← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

باب الخِياراتِ الخِيارُ في اللُّغةِ: اسمُ مَصدَرٍ مِنْ الاختِيارِ، وهو الاصطِفاءُ والِانتِقاءُ، والفِعلُ منهما اختارَ. وقَولُ القائِلِ: أنتَ بالخِيارِ، مَعناهُ: اختَرْ ما شِئتَ، فيُخيِّرُه بينَ الشَّيئَيْنِ، ومَعناهُ: فَوَّضَ إليه اختيارَ أحَدِهما. والخِيارُ في الِاصطِلاحِ هو: طَلَبُ خَيرِ الأمرَيْنِ مِنْ إمضاءِ العَقدِ أو فَسخِه، أو هو حَقُّ العاقِدِ في فَسخِ العَقدِ أو إمضائِه، لِظُهورِ مُسوِّغٍ شَرعيٍّ، أو بمُقتَضى اتِّفاقٍ عَقديٍّ. والأصلُ في البَيعِ اللُّزومُ؛ لأنَّ القَصدَ مِنه نَقلُ المِلْكِ، وقَضيةُ المِلْكِ التَّصرُّفُ، وكِلاهما فَرعُ اللُّزومِ، إلَّا أنَّ الشارِعَ أثبَتَ فيه الخِيارَ؛ رِفقًا بالمُتعاقدَيْنِ (١).

стр. 3782

أنواعُ الخِيارِ: الخِيارُ أنواعٌ، تَختلِفُ أقسامُه وأنواعُه مِنْ مَذهبٍ إلى آخَرَ، وبَعضُ أنواعِ الخِيارِ مُتَّفقٌ عليها بينَ العُلماءِ، وبَعضُها مُختلَفٌ عليها فيها بينَهم. وهي: خِيارُ المَجلِسِ، وخِيارُ الشَّرطِ، وخِيارُ الغَبنِ، وخِيارُ العَيبِ، وخِيارُ الرُّؤيةِ، وخِيارُ التَّصريةِ. وهي على التَّفصيلِ الآتي: النَّوعُ الأوَّلُ: خِيارُ المَجلِسِ: والمُرادُ بخِيارِ المَجلِسِ: أنْ يَكونَ لِكُلٍّ مِنْ المُتعاقدَيْنِ حَقُّ فَسخِ العَقدِ، وحَقُّ الرُّجوعِ عنِ البَيعِ -بعدَما تَمَّ، وانعقَد صَحيحًا- ما داما في المَجلِسِ الذي حصَل فيه عَقدُ البَيعِ، ولَم يَتفرَّقا عنه ببَدَنَيْهما مِنْ غيرِ إكراهٍ. فإذا تَفرَّقا عن مَجلِسِ العَقدِ مِنْ غيرِ فَسخٍ سقَط الخِيارُ، وأصبَحَ العَقدُ لازِمًا، ولَم يَكُنْ لِأحَدِهما رَدُّه إلَّا بعَيبٍ، أو خِيارِ شَرطٍ؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا تَبايَعَ الرَّجُلانِ فكلُّ واحِدٍ مِنهما بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا، وكانا جَميعًا، أو يُخيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ فتَبايَعا على ذلك فقد وجَب البَيعُ، وإنْ تَفرَّقا بعدَ أنْ تَبايَعا ولَم يَترُكْ واحِدٌ مِنهما البَيعَ، فقد وجَب البَيعُ» (١). وعنِ ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا، أو يَقولُ أحَدُهما لِصاحِبِه: اختَرْ، -ورُبَّما قالَ: - أو

стр. 3783

يَكونُ بَيعَ خِيارٍ» (١) وفي لَفظِ مُسلِمٍ: «البَيِّعانِ كلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ على صاحِبِه ما لَم يَتفرَّقا، إلَّا بَيعَ الخِيارِ» (٢)، جعَل ﷺ التَّفرُّقَ غايةً لِلخَيرِ، وما بعدَ الغايةِ يَجِبُ أنْ يَكونَ مُخالِفًا لِمَا قبلَها، إلَّا أنْ يَجِدَ بالسِّلعةِ عَيبًا فيَرُدَّها به، أو يَكونَ قد شرَط الخِيارَ لِنَفْسِه مُدَّةً مَعلومةً، فيَملِكَ الرَّدَّ أيضًا، قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في ثُبوتِ الرَّدِّ بهَذيْنِ الأمرَيْنِ (٣). وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ البَيعَ إذا وقَع وتَفرَّقا عن مَوضِعِ التَّبايُعِ ببَدَنَيْهما افتِراقًا غابَ فيه كلُّ واحِدٍ مِنهما عن صاحِبِه مَغيبَ تَركٍ لِذلك المَوضِعِ، وقد سلَّم البائِعُ ما باعَ إلى المُشتَرِي سالِمًا، لا عَيبَ فيه، دلَّس فيه أو لَم يُدَلِّسْ، وسلَّم المُشتَرِي الثَّمنَ إلى البائِعِ سالِمًا بلا عَيبٍ فإنَّ البَيعَ تَمَّ (٤). حُكمُ خِيارِ المَجلِسِ: اختلَف العُلماءُ في حُكمِ خِيارِ المَجلِسِ، هل يثبُتُ إلى انتِهاءِ المَجلِسِ وافتِراقِ المُتعاقدَيْنِ ببَدَنَيْهما، أو يَنقَضي بانتِهاءِ العَقدِ بإتمامِ الإيجابِ والقَبولِ؟ اختَلَفوا في ذلك على قَولَيْنِ: فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ البَيعَ يَتمُّ بالعَقدِ، فما دامَ البائِعُ

стр. 3784

والمُشتَرِي لَم يُتِمَّا العَقدَ مِنْ الإيجابِ والقَبولِ، يَجوزُ لِأحَدِهما أنْ يَرجِعَ في البَيعِ؛ فإنْ تَمَّ العَقدُ فلا خِيارَ لِأحَدِهما، وإنْ كانا في المَجلِسِ فإنْ حصَل الإيجابُ والقَبولُ في البَيعِ الصَّحيحِ لزِم البَيعُ، وإنْ لَم يَتِمَّ القَبضُ ويَثبُتَ المِلْكُ لِكُلٍّ منهما، ولا خِيارَ بالفَسخِ لِواحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ بعدَ القَبولِ في المَجلِسِ؛ لأنَّ في الفَسخِ إبطالَ حَقِّ الآخَرِ؛ فلا يَجوزُ، والتَّفرُّقُ المَقصودُ في قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا» (١) تَفرُّقُ الأقوالِ، لا تَفرُّقُ الأبدانِ؛ لقولِه ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» (٢). ووَجْهُ الدِّلالةِ أنَّه عبَّر عن المَنعِ مِنْ البَيعِ باستِيفاءِ المَبيعِ؛ فإذا استَوفَى جازَ البَيعُ، سَواءٌ استَوفَى في المَجلِسِ أو بعدَه. والبَيعُ لا يَجوزُ إلَّا بعدَ ثُبوتِ المِلْكِ، ولأنَّ البَيعَ عَقدُ مُعاوَضةٍ، فيَلزَمُ بالإيجابِ والقَبولِ، كالنِّكاحِ. ولقولِه ﷺ في بَعضِ الطُّرُقِ في أبي داوُدَ والدارَقُطنيِّ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا، إلَّا أنْ تَكونَ صَفقةَ خِيارٍ، ولا يَحِلُّ له أنْ يُفارِقَ صاحِبَه خَشيةَ أنْ يَستَقيلَه» (٣)، فلو كانَ خِيارُ المَجلِسِ مَشروعًا لَم يَحتَجْ لِلإقالةِ، فإنَّ مَنْ تَوجَّهتْ نَفْسُه يَختارُ الفَسخَ، ولمَّا صرَّح بما يَقتَضي احتياجُه لِلآخَرِ، وهو الإقالةُ، دَلَّ على بُطلانِ خِيارِ المَجلِسِ بعدَ العَقدِ، وإنَّما هو

стр. 3785

ثابِتٌ قبلَ العَقدِ، وإنَّ المُتَبايِعَيْنِ هما المُتَشاغِلانِ بالبَيعِ، كما تَقدَّمَ. ولأنَّه لو صَحَّ خِيارُ المَجلِسِ، لِتعذُّرِ تَوَلِّي واحِدٍ طَرَفَيِ العَقدِ، كشِراءِ الأبِ لِابنِه الصَّغيرِ والوَصيِّ والحاكِمِ؛ لأنَّ ذلك مُجمَعٌ عليه، فيَلزَمُ تَركُ العَمَلِ بالدَّليلِ. ولأنَّه عَقدٌ وقَع الرِّضا به، فيَبطُلُ خِيارُ المَجلِسِ فيه، كما بعدَ الإمضاءِ. ولأنَّ هذا عَمَلُ أهلِ المَدينةِ، وهو مُقدَّمٌ على خَبَرِ الواحِدِ. ولا يثبُتُ الخِيارُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهما إلَّا إذا كانَ مِنْ عَيبٍ، أو عَدَمِ رُؤيةٍ، أو خِيارِ الشَّرطِ. وقالَ أبو عمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: قد أكثَرَ المُتأخِّرونَ مِنْ المالِكيِّينَ والحَنَفيِّينَ مِنْ الِاحتِجاجِ لِمَذهبِهما في رَدِّ هذا الحَديثِ -أي: «المُتبايِعانِ بالخِيار ما لَم يَتفرَّقا» - بما يَطولُ ذِكرُه، وأكثَرُه تَشغيبٌ لا يُحصَلُ مِنه على شَيءٍ لازِمٍ لا مَدفَعَ له، ومِن جُملةِ ذلك أنَّهم نَزَعوا بالظَّواهِرِ، وليسَ ذلك مِنْ أصلِ مَذهبِهم، فاحتَجُّوا بعُمومِ قَولِ اللَّهِ : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، قالوا: وهذانِ قد تَعاقَدا، وفي هذا الحَديثِ إبطالُ الوَفاءِ بالعَقدِ، وبعُمومِ قَولِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» (١)، قالوا: فقد أطلَقَ بَيعَه، إذا استَوفاه قبلَ التَّفرُّقِ وبعدَه، وبأحاديثَ كَثيرةٍ مِثلِ هذا، فيها إطلاقُ البَيعِ دونَ ذِكرِ التَّفرُّقِ، وهذه ظَواهِرُ، وعُمومٌ، لا يُعتَرَضُ بمِثلِها على الخُصوصِ والنُّصوصِ، وباللَّهِ التَّوفيقُ.

стр. 3786

واحتَجُّوا أيضًا باللُّقَطةِ، رَواه عَمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، ولا يَحِلُّ له أنْ يُفارِقَ صاحِبَه خَشيةَ أنْ يَستَقيلَه» (١). قالوا: فهذا يَدلُّ على أنَّه قد تَمَّ البَيعُ بينَهما قبلَ الِافتِراقِ؛ لأنَّ الإقالةَ لا تَصحُّ إلَّا فيما قد تَمَّ مِنْ البُيوعِ. وقالوا: قد يَكونُ التَّفرُّقُ بالكَلامِ كعَقدِ النِّكاحِ وشِبهِه، وكوُقوعِ الطَّلاقِ الذي قد سَمَّاه اللَّهُ فِراقًا، والتَّفرُّقُ والكَلامُ في لِسانِ العَرَبِ مَعروفٌ أيضًا، كما هو بالأبدانِ، وتَعَلَّلوا بقَولِ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] وقَولِه : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]، ويَقولُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «تَفتَرِقُ أُمَّتي … »، لَم يَرِدْ بأبدانِهم. قالوا: ولمَّا كانَ الِاجتِماعُ بالأبدانِ لا يُؤثِّرُ في البَيعِ، كذلك الِافتِراقُ لا يُؤثِّرُ في البَيعِ. وقالوا: إنَّما أرادَ بقَولِه: «المُتبايِعانِ بالخِيارِ»، المُتساوِمَيْنِ، قالَ: ولا يُقالُ لَهما: (مُتبايِعانِ) إلَّا ما داما في حالِ فِعلِ التَّبايُعِ، فإذا وجَب البَيعُ لَم يُسَمَّيا مُتبايِعَيْنِ، وإنَّما يُقالُ: كانا مُتبايِعَيْنِ مثلَ ذلك المُصَلِّي والآكِلِ والشارِبِ والصائِمِ، فإذا انقَضى فِعلُه ذلك قيلَ: كانَ صائِمًا، وكانَ آكِلًا ومُصلِّيًا وشارِبًا، ولَم يُقَلْ: إنَّه صائِمٌ أو مُصَلٍّ أو آكِلٌ أو شارِبٌ إلَّا مَجازًا،

стр. 3787

أو تَقريبًا واتِّساعًا، وهذا لا وَجْهَ له في الأحكامِ، قالوا: فهذا يَدلُّ على أنَّه أرادَ بقَولِه: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، والمُتَبايِعانِ بالخِيار ما لَم يَتفَرَّقا»، المُتساوِمَيْنِ، وعن أبي يُوسفَ القاضي نَصًّا أنَّه قالَ: هما المُتساوِمانِ، قالَ: فإذا قالَ: بِعتُكَ بعَشَرةٍ فلِلمُشتَرِي الخِيارُ في القَبولِ في المَجلِسِ قبلَ الِافتِراقِ، ولِلبائِعِ خِيارُ الرُّجوعِ في قَولِه قبلَ قَبولِ المُشتَرِي ورُويَ عن عيسى بنِ أبانَ نَحوُه أيضًا. وقالَ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ: مَعنَى قَولِه في الحَديثِ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا» أنَّ البائِعَ إذا قالَ: قد بِعتُكَ فله أنْ يَرجِعَ ما لَم يَقُلِ المُشتَرِي: قد قَبِلتُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، وقد رُويَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه كانَ يَرُدُّ هذا الخَبَرَ باعتِبارِه إيَّاه على أُصولِه كسائِرِ فِعلِه في أخبارِ الآحادِ، فكانَ يَعرِضُها على الأُصولِ المُجتَمَعِ عليها عندَه، ويَجتهِدُ في قَبولِها أو رَدِّها؛ فهذا أصْلُه في أخبارِ الآحادِ، ورُويَ عنه أنَّه كانَ يَقولُ في رَدِّ هذا الحَديثِ: أرَأيتَ إنْ كانا في سَفينةٍ؟ أرَأيتَ إنْ كانا في سِجنٍ، أو قَيدٍ؟ كيفَ يَفتَرِقانِ؟ إذَنْ لا يَصحُّ بينَ هَؤُلاءِ بَيعٌ أبَدًا، وهذا ممَّا عِيبَ به أبو حَنيفةَ، وهو أكبَرُ عُيوبِه وأشَدُّ ذُنوبِه عندَ أهلِ الحَديثِ النَّاقِلينَ لِمَثالِبِه باعتِراضِه الآثارَ الصَّحيحةَ، ورَدِّه إيَّاها برَأْيِه … وقالَ مالِكٌ: لا خِيارَ لِلمُتبايِعَيْنِ إذا عُقِدَ البَيعُ بكَلامٍ، وإنْ لَم يَفتَرِقا، وذكَر ابن خُوَيْزِمَنْدَادَ عن مالِكٍ في مَعنَى أنَّ البائِعَيْنِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، نصَّ ما ذَكَرْناه عن مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ وأبي حَنيفةَ (١) …

стр. 3788

وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والظاهِريَّةُ إلى أنَّه إذا انعقَد البَيعُ ثبَت لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ المُتبايِعَيْنِ الخِيارُ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ، وإنْ لَم يَشتَرِطْه في البَيعِ إلى أنْ يَتفرَّقا مِنْ غيرِ إكراهٍ أو بالتَّخايُرِ مِنْ العاقِدَيْنِ بأنْ يَختارا لُزومَ العَقدِ بلَفظِ: تَخايَرْنا، أو اختَرْنا، أو غيرِه، كقَولِهما: أمضَيْنا العَقدَ، أو ألزَمْناه، أو أبطَلْنا الخِيارَ، أو أفسَدناه؛ لأنَّه حَقُّهما، فيَسقُطُ بإسقاطِهما، كخِيارِ الشَّرطِ، ولو اختارَ أحَدُهما لُزومَه سقَط حَقُّه مِنْ الخِيارِ، وبَقيَ الحَقُّ فيه لِلآخَرِ، كخِيارِ الشَّرطِ، كما هو مَذهبُ الحَنابِلةِ والصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ (١)؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا تَبايَعَ الرَّجُلانِ فكلُّ واحِدٍ مِنهما بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، وكانا جَميعًا، أو يُخيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ فتَبايَعا على ذَلكِ فقد وجَب البَيعُ، وإنْ تَفرَّقا بعدَ أنْ تَبايَعا ولَم يَترُكْ واحِدٌ مِنهما البَيعَ فقد وجَب البَيعُ» (٢). وعن ابنِ عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، أو يَقولُ أحَدُهما لِصاحِبِه: اختَرْ، -ورُبَّما قالَ: - أو

стр. 3789

يَكونُ بَيعَ خِيارٍ» (١). وفي لَفظِ مُسلِمٍ: «البَيِّعانِ كلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ على صاحِبِه ما لَم يَتفَرَّقا، إلَّا بَيعَ الخِيارِ» (٢). وعن ابنِ عمرَ ﵁ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لا بَيعَ بينَهما حتى يَتفَرَّقا، أو يَكونُ خِيارًا» (٣). وعن ابنِ جُرَيجٍ قالَ: أملَى عَلَيَّ نافِعٌ في ألواحي قالَ: سَمِعتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ ﵁ يَقولُ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا تَبايَعَ المُتبايِعانِ البَيعَ فكلُّ واحِدٍ مِنهما بالخِيارِ مِنْ بَيعِه ما لَم يَتفَرَّقا، أو يَكُنْ بَيعُهما عن خِيارٍ». قالَ نافِعٌ: فكانَ ابنُ عمرَ ﵁ إذا ابتاعَ البَيعَ فأرادَ أنْ يَجِبَ له، مَشَى قَليلًا ثم رجَع (٤). وعن أبي الوَضيءِ قالَ: غَزَوْنا غَزوةً لَنا، فنَزَلْنا مَنزِلًا، فباعَ صاحِبٌ لَنا فَرَسًا بغُلامٍ، ثم أقاما بَقيَّةَ يَومِهما ولَيلَتِهما فلمَّا أصبَحا مِنْ الغَدِ حضَر الرَّحيلُ فقامَ إلى فَرَسِه يُسرِجُه، فنَدِمَ فأتى الرَّجُلُ وأخَذه بالبَيعِ فأبى الرَّجُلُ أنْ يَدفَعَه إليه، فقالَ: بَيني وبينَكَ أبو بَرزةَ ﵁ صاحِبُ النَّبيِّ ﷺ فأتَيا أبا بَرزةَ ﵁ في ناحيةِ العَسكَرِ، فقالا له هذه القِصَّةَ، فقالَ ﵁: أتَرضَيانِ أنْ أقضيَ بينَكما بقَضاءِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ؟

стр. 3790

قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا»، ما أُراكُما افتَرَقتُما (١). ومِن طَريقِ البُخاريِّ عن سالِمِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ عن أبيه ﵁ قالَ: بِعتُ مِنْ أميرِ المُؤمِنينَ عُثمانَ مالًا بالوادي بمالٍ له بخَيبَرَ؛ فلمَّا تَبايَعْنا رَجَعتُ على عَقِبَيَّ حتى خَرَجتُ مِنْ بَيتِه؛ خَشيةَ أنْ يُرادَّني البَيعَ، وكانَتِ السُّنةُ أنَّ المُتَبايِعَيْنِ بالخِيارِ حتى يَتفَرَّقا (٢). وعن سالِمِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ قالَ: قالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ ﵁: كُنَّا إذا تَبايَعْنا كانَ كلُّ واحِدٍ مِنَّا بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقِ المُتبايِعانِ، فتَبايَعتُ أنا وعُثمانُ بنُ عَفَّانَ، فبِعتُه مالًا لي بالوادي بمالٍ له بخَيبَرَ؛ فلمَّا بايَعتُه طَفِقتُ أنكُصُ على عَقِبَيَّ القَهقَرَى؛ خَشيةَ أنْ يُرادَّني عُثمانُ البَيعَ قبلَ أنْ أُفارِقَه (٣). وهذه الأحاديثُ صَريحةٌ في هذا أنَّ لِكُلٍّ مِنْ المُتعاقدَيْنِ الفَسخَ ما داما في المَجلِسِ، ولأنَّه عَقْدٌ قُصِدَ به تَمليكُ المالِ، فلا يَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ، كالهِبةِ. ومَعنَى قَولِه ﷺ : «إلا بَيعَ الخِيارِ» (٤)، المُرادُ التَّخييرُ بعدَ تَمامِ

стр. 3791

العَقدِ قبلَ مُفارَقةِ المَجلِسِ، وتَقديرُه: يثبُتُ لَهما الخِيارُ ما لَم يَتفَرَّقا، إلَّا أنْ يَتَخايَرا في المَجلِسِ، ويَختارا إمضاءَ البَيعِ، فيَلزَمَ البَيعُ بالتَّخايُرِ نَفْسِه، ولا يَدومُ إلى المُفارَقةِ (١).

стр. 3792

صِفةُ التَّفرُّقِ: قالَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ -وهُم القائِلونَ بخِيارِ المَجلِسِ-: لِكُلٍّ مِنْ المُتبايِعَيْنِ الخِيارُ ما لَم يَتفَرَّقا ببَدَنَيْهما، ولو أقاما فيه شَهرًا أو أكثَرَ، والمَرجِعُ في التَّفرُّقِ إلى عُرفِ النَّاسِ وعاداتِهم فيما يَعُدُّونَه تَفرُّقًا. لأنَّ الشارِعَ علَّق عليه حُكمًا، ولَم يُبَيِّنْه، فدَلَّ ذلك على أنَّه أرادَ ما يَعرِفُه النَّاسُ، كالقَبضِ والإحرازِ، فإنْ كانا في فَضاءٍ واسِعٍ، كالمَسجِدِ الكَبيرِ والصَّحراءِ، فبِأنْ يَمشيَ أحَدُهما مُستَدبِرًا لِصاحِبِه خُطواتٍ. وقيلَ: هو أنْ يَبعُدَ مِنه بحيثُ لا يَسمَعُ كَلامَه الذي يَتكلَّمُ به في العادةِ. قالَ أبو الحارِثِ: سُئلَ أحمدُ عن تَفرِقةِ الأبدانِ، فقالَ: إذا أخَذ هذا كذا وهذا كذا فقد تَفرَّقا. ورَوى مُسلِمٌ عن نافِعٍ ﵁ قالَ: فكانَ ابنُ عمرَ ﵁ إذا بايَعَ فأرادَ ألَّا يُقيلَه مَشَى هُنَيهةً ثم رجَع. وإن كانا في دارٍ كَبيرةٍ ذاتِ مَجالِسَ وبُيوتٍ فالمُفارَقةُ أنْ يُفارِقَه مِنْ بَيتٍ إلى بَيتٍ، أو إلى مَجلِسٍ، أو صِفةٍ، أو مِنْ مَجلِسٍ إلى بَيتٍ، أو نَحوِ ذلك، فإنْ كانا في دارٍ صَغيرةٍ فإذا صَعِدَ أحَدُهما السَّطحَ أو خرَج مِنها فقد فارَقَه.

стр. 3793

وإنْ كانا في سَفينةٍ صَغيرةٍ خرَج أحَدُهما منها ومَشَى، وإنْ كانَتْ كَبيرةً صَعِدَ أحَدُهما أعلاها، ونَزَلَ الآخَرُ أسفَلَها، وهذا كُلُّه مَذهبُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَتَى حصَل التَّفرُّقُ لزِم العَقدُ، سواءٌ قصَدا ذلك أو لَم يَقصِداه، عَلِماه أو جَهِلاه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّق الخِيارَ على التَّفرُّقِ، وقد وُجدَ. ولو هَرَبَ أحَدُهما مِنْ صاحِبِه لزِم العَقدُ؛ لأنَّه فارَقَه باختيارِه، ولا يَقِفُ لُزومُ العَقدِ على رِضاهما، ولِهذا كانَ ابنُ عمرَ ﵄ يُفارِقُ صاحِبَه؛ لِيَلزَمَ البَيعُ. ولو أقاما في المَجلِسِ وسَدَلا بينَهما سِترًا، أو بينَهما حاجِزًا، أو ناما، أو قاما فمَضَيا جَميعًا ولَم يَتفَرَّقا فالخِيارُ بحالِه، وإنْ طالَتِ المُدَّةُ؛ لعَدمِ التَّفرُّقِ، ورَوى أبو داوُدَ والأثرَمُ بإسنادِهما عن أبي الوَضيءِ قالَ: غَزَوْنا غَزوةً لَنا فنَزَلْنا مَنزِلًا، فباعَ صاحِبٌ لَنا فَرَسًا بغُلامٍ، ثم أقاما بَقيَّةَ يَومِهما ولَيلَتِهما، فلمَّا أصبَحا مِنْ الغَدِ حضَر الرَّحيلُ، فقامَ إلى فَرَسِه يُسرِجُه، فنَدِمَ، فأتى الرَّجُلَ وأخَذه بالبَيعِ، فأبى الرَّجُلُ أنْ يَدفَعَه إليه، فقالَ: بَيني وبينَكَ أبو بَرزةَ ﵁ صاحِبُ النَّبيِّ ﷺ ، فأتَيا أبا بَرزةَ ﵁ في ناحيةِ العَسكَرِ، فقالا له هذه القِصَّةَ، فقالَ: أتَرضَيانِ أنْ أقضيَ بينَكُما بقَضاءِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، ما أُراكُما افترَقتُما» (١).

стр. 3794

فَإنْ فارَقَ أحَدُهما الآخَرَ مُكرَهًا احتَمَلَ بُطلانَ الخِيارِ؛ لِوُجودِ غايَتِه، وهي التَّفرُّقُ، ولأنَّه يُعتبَرُ رِضاه في مُفارَقةِ صاحِبِه له، فكذلك في مُفارَقَتِه لِصاحِبِه، وقالَ القاضي: لا يَنقطِعُ الخِيارُ؛ لأنَّه حُكمٌ عُلِّقَ على التَّفرُّقِ، فلَم يَثبُتْ مع الإكراهِ، كما لو عُلِّقَ عليه الطَّلاقُ، ولِأصحابِ الشافِعيِّ وَجهانِ كهذَيْنِ. فعلى قَولِ مَنْ لا يَرَى انقِطاعَ الخِيارِ إنْ أُكرِهَ أحَدُهما على فُرقةِ صاحِبِه انقطَع خِيارُ صاحِبِه، كما لو هَرَبَ مِنه وفارَقَه بغيرِ رِضاه. ويَكونُ الخِيارُ لِلمُكرَهِ منهما في المَجلِسِ الذي يَزولُ عنه فيه الإكراهُ حتى يُفارِقَه، وإنْ أُكرِها جَميعًا انقطَع خِيارهُما؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَنقطِعُ خِيارُه بفُرقةِ الآخَرِ له، فأشبَهَ ما لو أُكرِهَ صاحِبُه دُونَه. وذكَر ابنُ عَقيلٍ مِنْ صُوَرِ الإكراهِ ما لو رَأيا سَبُعًا أو ظالِمًا خَشياه فهَرَبا فَزَعًا مِنه، أو حَملَهما سَيلٌ، أو فَرقَّتْ رِيحٌ بينَهما (١). الحُكمُ فيما إذا كانَ المُشتَرِي هو البائِعَ: اختلَف الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ فيما إذا كانَ المُشتَرِي هو البائِعَ، هل يثبُتُ له الخِيارُ أو لا؟ فقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ: إنْ كانَ المُشتَرِي هو

стр. 3795

البائِعَ، مثلَ أنْ يَشتَريَ لِنَفْسِه مِنْ مالِ وَلَدِه، أو اشتَرَى لِوَلَدِه مِنْ مالِ نَفْسِه، لَم يَثبُتْ فيه خِيارُ المَجلِسِ؛ لأنَّه تَولَّى طَرَفَيِ العَقدِ، فلَم يَثبُتْ له خِيارٌ، كالشَّفيعِ. وذهَب الشافِعيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ خِيارَ المَجلِسِ يثبُتُ، ولا يَلزَمُ العَقدُ إلَّا بمُفارَقةِ الأبِ مَجلِسَ العَقدِ، أو باختيارِه لِلإمضاءِ؛ لأنَّه لمَّا قامَ مَقامَ الِابنِ في العَقدِ قامَ مَقامَه في خِيارِ المَجلِسِ؛ لأنَّ الِافتِراقَ لا يُمكِنُ ههُنا؛ لِكَونِ البائِعِ هو المُشتَريَ. وفي قَولٍ ثالِثٍ لِلشافِعيَّةِ وهو قَولٌ لِلحَنابِلةِ أنَّ الخِيارَ يثبُتُ، ولكنْ لا يَلزَمُ إلَّا بالِاختيارِ بالقَولِ، ولا يَلزَمُ بمُفارَقَتِه مَجلِسَ العَقدِ؛ لأنَّه لمَّا كانَ هو العاقِدَ -لا غيرُ- كانَ كالمُتبايِعَيْنِ إذا قاما مِنْ مَجلِسِهما إلى مَجلِسٍ آخَرَ، وتَرافَقا إلى مَكانٍ بَعيدٍ، فلا يَبطُلُ خِيارُهما ما لَم يَتفَرَّقا، إلَّا بالتَّخايُرِ (١). لو تَبايَعا على نَفْيِ خِيارِ المَجلِسِ: اختلَف العُلماءُ فيما لو تَبايَعا وشرَطا نَفْيَ خِيارِ المَجلِسِ، هل يَبطُلُ البَيعُ أو لا؟ فقالَ الشافِعيَّةُ في أصَحِّ الأوْجُهِ عندَهم والحَنابِلةُ في قَولٍ: البَيعُ باطِلٌ؛ لأنَّه يُنافي مُقتَضاه، فأشبَهَ ما لو شرَط ألَّا يُسلِّمَ المَبيعَ.

стр. 3796

وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في وَجْهٍ إلى أنَّ البَيعَ صَحيحٌ، ويَسقُطُ الخِيارُ. وقالَ الشافِعيَّةُ في الوَجْهِ الثَّالثِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ: إنَّ البَيعَ صَحيحٌ، والخِيارَ ثابِتٌ؛ لِعُمومِ الخَبَرِ (١). مَوتُ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ في المَجلِسِ: اختلَف العُلماءُ فيما إذا ماتَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ في المَجلِسِ، هل يثبُتُ الخِيارُ لِوارِثِه أو يَبطُلُ الخِيارُ؟ على قَولَيْنِ: فذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه إذا باعَ وماتَ في المَجلِسِ وجَب البَيعُ، وسقَط الخِيارُ؛ لأنَّ المَوتَ أعظَمُ الفُرقَتَيْنِ؛ لأنَّه أبلَغُ في المُفارَقةِ مِنْ مُفارَقَتِه بالبَدَنِ، والمَيِّتُ في حُكمِ التَّصرُّفاتِ كالمَعدومِ. وذهَب الشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الخِيارَ لا يَنقَطِعُ بمَوتِه، ويثبُتُ الخِيارُ لِلوارِثِ، كخِيارِ الشَّرطِ، والرَّدِّ بالعَيبِ؛ لأنَّه حَقٌّ ثابِتٌ قاطَعَه في الحَديثِ التَّفرُّقُ، وهذا ليسَ تَفرُّقًا إطلاقًا؛ فالوَجْهُ إبقاءُ الخِيارِ لِوارِثِه، ولأنَّ الوارِثَ يَنوبُ مَنابَ المُورِّثِ، وكأنَّه هو؛ فإذا خَلَفَه كانَ بمَثابةِ المَيِّتِ.

стр. 3797

ولو ماتَ العاقِدانِ في المَجلِسِ ففي انتِقالِ الخِيارِ إلى وارِثَيْهما الخِلافُ المَذكورُ في مَوتِ أحَدِهما. قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: فإنْ لَم يَثبُتِ الخِيارُ لِلوارِثِ فقد انقطَع خِيارُ المَيِّتِ، وأمَّا العاقِدُ الآخَرُ الحَيُّ فذكَر البَغوَيُّ ﵀ أنَّ خِيارَه لا يَنقطِعُ حتى يُفارِقَ ذلك المَجلِسَ، وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ ﵀: يَلزَمُ العَقدُ مِنْ الجانِبَيْنِ. قالَ الرَّافِعيُّ ﵀: ويَجوزُ تَقريرُ خِلافٍ؛ لِمَا سبَق أنَّ هذا الخِيارَ لا يَتبعَّضُ سُقوطُه، كمَوتِه، وذكَر القاضي حُسَينٌ ﵀ فيه وُجوهًا: أحَدُها: يَمتَدُّ إلى أنْ يُفارِقَ مَجلِسَه ثم يَنقَطِعُ. والثَّاني: يَبقَى إلى أنْ يَجتَمِعَ هو والوارِثُ الآخَرُ. والثَّالثُ: يَمتَدُّ إلى مُفارَقَتِه مَجلِسَ العَقدِ، وهذا هو الصَّحيحُ، وهو الذي جَزَمَ به البَغَويُّ ﵀، وحَكَى الرُّويانيُّ وَجهًا رابِعًا أنَّه يَنقَطِعُ خِيارُه بمَوتِ صاحِبِه؛ فإذا بلَغ الخَبَرُ وارِثَه حدَث لِهَذا الحَيِّ الخِيارُ معه، وهذا شاذٌّ ضَعيفٌ. فإنْ قُلْنا: يثبُتُ الخِيارُ لِلوارِثِ فإنْ كانَ حاضِرًا في المَجلِسِ امتَدَّ الخِيارُ بينَه وبينَ العاقِدِ الآخَرِ، حتى يَتفَرَّقا أو يَتَخايَرا، وإنْ كانَ غائِبًا فله الخِيارُ إذا وَصَلَه الخَبَرُ، وهل هو على الفَورِ أو يَمتَدُّ امتِدادَ مَجلِسِ بُلوغِ الخَبَرِ إليه؟ فيه وَجهانِ، كالوَجهَيْنِ في خِيارِ الشَّرطِ إذا وَرِثَه الوارِثُ، وبلَغه الخَبَرُ بعدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الخِيارِ؛ ففي وَجْهٍ هو على الفَورِ، وفي وَجْهٍ يَمتَدُّ كما كانَ يَمتَدُّ لِلمَيِّتِ لو بَقيَ (١).

стр. 3798

فيمَ يثبُتُ خِيارُ المَجلِسِ؟ قالَ الشافِعيَّةُ: العُقودُ التي يثبُتُ فيها الخِيارُ، والَّتي لا يثبُتُ فيها، مِنها: ١ - الصَّرفُ والسَّلَمُ يثبُتُ فيهما خِيارُ المَجلِسِ، وهو المَذهبُ عندَ الحنابِلةِ، وهو ثابِتٌ في كلِّ بَيعٍ؛ لقولِه ﷺ : «المُتبايِعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا»، وهذانِ مُتبايِعانِ، ولا يثبُتُ فيهما خِيارُ الشَّرطِ؛ لأنَّهما يَفتقِرانِ إلى القَبضِ في المَجلِسِ؛ فلو أثبَتْنا فيهما خِيارَ الشَّرطِ أدَّى إلى أنْ يَفتَرِقا قبلَ تَمامِهما؛ فلَم يَصحَّ. ٢ - الصُّلحُ: وهو على ثَلاثةِ أضرُبٍ: صُلحٌ هو حَطيطةٌ، وصُلْحٌ بمَعنَى البَيعِ، وصُلْحٌ بمَعنَى الإجارةِ. فأمَّا صُلحُ الحَطيطةِ فبِأنْ يَدَّعيَ عليه ألْفًا؛ فيُقِرَّ له بها، ثم يُبرِئَه مِنْ بَعضِها، ويَأخُذَ مِنه البَقيَّةَ؛ فلا خِيارَ فيه، كالإبراءِ. وأمَّا صُلحُ البَيعِ فبِأنْ يُعطيَه بالألْفِ عَينًا؛ فهذا بَيعٌ يثبُتُ فيه الخِيارانِ، كالبَيعِ. وأمَّا صُلحُ الإجارةِ فبِأنْ يُملِّكَه مَنفَعةً عَينٍ مِنْ أعيانِ أموالِه بالألْفِ؛ فهذا كالإجارةِ، على ما يَأتي. ٣ - وأمَّا الحَوالةُ فلا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ.

стр. 3799

وفي خِيارِ المَجلِسِ وَجهانِ: أحَدُهما: يثبُتُ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ في الحَقيقةِ. والآخَرُ: لا يثبُتُ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّها تَجري مَجرَى الإبراءِ، بدَليلِ أنَّها لا تَصحُّ بلَفظِ البَيعِ؛ فلَم يَثبُتْ. ٤ - أمَّا الرَّهنُ: فلا يثبُتُ فيه خِيارُ المَجلِسِ، ولا خِيارُ الشَّرطِ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ الرَّاهِنَ بالخِيارِ ما لَم يَقبِضِ الرَّهنَ، والمُرتَهَنُ له فَسخُ الرَّهنِ متى شاءَ؛ فلا مَعنَى لِإثباتِ الخِيارَيْنِ. ٥ - وكذلك القَرضُ، لا يثبُتُ فيه الخِيارانِ؛ لأنَّ لِلمُقرِضِ أنْ يُطالِبَ بالقَضاءِ متى شاءَ، ولِلمُقتَرِضِ أنْ يَقضيَ متى شاءَ؛ فلا مَعنَى لِإثباتِ الخِيارَيْنِ. ٦ - أمَّا الضَّمانُ والكَفالةُ بالأبدانِ فلا يثبُتُ فيهما الخِيارانِ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ الضَّامِنَ يَدخُلُ فيهما مُتطَوِّعًا مع الرِّضا بالعَينِ، ولِهذا يُقالُ: الكَفالةُ أوَّلُها نَدامةٌ، وأوسَطُها مَلامةٌ، وآخِرُها غَرامةٌ. ٧ - أمَّا الوَكالةُ والشَّرِكةُ والعاريةُ والوَديعةُ والقِراضُ والجَعالةُ، وكذا في كلِّ عَقدٍ جائِزٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، أو مِنْ أحَدِهما، كالكِتابةِ، فلا يثبُتُ فيها الخِيارانِ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّها عُقودٌ جائِزةٌ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنهما فَسخُها متى شاءَ؛ فلا مَعنَى لِإثباتِ خِيارِ المَجلِسِ فيها، وخِيارِ الشَّرطِ. ٨ - أمَّا الشُّفعةُ فلا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ؛ لأنَّها لا تَقِفُ على التَّراضي، وأمَّا خِيارُ المَجلِسِ فلا يثبُتُ لِلمُشتَرِي، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه يُؤخَذُ

стр. 3800

منه الشِّقصُ بغيرِ اختيارِه، وهل يثبُتُ لِلشَّفيعِ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: يثبُتُ له؛ لأنَّ ذلك مُعاوَضةٌ. والآخَرُ: لا يثبُتُ له، كما لا يثبُتُ له خِيارُ الشَّرطِ. ٩ - وأمَّا المُساقاةُ فلا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ، وهل يثبُتُ فيها خِيارُ المَجلِسِ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: لا يثبُتُ فيها، كما لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ. والآخَرُ: يثبُتُ فيها، وهو وَجْهٌ لِلحَنابِلةِ. ١٠ - أمَّا الإجارةُ المَعقودةُ على زَمانٍ -أي: مُدَّةٍ- وهي إجارةُ العَينِ: فلا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ، وهل يثبُتُ فيها خِيارُ المَجلِسِ؟ فيه وَجهانِ: أصَحُّهما: لا يثبُتُ فيها، كما لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ؛ لأنَّها غَرَرٌ؛ إذْ هو عَقدٌ على مَعدومٍ، والخِيارُ غَرَرٌ فلا يُضَمُّ غَرَرٌ إلى غَرَرٍ. والآخَرُ: يثبُتُ فيها، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ، ولأنَّ قَدرَه يَسيرٌ. وأمَّا الإجارةُ في الذِّمَّةِ فمثلَ أنْ يَستأْجِرَه لِيَحصُلَ له بِناءُ حائِطٍ، أو لِيَحصُلَ له خياطةُ ثَوبٍ؛ ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يثبُتُ فيها الخِيارانِ؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ على ما لَم يُخلَقْ، وذلك غَرَرٌ؛ فلا يَجوزُ أنْ يُضافَ إليه غَرَرُ الخِيارِ.

стр. 3801

والثَّاني: يَثبُتانِ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه بمُضيِّ المُدَّةِ لا يَنفصِلُ مِنْ المَعقودِ عليه شَيءٌ. والثَّالثُ: يثبُتُ فيها خِيارُ المَجلِسِ، ولا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ، كالسَّلَمِ. ١١ - أمَّا الوَقْفُ: فلا يثبُتُ فيه الخِيارُ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُربةِ؛ فلا يثبُتُ فيه الخِيارُ، كالعِتقِ. ١٢ - وأمَّا الهِبةُ: فإنَّها قبلَ القَبضِ لا تَلزَمُ، وأمَّا بعدَ القَبضِ فإنْ كانَتْ بلا ثَوابٍ فلا يثبُتُ فيها خِيارٌ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ، وإنْ كانَتْ بثَوابٍ ففيها وَجهانِ: أحَدُهما: يَثبُتانِ، وهو رِوايةٌ لِلحَنابِلةِ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ؛ فأشبَهَتِ البَيعَ. والآخَرُ: لا يَثبُتانِ، وهو الرِّوايةُ الثَّانيةُ لِلحَنابِلةِ؛ لأنَّها -وإنْ كانَتْ مُعاوَضةً- ليسَ القَصدُ مِنها العِوَضَ؛ فلَم يَثبُتْ فيها الخِيارُ، كالنِّكاحِ. وقالَ القاضي أبو الطَّيِّبِ: لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ، وَجهًا واحِدًا، وفي خِيارِ المَجلِسِ وَجهانِ. ١٣ - أمَّا الوَصيَّةُ: فلا يثبُتُ فيها الخِيارانِ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ المُوصِي بالخِيارِ إلى أنْ يَموتَ؛ فإذا ماتَ سقَط خِيارُه، وكانَ المُوصَى له بالخِيارِ إنْ كانَ مُعيَّنًا إلى أنْ يَقبَلَ، وهل يثبُتُ له الخِيارُ بعدَ القَبولِ وقبلَ القَبضِ؟ فيه وَجهانِ. ١٤ - وأمَّا النِّكاحُ فلا خِيارَ فيه، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه لا يُقصَدُ منه العِوَضُ، ولأنَّ اسمَ البَيعِ لا يَصدُقُ عليه.

стр. 3802

١٥ - أمَّا الصَّداقُ: فالأصَحُّ: لا يثبُتُ فيه الخِيارانِ؛ لأنَّ المالَ تَبَعٌ في النِّكاحِ، لا مَقصودٌ. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: يثبُتُ إذا شُرِطَ؛ لأنَّه مُستقِلٌّ. ١٦ - أمَّا الخُلعُ: فلا يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ، وفي خِيارِ المَجلِسِ وَجهانِ: أحَدُهما: يثبُتُ؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ؛ فإذا فُسِخَ بَقيَ الطَّلاقُ رَجعيًّا. والآخَرُ -وهو أصَحُّهما-: لا يثبُتُ؛ لأنَّ القَصدَ مِنه الفُرقةُ، دونَ المالِ؛ فأشبَهَ النِّكاحَ. ١٧ - أمَّا الطَّلاقُ: فلا يثبُتُ فيه الخِيارُ؛ لأنَّه إذا وقَع لَم يَرتَفِعْ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يثبُتُ خِيارُ المَجلِسِ وإنْ لَم يَشتَرِطْه العاقِدُ فيما يَلي: ١ - في البَيعِ؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ ﵁ يَرفَعُه: «إذا تَبايَعَ الرَّجُلانِ فكلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، وكانا جَميعًا، أو يُخيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ؛ فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ فتَبايَعا على ذلك فقد وجَب البَيعُ» (٢). لكنْ يُستَثنَى مِنْ البَيعِ الكِتابةُ، وتَوَلِّي طَرَفَيِ العَقدِ، وشِراءُ مَنْ يُعتَقُ عليه، أو اعتُرِفَ بحُرِّيَّتِه قبلَ الشِّراءِ. ٢ - وفي الصُّلحِ على مالٍ عن دَيْنٍ أو عَينٍ أقَرَّ بهما كما لو أقَرَّ بدَيْنٍ أو عَينٍ ثم صالَحَه عنه بعِوَضٍ؛ لأنَّه بَيعٌ.

стр. 3803

٣ - وفي الإجارةِ على عَينٍ كدارٍ وحَيَوانٍ، ولو كانَتْ مُدَّتُها تَلي العَقدَ بأنْ أجَّرَه الدَّارَ مَثَلًا شَهرًا مِنْ الآنَ، أو كانَتِ الإجارةُ على نَفعٍ في الذِّمَّةِ، بأنِ استَأجَرَه لِخياطةِ ثَوبٍ أو بِناءِ حائِطٍ ونَحوِه؛ لأنَّ الإجارةَ نَوعٌ مِنْ البَيعِ. ٤ - ويثبُتُ خِيارُ المَجلِسِ في الهِبةِ إذا شرَط فيها الواهِبُ عِوَضًا مَعلومًا؛ لأنَّها حينَئذٍ بَيعٌ. ٥ - يثبُتُ في قِسمةِ التَّراضي. ٦ - ويثبُتُ في الصَّرفِ والسَّلَمِ؛ لِتَناوُلِ البَيعِ إيَّاهما. وكَونُ البَيعِ وما بمَعناه ممَّا ذُكِرَ يثبُتُ فيه خِيارُ المَجلِسِ، بمَعنَى أنَّه يقعُ جائِزًا، سَواءٌ كانَ فيه خِيارُ شَرطٍ أو لا؛ فكُلٌّ مِنْ العاقِدَيْنِ له إمضاءُ البَيعِ وفَسخُه. ولا يثبُتُ خِيارُ المَجلِسِ فيما يَلي: ١ - إذا تَولَّى طَرَفَيْ عَقدِ بَيعٍ وتَولَّى طَرَفَيْ عَقدِ هِبةٍ بعِوَضٍ، أو تَولَّى طَرَفَيْ صُلحٍ بمَعنَى بَيعٍ، وسائِرُ صُورِ البَيعِ السَّابِقةِ إذا تَولَّى طَرَفَيْها واحِدٌ فلا خِيارَ فيها؛ لِانفِرادِ العاقِدِ بالعَقدِ، كالشَّفيعِ. ٢ - لا يثبُتُ في قِسمةِ إجبارٍ؛ لأنَّها إفرازُ حَقٍّ، لا بَيعٌ. ٣ - ولا يثبُتُ خِيارُ المَجلِسِ في بَقيَّةِ العُقودِ والفُسوخِ، كالمُساقاةِ والمُزارَعةِ والحَوالةِ والإقالةِ والأخذِ بالشُّفعةِ والجَعالةِ والشَّرِكةِ والوَكالةِ والمُضارَبةِ والعاريةِ والمُسابَقةِ والهِبةِ بغيرِ عِوَضٍ والوَديعةِ والوَصيَّةِ قبلَ المَوتِ؛ لأنَّه لا أثَرَ لِرَدِّ المُوصَى له، ولا لِقَبولِه قبلَه.

стр. 3804

٤ - لا يثبُتُ في النِّكاحِ والوَقفِ والخُلعِ والإبراءِ والعِتقِ على مالٍ والرَّهنِ والضَّمانِ والكَفالةِ والصُّلحِ عن نَحوِ دَمِ عَمدٍ؛ لأنَّ ذلك كُلَّه ليسَ بَيعًا، ولا في مَعناه (١). حُكمُ تَصرُّفِ المُشتَرِي في المَبيعِ وما أحدَثَه فيه في المَجلِسِ قبلَ تَفَرُّقِهما: هذا الحُكمُ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ فَقط؛ لأنَّهم يَقولونَ: إنَّ التَّفرُّقَ يَكونُ بالأبدانِ، خِلافًا لِلحَنَفيَّةِ والمالِكيَّةِ الذين يَقولونَ: إنَّ التَّفرُّقَ يَحصُلُ بالأقوالِ، كما تَقدَّمَ. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: إذا تَبايَعَ المُتبايِعانِ السِّلعةَ وتَقابَضا، أو لَم يَتقابَضا فكلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، أو يُخيِّرُ أحَدُهما صاحِبَه بعدَ البَيعِ؛ فإذا خَيَّرَه وجَب البَيعُ بما يَجِبُ به إذا تَفرَّقا. وإنْ تَقابَضا وهَلَكتِ السِّلعةُ في يَدِ المُشتَرِي قبلَ التَّفرُّقِ أو الخِيارِ، فهو ضامِنٌ لِقِيمَتِها، بالِغةً ما بَلَغتْ، كانَتْ أقَلَّ أو أكثَرَ مِنْ ثَمَنِها؛ لأنَّ البَيعَ لَم يَتِمَّ فيها. وإنْ هَلَكتْ في يَدِ البائِعِ قبلَ قَبضِ المُشتَرِي لَها وقبلَ التَّفرُّقِ أو بعدَه انفسخَ البَيعُ بينَهما، ولا تَكونُ مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي حتى يَقبِضَها؛ فإنْ قبَضها ثم رَدَّها على البائِعِ وَديعةً فهو كغيرِه مِمَّنْ أودَعَه إيَّاها. وإنْ تَفرَّقا فماتَتْ فهي مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي وعليه ثَمَنُها.

стр. 3805

وإنْ قبَضها ورَدَّها على البائِعِ وَديعةً فماتَتْ قبلَ التَّفرُّقِ أو الخِيارِ فهي مَضمونةٌ على المُشتَرِى بالقِيمةِ … وكُلُّ ما لَم يَتِمَّ فيه مِلْكُ المُشتَرِي فالبائِعُ أحَقُّ به، إذا شاءَ؛ لأنَّ أصلَ المِلْكِ كانَ له (١). وقالَ أبو جَعفَرٍ الطَّبَريُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: إنْ تَقابَضا فهَلَكتِ السِّلعةُ في يَدِ المُشتَرِي قبلَ التَّفرُّقِ أو الخِيارِ فهو ضامِنٌ لِقيمَتِها، بالِغةً ما بَلَغتْ، كانَتْ أقَلَّ أو أكثَرَ مِنْ ثَمَنِها؛ لأنَّ البَيعَ لَم يَتِمَّ فيها. وإنْ هَلَكتْ في يَدِ البائِعِ قبلَ قَبضِ المُشتَرِي لَها وقبلَ التَّفرُّقِ أو بعدَه انفسخَ البَيعُ، ولا تَكونُ مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي حتى يَقبِضَها؛ فإنْ قبَضها ثم رَدَّها على البائِعِ وَديعةً فهو كغيرِه مِمَّنْ أودَعَه إيَّاها؛ فإنْ تَفرَّقا فماتَتْ فهي مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي، وعليه ثَمَنُها، وإنْ قبَضها ورَدَّها على البائِعِ وَديعةً فماتَتْ قبلَ التَّفرُّقِ أو الخِيارِ فهي مَضمونةٌ على المُشتَرِي بالقِيمةِ. وإنْ كانَ اشتَرَى بَهيمةً فنَتَجَتْ قبلَ التَّفرُّقِ فهُما على الخِيارِ؛ فإنِ اختارَ إنفاذَ البَيعِ أو تَفرَّقا فوَلَدُ المُشتَراةِ لِلمُشتَرِي؛ لأنَّ عَقدَ البَيعِ وقَع على الحَملِ. وأمَّا في قَولِ الذين قالوا: التَّفرُّقُ بالقَولِ، فإنَّ جَميعَ ما فعَله المُشتَرِي جائِزٌ، وما فعَله البائِعُ باطِلٌ؛ لأنَّه قد زالَ مِلْكُه. وعِلَّةُ الشافِعيِّ في أنَّ ما فعَله البائِعُ جائِزٌ وما فعَله المُشتَرِي قبلَ افتِراقِهما عن مَكانِهما غيرُ جائِزٍ أنَّ البائِعَ على مِلْكِه في السِّلعةِ لَم تُملَكْ عليه مِلْكًا (٢).

стр. 3806

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَنفُذُ تَصرُّفُ المُشتَرِي في المَبيعِ مع أجنَبيٍّ بأنْ باعَه له زَمَنَ الخِيارَيْنِ -المَجلِسِ أو الشَّرطِ- بلا إذْنِ البائِعِ، إلَّا أنْ يَكونَ الخِيارُ لِلمُشتَرِي وَحدَه. وإنْ تَصرَّفَ البائِعُ في المَبيعِ لَم يَنفُذْ تَصرُّفُه؛ لِانتِقالِ المِلْكِ عنه لِلمُشتَرِي، سَواءٌ كانَ الخِيارُ لِلبائِعِ وَحدَه أو لا، بأنْ كانَ لِلمُشتَرِي وَحدَه، أو لَهما، إلَّا إذا تَصرَّفَ البائِعُ في المَبيعِ بإذْنِ المُشتَرِي، فيَصحُّ، ويَكونُ إذْنُ المُشتَرِي لِلبائِعِ في التَّصرُّفِ تَوكيلًا لِلبائِعِ في التَّصرُّفِ؛ لأنَّ الوَكالةَ تَنعقِدُ بكُلِّ ما أدَّى مَعناها. ويَكونُ تَصرُّفُ البائِعِ بإذْنِ المُشتَرِي في المَبيعِ مُسقِطًا لِخِيارِه ولِخِيارِ المُشتَرِي، كتَصرُّفِ المُشتَرِي بإذْنِ البائِعِ، ووَكيلُهما مِثلُهما في جَميعِ ما تَقدَّمَ؛ لأنَّ فِعلَ الوَكيلِ كفِعلِ مُوكِّلِه. وإذا لَم يَنفُذْ تَصرُّفُهما، بأنْ تَصرَّفَ أحَدُهما بغيرِ إذْنِ الآخَرِ فتَصرُّفُ مُشتَرٍ ببَيعٍ ونَحوِه مُبطِلٌ لِخِيارِه، وإنْ لَم يَنفُذْ تَصرُّفُه؛ لأنَّه دَليلٌ على رِضاه. ومتى بطَل خِيارُه بتَصرُّفِه فخِيارُ البائِعِ باقٍ بحالِه؛ لعَدمِ ما يُبطِلُه، إلَّا أنْ يَكونَ المُشتَرِي تَصرَّفَ بإذْنِ البائِعِ أو معه، فيَسقُطَ خِيارُه أيضًا؛ لِمَا تَقدَّمَ. وتَصرُّفُ البائِعِ في المَبيعِ ليسَ فَسخًا لِلبَيعِ، وتَصرُّفُه في الثَّمنِ إمضاءٌ لِلبَيعِ وإبطالٌ لِلخِيارِ. وإنِ استَخدَمَ المُشتَرِي المَبيعَ، ولو بغيرِ استِعلامٍ، لَم يَبطُلْ خِيارُه؛ لأنَّ الخِدمةَ لا تَخُصُّ المِلْكَ، فلَم تُبطِلِ الخِيارَ، كالنَّظَرِ.

стр. 3807

وإنْ تلِف المَبيعُ قبلَ القَبضِ، وكانَ المَبيعُ مَكيلًا، بِيعَ بكَيلٍ ونَحوِه، كالمَبيعِ بوَزنٍ، أو عَدٍّ، أو ذَرعٍ، بطَل البَيعُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ، وبطَل معه خِيارُ المَجلِسِ والشَّرطِ، سَواءٌ كانَ لَهما أو لِأحَدِهما، لأنَّ التَّالِفَ لا يَتأتَّى عليه الفَسخُ. وإنْ كانَ تَلَفُ المَبيعِ بكَيلٍ أو وَزنٍ أو عَدٍّ أو ذَرعٍ بعدَ القَبضِ فهو مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي، وبطَل الخِيارُ. أو كانَ التَّلَفُ قبلَه أو بعدَه فيما عَدا مَكيلٍ أو نَحوِه، بطَل أيضًا خِيارُهما؛ لِمَا تَقدَّمَ مِنْ أنَّ التَّالِفَ لا يَتأتَّى عليه فَسخٌ (١). وأمَّا في قَولِ الذين قالوا: «التَّفرُّقُ بالقَولِ» وهُم الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ، فإنَّ جَميعَ ما فعَله المُشتَرِي جائِزٌ، وما فعَله البائِعُ باطِلٌ؛ لأنَّه قد زالَ مِلْكُه.

стр. 3808

النَّوعُ الثَّاني: خِيارُ الشَّرطِ: خِيارُ الشَّرطِ خِيارٌ يثبُتُ بالشَّرطِ؛ لأنَّ سَبَبَه اشتِراطُ العاقِدِ؛ إذْ لَولا الشَّرطُ لَمَا ثبَت الخِيارُ، بخِلافِ خِيارِ العَيبِ والرُّؤيةِ؛ فإنَّما يَثبُتانِ مِنْ غيرِ شَرطٍ. وخِيارُ الشَّرطِ: هو أنْ يَشتَرِطَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ، أو كُلٌّ منهما أنَّ له الخِيارَ -أي: حَقَّ فَسخِ العَقدِ- في خِلالِ مُدَّةٍ مَعلومةٍ. ويُقالُ له: خِيارُ تَرَوٍّ، أي: نَظَرٍ وتَأمُّلٍ في إبرامِ البَيعِ وعَدَمِه. حُكمُ خِيارِ الشَّرطِ: اتَّفق الفُقهاءُ على جَوازِ خِيارِ الشَّرطِ في البُيوعِ التي لا رِبا فيها، وهو ثابِتٌ بالنَّصِّ على غيرِ القياسِ، والقياسُ ألَّا يَصحَّ؛ لِمَا فيه مِنْ الغَرَرِ، ولِظاهِرِ نَهيِه عن بَيعٍ وشَرطٍ، إلَّا أنَّ النَّصَّ ورَد به، وهو ما رَواه عَبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ ﵁ أنَّ رَجُلًا (١) ذكَر لِلنَّبيِّ ﷺ أنَّه يُخدَعُ في البُيوعِ، فقالَ ﷺ : «إذا بايَعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ» (٢)، وفي رِوايةٍ: «إذا بايَعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ، ثم أنتَ بالخِيارِ في كلِّ سِلعةٍ ابتَعتَها ثَلاثَ لَيالٍ، فإنْ رَضيتَ فأمسِكْ، وإنْ سَخِطتَ فاردُدْ» (٣)، ومَعنَى «لا خِلابةَ»: لا خَديعةَ، أي: لا تَحِلُّ لَكَ خَديعَتي، أو لا يَلزَمُني خَديعَتُكَ.

стр. 3809

قالَ النَّوويُّ ﵀: واعلَم أنَّ أقوَى ما يُحتَجُّ به في ثُبوتِ خِيارِ الشَّرطِ الإجماعُ، وقد نَقَلوا فيه الإجماعَ، وهو كافٍ. وقالَ أيضًا: يَصحُّ شَرطُ الخِيارِ في البَيعِ بالإجماعِ إذا كانَتْ مُدَّتُه مَعلومةً (١). فأمَّا في البُيوعِ التي فيها الرِّبا، وهي الصَّرفُ، وبَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ؛ فلا يَجوزُ شَرطُ الخِيارِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَتفَرَّقا قبلَ تَمامِ البَيعِ، ولِهذا لا يَجوزُ أنْ يَتفَرَّقا إلَّا عن قَبضِ العِوضَيْنِ؛ فلو جَوَّزْنا شَرطَ الخِيارِ لَتفَرَّقا ولَم يَتِمَّ البَيعُ بينَهما. وكذلك لا يَجوزُ التَّفرُّقُ في السَّلَمِ عندَ جَماهيرِ العُلماءِ، خِلافًا لِلمالِكيةِ الذين قالوا بجَوازِ تَأخيرِه ثَلاثةَ أيَّامٍ. قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: لا يَجوزُ الخِيارُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ وجَماعَتِهم فيما يَجِبُ تَعجيلُه في المَجلِسِ، مثلَ الصَّرفِ والسَّلَمِ؛ لأنَّه خِلافُ الأُصولِ المُجتَمَعِ عليها (٢).

стр. 3810

مُدَّةُ خِيارِ الشَّرطِ: اتَّفق الفُقهاءُ على جَوازِ خِيارِ الشَّرطِ، إذا كانَ ثَلاثةَ أيَّامٍ فأقَلَّ، ثم اختَلَفوا هل تَجوزُ الزِّيادةُ على ثَلاثةٍ أو لا؟ فذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفَرُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّ أقصى مُدَّةِ خِيارِ الشَّرطِ ثَلاثةُ أيَّامٍ، فما دُونَ، ولا يَجوزُ أنْ تَزيدَ على هذا، لِمَا رَواه عَبدُ اللَّهِ ابنُ عمرَ ﵁: أنَّ رَجُلًا ذكَر لِلنَّبيِّ ﷺ أنَّه يُخدَعُ في البُيوعِ، فقالَ ﷺ : «إذا بايَعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ (١)» (٢). وفي رِوايةٍ: «إذا بايَعتَ فقَلْ: لا خِلابةَ، ثم أنتَ بالخِيارِ في كلِّ سِلعةٍ ابتَعتَها ثَلاثَ لَيالٍ، فإنْ رَضيتَ فأمسِكْ، وإنْ سَخِطتَ فاردُدْ» (٣). فلمَّا ورَد الحَديثُ بأنَّ ذلك جائِزٌ في ثَلاثةِ أيَّامٍ لَم يَجُزْ أنْ تُزادَ على ذلك، كما لا يَجوزُ أنْ يُزادَ على خَمسةِ أوسُقٍ في العَرايا، ولأنَّ الخِيارَ ثابِتٌ بهذا الحَديثِ، على خِلافِ القياسِ والنَّصِّ، أمَّا القياسُ فلأنَّه شَرطٌ مُغيِّرٌ لِمُقتَضى العَقدِ، ومِثلُ هذا الشَّرطِ مُفسِدٌ لِلعَقدِ في الأصلِ، وأمَّا النَّصُّ فما رُويَ عن

стр. 3811

رَسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه نهَى عن بَيعِ الغَرَرِ، وهذا بَيعُ غَرَرٍ؛ لأنَّه تَعلَّقَ انعِقادُ العَقدِ على غَرَرِ سُقوطِ الخِيارِ، إلَّا أنَّه ورَد نَصٌّ خاصٌّ بجَوازِه، فيُتبَعُ مَورِدُ النَّصِّ، وأنَّه ورَد بثَلاثةِ أيَّامٍ، فصارَ ذلك مَخصوصًا عن النَّصِّ العامِّ، وتُرِكَ القياسُ فيه؛ فيُعمَلُ بعُمومِ النَّصِّ ومُقتَضى القياسِ فيما وَراءَ هذا، فلا يُزادُ على المُدَّةِ المَذكورةِ فيهِ؛ ولأنَّه ضَربُ الثَّلاثةِ لِمَنْ كانَ في غايةِ ضَعفِ المَعرِفةِ ولَم يَزِدْ عليها، والحاجةُ إلى دَفعِ الغَبنِ تَندفِعُ بالثَّلاثةِ، فبَقيَ ما رَواه على الأصلِ، والحاجةُ لِلبائِعِ والمُشتَرِي، فثبَت في حَقِّهما. فإنْ زادَتْ على ثَلاثةِ أيَّامٍ بطَل البَيعُ عندَ الشافِعيَّةِ وزُفَرَ؛ لأنَّه انعقَد فاسِدًا؛ فلا يَنقلِبُ صَحيحًا، وعن أنَسٍ أنَّ رَجُلًا اشتَرَى بَعيرًا واشتَرطَ الخِيارَ أربَعةَ أيَّامٍ، فأبطَلَ النَّبيُّ ﷺ البَيعَ، وقالَ: إنَّما الخِيارُ ثَلاثةُ أيَّامٍ (١). وعندَ أبي حَنيفةَ يَبطُلُ البَيعُ، إلَّا إذا أجازَه مَنْ له الخِيارُ في الثَّلاثةِ، أو ماتَ صاحِبُ الخِيارِ في الثَّلاثةِ، أو أحدَثَ فيه ما يُوجِبُ لُزومَ العَقدِ يَنقلِبُ جائِزًا؛ لأنَّه بإجازَتِه في الثَّلاثةِ أسقَطَ المُفسِدَ قبلَ تَقرُّرِه؛ لأنَّ الفَسادَ باليَومِ الرَّابِعِ، حتى إنَّ العَقدَ إنَّما يَفسُدُ بمُضيِّ جُزءٍ مِنْ اليَومِ الرَّابِعِ، فيَكونُ العَقدُ صَحيحًا قبلَه، ولأنَّها مُدَّةٌ مُلحَقةٌ بالعَقدِ، مانِعةٌ مِنْ انبِرامِه، فجازَ أنْ يَنبَرِمَ بإسقاطِه، كالخِيارِ الصَّحيحِ (٢).

стр. 3812

وذَهَبُ الحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ مِنْ الحَنفيَّةِ وابنُ المُنذِرِ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ تَكونَ مُدَّةُ الخِيارِ أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ، وإنْ طالَتِ المُدَّةُ، إذا كانَتْ مَعلومةً، إلَّا أنْ يَقطَعاه؛ لِحَديثِ: «المُسلِمونَ على شُروطِهِم» (١)، ولأنَّه حَقٌّ يَعتمِدُ الشَّرطَ، فرجَع في تَقديرِه إلى مُشتَرِطِه، فجازَ ذلك فيه، كالأجَلِ، ولأنَّ النَّصَّ الوارِدَ في خِيارِ ثَلاثةِ أيَّامٍ مَعلولٌ بالحاجةِ إلى دَفعِ الغَبنِ بالتَّأمُّلِ والنَّظَرِ، وهذا لا يُوجِبُ الِاقتِصارَ على الثَّلاثةِ؛ لأنَّه قد لا يَحصُلُ ذلك في الثَّلاثةِ، فيَكونُ مُفوَّضًا إلى رَأْيِه، كالحاجةِ إلى التَّأجيلِ في الثَّمنِ (٢). وقالَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ: لمَّا كانَ الخِيارُ رِفقًا بالمُتبايِعَيْنِ لِلنَّظَرِ

стр. 3813

والرَّأيِ والِاختِبارِ، كانَ أمَدُ الخِيارِ مُختلِفًا فيما تَبايَعاه بقَدْرِ ما يَحتاجانِ إلى ذلك؛ لأنَّ المَفهومَ مِنْ الخِيارِ هو اختيارُ المَبيعِ، وإذا كانَ ذلك كذلك وجَب أنْ يَكونَ ذلك مَحدودًا بزَمانِ إمكانِ اختبارِ المَبيعِ، وذلك يَختَلِفُ بحَسَبِ المَبيعٍ، فكَأنَّ النَّصَّ إنَّما ورَد تَنبيهًا على هذا المَعنَى، وهو مِنْ بابِ الخاصِّ الذي أُريدَ به العامُّ. فَمُنتَهَى زَمَنِ الخِيارِ في العَقارِ -وهو الأرضُ، وما يَتَّصِلُ بها مِنْ بِناءٍ أو شَجَرٍ- سِتَّةٌ وثَلاثونَ يَومًا، لِأجْلِ اختِبارِ جُدُرِها وأُسُسِها ومَرافِقِها ومَكانِها وجِيرانِها، والدُّورُ والأرضونَ سَواءٌ، وكذا بَقيَّةُ أنواعِ العَقارِ. ولا يَجوزُ لِلمُشتَرِي في مُدَّةِ الخِيارِ أنْ يَسكُنَ الدَّارَ المُشتَراةَ به إنْ كَثُرتْ بلا أُجرةٍ، كانَتِ السُّكنَى لِاختِبارِها أو لا، شُرِطتْ أو لا، ولَه اختِبارُها بغيرِ السُّكنَى. وفسَد البَيعُ إنْ شرَط السُّكنَى في صُلبِ العَقدِ؛ لأنَّه شَرطٌ يُنافي المَقصودَ مِنْ البَيعِ؛ إذ لا يَجوزُ التَّصرُّفُ في المَبيعِ إلَّا إذا دخَل في مِلْكِ مُشتَريه. وجازَتِ السُّكنَى في مُدَّةِ الخِيارِ بأُجرةٍ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ كَثيرةً أو يَسيرةً؛ لِاختِبارِها أو لِغيرِ اختِبارِها، شرَطها أو لا، كاليَسيرِ الذي لا بالَ له لِاختِبارِها، لا لِغيرِه؛ فإنْ سَكَنَ الكَثيرَ أو اليَسيرَ لِغيرِ اختِبارِها بلا إذْنٍ فهو مُعتَدٍ، تَلزَمُه الأُجرةُ. ومُدَّتُه في العُروضِ ثَلاثةُ أيَّامٍ، كالثِّيابِ أو سَفينةٍ أو كِتابٍ أو غيرِها ممَّا ليسَ بحَيَوانٍ ولا عَقارٍ.

стр. 3814

والخِيارُ في الدَّابَّةِ لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: لِاختِبارِ حالِها لِغيرِ رُكوبِها مِنْ غَلاءٍ ورُخصٍ وكَثرةِ أكلِها وقِلَّتِه، وقُوَّتِها على الحَملِ، وضَعفِها، فمُدَّتُه ثَلاثةُ أيَّامٍ، وقيلَ: مُنتَهاه خَمسةُ أيَّامٍ، وكذا في دابَّةٍ ليسَ شَأنُها أنْ تُركَبَ، كبَقَرةٍ، أو شَأنُها أنْ تُركَبَ، ولَم يُشترَطِ اختِبارُها به؛ فإنْ شُرِطَ اختِبارُها به فزَمَنُ الخِيارِ فيها يَومٌ، ونَحوُه. والثَّاني: لِاختِبارِ رُكوبِها في البَلَدِ، فمُدَّتُه يَومٌ. والثَّالثُ: لِاختِبارِ رُكوبِها في خارِجِ البَلَدِ، فمُدَّتُه بَريدٌ، ونَحوُه، عندَ ابنِ القاسِمِ، وبريدانِ عندَ أشهَبَ. وأمَّا نَحوُ الدَّجاجِ والطُّيورِ وبَقيَّةِ الحَيَواناتِ التي لا عَمَلَ لَها فالظَّاهِرُ أنَّ مُدَّةَ الخِيارِ فيها ليسَتْ كذلك؛ لِإسراعِ التَّغيُّرِ لَها، فتَكونُ مُدَّةُ الخِيارِ فيها ما لَم تَتغيَّرْ فيه، ويُقاسُ عليها سائِرُ الفَواكِه والأطعِمةِ التي تَفسُدُ بالتَّأخيرِ، ففي المُدوَّنةِ: مَنْ اشتَرَى شَيئًا مِنْ رَطْبِ الفَواكِه والخُضَرِ على أنَّه بالخِيارِ فإنْ كانَ النَّاسُ يُشاوِرونَ غيرَهم في هذه الأشياءِ ويَحتاجونَ إلى رَأيِهم، فلَهم مِنْ الخِيارِ بقَدْرِ الحاجةِ ممَّا لا يقعُ فيه تَغيُّرٌ أو فَسادٌ، ويَكونُ البَيعُ فاسِدًا إذا وقَع على خِيارٍ أكثَرَ مِنْ خِيارِ تلك السِّلعةِ، وما أُلحِقَ به بكَثيرٍ (١).

стр. 3815

هَلْ يُشترَطُ أنْ تَكونَ المُدَّةُ مَعلومةً لِصِحَّةِ الشَّرطِ: اختلَف الفُقهاءُ في مُدَّةِ الخِيارِ، هل يُشترَطُ أنْ تَكونَ مَعلومةً لِلعاقِدَيْنِ أو تَصحُّ مَجهولةً؟ فقالَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ أنْ تَكونَ مُدَّةُ الخِيارِ مَجهولةً، كقُدومِ زَيدٍ، أو مَجيءِ المَطَرِ، أو إلى الأبَدِ، أو متى شِئْنا، أو قالَ أحَدُهما: ليَ الخِيارُ، ولَم يَذكُرْ مُدَّتَه، أو نَحوِ ذلك؛ لأنَّها مُدَّةٌ مُلحَقةٌ بالعَقدِ، فلَم تَجُزْ مع الجَهالةِ، كالأجَلِ، ولأنَّ اشتِراطَ الخِيارِ أبَدًا يَقتَضي المَنعَ مِنْ التَّصرُّفِ على الأبَدِ، وذلك يُنافي مُقتَضى العَقدِ، فلَم يَصحَّ، كما لو قالَ: بِعتُكَ بشَرطِ ألَّا تَتصرَّفَ. وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا جُعِلَ الخِيارُ بغيرِ مُدَّةٍ مَعلومةٍ فسَد البَيعُ، كالجُعلِ الفاسِدِ، والثَّمنِ الفاسِدِ، وإنْ أجازَه في الثَّلاثةِ جازَ عندَ أبي حَنيفةَ، وإنْ لَم يُجِزْه حتى مَضَتِ الثَّلاثةُ لَم يَكُنْ له أنْ يُجيزَ. وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: له أنْ يَختارَ بعدَ الثَّلاثةِ. وعن الإمامِ أحمدَ أنَّه يَصحُّ مَجهولًا؛ لقولِه ﷺ : «المُؤمِنونَ على شُروطِهم»، فعلى هذا إذا كانَ الخِيارُ مُطلَقًا، مثلَ أنْ يَقولَ: لَكَ الخِيارُ متى شِئتَ، أو إلى الأبَدِ، صَحَّ، وهُما على خِيارِهما، أو يَقطَعاه، أو تَنتَهي مُدَّتُه إذا كانَ مَشروطًا إلى مُدَّةٍ. وقالَ المالِكيَّةُ: ولا يَجوزُ في شَيءٍ مِنْ السِّلَعِ أنْ تَكونَ مُدَّةُ الخِيارِ فيه مَجهولةً؛ فإن عُقِدَ على ذلك، كقَولِهما: إلى قُدومِ زَيدٍ، ولا أمارةَ على

стр. 3816

قُدومِه، أو إلى أنْ يُولَدَ لِفُلانٍ وَلَدٌ، ولا حَملَ عندَه، أو إلى أنْ يَنفَقَ سُوقُ السِّلعةِ، ولا سِلعةَ، أو أنْ يَغلِبَ على الظَّنِّ عُرفًا أنَّها تَنفَقُ فيه، إلى غيرِ ذلك ممَّا يَرجِعُ إلى الجَهلِ بالمُدَّةِ فالبَيعُ فاسِدٌ، ويَستمِرُّ الفَسادُ فيما ذُكِرَ، ولو أُسقِطَ الشَّرطُ. أمَّا إنْ كانَ الأجَلُ مَعلومًا بالعُرفِ له، كقُدومِ الحاجِّ ونَحوِه، جازَ إذا لَم يَكُنْ زائِدًا على المُدَّةِ المُعتبَرةِ في تلك السِّلعةِ. لكنْ إنْ وقَع العَقدُ على أنَّه بالخِيارِ ولَم يُعيِّنْ مُدَّةً مَعلومةً ولا مَجهولةً؛ فالعَقدُ صَحيحٌ، ويُجعَلُ له مِنْ الخِيارِ مِثلُ ما يَكونُ له في مِثلِ تلك السِّلعةِ، ولو زادَ في مُدَّةِ الخِيارِ على ما هو أمَدُ خِيارِها فسَد البَيعُ (١). وهَل يَفسُدُ به العَقدُ؟ قالَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ: يَفسُدُ؛ لأنَّه عَقدٌ اقتَرَنَ بشَرطٍ فاسِدٍ، كنِكاحِ الشِّغارِ، ولأنَّ البائِعَ إنَّما رَضيَ ببَذلِه بهذا الثَّمنِ مع الخِيارِ في استِرجاعِه، والمُشتَرِي إنَّما رَضيَ ببَذلِ هذا الثَّمنِ فيه مع الخِيارِ في فَسخِه؛ فلو صَحَّحناه لَأزَلْنا مِلْكَ كلِّ واحِدٍ مِنهما عنه بغيرِ رِضاه، وألزَمْناه ما لَم يَرضَ به، ولأنَّ الشَّرطَ يَأخُذُ قِسطًا مِنْ الثَّمنِ؛ فإذا حَذَفناه وجَب رَدُّ ما سقَط مِنْ الثَّمنِ مِنْ أجلِه، وذلك مَجهولٌ، فيَكونُ الثَّمنُ مَجهولًا، فيَفسُدُ به العَقدُ.

стр. 3817

والرِّوايةُ الأُخرى لِلحَنابِلةِ: لا يَفسُدُ به العَقدُ؛ لِحَديثِ برَيرةَ، ولأنَّ العَقدَ قد تَمَّ بأركانِه، ولأنَّ الشَّرطَ زائِدٌ، فإذا فسَد وزالَ سقَط الفاسِدُ وبَقيَ العَقدُ برُكنَيْه، كما لو لَم يُشترَطْ (١). ما يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ: خِيارُ الشَّرطِ يثبُتُ في بَعضِ العُقودِ باتِّفاقِ العُلماءِ، ولا يثبُتُ في بَعضِها باتِّفاقِهم أيضًا، وبَعضُ العُقودِ مُختلَفٌ فيها، هل يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ أو لا؟ بينَ مُوسِّعٍ ومُضيِّقٍ في هذا، وأكثَرُ مَنْ وَسَّعَ هو شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ، قالَ: يَجوزُ خِيارُ الشَّرطِ في كلِّ العُقودِ (٢). ١ - في البُيوعِ: خِيارُ الشَّرطِ يثبُتُ في جَميعِ البُيوعِ عندَ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ، إلَّا البُيوعَ التي فيها الرِّبا، وهي الصَّرفُ وبَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ؛ فلا يَجوزُ شَرطُ الخِيارِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَتفَرَّقا قبلَ تَمامِ البَيعِ، ولِهذا لا يَجوزُ أنْ يَتفَرَّقا إلَّا عن قَبضِ العِوضَيْنِ؛ فلَو جَوَّزْنا شَرطَ الخِيارِ لَتَفرَّقا ولَم يَتِمَّ البَيعُ بينَهما.

стр. 3818

وكذلك لا يَجوزُ التَّفرُّقُ في السَّلَمِ عندَ جَماهيرِ العُلماءِ، خِلافًا لِلمالِكيَّةِ الذين قالوا بجَوازِ تَأخيرِه ثَلاثةَ أيَّامٍ، كما سَيَأتي ذلك مُفصَّلًا في كِتابِ السَّلَمِ. قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: لا يَجوزُ الخِيارُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ وجَماعَتِهم فيما يَجِبُ تَعجيلُه في المَجلِسِ، مثلَ الصَّرفِ والسَّلَمِ؛ لأنَّه خِلافُ الأُصولِ المُجتَمَعِ عليها (١). ٢ - في الإجارةِ: اختلَف الفُقهاءُ في الإجارةِ، هل يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ أو لا؟ فقالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ: يثبُتُ في الإجارةِ خِيارُ الشَّرطِ، سَواءٌ كانَتِ الإجارةُ على عَينٍ أو في الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الإجارةَ نَوعٌ مِنْ أنواعِ البُيوعِ. قالَ الحَنابِلةُ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الإجارةِ في الذِّمَّةِ، كخياطةِ ثَوبٍ، أو في إجارةٍ على مُدَّةٍ لا تَلي العَقدَ، كسَنةِ ثَلاثٍ في سَنةِ اثنَيْنِ، إذا شُرِطَ مُدَّةٌ تَنقَضي قبلَ دُخولِ سَنةِ ثَلاثٍ؛ فإنْ وَلِيتْ مُدَّةَ العَقدِ، كشَهرٍ مِنْ الآنَ، لَم يَصحَّ شَرطُ الخِيارِ؛ لِئَلَّا يُؤدِّيَ إلى فواتِ بَعضِ المَنافِعِ المَعقودِ عليها أو استِيفائِها في مُدَّةِ الخِيارِ، وكِلاهما غيرُ جائِزٍ. وقالَ الشافِعيَّةُ: الإجارةُ المَعقودةُ على زَمانٍ -أي: مُدَّةٍ- وهي إجارةُ العَينِ، لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ. وأمَّا الإجارةُ في الذِّمَّةِ فمثلَ أنْ يَستأجِرَه لِيَحصُلَ له بِناءُ حائِطٍ، أو لِيَحصُلَ له خياطةُ ثَوبٍ، ففي ثُبوتِ خِيارِ الشَّرطِ وَجهانِ:

стр. 3819

أحَدُهما: لا يثبُتُ فيها؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ على ما لَم يُخلَقْ، وذلك غَرَرٌ؛ فلا يَجوزُ أنْ يُضافَ إلَيه غَرَرُ الخِيارِ. والآخَرُ: يثبُتُ؛ لأنَّه بمُضيِّ المُدَّةِ لا يَنفصِلُ مِنْ المَعقودِ عليه شَيءٌ. ٣ - في الرَّهنِ: اختلَف الفُقهاءُ فيه، فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ؛ لأنَّ الرَّاهِنَ بالخِيارِ، ما لَم يُقبَضِ الرَّهنُ، والمُرتَهَنُ له فَسخُ الرَّهنِ متى شاءَ؛ فلا مَعنَى لِإثباتِ الخِيارِ. وقالَ الحَنفيَّةُ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الرَّهنِ إذا شرَطه الرَّاهِنُ؛ لأنَّه -وإنْ كانَ عَقدًا لازِمًا يَحتَمِلُ الفَسخَ- لازِمٌ مِنْ جانِبِ الرَّاهِنِ، أمَّا المُرتَهَنُ فليسَ بلازِمٍ مِنْ جانِبِه أصلًا. ٤ - في القَرضِ: لا يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ لِلمُقرِضِ أنْ يُطالِبَ بالقَضاءِ متى شاءَ، ولِلمُقتَرِضِ أنْ يَقضيَ متى شاءَ؛ فلا مَعنَى لِإثباتِ الخِيارِ. ٥ - في الصُّلحِ: قالَ الحَنفيَّةُ والحَنبَليَّةُ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الصُّلحِ بعِوَضٍ عن عَينٍ أو دَيْنٍ مُقَرٍّ به. وقالَ الشافِعيَّةُ: الصُّلحُ: وهو على ثَلاثةِ أضرُبٍ: صُلحٌ هو حَطيطةٌ، وصُلحٌ بمَعنَى البَيعِ، وصُلحٌ بمَعنَى الإجارةِ. فأمَّا صُلحُ الحَطيطةِ: فبِأنْ يَدَّعيَ عليه ألْفًا؛ فيُقِرَّ له بها، ثم يُبرِئَه مِنْ بَعضِها، ويَأخُذَ مِنه البَقيَّةَ؛ فلا خِيارَ فيه، كالإبراءِ.

стр. 3820

وأمَّا صُلحُ البَيعِ: فبِأنْ يُعطيَه بالألْفِ عَينًا؛ فهذا بَيعٌ يثبُتُ فيه الخِيارانِ، كالبَيعِ. وأمَّا صُلحُ الإجارةِ فبِأنْ يُملِّكَه مَنفَعةَ عَينٍ مِنْ أعيانِ أموالِه بالألْفِ؛ فهذا كالإجارةِ، على ما تَقدَّمَ. ٦ - في الحَوالةِ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الحَوالةِ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ، فيَصحُّ لِلمُحيلِ أو المُحالِ عليه؛ لأنَّ الحَوالةَ تَتوَقَّفُ على رِضا المُحالِ عليه، فله شَرطُ الخِيارِ، ويَصحُّ شَرطُ الخِيارِ في الكَفالةِ والحَوالةِ أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّه قد استَثناهما مِنْ المُدَّةِ المُقرَّرةِ عندَه. ولا يثبُتُ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ أنْ يَثبُتَ الخِيارُ لِلمُحيلِ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ يُقصَدُ فيها العِوَضُ، فأشبَهَتْ سائِرَ البَيعِ (١). ٧ - في القِسمةِ: يثبُتُ فيها الخِيارُ عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّها بَيعٌ مِنْ وَجْهٍ. وقالَ الشافِعيَّةُ: القِسمةُ: إنْ كانَ فيها رَدٌّ ثبَت فيها الخِيارانِ؛ لأنَّها بَيعٌ، وإنْ لَم يَكُنْ فيها رَدٌّ فإنْ كانَ الحاكِمُ يَقسِمُها فهي قِسمةُ إجبارٍ؛ فلا خِيارَ فيها، وإنِ اقتَسَمَ الشَّريكانِ بنَفْسَيْهما، فإنْ قُلْنا: إنَّها إقرارُ الحَقَّيْنِ فلا خِيارَ فيها، وإنْ قُلْنا: إنَّها بَيعٌ ثبَت فيها الخِيارانِ. وقالَ الحَنابِلةُ: قِسمةُ التَّراضي هي ما كانَ فيها ضَرَرٌ، أو رَدُّ عِوَضٍ،
следующие страницы →