك، لا الصَّحيحُ، ولأنَّ في هذا البَيعِ شُبهةَ الرِّبا؛ لأنَّ الثَّمنَ الثَّانيَ يَصيرُ قِصاصًا بالثَّمنِ الأوَّلِ، فبَقيَ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ زِيادةٌ لا يُقابِلُها عِوَضٌ في عَقدِ المُعاوَضةِ، وهو تَفسيرُ الرِّبا، إلَّا أنَّ الزِّيادةَ ثَبَتتْ بمَجموعِ العَقدَيْنِ، فكانَ الثَّابِتُ بأحَدِهما شُبهةُ الرِّبا، والشُّبهةُ في هذا البابِ مُلحَقةٌ بالحَقيقةِ (١). وممَّا يَدلُّ على تَحريمِ العِينةِ أيضًا حَديثُ ابنِ مَسعودٍ ﵁ يَرفَعُه: «لعَن اللَّهُ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه وشاهِدَيْه وكاتِبَه والمُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له» (٢). ومَعلومٌ أنَّ الشاهِدَيْنِ يَشهَدانِ والكاتِبَ إنَّما يَكتُبُ على عَقدٍ صُورَتُه جائِزةُ الكِتابةِ والشَّهادةِ، لا يَشهَدانِ بمُجرَّدِ الرِّبا ولا يَكتُبُه، ولِهَذا قَرَنَه بالمُحَلِّلِ والمُحَلَّلِ له، حيثُ أظهَرا صُورةَ النِّكاحِ، ولا نِكاحَ، كما أظهَرَ الكاتِبُ والشاهِدانِ صُورةَ البَيعِ، ولا بَيعَ. وتَأمَّلْ كيفَ لعَن ﷺ في الحَديثِ الشاهِدَيْنِ والكاتِبَ والآكِلَ

стр. 3722

والمُوكِلَ، فلعَن المَعقودَ له والمُعِينَ له على ذلك العَقدِ، ولعَن المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له؛ فالمُحَلَّلُ له: هو الذي يُعقَدُ التَّحليلُ لِأجْلِه، والمُحَلِّلُ هو المُعِينُ له بإظهارِ صُورةِ العَقدِ، كما أنَّ المُرابيَ هو المُعانُ على أكلِ الرِّبا، بإظهارِ صُورةِ العَقدِ المَكتوبِ المَشهودِ به. ومَحَلُّ الحُرمةِ عندَ الفُقهاءِ: ١ - أنْ يَبيعَ المُشتَري السِّلعةَ لِلبائِعِ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ المُؤجَّلِ، فإنْ باعَها قبلَ النَّقدِ لا يَجوزُ، ومَعناه أنَّه لو باعَ شَيئًا وقبَضه المُشتَرِي ولَم يَقبِضِ البائِعُ الثَّمنَ، فاشتَراه بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ لا يَجوزُ عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ، والبَيعُ الثَّاني باطِلٌ عندَهم جَميعًا، والبَيعُ الأوَّلُ باطِلٌ أيضًا عندَ المالِكيَّةِ والحَنبَليَّةِ. أمَّا لو باعَه بعدَ نَقدِ الثَّمنِ فيَجوزُ بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّ المُقاصَّةَ لا تَتحقَّقُ بعدَ الثَّمنِ، فلا تَتمكَّنُ الشَّبهةُ بالعَقدِ، ولو قَبضَ نِصفَ الثَّمنِ ثم اشتَرَى النِّصفَ بأقلَّ مِنْ نِصفِ الثَّمنِ لَم يَجُزْ، وكذا لو أحالَ البائِعُ على المُشتَرِي. ٢ - أنْ يَكونَ باعَه بنَقدٍ، فإنِ اشتَراها بعَرضٍ أو كانَ بَيعُها الأوَّلُ بعَرضٍ، فاشتَراها بنَقدٍ أقَلَّ، جازَ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ التَّحريمَ إنَّما كانَ لِشُبهةِ الرِّبا، ولا رِبا بينَ الأثمانِ والعُروضِ. قالَ: فأمَّا إنْ باعَها بنَقدٍ ثم اشتَراها بنَقدٍ آخَرَ، مثلَ أنْ يَبيعَها بمِئَتَيْ دِرهَمٍ

стр. 3723

ثم اشتَراها بعَشَرةِ دَنانيرَ، فقالَ أصحابُنا: يَجوزُ؛ لأنَّهما جِنسانِ لا يَحرُمُ التَّفاضُلُ بينَهما، فجازَ، كما لو اشتَراها بعَرضٍ أو بمِثلِ الثَّمنِ. وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ؛ استِحسانًا؛ لأنَّهما كالشَّيءِ الواحِدِ في مَعنَى الثَّمنيَّةِ؛ ولأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسيلةً إلى الرِّبا، فأشبَهَ ما لو باعَها بجِنسِ الثَّمنِ الأوَّلِ، وهذا أصَحُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى (١). وقالَ الكاسانيُّ ﵀: هذا إذا اشتَراه بجِنسِ الثَّمنِ الأوَّلِ، فإنِ اشتَراه بخِلافِ الجِنسِ جازَ؛ لأنَّ الرِّبا لا يَتحقَّقُ عندَ اختِلافِ الجِنسِ إلَّا في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ خاصَّةً؛ استِحسانًا، والقياسُ ألَّا يَجوزَ؛ لأنَّهما جِنسانِ مُختلِفانِ حَقيقةً، فالتَحَقا بسائِرِ الأجناسِ المُختلِفةِ. وَجْهُ الِاستِحسانِ: أنَّهما في الثَّمنيَّةِ كجِنسٍ واحِدٍ، فيَتحقَّقُ الرِّبا بمَجموعِ العَقدَيْنِ، فكانَ في العَقدِ الثَّاني شُبهةُ الرِّبا، وهي الرِّبا مِنْ وَجْهٍ (٢). ٣ - أنْ يَكونَ البائِعُ اشتَراه بأقلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ الذي باعَها به؛ فلو اشتَرَى ما باعَ بمِثْلِ ما باعَ أو اشتَراه بأكثَرَ ممَّا باعَ جازَ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ -وهو ما يُفهَمُ مِنْ كلامِ المالِكيَّةِ-؛ لأنَّه لا يَكونُ ذَريعةً، ولأنَّ فَسادَ العَقدِ مَعدولٌ به عن القياسِ، وإنَّما عَرَفناه بالأثَرِ، والأثَرُ جاءَ في الشِّراءِ بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ؛ فبَقيَ ما وَراءَه على أصْلِ القِياسِ.

стр. 3724

قال الكاسانيُّ ﵀: ولو اشتَرَى ما باعَ بمِثلِ ما باعَ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ جازَ بالإجماعِ؛ لِانعِدامِ الشُّبهةِ، وكذا لو اشتَراه بأكثَرَ ممَّا باعَ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ، ولأنَّ فَسادَ العَقدِ مَعدولٌ به عن القِياسِ، وإنَّما عَرَفْناه بالأثَرِ، والأثَرُ جاءَ في الشِّراءِ بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ؛ فبَقيَ ما وَراءَه على أصْلِ القِياسِ (١). ٤ - أنْ تَكونَ السِّلعةُ بحالِها، لَم تَنقُصْ عن حالةِ البَيعِ؛ فإنْ نَقَصتْ أو تَعيَّبَتْ، مثلَ أنْ هَزُلَ العَبدُ، أو نَسيَ صِناعةً، أو تَخرَّقَ الثَّوبُ أو بَلِيَ، جازَ له شِراؤُها بما شاءَ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وهو رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ؛ لأنَّ نُقصانَ الثَّمنِ يَكونُ بمُقابَلةِ نُقصانِ العَيبِ؛ فيَلتحِقُ النُّقصانُ بالعَدَمِ، كأنَّه باعَه بمِثلِ ما اشتَراه؛ فلا تَتحقَّقُ شُبهةُ الرِّبا؛ لأنَّ نَقصَ الثَّمنِ لِنقْصِ المَبيعِ، لا لِلتَّوسُّلِ إلى الرِّبا. ولِأشهَبَ عن مالِكٍ أنَّ ذلك لا يَجوزُ، وهذا ممَّا لا يُؤمَنُ النَّاسُ على مِثلِه، وقالَ سَحنونٌ: هذه خَيرٌ مِنْ رِوايةِ ابنِ القاسِمِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: هذا يَدلُّكَ على أنَّهم إنَّما كَرِهوه لِلتُّهَمِ، وليسَ كلُّ النَّاسِ يُتَّهَمُ في مِثلِ ذلك؛ فلا يَنبَغي أنْ يُظَنَّ بالمُسلِمِ الطَّاهِرِ إلَّا الصَّلاحُ والخَيرُ (٢).

стр. 3725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3726

وقالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ: وإنْ نقَص سِعرُها بتَغيُّرِ الأسعارِ لَم يَجُزْ بَيعُها بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِها، كما لو كانَتْ بحالِها؛ لأنَّ تَغيُّرَ السِّعرِ غيرُ مُعتَبَرٍ في حَقِّ الأحكامِ؛ لأنَّه فُتورٌ في الرَّغَباتِ، لا فَواتُ جُزءٍ، كما في حَقِّ الغاصِبِ وغيرِه، فعادَ إليه كما خرَج عن مِلْكِه، فظهَر الرِّبحُ. ٥ - أنْ يَبيعَها لِمَنِ اشتَراها مِنه، فإنْ باعَها المُشتَرِي لِغيرِ مَنْ اشتَراها مِنه لَم تَحرُمْ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وهو ما يُسَمَّى التَّوَرُّقَ، خِلافًا لِابنِ تَيميَّةَ وابنِ القيِّمِ. قالَ الكاسانيُّ ﵀: ولو خرَج المَبيعُ مِنْ مِلكِ المُشتَرِي فاشتَراه البائِعُ مِنْ المالِكِ الثَّاني بأقَلَّ ممَّا باعَه قبلَ نَقدِ الثَّمنِ جازَ؛ لأنَّ اختِلافَ المِلْكِ بمَنزِلةِ اختِلافِ العَينِ، فيُمنَعُ تَحقُّقُ الرِّبا، ولو ماتَ المُشتَرِي فاشتَراه البائِعُ مِنْ وارِثِه بأقَلَّ ممَّا باعَ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ المِلْكَ

стр. 3727

هُناكَ لَم يَختَلِفْ، وإنَّما قامَ الوارِثُ مَقامَ المُشتَرِي، بدَليلِ أنَّه يُرَدُّ بالعَيبِ، ويُرَدُّ عليه … ولو باعَه المُشتَرِي مِنْ غيرِه فعادَ المَبيعُ إلى مِلكِه، فاشتَراه بأقَلَّ ممَّا باعَ، فهذا لا يَخلو مما يلي: إمَّا أنْ يَعودَ إليه بمِلْكٍ جَديدٍ، وإمَّا أنْ يَعودَ إليه على حُكمِ المِلْكِ الأوَّلِ؛ فإنْ عادَ إليه بمِلْكٍ جَديدٍ، كالشِّراءِ والهِبةِ والمِيراثِ والإقالةِ قبلَ القَبضِ وبعدَه، والرَّدِّ بالعَيبِ بعدَ القَبضِ بغيرِ قَضاءِ القاضي، ونَحوِ ذلك مِنْ أسبابِ تَجديدِ المِلْكِ جازَ الشِّراءُ مِنه بأقَلَّ ممَّا باعَ؛ لأنَّ اختِلافَ المِلْكِ بمَنزِلةِ اختِلافِ العَينِ. وإنْ عادَ إليه على حُكمِ المِلْكِ الأوَّلِ كالرَّدِّ بخِيارِ الرُّؤيةِ، والرَّدِّ بخِيارِ الشَّرطِ قبلَ القَبضِ وبعدَه بقَضاءِ القاضي، وبغيرِ قَضاءِ القاضي، والرَّدِّ بخِيارِ العَيبِ قبلَ القَبضِ بقَضاءِ القاضي وبغيرِ قَضاءِ القاضي، وبعدَ القَبضِ بقَضاءِ القاضي لا يَجوزُ الشِّراءُ مِنه بأقَلَّ ممَّا باعَ؛ لأنَّ الرَّدَّ في هذه المَواضِعِ يَكونُ فَسخًا، والفَسخُ يَكونُ رَفعًا مِنْ الأصلِ، وإعادةً إلى قَديمِ المِلْكِ، كأنَّه لَم يَخرُجْ عن مِلكِه أصْلًا، ولو كانَ كذلك لَكانَ لا يَجوزُ له الشِّراءُ، فكذا هذا. ولو لَم يَشتَرِه البائِعُ، لَكِنِ اشتَراه بَعضُ مَنْ لا تَجوزُ شَهادَتُه له، كالوالِدَيْنِ والمَولودِينَ والزَّوجِ والزَّوجةِ، لا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ ﵀، كما لا يَجوزُ مِنْ البائِعِ، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ يَجوزُ، كما يَجوزُ مِنْ الأجنَبيِّ. وَجْهُ قَولِهما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما أجنَبيٌّ عن مِلكِ صاحِبِه؛ لِانفِصالِ مِلْكِه عن مِلكِ صاحِبِه؛ فيقعُ عَقدُ كلِّ واحِدٍ مِنهما له، لا لِصاحِبِه، كسائِرِ الأجانِبِ، ثم شِراءُ الأجنَبيِّ لِنَفْسِه جائِزٌ، فكذا شِراؤُه لِصاحِبِه.

стр. 3728

ولِأبي حَنيفةَ ﵀ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما يَبيعُ بمالِ صاحِبِه عادةً، حتى إنَّه لا تُقبَلُ شَهادةُ أحَدِهما لِصاحِبِه، فكانَ مَعنَى مِلْكِ كلِّ واحِدٍ مِنهما ثابِتًا لِصاحِبِه، فكانَ عَقدُه واقِعًا لِصاحِبِه مِنْ وَجْهٍ، فيُؤثِّرُ في فَسادِ العَقدِ احتياطًا في بابِ الرِّبا (١). القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ الشافِعيَّةِ (والظاهِريَّةِ) بأنَّ هذه الصُّورةَ مِنْ البَيعِ جائِزةٌ؛ فمَن باعَ لِغيرِه شَيئًا بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ وسلَّمه إليه ثم اشتَراه مِنه قبلَ قَبضِ الثَّمنِ بأقَلَّ مِنْ ذلك الثَّمنِ نَقدًا أنَّ ذلك جائِزٌ، وكذا يَجوزُ أنْ يَبيعَ بثَمَنٍ نَقدًا، ويَشتَريَ بأكثَرَ مِنه إلى أجَلٍ، سَواءٌ أقبَض الثَّمنَ الأوَّلَ أم لا، وسَواءٌ أصارَتِ العِينةُ عادةً له غالِبةً في البَلَدِ أم لا، وبِالجُملةِ لا تَعلُّقَ لِأحَدِ العَقدَيْنِ بالآخَرَ إذا تَميَّزَ أحَدُ العَقدَيْنِ عنِ الآخَرِ.

стр. 3729

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ومَن باعَ سِلعةً مِنْ السِّلَعِ إلى أجَلٍ مِنْ الآجالِ وقبَضها المُشتَرِي فلا بَأْسَ أنْ يَبيعَها الذي اشتَراها بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ أو أكثَرَ، ودَينًا ونَقدًا؛ لأنَّها بَيعةٌ غيرُ البَيعةِ الأُولَى. وقد قالَ بَعضُ النَّاسِ: لا يَشتَريها البائِعُ بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ، وزَعَمَ أنَّ القياسَ في ذلك جائِزٌ، ولكنَّه زَعَمَ تَتبُّعَ الأثَرِ، ومَحمودٌ مِنه أنْ يَتَّبِعَ الأثَرَ الصَّحيحَ؛ فلمَّا سُئلَ عن الأثَرِ إذا هو أبو إسحاقَ عن امرَأتِه عاليةَ بِنتِ أنفَعَ أنَّها دَخَلتْ مع امرَأةِ أبي السَّفَرِ على عائِشةَ ﵂، فذَكَرتْ لِعائِشةَ ﵂ أنَّ زَيدَ بنَ أرقَمَ باعَ شَيئًا إلى العَطاءِ، ثم اشتَراه بأقَلَّ ممَّا باعَه به؛ فقالَتْ عائِشةُ: أخبِري زَيدَ بنَ أرقَمَ أنَّ اللَّهَ قد أبطَلَ جِهادَه مع رَسولِ اللَّهِ، إلَّا أنْ يَتوبَ. قالَ الشافِعيُّ: فقيلَ له: ثبَت هذا الحَديثُ عن عائِشةَ ﵂، فقالَ أبو إسحاقَ: رَواه عن امرَأتِه. فقيلَ: فتَعرِفُ امرَأتَه بشَيءٍ يثبُتُ به حَديثُها؟ فما عَلِمتُه قالَ شَيئًا؛ فقُلتُ: تَرُدُّ حَديثَ بُسرةَ بِنتِ صَفوانَ، مُهاجِرةٍ مَعروفةٍ بالفَضلِ، بأنْ تَقولَ حَديثَ امرَأةٍ وتَحتَجُّ بحَديثِ امرَأةٍ ليسَتْ عندَكَ مِنها مَعرِفةٌ أكثَرُ مِنْ أنَّ زَوجَها رَوى عنها، ولو كانَ هذا مِنْ حَديثِ مَنْ يثبُتُ حَديثُه، هل كانَ أكثَرُ ما في هذا إلَّا أنَّ زَيدَ بنَ أرقَمَ ﵁ وعائِشةَ ﵂ اختَلَفا؛ لأنَّكَ تَعلَمُ أنَّ زَيدًا لا يَبيعُ إلَّا ما يَراه حَلَالًا له، ورَأتْه عائِشةُ ﵂ حَرامًا، وزَعَمتْ أنَّ القياسَ مع قَولِ زَيدٍ؛ فكَيفَ لَم تَذهَبْ إلى قَولِ زَيدٍ ومعه القياسُ، وأنتَ تَذهَبُ إلى القياسِ في بَعضِ الحالاتِ، فتَترُكُ به السُّنةَ الثَّابِتةَ؟ قالَ: أفَليسَ قَولُ عائِشةَ ﵂ مُخالِفًا لقولِ زَيدٍ

стр. 3730

﵁؟ قيلَ: ما تَدري؟ لَعَلَّها إنَّما خالَفَتْه في أنَّه باعَ إلى العَطاءِ، ونحن نُخالِفُه في هذا المَوضِعِ؛ لأنَّه أجَلٌ غيرُ مَعلومٍ؛ فأمَّا إنِ اشتَراها بأقَلَّ ممَّا باعَه بها فلَعَلَّها لَم تُخالِفْه فيه قَطُّ، لَعَلَّها رَأتِ البَيعَ إلى العَطاءِ مَفسوخًا، ورَأتْ بَيعَه إلى العَطاءِ لا يَجوزُ؛ فرَأتْه لَم يَملِكْ ما باعَ، ولا بَأْسَ في أنْ يُسلِفَ الرَّجُلُ فيما ليسَ عندَه أصْلُه … وإذا أرَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ السِّلعةَ فقالَ: اشتَرِ هذه وأُربِحُكَ فيها كذا. فاشتَراها الرَّجُلُ فالشِّراءُ جائِزٌ، والَّذي قالَ: أُربِحُكَ فيها، بالخِيارِ، إنْ شاءَ أحدَثَ فيها بَيعًا، وإنْ شاءَ ترَكه وهكذا، إنْ قالَ: اشتَرِ لي مَتاعًا. ووصَفه له، أو: مَتاعًا، أيَّ مَتاعٍ شِئتَ، وأنا أُربِحُكَ فيه. فكلُّ هذا سَواءٌ، يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ، ويَكونُ هذا فيما أعطَى مِنْ نَفْسِه بالخِيارِ، وسَواءٌ في هذا ما وَصَفتُ، إنْ كانَ قالَ: أبتاعُه وأشتَريه مِنْكَ بنَقدٍ أو دَيْنٍ، يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ، ويَكونانِ بالخِيارِ في البَيعِ الآخَرِ؛ فإنْ جَدَّداه جازَ، وإنْ تَبايَعا به على أنْ ألزَما نَفْسَيْهما الأمْرَ الأوَّلَ فهو مَفسوخٌ مِنْ قِبَلِ شَيئَيْنِ: أحَدُهما أنَّه تَبايَعاه قبلَ أنْ يَملِكَه البائِعُ، والآخَرُ أنَّه على مُخاطَرةِ أنَّكَ إنِ اشتَرَيتَه على كذا أُربِحُكَ فيه كذا، وإنِ اشتَرَى الرَّجُلُ طَعامًا إلى أجَلٍ فقبَضه فلا بَأْسَ أنْ يَبيعَه مِمَّنِ اشتَراه مِنه، ومِن غيرِه بنَقدٍ، وإلى أجَلٍ، وسَواءٌ في هذا المُعيَّنَيْنِ وغيرِ المُعيَّنَيْنِ، وإذا باعَ الرَّجُلُ السِّلعةَ بنَقدٍ أو إلى أجَلٍ فتَسوَّمَ بها المُبتاعُ، فبارَتْ عليه، أو باعَها بوَضعٍ، أو هَلَكتْ مِنْ يَدِه، فسَألَ البائِعَ أنْ يَضَعَ عنه مِنْ ثَمَنِها شَيئًا، أو يَهَبَها كُلَّها، فذلك إلى البائِعِ، إنْ شاءَ فعَل وإنْ شاءَ لَم يَفعَلْ مِنْ قِبَلِ أنَّ الثَّمنَ له لازِمٌ، فإنْ شاءَ ترَك له مِنْ الثَّمنِ اللَّازِمِ، وإنْ شاءَ لَم يَترُكْ، وسَواءٌ كانَ هذا عن عادةٍ اعتادَها، أو عن

стр. 3731

غيرِ عادةٍ، وسَواءٌ أحدَثا هذا في أوَّلِ بَيعةٍ تَبايَعا بها، أو بعدَ مِئةِ بَيعةٍ، ليسَ لِلعادةِ التي اعتادَها مَعنًى يُحِلُّ شَيئًا، ولا يُحرِّمُه، وكذلك المَوعِدُ إنْ كانَ قبلَ العَقدِ، أو بعدَه، فإنَّ عَقدَ البَيعِ على مَوعِدٍ أنَّه إنْ وُضِعَ في البَيعِ وُضِعَ عنه، فالبَيعُ مَفسوخٌ؛ لأنَّ الثَّمنَ غيرُ مَعلومٍ، وليسَ تَفسُدُ البُيوعُ أبَدًا، ولا النِّكاحُ، ولا شَيءَ أبَدًا إلَّا بالعَقدِ؛ فإذا عَقدَ عَقدًا صَحيحًا لَم يُفسِدْه شَيءٌ تَقدَّمه، ولا تَأخَّرَ عنه، كما إذا عَقدَ عَقدًا فاسِدًا لَم يُصلِحْه شَيءٌ تَقدَّمَه، ولا تَأخَّرَ عنه إلَّا بتَجديدِ عَقدٍ صَحيحٍ … إلى آخِرِ كَلامِه ﵀ (١). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رَوحَه-: عن العِينةِ هل هي جائِزةٌ في دِينِ الإسلامِ أو لا؟ وهل يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يُقلَّدَ فيها بَعضُ مَنْ رَأى جَوازَها مِنْ الفُقهاءِ، أو يَجِبُ عليه أنْ يَحتاطَ لِدِينِه، ويَتَّبِعَ النُّصوصَ الوارِدةَ في ذلك؟ ومَن تابَ مِنْ مَسألةِ العِينةِ المَذكورةِ هل يَحِلُّ له ما رَبِحَه بطَريقِها أو يَجِبُ عليه إخراجُ الرِّبحِ ورَدُّه إلى أربابِه إنْ قدَر، أو التَّصدُّقُ بذلك؟ فإنْ عادَ إليها مُقلِّدًا بعدَ العِلمِ ببُطلانِها، هل يَجوزُ له ذلك أو لا؟ وكذلك ما تَقولونَ في مَسألةِ الثُّلاثيَّةِ، ومَسألةِ التَّورُّقِ؟ فأجابَ ﵀: الحَمدُ لِلَّهِ، أمَّا إذا كانَ قَصدُ الطَّالِبِ أخْذَ دَراهِمَ بأكثَرَ مِنها إلى أجَلٍ، والمُعطي يَقصِدُ إعطاءَه ذلك فهذا رِبًا، لا رَيبَ في تَحريمِه، وإنْ تَحَيَّلا على ذلك بأيِّ طَريقٍ كانَ؛ فإنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ

стр. 3732

امرِئٍ ما نَوَى؛ فإنَّ هذَيْنِ قد قَصَدا الرِّبا الذي أنزَلَ اللَّهُ في تَحريمِه القُرآنَ. والأصْلُ في هذا البابِ أنَّ الشِّراءَ على ثَلاثةِ أنواعٍ: أحَدُها: أنْ يَشتَريَ السِّلعةَ مَنْ يَقصِدُ الِانتِفاعَ بها، كالأكلِ والشُّربِ واللِّباسِ والرُّكوبِ والسُّكْنَى ونَحوِ ذلك؛ فهذا هو البَيعُ الذي أحَلَّه اللَّهُ . والثَّاني: أنْ يَشتَريَها مَنْ يَقصِدُ أنْ يَتَّجِرَ فيها، إمَّا في ذلك البَلَدِ، وإمَّا في غيرِه، فهذه هي التِّجارةُ التي أباحَها اللَّهُ . والثَّالثُ: ألَّا يَكونَ مَقصودُه هذا ولا هذا، بَلْ مَقصودُه دَراهِمُ لِحاجَتِه إليها، وقد تَعذَّرَ عليه أنْ يَستَسلِفَ قَرضًا أو سَلَمًا؛ فيَشتَريَ سِلعةً لِيَبيعَها ويَأخُذَ ثَمَنَها، فهذا هو التَّورُّقُ، وهو مَكروهٌ في أظهَرِ قَولَيِ العُلماءِ، وهذه إحدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ، كما قالَ عمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ ﵀: التَّورُّقُ أُخَيَّةُ الرِّبا. وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵁: إذا استَقَمتَ بنَقدٍ ثم بِعتَ بنَقدٍ فلا بَأْسَ به، وإذا استَقَمتَ بنَقدٍ ثم بِعتَ بنَسيئةٍ فتلك دَراهِمُ بدَراهِمَ. ومَعنَى كَلامِه: إذا استَقَمتَ: إذا قَوَّمتَ، يَعني: إذا قَوَّمتَ السِّلعةَ بنَقدٍ، وابتَعتَها إلى أجَلٍ، فإنَّما مَقصودُكَ دَراهِمُ بدَراهِمَ، هكذا التَّورُّقُ، يُقوِّمُ السِّلعةَ في الحالِ ثم يَشتَريها إلى أجَلٍ بأكثَرَ مِنْ ذلك، وقد يَقولُ لِصاحِبِه: أُريدُ أنْ تُعطيَني ألْفَ دِرهَمٍ، فكم تَربَحُ؟ فيَقولُ: أربَحُ مِئَتَيْنِ، أو نَحوَ ذلك،

стр. 3733

أو يَقولُ: عِندي هذا المالُ يُساوي ألْفَ دِرهَمٍ، أو يُحضِرانِ مَنْ يُقوِّمُه بألْفِ دِرهَمٍ، ثم يَبيعُه بأكثَرَ مِنه إلى أجَلٍ، فهذا ممَّا نُهيَ عنه في الصَّحيحِ. وما اكتَسَبَه الرَّجُلُ مِنْ الأموالِ بالمُعامَلاتِ التي اختَلَفتْ فيها الأُمَّةُ كهَذِه المُعامَلاتِ المَسؤولِ عنها وغيرِها، وكانَ مُتأوِّلًا في ذلك ومُعتقِدًا جَوازَه؛ لِاجتِهادٍ أو تَقليدٍ أو تَشبُّهٍ ببَعضِ أهلِ العِلمِ، أو لأنَّه أفتاه بذلك بَعضُهم، ونَحوِ ذلك؛ فهذه الأموالُ التي كَسَبوها وقَبَضوها ليسَ عليهم إخراجُها، وإنْ تَبيَّن لَهم بعدَ ذلك أنَّهم كانوا مُخطِئينَ في ذلك، وأنَّ الذي أفتاهم أخطأَ؛ فإنَّهم قَبَضوها بتَأويلٍ، فلَيسوا أسوَأَ حالًا ممَّا اكتَسَبَه الكُفَّارُ بتَأويلٍ باطِلٍ. فَإنَّ الكُفَّارَ إذا تَبايَعوا بينَهم خَمرًا أو خِنزيرًا وهُم يَعتقِدونَ جَوازَ ذلك، وتَقابَضوا مِنْ الطَّرفَيْنِ أو تَعامَلوا برِبًا صَريحٍ يَعتقِدونَ جَوازَه وتَقابَضوا مِنْ الطَّرفَيْنِ، ثم أسلَموا، ثم تَحاكَموا إلينا، أقرَرْناهم على ما بأيديهم، وجازَ لَهم بعدَ الإسلامِ أنْ يَنتَفِعوا بذلك، كما قالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فأمَرَهم بتَركِ ما بَقيَ لَهم في الذِّمَمِ، ولَم يَأمُرْهم بإعادةِ ما قَبَضوه، وكانَ بَعضُ نُوَّابِ عمرَ بالعِراقِ يَأخُذونَ مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ الجِزيةَ خَمرًا، ثم يَبيعونَها لَهم، فكتَب إليه عمرُ يَنهاه عن ذلك، وقالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لعَن اللَّهُ اليَهودَ، حُرِّمتْ عليهم الشُّحومُ فباعوها وأكَلوا أثمانَها»، ولكنْ وَلُّوهم بَيعَها وخُذوا أثمانَها، فنَهاهم عمرُ عن بَيعِ الخَمرِ، وقالَ: وَلُّوا بَيعَها الكُفَّارَ، فإذا باعوها هُمْ لِأهلِ دِينِهم وقَبَضوا أثمانَها جازَ لِلمُسلِمينَ أنْ يَأخُذوا ذلك

стр. 3734

الثَّمنَ مِنهم، ولِهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «أيُّما قَسْمٍ قُسِمَ في الجاهِليةِ فهو على ما قُسِمَ، وأيُّما قَسْمٍ أدرَكَه الإسلامُ فهو على قَسْمِ الإسلامِ»، بَلْ أكثَرُ العُلماءِ كمالِكٍ وأحمدَ وأبي حَنيفةَ يَقولونَ بما دَلَّتْ عليه سُنَّةُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وسُنَّةِ خُلَفائِه الرَّاشِدِينَ، وهو أنَّ الكُفَّارَ المُحارِبينَ إذا استَولَوْا على أموالِ المُسلِمينَ بالمُحارَبةِ، ثم أسلَموا بعدَ ذلك أو عاهَدوا فإنَّها تُقَرُّ بأيديهم كما أقَرَّ النَّبيُّ ﷺ بيَدِ المُشرِكينَ ما كانوا أخَذوه مِنْ أموالِ المُسلِمينَ حالَ الكُفرِ؛ لأنَّهم لَم يَعتَقِدوا تَحريمَ ذلك، وقد أسلَموا، والإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه، فإنَّما غَفَرَ لَهم بالإسلامِ ما تَقدَّمَ مِنْ الكُفرِ والأعمالِ صاروا مُكتَسِبينَ لَها بما لا يَأثَمونَ به. وإذا كانَ الأمْرُ كذلك فالمُسلِمُ المُتأوِّلُ الذي يَعتقِدُ جَوازَ ما فعَله مِنْ المُبايَعاتِ والمُؤاجَراتِ والمُعامَلاتِ التي يُفتِي فيها بَعضُ العُلماءِ إذا قبَض بها أموالًا وتَبيَّن لِأصحابِها فيما بَعدُ أنَّ القَولَ الصَّحيحَ تَحريمُ ذلك، لَم يَحرُمْ عليهم ما قَبَضوه بالتَّأويلِ، كما لَم يَحرُمْ على الكُفَّارِ بعدَ الإسلامِ ما اكتَسَبوه في حالِ الكُفرِ بالتَّأويلِ، ويَجوزُ لِغيرِهم مِنْ المُسلِمينَ الذين يَعتقِدونَ تَحريمَ ذلك أنْ يُعامِلوهم فيه كما يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُعامِلَ الذِّمِّيَّ فيما في يَدِه مِنْ ثَمَنِ الخَمرِ وغيرِه، لكنْ عليهم إذا سَمِعوا العِلمَ أنْ يَتوبوا مِنْ هذه المُعامَلاتِ الرِّبَويةِ، ولا يَصلُحَ أنْ يُقلِّدَ فيها أحَدًا مِمَّنْ يُفتي بالجَوازِ، تَقليدًا لِبَعضِ العُلماءِ؛ فإنَّ تَحريمَ هذه المُعامَلاتِ ثابِتٌ بالنُّصوصِ والآثارِ، ولَم يَختَلِفِ الصَّحابةُ في تَحريمِها، وأُصولُ الشَّريعةِ شاهِدةٌ بتَحريمِها، والمَفاسِدُ التي لِأجْلِها حرَّم اللَّهُ الرِّبا مَوجودةٌ في هذه المُعامَلاتِ مع زِيادةِ

стр. 3735

مَكرٍ وخِداعٍ وتَعَبٍ وعَذابٍ؛ فإنَّهم يُكلِّفونَ مِنْ الرُّؤيةِ والصِّفةِ والقَبضِ وغيرِ ذلك مِنْ أُمورٍ يُحتاجُ إليها في البَيعِ المَقصودِ، وهذا البَيعُ ليسَ مَقصودًا لَهم، وإنَّما المَقصودُ أخْذُ دَراهِمَ بدَراهِمَ، فيَطولُ عليهم الطَّريقُ التي يُؤمَرونَ بها، فيَحصُلُ لَهم الرِّبا؛ فهم مِنْ أهلِ الرِّبا المُعذَّبينَ في الدُّنيا قبلَ الآخِرةِ، وقُلوبُهم تَشهَدُ بأنَّ هذا الذي يَفعَلونَه مَكرٌ وخِداعٌ وتَلبيسٌ، ولِهَذا قالَ أيُّوبُ السَّختِيانيُّ: يُخادِعونَ اللَّهَ كما يُخادِعونَ الصِّبيانَ، فلو أتَوُا الأمْرَ على وَجْهِه لَكانَ أهوَنَ علَيَّ، والكَلامُ على هذا مَبسوطٌ في غيرِ هذا المَوضِعِ وقد صَنَّفتُ كِتابًا كبيرًا في هذا، واللَّهُ أعلَمُ (١). وهُناكَ صُوَرٌ أُخرى لِبَيعِ العِينةِ، ذكَرها الفُقهاءُ، وأكثَرُها عندَ المالِكيَّةِ: قالَ المالِكيَّةُ: العِينةُ هي: بَيعُ مَنْ طُلِبتْ مِنه سِلعةٌ لِلشِّراءِ، وليسَتْ عندَه لِطالِبِها -المُشتَرِي- بعدَ شِرائِها لِنَفْسِه مِنْ آخَرَ. حُكمُها: جائِزةٌ، بمَعنًى خِلافِ الأُولَى؛ فأهلُ العِينةِ قَومٌ نَصَّبوا أنْفُسَهم لِطَلَبِ شِراءِ السِّلَعِ مِنهم، وليسَتْ عندَهم؛ فيَذهَبونَ إلى التُّجَّارِ لِيَشتَروها بثَمَنٍ، لِيَبيعوها لِلطَّالِبِ، وسَواءٌ باعوها لِطالِبِها بثَمَنٍ حالٍّ، أو مُؤجَّلٍ، أو بَعضُه حالٌّ وبَعضُه مُؤجَّلٌ. أمَّا إذا قالَ الطَّالِبُ لِلسِّلعةِ: اشتَرِها بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا آخُذُها مِنْكَ باثنَيْ عَشَر لِأجَلٍ، فيُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ تُهمةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفعًا؛ لأنَّه كأنَّه سَلَّفَه عَشَرةً ثَمَنَ السِّلعةِ يَأخُذُ عنها بعدَ الأجَلِ اثنَيْ عشَرَ.

стр. 3736

ثم تارةً يَقولُ الطَّالِبُ: خُذْها لي، وتارةً لا يَقولُ: لي؛ فتَلزَمُ السِّلعةُ الطَّالِبَ بالعَشَرةِ نَقدًا إنْ قالَ لِلمَطلوبِ منه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ … إلَخ، ولِلمَطلوبِ مِنه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، ومِنَ الرِّبحِ، وفَسخُ البَيعِ الثَّاني وهو الِاثنا عشَرَ لِأجَلٍ، ثم إنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً في يَدِ الآمِرِ رُدَّتْ لِلمَأمورِ بعَينِها، وإنْ فاتَتْ في يَدِ الآمِرِ بفَوْتِ البَيعِ الفاسِدِ رَدَّ قِيمَتَها يَومَ القَبضِ حالَّةً، بالِغةً ما بَلَغتْ، زادَتْ على الِاثنَيْ عشَرَ، أو نَقَصتْ. وقيلَ: إنَّ البَيعَ الثَّانيَ يَمضي مع الآمِرِ باثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ، ولا يُفسَخُ، كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً أو فائِتةً. فإنْ لَم يَقُلْ: لي -في الفَرضِ المَذكورِ-، مَضى الثَّاني بالاثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ؛ لِبُعدِ تُهمةِ السَّلَفِ بمَنفَعةٍ، ولزِمه -أي: الآمِرَ- الِاثنا عشَرَ لِلأجَلِ؛ لأنَّ ضَمانَها مِنْ المَأْمورِ لو هلَك قبلَ شِراءِ الثَّاني، ولو شاءَ الآمِرُ عَدَمَ الشِّراءِ كانَ له ذلك؛ لأنَّها لَم تَلزَمْه. وإلَّا أنْ يَقولَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا، وآخَذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فيُمنَعَ إنْ شرَط الطَّالِبِ النَّقدَ على المَأْمورِ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ بشَرطِ أنْ تَنقُدَها عَنِّي، وأنا أشتَريها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ لأنَّه حينَئذٍ قد جعَل له دِرهَمَيْنِ في نَظيرِ سَلَفِه وتَولِيَتِه الشِّراءَ؛ فهو سَلَفٌ وإجارةٌ بشَرطِ. ولَزِمتِ السِّلعةُ الطَّالِبَ بالعَشَرةِ، ولِلمَأْمورِ في نَظيرِ عَمَلِه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، أو مِنْ الدِّرهَمَيْنِ فيهما، أي: في هذه، وفي أوَّلِ قِسمَيَّ التي قبلَها، وهي قَولُه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا، وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ لِأجَلٍ. وجازَ النَّقدُ بغيرِ شَرطٍ مِنْ الطَّالِبِ، بَلْ تَطوُّعًا، وله الدِّرهَمانِ، كنَقدِ

стр. 3737

الآمِرِ، فإنَّه جائِزٌ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا -ونقَدها له- وأنا آخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا وله الدِّرهَمانِ؛ لأنَّهما أُجرةٌ، وإنْ لَم يَقُلْ: لي -في هذا الفَرضِ-، وهو ما إذا شرَط الطَّالِبُ النَّقدَ على المَأْمورِ كُرِهَ، كقَولِ بائِعٍ لِمُشتَرٍ: خُذْ مِنِّي بمِئةٍ ما -أي: سِلعةً- بثَمانينَ قِيمةً؛ لِمَا فيه مِنْ رائِحةِ الرِّبا، ولا سيَّما إذا قالَ له المُشتَرِي: سَلِّفْني ثَمانينَ وأرُدُّ لَكَ عَنها مِئةً؛ فقالَ المَأْمورُ: هذا رِبًا، بَلْ خُذْ مِنِّي بمِئةٍ … إلَخ. أو قالَ شَخصٌ لِآخَرَ: اشتَرِها، وأنا أُربِحُكَ، ولَم يُعيِّنْ له قَدْرَ الرِّبحِ؛ فإنَّه يُكرَهُ؛ فإنْ عَيَّنَه مُنِعَ. وإنْ قالَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ لِأجَلٍ وأنا أشتَريها مِنْكَ بثَمانيةٍ نَقدًا؛ فيُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ السَّلَفِ بزِيادةٍ؛ لأنَّه سَلَّفُه الثَّمانيةُ المَنقودةَ على أنْ يَشتَريَها له بعَشَرةٍ، كذا قيلَ، ولا وَجْهَ له، كما يَقولُ الدُّسوقيُّ والصاويُّ. وذكَر ابنُ رُشدٍ وغيرُه: أنَّ وَجْهَ المَنعِ أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأْمورَ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ بسَلَفِه الثَّمانيةَ يَنقُدُها له، يَنتفِعُ بها إلى الأجَلِ، ثم يَرُدُّها له، أي: والآمِرُ يَدفَعُ له العَشَرةَ عندَ الأجَلِ لِلبائِعِ الأصْليِّ. قالَ الصَّاويُّ: وهذا بَعيدٌ أيضًا، لا يَقتَضي الحُرمةَ فتَأمَّلْ (١). وتَلزَمُ السِّلعةُ الآمِرَ بما أمَرَ، وهو العَشَرةُ لِأجلِها، ولا يُعجِّلُ له الأقَلَّ، وهو الثَّمانيةُ في المِثالِ؛ فإنْ عجَّل الأقَلَّ لِلمَأْمورِ رُدَّ لِلآمِرِ، ولِلمَأْمورِ جُعلُ مِثلِه.

стр. 3738

وإنْ لَم يَقُلْ «لي»، فُسِخَ البَيعُ الثَّاني؛ فتُرَدُّ السِّلعةُ لِلمَأْمورِ إنْ كانَتْ قائِمةً؛ فإنْ فاتَتْ فالقِيمةُ على الآمِرِ يَومَ قَبضِها على أحَدِ القَولَيْنِ. والثَّاني: لا يُفسَخُ، بَلْ يَمضي بالثَّمانيةِ نَقدًا، وعلى المَأْمورِ العَشَرةُ لِلأجَلِ لِرَبِّ السِّلعةِ (١). وقد بيَّن الإمامُ ابنُ رُشدٍ مَسائِلَ العِينةِ، وبيَّن الجائِزَ مِنها والمَكروهَ والمَحظورَ، فقالَ ﵀: العِينةُ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ: جائِزةٌ، ومَكروهةٌ، ومَحظورةٌ. فالجائِزةُ أنْ يَأتيَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ مِنهم فيَقولَ له: أعندَكَ سِلعةُ كذا وكذا تَبيعُها مِنِّي بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَذهَبَ عنه فيَبتاعَ المَسؤولُ تلك السِّلعةَ، ثم يَلقاه فيَقولَ له: عِندي ما سَألتَ، فيَبيعَ ذلك منه. والمَكروهُ أنْ يَقولَ له: عندَكَ كذا وكذا تَبيعُه مِنِّي بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَقولَ له: ابتَعْ ذلك وأنا أبتاعُه مِنْكَ بدَيْنٍ وأُربِحُكَ فيه؛ فيَشتَريَ ذلك ثم يَبيعَه مِنه على ما تَواعَدا عليه. والمَحظورُ أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتَريها مِنْكَ بكَذا وكَذا، وهذا الوَجْهُ فيه سِتُّ مَسائِلَ تَفترِقُ أحكامُها بافتِراقِ مَعانيها:

стр. 3739

إحدى هذه المَسائِلِ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أشتَريها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فهذا أجازَه مالِكٌ مَرَّةً، إذا كانَتِ البَيعَتانِ بالنَّقدِ، وانتَقَدَ، وكَرِهَه مَرَّةً لِلمُراوَضةِ التي وَقَعتْ بينَهما في السِّلعةِ قبلَ أنْ تَصيرَ في مِلْكِ المَأْمورَ. والثَّانيةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا لا يَجوزُ، إلَّا أنَّه اختُلِفَ فيه إذا وقَع على قَولَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ السِّلعةَ لازِمةٌ لِلآمِرِ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، لأنَّ المَأْمورَ كانَ ضامِنًا لَها لو تَلِفتْ في يَدِه قبلَ أنْ يَبيعَها مِنْ الآمِرِ، ويُستحَبُّ له أنْ يَتورَّعَ فلا يَأخُذَ مِنه إلَّا ما نقَد فيها، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في سَماعِ سَحنونٍ مِنْ كِتابِ البَضائِعِ والوَكالاتِ، ورِوايَتِه عن مالِكٍ. والآخَرُ: أنَّ البَيعَ يُفسَخُ وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأْمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ، فتَكونَ فيه القِيمةُ مُعجَّلةً، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ؛ لأنَّه باعَه إيَّاها قبلَ أنْ يَجِبَ له، فيَدخُلُه بَيعُ ما ليسَ عندَكَ. والثَّالثُ: عَكسُها، وهو أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أبتاعُها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا لا يَجوزُ أيضًا، إلَّا أنَّه يَختلِفُ فيه إذا وقَع على القَولَيْنِ المَذكورَيْنِ، يَلزَمُ الآمِرَ السِّلعةُ بالعَشَرةِ نَقدًا. ويُستحَبُّ له أنْ يَزيدَه الدِّينارَيْنِ على القَولِ الأوَّلِ، ويُفسَخُ البَيعُ على القَولِ الثَّاني، وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المأْمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ بيَدِ الآمِرِ، فتَكونَ عليه فيها القِيمةُ، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ على القَولِ الثَّاني، وهو قَولُ ابنِ حَبيبٍ.

стр. 3740

والرَّابِعُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ؛ فهذا مَرجِعُ الأمْرِ فيه إلى أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المأْمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بدينارَيْنِ أُجرةً؛ فإنْ كانَ النَّقدُ مِنْ عِنْدِ الآمِرِ، أو مِنْ عِنْدِ المأْمورِ بغيرِ شَرطٍ فهو جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنْ عِنْدِ المأْمورِ بشَرطٍ، كانَتْ إجارةً وسَلَفًا؛ لأنَّه استَأجَرَه بدينارَيْنِ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ ويَنقُدَ عنه؛ فتَكونَ له إجارةُ مِثلِه، إلَّا أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ الدِّينارَيْنِ؛ فلا يُزادَ عليهما على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ في البَيعِ والسَّلَفِ، وإذا كانَ السَّلَفُ مِنْ عِنْدِ البائِعِ وفاتَتِ السِّلعةُ فلِلبائِعِ الأقَلُّ مِنْ القِيمةِ أو الثَّمنِ، وإنْ قبَض السَّلَفَ، وتَكونُ له إجارةُ مِثلِه بالِغةً ما بَلَغتْ، وعلى مَذهبِ ابنِ حَبيبٍ في البَيعِ والسَّلَفِ إذا قبَض السَّلَفَ وفاتَتِ السِّلعةُ، ففيها القِيمةُ، بالِغةً ما بلَغتْ، والأصَحُّ ألَّا تَكونَ له أُجرةٌ؛ لأنَّا إنْ أعطَيناه الأُجرةَ كانَ الثَّمنُ ثَمَنًا لِلسَّلَفِ؛ فكانَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا الذي عَقَدا عليه، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وهذه الأقوالُ الثَّلاثةُ إذا عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنْ نقَد المأْمورَ الثَّمنَ وقبلَ أنْ يَحِلَّ الأجَلُ؛ لأنَّ السَّلَفَ -وإنْ كانَ حالًّا- لا بدَّ مِنْ الحُكمِ فيه بأجَلٍ، ولو عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنِ ابتاعَ المَأمورُ السِّلعةَ، وقبلَ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ، كانَ النَّقدُ على الآمِرِ، ولَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمأْمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ له الأُجرةَ بالِغةً ما بَلَغتْ، والآخَرُ: أنَّ له الأقَلَّ، ولو لَم يُعثَرْ على ذلك إلَّا بعدَ حُلولِ الأجَلِ لَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمأْمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ له الأُجرةَ بالِغةً ما بَلَغتْ، والآخَرُ: أنَّه لا شَيءَ له.

стр. 3741

والخامِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا وكذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا حَرامٌ، لا يَحِلُّ، ولا يَجوزُ؛ لأنَّه رَجُلٌ ازدادَ في سَلَفِه؛ فإنْ وقَع ذلك لَزِمتِ السِّلعةُ لِلآمِرِ؛ لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، وإنَّما أسلَفَه المأْمورُ ثَمَنَها؛ لِيأخُذَ مِنه أكثَرَ مِنه إلى أجَلٍ؛ فيُعطيَه العَشَرةَ مُعجَّلةً، ويَطرَحَ عنه ما أرْبَى، ويَكونَ لَه أُجرةُ مِثْلِه بالِغةً ما بَلَغتْ، في قَولٍ، والأقَلُّ مِنْ أُجرةِ مِثْلِه أو الدِّينارَيْنِ في قَولٍ، ولا يَكونَ له شَيءٌ في قَولٍ؛ لِئَلَّا يَكونَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا فيما بينَهما على ما مَضى مِنْ الِاختِلافِ في المَسألةِ التي قبلَها. وقالَ في سَماعِ سَحنونٍ: إنْ لَم تَفُتِ السِّلعةُ فُسِخَ البَيعُ، وهو بَعيدٌ؛ فقيلَ: مَعنَى ذلك إذا عَلِمَ البائِعُ الأوَّلُ بعَمَلِهما. والسَّادِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أشتَريها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا حَرامٌ، لا يَجوزُ، ومَكروهٌ إذا استَأجَرَ المأْمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بسَلَفٍ، بعَشَرةِ دَنانيرَ، يَدفَعُها إليه يَنتَفِعُ بها إلى أجَلٍ، ثم يَرُدُّها إليه؛ فإذا وقَع ذلك لَزِمتِ الآمِرَ السِّلعةُ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، ولا يَتعجَّلِ المأْمورُ مِنه العَشَرةَ النَّقدَ، وإنْ كانَ قد دَفَعَها إليه صرَفها عليه، ولَم تُترَكْ عندَه إلى الأجَلِ، وكانَ له جُعْلُ مِثلِه بالِغًا ما بلَغ في هذا الوَجْهِ باتِّفاقٍ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

стр. 3742

البَيعُ بعدَ نِداءِ الجُمُعةِ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ في أنَّه يَحرُمُ البَيعُ بعدَ النِّداءِ إلى الجُمُعةِ، وقد نقَل غيرُ واحِدٍ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على تَحريمِ البَيعِ بعدَ النِّداءِ لِمَنْ تَجِبُ عليه صَلاةُ الجُمُعةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ولأنَّ فيه إخلالًا بالواجِبِ، وهو السَّعيُ إذا قَعَدا أو وَقَفا يَتبايَعانِ، ويَستمِرُّ التَّحريمُ حتى يُفرَغَ مِنْ الجُمُعةِ. ثم اختَلَفوا: هل الذي يُحرِّمُ البَيعَ والشِّراءَ النِّداءُ الأوَّلُ أو الآخَرُ؟ فذهَب الحَنفيَّةُ في قَولٍ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الذي يُحرِّمُ إنَّما هو النِّداءُ الثَّاني الذي بينَ يَدَيِ الإمامِ؛ لأنَّه النِّداءُ الذي كانَ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ؛ فلا يَنصرِفُ النِّداءُ عندَ إطلاقِه إلَّا إليه. وذهَب الحَنفيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَحرُمُ البَيعُ ويَجِبُ السَّعيُ بالنِّداءِ الأوَّلِ، الذي يَكونُ بعدَ الزَّوالِ؛ لِحُصولِ الإعلامِ به، ومَعلومٌ أنَّه يَكونُ بعدَ الزَّوالِ؛ إذِ الأذانُ الذي قبلَه ليسَ بأذانٍ؛ ولأنَّه لو اعتُبِرَ في وُجوبِ السَّعيِ الأذانُ الثَّاني لَم يَتمكَّنْ مِنْ السُّنةِ القَبليَّةِ، ومِنَ الِاستِماعِ، بَلْ رُبَّما يُخشَى عليه فَواتُ الجُمُعةِ، إذا كانَ بَيتُه بَعيدًا مِنْ الجامِعِ. ثم اختَلَفوا: هلِ البَيعُ صَحيحٌ مع الحُرمةِ أو فاسِدٌ؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ البَيعَ صَحيحٌ مع الحُرمةِ؛ لأنَّ النَّهيَ عنِ البَيعِ هُنا ليسَ نَهيًا عنه لِذاتِه، بَلْ

стр. 3743

لِوَقتِه؛ لأنَّ النَّهيَ لِمَعنًى مُجاوِرٍ لِلبَيعِ، لا في صُلبِه، ولا في شَرطِ صِحَّتِه، ولأنَّ النَّهيَ الوارِدَ لِمَعنًى مُجاوِرٍ لا يَقتَضي الفَسادَ. وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى فَسادِ البَيعِ، وأنَّه مَردودٌ؛ لأنَّ النَّهيَ يَقتَضي فَسادَ المَنهيِّ عنه، سَواءٌ كانَ لِذاتِ المَنهيِّ عنه أو لِوَقتِه، كالصَّومِ يَومَ العِيدِ؛ فكذلك العُقودُ. وسَبَبُ اختِلافِهم -كما قُلْنا-: هلِ النَّهيُ عنِ الشَّيءِ الذي أصْلُه مُباحٌ إذا تَقيَّدَ النَّهيُ بصِفةٍ يَعودُ بفَسادِ المَنهيِّ عنه، كما ذهَب إليه المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ، أو لا، كما ذهَب إليه الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ؟ ثم اختلَف العُلماءُ: هل هذا يَشمَلُ البَيعَ وسائِرَ العُقودِ أو يَختَصُّ بالبَيعِ فَقط؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَحرُمُ البَيعُ ونَحوُه مِنْ سائِرِ العُقودِ والصَّنائِعِ وغيرِها ممَّا فيه تَشاغُلٌ عنِ السَّعيِ إلى الجُمُعةِ. وقالَ المالِكيَّةُ: يَحرُمُ البَيعُ ونَحوُه مِنْ إجارةٍ وشَرِكةٍ وشُفعةٍ ونَحوِها عندَ الأذانِ الثَّاني، وتَستَمِرُّ الحُرمةُ إلى الفَراغِ مِنْ الصَّلاةِ، فإذا وقَع شَيءٌ مِنْ هذا عندَ الأذانِ الثَّاني فُسِخَ وتُرَدُّ السِّلعةُ لِرَبِّها، ولا يُفسَخُ إنْ وقَع قبلَه أو عندَ الأذانِ الأوَّلِ. وأمَّا النِّكاحُ والهِبةُ والصَّدَقةُ والكِتابةُ فلا تُفسَخُ إنْ وَقَعتْ عندَ الأذانِ الثَّاني، وإنْ حرُم ذلك. وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَحرُمُ البَيعُ، ويَصحُّ النِّكاحُ وسائِرُ العُقودِ،

стр. 3744

كالقَرضِ والرَّهنِ والضَّمانِ والإجارةِ وإمضاءِ بَيعِ خِيارٍ؛ لأنَّ ذلك يَقِلُّ وُقوعُه، فلا تَكونُ إباحَتُه ذَريعةً إلى فَواتِ الجُمُعةِ أو بَعضِها، بخِلافِ البَيعِ. واشتَرطَ العُلماءُ لِهذا النَّهيِ الذي اقتَضَى التَّحريمَ قُيودًا: أ- أنْ يَكونَ المُشتغِلُ بالبَيعِ والشِّراءِ مِمَّنْ تَلزَمُه الجُمُعةُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ في المَشهورِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ فلا يَحرُمُ البَيعُ على المَرأةِ والصَّغيرِ والمَريضِ والمُسافِرِ؛ لأنَّ اللَّهَ إنَّما نهَى عنِ البَيعِ الذين أمَرَهم بالسَّعيِ؛ فغيرُ المُخاطَبِينَ بالسَّعيِ لا يَتناوَلُهم النَّهيُ، ولأنَّ تَحريمَ البَيعِ مُعلَّلٌ بما يَحصُلُ به مِنْ الِاشتِغالِ عنِ الجُمُعةِ، وهذا مَعدومٌ في حَقِّهم. لكنْ قالَ المالِكيَّةُ: يُكرَهُ لِمَنْ لا تَجِبُ عليه الجُمُعةُ البَيعُ في وَقتِ الخُطبةِ والصَّلاةِ بالسُّوقِ مع مِثلِه؛ لِاستِبدادِهم بالرِّبحِ دونَ السَّاعينَ؛ فيَدخُلُ عليهم ضَرَرٌ؛ فمُنِعوا مِنه لِصَلاحِ العامَّةِ، وهذا إذا تَبايَعوا في الأسواقِ، وأمَّا غيرُ الأسواقِ فجائِزٌ لِلعَبيدِ والنِّساءِ والمُسافِرينَ أنْ يَتبايَعوا فيما بينَهم. وعنِ الإمامِ أحمدَ أنَّه يَحرُمُ ولا يَصحُّ، وهو قَولٌ لِلمالِكيَّةِ. وعنهُ: لا يَصحُّ مِنْ مَريضٍ ونَحوِه دونَ غيرِه. ولو كانَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ مِمَّنْ تَلزَمُه الجُمُعةُ والآخَرُ لا تَلزَمُه فقد اختَلَفوا فيه، فقالَ الشافِعيَّةُ: يَصحُّ مع الحُرمةِ، وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَحرُمُ ولا يَصحُّ. وقيلَ: يَصحُّ. وقيلَ: إنْ كانَ أحَدُهما مُخاطَبًا بها دونَ الآخَرِ حرُم على المُخاطَبِ وكُرِهَ لِلآخَرِ.

стр. 3745

ب- أنْ يَكونَ المُشتغِلُ بالبَيعِ عالِمًا بالنَّهيِ، كما نصَّ عليه الشافِعيَّةُ. ج- انتِفاءُ الضَّرورةِ إلى البَيعِ، كبَيعِ المُضطَرِّ ما يَأكُلُه، ومَن انتُقِضَ وُضوؤُه ولا يَجِدُ الماءَ إلَّا بالشِّراءِ، فلا حُرمةَ على بائِعٍ ولا مُشتَرٍ، عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وهو مُقتَضى قَواعِدِ الحَنفيَّةِ. د- أنْ يَكونَ البَيعُ بعدَ الشُّروعِ في الأذانِ، سَواءٌ الأوَّلُ أو الآخَرُ، على الخِلافِ المُتقدِّمِ، إنْ كانَ قبلَه فلا يَحرُمُ، وقيلَ: إنَّه مَكروهٌ (١). بَيعُ المُصحَفِ وشِراؤُه: اختلَف أهلُ العِلمِ في حُكمِ بَيعِ المُصحَفِ وشِرائِه، هل هو جائِزٌ أو لا؟ فقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَحرُمُ بَيعُ المُصحَفِ وإجارَتُه، ولو في دَيْنٍ؛

стр. 3746

لقولِ ابنِ عمرَ ﵁: وَدِدتُ أنَّ الأيديَ تُقطَعُ في بَيعِها (١)، ولأنَّ تَعظيمَه واجِبٌ، ويَكونُ في بَيعِه ابتِذالٌ له وتَرْكٌ لِتَعظيمِه، ولأنَّه يَشتَمِلُ على كَلامِ اللَّهِ ، فتَجِبُ صيانَتُه عن البَيعِ والِابتِذالِ. وأمَّا شِراؤُه فلا يُكرَهُ، وهو جائِزٌ؛ لأنَّه أسهَلُ مِنْ البَيعِ؛ لأنَّه استِنقاذٌ لِلمُصحَفِ، وبَذلٌ لِمَا فيه، فجازَ. ولا يُكرَهُ استِبدالُه بمُصحَفٍ آخَرَ؛ لأنَّه لا يَدلُّ على الرَّغبةِ عنه، ولا على الِاستِبدالِ به بعِوَضٍ دُنيَويٍّ، بخِلافِ أخْذِ ثَمَنِه. وذهَب جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ بَيعِ المُصحَفِ وشِرائِه وإجارَتِه مع الكَراهةِ؛ لأنَّ البَيعَ يقعُ على الجِلدِ والوَرَقِ، وبَيعُ ذلك مُباحٌ، وأمَّا الكَراهةُ فمِن أجْلِ تَعظيمِ المُصحَفِ مِنْ أنْ يُجعَلَ مُتَّجَرًا، ولأنَّ في ذلك نَوعَ امتِهانٍ، حيثُ جُعِلَ المُصحَفُ كالسِّلَعِ التي تُعرَضُ لِلبَيعِ والشِّراءِ. واختَلَفوا أيضًا في حُكمِ بَيعِ المُصحَفِ لِكافِرٍ، هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى حُرمةِ بَيعِ المُصحَفِ لِلكافِرِ، والبَيعُ صَحيحٌ، وإنْ مُنِعَ؛ لأنَّه يَمنَعُ مِنْ استِدامةِ مِلْكِه، فمُنِعَ مِنْ ابتِدائِه؛ لأنَّه يَستخِفُّ به، فيَرجِعُ ذلك إلى إذلالِ المُسلِمينَ. ويُجبَرُ الكافِرُ المُشتَرِي بلا فَسخٍ لِلبَيعِ على إخراجِه عن مِلْكِه ببَيعٍ أو هِبةٍ لِمُسلِمٍ، ولو لِوَلَدٍ صَغيرٍ.

стр. 3747

ويَجوزُ شِراؤُه مِنْ الكافِرِ عندَ الحَنابِلةِ، استِنقاذًا له. وقالَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ: يَصحُّ شِراؤُه؛ لأنَّ الشِّراءَ سَبَبٌ مِنْ أسبابِ المِلْكِ، فيَملِكُه قياسًا على الإرثِ، ولأنَّه ليسَ في عَينِ الشِّراءِ مِنْ إذلالِ المُسلِمينَ شَيءٌ؛ فالكافِرُ لا يَستخِفُّ بالمُصحَفِ؛ لأنَّه يَعتقِدُ أنَّه كَلامٌ فَصيحٌ وحِكمةٌ بالِغةٌ، وإنْ كانَ لا يَعتقِدُ أنَّه كَلامُ اللَّهِ ؛ فلا يَستَخِفُّ به، ثم يُجبَرُ على بَيعِ المُصحَفِ؛ لأنَّه لا يُعظِّمُه كما يَجِبُ تَعظيمُه، وإذا تُرِكَ في مِلكِه يَمَسُّه وهو نَجِسٌ؛ فلِهَذا يُجبَرُ على بَيعِه مِنْ المُسلِمينَ (١). بَيعُ السِّلاحِ في الفِتنةِ بينَ المُسلِمينَ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ على أنَّه يَجوزُ بَيعُ السِّلاحِ في غيرِ زَمَنِ الفِتنةِ والقِتالِ الذي يَكونُ بينَ المُسلِمينَ بَعضِهم لِبَعضٍ، وهو داخِلٌ في عُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 3748

وأمَّا بَيعُ السِّلاحِ في زَمَنِ الفِتنةِ بينَ المُسلِمينَ ووَقتِها، فهذا إمَّا أنْ يَكونَ بينَ المُسلِمينَ، وإمَّا أنْ يَكونَ بينَ المُسلِمينَ والبُغاةِ؛ فإنْ كانَ في فِتنةٍ بينَ المُسلِمينَ؛ فإمَّا أنْ يُعلَمَ أنَّ الذي سَيَشتَري السِّلاحَ سَيُقاتِلُ به، وإمَّا ألَّا يَعلَمَ ذلك. فإنْ كانَ يَعلَمُ أنَّه سَيُقاتِلُ به في الفِتنةِ الحاصِلةِ بينَ المُسلِمينَ فجُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ قالوا: يَحرُمُ بَيعُه لَهم؛ لأنَّه مِنْ بابِ التَّعاوُنِ على الإثمِ والعُدوانِ، وذلك مَنهيٌّ عنه بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ولِحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيعِ السِّلاحِ في الفِتنةِ (١)، ولأنَّه عَقدٌ على عَينِ مَعصيةِ للَّهِ ، فلَم يَصحَّ، ولأنَّ بَيعَ السِّلاحِ في أيَّامِ الفِتنةِ اكتِسابُ سَبَبِ تَهييجِها، وقد أُمِرْنا بتَسكينِها، قالَ ﷺ : «الفِتنةُ نائِمةٌ، لعَن اللَّهُ مَنْ أيقَظَها». وقالَ الشافِعيَّةُ: يُكرَهُ ولا يَحرُمُ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ المَعصيةَ ليسَتْ في الحالِ، وإنَّما هي مَظنونةٌ في ثاني الحالِ؛ فلَم يَمنَعْ صِحَّةَ البَيعِ في الحالِ. والآخَرُ: أنَّه قد يَجوزُ ألَّا يَعصيَ اللَّهَ به، وقد يُجاهِدُ بالسِّلاحِ في سَبيلِ اللَّهِ .

стр. 3749

قالَ الشافِعيُّ ﵀: أصلُ ما أذهَبُ إليه أنَّ كُلَّ عَقدٍ كانَ صَحيحًا في الظَّاهِرِ لَم أُبطِلْه بتُهمةٍ ولا بعادةٍ بينَ المُتبايِعَيْنِ، وأجَزْتُه بصِحَّةِ الظَّاهِرِ، وأكرَهُ لَهما النِّيَّةَ إذا كانَتِ النِّيَّةُ لو أُظهِرَتْ تُفسِدُ البَيعَ، وكما أكرَهُ لِلرَّجُلِ أنْ يَشتَريَ السَّيفَ على أنْ يَقتُلَ به، ولا يَحرُمَ على بائِعِه أنْ يَبيعَه مِمَّنْ يَراه أنَّه يَقتُلُ به ظُلمًا؛ لأنَّه قد لا يَقتُلُ به، ولا أُفسِدُ عليه هذا البَيعَ، وكما أكرَهُ لِلرَّجُلِ أنْ يَبيعَ العِنَبَ مِمَّنْ يَراه أنَّه يَعصِرُه خَمرًا، ولا أُفسِدُ البَيعَ إذا باعَه إيَّاه؛ لأنَّه باعَه حَلالًا، وقد يُمكِنُ ألَّا يَجعَلَه خَمرًا أبَدًا، وفي صاحِبِ السَّيفِ ألَّا يَقتُلُ به أحَدًا أبَدًا، وكما أُفسِدُ نِكاحَ المُتعةِ ولو نَكَحَ رَجُلٌ امرَأةً بعَقدٍ صَحيحٍ وهو يَنوي ألَّا يُمسِكَها إلَّا يَومًا أو أقَلَّ، أو أكثَرَ، لَم أُفسِدِ النِّكاحَ، إنَّما أُفسِدُه أبَدًا بالعَقدِ الفاسِدِ (١). وإنْ كانَ لا يَعلَمُ أنَّه سَيُقاتِلُ به، ولا ظَنَّ، ولَم يَعرِفْه مِنْ أهلِ الفِتنةِ، فلا بَأْسَ ببَيعِه له عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الغَلَبةَ في الأمصارِ لِأهلِ الصَّلاحِ. وأمَّا إنْ كانَ هُناكَ حَربٌ وقِتالٌ بينَ المُسلِمينَ والبُغاةِ، كالخَوارِجِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ وغيرِهم فيَجوزُ بَيعُ السِّلاحِ لِأهلِ العَدلِ لِقِتالِ أهلِ البَغيِ وغيرِهم، عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وهو مُقتَضى كَلامِ المالِكيَّةِ. وقالَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: يَحرُمُ بَيعُه لِأهلِ البَغيِ والخَوارِجِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعصيةِ.

стр. 3750

وقالَ الشافِعيَّةُ: يُكرَهُ بَيعُ السِّلاحِ لِمَنْ عُرِفَ عِصيانُه به، كقاطِعِ الطَّريقِ والبُغاةِ، ولا يَحرُمُ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ المَعصيةَ ليسَتْ في الحالِ، وإنَّما هي مَظنونةٌ في ثاني الحالِ؛ فلَم يَمنَعْ صِحَّةَ البَيعِ في الحالِ. والثَّاني: أنَّه قد يَجوزُ ألَّا يَعصيَ اللَّهَ به، وقد يُجاهِدُ بالسِّلاحِ في سَبيلِ اللَّهِ . بَيعُ السِّلاحِ لأهلِ الحَربِ: وأمَّا بَيعُ السِّلاحِ لِأهلِ الحَربِ فحَرامٌ بالإجماعِ، قالَه النَّوويُّ، فلا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أنْ يَحمِلَ إلى عَدُوِّ المُسلِمينَ سِلاحًا يُقَوِّيهم به على المُسلِمينَ، ولا كُراعًا، ولا ما يُستَعانُ به على السِّلاحِ والكُراعِ؛ لأنَّ في بَيعِ السِّلاحِ لِأهلِ الحَربِ تَقويةً لَهم على قِتالِ المُسلِمينَ، وباعِثًا لَهم على شَنِّ الحُروبِ ومُواصَلةِ القِتالِ؛ لِاستِعانَتِهم به، وذلك يَقتَضي المَنعَ (١).
следующие страницы →