← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

قُدومِه، أو إلى أنْ يُولَدَ لِفُلانٍ وَلَدٌ، ولا حَملَ عندَه، أو إلى أنْ يَنفَقَ سُوقُ السِّلعةِ، ولا سِلعةَ، أو أنْ يَغلِبَ على الظَّنِّ عُرفًا أنَّها تَنفَقُ فيه، إلى غيرِ ذلك ممَّا يَرجِعُ إلى الجَهلِ بالمُدَّةِ فالبَيعُ فاسِدٌ، ويَستمِرُّ الفَسادُ فيما ذُكِرَ، ولو أُسقِطَ الشَّرطُ. أمَّا إنْ كانَ الأجَلُ مَعلومًا بالعُرفِ له، كقُدومِ الحاجِّ ونَحوِه، جازَ إذا لَم يَكُنْ زائِدًا على المُدَّةِ المُعتبَرةِ في تلك السِّلعةِ. لكنْ إنْ وقَع العَقدُ على أنَّه بالخِيارِ ولَم يُعيِّنْ مُدَّةً مَعلومةً ولا مَجهولةً؛ فالعَقدُ صَحيحٌ، ويُجعَلُ له مِنْ الخِيارِ مِثلُ ما يَكونُ له في مِثلِ تلك السِّلعةِ، ولو زادَ في مُدَّةِ الخِيارِ على ما هو أمَدُ خِيارِها فسَد البَيعُ (١). وهَل يَفسُدُ به العَقدُ؟ قالَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ: يَفسُدُ؛ لأنَّه عَقدٌ اقتَرَنَ بشَرطٍ فاسِدٍ، كنِكاحِ الشِّغارِ، ولأنَّ البائِعَ إنَّما رَضيَ ببَذلِه بهذا الثَّمنِ مع الخِيارِ في استِرجاعِه، والمُشتَرِي إنَّما رَضيَ ببَذلِ هذا الثَّمنِ فيه مع الخِيارِ في فَسخِه؛ فلو صَحَّحناه لَأزَلْنا مِلْكَ كلِّ واحِدٍ مِنهما عنه بغيرِ رِضاه، وألزَمْناه ما لَم يَرضَ به، ولأنَّ الشَّرطَ يَأخُذُ قِسطًا مِنْ الثَّمنِ؛ فإذا حَذَفناه وجَب رَدُّ ما سقَط مِنْ الثَّمنِ مِنْ أجلِه، وذلك مَجهولٌ، فيَكونُ الثَّمنُ مَجهولًا، فيَفسُدُ به العَقدُ.

стр. 3817

والرِّوايةُ الأُخرى لِلحَنابِلةِ: لا يَفسُدُ به العَقدُ؛ لِحَديثِ برَيرةَ، ولأنَّ العَقدَ قد تَمَّ بأركانِه، ولأنَّ الشَّرطَ زائِدٌ، فإذا فسَد وزالَ سقَط الفاسِدُ وبَقيَ العَقدُ برُكنَيْه، كما لو لَم يُشترَطْ (١). ما يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ: خِيارُ الشَّرطِ يثبُتُ في بَعضِ العُقودِ باتِّفاقِ العُلماءِ، ولا يثبُتُ في بَعضِها باتِّفاقِهم أيضًا، وبَعضُ العُقودِ مُختلَفٌ فيها، هل يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ أو لا؟ بينَ مُوسِّعٍ ومُضيِّقٍ في هذا، وأكثَرُ مَنْ وَسَّعَ هو شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ، قالَ: يَجوزُ خِيارُ الشَّرطِ في كلِّ العُقودِ (٢). ١ - في البُيوعِ: خِيارُ الشَّرطِ يثبُتُ في جَميعِ البُيوعِ عندَ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ، إلَّا البُيوعَ التي فيها الرِّبا، وهي الصَّرفُ وبَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ؛ فلا يَجوزُ شَرطُ الخِيارِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَتفَرَّقا قبلَ تَمامِ البَيعِ، ولِهذا لا يَجوزُ أنْ يَتفَرَّقا إلَّا عن قَبضِ العِوضَيْنِ؛ فلَو جَوَّزْنا شَرطَ الخِيارِ لَتَفرَّقا ولَم يَتِمَّ البَيعُ بينَهما.

стр. 3818

وكذلك لا يَجوزُ التَّفرُّقُ في السَّلَمِ عندَ جَماهيرِ العُلماءِ، خِلافًا لِلمالِكيَّةِ الذين قالوا بجَوازِ تَأخيرِه ثَلاثةَ أيَّامٍ، كما سَيَأتي ذلك مُفصَّلًا في كِتابِ السَّلَمِ. قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: لا يَجوزُ الخِيارُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ وجَماعَتِهم فيما يَجِبُ تَعجيلُه في المَجلِسِ، مثلَ الصَّرفِ والسَّلَمِ؛ لأنَّه خِلافُ الأُصولِ المُجتَمَعِ عليها (١). ٢ - في الإجارةِ: اختلَف الفُقهاءُ في الإجارةِ، هل يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ أو لا؟ فقالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ: يثبُتُ في الإجارةِ خِيارُ الشَّرطِ، سَواءٌ كانَتِ الإجارةُ على عَينٍ أو في الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الإجارةَ نَوعٌ مِنْ أنواعِ البُيوعِ. قالَ الحَنابِلةُ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الإجارةِ في الذِّمَّةِ، كخياطةِ ثَوبٍ، أو في إجارةٍ على مُدَّةٍ لا تَلي العَقدَ، كسَنةِ ثَلاثٍ في سَنةِ اثنَيْنِ، إذا شُرِطَ مُدَّةٌ تَنقَضي قبلَ دُخولِ سَنةِ ثَلاثٍ؛ فإنْ وَلِيتْ مُدَّةَ العَقدِ، كشَهرٍ مِنْ الآنَ، لَم يَصحَّ شَرطُ الخِيارِ؛ لِئَلَّا يُؤدِّيَ إلى فواتِ بَعضِ المَنافِعِ المَعقودِ عليها أو استِيفائِها في مُدَّةِ الخِيارِ، وكِلاهما غيرُ جائِزٍ. وقالَ الشافِعيَّةُ: الإجارةُ المَعقودةُ على زَمانٍ -أي: مُدَّةٍ- وهي إجارةُ العَينِ، لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ. وأمَّا الإجارةُ في الذِّمَّةِ فمثلَ أنْ يَستأجِرَه لِيَحصُلَ له بِناءُ حائِطٍ، أو لِيَحصُلَ له خياطةُ ثَوبٍ، ففي ثُبوتِ خِيارِ الشَّرطِ وَجهانِ:

стр. 3819

أحَدُهما: لا يثبُتُ فيها؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ على ما لَم يُخلَقْ، وذلك غَرَرٌ؛ فلا يَجوزُ أنْ يُضافَ إلَيه غَرَرُ الخِيارِ. والآخَرُ: يثبُتُ؛ لأنَّه بمُضيِّ المُدَّةِ لا يَنفصِلُ مِنْ المَعقودِ عليه شَيءٌ. ٣ - في الرَّهنِ: اختلَف الفُقهاءُ فيه، فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ؛ لأنَّ الرَّاهِنَ بالخِيارِ، ما لَم يُقبَضِ الرَّهنُ، والمُرتَهَنُ له فَسخُ الرَّهنِ متى شاءَ؛ فلا مَعنَى لِإثباتِ الخِيارِ. وقالَ الحَنفيَّةُ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الرَّهنِ إذا شرَطه الرَّاهِنُ؛ لأنَّه -وإنْ كانَ عَقدًا لازِمًا يَحتَمِلُ الفَسخَ- لازِمٌ مِنْ جانِبِ الرَّاهِنِ، أمَّا المُرتَهَنُ فليسَ بلازِمٍ مِنْ جانِبِه أصلًا. ٤ - في القَرضِ: لا يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ لِلمُقرِضِ أنْ يُطالِبَ بالقَضاءِ متى شاءَ، ولِلمُقتَرِضِ أنْ يَقضيَ متى شاءَ؛ فلا مَعنَى لِإثباتِ الخِيارِ. ٥ - في الصُّلحِ: قالَ الحَنفيَّةُ والحَنبَليَّةُ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الصُّلحِ بعِوَضٍ عن عَينٍ أو دَيْنٍ مُقَرٍّ به. وقالَ الشافِعيَّةُ: الصُّلحُ: وهو على ثَلاثةِ أضرُبٍ: صُلحٌ هو حَطيطةٌ، وصُلحٌ بمَعنَى البَيعِ، وصُلحٌ بمَعنَى الإجارةِ. فأمَّا صُلحُ الحَطيطةِ: فبِأنْ يَدَّعيَ عليه ألْفًا؛ فيُقِرَّ له بها، ثم يُبرِئَه مِنْ بَعضِها، ويَأخُذَ مِنه البَقيَّةَ؛ فلا خِيارَ فيه، كالإبراءِ.

стр. 3820

وأمَّا صُلحُ البَيعِ: فبِأنْ يُعطيَه بالألْفِ عَينًا؛ فهذا بَيعٌ يثبُتُ فيه الخِيارانِ، كالبَيعِ. وأمَّا صُلحُ الإجارةِ فبِأنْ يُملِّكَه مَنفَعةَ عَينٍ مِنْ أعيانِ أموالِه بالألْفِ؛ فهذا كالإجارةِ، على ما تَقدَّمَ. ٦ - في الحَوالةِ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الحَوالةِ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ، فيَصحُّ لِلمُحيلِ أو المُحالِ عليه؛ لأنَّ الحَوالةَ تَتوَقَّفُ على رِضا المُحالِ عليه، فله شَرطُ الخِيارِ، ويَصحُّ شَرطُ الخِيارِ في الكَفالةِ والحَوالةِ أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّه قد استَثناهما مِنْ المُدَّةِ المُقرَّرةِ عندَه. ولا يثبُتُ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ أنْ يَثبُتَ الخِيارُ لِلمُحيلِ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ يُقصَدُ فيها العِوَضُ، فأشبَهَتْ سائِرَ البَيعِ (١). ٧ - في القِسمةِ: يثبُتُ فيها الخِيارُ عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّها بَيعٌ مِنْ وَجْهٍ. وقالَ الشافِعيَّةُ: القِسمةُ: إنْ كانَ فيها رَدٌّ ثبَت فيها الخِيارانِ؛ لأنَّها بَيعٌ، وإنْ لَم يَكُنْ فيها رَدٌّ فإنْ كانَ الحاكِمُ يَقسِمُها فهي قِسمةُ إجبارٍ؛ فلا خِيارَ فيها، وإنِ اقتَسَمَ الشَّريكانِ بنَفْسَيْهما، فإنْ قُلْنا: إنَّها إقرارُ الحَقَّيْنِ فلا خِيارَ فيها، وإنْ قُلْنا: إنَّها بَيعٌ ثبَت فيها الخِيارانِ. وقالَ الحَنابِلةُ: قِسمةُ التَّراضي هي ما كانَ فيها ضَرَرٌ، أو رَدُّ عِوَضٍ،

стр. 3821

ويثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ؛ لأنَّها نَوعٌ مِنْ البَيعِ؛ فيَقولُ: قَبِلتُ ولي الخِيارُ يَومَيْنِ مَثَلًا، أمَّا قِسمةُ الإجبارِ فلا خِيارَ فيها، لأنَّها إفرازٌ، لا بَيعٌ. ٨ - في الخُلعِ: قالَ الحَنفيَّةُ: يَصحُّ خِيارُ الشَّرطِ في الخُلعِ على مالٍ إذا شَرَطتِ الخِيارَ الزَّوجةُ؛ لأنَّ الخُلعَ في هذه الحالةِ عَقدٌ لازِمٌ مِنْ جانِبِ الزَّوجِ، لا مِنْ جانِبِها هي؛ فإنَّ العِوَضَ مِنْ جانِبِ الزَّوجِ اليَمينُ، وهو لا يَحتمِلُ الفَسخَ، أمَّا العِوَضُ مِنْ جانِبِ الزَّوجةِ فهو المالُ، وهو يَحتمِلُ الفَسخَ، فصَحَّ اشتِراطُ الخِيارِ لَها. وقالَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: لا يَصحُّ خِيارُ الشَّرطِ في الخُلعِ؛ لأنَّ ذلك كُلَّه ليسَ بَيعًا، ولا في مَعناه. ٩ - في الإبراءِ مِنْ الدَّيْنِ، فلو قالَ: أبرَأتُكَ على أنِّي بالخِيارِ صَحَّ في أحَدِ القَولَيْنِ عندَ الحَنفيَّةِ، ونقَل بَعضُهم أنَّ شَرطَ الخِيارِ في الإبراءِ باطِلٌ. ١٠ - في الوَقفِ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الوَقفِ عندَ أبي يُوسفَ وابنِ عَبدِ السَّلامِ مِنْ المالِكيَّةِ. وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمَّدٌ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: لا يثبُتُ في الوَقفِ خِيارُ الشَّرطِ، أمَّا عندَ أبي حَنيفةَ فإنَّه غيرُ لازِمٍ، فلا مَعنَى لِاشتِراطِ الخِيارِ فيه، وعندَ مُحمَّدٍ هو -وإنْ كانَ يَقولُ بلُزومِه- اشتَرطَ ألَّا يَكونَ فيه خِيارُ شَرطٍ، وأمَّا عندَ الشافِعيَّةِ فلأنَّه إزالةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُربةِ، فلا يثبُتُ فيه الخِيارُ، كالعِتقِ. ١١ - في المُزارَعةِ والمُساقاةِ عندَ الحَنفيَّةِ، إلحاقًا لَهما بالإجارةِ، ولا يَصحُّ فيها خِيارُ الشَّرطِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.

стр. 3822

١٢ - في الكَفالةِ والضَّمان: قالَ الحَنفيَّةُ وابنُ حامِدٍ وابنُ الجَوزيِّ مِنْ الحَنابِلةِ: يَصحُّ خِيارُ الشَّرطِ في الكَفالةِ بنَفْسٍ أو مالٍ، ويَصحُّ الخِيارُ فيها لِلمَكفولِ له ولِلكَفيلِ. وقالَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ؛ لأنَّ الخِيارَ جُعِلَ لِيُعرَفَ ما فيه الحَظُّ، والضَّمينُ والكَفيلُ على بَصيرةٍ أنَّه لا حَظَّ لَهما، ولأنَّه عَقدٌ لا يَفتقِرُ إلى القَبولِ لَم يَدخُلْه خِيارٌ، كالنَّذرِ، ولأنَّ الضَّامِنَ يَدخُلُ فيهما مُتطوِّعًا مع الرِّضا بالعَينِ، ولِهذا يُقالُ: الكَفالةُ: أوَّلُها نَدامةٌ، وأوسَطُها مَلامةٌ، وآخِرُها غَرامةٌ. فَإنْ شُرِطَ الخِيارُ فيهما قالَ القاضي: عِندي أنَّ الكَفالةَ تَبطُلُ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه شَرطٌ على ما يُنافي مُقتَضاها، ففَسَدتْ، كما لو شرَط ألَّا يُؤَدِّيَ ما على المَكفولِ به؛ وذلك لأنَّ مُقتَضى الضَّمانِ والكَفالةِ لُزومُ ما ضمِنه أو تَكفَّلَ به، والخِيارُ يُنافي ذلك. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ أنْ يَبطُلَ الشَّرطُ وتَصحَّ الكَفالةُ، كما قُلْنا في الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ، ولو أقَرَّ بأنَّه كَفَلَ بشَرطِ الخِيارِ لزِمتْه الكَفالةُ وبطَل الشَّرطُ؛ لأنَّه وَصَلَ بإقرارِه ما يُبطِلُه؛ فأشبَهَ استِثناءَ الكُلِّ (١). ١٣ - في الشُّفعةِ: يثبُتُ خِيارُ الشَّرطِ في الشُّفعةِ عندَ الحَنفيَّةِ، ولا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّها لا تَقِفُ على التَّراضي ومَن لا يُعتبَرُ رِضاه لا خِيارَ له، وإذا لَم يَثبُتْ في أحَدِ طَرَفَيْه لَم يَثبُتْ في الآخَرِ، كسائِرِ العُقودِ.

стр. 3823

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ أنْ يَثبُتَ الخِيارُ لِلشَّفيعِ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ يُقصَدُ فيها العِوَضُ، فأشبَهَتْ سائِرَ البَيعِ (١). ١٤ - في الإقالةِ: يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ عندَ الحَنفيَّةِ، ولا يثبُتُ فيها عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ. ١٥ - في الهِبةِ: الهِبةُ إذا كانَتْ بغيرِ عِوَضٍ لا يثبُتُ فيها الخِيارُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وإنْ كانَتْ بعِوَضٍ يثبُتُ فيها الخِيارُ عندَ الحَنابِلةِ وفي وَجْهٍ لِلشافِعيَّةِ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ؛ فأشبَهَتِ البَيعَ. والوَجْهُ الآخَرُ لِلشافِعيَّةِ: لا يثبُتُ؛ لأنَّها -وإنْ كانَتْ مُعاوَضةً- ليسَ القَصدُ مِنها العِوَضَ؛ فلَم يَثبُتْ فيها الخِيارُ، كالنِّكاحِ. وقالَ القاضي أبو الطَّيِّبِ: لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ، وَجهًا واحِدًا، وفي خِيارِ المَجلِسِ وَجهانِ. ١٦ - في الكِتابةِ على مالٍ: يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ عندَ الحَنفيَّةِ. ١٧ - في العِتقِ على مالٍ: يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ عندَ الحَنفيَّةِ. ١٨ - في النِّكاحِ: فلا يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ باتِّفاقِ المَذاهبِ الثَّلاثةِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه لا يُقصَدُ مِنه العِوَضُ، ولأنَّ اسمَ البَيعِ لا يَصدُقُ عليه. ١٩ - في اليَمينِ: فلا يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.

стр. 3824

٢٠ - في النَّذرِ: فلا يثبُتُ فيه خِيارُ الشَّرطِ عندَ الحَنفيَّةِ و الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ. ٢١ - في الصَّرفِ. ٢٢ - في السَّلَمِ، كما تَقدَّمَ. ٢٣ - في الإقرارِ: قالَ الحَنفيَّةُ: إذا أقَرَّ بشَيءٍ لا يَقبَلُ الخِيارَ على أنَّه كانَ له الخِيارُ فيه فإنَّه يُلزَمُ بإقرارِه بدُونِ خِيارٍ، سَواءٌ صَدَّقَه المُقَرُّ له في الخِيارِ أو لا، أمَّا إذا أقَرَّ بشَيءٍ يَقبَلُ شَرطَ الخِيارِ، كما إذا أقَرَّ بعَقدِ بَيعٍ، وقَع له الخِيارُ؛ فإنَّه يَصحُّ باعتِبارِ العَقدِ، لا باعتِبارِ الإقرارِ؛ لأنَّ الإقرارَ في ذاتِه لا يَقبَلُ الخِيارَ، وإنَّما يَصحُّ إذا صَدَّقَه الطَّرفُ الآخَرُ، أو بَرهَنَ على قَولِه. ٢٤ - في الوَكالةِ: لا يثبُتُ في الوَكالةِ خِيارُ الشَّرطِ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّها مِنْ العُقودِ الجائِزةِ. وكذا الشَّرِكةُ والمُضارَبةُ والعاريةُ والمُسابَقةُ والجَعالةُ. ٢٥ - في الوَصيَّةِ: الوَصيَّةُ قبلَ المَوتِ لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه لا أثَرَ لِرَدِّ المُوصَى له، ولا لِقَبولِه قبلَه؛ لأنَّ المُوصِي بالخِيارِ إلى أنْ يَموتَ؛ فإذا ماتَ سقَط خِيارُه، وكانَ المُوصَى له بالخِيارِ إنْ كانَ مُعيَّنًا، إلى أنْ يَقبَلَ، وهل يثبُتُ له الخِيارُ بعدَ القَبولِ وقبلَ القَبضِ؟ فيه وَجهانِ لِلشافِعيَّةِ. ونَصَّ الحَنفيَّةُ على أنَّ خِيارَ الشَّرطِ يثبُتُ في البَيعِ الفاسِدِ، كما يثبُتُ في البَيعِ الجائِزِ، حتى لو باعَ عَبدًا بألْفِ دِرهَمٍ ورِطلٍ مِنْ خَمرٍ على أنَّه بالخِيارِ؛

стр. 3825

فقبَضه المُشتَرِي بإذْنِ البائِعِ، وأعتَقَه في الأيَّامِ الثَّلاثةِ، لا يَنفُذُ إعتاقُه، ولَولا خِيارُ الشَّرطِ لِلبائِعِ لَنَفَذَ إعتاقُ المُشتَرِي بعدَ القَبضِ. قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: ومُفادُه صِحَّةُ إعتاقِه بعدَ مُضيِّ المُدَّةِ؛ لِزَوالِ الخِيارِ، وهو ظاهِرٌ. وكَما يثبُتُ خيارُ الشَّرطِ في المَبيعِ بَيعًا فاسِدًا، يثبُتُ فيه خيارُ العَيبِ، ولِلمُشتَرِي بعدَ قَبضِه أنْ يَرُدَّه بالعَيبِ بقَضاءٍ وبِغيرِ قَضاءٍ. وأمَّا المالِكيَّةُ فلَم أقِفْ لَهم على قَولٍ فيما يثبُتُ فيه خيارُ الشَّرطِ وما لا يثبُتُ، إلَّا في الصَّرفِ والسَّلَمِ والوَقفِ (١). اشتِراطُ الخيارِ لأجنَبيٍّ عن العَقدِ: اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا لو اشتَرطَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ أو كِلاهما الخيارَ لِأجنَبيٍّ عن العَقدِ، هل يَصحُّ أو لا؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في

стр. 3826

الأظهَرِ إلى جَوازِ أنْ يَشتَرِطَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ الخيارَ لِأجنَبيٍّ، سَواءٌ وقَع الِاشتِراطُ مِنْ العاقِدَيْنِ أو مِنْ أحَدِهما، وسَواءٌ أكانَ الأجنَبيُّ المُشتَرَطُ له الخيارُ شَخصًا واحِدًا مُعيَّنًا مِنْ العاقِدَيْنِ كِلَيهما أو كانَ هناك عن كُلٍّ مِنهما شَخصٌ غيرُ مَنْ اشتَرطَه الآخَرُ، على ما نصَّ عليه الشافِعيَّةُ؛ لأنَّ الخيارَ جُعِلَ إلى شَرطِهما لِلحاجةِ، ورُبَّما دَعَتِ الحاجةُ إلى شَرطِه لِلأجنَبيِّ أنْ يَكونَ أعرَف بالمَتاعِ مِنهما، فلا يَجوزُ إلغاؤُه مع إمكانِ تَصحيحِه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «المُسلِمونَ على شُروطِهم» (١). وفي لَفظٍ: «المُسلِمونَ عندَ شُروطِهم ما وافَقَ الحَقَّ مِنْ ذلك» (٢). لكنَّ الحَنابِلةَ قالوا: هذا الحُكمُ جائِزٌ فيما لو أطلَقَ الخيارَ لِلأجنَبيِّ ولَم يَقُلْ: (دُوني)، أو قالَ له ولِلأجنَبيِّ، أمَّا لو قالَ مَنْ له الخِيارُ: أشتَرِطُ الخيارَ لِلأجنَبيِّ دُوني، لَم يَصحَّ الشَّرطُ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ الخيارَ شُرِعَ لِتَحصيلِ الحَظِّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ، فلا يَصحُّ جَعلُه لِمَنْ لا حَظَّ له فيه. وظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ أنَّه يَصحُّ أيضًا. فعلى هذا يَكونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ المُشتَرِطِ والأجنَبيِّ الذي شُرِطَ له الخيارُ في مُدَّةِ الخيارِ الإجازةُ أو الفَسخُ؛ فأيُّهما أجازَ جازَ، وأيُّهما فسَخ انفسخَ، ولا يَلزَمُ الأجنَبيَّ مُراعاةُ الأصلَحِ لِلشارِطِ.

стр. 3827

فلو أجازَ أحَدُهما أو فسَخ قبلَ الآخَرِ قالَ الحَنفيَّةُ: السَّابِقُ مِنْ الإجازةِ أو الفَسخِ هو المُعتبَرُ؛ لِوُجودِه في زَمانٍ لا يُزاحِمُه فيه غيرُه، والأخيرُ لا حُكمَ لَه. وإنْ فسَخ أحَدُهما وأجازَ الآخَرُ في اللَّحظةِ نَفْسِها يُرجَّحُ جانِبُ الفَسخِ؛ لأنَّ الخيارَ شُرِعَ له؛ فجانِبُه أوْلَى. وقالَ الشافِعيَّةُ في الأظهَرِ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنهما الِاستِقلالُ بالفَسخِ؛ فلَو فسَخ أحَدُهما واختارَ الآخَرُ، قُدِّمَ الفَسخُ. وأمَّا المالِكيَّةُ فاتَّفق المَذهبُ عندَهم على أنَّ الخيارَ لِلأجنَبيِّ، إذا جعَله له المُتَبايِعانِ فقَولُه لازِمٌ لَهما. واختلَف المَذهبُ إذا جعَل أحَدُهما الخيارَ لِلأجنَبيِّ فاختلَف البائِعُ ومَن جعَل له البائِعُ الخيارَ أو المُشتَرِي، ومَن جعَل له المُشتَرِي الخِيارَ؛ فقيلَ القَولُ في الإمضاءِ والرَّدِّ قَولُ الأجنَبيِّ، سَواءٌ اشتَرطَ خِيارَه البائِعُ أو المُشتَرِي، وقالَ عَكسَ هذا القَولِ مَنْ جعَل خِيارَه هُنا كالمَشورةِ. وقيلَ بالفَرقِ بينَ البائِعِ والمُشتَرِي، أي أنَّ القَولَ في الإمضاءِ والرَّدِّ قَولُ البائِعِ دونَ الأجنَبيِّ، ويَكونُ قَولَ الأجنَبيِّ دونَ المُشتَرِي إنْ كانَ المُشتَرِي هو المُشتَرِطَ الخِيارَ. وقيلَ: القَولُ قَولُ مَنْ أرادَ مِنهما الإمضاءَ، وإنْ أرادَ البائِعُ الإمضاءَ، وأرادَ الأجنَبيُّ الذي اشتَرطَ خِيارَه الرَّدَّ ووافَقَه المُشتَرِي؛

стр. 3828

فالقَولُ قَولُ البائِعِ في الإمضاءِ، وإنْ أرادَ البائِعُ الرَّدَّ وأرادَ الأجنَبيُّ الإمضاءَ، ووافَقَه المُشتَرِي فالقَولُ قَولُ المُشتَرِي، وكذلك إنِ اشتَرطَ الخيارَ لِلأجنَبيِّ المُشتَرِي؛ فالقَولُ فيهما قَولُ مَنْ أرادَ الإمضاءَ. وكذلك الحالُ في المُشتَرِي، وقيلَ بالفَرقِ في هذا بينَ البائِعِ والمُشتَرِي، أي إنِ اشتَرطَه البائِعُ فالقَولُ قَولُ مَنْ أرادَ الإمضاءَ منهما، وإنِ اشتَرطَه المُشتَرِي فالقَولُ قَولُ الأجنَبيِّ، وهو ظاهِرُ ما في المُدوَّنةِ، قال ابنُ رُشدٍ: وهذا كُلُّه ضَعيفٌ (١). وذهَب الشافِعيَّةُ في القَولِ الآخَرِ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ والقاضي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا يَصحُّ اشتِراطُ الخيارِ لِأجنَبيٍّ؛ لأنَّ الخيارَ شَرطٌ لِتَحصيلِ الحَظِّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ وبِنَظَرِه؛ فلا يَكونُ لِمَنْ لا حَظَّ له فيه، ولأنَّه حُكمٌ مِنْ أحكامِ العَقدِ لا يثبُتُ لِغيرِ المُتعاقدَيْنِ، كسائِرِ الأحكامِ، إلَّا أنْ يُوكِّلَه الذي جعَل له الخِيارَ، فإنْ وكَله صَحَّ (٢).

стр. 3829

التَّفاضُلُ في الخِيارِ: نَصَّ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ التَّفاضُلُ في خيارِ الشَّرطِ، بأنْ يُشرَطَ لِأحَدِهما مُدَّةٌ، ولِلآخَرِ مُدَّةٌ دُونَها؛ لأنَّ ذلك حَقُّهما، وإنَّما جُوِّزَ رِفقًا بهما، فكَيفَما تَراضَيا به جازَ (١). ولَم أجِدْ نَصًّا لِلحَنَفيَّةِ والمالِكيَّةِ في هذا، وإنْ كانَ مُقتَضى كلامِهم لا يُنافي الجَوازَ، هذا واللَّهُ أعلَمُ، فقد جاءَ في كِتابِ «المَخارِجِ في الحِيَلِ» لِمُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ الشَّيبانيِّ: قُلتُ: أرَأيتَ رَجُلًا أمَرَ رَجُلًا أنْ يَشتَريَ دارًا بألْفِ دِرهَمٍ وأخبَرَه بأنَّه إنْ فعَل اشتَراها الآمِرُ مِنه بألْفٍ ومِئةٍ؛ فخافَ المَأمورُ إنِ اشتَراها أنْ يَبدوَ لِلآمِرِ في شِرائِها؟ قالَ: يَشتَري الدَّارَ على أنَّه بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ فيها، ويَقبِضُها، ثم يَأتيه الآمِرُ فيَقولُ لَهُ: قد أخَذتُها مِنْكَ بألْفٍ ومِئةٍ. فيَقولُ المَأمورُ: هي لَكَ بذلك (٢). فإنَّما قالَ: الآمِرُ يَبدَأُ فيَقولُ: أخَذتُها مِنْكَ بألْفٍ ومِئةٍ؛ لأنَّ المَأمورَ لو بَدَأ فقالَ: بِعتُها منكَ، فرُبَّما لا يَرغَبُ في شِرائِها، ويَسقُطُ خيارُ المَأمورِ بذلك؛ فكانَ الِاحتياطُ في أنْ يَبدَأ الآمِرُ حتى إذا قالَ المَأمورُ: هي لَكَ بذلك، تَمَّ البَيعُ بينَهما، وإنْ لَم يَرغَبِ الآمِرُ في شِرائِها تَمكَّنَ المَأمورُ مِنْ رَدِّها بشَرطِ الخِيارِ، فيَندفِعُ الضَّرَرُ عنه بذلك.

стр. 3830

وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: المِثالُ الحادي بعدَ المِئةِ: رَجُلٌ قالَ لِغيرِه: اشتَرِ هذه الدَّارَ أو هذه السِّلعةَ مِنْ فُلانٍ بكذا وكذا، وأنا أُربِحُكَ فيها كذا وكذا، فخافَ إنِ اشتَراها أنْ يَبدوَ لِلآمِرِ فلا يُريدَها، ولا يَتمكَّنَ مِنْ الرَّدِّ؛ فالحِيلةُ أنْ يَشتَريَها على أنَّه بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ أو أكثَرَ، ثم يَقولَ لِلآمِرِ: قد اشتَرَيتُها بما ذَكَرتَ، فإنْ أخَذها منه وإلَّا تَمكَّنَ مِنْ رَدِّها على البائِعِ بالخِيارِ؛ فإنْ لَم يَشتَرِها الآمِرُ إلَّا بالخيارِ فالحِيلةُ أنْ يَشتَرِطَ له خِيارًا أنقَصَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ التي اشتَرطَها هو على البائِعِ؛ لِيَتَّسِعَ له زَمَنُ الرَّدِّ إنْ رُدَّتْ عليه (١). إلحاقُ الخيارِ بالبَيعِ بعدَ انعِقادِه: اختلَف الفُقهاءُ فيما لو ألحَقا في العَقدِ خِيارًا بعدَ لُزومِ البَيعِ، هل يَلحَقُه ويَصحُّ أو لا؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ. قالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ إلحاقُ خيارِ الشَّرطِ بالبَيعِ، فلو قالَ أحَدُهما بعدَ البَيعِ -ولو بأيَّامٍ-: جَعَلتُكَ بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، صَحَّ بالإجماعِ. فلو شَرَطاه بعدَه أزيَدَ مِنْ الثَّلاثةِ فسَد العَقدُ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّها أقصى مُدَّةِ الخيارِ عندَه، خِلافًا لِأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّهما قالا: يَجوزُ الخيارُ أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ، كما لو ألحَقا بالبَيعِ شَرطًا فاسِدًا، فإنَّه يَلتحِقُ ويَفسُدُ العَقدُ عندَه، وعندَهما لا يَفسُدُ ويَبطُلُ الشَّرطُ (٢).

стр. 3831

وقالَ المالِكيَّةُ: وصَحَّ الخيارُ بعدَ انعِقادِ البَيعِ على البَتِّ لِلمُشتَرِي أو لِلبائِعِ، بأنْ يَجعَلَ أحَدُهما لِصاحِبِه، أو كُلٌّ مِنهما لِلآخَرِ الخِيارَ، أو لِغيرِهما، بعدَ بَتِّ البَيعِ إنْ نُقِدَ الثَّمنُ لِلبائِعِ، وأمَّا الجَمعُ بينَ البَتِّ والخِيارِ في عَقدٍ واحِدٍ فهو مَمنوعٌ؛ لِخُروجِ الرُّخصةِ عن مَورِدِها؛ لأنَّ إباحةَ الخيارِ رُخصةٌ، وذلك لأنَّ الخيارَ مُحتَوٍ على غَرَرٍ؛ إذ لا يَدري كُلٌّ مِنْ المُتَبايِعَيْنِ ما يَحصُلُ لَه، هل الثَّمنُ أو المُثَمَّنُ؟ لِجَهلِه بانبرامِ العَقدِ، ومتى يَحصُلْ يَكُنْ مُقتَضاه أنْ يَكونَ مَمنوعًا، لكنْ رَخَّصَ الشارِعُ فيه فأباحَه عندَ انفِرادِه، وهو بَيعٌ مُؤتَنَفٌ، بمَنزِلةِ بَيعِ المُشتَرِي لَها مِنْ غيرِ البائِعِ، وضَمانُه حينَ وُقوعِه بعدَ البَتِّ مِنْ المُشتَرِي؛ لأنَّه صارَ بائِعًا حينَئذٍ. وإذا لَم يُنقَدِ الثَّمنُ لا يَصحُّ؛ لأنَّه إذا لَم يَنقُدْه فقد فسَخ البائِعُ مالَه في ذِمَّةِ المُشتَرِي في مُعيَّنٍ يَتأخَّرُ قَبضُه (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: إنْ شرَط الخيارَ بعدَ العَقدِ في المَجلِسِ صَحَّ في الأظهَرِ، ولو شرَط في العَقدِ الخيارَ مِنْ الغَدِ، كأنْ قالَ: بِعتُكَ الآنَ على أنْ يَكونَ لي الخيارُ مِنْ الغَدِ -مَثَلًا-، بطَل العَقدُ، وإلَّا أدَّى إلى جَوازِه بعدَ لُزومِه (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: لو ألحَقا في العَقدِ خِيارًا بعدَ لُزومِه لَم يَلحَقْه؛ لأنَّه عَقدٌ لازِمٌ، فلَم يَصِرْ جائِزًا بقَولِهما، كالنِّكاحِ، وإنْ فعَلا ذلك في مُدَّةِ

стр. 3832

الخيارِ جازَ؛ لأنَّه جائِزٌ، فجازَ إبقاؤُه على جَوازِه (١). ابتِداءُ مُدَّةِ الخِيارِ: اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا تَبايَعا بشَرطِ الخيارِ هل تُحسَبُ مُدَّةُ الخيارِ مِنْ وَقتِ العَقدِ أو مِنْ وَقتِ التَّفرُّقِ؟ فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهما إلى أنَّ مُدَّةَ الخيارِ تَبدَأُ مِنْ وَقتِ العَقدِ، وليسَ مِنْ وَقتِ التَّفرُّقِ؛ لأنَّها مُدَّةٌ مُلحَقةٌ بالعَقدِ، فأشبَهَتِ الأجَلَ، ولأنَّ الِاشتِراطَ سَبَبُ ثُبوتِ الخِيارِ، فيَجِبُ أنْ يَتعقَّبَه حُكمُه، كالمِلْكِ في البَيعِ، ولأنَّا لو جَعَلْنا ابتِداءَها مِنْ حينِ التَّفَرُّقِ أدَّى إلى جَهالَتِهِ؛ لأنَّا لا نَعلَمُ مَتَى يَتفرَّقانِ؛ فلا نَعلَمُ متى ابتِداؤُه، ولا وَقتَ انتِهائِه، ولا يُمنَعُ ثُبوتُ الحُكمِ بسَبَبَيْنِ، كتَحريمِ الوَطءِ بالصِّيامِ والإحرامِ والظِّهارِ. فعلى هذا: إذا اصطَحَبا في مَجلِسِ العَقدِ أربَعةَ أيَّامٍ كانَ الخيارُ لَهما في مُدَّةِ الثَّلاثةِ بالشَّرعِ والشَّرطِ، وفيما بعدَ الثَّلاثةِ بالشَّرعِ. وعلى هذا إنْ شرَطا أنْ يَكونَ ابتِداءُ الخيارِ مِنْ حينِ التَّفرُّقِ بطَل البَيعُ؛ لأنَّ ابتِداءَ الخيارِ يَكونُ مَجهولًا. وقالَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ عندَهما بأنَّ مُدَّةَ الخيارِ تَبدَأُ مِنْ حينِ التَّفرُّقِ؛ لأنَّ الخيارَ ثابِتٌ في المَجلِسِ حُكمًا، فلا حاجةَ إلى إثباتِه بالشَّرطِ، ولأنَّ حالةَ المَجلِسِ كحالةِ العَقدِ؛ لأنَّ لَهما فيه الزِّيادةَ والنُّقصانَ، فكانَ

стр. 3833

كحالةِ العَقدِ في ابتِداءِ مُدَّةِ الخيارِ بعدَ انقِضائِه؛ فعلى هذا: إذا اصطَحَبا في مَجلِسِ البَيعِ أربَعةَ أيَّامٍ، ثم افتَرَقا قبلَ الفَسخِ أو الإجازةِ فإنَّ الخيارَ في الأربَعةِ ثابِتٌ بالشَّرعِ، وفيما بعدَها يَكونُ الخيارُ ثابِتًا بالشَّرطِ. فعلى هذا إنِ اشتَرَطا أنْ يَكونَ ابتِداءُ خيارِ الشَّرطِ مِنْ حينِ العَقدِ ففيه وَجهانِ لِلشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ: أصَحُّهما عندَهما: يَصحُّ الشَّرطُ والبَيعُ؛ لأنَّ ابتِداءَ الخيارِ يَكونُ مَعلومًا. والآخَرُ: لا يَصحُّ الشَّرطُ؛ لأنَّه يُسقِطُ مُوجِبَ العَقدِ، ولأنَّ خيارَ المَجلِسِ يُغني عن خِيارٍ آخَرَ، فيُمنَعُ ثُبوتُه، وهل يَبطُلُ البَيعُ؟ فيه وَجهانِ عندَ الشافِعيَّةِ (١). حُكمُ الغايةِ في مُدَّةِ الخِيارِ: اختلَف العُلماءُ فيما إذا لو باعا نَهارًا وشرَطا الخيارَ إلى اللَّيلِ أو إلى الغَدِ، هل يَدخُلُ اللَّيلُ والغَدُ في مُدَّةِ الخيارِ أو لا؟ فقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ: إنَّه إذا اشتَرَى الرَّجُلُ سِلعةً واشتَرطَ الخيارَ إلى اللَّيلِ أو إلى الغَدِ فإنَّ الخيارَ يَنقطِعُ بدُخول أوَّلِ اللَّيلِ، وعندَ طُلوعِ الفَجرِ، ولا يَدخُلُ اللَّيلُ أو الغَدُ في مُدَّةِ الخِيارِ؛ لأنَّ لَفظَ (إلى) مَوضوعٌ لِانتِهاءِ الغايةِ؛ فلا يَدخُلُ ما بعدَها فيما قبلَها، كما في قَولِ الله تَعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]،

стр. 3834

وكالأجَلِ؛ فلو قالَ: أنتِ طالِقٌ مِنْ واحِدةٍ إلى ثلاثٍ، أو: له عَلَيَّ مِنْ دِرهَمٍ إلى عَشَرةٍ، لَم يَدخُلِ الدِّرهِمُ العاشِرُ والطَّلقةُ الثَّالثةُ، وليسَ ههُنا شَكٌّ، ولأنَّ الأصلَ هو حَملُ اللَّفظِ على مَوضوعِه؛ فكَأنَّ واضِعَ اللُّغةِ قالَ: متى سَمِعتُم هذه اللَّفظةَ؛ فافهَموا مِنها انتِهاءَ الغايةِ. ولأنَّ الأصلَ لُزومُ العَقدِ، وإنَّما خُولِفَ فيما اقتَضاه الشَّرطُ، فيثبُتُ ما يُتيقَّنُ مِنه، وما شَكَكْنا فيه رَدَدْناه إلى الأصلِ. وقالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وهو قَولٌ مُخرَّجٌ عندَ الحَنابِلةِ: إذا شَرطَ الخيارَ إلى اللَّيلِ أو إلى الغَدِ؛ يَدخُلُ اللَّيلُ والغَدُ في مُدَّةِ الخِيارِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ الغايةِ هُنا هو إخراجُ ما بعدَها مِنْ حُكمِ ما قبلَها؛ فالغاياتُ مُنقَسِمةٌ إلى: غايةِ إخراجٍ، وغايةِ إثباتٍ، فغايةُ الإخراجِ تَدخُلُ تَحتَ ما ضُرِبتْ له الغايةُ، كما في قَولِه تَعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، والغايةُ هَهُنا في مَعنَى غايةِ الإخراجِ، ألَا تَرَى أنَّه لو لَم يَذكُرِ الوَقتَ أصلًا اقتَضى ثُبوتَ الخيارِ في الأوقاتِ كُلِّها، حتى لو لَم يَصحَّ؟ لأنَّه يَكونُ في مَعنَى شَرطِ خِيارٍ مُؤبَّدٍ، بخِلافِ التَّأجيلِ إلى غايةٍ؛ فإنَّه لَولا ذِكرُ الغايةِ لَم يَثبُتِ الأجَلُ أصلًا؛ فكانَتِ الغايةُ غايةَ إثباتٍ، فلَم تَدخُلْ تَحتَ ما ضُرِبتْ له الغايةُ. ولأنَّ الخيارَ ثابِتٌ بيَقينٍ لا نُزيلُه بالشَّكِّ (١).

стр. 3835

مِلْكُ المَبيعِ في زَمَنِ الخِيارِ: اختلَف العُلماءُ في مِلْكِ المَبيعِ في زَمَنِ الخِيارِ، هل يَنتَقِلُ المِلْكُ إلى المُشتَرِي في بَيعِ الخيارِ بالعَقدِ نَفْسِه أو لا؟ فظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابِلةِ وهو أحَدُ أقوالِ الشافِعيِّ والمالِكيَّةِ أنَّ المِلْكَ يَنتَقِلُ إلى المُشتَرِي في بَيعِ الخيارِ بالعَقدِ نَفْسِه؛ لأنَّ البَيعَ تَمليكٌ، بدَليلِ قَولِه: مَلَّكتُكَ، فيثبُتُ به المِلْكُ، كسائِرِ البَيعِ، يُحقِّقُه أنَّ التَّمليكَ يَدلُّ على نَقلِ المِلْكِ إلى المُشتَرِي ويَقتَضيه لَفظُه، والشَّرعُ قد اعتَبَرَه وقَضى بصِحَّتِه، فيَجِبُ أنْ يَعتبِرَه فيما يَقتَضيه ويَدلُّ عليه لَفظُه، وثُبوتُ الخيارِ فيه لا يُنافيه، كما لو باعَ عَرضًا بعَرضٍ، فوجَد كلُّ واحِدٍ منهما بما اشتَراه عَيبًا، وجَوازُ فَسخِه لا يُوجِبُ قُصورَه، ولا يَمنَعُ نَقلَ المِلْكِ، كبَيعِ المَعيبِ، وامتِناعُ التَّصرُّفِ إنَّما كانَ لِأجْلِ حَقِّ الغيرِ، فلا يَمنَعُ ثُبوتَ المِلْكِ، كالمَرهونِ والمَبيعِ قبلَ القَبضِ. وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيُّ في قَولٍ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المِلْكَ لا يَنتقِلُ لِلمُشتَرِي حتى يَنقَضيَ الخِيارُ، وإنَّما يَكونُ المِلْكُ فيه لِلبائِعِ، والضَّمانُ منه. والقَولُ الثَّالثُ لِلشافِعيِّ: أنَّ المِلْكَ مَوقوفٌ مُراعًى؛ فإنْ أمضَيا البَيعَ تَبيَّنا أنَّ المِلْكَ لِلمُشتَرِي بالعَقدِ نَفْسِه، وإلَّا تَبيَّنا أنَّه لَم يَنتَقِلْ عن البائِعِ. وحيثُ حُكِمَ بمِلْكِ المَبيعِ لِأحَدِهما حُكِمَ بمِلْكِ الثَّمنِ لِلآخَرِ، وحيثُ وَقَفَ وَقَفَ مِلكُ الثَّمنِ.

стр. 3836

وقالَ الحَنفيَّةُ: خيارُ البائِعِ يَمنَعُ خُروجَ المَبيعِ مِنْ مِلْكِه، ولا يَملِكُ المُشتَرِي التَّصرُّفَ فيه، وإنْ قبَضه بإذْنِ البائِعِ، والثَّمنُ يَخرُجُ مِنْ مِلْكِ المُشتَرِي إجماعًا، وهل يَدخُلُ في مِلكِ البائِعِ؟ عندَ أبي حَنيفةَ: لا يَدخُلُ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّي إلى اجتِماعِ البَدَلَيْنِ في مِلْكٍ واحِدٍ. وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ يَدخُلُ، حتى لا يُؤَدِّيَ إلى أنَّ الثَّمنَ لا مالِكَ لَه. وخيارُ المُشتَري لا يَمنَعُ خُروجَ المَبيعِ عن مِلكِ البائِعِ بالإجماعِ، وهل يَدخُلُ في مِلكِ المُشتَري؟ على خِلافٍ: فعندَ أبي حَنيفةَ: لا يَدخُلُ المَبيعُ في مِلكِ المُشتَري؛ لأنَّ الثَّمنَ باقٍ على مِلكِه؛ فلو ملكَ المَبيعَ لاجتمعَ في مِلْكِه العِوضانِ، وهذا لا يَصحُّ. وعندَهما يَدخُلُ؛ لأنَّ المَبيعَ قد خرَج مِنْ مِلكِ البائِعِ؛ فلَو لَم يَملِكْه المُشتَري يَكونُ زائِلًا، لا إلى مالِكٍ، ولا عَهدَ لَنا به في الشَّرعِ. ويَجِبُ نَفقَتُه على المُشتَرِي بالإجماعِ، إذا كانَ الخيارُ له؛ لأنَّه قد خرجَ مِنْ مِلْكِ البائِعِ، والثَّمنُ لا يَخرُجُ مِنْ مِلكِ المُشتَري بالإجماعِ. ولو تَصرَّفَ المُشتَري في المَبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ والخِيارُ له جازَ تَصرُّفُه إجماعًا، ويَكونُ إجازةً مِنه، ثم إذا كانَ الخيارُ لِلمُشتَري فنُفوذُ البَيعِ بأربعةِ مَعانٍ: أحَدُها: أنْ يَقولَ: أجزتُ، سَواءٌ كانَ البائِعُ حاضِرًا أو غائِبًا. والثاني: أنْ يَموتَ المُشتَري في مُدةِ الخيارِ فيَبطُلَ خِيارُه بمَوتِه، ويَنفُذَ عَقدُه ولا يَقومَ الورثةُ مَقامَه، ولا يَكونَ مَوروثًا عنه.

стр. 3837

والثالِثُ: أنْ تَمضيَ مُدةُ الخيارِ مِنْ غيرِ فسخٍ مِمَّنْ له الخِيارُ. والرابعُ: أنْ يَصيرَ المَبيعُ في يَدِ المُشتَرِي إلى حالٍ لا يَملِكُ المُشتَري فسخَه، مثلَ أنْ يَهلِكَ المبيعُ أو يَنتقِصَ في يَدِ المُشتَري نُقصانًا يَسيرًا، أو فاحشًا، بفِعلِ المُشتَري أو بفِعلِ البائعِ، أو بآفةٍ سَماويَّةٍ، أو بفِعلِ الأجنَبيِّ، أو بفِعلِ المعقودِ عليه؛ فإنَّه يَبطُلُ خيارُه ويَنفُذُ البَيعُ (١). الزَّوائدُ التي تَحدُثُ في المبيعِ في زَمنِ الخيارِ: اختلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ زَوائدِ المَبيعِ المتَّصلةِ والمنفَصلةِ في زَمَنِ الخِيارِ، هل هي لِلبائعِ أو لِلمُشتَري أو مَوقوفةٌ؟ قال الحَنفيَّةُ: إذا زادَ المَبيعُ في مُدةِ الخيارِ في قَبضِ المُشتَري زيادةً مُتَّصلةً مُتولَّدةً مِنْ الأصلِ، كالسَّمنِ والبُرءِ مِنْ المَرَضِ، مَنعتِ الرَّدَّ والفَسخَ وبطلَ خياُره، ونفذَ البَيعُ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ كالنُّقصانِ، وعندَ مُحمَّدٍ لا يُمنَعُ الرَّدُّ وهو على خيارِه. وإنْ كانَت مُتَّصلةً غيرَ مُتولَّدةٍ منه كالصَّبغِ والخياطةِ أو لَتِّ السَّويقِ، أو

стр. 3838

كانَت أرضًا فبَنى فيها أو غرسَ، مَنعتِ الرَّدَّ إجماعًا، ويَنفُذُ البَيعُ؛ فإنْ كانَت مُنفصلةً مُتولَّدةً منها كالوَلَدِ واللَّبنِ والثَّمرِ والأرشِ والعُقرِ، مَنعتِ الرَّدَّ أيضًا، وبطَل خِيارُه ونَفذَ البَيعُ. وإن كانَت مُنفصلةً غيرَ مُتولَّدةٍ منه، كالكَسبِ والهِبةِ والغَلَّةِ لا يُمنَعُ الرَّدُّ، وهو على خِيارِه، إلَّا أنَّه إذا اختارَ البَيعَ فالزِّيادةُ له مع الأصلِ إجماعًا، وإنِ اختارَ الفَسخَ يُرَدُّ الأصلُ مع الزِّيادةِ عندَ أبي حَنيفةَ، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: يُرَدُّ الأصلُ لا غيرُ، والزِّيادةُ لِلمُشتَري؛ لأنَّ مَذهبَهما أنَّ المبيعَ يَدخُلُ في مِلكِه، وعندَ أبي حَنيفةَ لا يَدخُلُ في مِلكِه، فتَكونُ الزَّوائدُ حاصِلةً مِنْ مِلكِ البائعِ، فيَلزمُه رَدُّها إليه (١). وقالَ المالِكيَّةُ: الغَلَّةُ الحاصِلةُ في أيَّامِ الخيارِ الكائِنةِ على المَبيعِ كاللَّبَنِ والبَيضِ والثَّمرةِ لِلبائِعِ، وكذلك الأرشُ المَأخوذُ مِنْ الأجنَبيِّ الجاني على المَبيعِ في أيَّامِ الخيارِ لِلبائِعِ، وإذا أخَذ البائِعُ أرْشَ الجِنايةِ يُخيَّرُ المُشتَري حينَئذٍ إمَّا أنْ يَأخُذَه مَعيبًا مَجَّانًا، وإمَّا أنْ يَرُدَّ ولا شَيءَ عليه. وما تَصدَّقَ به أو وَهبَ لِلعَبدِ في أيَّامِ الخيارِ فلِلبائِعِ أيضًا، وعليه النَّفَقةُ في أيَّامِ الخِيارِ. وأمَّا الوَلَدُ فلِلمُشتَري، ولا يَكونُ لِلبائِعِ؛ لأنَّه ليسَ بغَلَّةٍ، فهو كجُزءٍ مِنْ المَبيعِ، ومِثلُه الصُّوفُ، تَمَّ أو لا (٢).

стр. 3839

وقالَ الشافِعيَّةُ: الزَّوائِدُ التي تَحدُثُ في المَبيعِ في زَمَنِ الخيارِ إمَّا أنْ تَكونَ مُتَّصِلةً أو مُنفَصِلةً. فأمَّا الزَّوائِدُ المُتَّصلةُ: فلا أثَرَ لَها، وهي لِمَنْ يَستقِرُّ المِلْكُ في الأصلِ لَه. وأمَّا الزَّوائِدُ المُنفَصلةُ: فمنها الكَسبُ واللَّبَنُ والثَّمرةُ والبَيضُ؛ فإنْ تَمَّ البَيعُ فهو لِلمُشتَري على قَولِ أنَّ المِلْكَ له في زَمَنِ الخِيارِ، أو مَوقوفٌ. وعلى قَولِ أنَّ المِلْكَ في زَمَنِ الخيارِ لِلبائِعِ ففي الزيادةِ وكَسبِ المَبيعِ وَجهانِ، قال الجُمهورُ: الكَسبُ لِلبائِعِ؛ لأنَّ المِلْكَ له عندَ حُصولِه. وقالَ أبو عَلِيٍّ الطَّبَريُّ: لِلمُشتَري؛ لأنَّ سَبَبَ مِلكِه مَوجودٌ أوَّلًا، وقد استَقَرَّ عليه آخِرًا، فيَكتَفي به. وإنِ انفسخَ البَيعُ في زَمانِ الخيارِ بعدَ حُصولِ الكَسبِ فهو لِلبائِعِ على قَولِ أنَّ المِلْكَ له في زَمَنِ الخِيارِ، أو مَوقوفٌ، وعلى قَولِ أنَّ المِلْكَ لِلمُشتَري فوَجهانِ: أصَحُّهما: لِلمُشتَري، وقالَ أبو إسحاقَ: لِلبائِعِ. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ ﵀: وحاصِلُ الخِلافِ والوِفاقِ في الإجازةِ والفَسخِ أنَّا نَقولُ: مَنْ اجتَمعَ له مِلْكُ الأصلِ، واستِقرارُه عليه؛ فالمِلْكُ في الكَسبِ يَكونُ له، وَجهًا واحِدًا. ومَن لَم يَكُنْ له مِلْكٌ في الأصلِ، ولَم يَصِرِ المِلْكُ إليه في المَآلِ؛ فليسَ الكَسبُ له، وَجهًا واحِدًا. وإنْ كانَ المِلْكُ لِأحَدِهما أوَّلًا، ثم لَم يَستقِرَّ له، بَلْ صارَ إلى صاحِبِه؛ ففي المَسألةِ وَجهانِ:

стр. 3840

أحَدُهما: أنَّ مِلْكَ الكَسبِ لِمَنْ صارَ المِلْكُ في المَآلِ إليه. والثَّاني: أنَّ المِلْكَ في الكَسبِ لِمَنْ كانَ المِلْكُ حالةَ حُصولِ الكَسبِ له في الأصلِ. ولو حَدَثتْ ثَمَرةٌ، أو وَلَدٌ مَملوكٌ في زَمانِ الخِيارِ؛ فالقَولُ فيه كالقَولِ في الكَسبِ، حَرفًا حَرفًا. فهذا بَيانُ الزَّوائدِ في زَمانِ الخِيارِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: ما يَحصُلُ مِنْ غَلَّاتِ المَبيعِ ونَمائِه المُنفصلِ في مُدَّةِ الخيارِ فهو لِلمُشتَري، أمضَيا العَقدَ أو فَسخاه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، وهذا مِنْ ضَمانِ المُشتَري، فيَجِبُ أنْ يَكونَ خَراجُه له، ولأنَّ المِلْكَ يَنتقِلُ بالبَيعِ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ نَماؤُه له، كما بعدَ انقِضاءِ الخِيارِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَتخرَّجُ أنْ يَكونَ النَّماءُ المُنفصلُ لِلبائعِ إذا فَسخا العَقدَ بِناءً على الرِّوايةِ التي قُلْنا مِنْ أنَّ المِلْكَ لا يَنتقِلُ؛ فأمَّا النَّماءُ المُتَّصلُ فهو تابعٌ لِلمَبيعِ، أمضَيا العَقدَ، أو فَسخاه، كما يَتبَعُه في الرَّدِّ بالعَيبِ والمُقايَلةِ (٢). تَلَفُ السِّلعةِ في مُدةِ الخِيارِ: إذا تَلِفتِ السِّلعةُ في مُدةِ الخِيارِ، فإمَّا أنْ تَكونَ قبلَ القَبضِ، وإمَّا أنْ

стр. 3841

تَكونَ بعدَ القَبضِ، وإمَّا أنْ تَكونَ ممَّا لا يَغيبُ عليه، كالحَيوانِ، أو ممَّا يَغيبُ عليه، كالحُليِّ؛ فهل تَكونُ مِنْ ضَمانِ البائِعِ أو مِنْ ضَمانِ المُشتَري؟ على خِلافٍ وتَفصيلٍ عندَ الفُقهاءِ: فَقالَ الحَنفيَّةُ: لو هَلكَ المَبيعُ في يَدِ البائِعِ انفسخَ البَيعُ ولا شَيءَ على المُشتَري؛ فإذا قبَضه المُشتَري وهلَك في يَدِه في مُدةِ الخيارِ -وكانَ الخيارُ لِلبائِعِ- ضمِنه بالقيمةِ، إذا لَم يَكُنْ مِثليًّا، أمَّا إذا كانَ مِثليًّا فعليه مِثلُه؛ لأنَّه لَم يَنفُذِ البَيعُ، ولا نَفاذَ لِلتَّصرُّفِ بدُونِ المِلْكِ؛ فصارَ كالمَقبوضِ على سَومِ الشِّراءِ، وفيه القيمةُ. وإنْ كانَ الخيارُ لِلمُشتَري وهلَك في يَدِه هلَك بالثَّمنِ؛ لأنَّه عَجَزَ عن رَدِّه، فلزِمه ثَمَنُه، وكذلك إنْ دَخلَها عَيبٌ؛ لأنَّ العَيبَ يَمنعُ الرَّدَّ، والهَلاكُ لا يَخلو مِنْ مُقدِّمةِ عَيبٍ، فيَهلِكُ بعدَ انبرامِ العَقدِ، فيَلزَمُه الثَّمنُ. والفَرقُ بينَ الثَّمنِ والقيمةِ أنَّ الثَّمنَ ما تَراضَى عليه المُتبايِعانِ، سَواءٌ زادَ على القيمةِ أو نقَص، والقيمةُ ما قُوِّمَ به الشيءُ بمَنزِلةِ المِعيارِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نُقصانٍ (١). وقالَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ بأنَّ المَبيعَ بالخِيارِ، سَواءٌ كانَ الخيارُ لِلبائِعِ أو لِلمُشتَري إذا قبَضه المُشتَري؛ فتلِف أو ادَّعَى ضَياعَه، وكانَ ممَّا لا يُغابُ

стр. 3842

عليه، كالحَيَوانِ، حلَف المُشتَري، وسَواءٌ أكانَ مُتَّهَمًا أم لا، ويَضمَنُه البائِعُ، إلَّا إذا ظهَر كَذِبُ المُشتَري، فيَكونُ مِنْ ضَمانِه، ولا تُقبَلُ دَعواه، والضَّمانُ عليه، مثلَ أنْ يَقولَ: ضاعَتْ أمْسِ. فتَقولَ البَيِّنةُ: رَأيناها أمسِ. أو يَقولَ: ضاعَتْ أوَّلَ أمسِ بمَحضَرِ فُلانٍ. فيَقولَ فُلانٌ: لَم يَكُنْ ذلك في عِلمي. أو يَشهَدَ عليه بأنَّه أكَلَه أو أتلَفَه أو باعَه، فإنَّه يَضمَنُ، ولا يُقبَلُ مِنه يَمينٌ. وأمَّا إنْ كانَ ممَّا يُغابُ عليه، كالحُليِّ ونَحوِها، وادَّعَى المُشتَري هَلاكَه أو ضَياعَه يَكونُ مِنْ ضَمانِه، إلَّا إذا أقامَ بَيِّنةً على صِدقِ دَعواه، فيُصدَّقُ ويَكونُ الضَّمانُ على البائِعِ. وإذا ضمِن المُشتَري فيما إذا قبَض المَبيعَ وهو ممَّا يُغابُ عليه، وقد انعقَد البَيعُ على أنَّ الخيارَ لِلبائِعِ، فإنَّ المُشتَريَ يَضمَنُ الأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ أو القيمةِ؛ لأنَّ مِنْ حُجَّةِ البائِعِ أنْ يَقولَ: أمضَيتُ، إنْ كانَ الثَّمنُ أكثَرَ، وأنْ يَقولَ: رَدَدتُ إنْ كانَتِ القيمةُ أكثَرَ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ، إلَّا أنْ يَحلِفَ المُشتَري أنَّه لَم يُهلِكْه وإنَّما هلَك بغيرِ سَبَبِه، فلا يَضمَنُ سِوَى الثَّمنِ، كما لو كانَ الخيارُ له، وغابَ على المَبيعِ، وادَّعَى تَلَفَه ضمِن الثَّمنَ فَقط. وقالَ أشهَبُ: يَضمَنُ الأكثَرَ مُطلَقًا، ولَم يُقبَلِ اليَمينُ منه. وإن كانَ الخيارُ لَهما فيما يَغيبُ عليه فالظَّاهِرُ تَغليبُ جانِبِ البائِعِ؛ لأنَّ المِلْكَ له حينَئذٍ، فيَضمَنُ المُشتَري الأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ والقيمةِ إنْ لَم يَحلِفْ ما فَرَّطَ، وإلَّا ضمِن الثَّمنَ فَقط (١).

стр. 3843

وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا تلِف المَبيعُ بآفةٍ سَماويَّةٍ في زَمَنِ الخيارِ فإنْ كانَ قبلَ القَبضِ انفسخَ البَيعُ، وإنْ كانَ بعدَه وقُلْنا: المِلْكُ لِلبائِعِ، انفسخَ أيضًا؛ فيُسترَدُّ الثَّمنُ ويُغرَّمُ المُشتَري لِلبائِعِ البَدَلَ، وهو المِثلُ أو القيمةُ. وإنْ قُلْنا: المِلْكُ لِلمُشتَري، أو مَوقوفٌ، فوَجهانِ أو قَولانِ: أحَدُهما: يَنفَسِخُ أيضًا؛ لِحُصولِ الهَلاكِ قبلَ استِقرارِ العَقدِ، وعلى المُشتَري القيمةُ يَومَ التَّلَفِ؛ لأنَّ المِلْكَ قبلَ ذلك لِلمُشتَري. وأصَحُّهما: لا يَنفسِخُ؛ لِدُخولِه في ضَمانِ المُشتَري بالقَبضِ، ولا أثَرَ لِوِلايةِ الفَسخِ، كما في خيارِ العَيبِ، وفي انقِطاعِ الخيارِ وَجهانِ: أحَدُهما: يَنقطِعُ كما يَنقطِعُ خيارُ الرَّدِّ بالعَيبِ بتَلَفِ المَبيعِ. وأصَحُّهما: لا، كما لا يَمتنِعُ التَّحالُفُ بثَمَنِ المَبيعِ، ويُخالِفُ الرَّدَّ بالعَيبِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ هُناكَ يَندفِعُ بالأرشِ. فإنْ قُلنا بالأوَّلِ استَقَرَّ العَقدُ ولزِم الثَّمنُ، وإنْ قُلنا بالثَّاني فإن تَمَّ العَقدُ وجَب الثَّمنُ، وإلَّا وَجَبتِ القيمةُ على المُشتَري، ويُردُّ الثَّمنُ، وإنْ تَنازَعا في قَدْرِ القيمةِ فالقَولُ قَولُ المُشتَري بيَمينِه، وقَطَعتْ طائِفةٌ مِنْ الأصحابِ بعَدَمِ الِانفِساخِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: وإنْ قُلنا: المِلْكُ لِلبائِعِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ، قالَ الإمامُ: وذَكَروا تَفريعًا أنَّه لو لَم يَنفسِخْ حتى انقَضى زَمَنُ الخيارِ فعلى البائِعِ رَدُّ الثَّمنِ، وعلى المُشتَري القيمةُ، قالَ الإمامُ: وهذا تَخليطٌ ظاهِرٌ. وقالَ أيضًا: لو قبَض المُشتَري المَبيعَ في زَمَنِ الخِيارِ، وأتلَفَه مُتلِفٌ قبلَ انقِضائِه، إنْ قُلنا: المِلْكُ لِلبائِعِ انفسخَ البَيعُ، كالتَّلَفِ، وإنْ قُلنا: لِلمُشتَري،

стр. 3844

أو مَوقوفٌ، نُظِرَ إنْ أتلَفَه أجنَبيٌّ بُنيَ على ما لو تلِف، وإنْ قُلنا: يَنفَسِخُ العَقدُ هُناكَ؛ فهو كإتلافِ الأجنَبيِّ المَبيعَ قبلَ القَبضِ، وسَيَأتي حُكمُه إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وإنْ قُلنا: لا يَنفسِخُ، وهو الأصَحُّ؛ فكذا هُنا، وعلى الأجنَبيِّ القيمةُ، والخِيارُ بحالِه؛ فإنْ تَمَّ البَيعُ؛ فهي لِلمُشتَري، وإلَّا فلِلبائِعِ، وإنْ أتلَفَ المُشتَري استَقَرَّ الثَّمنُ عليه. فإنْ أتلَفَه في يَدِ البائِعِ، وجَعَلنا إتلافَه قَبضًا؛ فهو كما لو تلِف في يَدِه، وإنْ أتلَفَه البائِعُ في يَدِ المُشتَري؛ ففي «التَّتمةِ» أنَّه يَبني على أنَّ إتلافَه كإتلافِ الأجنَبيِّ، أو كالتَّلَفِ بآفةٍ سَماويَّةٍ، وفيه خِلافٌ مَشهورٌ؛ فقالَ القاضي حُسَينٌ: إنْ أتلَفَه البائِعُ في يَدِ نَفْسِه وقُلْنا: المِلْكُ له، انفسخَ العَقدُ له، وإنْ قُلنا لِلمُشتَري ففي انفِساخِه قَولانِ: إنْ قُلنا لا يَنفسِخُ، بطَل خيارُ البائِعِ، وفي خيارِ المُشتَري وَجهانِ، وإنْ قُلنا لا يَبطُلُ ففُسِخَ، فذاكَ؛ فإنْ أجازَ أخَذ مِنْ البائِعِ القيمةَ، ورجَع إليه بالثَّمنِ. وقالَ أيضًا: إذا قبَض المَبيعَ في زَمَنِ الخِيارِ، ثم أودَعَه عندَ البائِعِ؛ فتلِف في يَدِه؛ فهو كما لو تلِف في يَدِ المُشتَري (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا تَلِفتِ السِّلعةُ في مُدةِ الخيارِ فلا يَخلو إمَّا أنْ تَكونَ قبلَ قَبضِ المُشتَري أو بعدَه. فإن هَلَكتْ في يَدِ البائِعِ قبلَ قَبضِ المُشتَري وكانَ مَكيلًا أو مَوزونًا

стр. 3845

انفسخَ البَيعُ، وكانَ مِنْ مالِ البائِعِ، إلَّا أنْ يُتلِفَه المُشتَري، فيَكونَ مِنْ ضَمانِه، ويَبطُلَ خِيارُه، وفي خيارِ البائِعِ رِوايَتانِ. وإنْ كانَ المَبيعُ غيرَ المَكيلِ والمَوزونِ ولَم يَمنَعِ البائِعُ المُشتَريَ مِنْ قَبضِه؛ فظاهِرُ المَذهبِ أنَّه مِنْ ضَمانِ المُشتَري، ويَكونُ كتَلَفِه بعدَ القَبضِ. وأمَّا إنْ تلِف المَبيعُ بعدَ القَبضِ في مُدَّةِ الخِيارِ؛ فهو مِنْ ضَمانِ المُشتَري، ويَبطِلُ خِيارُه، وفي خيارِ البائعِ رِوايَتانِ: إحداهُما: يَبطُلُ، وهو اختيارُ الخِرَقيِّ وأبي بَكرٍ؛ لأنَّه خيارُ فَسخٍ؛ فبطَل بتَلَفِ المَبيعِ كخيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ إذا تلِف المَعيبُ. والرِّوايةُ الثانيةُ: لا يَبطُلُ، ولِلبائعِ أنْ يَفسخَ ويُطالِبَ المُشتَريَ بقيمَتِه، وهذا اختيارُ القاضي وابنِ عَقيلٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتفَرَّقا». ولأنَّه خيارُ فَسخٍ لَم يَبطُلْ بتَلَفِ المَبيعِ، كما لو اشتَرَى ثَوبًا بثَوبٍ فتلِف أحَدُهما ووجدَ الآخَرُ بالثَّوبِ عَيبًا؛ فإنَّه يَرُدُّه ويَرجِعُ بقيمةِ ثَوبِه، كذا هَهُنا … وخِيارُ المَجلِسِ وخِيارُ الشَّرطِ في هذا كُلِّه سَواءٌ. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وضَمانُ المَبيعِ على المُشتَري إذا قبَضه، ولَم يَكُنْ مَكيلًا أو مَوزونًا؛ فإنْ تلِف أو نقَص أو حَدَث به عَيبٌ في مُدَّةِ الخِيارِ فهو مِنْ ضَمانِه؛ لأنَّه مِلكُه، وغَلَّتُه له، فكانَ مِنْ ضَمانِه، كما كانَ بعدَ انقِضاءِ الخِيارِ، ومُؤنَتُه عليه (١).

стр. 3846

مُسقِطاتُ الخيارِ: يَسقُطُ الخِيارُ بثَلاثةِ أشياءَ: ١ - إذا انقَضَتْ مُدَّةُ الخيارِ بطَل الخيارُ، ولزِم البَيعُ: ذهَب جُمهورُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّه إذا انقَضَتْ مُدَّةُ الخيارِ ولَم يَفسَخْ أحَدُهما بطَل الخيارُ ولزِم العَقدَ؛ لأنَّها مُدَّة مُلحَقةٌ بالعَقدِ، فبَطَلتْ بانقِضائِها، كالأجلِ، ولأنَّ الحُكمَ ببَقائِها يُفضي إلى بَقاءِ الخيارِ في غيرِ المُدَّةِ التي شَرَطاه فيها، والشَّرطُ سَبَبُ الخيارِ، فلا يَجوزُ أنْ يَثبُتَ به ما لَم يَتناوَلْه، ولأنَّه حُكمٌ مُؤَقَّتٌ فاتَ بفَواتِ وَقتِه، كسائِرِ المُؤَقَّتاتِ. ولأنَّ البَيعَ يَقتَضي اللُّزومَ وإنَّما يُخلَفُ مُوجِبُه بالشَّرطِ، ففيما لَم يَتناوَلْه الشَّرطُ يَجِبُ أنْ يَثبُتَ مُوجِبُه؛ لِزَوالِ المُعارِضِ، كما لو أمضَوْه (١). قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ الجُمهورُ مِنْ الفُقهاءِ على أنَّ مُدَّةَ الخيارِ إذا انقَضَتْ قبلَ أنْ يَفسخَ مَنْ له الخيارُ تَمَّ البَيعُ ولزِمهما جَميعًا ساعةَ انقِضاءِ المُدَّةِ. وقالَ مالِكٌ: إذا اشتَرطَ المُشتَري الخيارَ لِنَفْسِه فأتَى به بعدَ مَغيبِ الشَّمسِ مِنْ آخِرِ أيَّامِ الخيارِ، أو مِنْ الغَدِ أو قُربَ ذلك فله أنْ يَرُدَّ، وإنْ تَباعَدَ ذلك لَم يَرُدَّ. وهو رَأيُ ابنِ القاسِمِ قالَ: وقالَ مالِكٌ: إنِ اشتَرطَ أنَّه إنْ غابَتِ الشَّمسُ

стр. 3847

مِنْ أيامِ الخيارِ فلَم يَأتِ بالثَّوبِ لزِم البَيعُ، فلا خَيرَ في هذا البَيعِ، وهذا ممَّا انفَرَدَ به مالِكٌ لَم يَتبَعْه عليه إلَّا بَعضُ أصحابِه (١). وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ مُدَّةَ الخيارِ إذا انقَضَتْ قبلَ أنْ يَفسخَ مَنْ له الخيارُ فقد تَمَّ البَيعُ، ولزِمهما ساعةَ انقِضاءِ المُدَّةِ. وقالَ أيضًا: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ باعَ وابتاعَ على أنَّه بالخيارِ ثَلاثًا فمَضَتْ قبلَ أنْ يَكونَ مِنه نَقضٌ أو إجازةٌ أنَّ البَيعَ يَعودُ كأنَّه لا خيارَ فيه، وإنْ كانَ البائِعُ هو الذي له الخيارُ فقد مَضى، وإنْ كانَ المُشتَري فقد لزِمه البَيعُ، إلَّا مالِكًا؛ فإنَّه قالَ: إنْ نَقَضَ البَيعَ بقُربِ مُضيِّ الثَّلاثةِ جازَ نَقضُه، مثلَ أنْ يَنقُضَ عَشيَّةً، فيَرُدَّه غُدوًّا اليَومَ الذي يَتلوه (٢). ٢ - بِالفَسخِ في زَمَنِ الخِيارِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ له الخيارُ إذا فُسخَ البَيعُ في زَمَنِ الخيارِ انفسخَ البَيعُ. والفَسخُ إمَّا بالقَولِ وإمَّا بالفِعلِ. فالقَولُ: كقَولِ مَنْ له الخيارُ: رَدَدتُه أو فَسَختُه، أو استَرجَعتُه، ونَحوَ ذلك. وهل يُشترَطُ أنْ يَكونَ بمَحضَرٍ مِنْ الآخَرِ أو لا؟ فيه قَولانِ لِلعُلماءِ: فذهَب أبو حَنيفةَ ومُحمَّدٌ إلى أنَّ مَنْ له الفَسخُ لا يَصحُّ مِنه إلَّا إذا

стр. 3848

كانَ بحَضرةِ صاحِبه؛ لأنَّ العَقدَ تَعلَّقَ به حَقُّ كلِّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ، فلَم يَملِكْ أحَدُهما فَسخَه بغيرِ حُضورِ صاحِبِه، كالوَديعةِ. وذهَب جُمهورُ العُلماءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وأبو يُوسفَ إلى أنَّ مَنْ له الخيارُ يَجوزُ له الفَسخُ، ولو بغيرِ حَضرةِ صاحِبِه ورِضاه؛ لأنَّه أحَدُ طَرَفَيِ الخيارِ، فلا يَتوقَّفُ على حُضورِ المُتعاقدَيْنِ، كالإجازةِ، ولأنَّه رَفعُ عَقدٍ لا يَفتقِرُ إلى رِضا صاحِبِه؛ فوجَب ألَّا يَفتقِرُ إلى حُضورِه، كما لو طَلَّقَ زَوجَتَه. وعن الإمامِ أحمدَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: إنَّما يُملَكُ الفَسخُ برَدِّ الثَّمنِ إنْ فَسخَ البائِعُ وجَزَمَ به شَيخُ الإسلامِ، كالشَّفيعِ، وقالَ: وكذا التملُّكاتُ القَهريةُ، كأخذِ الغِراسِ والبِناءِ مِنْ المُستَعيرِ والمُستَأجِرِ بعدَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ. وكأخذِه الزَّرعَ مِنْ الغاصِبِ إذا أدرَكَه رَبُّ الأرضِ قبلَ حَصادِه، قالَ المَرداويُّ: وهذا هو الصَّوابُ الذي لا يُعدَلُ عنه خُصوصًا في زَمَنِنا هذا. وقد كَثُرتِ الحِيَلُ ويُحتمَلُ أنْ يُحمَلَ كَلامُ مَنْ أطلَقَ على ذلك (١). وأمَّا الفَسخُ بالفِعلِ فقالَ عنه الحَنفيَّةُ: بأنْ يَكونَ الثَّمنُ عَينًا فيَتصرَّفَ فيها المُشتَري تَصرُّفَ المُلَّاكِ فيَنفسِخَ العَقدُ، سَواءٌ كانَ البائِعُ حاضِرًا أو غائِبًا. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ تَصرَّفَ أحَدُ المُتبايِعيْنِ في مُدَّةِ الخيارِ في المَبيعِ تَصرُّفًا يَنقُلُ المَبيعَ كالبَيعِ والهِبةِ والوَقفِ، أو يَشغَلُه كالإجارةِ والتَّزويجِ والرَّهنِ والكِتابةِ ونَحوِها لَم يَصحُّ تَصرُّفُه إلَّا العِتقَ، سَواءٌ وُجدَ

стр. 3849

مِنْ البائِعِ أو المُشتَري؛ لأنَّ البائِعَ تَصرَّفَ في غيرِ مِلكِه والمُشتَري يُسقِطُ حَقَ البائِعِ مِنْ الخيارِ واستِرجاعِ المَبيعِ؛ فلَم يَصحُّ تَصرُّفه فيه، كالتَّصرُّفِ في الرَّهنِ، إلَّا أنْ يَكونَ الخيارُ لِلمُشتَري وَحدَه فيَنفُذَ تَصرُّفُه ويَبطُلُ خِيارُه، لأنَّه لا حَقَّ لِغيرِه فيه، وثُبوتُ الخيارِ له لا يَمنَعُ تَصرُّفَه فيه، كالمَعيبِ. قالَ أحمدُ: إذا اشتَرطَ الخيارَ فباعَه قبلَ ذلك برِبحٍ، فالرِّبحُ لِلمُبتاعِ؛ لأنَّه قد وجَب عليه حينَ عرَضه، يَعني بطَل خِيارُه ولزِمه، وهذا واللَّهُ أعلَمُ فيما إذا شرَط الخيارَ له وَحدَه، وكذلك إذا قُلنا: إنَّ البَيعَ لا يَنقُلُ المِلْكَ، وكانَ الخيارُ لَهما، أو البائِعِ وَحدَه، فتَصرَّفَ فيه البائِعُ، نَفَذَ تَصرُّفُه وصَحَّ؛ لأنَّه مِلكُه، ولَه إبطالُ خيارِ غيرِه، وقالَ ابنُ أبي موسى: في تَصرُّفِ المُشتَري في المَبيعِ قبلَ التَّفرُّقِ ببَيعٍ أو هِبةٍ رِوايَتانِ: إحداهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ في صِحَّتِه إسقاطَ حَقِّ البائِعِ مِنْ الخيارِ. والأُخرى: هو مَوقوفٌ، فإنْ تَفرَّقا قبلَ الفَسخِ صَحَّ، وإنِ اختارَ البائِعُ الفَسخَ بطَل بَيعُ المُشتَري، قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: إذا اشتَرَى بشَرطٍ فباعَه برِبحٍ قبلَ انقِضاءِ الشَّرطِ يَرُدُّه إلى صاحِبِه إنْ طَلَبَه؛ فإنْ لَم يَقدِرْ على رَدِّه فلِلبائِعِ قيمةُ الثَّوبِ؛ لأنَّه استَهلَكَ ثَوبَه، أو يُصالِحُه. فقَولُه: يَرُدُّه إنْ طَلَبَه يَدلُّ على أنَّ وُجوبَ رَدِّه مَشروطٌ بطَلَبِه، وقد رَوى البُخاريُّ عن ابنِ عمرَ ﵁ أنَّه كانَ مع رَسولِ اللَّهِ في سَفَرٍ، فكانَ على بَكرٍ لِعمرَ ﵁ صَعبٍ، فكانَ يَتقدَّمُ النَّبيَّ ﷺ ، فيَقولُ أبوه: يا عَبدَ اللَّهِ، لا يَتقدَّمُ النَّبيَّ ﷺ أحَدٌ. فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «بِعنيه».

стр. 3850

فقالَ عمرُ ﵁: هو لَكَ. فاشتَراه ثم قالَ: «هو لَكَ يا عَبدَ اللَّهِ، فاصنَعْ به ما شِئتَ» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّ التَّصرُّفَ قبلَ التَّفرُّقِ جائِزٌ، وذكَر أصحابُنا في صِحَّةِ تَصرُّفِ المُشتَري بالوَقفِ وَجهًا آخَرَ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ يُبطِلُ الشُّفعةَ، فأشبَهَ العِتقَ، والصَّحيحُ أنَّه لا يَصحُّ شَيءٌ مِنْ هذه التَّصرُّفاتِ؛ لأنَّ المَبيعَ به حَقُّ البائِعِ تَعلُّقًا يَمنَعُ جَوازَ التَّصرُّفِ فمنَع صِحَّتَه، كالرَّهنِ، ويُفارِقُ الوَقفُ العِتقَ؛ لأنَّ العِتقَ مَبنيٌّ على التَّغليبِ والسِّرايةِ، بخِلافِ الوَقفِ، وأمَّا حَديثُ ابنِ عمرَ فليسَ فيه تَصريحٌ بالبَيعِ، فإنَّ قَولَ عمرَ: هو لَكَ، يَحتمِلُ أنَّه أرادَ هِبةً، وهو الظَّاهِرُ، فإنَّه لَم يَذكُرْ ثَمَنًا، والهِبةُ لا يثبُتُ فيها الخيارُ. وقالَ الشافِعيُّ: تَصرُّفُ البائِعِ في المَبيعِ بالبَيعِ والهِبةِ، والبائِعُ يَملِكُ فَسخَه، فجُعِلَ البَيعُ والهِبةُ فَسخًا، وأمَّا تَصرُّفُ المُشتَري فلا يَصحُّ إذا قُلنا: المِلْكُ لِغيرِه. ولَنا: على إبطالِ تَصرُّفِ البائِعِ أنَّه تَصرَّفٌ في مِلكِ غيرِه بغيرِ وِلايةٍ شَرعيَّةٍ ولا نيابةٍ عُرفيَّةٍ؛ فلَم يَصحَّ، كما بعدَ الخيارِ. قَولُهم: يَملِكُ الفَسخَ، قُلنا: إلَّا أنَّ ابتِداءَ التَّصرُّفِ لَم يُصادِف مِلكَه، فلَم يَصحَّ، كتَصرُّفِ الأبِ فيما وُهِبَ لِوَلَدِه قبلَ استِرجاعِه، وتَصرُّفِ الشَّفيعِ في الشِّقصِ المَشفوعِ قبلَ أخْذِه. فَصلٌ: وإنْ تَصرَّفَ المُشتَري بإذْنِ البائِعِ، أو البائِعُ بوَكالةِ المُشتَري، صَحَّ التَّصرُّفُ وانقطَع خِيارُهما؛ لأنَّ ذلك يَدلُّ على تَراضيهما بإمضاءِ

стр. 3851

البَيعِ، فيُقطَعُ به خِيارُهما، كما لو تَخايَرا، ويَصحُّ تَصرُّفُهما؛ لأنَّ قَطعَ الخيارِ حصَل بالإذْنِ في البَيعِ، فيقعُ البَيعُ بعدَ انقِطاعِ الخيارِ. وإنْ تَصرَّفَ البائِعُ بإذْنِ المُشتَري احتَمَلَ أنْ يَقَعَ صَحيحًا؛ لأنَّ ذلك دَليلٌ على فَسخِ البَيعِ، أو استِرجاعِ المَبيعِ، فيقعُ تَصرُّفُه بعدَ استِرجاعِه ويُحتمَلُ ألَّا يَصحَّ؛ لِأنَّ البائِعَ لا يَحتاجُ إلى إذْنِ المُشتَري في استِرجاعِ المَبيعِ؛ فيَصيرُ كتَصرُّفِه بغيرِ إذْنِ المُشتَري، وقد ذَكَرنا أنَّه لا يَصحُّ، كذا ههُنا. وكُلُّ مَوضِعٍ قُلنا فيه: «إنَّ تَصرُّفَ البائِعِ لا يَنفُذُ ولكنْ يَنفَسِخُ به البَيعُ» فإنَّه مَتَى أعادَ ذلك التَّصرُّفَ، أو تَصرَّفَ تَصرُّفًا سِواه صَحَّ؛ لأنَّه يُفسَخُ البَيعُ، عادَ إليه المِلْكُ، فصَحَّ تَصرُّفُه فيه، كما لو فُسِخَ البَيعُ بصَريحِ قَولِه، ثم تَصرَّفَ فيه، وكذلك إنْ تَقدَّمَ تَصرُّفَه ما يَنفسِخُ به البَيعُ صَحَّ تَصرُّفُه؛ لِما ذَكَرنا (١). ٣ - مَوتُ صاحِبِ الخيارِ: اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا ماتَ مَنْ له الخيارُ، هل يَبطُلُ خيارُه بمَوتِه أو يَنتقِلُ إلى الوارِثِ؟ فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وقَولٌ مُخرَجٌ عندَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه إذا ماتَ مَنْ له الخيارُ انتَقلَ الخيارُ إلى وارِثِه؛ لأنَّه خيارٌ ثابِتٌ في مُعاوَضةٍ مَحضةٍ؛ فقامَ الوارِثُ فيه مَقامَ المُورِّثِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.

стр. 3852

وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا ثبَت هذا: فإنْ عَلِمَ الوارِثُ بالبَيعِ، وبِمَوتِ مُورِّثِه عندَ مَوتِه فلَه الخيارُ فيما بَقيَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ، وإنْ لَم يَعلَم بهما، أو بأحَدِهما حتى مَضَتْ مُدَّةُ الخيارِ ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: يثبُتُ له الخيارُ في قَدْرِ ما بَقيَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ مِنْ حينِ عَلِمَ؛ لأنَّه لمَّا انتَقلَ الخيارُ إلى غيرِ مَنْ شُرِطَ له بالمَوتِ وجَب أنْ يَنتَقِلَ إلى غيرِ الزَّمانِ الذي شُرِطَ فيه. والآخَرُ: يثبُتُ له الخيارُ على الفَورِ؛ لأنَّ المُدَّةَ التي شُرِطَ فيها الخيارُ قد فاتَتْ؛ فسَقَطتْ، وبَقيَ الخِيارُ؛ فكانَ على الفَورِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ. وذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ له الخيارُ إذا ماتَ بطَل خِيارُه ويَنفُذُ عَقدُه؛ لأنَّ بالمَوتِ يَنقطِعُ الخيارُ، وقَطعُه يُوجِبُ تَمامَ البَيعِ، كما لو انقَضَتِ المُدَّةُ؛ فإنْ كانا جَميعًا بالخِيارِ فماتَ أحَدُهما تَمَّ البَيعُ مِنْ قِبَلِه، والآخَرُ على خِيارِه، فإنْ ماتَ جازَ عليه، ولا تَقومُ الوَرَثةُ مَقامَه في الفَسخِ والإجازةِ؛ لأنَّه حَقُّ فَسخٍ لا يَجوزُ الِاعتياضُ عنه، فلَم يُورَثْ كخيارِ الرُّجوعِ في الهِبةِ، ولأنَّ البائِعَ أو المُشتَريَ رَضيَ بثُبوتِ الخيارِ لِلمَوروثِ، لا لِلوارِثِ، ولأنَّه ليسَ إلَّا مَشيئةً وإرادةً لا يُتصوَّرُ انتِقالُه، والإرثُ إنَّما يَكونُ فيما يَقبَلُ الِانتِقالَ. وإذا لَم يُورَثِ الخيارُ يَسقُطُ ضَرورةً؛ ويَصيرُ العَقدُ لازِمًا؛ لأنَّه وقَع العَجزُ عن الفَسخِ (١).

стр. 3853

حُكمُ نَقدِ الثَّمنِ في بَيعِ الخيارِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجِبُ على المُشتَري في بَيعِ الخيارِ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ، بل يَجوزُ له أنْ يُؤخِّرَ الدَّفعَ؛ لِاحتِمالِ الفَسخِ، ويَجوزُ له النَّقدُ اختيارًا وتَطوُّعًا، ولا يَكونُ ذلك مُبطِلًا لِلخيارِ. ثم اختَلَفوا في حُكمِ مَنْ اشتَرطَ نَقدَ الثَّمنِ في بَيعِ الخِيارِ، هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا بَأْسَ باشتِراطِ نَقدِ الثَّمنِ وقَبضِ المَبيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ؛ لأنَّ هذا حُكمٌ مِنْ أحكامِ البَيعِ، فجازَ في مُدَّةِ الخيارِ، كالإجارةِ، ولا يَجوزُ له التَّصرُّفُ فيه. وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ اشتِراطُ النَّقدِ في بَيعِ الخيارِ، ويَفسُدُ البَيعُ باشتِراطِ ذلك، وإنْ لَم يَنقُدْ بالفِعلِ؛ لأنَّه يَصيرُ في مَعنَى بَيعٍ وسَلَفٍ، ولأنَّه إذا نقَده الثَّمنَ، ثم تَفاسَخا صارَ كأنَّه أقرَضَه؛ فيَجتمِعُ بَيعٌ وقَرضٌ. فإنْ نقَد المُشتَري الثَّمنَ بغيرِ شَرطٍ تَطوُّعًا يَجوزُ (١).

стр. 3854

وإنْ باعَه على أنَّه إنْ لَم يَنقُدْه الثَّمنَ في ثَلاثةِ أيامٍ فلا بَيعَ بينَهما؛ فاختلَف العُلماءُ فيه، فمنَعه الشافِعيَّةُ وأجازَه الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ. وقالَ الشافِعيَّةُ: فإنْ باعَه على أنَّه إنْ لَم يَنقُدْه الثَّمنَ في ثَلاثةِ أيامٍ فلا بَيعَ بينَهما؛ فإنَّ هذا ليسَ بشَرطٍ لِلخيارِ، بل هو شَرطٌ فاسِدٌ، ويَفسُدُ به البَيعُ. وكذلك إنْ قالَ البائِعُ: «بِعتُكَ على أنِّي إذا رَدَدتُ الثَّمنَ بعدَ الثَّلاثةِ فلا بَيعَ بينَنا» فإنَّ هذا ليسَ بشَرطٍ لِلخيارِ، بل هو شَرطٌ فاسِدٌ يَبطُلُ به البَيعُ؛ لأنَّه علَّق فَسخَ العَقدِ على شَرطٍ؛ فلَم يَصحَّ، كما لو علَّقه بقُدومِ زَيدٍ، ولأنَّه إذا لَم يَجُزْ تَعليقُ تَمامِه على غَرَرٍ لَم يَجُزْ فَسخُه على غَرَرٍ. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَصحُّ البَيعُ، ويَكونُ في المَسألةِ الأُولَى إثباتُ الخيارِ لِلمُشتَري وَحدَه، وفي الأُخرى إثباتُ الخيارِ لِلبائعِ وَحدَه. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قالَ: بِعتُكَ على أنْ تَنقُدَني الثَّمنَ إلى ثَلاثةٍ أو مُدَّةٍ مَعلومةٍ، وإلَّا فلا بَيعَ بينَنا، فالبَيعُ صَحيحٌ، نُصَّ عليه، وبه قالَ أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ وإسحاقُ ومُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ، وبه قالَ أبو ثَورٍ إذا كانَ الشَّرطُ إلى ثَلاثةٍ، وحُكيَ مِثلُ قَولِه عن ابنِ عمرَ ﵁. وقالَ مالِكٌ: يَجوزُ في اليَومَيْنِ والثَّلاثةِ ونَحوِها، وإنْ كانَ عِشرينَ لَيلةً فُسِخَ البَيعُ. وقالَ الشافِعيُّ وزُفَرُ: البَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّه علَّق فَسخَ البَيعِ على غَرَرٍ، فلَم يَصحَّ، كما لو علَّقه بقُدومِ زَيدٍ.

стр. 3855

ولَنا: أنَّ هذا يُروَى عن عمرَ ﵁، ولأنَّه علَّق رَفعَ العِقدِ بأمْرٍ يَحدُثُ في مُدَّةِ الخيارِ جازَ، كما لو شرَط الخيارَ، ولأنَّه نَوعُ بَيعٍ جازَ أنْ يَنفسِخَ بتَأخيرِ القَبضِ، كالصَّرفِ، ولأنَّ هذا بمَعنَى شَرطِ الخِيارِ؛ لأنَّه كما يَحتاجُ إلى التَّرَوِّي في البَيعِ هل يوافِقُه أو لا، يَحتاجُ إلى التَّرَوِّي في الثَّمنِ هل يَصيرُ مَنقودًا أو لا؟ فهُما سِيَّانِ في المَعنَى، مُتغايِرانِ في الصُّورةِ، إلَّا أنَّه في الخيارِ يَحتاجُ إلى الفَسخِ، وههُنا يَنفسِخُ إذ لَم يَنقُدْ؛ لأنَّه جعَله كذلك (١).
следующие страницы →