← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

البَيعِ، فيُقطَعُ به خِيارُهما، كما لو تَخايَرا، ويَصحُّ تَصرُّفُهما؛ لأنَّ قَطعَ الخيارِ حصَل بالإذْنِ في البَيعِ، فيقعُ البَيعُ بعدَ انقِطاعِ الخيارِ. وإنْ تَصرَّفَ البائِعُ بإذْنِ المُشتَري احتَمَلَ أنْ يَقَعَ صَحيحًا؛ لأنَّ ذلك دَليلٌ على فَسخِ البَيعِ، أو استِرجاعِ المَبيعِ، فيقعُ تَصرُّفُه بعدَ استِرجاعِه ويُحتمَلُ ألَّا يَصحَّ؛ لِأنَّ البائِعَ لا يَحتاجُ إلى إذْنِ المُشتَري في استِرجاعِ المَبيعِ؛ فيَصيرُ كتَصرُّفِه بغيرِ إذْنِ المُشتَري، وقد ذَكَرنا أنَّه لا يَصحُّ، كذا ههُنا. وكُلُّ مَوضِعٍ قُلنا فيه: «إنَّ تَصرُّفَ البائِعِ لا يَنفُذُ ولكنْ يَنفَسِخُ به البَيعُ» فإنَّه مَتَى أعادَ ذلك التَّصرُّفَ، أو تَصرَّفَ تَصرُّفًا سِواه صَحَّ؛ لأنَّه يُفسَخُ البَيعُ، عادَ إليه المِلْكُ، فصَحَّ تَصرُّفُه فيه، كما لو فُسِخَ البَيعُ بصَريحِ قَولِه، ثم تَصرَّفَ فيه، وكذلك إنْ تَقدَّمَ تَصرُّفَه ما يَنفسِخُ به البَيعُ صَحَّ تَصرُّفُه؛ لِما ذَكَرنا (١). ٣ - مَوتُ صاحِبِ الخيارِ: اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا ماتَ مَنْ له الخيارُ، هل يَبطُلُ خيارُه بمَوتِه أو يَنتقِلُ إلى الوارِثِ؟ فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وقَولٌ مُخرَجٌ عندَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه إذا ماتَ مَنْ له الخيارُ انتَقلَ الخيارُ إلى وارِثِه؛ لأنَّه خيارٌ ثابِتٌ في مُعاوَضةٍ مَحضةٍ؛ فقامَ الوارِثُ فيه مَقامَ المُورِّثِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.

стр. 3852

وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا ثبَت هذا: فإنْ عَلِمَ الوارِثُ بالبَيعِ، وبِمَوتِ مُورِّثِه عندَ مَوتِه فلَه الخيارُ فيما بَقيَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ، وإنْ لَم يَعلَم بهما، أو بأحَدِهما حتى مَضَتْ مُدَّةُ الخيارِ ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: يثبُتُ له الخيارُ في قَدْرِ ما بَقيَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ مِنْ حينِ عَلِمَ؛ لأنَّه لمَّا انتَقلَ الخيارُ إلى غيرِ مَنْ شُرِطَ له بالمَوتِ وجَب أنْ يَنتَقِلَ إلى غيرِ الزَّمانِ الذي شُرِطَ فيه. والآخَرُ: يثبُتُ له الخيارُ على الفَورِ؛ لأنَّ المُدَّةَ التي شُرِطَ فيها الخيارُ قد فاتَتْ؛ فسَقَطتْ، وبَقيَ الخِيارُ؛ فكانَ على الفَورِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ. وذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ له الخيارُ إذا ماتَ بطَل خِيارُه ويَنفُذُ عَقدُه؛ لأنَّ بالمَوتِ يَنقطِعُ الخيارُ، وقَطعُه يُوجِبُ تَمامَ البَيعِ، كما لو انقَضَتِ المُدَّةُ؛ فإنْ كانا جَميعًا بالخِيارِ فماتَ أحَدُهما تَمَّ البَيعُ مِنْ قِبَلِه، والآخَرُ على خِيارِه، فإنْ ماتَ جازَ عليه، ولا تَقومُ الوَرَثةُ مَقامَه في الفَسخِ والإجازةِ؛ لأنَّه حَقُّ فَسخٍ لا يَجوزُ الِاعتياضُ عنه، فلَم يُورَثْ كخيارِ الرُّجوعِ في الهِبةِ، ولأنَّ البائِعَ أو المُشتَريَ رَضيَ بثُبوتِ الخيارِ لِلمَوروثِ، لا لِلوارِثِ، ولأنَّه ليسَ إلَّا مَشيئةً وإرادةً لا يُتصوَّرُ انتِقالُه، والإرثُ إنَّما يَكونُ فيما يَقبَلُ الِانتِقالَ. وإذا لَم يُورَثِ الخيارُ يَسقُطُ ضَرورةً؛ ويَصيرُ العَقدُ لازِمًا؛ لأنَّه وقَع العَجزُ عن الفَسخِ (١).

стр. 3853

حُكمُ نَقدِ الثَّمنِ في بَيعِ الخيارِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجِبُ على المُشتَري في بَيعِ الخيارِ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ، بل يَجوزُ له أنْ يُؤخِّرَ الدَّفعَ؛ لِاحتِمالِ الفَسخِ، ويَجوزُ له النَّقدُ اختيارًا وتَطوُّعًا، ولا يَكونُ ذلك مُبطِلًا لِلخيارِ. ثم اختَلَفوا في حُكمِ مَنْ اشتَرطَ نَقدَ الثَّمنِ في بَيعِ الخِيارِ، هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا بَأْسَ باشتِراطِ نَقدِ الثَّمنِ وقَبضِ المَبيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ؛ لأنَّ هذا حُكمٌ مِنْ أحكامِ البَيعِ، فجازَ في مُدَّةِ الخيارِ، كالإجارةِ، ولا يَجوزُ له التَّصرُّفُ فيه. وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ اشتِراطُ النَّقدِ في بَيعِ الخيارِ، ويَفسُدُ البَيعُ باشتِراطِ ذلك، وإنْ لَم يَنقُدْ بالفِعلِ؛ لأنَّه يَصيرُ في مَعنَى بَيعٍ وسَلَفٍ، ولأنَّه إذا نقَده الثَّمنَ، ثم تَفاسَخا صارَ كأنَّه أقرَضَه؛ فيَجتمِعُ بَيعٌ وقَرضٌ. فإنْ نقَد المُشتَري الثَّمنَ بغيرِ شَرطٍ تَطوُّعًا يَجوزُ (١).

стр. 3854

وإنْ باعَه على أنَّه إنْ لَم يَنقُدْه الثَّمنَ في ثَلاثةِ أيامٍ فلا بَيعَ بينَهما؛ فاختلَف العُلماءُ فيه، فمنَعه الشافِعيَّةُ وأجازَه الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ. وقالَ الشافِعيَّةُ: فإنْ باعَه على أنَّه إنْ لَم يَنقُدْه الثَّمنَ في ثَلاثةِ أيامٍ فلا بَيعَ بينَهما؛ فإنَّ هذا ليسَ بشَرطٍ لِلخيارِ، بل هو شَرطٌ فاسِدٌ، ويَفسُدُ به البَيعُ. وكذلك إنْ قالَ البائِعُ: «بِعتُكَ على أنِّي إذا رَدَدتُ الثَّمنَ بعدَ الثَّلاثةِ فلا بَيعَ بينَنا» فإنَّ هذا ليسَ بشَرطٍ لِلخيارِ، بل هو شَرطٌ فاسِدٌ يَبطُلُ به البَيعُ؛ لأنَّه علَّق فَسخَ العَقدِ على شَرطٍ؛ فلَم يَصحَّ، كما لو علَّقه بقُدومِ زَيدٍ، ولأنَّه إذا لَم يَجُزْ تَعليقُ تَمامِه على غَرَرٍ لَم يَجُزْ فَسخُه على غَرَرٍ. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَصحُّ البَيعُ، ويَكونُ في المَسألةِ الأُولَى إثباتُ الخيارِ لِلمُشتَري وَحدَه، وفي الأُخرى إثباتُ الخيارِ لِلبائعِ وَحدَه. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قالَ: بِعتُكَ على أنْ تَنقُدَني الثَّمنَ إلى ثَلاثةٍ أو مُدَّةٍ مَعلومةٍ، وإلَّا فلا بَيعَ بينَنا، فالبَيعُ صَحيحٌ، نُصَّ عليه، وبه قالَ أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ وإسحاقُ ومُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ، وبه قالَ أبو ثَورٍ إذا كانَ الشَّرطُ إلى ثَلاثةٍ، وحُكيَ مِثلُ قَولِه عن ابنِ عمرَ ﵁. وقالَ مالِكٌ: يَجوزُ في اليَومَيْنِ والثَّلاثةِ ونَحوِها، وإنْ كانَ عِشرينَ لَيلةً فُسِخَ البَيعُ. وقالَ الشافِعيُّ وزُفَرُ: البَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّه علَّق فَسخَ البَيعِ على غَرَرٍ، فلَم يَصحَّ، كما لو علَّقه بقُدومِ زَيدٍ.

стр. 3855

ولَنا: أنَّ هذا يُروَى عن عمرَ ﵁، ولأنَّه علَّق رَفعَ العِقدِ بأمْرٍ يَحدُثُ في مُدَّةِ الخيارِ جازَ، كما لو شرَط الخيارَ، ولأنَّه نَوعُ بَيعٍ جازَ أنْ يَنفسِخَ بتَأخيرِ القَبضِ، كالصَّرفِ، ولأنَّ هذا بمَعنَى شَرطِ الخِيارِ؛ لأنَّه كما يَحتاجُ إلى التَّرَوِّي في البَيعِ هل يوافِقُه أو لا، يَحتاجُ إلى التَّرَوِّي في الثَّمنِ هل يَصيرُ مَنقودًا أو لا؟ فهُما سِيَّانِ في المَعنَى، مُتغايِرانِ في الصُّورةِ، إلَّا أنَّه في الخيارِ يَحتاجُ إلى الفَسخِ، وههُنا يَنفسِخُ إذ لَم يَنقُدْ؛ لأنَّه جعَله كذلك (١).

стр. 3856

النَّوعُ الثَّالثُ: خيارُ الغَبنِ: الغَبنُ في اللُّغةِ: النَّقصُ؛ فِعلُه: غَبَنَ، قالَ النَّوويُّ: قَولُه: باعَه واشتَراه بغَبنٍ، هو بفَتحِ الغَينِ، وسُكونِ الباءِ، قالَ صاحِبُ المُحكَمِ: الغَبنَ في البَيعِ والشِّراءِ: الوَكسُ. قالَ الجَوهَريُّ: يُقالُ: غَبَنَه في البَيعِ بالفَتحِ، أي: خَدَعَه، وقد غُبِنَ فهو مَغبونٌ، والغَبنةُ مِنْ الغَبنِ كالشَّتمةِ مِنْ الشَّتمِ. وقالَ الهَرَويُّ: يُقالُ: غَبَنَه في البَيعِ يَغبِنُه غَبنًا، وأصلُ الغَبنِ النَّقصُ، ومِنه يُقالُ: غَبَنَ فُلانٌ ثَوبَه إذا ثَنَى طَرفَه فكَفَّه. وقالَ صاحِبُ المُحكَمِ: غَبَنَه يَغبِنُه هذا الأكثَرُ، وقد حُكيَ بفَتحِ الباءِ في يَغبَنُه، وكُلُّ هَؤُلاءِ لَم يَذكُروا في الغَبنِ في البَيعِ إلَّا فَتحَ الغَينِ مع سُكونِ الباءِ، وذكَر ابنُ السِّكِّيتِ في بابِ فَعَلتُ، وفعَل، باتِّفاقِ مَعنَى الغَبَنِ والغَبْنِ، بفَتحِ الباءِ وسُكونِها، ثم قالَ: والغَبْنَ أكثَرُ في الشِّراءِ والبَيعِ، والغَبَنُ بتَحريكِ الباءِ في الرَّأيِ، يُقالُ: غَبَنتُ رَأيي غَبَنًا (١). والمَعنَى الِاصطِلاحيُّ لِلغَبنِ مُستمَدٌّ مِنْ المَعنَى اللُّغَويِّ نَفْسِه؛ فهو النَّقصُ في الثَّمنِ في البَيعِ والشِّراءِ. حُكمُ خيارِ الغَبنِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الغَبنَ في البَيعِ بما لا يَفحُشُ لا يُؤثِّرُ في صِحَّتِه. ثم اختَلَفوا فيمَن غَبَنَ في البَيعِ والشِّراءِ غَبنًا فاحِشًا لا يَتغابَنُ النَّاسُ بمِثلِه في العادةِ، هل يثبُتُ له خيارُ الرَّدِّ أو لا؟

стр. 3857

فذهَب الحَنابِلةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ ومُتأخِّرو الحَنفيَّةِ -وهو المُفتَى به عندَهم- إلى أنَّ مَنْ اشتَرَى أو باعَ شَيئًا وقد غُبِنَ فيه غَبنًا فاحِشًا ثبَت له الخيارُ؛ فلَه أنْ يَفسَخَ البَيعَ، ولَه أنْ يُمضيَه بلا أرْشٍ؛ لأنَّه غَبنٌ حصَل لِجَهلِه بالمَبيعِ، فأثبَتَ الخيارَ، كالغَبنِ في تَلَقِّي الرُّكبانِ، ولقولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وهذا مِنه، ولِنَهيِه ﷺ عن إضاعةِ المالِ، ومَن اشتَرَى باذنجةً أو بَصلةً بدينارٍ فقد أضاعَ مالَه، ولقولِه ﷺ : «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»، وفي إلزامِنا المُشتَريَ فيما يُساوي دِرهَمًا بمِئةٍ الثُّبوتَ على المُشتَرَى إضرارٌ به، ولِنَهيِه ﷺ عن تَلَقِّي الرُّكبانِ لِلمَبيعِ. ولقولِه ﷺ : «مَنْ تَلَقَّى سِلعةً فصاحِبُها بالخيارِ إذا دخَل السُّوقَ». وذلك يُفيدُ أنَّ الغَبنَ يُؤثِّرُ في الخيارِ؛ لأنَّه لا مَعنَى له سِواه، ولأنَّه نَوعٌ مِنْ الغَبنِ في الأثمانِ؛ فكانَ مُؤثِّرًا في ثُبوتِ الخِيارِ، أصلُه تَلَقِّي الرُّكبانِ، ولأنَّه نقَص بتَغييرِ الثَّمنِ، فكانَ جَديرًا بالخيارِ أصلُه العَيبُ. مِقدارُ الغَبنِ: وشَرطُ ثُبوتِ الخيارِ بالغَبنِ عندَ الحَنابِلةِ في المَذهبِ أنْ يَكونَ فاحِشًا يَخرُجُ عن العادةِ، ويَرجِعُ ذلك إلى العُرفِ؛ لأنَّه لَم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحديدِه، فرجَع فيه إلى العُرفِ. وقيلَ: يُقدَّرُ الغَبنُ بالثُّلُثِ، وقيلَ: بالرُّبُعِ، وقيلَ: بالسُّدُسِ، وقيلَ: يثبُتُ الخيارُ بمُجرَّدِ الغَبنِ، وإنْ قَلَّ.

стр. 3858

وفسَّر الحَنفيَّةُ الغَبنَ بأنَّ ما يَدخُلُ تَحتَ تَقويمِ المُقوِّمينَ يَسيرٌ، وما لا ففاحِشٌ؛ لأنَّ ما لَم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحديدِه يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وقالَ الحَنفيَّةُ: يَكونُ ذلك رِفقًا بالنَّاسِ. وتَفسيرُه كما لو وقَع البَيعُ بعَشَرةٍ مَثَلًا، ثم إنَّ بَعضَ المُقوِّمينَ يَقولُ: إنَّه يُساوي خَمسةً، وبَعضَهم: سَبعةً؛ فهذا غَبنٌ فاحِشٌ؛ لأنَّه لَم يَدخُلْ تَحتَ تَقويمِ أحَدٍ. بخِلافِ ما إذا قالَ بَعضُهم: يُساوي ثَمانيةً، وبَعضُهم: تِسعةً، وبَعضُهم: عَشَرةٌ؛ فهذا غَبنٌ يَسيرٌ. وإنَّما كانَتِ العِبرةُ بتَقويمِ المُقوِّمينَ؛ لأنَّهم هم الذين يُرجَعُ إلَيهم في العُيوبِ ونَحوِها مِنْ الأُمورِ التي تَقتَضي الخِبرةَ في المُعامَلاتِ (١). وفسَّر المالِكيَّةُ الغَبنَ الفاحِشَ بأنَّه ما زادَ على الثُّلُثِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ في الوَصيَّةِ: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثيرٌ» (٢)، فقد وُصِفَ الثُّلُثُ بأنَّه كَثيرٌ، وقيلَ: الثُّلُثُ، وقيلَ: السُّدُسُ، وقيلَ: ما شَهِدتْ به العادةُ أنَّه ليسَ مِنْ الغَبنِ الذي يقعُ بينَ التُّجَّارِ. شَرطُ ثُبوتِ الخِيارِ: ويُشتَرطُ لِقيامِ خيارِ الغَبنِ أنْ يَكونَ المَغبونُ مُسترسِلًا وجاهِلًا بوُقوعِه في الغَبنِ عندَ التَّعاقُدِ، أمَّا إذا كانَ عالِمًا بالغَبنِ وأقدَمَ على التَّعاقُدِ فلا خيارَ له؛ لأنَّه أُتيَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِه، فكَأنَّه أسقَطَ حَقَّه راضيًا.

стр. 3859

ويثبُتُ خيارُ الغَبنِ عندَ الحَنابِلةِ في ثَلاثِ صُوَرٍ: إحداها: تَلَقِّي الرُّكبانِ: لقولِه ﷺ : «لا تَلَقَّوُا الجَلبَ؛ فمَن تَلَقَّاه فاشتَرَى مِنه فإذا أتَى سَيِّدُه السُّوقَ فهو بالخيارِ» (١). الثانيةُ: النَّجشُ: وهو أنْ يَزيدَ في السِّلعةِ مَنْ لا يُريدُ شِراءَها؛ لِيَغُرَّ المُشتَريَ؛ لِنَهيِه ﷺ عن النَّجشِ (٢)، والشِّراءُ صَحيحٌ؛ لأنَّ النَّهيَ عادَ إلى النَّاجِشِ، لا إلى العاقِدِ، لكنَّ له الخيارَ إذا غُبِنَ. الثالِثةُ: المُسترسِلُ: وهو مَنْ جَهِلَ القيمةَ مِنْ بائِعٍ ومُشتَرٍ، ولا يُحسِنُ يُماكِسُ، فله الخيارُ إذا غُبِنَ لِجَهلِه بالمَبيعِ، أشبَهَ القادِمَ مِنْ سَفَرٍ، وهذا النَّوعُ هو الذي يَكونُ فيه الغَبنُ واضِحًا، وقد سبَق الكَلامُ عن كلِّ هذا مُفصَّلًا. قالَ المرداويُّ ﵀: قالَ المَجدُ: يثبُتُ خيارُ الغَبنِ لِلمُسترسِلِ في الإجارةِ، كما في البَيعِ، إلَّا أنَّه إذا فسَخ وقد مَضى بَعضُ المُدَّةِ يُرجَعُ عليه بأُجرةِ المِثلِ لِلمُدَّةِ، لا بقِسطِه مِنْ المُسَمَّى؛ لأنَّه لو رُجِعَ عليه بذلك لَم يَستَدرِكْ ظُلامةَ الغَبنِ؛ فارَقَ ما لو ظهَر على عَيبٍ في الإجارةِ ففسَخ؛ فإنَّه يُرجَعُ عليه بقِسطِه مِنْ المُسَمَّى؛ لأنَّه يَستَدرِكُ ظُلامَتَه بذلك؛ لأنَّه يُرجَعُ بقِسطِه مِنها مَعيبًا، فيَرتَفِعُ عنه الضَّرَرُ بذلك. وقالَ شَيخُ الإسلامِ: وإنْ دلَّس مُستَأجِرٌ على مُؤجِّرٍ وغيرِه حتى استَأجَرَه بدُونِ القيمةِ فلَه أُجرةُ المِثلِ (٣).

стр. 3860

ومِن صُوَرِه: أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: بِعني كما تَبيعُ النَّاسَ؛ فهذا البَيعُ صَحيحٌ عندَ المالِكيَّةِ، ولكنْ إنْ غَبَنَه بما يَخرُجُ عن العادةِ فلَه الخيارُ على المَشهورِ (١). مُوجِبُ الخيارِ: إذا تَحقَّقَ أنَّ المَغبونَ مُسترسِلٌ، وكانَ الغَبنُ خارِجًا عن المُعتادِ، فلِلمَغبونِ الخيارُ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ مَجَّانًا؛ فهذا هو المُوجِبُ، ليسَ غيرُ، أي: إنْ أمسَكَ المَغبونَ فيه لَم يَكُنْ له المُطالَبةُ بالأرشِ، وهو هُنا مِقدارُ الغَبنِ. مُسقِطاتُ خيارِ الغَبنِ: يَسقُطُ خيارُ الغَبنِ مع التَّغريرِ عندَ الحَنفيَّةِ على ما هو المُفتَى به -على ما تَضمَّنتْه المَجلَّةُ العَدليَّةُ- بما يَلي: ١ - هَلاكُ المَبيعِ أو استِهلاكُه أو تَغيُّرُه أو تَعيُّبُه: فإذا هلَك، أو استُهلِكَ المَبيعُ الذي صارَ في بَيعِه غَبنٌ فاحشٌ وغَرَرٌ، أو حدَث فيه عَيبٌ، أو بَنَى مُشتَري العَرصةِ عليها بِناءً لا يَكونُ لِلمَغبونِ حَقُّ فَسخِ البَيعِ. وفي حُكمِ الِاستِهلاكِ تَعلُّقُ حقِّ الغيرِ، وليسَ له أنْ يَدَّعيَ بشَيءٍ مُقابَلةً لِنُقصانِ ثَمَنِ المَبيعِ. ٢ - السُّكوتُ والتَّصرُّفُ بعدَ العِلمِ بالغَبنِ: فإذا تَصرَّفَ المَغبونُ في المَبيعِ بعدَ عِلمِه بالغَبنِ تَصرُّفَ المُلَّاكِ بأنْ عرَض المَبيعَ لِلبَيعِ مَثَلًا، سقَط حَقُّ الفَسخِ.

стр. 3861

٣ - مَوتُ المَغبونِ: فلا تَنتقِلُ دَعوَى التَّغريرِ مع الغَبنِ إلى الوارِثِ، أمَّا مَوتُ الغابِنِ فلا يَمنَعُ (١). وذهَب الحَنفيَّةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ (٢) والشافِعيَّةُ ومالِكٌ في إحدَى

стр. 3862

الرِّوايتَيْنِ عنه -وقيلَ: هي المَشهورةُ- إلى أنَّ مَنْ اشتَرَى أو باعَ شَيئًا وقد غُبِنَ فيه، ولو غَبنًا كَثيرًا فاحِشًا أنَّه لا خيارَ له؛ لِمَا رَواه عَبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ

стр. 3863

﵁: أنَّ رَجُلًا (١) ذكَر لِلنَّبيِّ ﷺ أنَّه يُخدَعُ في البُيوعِ، فقالَ: «إذا بايَعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ (٢)» (٣)، وفي رِوايةٍ: «إذا بايَعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ، ثم أنتَ بالخِيارِ في كلِّ سِلعةٍ ابتَعتَها ثَلاثَ لَيالٍ، فإنْ رَضيتَ فأمسِكْ، وإنْ سَخِطتَ فاردُدْ» (٤). فلو كانَ الغَبنُ يُثبِتُ الخيارَ لَأمَرَه النَّبيُّ ﷺ بالفَسخِ مِنْ غيرِ خيارٍ، بل أمَرَه وأرشَدَه إلى شَرطِ الخيارِ لِيَتَدارَكَ غَبنَه عندَ الحاجةِ، ولو ثبَت لَمَا قدَره بالثَّلاثِ، وإنَّما قالَ له ﷺ : «قُلْ: لا خِلابةَ»، أي: لا خَديعةَ، ولا يَلزَمُ مِنْ هذا ثُبوتُ الخيارِ، ولأنَّه لو ثبَت أو أثبَتَ له الخيارَ كانَت قَضيةَ عَينٍ لا عُمومَ لَها، فلا يَنفُذُ مِنه إلى غيرِه إلَّا بدَليلٍ. ولأنَّ المَبيعَ سَليمٌ ولَم يُوجَدْ مِنْ جِهةِ البائِعِ تَدليسٌ، وإنَّما فَرَّطَ المُشتَري في تَركِ الِاستِظهارِ فلَم يَجُزْ له الرَّدُّ. ولأنَّ نُقصانَ قيمةِ السِّلعةِ مع سَلامةِ عَينِها ومَنفعَتِها، لا يَمنَعُ لُزومَ العَقدِ، كما لو غُبِنَ بالثُّلُثِ، وكما لو لَم يَكُنْ مُسترسِلًا. قالَ الشافِعيَّةُ: إنِ اشتَرَى زُجاجةً بثَمَنٍ كَثيرٍ وهو يَتوهَّمُها جَوهَرةً فلا خيارَ لَه، ولا نَظَرَ إلى ما يَلحَقُه مِنْ الغَبنِ؛ لأنَّ التَّقصيرَ مِنه حيثُ لَم يُراجِعْ أهلَ الخِبرةِ (٥).

стр. 3864

النَّوعُ الرابعُ: خيارُ العَيبِ: ويُقالُ له: خيارُ النَّقيصةِ. سَمَّى الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ هذا الخيارَ خيارَ العَيبِ، وسَمَّاه المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ خيارَ النَّقصِ أو النَّقيصةِ. والعَيبُ في اللُّغةِ هو: يُقالُ: عابَ المَتاعَ عَيبًا، مِنْ بابِ سارَ؛ فهو عائِبٌ، وعابَه صاحِبُه، فهو مَعيبٌ، يَتعَدَّى ولا يَتعَدَّى، والفاعِلُ مِنْ هذا: عائِبٌ، وعَيَّابٌ مُبالَغةٌ، والِاسمُ: العائبُ والمُعابُ. وعَيَّبَه بالتَّشديدِ نَسَبَه إلى العَيبِ، واستُعمِلَ العَيبُ اسمًا، وجُمِعَ على عُيوبٍ، والمَعيبُ مَكانُ العَيبِ وزَمانُه (١). وعرَّفه الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتَقارِبةٍ، فقالَ الحَنفيَّةُ: هو نَقصٌ خَلا عنه أصلُ الفِطرةِ السَّليمةِ ممَّا يُعَدُّ به ناقِصًا. والفِطرةُ: الخِلقةُ التي هي أساسُ الأصلِ. ألَا تَرَى أنَّه لو قالَ: بِعتُكَ هذه الحِنطةَ، وأشارَ إليها، فوجَدها المُشتَري

стр. 3865

رَديئةً، لَم يَكُنْ عَلِمَها، ليسَ له خيارُ الرَّدِّ بالعَيبِ؟ لأنَّ الحِنطةَ تُخلَقُ جَيِّدةً ورَديئةً ووَسَطًا، والعَيبُ ما يَخلو عنه أصلُ الفِطرةِ السَّليمةِ عن الآفاتِ العارِضةِ لَها؛ فالحِنطةُ المُصابةُ بهَواءٍ منَعها تَمامُ بُلوغِها الإدراكَ حتى صارَتْ رَقيقةَ الحَبِّ، مَعيبةً، كالعَفَنِ والبَلَلِ والسُّوسِ. والعَيبُ شَرعًا: ما أوجَبَ نُقصانَ الثَّمنِ في عادةِ التُّجَّارِ؛ لأنَّ المَقصودَ نُقصانُ الماليَّةِ، وذلك بانتِقاصِ القيمةِ، والمَرجِعُ في مَعرِفَتِه عُرفُ أهلِه، وهُم التُّجَّارُ، أو أربابُ الصَّنائِعِ، إنْ كانَ المَبيعُ مِنْ المَصنوعاتِ، وسَواءٌ كانَ يَنقُصُ العَينَ أو مَنافِعَها أو لا يَنقُصُها؛ لأنَّه يُوجِبُ نَقصَ الثَّمنِ. والمُرادُ بالعَيبِ: عَيبٌ كانَ عندَ البائِعِ، ولَم يَرَه المُشتَري عندَ البَيعِ، ولا عندَ القَبضِ، ولَم يُوجَدْ مِنْ المُشتَري ما يَدلُّ على الرِّضا به بعدَ العِلمِ بالعَيبِ، ولَم يَكُنِ البائِعُ شرَط البَراءةَ مِنه خاصًّا أو عامًّا (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ المالِكيُّ ﵀: والعُيوبُ التي لَها تَأثيرٌ في العَقدِ هي عندَ الجَميعِ ما نقَص عن الخِلقةِ الطَّبيعيَّةِ أو عن الخَلقِ الشَّرعيِّ نُقصانًا له تَأثيرٌ في ثَمَنِ المَبيعِ، وذلك يَختلِفُ بحَسَبِ اختِلافِ الأزمانِ والعَوائِدِ والأشخاصِ (٢). وقالَ الغَزاليُّ ﵀: العَيبُ: كلُّ وَصفٍ مَذمومٍ اقتَضى العُرفُ سَلامةَ المَبيعِ عنه في الأغلَبِ، وقد يَكونُ ذلك بنُقصانِ وَصفٍ أو زيادَتِه، وقد

стр. 3866

يَكونُ نُقصانَ عَينٍ، كالخَصيِّ، أو زيادَتِه، كالإصبَعِ الزَّائِدةِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: العَيبُ: وهو نَقصُ عَينِ المَبيعِ، كخِصاءٍ، ولو لَم تَنقُصْ به القيمةُ، بل زادَتْ، أو نَقصُ قيمَتِه عادةً في عُرفِ التُّجَّارِ وإنْ لَم تَنقُصْ عَينُه. وقيلَ: العَيبُ: نَقيصةٌ يَقتَضي العُرفُ سَلامةَ المَبيعِ عنها في الأغلَبِ (٢). والنَّقيصةُ: مِنْ النَّقصِ، وخيارُ النَّقيصةِ مَنوطٌ بفَواتِ شَيءٍ مِنْ المَعقودِ عليه كانَ يُظَنُّ حُصولُه، وذلك الظَّنُّ مِنْ أحَدِ ثَلاثةِ أُمورٍ: أوَّلُها: شَرطُ كونِه بتلك الصِّفةِ. ثانيها: اطِّرادُ العُرفِ بحُصولِها فيه. ثالِثُها: أنْ يَفعَلَ العاقِدُ ما يُورِثُ ظَنَّ حُصولِها، ويُسَمَّى خيارَ الخُلفِ أيضًا (٣). مَشروعيَّةُ خيارِ العَيبِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ اشتَرَى سِلعةً ووجَد بها عَيبًا كانَ عندَ البائِعِ، ولَم يَعلَم به المُشتَري، فلَه الخيارُ بينَ الرَّدِّ والفَسخِ، وبينَ الإمضاءِ، سَواءٌ كانَ يَعلَمُه البائِعُ وكتَمه أو لا. وقد نقَل عَدَدٌ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على هذا. وقد استَدلَّ أهلُ العِلمِ على مَشروعيَّةِ الرَّدِّ بالعَيبِ بأدِلَّةٍ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ والقياسِ:

стр. 3867

فمِنَ الكِتابِ: استَدَلُّوا بعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، والعَيبُ في المَبيعِ مُنافٍ لِلرِّضا المَشروطِ في العُقودِ؛ فالعَقدُ المُلتَبِسُ بالعَيبِ تِجارةٌ عن غيرِ تَراضٍ؛ فالآيةُ تَدُلُّ على أنَّ العاقِدَ لا يَلزَمُه المَعقودُ عليه المَعيبُ، بل له رَدُّه والِاعتِراضُ، بقَطعِ النَّظَرِ عن طَريقةِ الرَّدِّ والإصلاحِ لِذلك الخَلَلِ في تَكافُؤِ المُبادَلةِ. ومِنَ السُّنةِ: عن عائِشةَ ﵂: أنَّ رَجُلًا ابتاعَ غُلامًا فأقامَ عندَه ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُقيمَ ثم وجَد به عَيبًا، فخاصَمَه إلى النَّبيِّ ﷺ فرَدَّه عليه، فقالَ الرَّجُلُ: يا رَسولَ اللَّهِ، قد استَغَلَّ غُلامي، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ» (١). قالَ الخطَّابيُّ ﵀: مَعنَى الخَراجِ: الدَّخلُ والمَنفَعةُ، ومِن هذا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢]. ويُقالُ لِلعَبدِ إذا كانَ لِسَيِّدِه عليه ضَريبةٌ: مُخارِجٌ، ومَعنَى قَولِه ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»: المَبيعُ إذا كانَ ممَّا له دَخلٌ وغَلَّةٌ فإنَّ مالِكَ الرَّقَبةِ -الذي هو ضامِنُ الأصلِ- يَملِكُ الخَراجَ بضَمانِ الأصلِ؛ فإذا ابتاعَ الرَّجُلُ أرضًا فأشغَلُها، أو ماشيةً فنَتَجَها، أو دابَّةً فرَكِبَها، أو عَبدًا فاستَخدَمَه، ثم وجَد به عَيبًا، فلَه أنْ يَرُدَّ الرَّقَبةَ ولا شَيءَ عليه فيما انتفعَ به؛ لأنَّها لو تَلِفتْ ما بينَ مُدَّةِ العَقدِ والفَسخِ لَكانَتْ

стр. 3868

مِنْ ضَمانِ المُشتَري؛ فوجَب أنْ يَكونَ الخَراجُ مِنْ حَقِّهِ (١). وأمَّا الإجماعُ فقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ اشتَرَى سِلعةً ووجَد بها عَيبًا كانَ عندَ البائِعِ لَم يَعلَم به المُشتَري أنَّ له الرَّدَّ (٢). وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ ابتاعَ سِلعةً ثم وجَد بها عَيبًا كانَ له رَدُّها به، نقَد الثَّمنَ قبلَ ذلك أو لَم يَنقُدْ. وقالَ أيضًا: وأجمَعَ الجَميعُ على أنَّ مَنْ اشتَرَى سِلعةً له الرَّدُّ بالعَيبِ إذا ظهَر له بعدَ ذلك. وقالَ أيضًا: وكُلُّ مَنْ اشتَرَى حَيَوانًا أو سِلعةً أو ضَيعةً فوجَد بالمَبيعِ عَيبًا، إنْ شاءَ رَدَّ، وإنْ شاءَ أمسَكَ، قَرُبتِ المُدَّةُ أو طالَتْ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العِلمِ في ذلك (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إلَّا أنْ يَجِدَ بالسِّلعةِ عَيبًا فيَرُدَّها به، أو يَكونَ قد شرَط الخيارَ لِنَفْسِه مُدَّةً مَعلومةً فيَملِكَ الرَّدَّ أيضًا، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في ثُبوتِ الرَّدِّ بهذَيْنِ الأمرَيْنِ (٤). وقالَ أيضًا: متى عَلِمَ بالبَيعِ عَيبًا لَم يَكُنْ عالِمًا به فلَه الخيارُ بينَ الإمساكِ والفَسخِ، سَواءٌ كانَ البائِعُ عَلِمَ العَيبَ فكتَمه، أو لَم يَعلَم، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا، ولأنَّ إثباتَ النَّبيِّ ﷺ الخيارَ بالتَّصريةِ تَنبيهٌ على ثُبوتِه بالعَيبِ،

стр. 3869

ولأنَّ مُطلَقَ العَقدِ يَقتَضي السَّلامةَ مِنْ العَيبِ، والعَيبُ حادِثٌ أو مُخالِفٌ لِلظَّاهِرِ؛ فعندَ الإطلاقِ يُحمَلُ عليها؛ فمَتَى فاتَتْ فاتَ بَعضُ مُقتَضى العَقدِ، فلَم يَلزَمْه أخذُه بالعِوَضِ، وكانَ له الرَّدُّ، وأخذُ الثَّمنِ كامِلًا (١). واستَدَلُّوا بالقياسِ على الخيارِ في المُصَرَّاةِ، والجامِعُ بينَهما عَدَمُ حُصولِ المَبيعِ السَّليمِ؛ لأنَّه بَذَلَ الثَّمنَ لِيُسلَّم له مَبيعٌ سَليمٌ، ولَم يُسَلَم له ذلك (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إثباتُ النَّبيِّ ﷺ الخيارَ بالتَّصريةِ تَنبيهٌ على ثُبوتِه بالعَيبِ (٣). وخِيارُ العَيبِ يثبُتُ شَرعًا مِنْ غيرِ شَرطٍ؛ لِكَونِ سَلامةِ المَبيعِ مِنْ العُيوبِ كالمَشروطةِ في العَقدِ؛ فلا يَحِلُّ لِلبائِعِ أنْ يَبيعَ المَعيبَ حتى يُبيِّنَ عَيبَه. الإعلامُ بالعَيبِ في المَبيعِ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأُمَّةِ على أنَّه يَجِبُ على البائِعِ إذا كانَ في المَبيعِ عَيبٌ أنْ يُبينَه لِلمُشتَري؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ باعَ مِنْ أخيه بَيعًا فيه عَيبٌ إلَّا بيَّنه لَه» (٤). وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ على صُبرةِ

стр. 3870

طَعامٍ، فأدخَلَ يَدَه فيها، فنالَتْ أصابِعُه بَلَلًا، فقالَ: «ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟»، قالَ: أصابَتْه السَّماءُ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ ﷺ : «أفَلا جَعَلتَه فَوقَ الطَّعامِ؛ كي يَراه النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فليسَ منِّي» (١). وعن واثِلةَ بنِ الأسقَعِ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ باعَ عَيبًا لَم يُبَيِّنْه لَم يَزَلْ في مَقتِ اللَّهِ، ولَم تَزَلِ المَلائِكةُ تَلعَنُه» (٢). وعن عَبدِ المَجيدِ بنِ وَهبٍ قالَ: قالَ لي العَدَّاءُ بنُ خالِدِ بنِ هَوذةَ: ألَا نُقرِئُكَ كِتابًا كتَبه لي رَسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: قُلتُ: بَلَى، فأخرَجَ لي كِتابًا، فإذا فيهِ: «هذا ما اشتَرَى العَدَّاءُ بنُ خالِدِ بنِ هَوذةَ مِنْ مُحمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ، اشتَرَى مِنه عَبدًا أو أَمَةً لا داءَ ولا غائِلةَ ولا خِبثةَ، بَيعَ المُسلِمِ لِلمُسلِمِ» (٣)، لا داءَ: هو العَيبُ الباطِنُ في السِّلعةِ الذي لَم يَطَّلعْ عليه المُشتَري، ولا غائِلةَ: هي الإباقُ والسَّرقةُ والزِّنا، ولا خِبثةً: ما كانَ في الخُلُقِ، والغائِلةُ: سُكوتُ البائِعِ عَمَّا يَعلَمُ في المَبيعِ مِنْ مَكروهٍ، فقَولُه ﷺ : «بَيعَ المُسلِمِ»، دَليلٌ على أنَّه مُوجِبُ العَقدِ المُطلَقِ، واشتِراطُه بَيانٌ لِمُوجِبِ العَقدِ، وتَوكيدٌ له؛ فهذا النَّبيُّ ﷺ قد بيَّن أنَّ مُجرَّدَ سُكوتِ أحَدِ المُتبايِعَيْنِ عن إظهارِ ما لو عَلِمَه الآخَرُ لَم يُبايِعْه مِنْ العُيوبِ، وغيرِها، إثْمٌ عَظيمٌ، وحرَّم هذا الكِتمانَ، وجعَله مُوجِبًا لِمَقتِ اللَّهِ ، وإنْ كانَ السَّاكِتُ لَم يَتكلَم، ولَم يَصِفْ، ولَم يَشتَرِطْ، وإنَّما

стр. 3871

ذاكَ لأنَّ ظاهِرَ الأمرِ الصِّحَّةُ والسَّلامةُ؛ فيَبني الآخَرُ الأمرَ على ما يَظُنُّه مِنْ الظَّاهِرِ الذي لَم يَصِفْه الآخَرُ بلِسانِه، وذلك نَوعٌ مِنْ الغَرَرِ له والتَّدليسِ عليه، ومَعلومٌ أنَّ الغُرورَ بالكَلامِ والوَصفِ إثْمٌ، فإذا غَرَّه بأنْ يُظهِرَ له أمرًا ثم لا يَفعَلُه معه؛ فإنَّ ذلك أعظَمُ في الغَرَرِ والتَّدليسِ، وأينَ السَّاكِتُ مِنْ النَّاطِقِ؟ فيَجِبُ أنْ يَكونَ أعظَمَ إثْمًا (١). ويَجِبُ عليه تَفصيلُ العَيبِ أو إراءَتُه لِلمُشتَري، ولا يَجوزُ له إجمالُ العَيبِ، أي: يَجمُلُ في الجِنسِ الصَّادِقِ على أفرادٍ، ولَم يُعيِّنِ الغَرَرَ القائِمَ به؛ ككونِه مَعيبًا، ولَم يُعيِّنْ عَينَ العَيبِ (٢). ووُجوبُ الإعلامِ بالعَيبِ لا يَقتصِرُ على البائعِ، بل يَمتَدُّ إلى كلِّ مَنْ عَلِمَ بالعَيبِ. قالَ السُّبكيُّ في تَكمِلةِ المَجموعِ: إنْ عَلِمَ غيرُ المالِكِ بالعَيبِ لزِمه أنْ يُبيِّنَ ذلك لِمَنْ يَشتَريه؛ لِلحَديثِ الآخَرِ الذي ذكَره المُصنِّفُ، ولقولِه ﷺ : «الدِّينُ النَّصيحةُ»، والأحاديثُ في ذلك كَثيرةٌ صَحيحةٌ صَريحةٌ، ومِمَّن صرَّح بهذه المَسألةِ مع المُصنِّفِ ﵀ ابنُ أبي عَصرونٍ، والنَّوويُّ في الرَّوضةِ، مِنْ زياداتِه، وذلك ممَّا لا أظُنُّ فيه خِلافًا؛ لِوُجوبِ النَّصيحةِ، وقد دخَل في قَولِ المُصنِّفِ ممَّن هُمْ غيرُ المالِكِ: البائِعُ بوَكالةٍ أو وِلايةٍ، الذي دَلَّ كَلامُه في التَّنبيهِ عليه، وغيرُ البائِعِ، ومَن ليسَ له تَعلُّقٌ بهما، إلَّا أنَّه اطَّلَعَ على

стр. 3872

العَيبِ -وإنْ كانَ أجنبيًّا-، كما في قِصَّةِ واثِلةَ بنِ الأسقَعِ، ولَه حالاتٌ ثَلاثٌ: إحداها: أنْ يَعلَمَ أنَّ البائِعَ أعلَمَ المُشتَريَ بذلك، فلا يَجِبُ عليه الإعلامُ في هذه الحالةِ؛ لِحُصولِ المَقصودِ بإعلامِ البائِعِ. الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَعلَمَ أو يَظُنَّ أو يَتوهَّمَ أنَّ البائِعَ لَم يُعلِمْه، فيَجِبُ عليه؛ لِإطلاقِ الحَديثِ، ولِقِصَّةِ واثِلةَ؛ فإنَّه استَفسَرَ مِنْ المُشتَري، هل أعلَمَه البائِعُ؛ فدَلَّ على أنَّه لَم يَكُنْ جازِمًا بعَدَمِ إعلامِه، وذلك لأنَّه مِنْ جُملةِ النُّصحِ، لكنَّ هذا إنَّما يَكونُ إذا كانَ التَّوهُّمُ بمُحتمَلِه؛ فلو وَثِقَ بالبائِعِ؛ لِدِينِه، وغلَب على ظَنِّه أنَّه يَعلَمُ المُشتَري به، وهي الحالةُ الثالِثةُ، فيُحتمَلُ أنْ يُقالَ: لا يَجِبُ عليه الإعلامُ في هذه الحالةِ؛ لِظاهِرِ حالِ البائِعِ، وخَشيةً مِنْ التَّعرُّضِ لِإيغارِ صَدرِه، والبائِعُ يَتوهَّمُه أنَّه أساءَ الظَّنَّ به، ويُحتمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّه يَجِبُ الِاستِفسارُ، كما فعَل واثِلةُ بنُ الأسقَعِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الإعلامِ، ولا يَجِدونَ في الِاستِفسارِ مع عُمومِ الحَديثِ في وُجوبِ التَّبيينِ، هذا كُلُّه إذا كانَ البائِعُ عالِمًا بالعَيبِ؛ فإنْ كانَ الأجنَبيُّ عالِمًا به وَحدَه وجَب عليه البَيانُ لِكُلٍّ. وأمَّا وَقتُ الإعلامِ ففي حَقِّ البائِعِ قبلَ البَيعِ؛ فلو باعَ مِنْ غيرِ إعلامٍ عَصى، كما تَقدَّمَ، وفي حَقِّ الأجنَبيِّ قبلَ البَيعِ أيضًا عندَ الحاجةِ، فإنْ لَم يَكُنْ حاضِرًا عندَ البَيعِ، أو لَم يَتيسَّرْ له وجَب عليه الإعلامُ بعدَه؛ لِيَرُدَّ بالعَيبِ، كما فعَل واثِلةُ، ولا يَجوزُ له تَأخيرُ ذلك عن وَقتِ حاجةِ المُشتَري إليه، واللَّهُ أعلَمُ (١).

стр. 3873

حُكمُ البَيعِ مع الكِتمانِ: إذا باعَ البائِعُ السِّلعةَ وكانَ بها عَيبٌ ولَم يُبيِّنِ العَيبَ الذي في المَبيعِ فالبَيعُ صَحيحٌ مع الإثْمِ في قَولِ الأئِمَّةِ الأربَعةِ وأكثَرِ أهلِ العِلمِ، وممَّا يَدلُّ على صِحَّةِ البَيعِ مع العَيبِ ما رَواه البُخاريُّ عن سُفيانَ قالَ: قالَ عَمرٌو: كانَ ههُنا رَجُلٌ اسمُه نَوَّاسٌ، وكانَتْ عندَه إبِلٌ هِيمٌ، فذهَب ابنُ عمرَ ﵁ فاشتَرَى تلك الإبِلَ مِنْ شَريكٍ له، فجاءَ إليه شَريكُه فقالَ: بِعنا تلك الإبِلَ، فقالَ: مِمَّنْ بِعتَها؟ قالَ: مِنْ شَيخٍ كذا وكذا، فقالَ: وَيحَكَ، ذاكَ واللَّهِ ابنُ عمرَ ﵁، فجاءَه فقالَ: إنَّ شَريكي باعَكَ إبِلًا هِيمًا، ولَم يُعرِّفْكَ، قالَ: فاستَقْها، قالَ: فلمَّا ذهَب يَستاقُها قالَ: دَعْها، رَضينا بقَضاءِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، لا عَدوَى (١). إذا اطَّلَعَ المُشتَري على العَيبِ: إذا اطَّلَعَ المُشتَري على عَيبٍ في المَبيعِ يَنقُصُ به الثَّمنُ، وكانَ عندَ البائِعِ، وقبَضه مِنْ غيرِ أنْ يَعلَمَ به، ولَم يُوجَدْ مِنه ما يَدلُّ على الرِّضا بالعَيبِ فهو بالخيارِ بينَ أمرَيْنِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ: ١ - إنْ شاءَ أخَذ المَبيعَ المَعيبَ بكُلِّ الثَّمنِ؛ لأنَّه بَذَلَ الثَّمنَ؛ لِيُسلِّمَ له مَبيعًا سَليمًا، ولَم يُسلِّمْ له ذلك فثبَت له الرُّجوعُ بالثَّمنِ. ٢ - وإنْ شاءَ رَدَّه على البائِعِ؛ لأنَّه لَم يَرضَ به؛ لأنَّ مُطلَقَ العَقدِ يَقتَضي

стр. 3874

وَصفَ السَّلامةِ مِنْ العَيبِ؛ فكانَتِ السَّلامةُ كالمَشروطةِ في العَقدِ صَريحًا، فعندَ فَواتِها يَتخيَّرُ، كَيْلَا يَتضرَّرَ بلُزومِ ما لا يَرضى به. قالَ ابنُ القَطَّانِ ﵀: وكُلُّ مَنْ اشتَرَى حَيَوانًا أو سِلعةً أو ضَيعةً فوجَد بالمَبيعِ عَيبًا، إنْ شاءَ رَدَّ، وإنْ شاءَ أمسَكَ، قَرُبتِ المُدَّةُ أو طالَتْ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العِلمِ في ذلك (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: متى عَلِمَ بالبَيعِ عَيبًا لَم يَكُنْ عالِمًا به فلَه الخيارُ بينَ الإمساكِ والفَسخِ، سَواءٌ كانَ البائِعُ عَلِمَ العَيبَ فكتَمه أو لَم يَعلَم، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا، ولأنَّ إثباتَ النَّبيِّ ﷺ الخيارَ بالتَّصريةِ تَنبيهٌ على ثُبوتِه بالعَيبِ، ولأنَّ مُطلَقَ العَقدِ يَقتَضي السَّلامةَ مِنْ العَيبِ، والعَيبُ حادِثٌ أو مُخالِفٌ لِلظَّاهِرِ؛ فعندَ الإطلاقِ يُحمَلُ عليها، فمتى فاتَتْ فاتَ بَعضُ مُقتَضى العَقدِ، فلَم يَلزَمْه أخذُه بالعِوَضِ، وكانَ له الرَّدُّ وأخذُ الثَّمنِ كامِلًا (٢). حُكمُ أخذِ الأرشِ إنْ وُجدَ المَبيعُ مَعيبًا: اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا اشتَرَى سِلعةً ووجَدها مَعيبةً، هل يَجوزُ له إمساكُها مع أخذِ الأرشِ أو لا يَجوزُ إلَّا الرَّدُّ أو الإمساكُ بلا أرشٍ؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ له إلَّا الرَّدُّ أو الإمساكُ بدُونِ أرشٍ، إلَّا برِضا البائِعِ، عندَ الحَنفيَّةِ، خِلافًا لِلمُعتمَدِ عندَ الشافِعيَّةِ.

стр. 3875

وذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّ لِلمُشتَري الخيارَ بينَ الرَّدِّ والرُّجوعِ بالثَّمنِ وبينَ الإمساكِ والرُّجوعِ بأصلِ العَيبِ. ويُفصِّلُ المالِكيَّةُ بينَ العَيبِ اليَسيرِ غيرِ المُؤثِّرِ؛ فلا شَيءَ فيه ولا رَدَّ به، وبينَ العَيبِ المُؤثِّرِ الذي له قيمةٌ فيَرجِعُ بأرشِه، وبينَ العَيبِ الفاحِشِ فيَجِبُ هُنا الرَّدُّ، حتى إذا أمسَكَه فليسَ له الرُّجوعُ بالنُّقصانِ. وهذا تَفصيلُ كلِّ مَذهبٍ: قالَ الحَنفيَّةُ: إنْ وجَد بالمَبيعِ عَيبًا أخذَه بكُلِّ الثَّمنِ أو رَدَّهُ؛ لأنَّ مُطلَقَ العَقدِ يَقتَضي وَصفَ السَّلامةِ، فعندَ فَواتِه يَتخيَّرُ كي لا يَتضرَّرَ بلُزومِ ما لا يَرضَى به، وليسَ له إمساكُه وأخذُ النُّقصانِ -أي: الأرشِ- إلَّا برِضا البائِعِ؛ لأنَّ الأوصافَ لا يُقابِلُها شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ في مُجرَّدِ العَقدِ، ولأنَّه لَم يَرضَ بزَوالِه عن مِلْكِه بأقَلَّ مِنْ المُسَمَّى، فيَتضرَّرُ به، ودَفعُ الضَّرَرِ عن المُشتَري مُمكِنٌ بالرَّدِّ بدُونِ تَضرُّرِه. وشَمِلَ هذا ما إذا كانَ به عندَ البَيعِ أو حدَث بعدَه في يَدِ البائِعِ، وما إذا كانَ فاحِشًا أو يَسيرًا، والمَهرُ وبَدَلُ الخُلعِ وبَدَلُ الصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ يُرَدُّ بفاحِشِ العَيبِ، لا بيَسيرِه، والفاحِشُ في المَهرِ ما يُخرِجُه مِنْ الجيِّدِ إلى الوَسَطِ، ومِنَ الوَسَطِ إلى الرَّديءِ، وإنَّما لا يُرَدُّ في المَهرِ بيَسيرِه، إذا لَم يَكُنْ كَيليًّا أو وَزنيًّا، وأمَّا هُما فيُرَدُّ بيَسيرِه أيضًا. وكذلك لو كانَ المَبيعُ مَكيلًا أو مَوزونًا؛ فوُجدَ ببَعضِه عَيبٌ ليسَ له أنْ يُمسِكَ الجَيِّدَ ويَرُدَّ المَعيبَ، والأصلُ في هذا أنَّ المُشتَريَ لا يَملِكُ تَفريقَ

стр. 3876

الصَّفقةِ على البائِعِ قبلَ التَّمامِ؛ لِمَا بيَّنا، ويَملِكُ بعدَه، وخِيارُ الشَّرطِ والرُّؤيةِ مع عَدَمِ القَبضِ يَمنَعُ تَمامَ الصَّفقةِ، وبِالقَبضِ تَتِمُّ الصَّفقةُ، والمُرادُ قَبضُ الجَميعِ حتى لو قبَض أحَدَهما ثم وجَد بأحَدِهما عَيبًا إمَّا أنْ يَرُدَّهما أو يُمسِكَهما؛ والمَكيلُ والمَوزونُ كالشيءِ الواحِدِ، ولا يَملِكَ رَدَّ بَعضٍ دونَ بَعضٍ، لا قبلَ القَبضِ ولا بعدَه؛ لأنَّ تَمييزَ المَعيبِ زيادةٌ في العَيبِ، فكَأنَّه عَيبٌ حادِثٌ، حتى قيلَ: لو كانَ في وِعاءَيْنِ له رَدَّ المَعيبَ مِنهما بعدَ القَبضِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ. وكذا لو اشتَرَى زَوجَيْ خُفٍّ أو مِصراعَيْ بابٍ فوجَد بأحَدِهما عَيبًا قبلَ القَبضِ أو بعدَه يَرُدُّهما أو يُمسِكُهما، وكذا كلُّ ما في تَفريقِه ضَرَرٌ، وما لا ضَرَرَ في تَفريقِه -كالثَّوبَيْنِ- إذا وجَد بأحَدِهما عَيبًا، إنْ كانَ قبلَ القَبضِ فليسَ له رَدُّ أحَدِهما؛ لأنَّه تَفريقٌ لِلصَّفقةِ قبلَ تَمامِها، وإنْ كانَ بعدَ القَبضِ يَجوزُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في تَفريقِها؛ لأنَّ الصَّفقةَ قد تَمَّتْ بالقَبضِ؛ فجازَ رَدُّ بَعضِها، كما لو اشتَرَى مِنْ اثنَيْنِ، واستِحقاقُ بَعضِها على هذا التَّفصيلِ ما يَضُرُّه التَّبعيضُ فهو عَيبٌ، وما لا فلا (١). وقالَ المالِكيَّةُ: مَنْ اشتَرَى شَيئًا فوجَد به عَيبًا يُمكِنُ التَّدليسُ به يَنقُصُ مِنْ الثَّمنِ كَثيرًا فلِلمُشتَري الخيارُ بينَ أنْ يُمسِكَ المَبيعَ ولا شَيءَ له في مُقابَلةِ العَيبِ الذي وجَده به.

стр. 3877

أو أنْ يَرُدَّه ويَأخُذَ ثَمَنَه، إلَّا أنْ يُصرِّحَ بالرِّضا، أو يَسكُتَ مِنْ غيرِ عُذرٍ ولا خيارَ له. وليسَ لِلمُشتَري أنْ يُمسِكَه ويَرجِعَ بقيمةِ العَيبِ إلَّا أنْ يَفوتَ في يَدِه. فإنْ أرادَ المُشتَري حَبْسَه مع الأرشِ وأبَى البائِعُ أنْ يُعطيَ الأرشَ فالقَولُ قَولُ البائِعِ؛ لأنَّ المُشتَريَ لا يَستحِقُّ شَيئًا مِنْ الأرشِ مع إمكانِ الرَّدِّ، وأمَّا إنْ فاتَ المَبيعُ عندَه ببَعضِ وُجوهِ الفَواتِ فليسَ له الرَّدُّ، وإنَّما له الأرشُ فَقط. وقالَ ابنُ جُزيٍّ الغِرناطيُّ: أنواعُ العُيوبِ ثَلاثةٌ: عَيبٌ ليسَ فيه شَيءٌ، وعَيبٌ فيه قيمةٌ، وعَيبٌ رَدٌّ؛ فأمَّا الذي ليسَ فيه شَيءٌ فهو اليَسيرُ الذي لا يَنقُصُ مِنْ الثَّمنِ. وأمَّا عَيبُ القيمةِ فهو اليَسيرُ الذي يَنقُصُ مِنْ الثَّمنِ فيَحُطُّ عن المُشتَري مِنْ الثَّمنِ بقَدرِ نَقصِ العَيبِ، وذلك كالخَرقِ في الثَّوبِ والصَّدعِ في حائِطِ الدَّارِ، وقيلَ: إنَّه يُوجِبُ الرَّدَّ في العُروضِ بخِلافِ الأُصولِ. وأمَّا عَيبُ الرَّدِّ فهو الفاحِشُ الذي يَنقُصُ حَظًّا مِنْ الثَّمنِ، ونَقصُ العُشرِ يُوجِبُ الرَّدَّ عندَ ابنِ رُشدٍ، وقيلَ الثُّلُثُ. فالمُشتَري في عَيبِ الرَّدِّ بالخيارِ بينَ أنْ يَرُدَّه على بائِعِه أو يُمسِكَه ولا أرْشَ له على العَيبِ، وليسَ له أنْ يُمسِكَه ويَرجِعَ بقيمةِ العَيبِ، إلَّا أنْ يَفوتَ في يَدِه بَيانُ هذا التَّقسيمِ في غيرِ الحَيَوانِ، وأمَّا الحَيَوانُ -كالرَّقيقِ وغيرِه-

стр. 3878

فيُرَدُّ بكُلِّ ما حُطَّ مِنْ القيمةِ قَليلًا أو كثيرًا، وبذلك قالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ في سائِرِ المَبيعاتِ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: ليسَ لِمَنْ له الرَّدُّ، أنْ يُمسِكَ المَبيعَ ويُطالِبَ بالأرشِ، وليسَ لِلبائِعِ أنْ يَمنَعَه مِنْ الرَّدِّ، ويَدفَعَ الأرشَ. فلو رَضيا بتَركِ الرَّدِّ على جُزءٍ مِنْ الثَّمنِ، أو مالٍ آخَرَ؛ ففي صِحَّةِ هذه المُصالَحةِ وَجهانِ؟ أصَحُّهما: المَنعُ؛ فيَجِبُ على المُشتَري رَدُّ ما أخَذ، وهل يَبطُلُ حَقُّه مِنْ الرَّدِّ؟ وَجهانِ: أصَحُّهما: لا، والوَجهانِ إذا ظَنَّ صِحَّةَ المُصالَحةِ؛ فإنْ عَلِمَ بُطلانَها بطَل حَقُّه قَطعًا (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ اشتَرَى مَعيبًا لَم يَعلَم حالَ العَقدِ عَيبَه، ثم عَلِمَ بعَيبِه فله الخيارُ، سَواءٌ عَلِمَ البائِعُ بعَيبِه فكتَمه عن المُشتَري أو لَم يَعلَم، أو حدَث بالمَبيعِ عَيبٌ بعدَ العَقدِ وقبلَ الرَّدِّ فيما ضَمانُه على بائِعٍ، كمَكيلٍ ومَوزونٍ ومَعدودٍ ومَذروعٍ … خُيِّرَ المُشتَري بينَ رَدِّه ومُؤنةِ رَدِّه وأخذِ الثَّمنِ كامِلًا، وبينَ إمساكِ المَبيعِ مع أرشِ العَيبِ، سَواءٌ رَضيَ البائِعُ بدَفعِ الأرشِ أو سَخِطَ؛ لأنَّ المُتبايِعَيْنِ تَراضَيا على أنَّ العِوَضَ في مُقابَلةِ المُعوَّضِ، فكلُّ

стр. 3879

جُزءٍ مِنْ العِوَضِ يُقابِلُه جُزءٌ مِنْ المُعوَّضِ -الثَّمنِ-، ومع العَيبِ فاتَ جُزءٌ مِنه، فيَرجِعُ ببَدَلِه، وهو الأرشُ، والأرشُ: قِسطٌ ما بينَ قيمَتِه صَحيحًا ومَعيبًا مِنْ ثَمَنِه. ويَتعيَّنُ الأرشُ مع تَلَفِ المَبيعِ عندَ المُشتَري؛ لِتَعذُّرِ الرَّدِّ، وعَدَمِ وُجودِ الرِّضا به ناقِصًا. وكذا إذا زالَ مِلكُ المُشتَري بعِتقٍ أو مَوتٍ أو وَقفٍ، أو تَعذَّرَ الرَّدُّ قبلَ عِلمِه بالعَيبِ. وكذا إنْ باعَه غيرَ عالِمٍ بعَيبِه (١). الرُّجوعُ إلى العُرفِ وأهلِ الخِبرةِ في تَحقيقِ ضابِطِ العَيبِ: والمَرجِعُ في تَحقيقِ ضابِطِ العَيبِ عندَ أغلَبِ الفُقهاءِ إلى أهلِ الخِبرةِ. قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: والتَّعويلُ في البابِ على عُرفِ التُّجَّارِ؛ فما نقَص الثَّمنُ في عُرفِهم؛ فهو عَيبٌ يُوجِبُ الخيارَ، وما لا فلا (٢). وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: والمَرجِعُ في كَونِه عَيبًا أوَّلًا لِأهلِ الخِبرةِ بذلك، وهُم التُّجَّارُ، أو أربابِ الصَّنائِعِ، إنْ كانَ المَبيعُ مِنْ المَصنوعاتِ. وبهذا قالَ الأئِمَّةُ الثَّلاثةُ. وسَواءٌ كانَ يَنقُصُ العَينَ أو لا يَنقُصُها، ولا يَنقُصُ مَنافِعَها، بل مُجرَّدُ

стр. 3880

النَّظَرِ إليها، كالظُّفرِ الأسوَدِ الصَّحيحِ القَويِّ على العَمَلِ (١). وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: والعَيبُ الذي يُرَّدُ به المَبيعُ ما يَعُدُّه النَّاسُ عَيبًا؛ فإنْ خَفيَ منه شَيءٌ رُجِعَ فيه إلى أهلِ الخِبرةِ بذلك الجِنسِ (٢). وقالَ المُوفَّقُ ﵀: والمَرجعُ في ذلك -أي: في العَيبِ- إلى العادةِ في عُرفِ التُّجَّارِ (٣). ولا شَكَّ أنَّ ذِكرَ التُّجَّارِ هُنا ليسَ تَخصيصًا، بل المُرادُ أهلُ الخِبرةِ في كلِّ شَيءٍ بحَسَبِه. واشتَرطَ الحَنفيَّةُ إجماعَ أهلِ الخِبرةِ على الحُكمِ بكَونِ الشَّيءِ عَيبًا؛ فقد ذكَر ابنُ عابدينَ عن الخانيةِ أنَّه إذا اختلَف التُّجَّارُ، فقالَ بَعضٌ: إنَّه عَيبٌ، وقالَ بَعضٌ: ليسَ بعَيبٍ، لَم يَكُنْ له الرَّدُّ؛ إذ لَم يَكُنْ عَيبًا بَيِّنًا عندَ الكُلِّ (٤). وفي مَذهبِ الشافِعيَّةِ: لا يَتطلَّبُ هذا الإجماعَ، بل التَّعدُّدُ غيرُ مَطلوبٍ على ما نقَل السُّبكيُّ عن صاحِبَيِ التَّهذيبِ والعُدَّةِ، ويُكتَفى بقَولٍ واحِدٍ. قالَ السُّبكيُّ ﵀: قالَ صاحِبُ التَّهذيبِ: إنْ قالَ واحِدٌ مِنْ أهلِ العِلمِ بأنَّه عَيبٌ، ثبَت الرَّدُّ به، وكذلك يَقتَضيه كَلامُ صاحِبِ العُدَّةِ، واعتبَرَ

стр. 3881

صاحِبُ التَّتِمَّةِ شَهادةَ اثنَيْنِ ولو اختَلَفا في بَعضِ الصِّفاتِ، هل هو عَيبٌ وليسَ هُناكَ مَنْ يُرجَعُ إليه؟ فالقَولُ قَولُ البائِعِ مع يَمينِه (١). شُروطُ ثُبوتِ خيارِ العَيبِ: يُشترَطُ لِثُبوتِ خيارِ العَيبِ لِلمُشتَري بعدَ الِاطِّلاعِ على العَيبِ شُروطٌ، هي: ١ - ظُهورُ عَيبٍ مُعتبَرٍ قبلَ العَقدِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، فإذا وُجدَ بالمَبيعِ عَيبٌ العادةُ السَّلامةُ منه في ذلك المَبيعِ بعدَما اشتَراه وقبَضه، فلَه رَدُّه، باتِّفاقِ الفُقهاءِ. وكذا إنْ حدَث بالمَبيعِ عَيبٌ بعدَ البَيعِ، وقبلَ القَبضِ والتَّسليمِ، عندَ الجُمهورِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ المَبيعَ حينَئذٍ مِنْ ضَمانِ البائِعِ، فكذا جُزؤُه وصِفَتُه. لكنَّ الحَنابِلةَ قَيَّدوا ذلك بما يَكونُ ضَمانُه على البائِعِ؛ فقالوا: إذا حدَث عَيبٌ بالمَبيعِ بعدَ العَقدِ وقبلَ القَبضِ فيما ضَمانُه على البائِعِ، كمَكيلٍ ومَوزونٍ ومَعدودٍ ومَذروعٍ وثَمَرٍ على شَجَرٍ ونَحوِه، كمَبيعٍ بصِفةٍ أو رُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ. أمَّا إذا لَم يَكُنِ العَيبُ قَديمًا، بل حدَث بعدَ التَّسليمِ، فلا يثبُتُ الخيارُ باتِّفاقٍ؛ لأنَّ ثُبوتَه لِفَواتِ صِفةِ السَّلامةِ المَشروطةِ في العَقدِ دِلالةً، وقد

стр. 3882

حَصَلتِ السِّلعةُ سَليمةً في يَدِ المُشتَري؛ إذ العَيبُ لَم يَحدُثْ إلَّا بعدَ التَّسليمِ (١). ٢ - أنْ يَكونَ المُشتَري غيرَ عالِمٍ بالعَيبِ عندَ العَقدِ والقَبضِ؛ فإنْ كانَ عالِمًا به عندَ أحَدِهما فلا خيارَ له؛ لأنَّه يَكونُ راضيًا به دِلالةً؛ لأنَّ الإقدامَ على الشِّراءِ مع العِلمِ بالعَيبِ رِضًا به دِلالةً، وكذا إذا لَم يَعلَم عندَ العَقدِ، ثم عَلِمَ بعدَه قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ تَمامَ الصَّفقةِ مُتعلِّقٌ بالقَبضِ؛ فكانَ العِلمُ عندَ القَبضِ كالعِلمِ عندَ العَقدِ، وهذا ممَّا لا خِلافَ فيه بينَ الفُقهاءِ. قالَ السُّبكيُّ ﵀: إنْ كانَ عالِمًا بالعَيبِ فلا خِلافَ أنَّه لا يثبُتُ له الخيارُ؛ لِرِضاه بالعَيبِ … قالَ ابنُ حَزمٍ في كِتابِ مَراتِبِ الإجماعِ: واتَّفَقوا على أنَّه إذا بيَّن له البائِعُ عَيبًا فيه وحَدَّ مِقدارَه ووَقَفَه عليه، إنْ كانَ في جِسمِ المَبيعِ فرَضيَ بذلك المُشتَري فقد لزِمه، ولا رَدَّ له بذلك العَيبِ (٢). ٣ - ألَّا يَزولَ العَيبُ قبلَ الفَسخِ، فإنِ اشتَرَى حَيَوانًا مَريضًا ولَم يَفسَخِ البَيعَ، ثم زالَ المَرَضُ على وَجْهٍ تُؤمَنُ معه العَودةُ عادةً فليسَ له الفَسخُ بسَبَبِ المَرَضِ؛ لأنَّه زالَ قبلَ أنْ يَرُدَّه؛ لأنَّ الخيارَ ثبَت لِدَفعِ الضَّرَرِ، وقد زالَ الضَّرَرُ؛ لأنَّ الرَّدَّ إنَّما هو لِلعَيبِ -فهو سَبَبُه- والمَعقودُ عليه أضحى سَليمًا، فلا قيامَ لِلخيارِ مع سَلامَتِه، وهذا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ

стр. 3883

والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ في المَذهبِ، وفي وَجْهٍ لِلشافِعيَّةِ لا يَسقُطُ الرَّدُّ؛ لأنَّ الخيارَ ثبَت بوُجودِ العَيبِ، فلا يَسقُطُ مِنْ غيرِ رِضاه. فإنِ احتُمِلَ عَودُ العَيبِ مَرَّةً أُخرى بعدَ زَوالِه فلَه الرَّدُّ، كما نصَّ على ذلك المالِكيَّةُ (١). ٤ - ألَّا يُمكِنَ زَوالُ ذلك العَيبِ إلَّا بمَشَقَّةٍ، أمَّا لو أمكَنَ إزالَتُه بغيرِ مَشَقَّةٍ فلا يَقومُ حَقُّ الخيارِ ولا يُرَدُّ به البَيعُ، وذلك كما لو كانَ على القُماشِ طابَعُ المَصنَعِ مَثَلًا، وكانَ ممَّا لا يَضُرُّه الغَسلُ، أو يُمكِنُ جَعلُه مِنْ جِهةِ البِطانةِ، وكما لو كانَ بالثَّوبِ نَجاسةٌ وهو ممَّا لا يَفسُدُ بالغَسلِ ولا يَنقُصُ، لِلتَّمكُّنِ مِنْ غَسلِه، وهذا ما صرَّح به الحَنفيَّةُ. قالَ في «دُرَرِ الحُكَّامِ»: ويُشترَطُ في العَيبِ ألَّا يُمكِنَ إزالَتُه بلا مَشَقَّةٍ ولا ضَرَرٍ، فعليه فوُجودُ نَجاسةٍ في ثَوبٍ لا يَضُرُّه الغَسلُ ليسَ بعَيبٍ، وإنْ ضَرَّه الغَسلُ كانَ عَيبًا، ووُجودُ آثارِ الزَّيتِ في الثَّوبِ عَيبٌ؛ إذ لا يُمكِنُ إزالةُ الزَّيتِ مِنه بغيرِ مَشَقَّةٍ (٢).

стр. 3884

وقالَ الحَنابِلةُ: لا فَسخَ بعَيبٍ يَسيرٍ، كصُداعٍ والحُمَّى اليَسيرةِ، وسَقطِ آياتٍ يَسيرةٍ في مُصحَفٍ لِلعادةِ؛ لأنَّه لا يَسلَمُ عادةً مِنْ ذلك، كيَسيرِ التُّرابِ والعَقدِ في البُرِّ، والغَبنِ اليَسيرِ، ومَحَلُّ ذلك ما لَم يُفضِ إلى الرِّبا؛ لِشِراءِ فِضَّةٍ بزِنَتِها دَراهِمَ ونَحوِها مَعيبةً، أو قَفيزٍ ممَّا يَجري فيه الرِّبا بمِثلِه؛ فله الرَّدُّ أو الإمساكُ مَجَّانًا، قالَ ابنُ مُفلِحٍ: وظاهِرُه أنَّه إذا كانَ عالِمًا به فلا خيارَ له بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّه دخَل على بَصيرةٍ، أشبَهَ ما لو صرَّح به، وفي الِانتِصارِ إذا كانَ عالِمًا به ولَم يَرضَ ثبَت له الخيارُ. قالَ ابنُ الزاغونيِّ: لا يَنقُصُ شَيءٌ مِنْ أُجرةِ النَّاسِخِ بعَيبٍ يَسيرٍ؛ لِعُسرِ الِاحتِرازِ عنه في الأغلَبِ، وإلَّا بأنْ لَم يَكُنِ العَيبُ يَسيرًا، بَلْ كانَ كَثيرًا، فلا أُجرةَ لِمَا وَضَعَه النَّاسِخُ في غيرِ مَكانِه بأنْ قدَّمه على مَوضِعِه أو أخَّرَه عنه؛ لعَدمِ الإذْنِ فيه، والعَقدِ عليه، وعليه نَسخُه في مَكانِه؛ لأنَّه التَزَمَه بالعَقدِ، ويَلزَمُه -أي: النَّاسِخَ- قيمةُ ما أتلَفَه بذلك التَّقديمِ أو التَّأخيرِ مِنْ الكاغَدِ؛ لِتَعدِّيه، وإنْ ظهَر في المَأجورِ عَيبٌ تَنْقُصُ به أُجرَتُه عادةً فلا أرشَ له -أي: لِلمُستَأجِرِ- إنِ اختارَ الإمساكَ، وعليه الأُجرةُ كامِلةً (١). وقالَ المالِكيَّةُ: إذا كانَ النَّقصُ يَسيرًا، كذَهابِ الظُّفرِ والأُنمُلةِ في وَخشِ الرَّقيقِ، فإنَّ ذلك ليسَ ممَّا يُثبِتُ الخيارَ لِلمُبتاعِ، وإنَّما له الرَّدُّ ولا شَيءَ عليه مِنْ النَّقصِ أو الإمساكِ، ولا شَيءَ له مِنْ قيمةِ العَيبِ، ووَجْهُ ذلك أنَّ البائِعَ مُتَّهمٌ بالتَّدليسِ، ولِذلك وجَب الرَّدُّ عليه بالعَيبِ بما كانَ مِنْ

стр. 3885

الأُمورِ اليَسيرةِ التي لا يُسلَمُ مِنْ مِثلِها، وما كانَ مُعتادًا مُتكرِّرًا فلا عِوَضَ له فيما حدَث منها. وذلك بمَنزِلةِ بَقاءِ المَبيعِ على هَيئَتِه، وكذلك الكَيُّ والرَّمَدُ والصُّداعُ والحُمَّى؛ لأنَّها أُمورٌ مُعتادةٌ يَسهُلُ البُرءُ منها بسُرعةٍ، هذا مَذهبُ ابنِ القاسِمِ، وخالَفَه أشهَبُ في الوَعكِ والحُمَّى، فقالَ: يثبُتُ الخيارُ لِلمُبتاعِ. قالَ القاضي أبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀: وعِندي أنَّ ابنَ القاسِمِ إنَّما أرادَ الحُمَّى الخَفيفةَ التي يُرجَى سُرعةُ بُرئِها، دونَ ما أضعَفَ منها ومنَع التَّصرُّفَ؛ فإنَّ ذلك ممَّا يَعظُمُ قَدرُه ويَندُرُ، فلا يَرُدُّ المُشتَري إلَّا أنْ يَرُدَّ قيمةَ ما نقَص مِنْ المَبيعِ، وقد رَوى عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ دينارٍ عن ابنِ كِنانةَ أنَّه إنِ اشتَرَى عَبدًا فمَرِضَ عندَه، ثم اطَّلَعَ على إباقٍ لَم يَرُدَّه حتى يَصحَّ أو يَموتَ؛ فإنْ ماتَ رجَع بما بينَ القيمَتَيْنِ، ورَوى عيسى عن ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ: يَرُدُّه ما لَم يَكُنْ مَرَضًا مَخوفًا؛ فعلى هذه الرِّوايةِ الأمراضُ ثَلاثةٌ: خَفيفٌ لا يثبُتُ الخيارُ به، ومُتوسِّطٌ يثبُتُ الخيارُ به، ومَرَضٌ مَخوفٌ يَمنَعُ الرَّدَّ (١). وإذا هَوَّنَ البائِعُ مِنْ شَأنِ العَيبِ، بأنَّه يَسيرٌ، أو بأنَّه سَهلُ الإزالةِ، أو لا يُكلِّفُ إلَّا قَليلًا لِإصلاحِه، فيَرضى به المُشتَري، ثم يَظهَرُ العَكسُ فما مَصيرُ خيارِ العَيبِ بعدَ الرِّضا مِنْ المُشتَري؟ نَصَّ المالِكيَّةُ على ثُبوتِ خيارِ الرَّدِّ لِلمُشتَري عندَئِذٍ ما لَم يَحدُثْ لَدَيه عَيبٌ فيَتخيَّرُ بينَ الرَّدِّ والأرشِ.

стр. 3886

جاءَ في نَوازِلِ الونشَريسيِّ أنَّه سُئلَ عَمَّنِ اشتَرَى دابَّةً وبها جُرحُ رُمحٍ؛ فرَضيَ بعدَما قالَ البائِعُ له: هو جُرحٌ لا يَضُرُّها؛ فتَغيَّبَ هذا المُشتَري نَحوًا مِنْ سَنةٍ ثم ظهَر الجُرحُ فادِحًا. فأجابَ: إنْ لَم يَحدُثْ بها عندَه عَيبٌ مُفسِدٌ فهو مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَرُدَّها أو يَتماسَكَ، ولا شَيءَ له مِنْ قيمةِ العَيبِ؛ فإنْ حدَث عندَ المُشتَري عَيبٌ بَعدُ، فإنْ شاءَ رَدَّها وقيمةَ العَيبِ الحادِثِ عندَه، وإنْ شاءَ أمسَكَها وأخَذ قيمةَ العَيبِ بينَ الصِّحَّةِ والدَّاءِ (١). ٥ - ألَّا يَكونَ البائِعُ قد اشتَرطَ البَراءةَ مِنْ العَيبِ في مَحَلِّ العَقدِ؛ فلو شرَط البَراءةَ مِنْ العَيبِ في مَحَلِّ العَقدِ فقد اختلَف العُلماءُ فيه، هل يثبُتُ له الخيارُ أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ -في الجُملةِ- إلى أنَّ مَنْ اشتَرَى سِلعةً واشتَرطَ عليه البائِعُ أنَّه بَريءٌ مِنْ كلِّ عَيبٍ، صَحَّ ولا خيارَ لِلمُشتَري؛ لأنَّ شَرطَ البَراءةِ عن العَيبِ في البَيعِ صَحيحٌ؛ فإذا أبرَأه؛ فقد أسقَطَ حَقَّ نَفْسِه؛ فصَحَّ الإسقاطُ؛ فيَسقُطُ ضَرورةً؛ لِمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لِرَجلَيْنِ اختَصَما في مَواريثَ دَرَستْ بينَهما: «استَهِما، وتَوَخَّيا الحَقَّ، ولِيُحلِلْ أحَدُكما صاحِبَه» (٢). فدَلَّ هذا على أنَّ البَراءةَ مِنْ المَجهولِ جائِزةٌ، ولأنَّه إسقاطُ حَقٍّ لا تَسليمَ فيه فصَحَّ مِنْ المَجهولِ، كالعَتاقِ والطَّلاقِ، ولا فَرقَ بينَ الحَيَوانِ وغيرِه، فما ثبَت في

стр. 3887

أحَدِهما ثبَت في الآخَرِ، وقَولُ عُثمانَ ﵁ قد خالَفَه ابنُ عمرَ ﵁، وقَولُ الصَّحابيِّ المُخالِفِ لا يَبقَى حُجَّةً (١). قالَ الحَنفيَّةُ: البَيعُ بشَرطِ البَراءةِ مِنْ العُيوبِ جائِزٌ في الحَيَوانِ وغيرِه، ويَدخُلُ في البَراءةِ ما عَلِمَه البائِعُ وما لَم يَعلَمه، وما وَقَفَ عليه المُشتَري وما لَم يَقِفْ عليه، سَواءٌ سَمَّى جِنسَ العُيوبِ أو لَم يُسَمِّ، أشارَ إليه أو لَم يُشِرْ. ويُبرَأُ عن كلِّ عَيبٍ مَوجودٍ به وَقتَ البَيعِ، وما يَحدُثُ بعدَه إلى وَقتِ التَّسليمِ في قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمَّدٌ: لا يُبرَأُ عن العَيبِ الحادِثِ. ولو شرَط أنَّه بَريءٌ مِنْ كلِّ عَيبٍ به لَم يَنصرِفْ إلى الحادِثِ في قَولِهم جَميعًا، وكذلك إذا خَصَّ ضَربًا مِنْ العُيوبِ صَحَّ التَّخصيصُ. ولو باعَ بشَرطِ البَراءةِ عن كلِّ عَيبٍ به، وما يَحدُثُ، فالبَيعُ بهذا الشَّرطِ فاسِدٌ. ولو اختَلَفا في عَيبٍ أنَّه حادِثٌ بعدَ العَقدِ أو كانَ عندَه لا أثَرَ لِهذا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، فلَفظُ الإبراءِ يَتناوَلُ الحادِثَ نَصًّا ودِلالةً، أمَّا النَّصُّ فإنَّه عَمَّ البَراءةَ عن العُيوبِ كُلِّها، أو خَصَّها بجِنسٍ مِنْ العُيوبِ على

стр. 3888

الإطلاقِ نَصًّا؛ فتَخصيصُه أو تَقييدُه بالمَوجودِ عندَ العَقدِ لا يَجوزُ إلَّا بدَليلٍ، وأمَّا الدِّلالةُ فهي أنَّ غَرَضَ البائِعِ مِنْ هذا الشَّرطِ هو انسِدادُ طَريقِ الرَّدِّ، ولا يَنسَدُّ إلَّا بدُخولِ الحادِثِ؛ فكانَ داخِلًا فيه دِلالةً. وعندَ مُحمَّدٍ: القَولُ لِلبائِعِ مع يَمينِه على العِلمِ بأنَّه حادِثٌ؛ لأنَّ بُطلانَ حَقِّ المُشتَري في الفَسخِ ظاهِرٌ بشَرطِ البَراءةِ وثُبوتِ حَقِّ الفَسخِ بعَيبٍ حدَث باطِنٌ؛ فإذا ادَّعَى باطِنًا لِيُزيلَ به ظاهِرًا لا يُصدَّقُ إلَّا بحُجَّةٍ، ولأنَّ الإبراءَ عن العَيبِ يَقتَضي وُجودَ العَيبِ؛ لأنَّ الإبراءَ عن المَعدومِ لا يُتصوَّرُ، والحادِثُ لَم يَكُنْ مَوجودًا عندَ البَيعِ؛ فلا يَدخُلُ تَحتَ الإبراءِ؛ فلو دخَل فإنَّما يَدخُلُ بالإضافةِ إلى حالةِ الحُدوثِ، والإبراءُ لا يَحتمِلُ الإضافةَ؛ لأنَّ فيه مَعنَى التَّمليكِ، حتى يَرتَدَّ بالرَّدِّ، ولِهذا لَم يَدخُلِ الحادِثُ عندَ الإضافةِ إليه نَصًّا؛ فعندَ الإطلاقِ أوْلَى. هذا إذا أطلَقَ، أمَّا إذا أبرَأه مُقيَّدًا بعَيبٍ كانَ عندَ البَيعِ ثم اختَلَفا على نَحوِ ما ذَكَرنا، فالقَولُ لِلمُشتَري (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: لو باعَ شَخصٌ عَينًا وشرَط البَراءةَ مِنْ العُيوبِ ففيه خِلافٌ، الصَّحيحُ أنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ باطِنٍ في الحَيَوانِ لَم يَعلَم به البائِعُ دونَ غيرِه؛ لأنَّ ابنَ عمرَ ﵁ باعَ غُلامًا بثَمانِمِئةٍ، وباعَه بالبَراءةِ؛ فقالَ المُشتَري لِابنِ عمرَ: بالعَبدِ داءٌ

стр. 3889

لَم تُسَمِّه لي. فاختَصَما إلى عُثمانَ ﵁، فقَضى عُثمانُ على ابنِ عمرَ أنَّه يَحلِفُ لَقَدْ باعَه العَبدَ وما به داءٌ يَعلَمُه، فأبَى عَبدُ اللَّهِ ﵁ أنْ يَحلِفَ، وارتَجَعَ العَبدَ، فباعَه بألْفٍ وخَمسِمِئةٍ (١)، فدَلَّ قَضاءُ عُثمانَ أنَّه يُبرَأُ مِنْ عَيبِ الحَيَوانِ الذي لَم يَعلَم به. والفَرقُ بينَ الحَيَوانِ وغيرِه ما قالَه الشافِعيُّ من أنَّ الحَيَوانَ يَأكُلُ في حالَتَيْ صِحَّتِه وسَقَمِه، وتَتبدَّلُ أحوالُه سَريعًا، فقَلَّ أنْ يَنفَكَّ عن عَيبٍ خَفيٍّ أو ظاهِرٍ، فيَحتاجُ البائِعُ إلى هذا الشَّرطِ لِيَثِقَ بلُزومِ العَقدِ. والفَرقُ بينَ العَيبِ المَعلومِ وغيرِه أنَّ كِتمانَ المَعلومِ تَلبيسٌ وغِشٌّ، فلا يُبرَأُ منه. والفَرقُ بينَ الظَّاهِرِ والباطِنِ أنَّ الظَّاهِرَ يَسهُلُ الِاطِّلاعُ عليه، ويُعلَمُ في الأغلَبِ؛ فأعطَيناه حُكمَ المَعلومِ، وإنْ كانَ قد يَخفَى على نُدورٍ؛ فيَرجِعُ الأمرُ إلى أنَّه لا يُبرَأُ عن غيرِ الباطِنِ في الحَيَوانِ ولا عن غيرِه مِنْ غيرِ الحَيَوانِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ ظاهِرًا أو باطِنًا، سَواءٌ في ذلك الثِّيابُ والعَقارُ ونَحوُهما (٢). قالَ الماوَرديُّ ﵀: اعلَم أنَّ البَيعَ بشَرطِ البَراءةِ مِنْ العُيوبِ على ثَلاثةِ أضرُبٍ: أحَدُها: أنَّه يُبرَأُ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ووَقَفَ المُشتَري عليها. والثاني: أنَّه يُبرَأُ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ولَم يَقِفِ المُشتَري عليها.

стр. 3890

والثَّالثُ: أنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ بها مِنْ غيرِ أنْ يُسمِّيَها ولا أنْ يَقِفَ المُشتَري عليها. أمَّا الضَّربُ الأوَّلُ -وهو أنْ يُبرَأَ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ووَقَفَ المُشتَري عليها- فهذه بَراءةٌ صَحيحةٌ مِنْ بَيعٍ جائِزٍ، لا تَنفي الجَهالةَ عن البَراءةِ، ولُزومَ شَرطٍ في العَقدِ؛ فإنْ وجَد المُشتَري بالمَبيعِ غيرَ تلك العُيوبِ كانَ له الرَّدُّ، وإنْ لَم يَجِدْ إلَّا تلك العُيوبَ فليسَ له الرَّدُّ. وأمَّا الضَّربُ الثاني -وهو أنْ يُبرَأَ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ولَم يَقِفِ المُشتَري عليها- فهذا على ضَربَيْنِ: أحَدُهما: أنْ تَكونَ العُيوبُ لازِمةً، كالبَرَصِ والجُذامِ. والآخَرُ: أنْ تَكونَ غيرَ لازِمةٍ، كالسَّرِقةِ والإباقِ، فإنْ كانَتْ غيرَ لازِمةٍ صَحَّتِ البَراءةُ مِنها بالتَّسميةِ لها؛ لأنَّها غيرُ مُشاهَدةٍ، فلَم يُمكِنِ الوُقوفُ عليها، واكتَفَى بالتَّسميةِ لها؛ لأنَّ لِنَقصِ العَيبِ قِسطًا مِنْ الثَّمنِ يَزيدُ بزيادةِ العَيبِ ويَنقُصُ بنُقصانِه، فصارَتِ التَّسميةُ لها مع عَدَمِ مُشاهَدَتِها جَهلًا بها. وأمَّا الضَّربُ الثَّالثُ -وهو أنْ يُبرَأَ ألبَتَّةَ مِنْ كلِّ عَيبٍ بها مِنْ غيرِ أنْ يُسَمِّيَها، ولا يَقِفَ المُشتَري عليها- فالَّذي نصَّ عليه الشافِعيُّ في اختِلافِ أبي حَنيفةَ وابنِ أبي لَيلَى أنَّ الذي يُذهَبُ إليه في الحَيَوانِ قَضاءُ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ ﵁: أنْ يُبرَأَ مِنْ كلِّ عَيبٍ لَم يَعلَمه، ولا يُبرَأَ مِنْ عَيبٍ عَلِمَه حتى يُسَمِّيَه لِلبائِعِ ويَقِفَه عليه تَقليدًا، وأنَّ الحَيَوانَ يُفارِقُ ما سِواه، وقالَ في
следующие страницы →