← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

لقولِ ابنِ عمرَ ﵁: وَدِدتُ أنَّ الأيديَ تُقطَعُ في بَيعِها (١)، ولأنَّ تَعظيمَه واجِبٌ، ويَكونُ في بَيعِه ابتِذالٌ له وتَرْكٌ لِتَعظيمِه، ولأنَّه يَشتَمِلُ على كَلامِ اللَّهِ ، فتَجِبُ صيانَتُه عن البَيعِ والِابتِذالِ. وأمَّا شِراؤُه فلا يُكرَهُ، وهو جائِزٌ؛ لأنَّه أسهَلُ مِنْ البَيعِ؛ لأنَّه استِنقاذٌ لِلمُصحَفِ، وبَذلٌ لِمَا فيه، فجازَ. ولا يُكرَهُ استِبدالُه بمُصحَفٍ آخَرَ؛ لأنَّه لا يَدلُّ على الرَّغبةِ عنه، ولا على الِاستِبدالِ به بعِوَضٍ دُنيَويٍّ، بخِلافِ أخْذِ ثَمَنِه. وذهَب جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ بَيعِ المُصحَفِ وشِرائِه وإجارَتِه مع الكَراهةِ؛ لأنَّ البَيعَ يقعُ على الجِلدِ والوَرَقِ، وبَيعُ ذلك مُباحٌ، وأمَّا الكَراهةُ فمِن أجْلِ تَعظيمِ المُصحَفِ مِنْ أنْ يُجعَلَ مُتَّجَرًا، ولأنَّ في ذلك نَوعَ امتِهانٍ، حيثُ جُعِلَ المُصحَفُ كالسِّلَعِ التي تُعرَضُ لِلبَيعِ والشِّراءِ. واختَلَفوا أيضًا في حُكمِ بَيعِ المُصحَفِ لِكافِرٍ، هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى حُرمةِ بَيعِ المُصحَفِ لِلكافِرِ، والبَيعُ صَحيحٌ، وإنْ مُنِعَ؛ لأنَّه يَمنَعُ مِنْ استِدامةِ مِلْكِه، فمُنِعَ مِنْ ابتِدائِه؛ لأنَّه يَستخِفُّ به، فيَرجِعُ ذلك إلى إذلالِ المُسلِمينَ. ويُجبَرُ الكافِرُ المُشتَرِي بلا فَسخٍ لِلبَيعِ على إخراجِه عن مِلْكِه ببَيعٍ أو هِبةٍ لِمُسلِمٍ، ولو لِوَلَدٍ صَغيرٍ.

стр. 3747

ويَجوزُ شِراؤُه مِنْ الكافِرِ عندَ الحَنابِلةِ، استِنقاذًا له. وقالَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ: يَصحُّ شِراؤُه؛ لأنَّ الشِّراءَ سَبَبٌ مِنْ أسبابِ المِلْكِ، فيَملِكُه قياسًا على الإرثِ، ولأنَّه ليسَ في عَينِ الشِّراءِ مِنْ إذلالِ المُسلِمينَ شَيءٌ؛ فالكافِرُ لا يَستخِفُّ بالمُصحَفِ؛ لأنَّه يَعتقِدُ أنَّه كَلامٌ فَصيحٌ وحِكمةٌ بالِغةٌ، وإنْ كانَ لا يَعتقِدُ أنَّه كَلامُ اللَّهِ ؛ فلا يَستَخِفُّ به، ثم يُجبَرُ على بَيعِ المُصحَفِ؛ لأنَّه لا يُعظِّمُه كما يَجِبُ تَعظيمُه، وإذا تُرِكَ في مِلكِه يَمَسُّه وهو نَجِسٌ؛ فلِهَذا يُجبَرُ على بَيعِه مِنْ المُسلِمينَ (١). بَيعُ السِّلاحِ في الفِتنةِ بينَ المُسلِمينَ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ على أنَّه يَجوزُ بَيعُ السِّلاحِ في غيرِ زَمَنِ الفِتنةِ والقِتالِ الذي يَكونُ بينَ المُسلِمينَ بَعضِهم لِبَعضٍ، وهو داخِلٌ في عُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 3748

وأمَّا بَيعُ السِّلاحِ في زَمَنِ الفِتنةِ بينَ المُسلِمينَ ووَقتِها، فهذا إمَّا أنْ يَكونَ بينَ المُسلِمينَ، وإمَّا أنْ يَكونَ بينَ المُسلِمينَ والبُغاةِ؛ فإنْ كانَ في فِتنةٍ بينَ المُسلِمينَ؛ فإمَّا أنْ يُعلَمَ أنَّ الذي سَيَشتَري السِّلاحَ سَيُقاتِلُ به، وإمَّا ألَّا يَعلَمَ ذلك. فإنْ كانَ يَعلَمُ أنَّه سَيُقاتِلُ به في الفِتنةِ الحاصِلةِ بينَ المُسلِمينَ فجُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ قالوا: يَحرُمُ بَيعُه لَهم؛ لأنَّه مِنْ بابِ التَّعاوُنِ على الإثمِ والعُدوانِ، وذلك مَنهيٌّ عنه بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ولِحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيعِ السِّلاحِ في الفِتنةِ (١)، ولأنَّه عَقدٌ على عَينِ مَعصيةِ للَّهِ ، فلَم يَصحَّ، ولأنَّ بَيعَ السِّلاحِ في أيَّامِ الفِتنةِ اكتِسابُ سَبَبِ تَهييجِها، وقد أُمِرْنا بتَسكينِها، قالَ ﷺ : «الفِتنةُ نائِمةٌ، لعَن اللَّهُ مَنْ أيقَظَها». وقالَ الشافِعيَّةُ: يُكرَهُ ولا يَحرُمُ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ المَعصيةَ ليسَتْ في الحالِ، وإنَّما هي مَظنونةٌ في ثاني الحالِ؛ فلَم يَمنَعْ صِحَّةَ البَيعِ في الحالِ. والآخَرُ: أنَّه قد يَجوزُ ألَّا يَعصيَ اللَّهَ به، وقد يُجاهِدُ بالسِّلاحِ في سَبيلِ اللَّهِ .

стр. 3749

قالَ الشافِعيُّ ﵀: أصلُ ما أذهَبُ إليه أنَّ كُلَّ عَقدٍ كانَ صَحيحًا في الظَّاهِرِ لَم أُبطِلْه بتُهمةٍ ولا بعادةٍ بينَ المُتبايِعَيْنِ، وأجَزْتُه بصِحَّةِ الظَّاهِرِ، وأكرَهُ لَهما النِّيَّةَ إذا كانَتِ النِّيَّةُ لو أُظهِرَتْ تُفسِدُ البَيعَ، وكما أكرَهُ لِلرَّجُلِ أنْ يَشتَريَ السَّيفَ على أنْ يَقتُلَ به، ولا يَحرُمَ على بائِعِه أنْ يَبيعَه مِمَّنْ يَراه أنَّه يَقتُلُ به ظُلمًا؛ لأنَّه قد لا يَقتُلُ به، ولا أُفسِدُ عليه هذا البَيعَ، وكما أكرَهُ لِلرَّجُلِ أنْ يَبيعَ العِنَبَ مِمَّنْ يَراه أنَّه يَعصِرُه خَمرًا، ولا أُفسِدُ البَيعَ إذا باعَه إيَّاه؛ لأنَّه باعَه حَلالًا، وقد يُمكِنُ ألَّا يَجعَلَه خَمرًا أبَدًا، وفي صاحِبِ السَّيفِ ألَّا يَقتُلُ به أحَدًا أبَدًا، وكما أُفسِدُ نِكاحَ المُتعةِ ولو نَكَحَ رَجُلٌ امرَأةً بعَقدٍ صَحيحٍ وهو يَنوي ألَّا يُمسِكَها إلَّا يَومًا أو أقَلَّ، أو أكثَرَ، لَم أُفسِدِ النِّكاحَ، إنَّما أُفسِدُه أبَدًا بالعَقدِ الفاسِدِ (١). وإنْ كانَ لا يَعلَمُ أنَّه سَيُقاتِلُ به، ولا ظَنَّ، ولَم يَعرِفْه مِنْ أهلِ الفِتنةِ، فلا بَأْسَ ببَيعِه له عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الغَلَبةَ في الأمصارِ لِأهلِ الصَّلاحِ. وأمَّا إنْ كانَ هُناكَ حَربٌ وقِتالٌ بينَ المُسلِمينَ والبُغاةِ، كالخَوارِجِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ وغيرِهم فيَجوزُ بَيعُ السِّلاحِ لِأهلِ العَدلِ لِقِتالِ أهلِ البَغيِ وغيرِهم، عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وهو مُقتَضى كَلامِ المالِكيَّةِ. وقالَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: يَحرُمُ بَيعُه لِأهلِ البَغيِ والخَوارِجِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعصيةِ.

стр. 3750

وقالَ الشافِعيَّةُ: يُكرَهُ بَيعُ السِّلاحِ لِمَنْ عُرِفَ عِصيانُه به، كقاطِعِ الطَّريقِ والبُغاةِ، ولا يَحرُمُ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ المَعصيةَ ليسَتْ في الحالِ، وإنَّما هي مَظنونةٌ في ثاني الحالِ؛ فلَم يَمنَعْ صِحَّةَ البَيعِ في الحالِ. والثَّاني: أنَّه قد يَجوزُ ألَّا يَعصيَ اللَّهَ به، وقد يُجاهِدُ بالسِّلاحِ في سَبيلِ اللَّهِ . بَيعُ السِّلاحِ لأهلِ الحَربِ: وأمَّا بَيعُ السِّلاحِ لِأهلِ الحَربِ فحَرامٌ بالإجماعِ، قالَه النَّوويُّ، فلا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أنْ يَحمِلَ إلى عَدُوِّ المُسلِمينَ سِلاحًا يُقَوِّيهم به على المُسلِمينَ، ولا كُراعًا، ولا ما يُستَعانُ به على السِّلاحِ والكُراعِ؛ لأنَّ في بَيعِ السِّلاحِ لِأهلِ الحَربِ تَقويةً لَهم على قِتالِ المُسلِمينَ، وباعِثًا لَهم على شَنِّ الحُروبِ ومُواصَلةِ القِتالِ؛ لِاستِعانَتِهم به، وذلك يَقتَضي المَنعَ (١).

стр. 3751

البَيعُ في المَسجِدِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ المَساجِدَ يَنبَغي أنْ تُصانَ عن البَيعِ والشِّراءِ؛ لأنَّ المَساجِدَ إنَّما اتُّخِذَتْ لِذِكرِ اللَّهِ ، وتِلاوةِ القُرآنِ والصَّلاةِ، وإنَّما يَجوزُ فيها مِنْ البَيعِ والشِّراءِ وسائِرِ أُمورِ الدُّنيا ما يَكونُ بمَعنَى تَعليمِ النَّاسِ والتَّنبيهِ لَهم على الِاحتِراسِ مِنْ مُواقَعةِ الحَرامِ ومُخالَفةِ السُّنَنِ، والمَوعِظةِ في ذلك. وقد اتَّفق العُلماءُ على أنَّ غيرَ المُعتكِفِ مَنهيٌّ عن البَيعِ والشِّراءِ في المَسجِدِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا رَأيتُم مَنْ يَبيعُ أو يَبتاعُ في المَسجِدِ فقولوا: لا أربَحَ اللَّهُ تِجارَتَكَ. وإذا رَأيتُم مَنْ يَنشُدُ فيه الضَّالَّةَ فقولوا: لا رَدَّها اللَّهُ عليكَ» (١). وعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن الشِّراءِ والبَيعِ في المَسجِدِ، وأنْ تُنشَدَ فيه الأشعارُ، وأنْ تُنشَدَ فيه الضَّالَّةُ، وعنِ الحَلقِ يَومَ الجُمُعةِ قبلَ الصَّلاةِ» (٢). إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا في هذا النَّهيِ، هل هو نَهيُ كَراهةٍ أو نَهيُ تَحريمٍ؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى كَراهةِ البَيعِ والشِّراءِ في المَسجِدِ لِغيرِ المُعتكِفِ، ولا يَحرُمُ؛ لِلعُموماتِ

стр. 3752

الوارِدةِ في البَيعِ والشِّراءِ مِنْ الكِتابِ الكَريمِ والسُّنةِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ المَسجِدِ وغيرِه. وأمَّا الحَديثُ فمَحمولٌ على اتِّخاذِ المَساجِدِ مَتاجِرَ كالسُّوقِ يُباعُ فيها وتُنقَلُ الأمتِعةُ إليها، أو يُحمَلُ على النَّدبِ والِاستِحبابِ؛ تَوفيقًا بينَ الدَّلائِلِ بقَدْرِ الإمكانِ. وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَحرُمُ البَيعُ والشِّراءُ على الإطلاقِ؛ لِلنَّهيِ الوارِدِ في ذلك عنِ النَّبيِّ ﷺ . ثم اختَلَفوا أيضًا: هلِ البَيعُ صَحيحٌ أو باطِلٌ؟ فقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ ما عُقِدَ مِنْ البَيعِ في المَسجِدِ لا يَجوزُ نَقضُه، إلَّا أنَّ المَسجِدَ يَنبَغي أنْ يُجنَّبَ جَميعَ أُمورِ الدُّنيا، ولِذلك بَنَى عمرُ بنُ الخطَّابِ البَطحاءَ خارِجَ المَسجِدِ (١). لكنَّ نَقْلَ هذا الإجماعِ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الحَنابِلةَ قالوا في أصَحِّ القَولَيْنِ: البَيعُ باطِلٌ (٢).

стр. 3753

ضَمانُ المَقبوضِ بعَقدٍ فاسِدٍ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ المَقبوضِ بعَقدٍ فاسِدٍ، هل هو مَضمونٌ على مَنْ في يَدِه أو لا؟ على أقوالٍ وتَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ: فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المَقبوضَ بشِراءٍ فاسِدٍ يَضمَنُه المُشتَرِي ضَمانَ الغَصبِ بزَوائِدِه؛ لأنَّه قبَضه على وَجْهِ الضَّمانِ، ولا بدَّ، وعليه مُؤنةُ رَدِّه كالمَغصوبِ، وإنْ نقَص ضمِن نُقصانَه، وزَوائِدُه مَضمونةٌ، وفي تَعيُّبِه أرشُ النَّقصِ، وفي تَلَفِه وإتلافِه الضَّمانُ. قالَ الشافِعيَّةُ: المَقبوضُ بشِراءٍ فاسِدٍ؛ لِفَقدِ شَرطٍ أو لِشَرطٍ فاسِدٍ، يَضمَنُه المُشتَرِي ضَمانَ الغَصبِ؛ لأنَّه مُخاطَبٌ كُلَّ لَحظةٍ مِنْ جِهةِ الشارِعِ برَدِّه؛ فإنْ كانَ تالِفًا لزِمه رَدُّ مِثلِه إنْ كانَ مِثليًّا، وأقصى قِيمةٍ إنْ كانَ مُتقوَّمًا، وإنْ كانَ باقيًا فعليه رَدُّه ومُؤنةُ الرَّدِّ، وليسَ له حَبسُه لِاستِردادِ الثَّمنِ، ولا يَتقدَّمُ به على الغُرَماءِ، كالرَّهنِ الفاسِدِ، وإنْ أنفَقَ عليه لَم يَرجِعْ على البائِعِ بما أنفَقَ، ولو جَهِلَ الفَسادَ. ولو حَذَفَ العاقِدانِ المُفسِدَ لِلعَقدِ، ولو في مَجلِسِ الخِيارِ، لَم يَنقَلِبْ صَحيحًا؛ إذْ لا عِبرةَ بالفاسِدِ، بخِلافِ ما إذا ألحَقا شَرطًا فاسِدًا أو صَحيحًا في مَجلِسِ الخِيارِ؛ فإنَّه يَلحَقُ العَقدَ؛ لأنَّ مَجلِسَ العَقدِ كالعَقدِ. ولو باعَ في صَفقةٍ واحِدةٍ حَلالًا وحَرامًا، كأنْ باعَ مُذَكَّاةً ومَيْتةً أو خَلًّا وخَمرًا صَحَّ البَيعُ في الحَلالِ، وبطَل في الحَرامِ. وفي ذلك يَقولُ النَّوويُّ في الرَّوضةِ: إذا اشتَرَى شَيئًا شِراءً فاسِدًا، إمَّا

стр. 3754

لِشَرطٍ فاسِدٍ، وإمَّا لِسَبَبٍ آخَرَ، ثم قبَضه، لَم يَملِكْه بالقَبضِ، ولا يَنفُذُ تَصرُّفُه فيه، ويَلزَمُه رَدُّه، وعليه مُؤنةُ رَدِّه، كالمَغصوبِ، ولا يَجوزُ حَبسُه، لِاستِردادِ الثَّمنِ. ولا يَقدَمُ به على الغُرَماءِ على المَذهبِ، وحُكيَ قَولٌ ووَجْهٌ لِلإصْطَخْريِّ أنَّ له حَبسَه ويَقدَمُ به على الغُرَماءِ، وهو شاذٌّ ضَعيفٌ. وتَلزَمُه أُجرةُ المِثلِ لِلمُدَّةِ التي كانَ هو في يَدِه، سَواءٌ استَوفَى المَنفَعةَ، أو تلِف تَحتَ يَدِه. وإنْ تَعيَّبَ في يَدِه فعليه أرشُ النَّقصِ، وإنْ تلِف فعليه قِيمَتُه أكثَرَ ما كانَتْ مِنْ يَومِ القَبضِ إلى يَومِ التَّلَفِ، كالمَغصوبِ؛ لأنَّه مُخاطَبٌ كُلَّ لَحظةٍ مِنْ جِهةِ الشَّرعِ برَدِّه. وفي وَجْهٍ: تُعتبَرُ قِيمَتُه يَومَ التَّلَفِ. وفي وَجْهٍ: يَومَ القَبضِ. وقد يُعبَّرُ عن هذا الخِلافِ بالأقوالِ، وكَيفَ كانَ. فالمَذهبُ: اعتِبارُ الأكثَرِ، وما حدَث مِنْ الزَّوائِدِ المُنفَصِلةِ، كالوَلَدِ والثَّمرةِ، والمُتَّصِلةِ، كالسِّمَنِ، وتَعلُّمِ صَنعةٍ، مَضمونٌ عليه، كزَوائِدِ المَغصوبِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: المَقبوضُ بعَقدٍ فاسِدٍ لا يُملَّكُ به، ولا يَنفُذُ تَصرُّفُه فيه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، ويَضمَنُه، كالغَصبِ، ويَلزَمُه رَدُّ النَّماءِ المُنفصِلِ والمُتَّصِلِ مِنْ وَلَدٍ وثَمَرةٍ وكَسبٍ، وغيرِها، كمَغصوبٍ، وأُجرةُ

стр. 3755

مِثلِه مُدَّةَ بَقائِه في يَدِه، وإنْ نقَص ضمِن نَقْصَه، وإنْ تلِف فعليه ضَمانُه بقِيمَتِه يَومَ التَّلَفِ، وذلك لِحُصولِه بيَدِه بغيرِ إذْنِ الشَّرعِ، أشبَهَ المَغصوبَ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: إنَّ المُشتَريَ إذا قبَض المَبيعَ في البَيعِ الفاسِدِ، دخَل في ضَمانِه؛ لأنَّه لَم يَقبِضْه على وَجْهِ الأمانةِ، وإنَّما قبَضه على التَّمليكِ، بحَسَبِ زَعْمِه، وإنْ لَم يَنتقِلْ إليه المِلْكُ، بحَسَبِ الأمْرِ نَفْسِه، ويَتعيَّنُ عليه رَدُّه إلى رَبِّه، ما لَم يَفُتْ، وُجوبًا، ويَحرُمُ انتِفاعُ المُشتَرِي به ما دامَ قائِمًا، كأنْ لَم يَخرُجْ عن يَدِه ببَيعٍ أو بُنيانٍ أو غَرسٍ. ولا غَلَّةَ تَصحَبُه في رَدِّه، بَلْ يَفوزُ بها المُشتَرِي؛ لأنَّه كانَ في ضَمانِه، ولأنَّ الغَلَّةَ بالضَّمانِ، ولا يُرجَعُ على البائِعِ بالنَّفَقةِ؛ لأنَّ مَنْ له الغَلَّةُ عليه النَّفَقةُ؛ فإنْ أنفَقَ على ما لا غَلَّةَ له رجَع بها، وإنْ أنفَقَ على ما له غَلَّةٌ لا تَفي بالنَّفَقةِ رجَع بزائِدِ النَّفَقةِ. فإنْ فاتَ المَبيعُ فاسِدًا بيَدِ المُشتَرِي -بأنْ تَغيَّرتْ ذاتُه أو تَعيَّبَ أو تَعلَّقَ به حَقُّ الآخَرينَ- مَضى المُختلَفُ فيه -ولو في خارِجِ المَذهبِ المالِكيِّ- بالثَّمنِ الذي وقَع به البَيعُ. وإنْ لَم يَكُنْ مُختلَفًا فيه، بَلْ كانَ مُتَّفقًّا على فَسادِه، ضمِن المُشتَرِي قِيمَتَه إنْ كانَ مُقوَّمًا يَومَ القَبضِ، وضمِن مثلَ المِثليِّ إذا بِيعَ كَيلًا أو وَزنًا، وعُلم كَيلُه أو وَزنُه، ولَم يَتعذَّرْ وُجودُه، وإلَّا ضمِن قِيمَتَه يَومَ القَضاءِ عليه بالرَّدِّ (٢).

стр. 3756

وأمَّا الحَنفيَّةُ فكما سبَق يُفرِّقونَ بينَ البَيعِ الباطِلِ والبَيعِ الفاسِدِ. فقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: الباطِلُ لا يُفيدُ المِلْكَ؛ لأنَّ الباطِلَ هو الخالي عنِ العِوَضِ والفائِدةِ، ويَكونُ أمانةً في يَدِه حتى لو هلَك فلا ضَمانَ على القابِضِ، لأنَّه لمَّا باعَ بما ليسَ بمالٍ وأمَرَه بقَبضِه فقد رَضيَ بقَبضِه بغيرِ بَدَلٍ ماليٍّ، فلا يَضمَنُ، كالمُودَعِ. فلو اشتَرَى عَبدًا بمَيْتةٍ وقبَضه وأعتَقَه لا يُعتَقُ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ الصَّاحِبَيْنِ يَكونُ البَيعُ الباطِلُ مَضمونًا ويَهلِكُ بالقِيمةِ؛ لأنَّ البائِعَ ما رَضيَ بقَبْضِه مَجَّانًا. والمُعتبَرُ في القِيمةِ هو يَومُ القَبضِ؛ لأنَّ المَبيعَ بالقَبضِ دخَل في ضَمانِه، هذا إذا كانَ المَبيعُ قِيَميًّا؛ فإنْ كانَ مِثليًّا مَلَكَه بمِثلِه؛ إذْ هو أعدَلُ؛ لِكَونِه مِثْلًا له، صُورةً ومَعنًى. والفاسِدُ يُفيدُ المِلْكَ بالقَبضِ بأمْرِ البائِعِ صَريحًا أو دِلالةً، كما إذا قبَضه في المَجلِسِ وسكَت حتى يَجوزَ له التَّصرُّفُ فيه إلَّا الِانتِفاعَ. لِمَا رَوَتْ عَمرةُ عن عائِشةً ﵂ أنَّها أتَتْها بَريرةُ تَسألُها في كِتابَتِها، فقالَتْ: إنْ شِئتِ أعطَيتُ أهلَكِ ويَكونُ الوَلاءُ لي. فلمَّا جاءَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرتْ له ذلك، قالَ النَّبيُّ ﷺ : ابتاعيها فأعتِقيها؛

стр. 3757

فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ، ثم قامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ على المِنبَرِ فقالَ: «ما بالُ أقوامٍ يَشتَرِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ اللَّهِ، مَنْ اشتَرطَ شَرطًا ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فليسَ له، وإنِ اشتَرطَ مِئةَ شَرطٍ» (١). فالنَّبيُّ ﷺ أجازَ العِتقَ مع فَسادِ البَيعِ بالشَّرطِ؛ لأنَّ رُكنَ التَّمليكِ وهو قَولُه: (بِعتُ واشتَرَيتُ) صدَر مِنْ أهلِه، وهو المُكلَّفُ المُخاطَبُ، مُضافًا إلى مَحَلِّه، وهو المالُ، عن وِلايةٍ؛ إذِ الكَلامُ فيهما؛ فيَنعقِدُ؛ لِكَونِه وَسيلةً إلى المَصالِحِ، والفَسادُ لِمَعنًى يُجاوِرُه، كالبَيعِ وَقتَ النِّداءِ، والنَّهيُ لا يَنفي الِانعِقادَ، بَلْ يُقرِّرُه؛ لأنَّه يَقتَضي تَصوُّرَ المَنهيِّ عنه، والقُدرةَ عليه؛ لأنَّ النَّهيَ عَمَّا لا يُتصوَّرُ وعن غيرِ المَقدورِ قَبيحٌ، إلَّا أنَّه يُفيدُ مِلْكًا خَبيثًا لِمَكانِ النَّهيِ. ولِهذا يَجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ فَسخُه؛ إزالةً لِلخُبثِ، ورَفعًا لِلفَسادِ. ولا يُشترَطُ القَضاءُ، فيُفسَخُ بمَحضَرٍ مِنْ الآخَرِ، أي: بعِلمِه، رَضيَ أو لا؛ لأنَّ في الفَسخِ إلزامَ الفَسخِ على صاحِبِه؛ فلا يَلزَمُ بدُونِ عِلمِه. ويُشترَطُ قِيامُ المَبيعِ حالةَ الفَسخِ؛ لأنَّ الفَسخَ بدُونِه مُحالٌ؛ فإنْ باعَه أو أعتَقَه أو وهَبه بعدَ القَبضِ جازَ، ولا يُنقَضُ لِمُصادَفةِ هذه التَّصرُّفاتِ مِلْكُه، ومُنِعَ الفَسخُ. وعليه قِيمَتُه يَومَ قَبضِه، إنْ كانَ مِنْ ذَواتِ القِيَمِ، أو مِثلُه إنْ كانَ مِثليًّا؛ لأنَّه كالغَصبِ مِنْ حيثُ إنَّه مَنهيٌّ عن قَبضِه، ولِمَّا كانَ هذا العَقدُ ضَعيفًا؛ لِمُجاوَرَتِه المُفسِدَ، تَوقَّفتْ إفادةُ المِلْكِ على القَبضِ، كالهِبةِ.

стр. 3758

فيُشترَطُ لِإفادةِ البَيعِ فاسِدِ المِلْكِ شَرطانِ: أحَدُهما: القَبضُ؛ فلا يثبُتُ المِلْكُ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّه واجِبُ الفَسخِ؛ رَفعًا لِلفَسادِ، وفي وُجوبِ المِلْكِ قبلَ القَبضِ تَقرُّرُ الفَسادِ. والآخَرُ: أنْ يَكونَ القَبضُ بإذْنِ البائِعِ؛ فإنْ قبَض بغيرِ إذْنٍ لا يثبُتُ المِلْكُ (١). الخِلافُ بينَ الفُقهاءِ في وَقتِ تَقديرِ قِيمةِ المَبيعِ بَيعًا فاسِدًا: عندَ جُمهورِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ تَجِبُ القِيمةُ يَومَ القَبضِ؛ وذلك لأنَّه يَدخُلُ في ضَمانِه، لا مِنْ يَومِ العَقدِ؛ لأنَّ ما يُضمَنُ يَومَ العَقدِ هو العَقدُ الصَّحيحُ. وذهَب الحَنابِلةُ ومُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ مِنْ الحَنفيَّةِ وهو وَجْهٌ لِلشافِعيَّةِ إلى أنَّه تُعتبَرُ قِيمَتُه يَومَ الإتلافِ أو الهَلاكِ؛ لأنَّ بهما يَتقرَّرُ الضَّمانُ، كما يَقولُ مُحمَّدٌ. وعَلَّلَه الحَنابِلةُ بأنَّ قَبْضَه بإذْنِ مالِكِه، فأشبَهَ العاريةَ، وهي مَضمونةٌ عندَهم. والمَذهبُ عندَ الشافِعيَّةِ اعتِبارُ أقصى القِيمةِ؛ في المُتقوَّمِ مِنْ وَقتِ القَبضِ إلى وَقتِ التَّلَفِ. وهذا أيضًا وَجْهٌ ذكَره الحَنابِلةُ في الغَصبِ، وفي ذلك يَقولُ ابنُ قُدامةَ

стр. 3759

﵀: فإنْ تلِف المَبيعُ في يَدِ المُشتَرِي فعليه ضَمانُه بقِيمَتِه يَومَ التَّلَفِ، قاله القاضي، ولأنَّ أحمدَ نصَّ عليه في الغَصبِ، ولأنَّه قبَضه بإذْنِ مالِكِه، فأشبَهَ العاريةَ، وذكَر الخِرَقيُّ في الغَصبِ أنَّه يَلزَمُه قِيمَتُه أكثَرَ ما كانَتْ؛ فيَخرُجُ ههُنا كذلك، وهو أوْلَى؛ لأنَّ العَينَ كانَتْ على مِلكِ صاحِبِها في حالِ زيادَتِها، وعليه ضَمانُ نَقْصِها مع زيادَتِها، فكذلك في حالِ تَلَفِها؛ كما لو أتلَفَها بالجِنايةِ، ولِأصحابِ الشافِعيِّ وَجهانِ، كالمَذهبَيْنِ (١). وفي رَأيٍ آخَرَ عندَ الحَنفيَّةِ أنَّ المَبيعَ يَكونُ أمانةً عندَ المُشتَرِي، لا يُضمَنُ إلَّا بالتَّعَدِّي أو التَّفريطِ في الحِفظِ. وفي ذلك يَقولُ الكاسانيُّ الحَنَفيُّ ﵀: إذا باعَ مالًا بما ليسَ بمالٍ حتى بطَل البَيعُ فقبَض المُشتَرِي المالَ بإذْنِ البائِعِ، هل يَكونُ مَضمونًا عليه أو يَكونُ أمانةً؟ اختلَف المَشايِخُ فيه: قالَ بَعضُهم: يَكونُ أمانةً؛ لأنَّه مالٌ قبَضه بإذْنِ صاحِبِه في عَقدٍ وُجدَ صُورةً، لا مَعنًى، فالتَحَقَ العَقدُ بالعَدَمِ، وبَقيَ إذْنُه بالقَبضِ، وقالَ بَعضُهم: يَكونُ مَضمونًا عليه؛ لأنَّ المَقبوضَ على حُكمِ هذا البَيعِ لا يَكونُ دونَ المَقبوضِ على سَومِ الشِّراءِ، وذلك مَضمونٌ، فهذا أوْلَى (٢).

стр. 3760

حُكمُ المُعامَلاتِ المُختلَفِ فيها بينَ المُسلِمينَ: قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: إنَّ المُسلِمَ إذا عامَلَ مُعامَلةً يَعتقِدُ هو جَوازَها، وقبَض المالَ، جازَ لِغيرِه مِنْ المُسلِمينَ أنْ يُعامِلَه في مِثلِ ذلك المالِ، وإنْ لَم يَعتقِدْ جَوازَ تلك المُعامَلةِ؛ فإنَّه قد ثبَت أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رُفِعَ إليه أنَّ بَعضَ عُمَّالِه يَأخُذُ خَمرًا مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ عن الجِزيةِ، فقالَ: قاتَلَ اللَّهُ فُلانًا، أما عَلِمَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ؛ حُرِّمتْ عليهم الشُّحومُ فجَمَلوها وباعوها وأكَلوا أثمانَها»؟ ثم قالَ عمرُ: وَلُّوهم بَيعَها وخُذوا مِنهم أثمانَها. فأمَرَ عمرُ أنْ يَأخُذوا مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ الدَّراهِمَ التي باعوا بها الخَمرَ؛ لأنَّهم يَعتَقِدونَ جَوازَ ذلك في دِينِهم. ولِهذا قالَ العُلماءُ: إنَّ الكُفَّارَ إذا تَعامَلوا بينَهم بمُعامَلاتٍ يَعتَقِدونَ جَوازَها، وتَقابَضوا الأموالَ، ثم أسلَموا، كانَتْ تلك الأموالُ لَهم حَلالًا، وإنْ تَحاكَموا إلينا أقرَرْناها في أيديهم، سَواءٌ تَحاكَموا قبلَ الإسلامِ أو بعدَه. وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فأمَرَهم بتَركِ ما بَقيَ في الذِّمَمِ مِنْ الرِّبا، ولَم يَأمُرْهم برَدِّ ما قَبَضوه؛ لأنَّهم كانوا يَستحِلُّونَ ذلك. والمُسلِمُ إذا عامَلَ مُعامَلاتٍ يَعتقِدُ جَوازَها، كالحِيَلِ الرِّبَويَّةِ التي يُفتي

стр. 3761

بها مَنْ يُفتي مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ، وأخَذ الثَّمنَ، أو زارَعَ على أنَّ البَذْرَ مِنْ العامِلِ، أو أكرَى الأرضَ بجُزءٍ مِنْ الخارِجِ منها، ونَحوَ ذلك، وقبَض المالَ، جازَ لِغيرِه مِنْ المُسلِمينَ أنْ يُعامِلَه في ذلك المالِ، وإنْ لَم يَعتقِدْ جَوازَ تلك المُعامَلةِ بطَريقِ الأوْلَى والأحْرَى، ولو أنَّه تَبيَّن له فيما بَعدُ رُجحانُ التَّحريمِ لَم يَكُنْ عليه إخراجُ المالِ الذي كَسَبَه بتَأويلٍ سائِغٍ؛ فإنَّ هذا أوْلَى بالعَفْوِ والعُذرِ مِنْ الكافِرِ المُتأوِّلِ، ولمَّا ضَيَّقَ بَعضُ الفُقهاءِ هذا على بَعضِ أهلِ الوَرَعِ ألجَأه إلى أنْ يُعامِلَ الكُفَّارَ ويَترُكَ مُعامَلةَ المُسلِمينَ، ومَعلومٌ أنَّ اللَّهَ ورَسولَه ﷺ لا يَأمُرانِ المُسلِمَ بأنْ يَأكُلَ مِنْ أموالِ الكُفَّارِ ويَدَعَ أموالَ المُسلِمينَ، بَلِ المُسلِمونَ أوْلَى بكُلِّ خَيرٍ، والكُفَّارُ أوْلَى بكُلِّ شَرٍّ (١). وقالَ أيضًا: وما قُبِضَ بتأويلٍ فإنَّه يَسوغُ لِلمُسلِمِ أنْ يَشتَريَه مِمَّنْ قبَضه، وإنْ كانَ المُشتَرِي يَعتقِدُ أنَّ ذلك العَقدَ مُحرَّمٌ، كالذِّمِّيِّ إذا باعَ خَمرًا وأخَذ ثَمَنَها جازَ لِلمُسلِمِ أنْ يُعامِلَه في ذلك الثَّمنِ، وإنْ كانَ المُسلِمُ لا يَجوزُ له بَيعُ الخَمرِ، كما قالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: وَلُّوهم بَيعَها، وخُذوا أثمانَها، وهذا كانَ سَبَبُه أنَّ بَعضَ عُمَّالِه أخَذ خَمرًا في الجِزيةِ وباعَ الخَمرَ لِأهلِ الذِّمَّةِ؛ فبلَغ ذلك عمرَ ﵁، فأنكَرَ ذلك، وقاله، وهذا ثابِتٌ عن عمرَ ﵁، وهو مَذهبُ الأئِمَّةِ، وهكذا مَنْ عامَلَ مُعامَلةً يَعتقِدُ جَوازَها في مَذهبِه، وقبَض المالَ، جازَ لِغيرِه أنْ يَشتَريَ ذلك المالَ مِنه، وإنْ كانَ لا

стр. 3762

يَرَى جَوازَ تلك المُعامَلةِ؛ فإذا قُدِّرَ أنَّ الوَظائِفَ قد فعَلها مَنْ يَعتقِدُ جَوازَها لِإفتاءِ بَعضِ النَّاسِ له بذلك، أو اعتَقَدَ أنَّ اعتِقادَ أخْذِ هذا المالِ وصَرْفِه في الجِهادِ وغيرِه مِنْ المَصالِحِ جائِزٌ، جازَ لِغيرِه أنْ يَشتَريَ ذلك المالَ منه، وإنْ كانَ لا يَعتقِدُ جَوازَ أصْلِ القَبضِ. وعلى هذا فمَنِ اعتَقَدَ أنَّ لِوُلاةِ الأمرِ فيما فَعَلوه تَأويلًا سائِغًا جازَ أنْ يَشتَريَ ما قَبَضوه، وإنْ كانَ هو لا يُجوِّزُ ما فَعَلوه، مثلَ أنْ يَقبِضَ وَليُّ الأمْرِ مِنْ الزَّكاةِ قِيمَتَها فيَشتَريَ مِنها، ومثلَ أنْ يُصادِرَ بَعضُ العُمَّالِ مُصادَرةً يَعتقِدونَ جَوازَها، أو مثلَ أنْ يَرَى الجِهادَ وجَب على النَّاسِ بأموالِهم، وأنَّ ما أخَذوه مِنْ الوَظائِفِ هو مِنْ المالِ الذي يَجوزُ أخْذُه وصَرْفُه في الجِهادِ، وغيرَ ذلك مِنْ التَّأويلاتِ التي قد تَكونُ خَطأً، ولكنَّها ممَّا قد ساغَ فيه الِاجتِهادُ؛ فإذا كانَ قَبضُ وَليِّ الأمْرِ المالَ على هذا الوَجهِ جازَ شِراؤُه مِنه، وجازَ شِراؤُه مِنْ نائِبِه الذي أمَرَه أنْ يَقبِضَه، وإنْ كانَ المُشتَرِي لا يُسوِّغُ قَبْضَه، والمُشتَرِي لَم يَظلِمْ صاحِبَه، فإنَّه اشتَراه بمالِه مِمَّنْ قبَضه قَبضًا يَعتقِدُ جَوازَه. وإنْ كانَ على هذا الوَجهِ فشِراؤُه حَلالٌ في أصَحِّ القَولَيْنِ، وليسَ مِنْ الشُّبَهاتِ؛ فإنَّه إذا جازَ أنْ يَشتَريَ مِنْ الكُفَّارِ ما قَبَضوا بعُقودٍ يَعتقِدونَ جَوازَها، وإنْ كانَتْ مُحرَّمةً في دِينِ المُسلِمينَ؛ فلَأنْ يَجوزَ أنْ يَشتَريَ مِنْ المُسلِمِ ما قبَضه بعَقدٍ يَعتقِدُ جَوازَه أوْلَى، وإنْ كُنَّا نَراه مُحرَّمًا بطَريقِ الأوْلَى والأحْرَى، فإنَّ الكافِرَ تَأويلُه المُخالِفُ لِدِينِ الإسلامِ باطِلٌ قَطعًا، بخِلافِ تَأويلِ المُسلِمِ.

стр. 3763

ولِهذا إذا أسلَموا وتَحاكَموا إلينا، وقد قَبَضوا أموالًا بعُقودٍ يَعتقِدونَ جَوازَها، كالرِّبا وثَمَنِ الخَمرِ والخِنزيرِ، لَم تَحرُمْ عليهم تلك الأموالُ كما لا تَحرُمُ مُعامَلَتُهم فيها قبلَ الإسلامِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، ولَم يُحرِّمْ ما قَبَضوه. وهكذا مَنْ كانَ قد عامَلَ مُعامَلاتٍ رِبَويَّةً يَعتقِدُ جَوازَها، ثم تَبيَّن له أنَّها لا تَجوزُ، وكانَتْ مِنْ المُعامَلاتِ التي تَنازَعَ فيها المُسلِمونَ؛ فإنَّه لا يَحرُمُ عليه ما قبَضه بتلك المُعامَلةِ على الصَّحيحِ (١).

стр. 3764

باب الشُّروطِ في البَيعِ الشَّرطُ هُنا: إلزامُ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ الآخَرَ بسَبَبِ العَقدِ ما له فيه مَنفَعةٌ، وقد اختلَف الفُقهاءُ في هذه الشُّروطِ؛ فمنها ما هو صَحيحٌ والبَيعُ صَحيحٌ، ومنها ما هو فاسِدٌ والبَيعُ صَحيحٌ، ومنها ما هو فاسِدٌ والبَيعُ فاسِدٌ، ومِنهم مَنْ أبطَلَ جَميعَ الشُّروطِ، ومِنهم مَنْ أجازَها مُطلَقًا، ومِنهم مَنْ منَعها في مَوضِعٍ، وأجازَها في مَوضِعٍ. وسَبَبُ هذا كُلِّه هو تَعارُضُ الأحاديثِ في هذا البابِ، فمنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعٍ وشَرطٍ. ومنها: حَديثُ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵁ أنَّه باعَ لِلنَّبيِّ ﷺ جَمَلًا واشتَرطَ ظَهرَه إلى المَدينةِ (١). ومنها: حَديثُ: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ، ولا شَرطانِ في بَيعٍ» (٢). ومنها: حَديثُ عَمرةَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّها أتَتْها بَريرةُ تَسألُها في

стр. 3765

كِتابَتِها، فقالَتْ ﵂: إنْ شِئتِ أعطَيتُ أهلَكِ ويَكونُ الوَلاءُ لي، فلمَّا جاءَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرتْ ذلك، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «ابتاعيها فأعتِقيها؛ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ»، ثم قامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ على المِنبَرِ فقالَ: ما بالُ أقوامٍ يَشتَرِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ اللَّهِ، مَنْ اشتَرطَ شَرطًا ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فليسَ له، وإنِ اشتَرطَ مِئةَ شَرطٍ» (١). فاختلَف العُلماءُ لِتَعارُضِ هذه الأحاديثِ في بَيعٍ وشَرطٍ: فالحَنفيةُ يَمنَعونَ الشَّرطَ مُطلَقًا؛ لِحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن بَيعٍ وشَرطٍ، والنَّهيُ يَقتَضي فَسادَ المَنهيِّ عنه، فيَدلُّ على فَسادِ كلِّ بَيعٍ مع شَرطٍ، إلَّا ما خُصَّ عن عُمومِ النَّصِّ، ولأنَّ هذه الشُّروطَ يَكونُ بَعضُها فيه مَنفَعةٌ زائِدةٌ تَرجِعُ إلى العاقِدَيْنِ، أو إلى غيرِهما، وزِيادةُ مَنفَعةٍ مَشروطةٍ في عَقدِ البَيعِ تَكونُ رِبًا، والرِّبا حَرامٌ، والبَيعُ الذي فيه رِبًا فاسِدٌ، وبَعضُها فيه غَرَرٌ، ونهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بَيعٍ فيه غَرَرٌ، والمَنهيُّ عنه فاسِدٌ، وبَعضُها شرَط التَّلَهِّيَ، وهو مَحظورٌ، وبَعضُها يُغيِّرُ مُقتَضى العَقدِ، وهو مَعنَى الفَسادِ؛ إذِ الفَسادُ هو التَّغييرُ (٢). والمالِكيَّةُ جَمَعوا بينَ هذه الأحاديثِ كُلِّها، فقالوا بمُقتَضاها، كُلٌّ في مَوضِعِه، وتأوَّلوها على وُجوهِها.

стр. 3766

والشافِعيَّةُ أبطَلوا كُلَّ شَرطٍ ليسَ مِنْ مُقتَضى العَقدِ وما كانَ مِنْ مُقتَضاه أجازوه، كما سَيأْتي. والحَنابِلةُ أجازوا البَيعَ مع شَرطٍ واحِدٍ، ومَنَعوه مع شَرطَيْنِ، وقَسَّموا الشُّروطَ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ، كما سَيأْتي. قالَ عَبدُ الوارِثِ بنُ سَعيدٍ: قَدِمتُ مَكَّةَ فوَجَدتُ فيها أبا حَنيفةَ وابنَ أبي لَيلَى وابنَ شُبرُمةَ، فقُلتُ لِأبي حَنيفةَ: ما تَقولُ في رَجُلٍ باعَ بَيعًا واشتَرطَ شَيئًا؟ فقالَ: البَيعُ باطِلٌ، والشَّرطُ باطِلٌ. ثم أتَيتُ ابنَ أبي لَيلَى فسَألتُه، فقالَ: البَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ. ثم أتَيتُ ابنَ شُبرُمةَ فسَألتُه، فقالَ: البَيعُ جائِزٌ، والشَّرطُ جائِزٌ. فقُلتُ: سُبحانَ اللَّهِ، ثَلاثةٌ مِنْ فُقهاءِ العِراقِ اختَلَفوا في مَسألةٍ واحِدةٍ. فأتَيتُ أبا حَنيفةَ فأخبَرتُه فقالَ: لا أدري ما قالا، إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن بَيعٍ وشَرطٍ. ثم أتَيتُ ابنَ أبي لَيلَى فأخبَرتُه فقالَ: لا أدري ما قالا، قالَتْ عائِشةُ ﵂: أمَرَني رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أشتَريَ بَريرةَ وأُعتِقَها، وإنِ اشتَرطَ أهلُها الوَلاءَ؛ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ، البَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ. ثم أتَيتُ ابنَ شُبرُمةَ فأخبَرتُه، فقالَ: لا أدري ما قالا، قالَ جابِرٌ ﵁: بِعتُ مِنْ النَّبيِّ ﷺ ناقةً، فشرَط لي حِلابَها وظَهرَها إلى المَدينةِ، البَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ جائِزٌ (١).

стр. 3767

وهذا تَفصيلُ هذه الأقوالِ عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ: قالَ الحَنفيَّةُ: نهَى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعٍ وشَرطٍ، وهذا على ثَلاثةِ أوْجُهٍ: ١ - في وَجْهٍ: البَيعُ والشَّرطُ كِلاهما جائِزانِ، كأنْ يَكونَ الشَّرطُ ممَّا يَرجِعُ إلى بَيانِ صِفةِ الثَّمنِ أو المَبيعِ؛ فصِفةُ الثَّمنِ أنْ يَبيعَ عَبدَه بألْفٍ على أنَّها نَقدُ بَيتِ المالِ، أو مُؤجَّلًا، وأمَّا صِفةُ المَبيعِ فهو أنْ يَبيعَ جاريةً على أنَّها طَبَّاخةٌ، أو خَبَّازةٌ، أو بِكرٌ، أو ثَيِّبٌ، أو عَبدًا على أنَّه كاتِبٌ؛ لأنَّ هذه شُروطٌ يَقتَضيها العَقدُ. ٢ - وفي وَجْهٍ: كِلاهما فاسِدانِ، كأنْ يَكونَ الشَّرطُ ممَّا لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ، أو لِلمَعقودِ عليه، وهو مِنْ أهلِ الخُصومةِ، وليسَ لِلنَّاسِ فيه تَعامُلٌ، نَحوَ أنْ يَشتَريَ ثَوبًا بشَرطِ الخِياطةِ، أو حِنطةً بشَرطِ الحَمْلِ إلى مَنزِلِه، أو ثَمَرةً بشَرطِ الجِذاذِ على البائِعِ، أو رُطبةً بشَرطِ الجِذاذِ، فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِلمُشتَري. وكذا إذا كانَ الشَّرطُ فيه مَنفَعةٌ لِلبائِعِ، مثلَ أنْ يَشتَريَ دارًا بشَرطِ أنْ يَسكُنَها البائِعُ شَهرًا، أو أرضًا بشَرطِ أنْ يَزرَعَها البائِعُ سَنةً، أو دابَّةً بشَرطِ أنْ يَركَبَها، أو ثَوبًا بشَرطِ أنْ يَلبَسَه شَهرًا، أو بشَرطِ أنْ يُقرِضَه المُشتَرِي دَراهِمَ،

стр. 3768

وكذا إذا كانَ في الشَّرطِ مَنفَعةٌ لِلمَعقودِ عليه، وهو مِنْ أهلِ الخُصومةِ، نَحوَ أنْ يَبيعَ عَبدًا بشَرطِ العِتقِ أو التَّدبيرِ، أو جاريةً بشَرطِ الِاستيلادِ. ٣ - وفي وَجْهٍ: البَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ؛ فهو أنْ يَبيعَ طَعامًا على ألَّا يَأْكُلَه المُشتَرِي، أو الدَّابَّةَ على ألَّا يَبيعَها؛ فالبَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا مَنفَعةَ فيه، ولو شرَط المَضرَّةَ، مثلَ أنْ يَبيعَ ثَوبًا على أنْ يَخرِقَه، أو جاريةً على ألَّا يَطَأَها، أو دارًا على أنْ يَهدِمَها، فعندَ أبي يُوسفَ البَيعُ فاسِدٌ. وقالَ مُحمَّدٌ: البَيعُ جائِزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ، ولو باعَ جاريةً بشَرطِ أنْ يَطَأَها، فالبَيعُ جائِزٌ إجماعًا؛ لأنَّ هذا شَرطٌ يَقتَضيه العَقدُ. قالَ الخُجَنديُّ: وعن أبي حَنيفةَ أنَّه إذا اشتَراها على أنْ يَطَأَها، أو ألَّا يَطَأَها، فالبَيعُ فاسِدٌ فيهما، وعندَ مُحمَّدٍ جائِزٌ فيهما، وأبو يُوسفَ فرَّق بينَهما، فقالَ: إذا باعَها بشَرطِ الوَطءِ يَجوزُ؛ لأنَّه شَرطٌ يَقتَضيه العَقدُ، وبِشَرطِ ألَّا يَطَأَها فاسِدٌ. وكذلك لو باعَ عَبدًا على أنْ يَستخدِمَه البائِعُ شَهرًا، أو دارًا على أنْ يَسكُنَها شَهرًا، أو على أنْ يُقرِضَه المُشتَرِي دَراهِمَ، أو على أنْ يُهديَ له هَديَّةً، فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ، ولأنَّه لو كانَتِ الخِدمةُ والسُّكنَى يُقابِلُهما شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ، تَكونُ إجارةً في بَيعٍ، ولو كانَ لا يُقابِلُهما شَيءٌ يَكونُ إعارةً في بَيعٍ، وقد نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن صَفقَتَيْنِ في صَفقةٍ، ونهَى عن بَيعٍ وشَرطٍ، وعن

стр. 3769

شَرطَيْنِ في بَيعٍ، وعَن بَيعٍ وسَلَفٍ، وعن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ، وعن بَيعِ ما لَم يُقبَضْ، وعن بَيعِ ما ليسَ عندَ الإنسانِ (١). أمَّا بَيعٌ وشَرطٌ فهو أنْ يَبيعَ بشَرطٍ فيه مَنفَعةٌ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ. وأمَّا نَهيُه عن شَرطَيْنِ في بَيعٍ؛ فهو أنْ يَبيعَ عَبدًا بألْفٍ إلى سَنةٍ، أو بألْفٍ وخَمسِمِئةٍ إلى سَنَتَيْنِ، ولَم يَثبُتِ العَقدُ على أحَدِهما، أو يَقولَ: على أنْ تُعطِيَني الثَّمنَ حالًّا بألْفٍ، وإنْ أخَّرتَه إلى شَهرٍ فبألفَيْنِ، أو أبيعَكَ بقَفيزِ حِنطةٍ، أو بقَفيزَيْ شَعيرٍ؛ فهذا لا يَجوزُ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَجهولٌ عندَ العَقدِ، ولا يَدري البائِعُ أيُّ الثَّمنَيْنِ يَلزَمُ المُشتَريَ. وأمَّا صَفقَتانِ في صَفقةٍ فأنْ يَقولَ: أبيعُكَ هذا العَبدَ بألْفٍ، على أنْ تَبيعَني هذا الفَرَسَ بألْفٍ، وقيلَ: هو أنْ يَبيعَ ثَوبًا بشَرطِ الخِياطةِ، أو حِنطةً بشَرطِ الحَملِ إلى مَنزِلِه، فقد جعَل المُشتَري الثَّمنَ بَدَلًا لِلعَينِ والعَمَلِ، فما حاذَى العَينَ يَكونُ بَيعًا، وما حاذَى العَمَلَ يَكونُ إجارةً، فقد جَمَعَ صَفقَتَيْنِ في صَفقةٍ. وأمَّا نَهيُه عن بَيعٍ وسَلَفٍ فهو أنْ يَبيعَ بشَرطِ القَرضِ أو الهِبةِ. وأمَّا رِبحُ ما لَم يُضمَنْ فهو أنْ يَشتَريَ عَبدًا فيُوهَبَ له هِبةٌ قبلَ القَبضِ، أو اكتَسَبَ كَسبًا قبلَ القَبضِ مِنْ جِنسِ الثَّمنِ أو مِنْ خِلافِه؛ فقَبضُ العَبدِ مع هذه الزَّوائِدِ لا يَطيبُ له الزَّوائِدُ؛ لأنَّه رَبِحَ ما لَم يَضمَنْ. وأمَّا نَهيُه ﷺ عن بَيعِ ما لَم يُقبَضْ، فيَعني في المَنقولاتِ.

стр. 3770

وَأمَّا نَهيُه ﷺ عن بَيعِ ما ليسَ عندَه فهو أنْ يَبيعَ ما ليسَ في مِلْكِه، ثم مَلَكَه بوَجْهٍ مِنْ الوُجوهِ، فإنَّه لا يَجوزُ إلَّا في السَّلَمِ؛ فإنَّه رُخِّصَ فيه. ومَن باعَ عَينًا على ألَّا يُسلِّمَها إلى شَهرٍ، أو إلى رَأْسِ الشَّهرِ، فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لِأنَّه لا فائِدةَ لِلبائِعِ في تَأجيلِ المَبيعِ، وفيه شَرطُ نَفيِ التَّسليمِ المُستحَقِّ بالعَقدِ. ومَن باعَ جاريةً إلَّا حَملَها، أو دابَّةً إلَّا حَملَها، فالبَيعُ فاسِدٌ. والِاستِثناءُ لِمَا في البُطونِ على ثَلاثِ مَراتِبَ: ١ - في وَجْهٍ: العَقدُ فاسِدٌ، والِاستِثناءُ فاسِدٌ؛ فهو البَيعُ والإجارةُ، والكِتابةُ والرَّهنُ؛ لأنَّ هذه العُقودَ يُبطِلُها الشُّروطُ الفاسِدةُ، واستِثناءُ ما في البَطنِ بمَنزِلةِ شَرطٍ فاسِدٍ، والأصلُ أنَّ ما لا يَصحُّ إفرادُه بالعَقدِ لا يَصحُّ استِثناؤُه مِنْ العَقدِ، والحَملُ مِنْ هذا القَبيلِ، وهذا لأنَّه بمَنزِلةِ أطرافِ الحَيَوانِ؛ لِاتِّصالِه به خِلقةً، وبَيعُ الأصلِ يَتناوَلُها؛ فالِاستِثناءُ يَكونُ على خِلافِ المُوجِبِ؛ فلَم يَصحَّ؛ ويَصيرُ شَرطًا فاسِدًا، والبَيعُ يَبطُلُ به. ٢ - وفي وَجْهٍ: العَقدُ جائِزٌ والِاستِثناءُ فاسِدٌ، كالهِبةِ والصَّدَقةِ والنِّكاحِ، والخُلعِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ؛ لأنَّ هذه العُقودَ لا يُبطِلُها الشُّروطُ الفاسِدةُ، فيَصحُّ العَقدُ ويَبطُلُ الِاستِثناءُ ويَدخُلُ في العَقدِ الأُمِّ، والوَلَدُ جَميعًا، وكذا المُعتَقُ إذا أعتَقَ الجاريةَ واستَثنَى ما في بَطنِها، صَحَّ العِتقُ، ولَم يَصحَّ الِاستِثناءُ، يَعني أنَّها تُعتَقُ هي وحَملُها.

стр. 3771

٣ - وفي وَجْهٍ: كِلاهما جائِزٌ، كالوَصيَّةِ، إذا أوصَى لِرَجُلٍ بجاريةٍ واستَثنَى ما في بَطنِها؛ فإنَّه يَصحُّ الِاستِثناءُ وتَكونُ الجاريةُ لِلمُوصَى له، وما في بَطنِها لِلوَرَثةِ. ومَن اشتَرَى ثَوبًا على أنْ يَقطَعَه البائِعُ ويَخيطَه قَميصًا، أو قَباءً، أو نَعلًا، على أنْ يَحذوَها -يَقطَعَها مِنْ الجِلدِ ويَعمَلَها-، أو يُشرِكَها، فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِهما. قالَ البابَرتيُّ ﵀: مَنْ اشتَرَى صَرمًا، واشتَرطَ أنْ يَحذوَه أو نَعلًا على أنْ يُشرِكَها البائِعُ، فالبَيعُ فاسِدٌ في القياسِ. ووَجْهُه ما بَيَّناه، أنَّه شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ. وفي الِاستِحسانِ: يَجوزُ لِلتَّعامُلِ، والتَّعامُلُ قاضٍ على القياسِ؛ لِكَونِه إجماعًا فِعليًّا، كصَبغِ الثَّوبِ؛ فإنَّ القياسَ لا يَجوزُ فيه استِئجارُ الصَّبَّاغِ لِصَبغِ الثَّوبِ؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ على المَنافِعِ، لا الأعيانِ، وفيه عَقدٌ على العَينِ، وهو الصَّبغُ، لا الصَّبغُ وَحدَه، لكنْ جُوِّزَ لِلتَّعامُلِ جَوازَ الِاستِصناعِ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: الشَّرطُ الذي يَحصُلُ عندَ البَيعِ إمَّا أنْ يُنافيَ المَقصودَ، أو يُخِلَّ بالثَّمنِ، أو يَقتَضيَه العَقدُ، أو لا يَقتَضيَه، ولا يُنافيَه؛ فالمُضِرُّ الأوَّلانِ دونَ الأخيرَيْنِ.

стр. 3772

فالذي يُناقِضُ المَقصودَ مِنْ البَيعِ؛ كأنْ يَبيعَها بشَرطِ ألَّا يَركَبَها أو لا يَبيعَها أو لا يَلبَسَها ولا يَسكُنَها، أو لا يُؤجِّرَها، أو ألَّا يَخرُجُ مِنها مِنْ البَلَدِ أو على أنَّه إنْ باعَها فهو أحَقُّ بها بالثَّمنِ. والذي يُخِلُّ بالثَّمنِ؛ كبَيعٍ بشَرطِ سَلَفٍ. والذي يَقتَضيه العَقدُ كشَرطِ تَسليمِ المَبيعِ لِلمُشتَرِي، والقيامِ بالعَيبِ، ورَدِّ العِوَضِ، عندَ انتِقاضِ البَيعِ؛ فهذه الأُمورُ لازِمةٌ دونَ شَرطٍ، لِاقتِضاءِ العَقدِ لَها، فشَرطُها تأْكيدُ. والذي لا يَقتَضيه ولا يُنافيه: كشرطِ أجَلٍ ورَهنٍ وحَميلٍ؛ فهذه أُمورٌ لا تُنافي العَقدَ ولا يَقتَضيها، بَلْ إنْ شُرِطتْ عُمِلَ بها، وإلَّا فلا، والشَّرطُ الذي قبلَه لازِمٌ له على كلِّ حالٍ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: الشَّرطُ يَنقَسِمُ إلى فاسِدٍ وصَحيحٍ، فالفاسِدُ يُفسِدُ العَقدَ. فالفاسِدُ: كبَيعٍ بشَرطِ بَيعٍ، كما إذا باعَ سَيَّارَتَه بألْفٍ بشَرطِ أنْ يَشتَريَ مِنه دارَه أو بشَرطِ أنْ يُقرِضَه، كأنْ يَبيعَه دارَه بألْفٍ بشَرطِ أنْ يُقرِضَه مِئةً؛ فالعَقدُ الأوَّلُ باطِلٌ، ثم إذا عَقدَ الثَّانيَ مع عِلمِهما بفَسادِ الأوَّلِ صَحَّ، وإلَّا فلا على الصَّحيحِ.

стр. 3773

ولو اشتَرَى زَرعًا وشرَط على بائِعِه أنْ يَحصُدَه، بطَل البَيعُ؛ لأنَّه جَمَعَ بينَ بَيعٍ وإجارةٍ. وكذا الحُكمُ لو أفرَدَ الشِّراءَ بعِوَضٍ، والِاستِئجارَ بعِوَضٍ، فقالَ: اشتَرَيتُه بعَشَرةٍ على أنْ تَحصُدَه بدِرهَمٍ؛ لأنَّه جعَل الإجارةَ شَرطًا في البَيعِ، فهو في مَعنَى بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ. ولو قالَ: اشتَرَيتُ هذا الزَّرعَ بعَشَرةٍ، واستأجَرتُكَ لِحَصدِه بدِرهَمٍ، صَحَّ الشِّراءُ ولَم تَصحَّ الإجارةُ؛ لأنَّه استأْجَرَه لِلعَمَلِ فيما لَم يَملِكْه. ونَظائِرُ مَسألةِ الزَّرعِ تُقاسُ بها، كما إذا اشتَرَى ثَوبًا وشرَط عليه صَبْغَه وخياطَتَه، أو لَبَنًا وشرَط عليه طَبْخَه، أو نَعلًا وشرَط عليه أنْ يَنعَلَ به دابَّتَه، أو عَبدًا رَضيعًا على أنَّه يُتِمُّ إرضاعَه، أو مَتاعًا على أنْ يَحمِلَه إلى بَيتِه، والبائِعُ يَعرِفُ بَيتَه، فإنْ لَم يَعرِفْه بطَل قَطعًا. وأمَّا الشَّرطُ الصَّحيحُ في البَيعِ فمِن أنواعِه شَرطُ الأجَلِ المَعلومِ في الثَّمنِ، فإنْ كانَ الثَّمنُ مَجهولًا بطَل. ومنها: البَيعُ بشَرطِ الخِيارِ، أو البَراءةِ مِنْ العَيبِ، أو بشَرطِ قَطعِ الثَّمرِ، أو الأجَلِ والرَّهنِ والكَفيلِ المُعَيِّناتِ لِثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، والإشهادِ، ولا يُشترَطُ تَعيينُ الشُّهودِ؛ فإنْ لَم يَرهَنْ، أو لَم يَتكفَّلِ المُعَيَّنَ فلِلبائِعِ الخِيارُ. ولو شرَط وَصفًا يُقصَدُ، ككَونِ العَبدِ كاتِبًا، أو الدَّابَّةِ حامِلًا، أو لَبَونًا، صَحَّ العَقدُ مع الشَّرطِ؛ لأنَّه شَرطٌ يَتعلَّقُ بمَصلَحةِ العَقدِ، وهو العِلمُ بصِفاتِ المَبيعِ التي تَختلِفُ بها الأغراضُ؛ ولأنَّه التَزَمَ مَوجودًا عندَ العَقدِ،

стр. 3774

ولا يَتوقَّفُ التِزامُه على إنشاءِ أمْرِ مُستَقبَلٍ، فلا يَدخُلُ في النَّهيِ عن بَيعٍ وشَرطٍ، وإنْ سُمِّيَ شَرطًا تَجوُّزًا؛ فإنَّ الشَّرطَ لا يَكونُ إلَّا مُستَقبَلًا، ويَكفي في الصِّفةِ المَشروطةِ ما يُطلَقُ عليها الِاسمَ. ولِلمُشتَري الخِيارُ، إنْ تَخلَّفَ الشَّرطُ، لِفَواتِ شَرطِه، ولا يَصحُّ بَيعُ الحَمَلِ وَحدَه، ولا الحامِلِ دُونَه، ولا الحامِلِ بحُرٍّ، ولو باعَ حامِلًا مُطلَقًا دخَل الحَملُ في البَيعِ تَبَعًا (١). وقالَ الحَنابِلةُ: الشَّرطُ إلزامُ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ الآخَرَ بسَبَبِ العَقدِ ما له فيه مَنفَعةٌ، ومَحَلُّ المُعتَبَرِ مِنها صُلْبُ العَقدِ، وهي قِسمانِ: الأوَّلُ: صَحيحٌ لازِمٌ: كشَرطِ تَأجيلِ الثَّمنِ أو بَعضِه، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيةَ. أو كشَرطِ رَهنٍ أو ضَمينٍ مُعيَّنَيْنِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ مَصلَحةِ العَقدِ. أو كشَرطِ صِفةٍ في المَبيعِ، كالعَبدِ، كاتِبًا أو صانِعًا أو مُسلِمًا، والأَمَةِ بِكرًا أو تَحيضُ، والدَّابَّةِ هِملاجةً أو لَبَونًا أو حامِلًا، والفَهدِ أو البازي صَيَّادًا؛ فإنْ وُجدَ المَشروطُ لزِم البَيعُ؛ لِصِحَّةِ الشَّرطِ. وإلَّا فلِلمُشتَرِي الفَسخُ؛ لِفَقدِ الشَّرطِ، أو أرشٌ (٢) فَقْدِ الصِّفةِ المَشروطةِ،

стр. 3775

إنْ لَم يَفسَخْ، كأرشِ عَيبٍ ظهَر عليه، وإنْ تَعذَّرَ رَدٌّ، تَعيَّنَ أرشٌ، كمَعيبٍ تَعذَّرَ رَدُّه، وإنْ شرَط صِفةً فبانَ أعلَى مِنها فلا خِيارَ. ويَصحُّ أنْ يَشترِطَ البائِعُ على المُشتَرِي مَنفَعةَ ما باعَه مُدَّةً مَعلومةً، كسُكنَى الدَّارِ شَهرًا، وحِملانِ الدَّابَّةِ إلى مَحَلٍّ مُعيَّنٍ؛ لِحَديثِ جابرٍ ﵁ أنَّه باعَ النَّبيَّ ﷺ جَمَلًا واشتَرطَ ظَهرَه إلى المَدينةِ (١). ويَصحُّ أنْ يَشترِطَ المُشتَرِي على البائِعِ حَمْلَ ما باعَه إلى مَوضِعٍ مَعلومٍ؛ فإنْ لَم يَكُنْ مَعلومًا لَم يَصحَّ الشَّرطُ؛ فلَو شرَط الحَملَ إلى مَنزِلِه، والبائِعُ لا يَعرِفُه، لَم يَصحَّ الشَّرطُ. ويَصحَّ أنْ يَشتَرِطَ المُشتَرِي على البائِعِ تَكسيرَ ما اشتَراه، أو خياطَتَه، أو تَفصيلَه؛ لأنَّ ذلك بَيعٌ وإجارةٌ، ولا يُجمَعُ بينَ شَرطَيْنِ مِنْ ذلك، وإنْ جُمِعَ بينَ شَرطَيْنِ مِنْ غيرِ النَوعَينِ الأوَّلَيْنِ، كحَمْلِ حَطَبٍ وتَكسيرِه، وخياطةِ ثَوبٍ وتَفصيلِه، بطَل البَيعُ. والقِسمُ الثَّاني: فاسِدٌ: وهو ما يُنافي مُقتَضى العَقدِ، وهو ثَلاثةُ أنواعٍ: أحَدُها: يَبطُلُ العَقدُ مِنْ أصْلِه: كاشتِراطِ أحَدِهما على الآخَرِ عَقدًا آخَرَ، كشَرطِ بَيعٍ آخَرَ، كبِعتُكَ هذه الدَّارَ على أنْ تَبيعَني هذه الفَرَسَ، أو شَرطِ سَلَفٍ؛ كبِعتُكَ عَبدي على أنْ تُسلِفَني كذا في كذا، أو شَرطِ قَرضٍ؛ كعلى أنْ تُقرِضَني كذا، أو شَرطِ إجارةٍ، كعلى أنْ تُؤجِّرَني دارَكَ بكذا، أو شَرطِ شَرِكةٍ، كعلى أنْ تُشارِكَني في كذا، أو شَرطِ صَرفِ الثَّمنِ، كبِعتُكَ

стр. 3776

الأَمَةَ بعَشَرةِ دَنانيرَ، على أنْ تَصرِفَها بمِئةِ دِرهَمٍ، أو شَرطِ صَرفِ غيرِه، أي: الثَّمنِ، كبِعتُكَ الثَّوبَ على أنَّ تَصرِفَ لي هذه الدَّنانيرَ بدَراهِمَ؛ لِمَا تَقدَّمَ أنَّه ﷺ قالَ: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ، ولا شَرطانِ في بَيعٍ» (١). ونهَى ﷺ عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ، وهو -أي: هذا النَّوعُ- بَيعَتانِ في بَيعةٍ المَنهيُّ عنه، قالَ أحمدُ: والنَّهيُ يَقتَضي الفَسادَ. وقالَ ابنُ مَسعودٍ ﵁: صَفقتانِ في صَفقةٍ رِبًا. ولا يَصحُّ شَرطُ عَقدٍ في عَقدٍ؛ كنِكاحِ الشِّغارِ. وَمِثلُه في البُطلانِ بِعتُكَ كذا بمِئةٍ، على أنْ تَرهَنَ دارَكَ -مَثَلًا- بها، وبِالمِئةِ التي عليكَ، أو أنْ يَقولَ: بِعتُكَ ثَوبي بكَذا، كعَشَرةِ دَراهِمَ -مَثَلًا-، على أنْ آخُذَ مِنْكَ الدِّينارَ بكذا دِرهَمٍ، كخَمسةٍ مَثَلًا. وكذلك كلُّ ما كانَ في مَعنَى ذلك، مثلَ أنْ يَقولَ: بِعتُكَ داري بكذا، على أنْ تُزوِّجَني ابنَتَكَ، أو على أنْ أُزوِّجَكَ ابنَتي، وكذا على أنْ تُنفِقَ على عَبدي، أو على دابَّتي، أو على حِصَّتي مِنْ ذلك، قَرضًا أو مَجَّانًا. النَّوعُ الثَّاني مِنْ الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ: شَرطٌ فاسِدٌ في نَفْسِه، غيرُ مُفسِدٍ لِلبَيعِ: كشَرطٍ في العَقدِ يُنافي مُقتَضى البَيعِ، كاشتِراطِ مُشتَرٍ ألَّا يَخسَرَ في مَبيعٍ، أو مَتَى نفَقَ المَبيعُ، وإلَّا رَدَّه لِبائِعِه، أو اشتِراطِ بائِعٍ على مُشتَرٍ ألَّا يَقِفَ المَبيعُ وألَّا يَبيعَه، أو أنْ يَبيعَه، أو ألَّا يَهَبَه، أو ألَّا يُعتِقَه، أو إنْ أعتَقَه

стр. 3777

فلِلبائِعِ وَلاؤُه، أو اشتَرطَ عليه أنْ يَفعَلَ ذلك، أي: أنْ يَقِفَ المَبيعَ أو يَهَبُه؛ فالشَّرطُ فاسِدٌ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لِعَوْدِ الشَّرطِ على غيرِ العاقِدِ، نَحوَ: بِعتَكَه على ألَّا يَنتفِعَ به أخوكَ، أو زَيدٌ ونَحوُه؛ لِحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: جاءَتْني بَريرةُ، فقالَتْ: كاتَبتُ أهلي على تِسعِ أواقٍ، في كلِّ عامٍ أُوقيَّةٌ؛ فأعينيني؛ فقُلتُ: إنْ أحَبَّ أهلُكِ أنْ أعُدَّها لَهم، ويَكونَ وَلاؤُكِ لي؛ فَعَلتُ؛ فذَهَبتْ بَريرةُ إلى أهلِها، فقالَتْ لَهم؛ فأبَوْا عليها؛ فجاءَتْ مِنْ عِندِهم، ورَسولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ؛ فقالَتْ: إنِّي عَرَضتُ ذلك عليهم؛ فأبَوْا إلَّا أنْ يَكونَ لَهمُ الوَلاءُ؛ فسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ ، فأخبَرَتْ عائِشةُ ﵂ النَّبيَّ ﷺ ، فقالَ: «خُذيها واشتَرِطي لَهمُ الوَلاءَ؛ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ»؛ ففَعَلتْ عائِشةُ ﵂، ثم قامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ في النَّاسِ؛ فحَمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليه، ثم قالَ: «أمَّا بَعدُ، ما بالُ رِجالٍ يَشتَرِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ اللَّهِ، ما كانَ مِنْ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فهو باطِلٌ، وإنْ كانَ مِئةَ شَرطٍ، قَضاءُ اللَّهِ أحَقُّ، ودَيْنُ اللَّهِ أوثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ» مُتَّفقٌ عليه. فأبطَلَ الشَّرطَ، ولَم يُبطِلِ العَقدَ، وقَولُه ﷺ : «واشتَرِطي لَهمُ الوَلاءَ»، لا يَصحُّ حَملُه (واشتَرِطي عليهمُ الوَلاءَ)، بدَليلِ أمْرِها به، ولَم يَأمُرْها بفاسِدٍ؛ لأنَّ الوَلاءَ لَها بإعتاقِها؛ فلا حاجةَ إلى اشتِراطٍ، ولأنَّهم أبَوُا البَيعَ إلَّا أنْ يُشترَطَ لَهم؛ فكَيفَ يَأمُرُها بما عَلِمَ أنَّهم لا يَقبَلونَه، وأمَّا أمْرُها بذلك فليسَ بأمْرٍ على الحَقيقةِ، وإنَّما هو صِيغةُ أمْرٍ بمَعنَى التَّسويةِ، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [طه: ١٦]، والتَّقديرُ: اشتَرِطي لَهمُ

стр. 3778

الوَلاءَ، أو لا تَشتَرِطي، ولِهذا قالَ عَقِبَه: «إنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ»، إلَّا شَرطَ عِتقٍ؛ فيَلزَمُ باشتِراطِ بائِعٍ على مُشتَرٍ؛ لِحَديثِ برَيرةَ، ويُجبَرُ مُشتَرٍ عليه إنْ أباهُ؛ لأنَّه مُستحَقٌّ لِلَّهِ ؛ لِكَونِه قُربةً التَزَمَها المُشتَرِي؛ فأُجبِرَ عليه، كالنَّذْرِ؛ فإنْ أصَرَّ مُمتَنِعًا؛ أعتَقَه حاكِمٌ كطَلاقِه على مُوَلٍّ. وكذا شَرطُ رَهنٍ فاسِدٍ، كمَجهولٍ ونَحوِه، كشَرطِ ضَمينٍ أو كَفيلٍ غيرِ مُعيَّنٍ، وكَشَرطِ خِيارٍ أو أجَلٍ في ثَمَنٍ مَجهولَيْنِ، أو شَرطِ تَأخيرِ تَسليمِ المَبيعِ بلا انتِفاعِ بائِعٍ به، أو شَرطِ بائِعٍ على المُشتَرِي إنْ باعَه، فهو -أي: البائِعُ- أحَقُّ بالمَبيعِ، بمِثلِ الثَّمنِ، فيَصحُّ البَيعُ، وتَبطُلُ هذه الشُّروطُ؛ قِياسًا على اشتِراطِ الوَلاءِ لِبَيَّاعٍ. ولِمَن فاتَ غَرَضُه -بفَسادِ الشَّرطِ مِنْ بائِعٍ ومُشتَرِطٍ- الفَسخُ في كلِّ ما تَقدَّمَ مِنْ الشُّروطِ الفاسِدةِ، ولو كانَ عالِمًا بفَسادِ شَرطٍ؛ لأنَّه لَم يُسلِّمْ له بما دخَل عليه مِنْ الشَّرطِ. ويُرَدُّ ثَمَنٌ ومُثمَّنٌ لَم يَفُتْ بإلغاءِ الشَّرطِ، وإلَّا بأنْ فاتَ؛ فيَلزَمُ أرشُ نَقصِ ثَمَنٍ لِبائِعٍ، إنْ كانَ المُشتَرِطُ بائِعًا؛ فإنْ باعَه بأنقَصَ مِنْ ثَمَنِه، وشرَط شَرطًا فاسِدًا؛ فله الخِيارُ بينَ الفَسخِ وبينَ أخْذِ أرشِ النَّقصِ؛ لأنَّه إنَّما باعَ بنَقصٍ مِنْ ثَمَنِه؛ لِمَا يَحصُلُ له مِنْ الغَرَضِ الذي اشتَرطَه؛ فإذا لَم يَحصُلْ غَرَضُه رجَع بالنَّقصِ، أو استِرجاعِ زِيادَتِه -أي: الثَّمنِ- لِمُشتَرٍ، إنْ كانَ هو المُشترِطَ، بأنِ اشتَرَى بزيادةٍ على الثَّمنِ، وشرَط شَرطًا فاسِدًا؛ فله الخِيارُ بينَ الفَسخِ وأخْذِ ما زادَ؛ لِفَواتِ غَرَضِ كُلٍّ منهما.

стр. 3779

وكذا حُكمُ كلِّ شَرطٍ فسَد، كشَرطِ لَبَنِ حَيَوانٍ مَبيعٍ مُدَّةً مَعلومةً، كشَهرٍ مَثَلًا؛ لِجَهالةِ قَدْرِ اللَّبَنِ في المُدَّةِ، وكشَرطِ نَفْعِ دابَّةٍ بِيعَتْ على أنْ يَنتَفِعَ بها البائِعُ ما شاءَ، ثم يُسَلِّمَها لِلمُشتَرِي؛ فهذا الشَّرطُ فاسِدٌ؛ لأنَّ النَّفعَ غيرُ مَعلومٍ، وحينَئذٍ لِلمُشتَرِي الخِيارُ. ومَن قالَ لِغَريمِه: بِعْني هذا الشَّيءَ على أنْ أقَضِيَكَ دَيْنَكَ مِنه؛ فباعَه إيَّاه، صَحَّ البَيعُ، لا الشَّرطُ؛ لأنَّه شرَط ألَّا يَتصرَّفَ فيه بغيرِ القَضاءِ، ومُقتَضى البَيعِ أنْ يَتصرَّفَ مُشتَرٍ بما يَختارُ، ولِلبائِعِ الفَسخُ أو أخْذُ أرْشِ نَقصِ ثَمَنٍ على ما تَقدَّمَ. وإنْ قالَ رَبُّ دَيْنٍ: اقضِني دَيْني على أنْ أبيعَكَ كذا بكذا؛ فقَضاه دَيْنَه؛ صَحَّ القَضاءُ؛ لأنَّه أقبَضَه دَيْنَه فَقط؛ أي: دونَ بَيعٍ مَشروطٍ؛ لأنَّه مُعلَّقٌ على القَضاءِ، ولأنَّ البَيعَ لا يَصحُّ تَعليقُه. وإنْ قالَ رَبُّ دَيْنٍ: اقضِني أجوَدَ مِنْ مالي عليكَ، على أنْ أبيعَكَ كذا؛ ففَعَلا؛ أي: قَضاه حَقَّه أجوَدَ، وباعَه ما وَعَدَه به؛ فالبَيعُ والقَضاءُ باطِلانِ، ويَرُدُّ الأجوَدَ قابِضُه، ويُطالَبُ بمِثلِ دَيْنِه؛ لأنَّ المَدِينَ لَم يَرْضَ بدَفعِ الأجوَدِ إلَّا طَمَعًا في حُصولِ المَبيعِ له، ولَم يَحصُلْ؛ لِبُطلانِ البَيعِ؛ لأنَّه بَيعَتانِ في بَيعةٍ. النَّوعُ الثَّالثُ: شَرطٌ لا يَنعقِدُ معه بَيعٌ، وهو المُعلَّقُ عليه البَيعُ: كبِعتُكَ كذا إنْ جِئتَني، أو إنْ رَضيَ زَيدٌ بكذا، أو اشتَرَيتُ كذا كذا بكذا إنْ جِئتَني، أو إنْ رَضيَ زَيدٌ، أو إنْ جاءَ رَأْسُ الشَّهرِ مَثَلًا؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ يَقتَضي نَقلَ المِلْكِ حالَ العَقدِ، ولأنَّ الشَّرطَ يَمنَعُه.

стр. 3780

أو أنْ يَقولَ لِلمُرتَهِنِ: إنْ جِئتُكَ بحَقِّكَ في مَحَلِّه وإلَّا فالرَّهنُ لَكَ، لا يَصحُّ البَيعُ؛ لقولِه ﷺ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ مِنْ صاحِبِه» (١). وكذا كلُّ بَيعٍ عُلِّقَ على شَرطٍ مُستَقبَلٍ، غيرِ «إنْ شاءَ اللهُ »، وغيرِ (بَيعِ العُربونْ)، بأنْ يَدفَعَ بعدَ العَقدِ شَيئًا، ويَقولَ: (إنْ أخَذتُ المَبيعَ أتمَمتُ الثَّمنَ، وإلَّا فهو لكَ)، فيَصحُّ؛ لِفِعلِ عمرَ ﵁، والمَدفوعُ لِلبائِعِ إنْ لَم يُتِمَّ البَيعَ، والإجارةُ مِثلُه. وإنْ باعَه شَيئًا، وشرَط في البَيعِ البَراءةَ مِنْ كلِّ عَيبٍ مَجهولٍ، أو مِنْ عَيبِ كذا، إنْ كانَ لَم يَبرَأِ البائِعُ، فإنْ وجَد المُشتَرِي بالمَبيعِ عَيبًا فله الخِيارُ؛ لأنَّه إنَّما يثبُتُ بعدَ البَيعِ، فلا يَسقُطُ بإسقاطِه قبلَه، وإنْ سَمَّى العَيبَ، أو أبرَأَه المُشتَرِي بعدَ العَقدِ، بَرِئَ. ومَن باعَ ما يُذرَعُ على أنَّه عَشَرةٌ؛ فبانَ أكثَرَ، أو أقَلَّ، صَحَّ البَيعُ، والزِّيادةُ لِلبائِعِ، والنَّقصُ عليه. ولِكُلٍّ الفَسخُ؛ لِضَرَرِ الشَّرِكةِ، ما لَم يُعطِ البائِعُ الزِّيادةَ لِلمُشتَرِي مَجَّانًا في المَسألةِ الأُولَى، أو لَم يَرضَ المُشتَرِي بأخْذِه بكُلِّ الثَّمنِ في الثَّانيةِ فلا فَسخَ؛ لعَدمِ فَواتِ الغَرَضِ، وإنْ كانَ المَبيعُ نَحوَ صُبرةٍ على أنَّها عَشَرةُ أقفِزةٍ، فبانَتْ أقَلَّ، أو أكثَرَ، صَحَّ البَيعُ، ولا خِيارَ، والزِّيادةُ لِلبائِعِ، والنَّقصُ عليه، لعَدمِ الضَّرَرِ (٢).

стр. 3781

باب الخِياراتِ الخِيارُ في اللُّغةِ: اسمُ مَصدَرٍ مِنْ الاختِيارِ، وهو الاصطِفاءُ والِانتِقاءُ، والفِعلُ منهما اختارَ. وقَولُ القائِلِ: أنتَ بالخِيارِ، مَعناهُ: اختَرْ ما شِئتَ، فيُخيِّرُه بينَ الشَّيئَيْنِ، ومَعناهُ: فَوَّضَ إليه اختيارَ أحَدِهما. والخِيارُ في الِاصطِلاحِ هو: طَلَبُ خَيرِ الأمرَيْنِ مِنْ إمضاءِ العَقدِ أو فَسخِه، أو هو حَقُّ العاقِدِ في فَسخِ العَقدِ أو إمضائِه، لِظُهورِ مُسوِّغٍ شَرعيٍّ، أو بمُقتَضى اتِّفاقٍ عَقديٍّ. والأصلُ في البَيعِ اللُّزومُ؛ لأنَّ القَصدَ مِنه نَقلُ المِلْكِ، وقَضيةُ المِلْكِ التَّصرُّفُ، وكِلاهما فَرعُ اللُّزومِ، إلَّا أنَّ الشارِعَ أثبَتَ فيه الخِيارَ؛ رِفقًا بالمُتعاقدَيْنِ (١).

стр. 3782

أنواعُ الخِيارِ: الخِيارُ أنواعٌ، تَختلِفُ أقسامُه وأنواعُه مِنْ مَذهبٍ إلى آخَرَ، وبَعضُ أنواعِ الخِيارِ مُتَّفقٌ عليها بينَ العُلماءِ، وبَعضُها مُختلَفٌ عليها فيها بينَهم. وهي: خِيارُ المَجلِسِ، وخِيارُ الشَّرطِ، وخِيارُ الغَبنِ، وخِيارُ العَيبِ، وخِيارُ الرُّؤيةِ، وخِيارُ التَّصريةِ. وهي على التَّفصيلِ الآتي: النَّوعُ الأوَّلُ: خِيارُ المَجلِسِ: والمُرادُ بخِيارِ المَجلِسِ: أنْ يَكونَ لِكُلٍّ مِنْ المُتعاقدَيْنِ حَقُّ فَسخِ العَقدِ، وحَقُّ الرُّجوعِ عنِ البَيعِ -بعدَما تَمَّ، وانعقَد صَحيحًا- ما داما في المَجلِسِ الذي حصَل فيه عَقدُ البَيعِ، ولَم يَتفرَّقا عنه ببَدَنَيْهما مِنْ غيرِ إكراهٍ. فإذا تَفرَّقا عن مَجلِسِ العَقدِ مِنْ غيرِ فَسخٍ سقَط الخِيارُ، وأصبَحَ العَقدُ لازِمًا، ولَم يَكُنْ لِأحَدِهما رَدُّه إلَّا بعَيبٍ، أو خِيارِ شَرطٍ؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا تَبايَعَ الرَّجُلانِ فكلُّ واحِدٍ مِنهما بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا، وكانا جَميعًا، أو يُخيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ فتَبايَعا على ذلك فقد وجَب البَيعُ، وإنْ تَفرَّقا بعدَ أنْ تَبايَعا ولَم يَترُكْ واحِدٌ مِنهما البَيعَ، فقد وجَب البَيعُ» (١). وعنِ ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا، أو يَقولُ أحَدُهما لِصاحِبِه: اختَرْ، -ورُبَّما قالَ: - أو

стр. 3783

يَكونُ بَيعَ خِيارٍ» (١) وفي لَفظِ مُسلِمٍ: «البَيِّعانِ كلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ على صاحِبِه ما لَم يَتفرَّقا، إلَّا بَيعَ الخِيارِ» (٢)، جعَل ﷺ التَّفرُّقَ غايةً لِلخَيرِ، وما بعدَ الغايةِ يَجِبُ أنْ يَكونَ مُخالِفًا لِمَا قبلَها، إلَّا أنْ يَجِدَ بالسِّلعةِ عَيبًا فيَرُدَّها به، أو يَكونَ قد شرَط الخِيارَ لِنَفْسِه مُدَّةً مَعلومةً، فيَملِكَ الرَّدَّ أيضًا، قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في ثُبوتِ الرَّدِّ بهَذيْنِ الأمرَيْنِ (٣). وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ البَيعَ إذا وقَع وتَفرَّقا عن مَوضِعِ التَّبايُعِ ببَدَنَيْهما افتِراقًا غابَ فيه كلُّ واحِدٍ مِنهما عن صاحِبِه مَغيبَ تَركٍ لِذلك المَوضِعِ، وقد سلَّم البائِعُ ما باعَ إلى المُشتَرِي سالِمًا، لا عَيبَ فيه، دلَّس فيه أو لَم يُدَلِّسْ، وسلَّم المُشتَرِي الثَّمنَ إلى البائِعِ سالِمًا بلا عَيبٍ فإنَّ البَيعَ تَمَّ (٤). حُكمُ خِيارِ المَجلِسِ: اختلَف العُلماءُ في حُكمِ خِيارِ المَجلِسِ، هل يثبُتُ إلى انتِهاءِ المَجلِسِ وافتِراقِ المُتعاقدَيْنِ ببَدَنَيْهما، أو يَنقَضي بانتِهاءِ العَقدِ بإتمامِ الإيجابِ والقَبولِ؟ اختَلَفوا في ذلك على قَولَيْنِ: فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ البَيعَ يَتمُّ بالعَقدِ، فما دامَ البائِعُ

стр. 3784

والمُشتَرِي لَم يُتِمَّا العَقدَ مِنْ الإيجابِ والقَبولِ، يَجوزُ لِأحَدِهما أنْ يَرجِعَ في البَيعِ؛ فإنْ تَمَّ العَقدُ فلا خِيارَ لِأحَدِهما، وإنْ كانا في المَجلِسِ فإنْ حصَل الإيجابُ والقَبولُ في البَيعِ الصَّحيحِ لزِم البَيعُ، وإنْ لَم يَتِمَّ القَبضُ ويَثبُتَ المِلْكُ لِكُلٍّ منهما، ولا خِيارَ بالفَسخِ لِواحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ بعدَ القَبولِ في المَجلِسِ؛ لأنَّ في الفَسخِ إبطالَ حَقِّ الآخَرِ؛ فلا يَجوزُ، والتَّفرُّقُ المَقصودُ في قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا» (١) تَفرُّقُ الأقوالِ، لا تَفرُّقُ الأبدانِ؛ لقولِه ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» (٢). ووَجْهُ الدِّلالةِ أنَّه عبَّر عن المَنعِ مِنْ البَيعِ باستِيفاءِ المَبيعِ؛ فإذا استَوفَى جازَ البَيعُ، سَواءٌ استَوفَى في المَجلِسِ أو بعدَه. والبَيعُ لا يَجوزُ إلَّا بعدَ ثُبوتِ المِلْكِ، ولأنَّ البَيعَ عَقدُ مُعاوَضةٍ، فيَلزَمُ بالإيجابِ والقَبولِ، كالنِّكاحِ. ولقولِه ﷺ في بَعضِ الطُّرُقِ في أبي داوُدَ والدارَقُطنيِّ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا، إلَّا أنْ تَكونَ صَفقةَ خِيارٍ، ولا يَحِلُّ له أنْ يُفارِقَ صاحِبَه خَشيةَ أنْ يَستَقيلَه» (٣)، فلو كانَ خِيارُ المَجلِسِ مَشروعًا لَم يَحتَجْ لِلإقالةِ، فإنَّ مَنْ تَوجَّهتْ نَفْسُه يَختارُ الفَسخَ، ولمَّا صرَّح بما يَقتَضي احتياجُه لِلآخَرِ، وهو الإقالةُ، دَلَّ على بُطلانِ خِيارِ المَجلِسِ بعدَ العَقدِ، وإنَّما هو

стр. 3785

ثابِتٌ قبلَ العَقدِ، وإنَّ المُتَبايِعَيْنِ هما المُتَشاغِلانِ بالبَيعِ، كما تَقدَّمَ. ولأنَّه لو صَحَّ خِيارُ المَجلِسِ، لِتعذُّرِ تَوَلِّي واحِدٍ طَرَفَيِ العَقدِ، كشِراءِ الأبِ لِابنِه الصَّغيرِ والوَصيِّ والحاكِمِ؛ لأنَّ ذلك مُجمَعٌ عليه، فيَلزَمُ تَركُ العَمَلِ بالدَّليلِ. ولأنَّه عَقدٌ وقَع الرِّضا به، فيَبطُلُ خِيارُ المَجلِسِ فيه، كما بعدَ الإمضاءِ. ولأنَّ هذا عَمَلُ أهلِ المَدينةِ، وهو مُقدَّمٌ على خَبَرِ الواحِدِ. ولا يثبُتُ الخِيارُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهما إلَّا إذا كانَ مِنْ عَيبٍ، أو عَدَمِ رُؤيةٍ، أو خِيارِ الشَّرطِ. وقالَ أبو عمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: قد أكثَرَ المُتأخِّرونَ مِنْ المالِكيِّينَ والحَنَفيِّينَ مِنْ الِاحتِجاجِ لِمَذهبِهما في رَدِّ هذا الحَديثِ -أي: «المُتبايِعانِ بالخِيار ما لَم يَتفرَّقا» - بما يَطولُ ذِكرُه، وأكثَرُه تَشغيبٌ لا يُحصَلُ مِنه على شَيءٍ لازِمٍ لا مَدفَعَ له، ومِن جُملةِ ذلك أنَّهم نَزَعوا بالظَّواهِرِ، وليسَ ذلك مِنْ أصلِ مَذهبِهم، فاحتَجُّوا بعُمومِ قَولِ اللَّهِ : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، قالوا: وهذانِ قد تَعاقَدا، وفي هذا الحَديثِ إبطالُ الوَفاءِ بالعَقدِ، وبعُمومِ قَولِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» (١)، قالوا: فقد أطلَقَ بَيعَه، إذا استَوفاه قبلَ التَّفرُّقِ وبعدَه، وبأحاديثَ كَثيرةٍ مِثلِ هذا، فيها إطلاقُ البَيعِ دونَ ذِكرِ التَّفرُّقِ، وهذه ظَواهِرُ، وعُمومٌ، لا يُعتَرَضُ بمِثلِها على الخُصوصِ والنُّصوصِ، وباللَّهِ التَّوفيقُ.
следующие страницы →