جاءَ في نَوازِلِ الونشَريسيِّ أنَّه سُئلَ عَمَّنِ اشتَرَى دابَّةً وبها جُرحُ رُمحٍ؛ فرَضيَ بعدَما قالَ البائِعُ له: هو جُرحٌ لا يَضُرُّها؛ فتَغيَّبَ هذا المُشتَري نَحوًا مِنْ سَنةٍ ثم ظهَر الجُرحُ فادِحًا.
فأجابَ: إنْ لَم يَحدُثْ بها عندَه عَيبٌ مُفسِدٌ فهو مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَرُدَّها أو يَتماسَكَ، ولا شَيءَ له مِنْ قيمةِ العَيبِ؛ فإنْ حدَث عندَ المُشتَري عَيبٌ بَعدُ، فإنْ شاءَ رَدَّها وقيمةَ العَيبِ الحادِثِ عندَه، وإنْ شاءَ أمسَكَها وأخَذ قيمةَ العَيبِ بينَ الصِّحَّةِ والدَّاءِ (١).
٥ - ألَّا يَكونَ البائِعُ قد اشتَرطَ البَراءةَ مِنْ العَيبِ في مَحَلِّ العَقدِ؛ فلو شرَط البَراءةَ مِنْ العَيبِ في مَحَلِّ العَقدِ فقد اختلَف العُلماءُ فيه، هل يثبُتُ له الخيارُ أو لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ -في الجُملةِ- إلى أنَّ مَنْ اشتَرَى سِلعةً واشتَرطَ عليه البائِعُ أنَّه بَريءٌ مِنْ كلِّ عَيبٍ، صَحَّ ولا خيارَ لِلمُشتَري؛ لأنَّ شَرطَ البَراءةِ عن العَيبِ في البَيعِ صَحيحٌ؛ فإذا أبرَأه؛ فقد أسقَطَ حَقَّ نَفْسِه؛ فصَحَّ الإسقاطُ؛ فيَسقُطُ ضَرورةً؛ لِمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لِرَجلَيْنِ اختَصَما في مَواريثَ دَرَستْ بينَهما: «استَهِما، وتَوَخَّيا الحَقَّ، ولِيُحلِلْ أحَدُكما صاحِبَه» (٢). فدَلَّ هذا على أنَّ البَراءةَ مِنْ المَجهولِ جائِزةٌ، ولأنَّه إسقاطُ حَقٍّ لا تَسليمَ فيه فصَحَّ مِنْ المَجهولِ، كالعَتاقِ والطَّلاقِ، ولا فَرقَ بينَ الحَيَوانِ وغيرِه، فما ثبَت في
стр. 3887
أحَدِهما ثبَت في الآخَرِ، وقَولُ عُثمانَ ﵁ قد خالَفَه ابنُ عمرَ ﵁، وقَولُ الصَّحابيِّ المُخالِفِ لا يَبقَى حُجَّةً (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: البَيعُ بشَرطِ البَراءةِ مِنْ العُيوبِ جائِزٌ في الحَيَوانِ وغيرِه، ويَدخُلُ في البَراءةِ ما عَلِمَه البائِعُ وما لَم يَعلَمه، وما وَقَفَ عليه المُشتَري وما لَم يَقِفْ عليه، سَواءٌ سَمَّى جِنسَ العُيوبِ أو لَم يُسَمِّ، أشارَ إليه أو لَم يُشِرْ.
ويُبرَأُ عن كلِّ عَيبٍ مَوجودٍ به وَقتَ البَيعِ، وما يَحدُثُ بعدَه إلى وَقتِ التَّسليمِ في قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمَّدٌ: لا يُبرَأُ عن العَيبِ الحادِثِ.
ولو شرَط أنَّه بَريءٌ مِنْ كلِّ عَيبٍ به لَم يَنصرِفْ إلى الحادِثِ في قَولِهم جَميعًا، وكذلك إذا خَصَّ ضَربًا مِنْ العُيوبِ صَحَّ التَّخصيصُ.
ولو باعَ بشَرطِ البَراءةِ عن كلِّ عَيبٍ به، وما يَحدُثُ، فالبَيعُ بهذا الشَّرطِ فاسِدٌ.
ولو اختَلَفا في عَيبٍ أنَّه حادِثٌ بعدَ العَقدِ أو كانَ عندَه لا أثَرَ لِهذا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، فلَفظُ الإبراءِ يَتناوَلُ الحادِثَ نَصًّا ودِلالةً، أمَّا النَّصُّ فإنَّه عَمَّ البَراءةَ عن العُيوبِ كُلِّها، أو خَصَّها بجِنسٍ مِنْ العُيوبِ على
стр. 3888
الإطلاقِ نَصًّا؛ فتَخصيصُه أو تَقييدُه بالمَوجودِ عندَ العَقدِ لا يَجوزُ إلَّا بدَليلٍ، وأمَّا الدِّلالةُ فهي أنَّ غَرَضَ البائِعِ مِنْ هذا الشَّرطِ هو انسِدادُ طَريقِ الرَّدِّ، ولا يَنسَدُّ إلَّا بدُخولِ الحادِثِ؛ فكانَ داخِلًا فيه دِلالةً.
وعندَ مُحمَّدٍ: القَولُ لِلبائِعِ مع يَمينِه على العِلمِ بأنَّه حادِثٌ؛ لأنَّ بُطلانَ حَقِّ المُشتَري في الفَسخِ ظاهِرٌ بشَرطِ البَراءةِ وثُبوتِ حَقِّ الفَسخِ بعَيبٍ حدَث باطِنٌ؛ فإذا ادَّعَى باطِنًا لِيُزيلَ به ظاهِرًا لا يُصدَّقُ إلَّا بحُجَّةٍ، ولأنَّ الإبراءَ عن العَيبِ يَقتَضي وُجودَ العَيبِ؛ لأنَّ الإبراءَ عن المَعدومِ لا يُتصوَّرُ، والحادِثُ لَم يَكُنْ مَوجودًا عندَ البَيعِ؛ فلا يَدخُلُ تَحتَ الإبراءِ؛ فلو دخَل فإنَّما يَدخُلُ بالإضافةِ إلى حالةِ الحُدوثِ، والإبراءُ لا يَحتمِلُ الإضافةَ؛ لأنَّ فيه مَعنَى التَّمليكِ، حتى يَرتَدَّ بالرَّدِّ، ولِهذا لَم يَدخُلِ الحادِثُ عندَ الإضافةِ إليه نَصًّا؛ فعندَ الإطلاقِ أوْلَى.
هذا إذا أطلَقَ، أمَّا إذا أبرَأه مُقيَّدًا بعَيبٍ كانَ عندَ البَيعِ ثم اختَلَفا على نَحوِ ما ذَكَرنا، فالقَولُ لِلمُشتَري (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: لو باعَ شَخصٌ عَينًا وشرَط البَراءةَ مِنْ العُيوبِ ففيه خِلافٌ، الصَّحيحُ أنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ باطِنٍ في الحَيَوانِ لَم يَعلَم به البائِعُ دونَ غيرِه؛ لأنَّ ابنَ عمرَ ﵁ باعَ غُلامًا بثَمانِمِئةٍ، وباعَه بالبَراءةِ؛ فقالَ المُشتَري لِابنِ عمرَ: بالعَبدِ داءٌ
стр. 3889
لَم تُسَمِّه لي. فاختَصَما إلى عُثمانَ ﵁، فقَضى عُثمانُ على ابنِ عمرَ أنَّه يَحلِفُ لَقَدْ باعَه العَبدَ وما به داءٌ يَعلَمُه، فأبَى عَبدُ اللَّهِ ﵁ أنْ يَحلِفَ، وارتَجَعَ العَبدَ، فباعَه بألْفٍ وخَمسِمِئةٍ (١)، فدَلَّ قَضاءُ عُثمانَ أنَّه يُبرَأُ مِنْ عَيبِ الحَيَوانِ الذي لَم يَعلَم به.
والفَرقُ بينَ الحَيَوانِ وغيرِه ما قالَه الشافِعيُّ من أنَّ الحَيَوانَ يَأكُلُ في حالَتَيْ صِحَّتِه وسَقَمِه، وتَتبدَّلُ أحوالُه سَريعًا، فقَلَّ أنْ يَنفَكَّ عن عَيبٍ خَفيٍّ أو ظاهِرٍ، فيَحتاجُ البائِعُ إلى هذا الشَّرطِ لِيَثِقَ بلُزومِ العَقدِ.
والفَرقُ بينَ العَيبِ المَعلومِ وغيرِه أنَّ كِتمانَ المَعلومِ تَلبيسٌ وغِشٌّ، فلا يُبرَأُ منه.
والفَرقُ بينَ الظَّاهِرِ والباطِنِ أنَّ الظَّاهِرَ يَسهُلُ الِاطِّلاعُ عليه، ويُعلَمُ في الأغلَبِ؛ فأعطَيناه حُكمَ المَعلومِ، وإنْ كانَ قد يَخفَى على نُدورٍ؛ فيَرجِعُ الأمرُ إلى أنَّه لا يُبرَأُ عن غيرِ الباطِنِ في الحَيَوانِ ولا عن غيرِه مِنْ غيرِ الحَيَوانِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ ظاهِرًا أو باطِنًا، سَواءٌ في ذلك الثِّيابُ والعَقارُ ونَحوُهما (٢).
قالَ الماوَرديُّ ﵀: اعلَم أنَّ البَيعَ بشَرطِ البَراءةِ مِنْ العُيوبِ على ثَلاثةِ أضرُبٍ:
أحَدُها: أنَّه يُبرَأُ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ووَقَفَ المُشتَري عليها.
والثاني: أنَّه يُبرَأُ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ولَم يَقِفِ المُشتَري عليها.
стр. 3890
والثَّالثُ: أنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ بها مِنْ غيرِ أنْ يُسمِّيَها ولا أنْ يَقِفَ المُشتَري عليها.
أمَّا الضَّربُ الأوَّلُ -وهو أنْ يُبرَأَ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ووَقَفَ المُشتَري عليها- فهذه بَراءةٌ صَحيحةٌ مِنْ بَيعٍ جائِزٍ، لا تَنفي الجَهالةَ عن البَراءةِ، ولُزومَ شَرطٍ في العَقدِ؛ فإنْ وجَد المُشتَري بالمَبيعِ غيرَ تلك العُيوبِ كانَ له الرَّدُّ، وإنْ لَم يَجِدْ إلَّا تلك العُيوبَ فليسَ له الرَّدُّ.
وأمَّا الضَّربُ الثاني -وهو أنْ يُبرَأَ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ولَم يَقِفِ المُشتَري عليها- فهذا على ضَربَيْنِ:
أحَدُهما: أنْ تَكونَ العُيوبُ لازِمةً، كالبَرَصِ والجُذامِ.
والآخَرُ: أنْ تَكونَ غيرَ لازِمةٍ، كالسَّرِقةِ والإباقِ، فإنْ كانَتْ غيرَ لازِمةٍ صَحَّتِ البَراءةُ مِنها بالتَّسميةِ لها؛ لأنَّها غيرُ مُشاهَدةٍ، فلَم يُمكِنِ الوُقوفُ عليها، واكتَفَى بالتَّسميةِ لها؛ لأنَّ لِنَقصِ العَيبِ قِسطًا مِنْ الثَّمنِ يَزيدُ بزيادةِ العَيبِ ويَنقُصُ بنُقصانِه، فصارَتِ التَّسميةُ لها مع عَدَمِ مُشاهَدَتِها جَهلًا بها.
وأمَّا الضَّربُ الثَّالثُ -وهو أنْ يُبرَأَ ألبَتَّةَ مِنْ كلِّ عَيبٍ بها مِنْ غيرِ أنْ يُسَمِّيَها، ولا يَقِفَ المُشتَري عليها- فالَّذي نصَّ عليه الشافِعيُّ في اختِلافِ أبي حَنيفةَ وابنِ أبي لَيلَى أنَّ الذي يُذهَبُ إليه في الحَيَوانِ قَضاءُ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ ﵁: أنْ يُبرَأَ مِنْ كلِّ عَيبٍ لَم يَعلَمه، ولا يُبرَأَ مِنْ عَيبٍ عَلِمَه حتى يُسَمِّيَه لِلبائِعِ ويَقِفَه عليه تَقليدًا، وأنَّ الحَيَوانَ يُفارِقُ ما سِواه، وقالَ في
стр. 3891
اختِلافِه هو ومالِكٌ: ولو ذهَب ذاهِبٌ إلى أنَّ مَنْ باعَ بالبَراءةِ بَرِئَ ممَّا عَلِمَ وممَّا لَم يَعلَم، لَكانَ مَذهبًا يُجافيه حُجَّةٌ.
واختلَف أصحابُنا لِاختِلافِ نَصِّه على ثَلاثةِ مَذاهبَ:
أحَدُها: وهو مَذهبُ أبي إسحاقَ المَروَزيِّ وأبي علِيِّ بنِ خَيرانَ: أنَّ المَسألةَ على قَولٍ واحِدٍ، وهو أنْ يُبرَأَ في الحَيَوانِ مِنْ كلِّ عَيبٍ لَم يَعلَمه دونَ ما عَلِمَه، ولا يُبرَأَ في غيرِ الحَيَوانِ مِنْ عَيبٍ أصلًا، سَواءٌ عَلِمَه أو لَم يَعلَمه.
والمَذهبُ الثاني: وهو قَولُ أبي عَلِيِّ بنِ أبي هُرَيرةَ: أنَّه يُبرَأُ في الحَيَوانِ ممَّا لَم يَعلَمه دونَ ما عَلِمَه، ولا يُبرَأُ في غيرِ الحَيَوانِ ممَّا عَلِمَه، وهل يُبرَأُ ممَّا لَم يَعلَمه؟ على قَولَيْنِ.
والمَذهبُ الثالِثُ: وهو قَولُ أبي العَبَّاسِ بنِ سُرَيجٍ وأبي سَعيدٍ الإصطَخريِّ وأبي حَفصِ بنِ الوَكيلِ: أنَّ المَسألةَ على ثَلاثةِ أقاويلَ:
أحَدُها: أنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ عَلِمَه أو لَم يَعلَمه في الحَيَوانِ، أو في غيرِ الحَيَوانِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ.
والقَولُ الثاني: أنَّه لا يُبرَأُ مِنْ عَيبٍ أصلًا، سَواءٌ عَلِمَه أو لَم يَعلَمه في الحَيَوانِ وغيرِه.
والقَولُ الثالِثُ: أنَّه يُبرَأُ في الحَيَوانِ ممَّا لَم يَعلَمه دونَ ما عَلِمَه، ولا يُبرَأُ في غيرِ الحَيَوانِ، لا ممَّا يَعلَمُه ولا ممَّا لَم يَعلَم.
فإذا قيلَ بالأوَّلِ بأنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، فوَجهُه قَولُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ : «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، وما رُويَ أنَّ
стр. 3892
رَجلَيْنِ اختَصَما إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ في مَواريثَ قد دَرَستْ وتَقادَمتْ، فقالَ لهما النَّبيُّ ﷺ : «إنَّكم تَختصِمونَ إلَيَّ ولَعَلَّ أحَدَكم ألحَنُ بحُجَّتِه؛ فمَن قَضَيتُ له مِنْ حَقِّ أخيه شَيئًا فلا يَأخُذْه، إنَّما أقطَعُ له قِطعةً مِنْ النَّارِ»، فبَكَيا وقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: قد تَرَكتُ حَقِّي لِصاحِبي. فقالَ ﷺ : «لا، ولَكِنِ اقتَسِما واستَهِما، وليُحلِلْ كلُّ واحِدٍ منكما صاحِبَه» (١)، فلمَّا أمَرَهما بالتَّحَلُّلِ مِنْ المَواريثِ المُتقادِمةِ المَجهولةِ دَلَّ على جَوازِ الإبراءِ مِنْ المَجهولِ، ولأنَّ الإبراءَ إسقاطُ حَقٍّ صَحَّ مَجهولًا ومعلومًا، كالعِتقِ، ولأنَّ ما لا يَفتقِرُ إلى التَّسليمِ يَصحُّ مع الجَهالةِ، وما يَفتقِرُ إلى التَّسليمِ لا يَصحُّ مع الجَهالةِ، كالبَيعِ، فلمَّا كانَ الإبراءُ لا يَفتقِرُ إلى التَّسليمِ صَحَّ في المَجهولِ، وإذا قيلَ بالثَّاني بأنَّه لا يُبرَأُ مِنْ عَيبٍ فوَجهُه نَهْيُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ عن الغَرَرِ، والإبراءُ عن المَجهولِ غَرَرٌ؛ لأنَّه لا يَقِفُ له على قَدْرٍ، ولأنَّ الإبراءَ كالهِبةِ، غيرَ أنَّ الإبراءَ يَختَصُّ بما في الذِّمَّةِ، والهِبةَ بالأعيانِ القائِمةِ، فلمَّا لَم تَصحَّ هِبةُ المَجهولِ لَم يَصحَّ الإبراءُ عن المَجهولِ، ولأنَّ كُلَّ جَهالةٍ يُمكِنُ الِاحتِرازُ مِنها لَم يُعفَ عنها، كالجَهالةِ بتَوابِعِ المَبيعِ، كالأساسِ وأطرافِ الأجداعِ وطَميِ البِئرِ؛ فلمَّا أمكَنَ الِاحتِرازُ مِنْ الجَهالةِ في الإبراءِ وجَب أنْ تَكونَ الجَهالةُ مانِعةً مِنْ صِحَّةِ الإبراءِ، ولأنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ مُستحَقٌّ بعدَ لُزومِ العَقدِ؛ فلَم يَجُزْ أنْ يَسقُطَ بشَرطٍ قبلَ لُزومِ العَقدِ؛ لأنَّه إسقاطُ حَقٍّ قبلَ وُجوبِه، ألَا
стр. 3893
تَرَى أنَّ الشَّفيعَ لو عَفا قبلَ الشِّراءِ لَم تَسقُطْ شُفعَتُه بعدَ الشِّراءِ؛ لأنَّه أسقَطَها قبلَ وُجوبِها، كذلك البَيعُ بشَرطِ البَراءةِ.
وإذا قيلَ بالثَّالثِ بأنَّه يُبرَأُ في الحَيَوانِ ممَّا لَم نَعلَمه دونَ ما عَلِمَه، ولا يُبرَأُ في غيرِ الحَيَوانِ ممَّا عَلِمَه وممَّا لَم يَعلَمه؛ فوَجهُه قَضاءُ عُثمانَ، وهو ما رُويَ أنَّ زَيدَ بنَ ثابِتٍ ابتاعَ مِنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ﵁ عَبدًا بثَمانِمِئةِ دِرهَمٍ على شَرطِ البَراءةِ، فوجَد بالعَبدِ عَيبًا، فأرادَ رَدَّه على ابنِ عمرَ ﵁، فلَم يَقبَلْه؛ فتَحاكَما فيه إلى عُثمانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ فقالَ لِابنِ عمرَ ﵁: أتَحلِفُ إنَّكَ لَم تَعلَم بهذا العَيبِ؟ فاتَّقَى اليَمينَ واستَرَدَّ العَبدَ، فباعَه بألْفٍ وسِتِّمِئةِ دِرهَمٍ؛ فقالَ: تَرَكتُ اليَمينَ لِلَّهِ فعَوَّضَني.
فقد قَضى عُثمانُ بالفَرقِ في عُيوبِ الحَيَوانِ بينَ ما عَلِمَه وما لَم يَعلَمه، وحُكِمَ بالبَراءةِ ممَّا لَم يَعلَم، وتابَعَه زَيدُ بنُ ثابِتٍ وابنُ عمرَ ﵄؛ لأنَّ زَيدًا ﵁ رَضيَ بقَضائِه، وابنَ عمرَ ﵁ لَم يَقُلْ بخِلافِه، وإنَّما امتَنَعَ مِنْ قَبولِه؛ لأنَّ العَيبَ ممَّا لَم يَعلَم به … ثم قالَ: ذكَر الشافِعيُّ في أنَّ الحَيَوانَ يُفارِقُ ما سِواه؛ لأنَّه يَغتَذي بالصِّحَّةِ والسَّقَمِ، وتُحوَّلُ طَبائِعُه، وقَلَّما يَخلو مِنْ عَيبٍ وإنْ خَفِيَ، فلَم يَكُنْ الِاحتِرازُ مِنْ عُيوبِه الخَفيةِ بالإشارةِ إليها والوُقوفِ عليها، وليسَ كذلك في غيرِ الحَيَوانِ؛ لأنَّه قد يَخلو مِنْ العُيوبِ ويُمكِنُ الِاحتِرازُ منها بالإشارةِ إليها؛ لِظُهورِها، فدَلَّ على افتِراقِ الحَيَوانِ وغيرِه مِنْ جِهةِ المَعنَى مع ما ذَكَرنا مِنْ قَضيَّةِ عُثمانَ ﵁ (١).
стр. 3894
وذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ اشتِراطُ البَراءةِ مِنْ العُيوبِ؛ فمَن باعَ سِلعةً على أنَّها ليسَ بها عَيبٌ، وإنْ ظهَر بها عَيبٌ لَم تُرَدَّ عليه، لَم يُعمَلْ بهذا الشَّرطِ، ولِلمُشتَري الرَّدُّ بما وجَده فيها مِنْ العَيبِ القَديمِ، ولا تَنفَعُه البَراءةُ مِنه إلَّا في الرَّقيقِ، عندَ المالِكيَّةِ، وعَلَّلَ الشافِعيَّةُ المَنعَ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن الغَرَرِ، والإبراءَ عن المَجهولِ غَرَرٌ؛ لأنَّه لا يَقِفُ له على قَدْرٍ، ولأنَّ الإبراءَ كالهِبةِ، غيرَ أنَّ الإبراءَ يَختَصُّ بما في الذِّمَّةِ، والهِبةَ بالأعيانِ القائِمةِ، فلمَّا لَم تَصحَّ هِبةُ المَجهولِ لَم يَصحَّ الإبراءُ عن المَجهولِ، ولأنَّ كُلَّ جَهالةٍ يُمكِنُ الِاحتِرازُ مِنها لَم يُعفَ عنها كالجَهالةِ بتَوابِعِ المَبيعِ، كالأساسِ وأطرافِ الأجداعِ وطَميِ البِئرِ، فلمَّا أمكَنَ الِاحتِرازُ مِنْ الجَهالةِ في الإبراءِ وجَب أنْ تَكونَ الجَهالةُ مانِعةً مِنْ صِحَّةِ الإبراءِ، ولأنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ مُستحَقٌّ بعدَ لُزومِ العَقدِ، فلَم يَجُزْ أنْ يَسقُطَ بشَرطٍ قبلَ لُزومِ العَقدِ؛ لأنَّه إسقاطُ حَقٍّ قبلَ وُجوبِه، ألَا تَرَى أنَّ الشَّفيعَ لو عَفا قبلَ الشِّراءِ لَم تَسقُطْ شُفعَتُه بعدَ الشِّراءِ؛ لأنَّه أسقَطَها قبلَ وُجوبِها، كذلك البَيعُ بشَرطِ البَراءةِ (١). وهذا في الجُملةِ، وتَفصيلُه كالآتي:
قالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ بَيعُ البَراءةِ في شَيءٍ مِنْ السِّلَعِ المَأكولةِ والمَشروبةِ، ولا غيرِها مِنْ العُروضِ كُلِّها، إلَّا الرَّقيقَ خاصَّةً؛ فلا يَنْفَعُ البائِعَ التَّبَرِّي ممَّا لَم يَعلَم في سِلعةٍ مِنْ العُيوبِ؛ فإنْ باعَ سِلعةً على أنَّها ليسَ بها
стр. 3895
عَيبٌ، وإنْ ظهَر بها عَيبٌ، لَم تُرَدَّ عليه، لَم يُعمَلْ بهذا الشَّرطِ، ولِلمُشتَري الرَّدُّ بما وجَده فيها مِنْ العَيبِ القَديمِ، ولا تَنفَعُه البَراءةُ مِنه، إلَّا في الرَّقيقِ خاصَّةً، إذا بِيعَ على البَراءةِ مِنْ العُيوبِ، ثم اطَّلَعَ المُشتَري على عَيبٍ قَديمٍ عندَ البائِعِ، فلا رَدَّ له، لكنْ بشَرطَيْنِ:
الأوَّلُ: ألَّا يَعلَمَ البائِعُ به؛ فإنْ عَلِمَ به فلا يَنفَعُه التَّبَرِّي مِنه، إلَّا إذا بيَّنه تَفصيلًا أو أراه إيَّاه.
والشَّرطُ الثاني: إنْ طالَتْ إقامةُ الرَّقيقِ عندَ بائِعِه؛ حَدَّ بَعضُهم الطُّولَ بنِصفِ سَنةٍ فأكثَرَ، بخِلافِ ما إذا لَم تَطُلْ إقامَتُه عندَ مالِكِه، فلا يَنفَعُه التَّبَرِّي ممَّا لا يَعلَمُه. ولِمُشتَريه الرَّدُّ إنْ وجَد به عَيبًا؛ لأنَّ شَأنَ الرَّقيقِ أنْ يَكتُمَ عُيوبَه، فليسَ لِمالِكِه التَّبَرِّي إذا لَم يَطُلْ زَمَنُه عندَه، بخِلافِ ما إذا طالَ؛ لأنَّ الطُّولَ ممَّا يُظهِرُ المُخبَّآتِ، فإذا لَم يَظهَرْ لِسَيِّدِه عَيبٌ فيه كانَ الشَّأنُ عَدَمَه، ويَنفَعُه التَّبَرِّي منه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: مَنْ باعَ شَيئًا أو غيرَه بالبَراءةِ مِنْ كلِّ عَيبٍ لَم يُبرَأْ، سَواءٌ عَلِمَ به البائعُ أو لَم يَعلَم.
وكذلك إنْ لَم يُعمِّمْ ولَم يُبيِّنْ، بأنْ قالَ: مِنْ عَيبِ كذا، إنْ كانَ فيه؛ لأنَّه
стр. 3896
خيارٌ يثبُتُ بعدَ البَيعِ، فلا يَسقُطُ، كالشُّفعةِ. فإنْ وجَد المُشتَري بالمَبيعِ عَيبًا فله الخِيارُ؛ لأنَّه إنَّما يثبُتُ بعدَ البَيعِ، فلا يَسقُطُ بإسقاطِه قبلَه شَيءٌ.
والشَّرطُ فاسِدٌ، والبَيعُ صَحيحٌ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ ﵁ باعَ بشَرطِ البَراءةِ، فأجمَعوا على صِحَّتِه، ولَم يُنكِرْه مُنكِرٌ؛ فعلى هذا لا يَمنَعُ الرَّدَّ بوُجودِ الشَّرطِ، ويَكونُ وُجودُه كعَدَمِه.
وعن الإمامِ أحمدَ أنَّه يُبرَأُ، إلَّا أنْ يَكونَ البائِعُ عَلِمَ العَيبَ فكتَمه، واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ.
ونقَل ابنُ هانِئٍ أنَّه إنْ عَيَّنَه صَحَّ؛ لأنَّه مِرفَقٌ في البَيعِ، كالأجَلِ والخيارِ (١).
مَنِ اشتَرَى شَيئًا مأكولُه في جَوفِه؛ فكَسَرَه فوجَده فاسِدًا:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ اشتَرَى شَيئًا مأكولُه في جَوفِه ولا يُطَّلَعُ على عَيبِه إلَّا بكَسرِه، كالبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والجَوزِ والبَيضِ، وكَسَرَه فبانَ عَيبُه، هل يثبُتُ له خيارُ الرَّدِّ أو لا؟
فذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُرجَعُ على البائِعِ بشَيءٍ، لأنَّه ليسَ مِنْ البائِعِ تَدليسٌ، ولا تَفريطٌ؛ لعَدمِ مَعرِفَتِه بعَيبِه، وكَونِه لا يُمكِنُه الوُقوفُ عليه إلَّا بكَسرِه، فجَرى مَجرَى البَراءةِ مِنْ العُيوبِ.
стр. 3897
قالَ المالِكيَّةُ: ما لا يُمكِنُ الِاطِّلاعُ على وُجودِه إلَّا بتَغييرٍ في ذاتِ المَبيعِ فإنَّه لا يَكونُ عَيبًا على المَشهورِ، ولا قيمةَ لِلمُشتَري على البائِعِ في نَظيرِ ذلك، سَواءٌ كانَ حَيَوانًا أو غيرَه، كخُضرةِ بَطنِ الشاةِ، وسُوسِ الخَشَبِ بعدَ شَقِّه، وفَسادِ باطِنِ الجَوزِ، ومُرِّ القِثَّاءِ، ونَحوِه، إلَّا أنْ يَشترِطَ الرَّدَّ به فيُعمَلَ بشَرطِه؛ لأنَّه شَرطٌ فيه غَرَضٌ وماليَّةٌ، والعادةُ كالشَّرطِ.
ثم إنَّ ما يُمكِنُ الِاطِّلاعُ عليه قبلَ التَّغيُّرِ تارةً يُدلِّسُ فيه البائِعُ بأنْ يَعلَمَه ولا يُبيِّنَ، وهذا لا كَلامَ في أنَّ حُكمَه حُكمُ المُدلِّسِ في غيرِه مِنْ الرَّدِّ وغيرِه، وتارةً لا يُدلِّسُ فيه البائِعُ بألَّا يَعلَمَه بالفِعلِ، وفي هذا لِلمُشتَري التَّمسُّكُ به أو الرَّدُّ، إلَّا أنْ يَحصُلَ فيه مَفوتٌ عندَه؛ فله قيمةُ الأرشِ القَديمِ، فإنْ لَم يَحصُلْ عندَه مَفوتٌ رَدَّه وما نقَصه، وهذا هو المُعتمَدُ.
وأمَّا البَيضُ فله أنْ يَرُدَّه ويَرجِعَ بجَميعِ الثَّمنِ، كُسِرَ أو لا، دلَّس أو لا، لكنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ حينَئذٍ لا يَجوزُ أكلُه، وأمَّا إنْ كانَ مَمروقًا فَقط، وكانَ البائِعُ غيرَ مُدلِّسٍ فلا يُرَدُّ، ويَرجِعُ بما بينَ الصِّحَّةِ والدَّاءِ فيُقوَّمُ سالِمًا يَومَ البَيعِ على أنَّه صَحيحٌ غيرُ مَعيبٍ، وصَحيحٌ مَعيبٍ، فإذا قيلَ: قيمَتُه صَحيحًا غيرَ مَعيبٍ عَشَرةٌ، وصَحيحًا مَعيبًا ثَمانيةٌ؛ فإنَّه يَرجِعُ بنِسبةِ ذلك مِنْ الثَّمنِ، وهو الخُمُسُ، هذا إذا كانَ له قيمةٌ يَومَ البَيعِ بعدَ الكَسرِ، وإلَّا رجَع بالثَّمنِ كُلِّه. قالَ ابنُ القاسِمِ: هذا إذا كَسَرَه بحَضرةِ البَيعِ، وإنْ كانَ بعدَ أيامٍ لَم يُرَدَّ به؛ إذ لا يَدري أفسَد عندَ البائِعِ أو المُبتاعِ، قالَه مالِكٌ (١).
стр. 3898
جاءَ في «المُدوَّنةِ»: باب: ما جاءَ في الخَشَبِ والبَيضِ والرانِجِ والقِثَّاءِ يُوجَدُ به عَيبٌ:
قالَ ابنُ القاسِمِ: كلُّ ما أشبَهَ الخَشَبَ ممَّا لا يَبلُغُ عِلمَ النَّاسِ مَعرِفةُ العَيبِ فيه؛ لأنَّه باطِنٌ، وإنَّما يُعرَفُ عَيبُه بعدَ أنْ يُشَقَّ شَقًّا، ففعَل ذلك المُشتَري ثم ظهَر على العَيبِ الباطِنِ بعدَما شَقَّه فهو له لازِمٌ، ولا شَيءَ على البائِعِ.
فقُلتُ لِمالِكٍ: فالرانِجُ، وهو الجَوزُ الهِنديُّ، والجَوزُ والقِثَّاءُ والبِطِّيخُ والبَيضُ يَشتَريه الرَّجُلُ فيَجِدُه فاسِدًا؟
قالَ: أمَّا الرانِجُ والجَوزُ فلا أرَى أنْ يُرَدَّ، وهو مِنْ المُشتَري، وأمَّا البَيضُ فهو مِنْ البائِعِ، ويُرَدُّ، وأمَّا القِثَّاءُ فإنَّ أهلَ الأسواقِ يَرُدُّونَه إذا وَجَدوه مُرًّا.
قالَ مالِكٌ: ولا أدري بما رَدُّوا ذلك؛ استِنكارًا لِمَا عَمِلوا به مِنْ ذلك في رَدِّهم إيَّاه؛ فيما رَأيتُه حينَ كلَّمَني فيه، ولا أرَى أنْ يُرَدَّ، قُلتُ: فلِمَ رَدَّ مالِكٌ البَيضَ مِنْ بَينِ هذه الأشياءِ؟ قالَ: لأنَّ مَعرِفةَ فَسادِ البَيضِ كأنَّه أمرٌ ظاهِرٌ يُعرَفُ، ليسَ بباطِنٍ مثلَ غيرِه (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ اشتَرَى شَيئًا مأكولُه في جَوفِه ولا يُطَّلَعُ على عَيبِه إلَّا بكَسرِه، كالبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والجَوزِ والبَيضِ، وكَسَرَه ولَم يَكُنْ لِمَعيبِه قيمةٌ،
стр. 3899
فبانَ عَيبُه، أنَّ له الرَّدَّ على البائِعِ؛ لأنَّ عَقدَ البَيعِ اقتَضى السَّلامةَ مِنْ عَيبٍ لَم يَطَّلِعْ عليه المُشتَري؛ فإذا بانَ مَعيبًا ثبَت له الخِيارُ، ولأنَّ البائِعَ إنَّما يَستحِقُّ ثَمَنَ المَعيبِ دونَ الصَّحيحِ، لأنَّه لَم يَملِكْه صَحيحًا؛ فلا مَعنَى لِإيجابِ الثَّمنِ كُلِّه، وكَونُه لَم يُفرِّطْ لا يَقتَضي أنْ يَجِبَ له ثَمَنُ ما لَم يُسلِّمْه، بدَليلِ العَيبِ الذي لَم يَعلَمه في العَبدِ؛ ولأنَّه تَبيَّن أنَّ البَيعَ وقَع باطِلًا؛ لأنَّه بَيعُ ما ليسَ بمالٍ، وبَيعُ ما ليسَ بمالٍ لا يَنعقِدُ، كما إذا اشتَرَى عَبدًا ثم تَبيَّن أنَّه حُرٌّ.
فإذا ثبَت هذا فإنَّ المَبيعَ إنْ كانَ ممَّا لا قيمةَ له، مَكسورًا، وكانَ ممَّا لا يُمكِنُ الِانتِفاعُ به، كبَيضِ الدَّجاجِ الفاسِدِ، والرُّمَّانِ الأسوَدِ، والجَوزِ الخَرِبِ، والبِطِّيخِ التَّالِفِ، رجَع بالثَّمنِ كُلِّه؛ لأنَّ هذا تَبيَّن به فَسادُ العَقدِ مِنْ أصلِه؛ لِكَونِه وقَع على ما لا نَفعَ فيه، ولا يَصحُّ بَيعُ ما لا نَفعَ فيه، كالحَشَراتِ والمَيْتاتِ، وقالَ الحَنابِلةُ: وليسَ عليه أنْ يَرُدَّ المَبيعَ إلى البائِعِ؛ لأنَّه لا فائِدةَ فيه.
فإن كانَ لِمَعيبِه قيمةٌ، كجَوزِ الهِندِ وبَيضِ النَّعامِ والبِطِّيخِ الذي فيه نَفعٌ ونَحوِه؛ فإذا كَسَرَه نُظِرَ، فإنْ كانَ كَسرًا لا يُمكِنُ استِعلامُ المَبيعِ بدُونِه فالمُشتَري مُخيَّرٌ بينَ رَدِّه ورَدِّ أرشِ الكَسرِ وأخْذِ الثَّمنِ، وبينَ أخذِ أرشِ عَيبِه، وهو قِسطٌ ما بينَ صَحيحِه ومَعيبِه، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ، وإحدَى الرِّوايَتَيْنِ عندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه نَقصٌ لَم يَمنَعِ الرَّدَّ، فلزِم رَدُّ أرشِه، كلَبَنِ المُصَرَّاةِ إذا حَلَبَها، والبِكرِ إذا وَطِئَها.
وقالَ الشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ -وهو قَولُ القاضي-: لا أرشَ عليه لِكَسرِهِ؛ لأنَّ ذلك حصَل بطَريقِ استِعلامِ العَيبِ، والبائِعَ سَلَّطَه
стр. 3900
عليه، حيثُ عَلِمَ أنَّه لا تُعلَمُ له صِحَّتُه مِنْ فَسادِه بغيرِ ذلك؛ فكانَ الكَسرُ حاصِلًا بتَسليطِ البائِعِ، فلا يَمنَعُ الرَّدَّ.
وإنْ كانَ كَسرًا يُمكِنُ استِعلامُ المَبيعِ بدُونِه، إلَّا أنَّه لا يَتلَفُ المَبيعُ بالكُلِّيَّةِ؛ فالحُكمُ فيه كالَّذي قبلَه في قَولِ الخِرَقيِّ، وهو قَولُ القاضي أيضًا، والمُشتَري مُخيَّرٌ بينَ رَدِّه وأرشِ الكَسرِ، وأخْذِ الثَّمنِ، وبينَ أخذِ أرشِ العَيبِ، وهو إحدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ، والرِّوايةُ الأُخرى: ليسَ له رَدُّه، وله أرشُ العَيبِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كَسَرَه كَسرًا لا يَبقَى له قيمةٌ بعدَه؛ فله أرشُ العَيبِ لا غيرُ؛ لأنَّه أتلَفَه، وقَدْرُ أرشِ العَيبِ قِسطُ ما بينَ الصَّحيحِ والمَعيبِ مِنْ الثَّمنِ؛ فيُقوَّمُ المَبيعُ صَحيحًا، ثم يُقوَّمُ مَعيبًا غيرَ مَكسورٍ؛ فيَكونُ لِلمُشتَري قَدْرُ ما بينَهما مِنْ الثَّمنِ على ما مَضَى شَرحُه (١).
وقالَ الكاسانيُّ ﵀: لو اشتَرَى ما مَأكولُه في جَوفِه كالبِطِّيخِ والجَوزِ والقِثَّاءِ والخِيارِ والرُّمَّانِ والبَيضِ ونَحوِها، فكَسَرَه فوجَده فاسِدًا، فهذا في الأصلِ لا يَخلو من أحَدِ وَجهَيْنِ: إمَّا أنْ يَجِدَه كُلَّه فاسِدًا، وإمَّا أنْ يَجِدَ بَعضًا فاسِدًا، وبَعضًا صَحيحًا؛ فإنْ وجَده كُلَّه فاسِدًا، فإنْ كانَ ممَّا لا يُنتفَعُ به أصلًا فالمُشتَري يَرجِعُ على البائِعِ بجَميعِ الثَّمنِ؛ لأنَّه تَبيَّن أنَّ البَيعَ وقَع باطِلًا؛ لأنَّه بَيعُ ما ليسَ بمالٍ، وبَيعُ ما ليسَ بمالٍ لا يَنعقِدُ، كما إذا اشتَرَى عَبدًا ثم تَبيَّن أنَّه حُرٌّ.
стр. 3901
وإنْ كانَ ممَّا يُمكِنُ الِانتِفاعُ به في الجُملةِ فليسَ له أنْ يَرُدَّه بالعَيبِ عندَنا، وعندَ الشافِعيِّ ﵀: له أنْ يَرُدَّه.
وَجْهُ قَولِه: إنَّه لمَّا باعَه مِنه فقد سَلَّطَه على الكَسرِ، فكانَ الكَسرُ حاصِلًا بتَسليطِ البائِعِ، فلا يَمنَعُ الرَّدَّ، ولَنا: ما ذَكَرنا فيما تَقدَّمَ أنَّ شَرطَ الرَّدِّ أنْ يَكونَ المَردودُ وَقتَ الرَّدِّ على الوَصفِ الذي كانَ عليه وَقتَ القَبضِ، ولَم يُوجَدْ؛ لأنَّه تَعيَّبَ بعَيبٍ زائِدٍ بالكَسرِ، فلَو رَدَّ عليه لَرَدَّ مَعيبًا بعَيبَيْنِ، فانعَدَمَ شَرطُ الرَّدِّ، وأمَّا قَولُه: البائِعُ سَلَّطَه على الكَسرِ، فنَعَمْ، لكنْ بمَعنَى أنَّه مَكَّنَه مِنْ الكَسرِ بإثباتِ المِلْكِ له، فيَكونُ هو بالكَسرِ مُتصرِّفًا في مِلْكِ نَفْسِه، لا في مِلكِ البائِعِ بأمرِه؛ لِيَكونَ ذلك مِنه دِلالةَ الرِّضا بالكَسرِ.
وإنْ وجَد بَعضَه فاسِدًا دونَ بَعضٍ يُنظَرُ إنْ كانَ الفاسِدُ كَثيرًا يُرجَعُ على البائِعِ بجَميعِ الثَّمنِ؛ لأنَّه ظهَر أنَّ البَيعَ وقَع في القَدْرِ الفاسِدِ باطِلًا؛ لأنَّه تَبيَّن أنَّه ليسَ بمالٍ، وإذا بطَل في ذلك القَدرِ يَفسُدُ في البَقيَّةِ، كما إذا جَمَعَ بينَ حُرٍّ وعَبدٍ وباعَهما صَفقةً واحِدةً، وإنْ كانَ قَليلًا فكذلك في القياسِ، وفي الِاستِحسانِ صَحَّ البَيعُ في الكُلِّ، وليسَ له أنْ يَرُدَّ، ولا أنْ يَرجِعَ فيه بشَيءٍ؛ لأنَّ قَليلَ الفَسادِ فيه ممَّا لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ عنه؛ إذْ هذه الأشياءُ في العاداتِ لا تَخلو عن قَليلِ فَسادٍ، فكانَ فيه ضَرورةٌ، فيَلتَحِقُ ذلك القَدْرُ بالعَدَمِ.
ومِن مَشايِخِنا مَنْ فَصَّلَ تَفصيلًا آخَرَ، فقالَ: إذا وجَد كُلَّه فاسِدًا فإنْ لَم يَكُنْ لِقِشرِه قيمةٌ فالبَيعُ باطِلٌ؛ لأنَّه تَبيَّن أنَّه باعَ ما ليسَ بمالٍ، وإنْ كانَ لِقِشرِه قيمةٌ، كالرُّمَّانِ ونَحوِه، فالبَيعُ لا يَبطُلُ؛ لأنَّه إذا كانَ لِقِشرِه قيمةٌ كانَ القِشرُ مالًا، ولكنَّ البائِعَ بالخيارِ، إنْ شاءَ رَضيَ به ناقِصًا وقبلَ قِشرَه ورَدَّ
стр. 3902
جَميعَ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ لَم يَقبَلْ؛ لأنَّه تَعيَّبَ بعَيبٍ زائِدٍ، ورَدَّ على المُشتَري حِصَّةَ المَعيبِ جَبرًا لِحَقِّه، وإنْ وجَد بَعضَه فاسِدًا فعلى هذا التَّفصيلِ أيضًا؛ لأنَّه إنْ لَم يَكُنْ لِقِشرِه قيمةٌ رجَع على البائِعِ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، وإنْ كانَ لِقِشرِه قيمةٌ رجَع بحِصَّةِ العَيبِ دونَ القِشرِ، اعتِبارًا لِلبَعضِ بالكُلِّ، إلَّا إذا كانَ الفاسِدُ مِنه قَليلًا قَدْرَ ما لا يَخلو مِثلُه عن مِثلِه، فلا يُرَدُّ ولا يُرجَعُ بشَيءٍ، واللَّهُ أعلَمُ (١).
وقالَ البَغداديُّ ﵀: ولو اشتَرَى بِطِّيخًا فكَسَرَ واحِدةً مِنها بعدَ القَبضِ فوجَدها فاسِدةً لا يُنتفَعُ بها، كانَ له أنْ يَرجِعَ بحِصَّتِها مِنْ الثَّمنِ، ولا يَرُدَّ غيرَها، إلَّا أنْ يُقيمَ البَيِّنةَ على فاسِدِ ما بَقيَ.
وليسَ البِطِّيخُ في هذا كالجَوزِ؛ لأنَّ الجَوزَ كشَيءٍ واحِدٍ، وإذا كانَ بَعضُ الجَوزِ فاسِدًا لا يُنتفَعُ به، يُرَدُّ الكُلُّ، وكذا اللَّوزُ والبُندُقُ والفُستُقُ والبَيضُ، وأمَّا البِطِّيخُ والرُّمَّانُ والسَّفَرجَلُ والخيارُ، فلا تُرَدُّ غيرُ الواحِدةِ الفاسِدةِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا اشتَرَى ما مأكولُه في جَوفِه، كالرانِجِ والبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والجَوزِ واللَّوزِ والبُندُقِ والبَيضِ، فكَسَرَه فوجَده فاسِدًا، نُظِرَ إنْ لَم يَكُنْ لِفاسِدِه قيمةٌ، كالبَيضةِ المَذِرةِ التي لا تَصلُحُ لِشَيءٍ، والبِطِّيخةِ شَديدةِ التَّغيُّرِ، رجَع بجَميعِ الثَّمنِ، نصَّ عليه -أي: الشافِعيُّ-، وكَيفَ طَريقُه؟ قالَ مُعظَمُ الأصحابِ: يَتبيَّنُ فَسادُ البَيعِ لِوُرودِه على غيرِ مُتقوَّمٍ.
стр. 3903
وقالَ القَفَّالُ وطائِفةٌ: لا يَتبيَّنُ فَسادُ البَيعِ، وكَما يَرجِعُ بجُزءٍ مِنْ الثَّمنِ لِنَقصِ جُزءٍ مِنْ المَبيعِ، يَرجِعُ بكُلِّه لِفَواتِ كلِّ المَبيعِ، وتَظهَرُ فائِدةُ الخِلافِ في القُشورِ الباقيةِ بمَن تَختَصُّ، حتى يَكونَ عليه تَنظيفُ المَوضِعِ منها؟
أمَّا إذا كانَ لِفاسِدِه قيمةٌ، كالرانِجِ وبَيضِ النَّعامِ والبِطِّيخِ إذا وجَده حامِضًا أو مُدوَّدًا في بَعضِ الأطرافِ فلِلكَسرِ حالتانِ:
إحداهما: ألَّا يُوقَفُ على ذلك الفَسادِ إلَّا بمِثلِه؛ فقَولانِ: أظهَرُهما عندَ الأكثَرينَ: له رَدُّه قَهرًا، كالمُصَرَّاةِ.
والآخَرُ: لا، كما لو قُطِعَ الثَّوبُ؛ فعلى هذا هو كسائِرِ العُيوبِ الحادِثةِ؛ فيَرجِعُ المُشتَري بأرشِ العَيبِ القَديمِ، أو يَضُمُّ أرشَ النُّقصانِ إليه ويَرُدُّه، كما سبَق.
وعلى الأوَّلِ، هل يُغرَّمُ أرشَ الكَسرِ؟ قَولانِ: أظهَرُهما: لا؛ لأنَّه مَعذورٌ، والآخَرُ: يُغرَّمُ ما بينَ قيمَتِه صَحيحًا فاسِدَ اللُّبِّ، ومَكسورًا فاسِدَ اللُّبِّ، ولا يُنظَرُ إلى الثَّمنِ.
الحالةُ الأُخرى: أنْ يَكونَ الوُقوفُ على ذلك الفَسادِ بأقَلَّ مِنْ ذلك الكَسرِ، فلا رَدَّ، على المَذهبِ، كسائِرِ العُيوبِ، وقيلَ بطَردِ القَولَيْنِ.
إذا عَرَفتَ هذا؛ فكَسرُ الجَوزِ ونَحوِه، وثَقبُ الرانِجِ، مِنْ صُوَرِ الحالةِ الأُولى، وكَسرُ الرانِجِ وتَرضيضُ بَيضِ النَّعامِ مِنْ صُوَرِ الحالةِ الأُخرى.
وكذا تَقويرُ البِطِّيخِ الحامِضِ إذا أمكَنَ مَعرِفةُ حُموضَتِه بغَرزِ شَيءٍ فيه، وكذا التَّقويرُ الكَبيرُ إذا أمكَنَ مَعرِفَتُه بالتَّقويرِ الصَّغيرِ، والتَّدويرُ لا يُعرَفُ
стр. 3904
إلَّا بالتَّقويرِ، وقد يَحتاجُ إلى الشَّقِّ لِيُعرَفَ، وقد يُستَغنى في مَعرِفةِ حالِ البيضِ بالقَلقَلةِ عن الكَسرِ.
ولو شُرِطَ في الرُّمَّانِ الحَلاوةُ؛ فبانَ حامِضًا بالغَرزِ، رَدَّه، وإنْ بانَ بالشَّقِّ فلا.
ولَو اشتَرَى ثَوبًا فنَشَرَه فوجَده مَعيبًا؛ فإنْ كانَ ممَّا لا يَنقُصُه النَّشرُ رَدَّه، وإنْ كانَ يَنقُصُه النَّشرُ -كالهِسَنْجانيِّ الذي يُطوى طاقَيْنِ مُلتصِقَيْنِ، جَرى ذلك مَجرَى جَوزِ الهِندِ على التَّفصيلِ المَذكورِ فيما إذا لَم يَزِدْ على ما يَحصُلُ به استِعلامُ المَبيعِ أو زادَ، كنَشرِ مَنْ لا يَعرِفُ، وإنْ أحَبَّ أخَذ أرشَه، فله ذلك بكُلِّ حالٍ (١).
المَبيعُ المَعيبُ إذا زادَ عندَ المُشتَري هل يَرُدُّه مع الزِّيادةِ أو لا؟
مَنِ اشتَرَى شَيئًا ثم زادَ عندَه ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ فيه بعدَ القَبضِ فلا يَخلو إمَّا أنْ تَكونَ الزِّيادةُ مُتَّصِلةً أو مُنفصِلةً.
والزِّيادةُ المُتَّصِلةُ إمَّا أنْ تَكونَ مُتوَلِّدةً مِنْ الأصلِ كالسِّمَنِ والكِبَرِ
стр. 3905
والتَّعلُّمِ والحَملِ قبلَ الوَضعِ والثَّمرةِ قبلَ التَّأبيرِ؛ فإنَّها لا تَمنَعُ الرَّدَّ إنْ رَضيَ المُشتَري برَدِّها مع الأصلِ، بلا خِلافٍ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ؛ لأنَّها تابِعةٌ حَقيقةً وَقتَ الفَسخِ؛ فبِالرَّدِّ يَنفَسِخُ العَقدُ في الأصلِ مَقصودًا ويَنفَسِخُ في الزِّيادةِ تَبَعًا.
وإمَّا أنْ تَكونَ غيرَ مُتوَلِّدةٍ مِنْ الأصلِ، كالصَّبغِ في الثَّوبِ والسَّمنِ أو العَسَلِ المَلتوتِ بالسَّويقِ والبِناءِ في الأرضِ ونَحوِها؛ فإنَّها تَمنَعُ الرَّدَّ بالعَيبِ عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّ هذه الزِّيادةَ ليسَتْ بتابِعةٍ بَلْ هي أصلٌ بنَفْسِها، ألَا تَرَى أنَّه لا يثبُتُ حُكمُ البَيعِ فيها أصلًا ورَأْسًا؟ فلَو رَدَّ المَبيعَ لَكانَ لا يَخلو إمَّا أنْ يَرُدَّه وَحدَه بدُونِ الزِّيادةِ، وإمَّا أنْ يَرُدَّه مع الزِّيادةِ، لا سَبيلَ إلى الأوَّلِ؛ لأنَّه مُتعَذِّرٌ لِتعَذُّرِ الفَصلِ، ولا سَبيلَ إلى الثاني؛ لأنَّ الزِّيادةَ ليسَتْ بتابِعةٍ في العَقدِ، فلا تَكونُ تابِعةً في الفَسخِ، ولأنَّ المُشتَريَ صارَ قابِضًا لِلمَبيعِ بإحداثِ هذه الزِّيادةِ، صارَ كأنَّها حَدَثتْ بعدَ القَبضِ، وحُدوثُها بعدَ القَبضِ يَمنَعُ الرَّدَّ بالعَيبِ، إلَّا إذا تَراضَيا على الرَّدِّ؛ لأنَّه صارَ بمَنزِلةِ بَيعٍ جَديدٍ.
وأمَّا الزِّيادةُ المُنفَصِلةُ فنَوعانِ:
أحَدُهما: أنْ تَكونَ الزِّيادةُ مِنْ غيرِ عَينِ المَبيعِ، كالكَسبِ والأُجرةِ، فهي لِلمُشتَري في مُقابَلةِ ضَمانِه؛ لأنَّه لو هلَك هلَك مِنْ مالِ المُشتَري، وهو مَعنَى قَولِه ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ» وبِهذا قالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ، ولا خِلافَ بينَهم في هذا؛ لِحَديثِ عائِشةَ ﵂ أنَّ رَجُلًا ابتاعَ غُلامًا فأقامَ عندَه ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُقيمَ، ثم وجَد به عَيبًا، فخاصَمَه
стр. 3906
إلى النَّبيِّ ﷺ فرَدَّه عليه، فقالَ الرَّجُلُ: يا رَسولَ اللَّهِ، قد استَغَلَّ غُلامي. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، وفي رِوايةٍ: فقالَ البائِعُ: غَلَّةُ عَبدي، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «الغَلَّةُ بالضَّمانِ» (١)، يَعني: أنَّ غَلَّةَ الشَّيءِ تَكونُ لِمَنْ ضَمانُه عليه، وضَمانُ المَبيعِ بعدَ العَقدِ يَكونُ على المُشتَري، واسم الغَلَّةِ يقعُ على الثَّمرةِ والوَلَدِ وغيرِ ذلك.
والنَّوعُ الثاني: أنْ تَكونَ الزِّيادةُ مِنْ عَينِ المَبيعِ، كالوَلَدِ والثَّمرةِ واللَّبَنِ، فقد اختلَف الفُقهاءُ فيها على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ: أنَّ هذه الزِّيادةَ تَكونُ لِلمُشتَري أيضًا، ويُرَدُّ الأصلُ دُونَها؛ لأنَّه حادِثٌ في مِلكِ المُشتَري فلَم يَمنَعِ الرَّدَّ، كما لو كانَ في يَدِ البائِعِ، وكالكَسبِ؛ ولأنَّه نَماءٌ مُنفصِلٌ؛ فجازَ رَدُّ الأصلِ بدُونِه، كالكَسبِ.
ولأنَّ النَّماءَ إنَّما مُوجِبُه المِلْكُ، لا العَقدُ، ولو كانَ مُوجِبًا لِلعَقدِ لَعادَ إلى البائِعِ بالفَسخِ (٢).
قال جَلالُ الدِّينِ المَحَلّي ﵀: الزِّيادةُ المُنفصِلةُ كالوَلَدِ والثَّمرةِ والأُجرةِ الحاصِلةِ مِنْ المَبيعِ لا تَمنَعُ الرَّدَّ بالعَيبِ، وهي لِلمُشتَري إنْ رَدَّ المَبيعَ.
стр. 3907
وقالَ: ولو باعَ البَهيمةَ حامِلًا وهي مَعيبةٌ فانفَصَلَ الحَملُ رَدَّه معها (١).
وقالَ القَليوبيُّ في حاشيتِه: قَولُه: (كالوَلَدِ): أي: الذي حَمَلتْ به بعدَ العَقدِ، وقالَ: والتَّمثيلُ بالوَلَدِ فيه رَدٌّ على الإمامِ أبي حَنيفةَ، القائِلِ بأنَّه يُمتنَعُ الرَّدُّ، وعلى الإمامِ مالِكٍ القائِلِ بأنَّه يُرَدُّ مع الأُمِّ.
قَولُه: (والثَّمرةُ): أي: التي حَدَثتْ بعدَ العَقدِ، سَواءٌ أُبِّرتْ أو لا؛ فإنْ كانَتْ مَوجودةً حالَ العَقدِ وهي مُؤبَّرةٌ، فهي لِلبائعِ، وإلَّا فكالحَملِ. وقالَ: كثَمَرةِ الصُّوفِ والوَبَرِ والبَيضِ واللَّبَنِ؛ فما كانَ مِنه مَوجودًا حالَ العَقدِ فهو لِلبائعِ، كالحامِلِ، وما حدَث بعدَه فهو لِلمُشتَري. اه (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الثانيةِ: ليسَ له إلَّا رَدُّهما أو إمساكُهما والأرشُ.
قالَ صاحِبٌ «بُلغةِ السَّاغِبِ»: النَّماءُ الحادِثُ مِنْ عَينِ المَبيعِ، كثَمَرةِ الشَّجَرةِ وحِملِ الحَيَوانِ؛ إذا حدَث بعدَ البَيعِ، ثم عَلِمَ بالعَيبِ؛ ففيه رِوايَتانِ:
إحداهُما: ليسَ له إلَّا رَدُّهما أو إمساكُهما والأرشُ، والأُخرى: له رَدُّ الأصلِ وإمساكُ النَّماءِ (٣).
والقَولُ الثاني: وهو قَولُ المالِكيَّةِ: إنْ كانَ النَّماءُ ثَمَرةً لَم يَرُدَّها، وإنْ كانَ وَلَدًا رَدَّه معهما؛ لأنَّ الرَّدَّ حُكمٌ؛ فسَرَى إلى الوَلَدِ.
стр. 3908
قالَ ابنُ شاسٍ: إذا رَدَّ وقد كانَ انتفعَ به أو استَغَلَّ فلا شَيءَ عليه لِأجْلِ الغَلَّةِ والِانتِفاعِ، وكذلك ثَمَرةُ النَّخلِ إذا كانَ حُدوثُها عندَه، أو اشتَرَى النَّخلَ وهو غيرُ مُؤبَّرٍ، وفي المُؤبَّرِ مِنه خِلافٌ، وكذلك في صوفِ الغَنَمِ، وأمَّا الأولادُ والنِّتاجُ فيُرَدُّ ذلك مع الأُمَّهاتِ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنةِ»: في الرَّجُلِ يَبتاعُ النَّخلَ أو الحَيَوانَ فيَغتَلُّها ثم يُصيبُ بها العَيبُ:
قُلتُ: أرَأيتَ إنِ اشتَرَيتُ شاةً أو بَقَرةً أو ناقةً فاحتَلَبتُ لَبَنَها زَمانًا، أو جَزَزتُ أصوافَهُنَّ وأوبارَهُنَّ ثم أصَبتُ عَيبًا دَلَّسَ لي بذلك البائِعُ، أيَكونُ لي أنْ أردَّها في قَولِ مالِكٍ ولا يَكونُ عَلَيَّ فيما احتَلَبتُ ولا فيما اجتَزَزتُ شَيءٌ؟ وكَيفَ إنْ كانَ اللَّبَنُ والصُّوفُ والوَبَرُ قائِمًا بعَينِه لَم يَتلَفْ؟ قالَ: لا شَيءَ عليكَ في ذلك كُلِّه، كانَ قائِمًا بعَينِه أو لَم يَكُنْ؛ لأنَّها غَلَّةٌ، والغَلَّةُ بالضَّمانِ، ويَرُدُّ الشاةَ والبَقَرةَ والنَّاقةَ ويَرجِعُ بالثَّمنِ كُلِّه.
قالَ ابنُ القاسِمِ: إلَّا أنَّه إنْ كانَ اشتَراها وعليها صُوفٌ تامٌّ فَجَزَّه يَرُدُّها إنْ كانَ قائِمًا، وإنْ كانَ قد أتلَفَه رَدَّ مثلَه.
الدُّورُ:
قُلتُ: فما قَولُ مالِكٍ في الرَّجُلِ يَشتَري الدَّارَ فيَغتَلُّها زَمانًا ثم يُظهَرُ على عَيبٍ بالدَّارِ كانَ عندَ البائِعِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: يَرُدُّ الدَّارَ ولا شَيءَ عليه في الغَلَّةِ.
стр. 3909
قُلتُ: فإنْ كانَتِ الدَّارُ قد أصابَها عندَ المُشتَري عَيبٌ آخَرُ، أيَرُدُّ مَعَها المُشتَري ما أصابَها عندَه مِنْ العَيبِ؟ قالَ: نَعَمْ.
قُلتُ: أرَأيتَ إنِ اشتَرَيتُ غَنَمًا أو بَقَرًا فحَلَبتُ أو جَزَزتُ وتَوالَدَتْ أولادًا عِندي ثم أصَبتُ بالأُمَّهاتِ عَيبًا، ألي أنْ أرُدَّ الأُمَّهاتِ وأحبِسَ أصوافَها وأولادَها وألبانَها؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: أمَّا الأولادُ فيُرَدونَ مع الأُمَّهاتِ إنْ أرادَ أنْ يَرُدَّ العَيبَ.
قالَ ابنُ القاسِمِ: وأمَّا أصوافُها وأوبارُها وسُمونُها فإنَّ ذلك لا يُرَدُّ مع الغَنَمِ؛ لأنَّ هذا بمَنزِلةِ الغَلَّةِ.
النَّخلُ:
قُلتُ: أتَحفَظُ عن مالِكٍ في النَّخلِ شَيئًا إذا اشتَراها رَجُلٌ فاستَغَلَّها زَمانًا ثم أصابَ عَيبًا؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: إذا اشتَرَى نَخلًا فاستَغَلَّها زَمانًا ثم أصابَ بها عَيبًا أو استُحِقَّتْ أنَّه يَرجِعُ على بائِعِه بالثَّمنِ، وتَكونُ له الغَلَّةُ بالضَّمانِ (١).
والقَولُ الثَّالثُ: وهو قَولُ الحَنفيَّةِ: النَّماءُ الحادِثُ مِنْ عَينِ المَبيعِ في يَدِ المُشتَري يَمنَعُ الرَّدَّ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ رَدُّ الأصلِ بدونِه؛ لأنَّه مِنْ مُوجِبِه؛ فلا يَرفَعُ العَقدَ مع بَقاءِ مُوجِبِه، ولا يُمكِنُ رَدُّه مَعَهُ؛ لأنَّه لَم يَتَناوَلْه العَقدُ.
والمُشتَري يَرجِعُ بحِصَّةِ العَيبِ، وحُجَّتُهم في هذا أنَّ الزِّيادةَ مَبيعةٌ تَبَعًا لِثُبوتِ حُكمِ الأصلِ فيه تَبَعًا، وبِالرَّدِّ بدونِ الزِّيادةِ يَنفسِخُ العَقدُ في الأصلِ
стр. 3910
مَقصودًا، وتَبقَى الزِّيادةُ في يَدِ المُشتَري مَبيعًا مَقصودًا بلا ثَمَنٍ؛ لِيُستحَقَّ بالبَيعِ، وهذا تَفسيرُ الرِّبا في عُرفِ الشَّرعِ.
وأمَّا رَدُّه مع الزِّيادةِ فلأنَّه يُؤَدِّي إلى أنْ يَكونَ الوَلَدُ التَّابِعُ بعدَ الرَّدِّ رِبحَ ما لَم يُضمَنْ؛ لأنَّه حصَل في ضَمانِ المُشتَري.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: لأنَّ الزِّيادةَ عندَنا مَبيعةٌ تَبَعًا لِثُبوتِ حُكمِ الأصلِ فيه تَبَعًا، وبالرَّدِّ بدونِ الزِّيادةِ يَنفسِخُ العَقدُ في الأصلِ مَقصودًا، وتَبقَى الزِّيادةُ في يَدِ المُشتَري مَبيعًا مَقصودًا بلا ثَمَنٍ لِيُستحَقَّ بالبَيعِ، وهذا تَفسيرُ الرِّبا في عُرفِ الشَّرعِ.
بخِلافِ الزِّيادةِ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّها لا تُرَدُّ بدُونِ الأصلِ أيضًا؛ احتِرازًا عن الرِّبا، بَلْ تُرَدُّ مع الأصلِ، ورَدُّها مع الأصلِ لا يَتضمَّنُ الرِّبا، ثم إنَّما لا يُرَدُّ الأصلُ مع الزِّيادةِ هَهُنا، ورُدَّ هُناكَ، أمَّا امتِناعُ رَدِّ الأصلِ بدونِ الزِّيادةِ فلِمَا قُلنا إنَّه يُؤَدِّي إلى الرِّبا.
وأمَّا رَدُّه مع الزِّيادةِ فلأنَّه يُؤَدِّي إلى أنْ يَكونَ الوَلَدُ التَّابِعُ بعدَ الرَّدِّ رِبحَ ما لَم يُضمَنْ؛ لأنَّه يَنفسِخُ العَقدُ في الزِّيادةِ، ويَعودُ إلى البائِعِ ولَم يَصِلْ إلى المُشتَري بمُقابَلةِ شَيءٍ مِنْ الثَّمنِ في الفَسخِ؛ لأنَّه لا حِصَّةَ له مِنْ الثَّمنِ، فكانَ الوَلَدُ لِلبائِعِ رِبحَ ما لَم يُضمَنْ؛ لأنَّه حصَل في ضَمانِ المُشتَري، فأمَّا الوَلَدُ قبلَ القَبضِ فقد حصَل في ضَمانِ البائِعِ، فلو انفسخَ العَقدُ فيه لا يَكونُ رِبحَ ما لَم يُضمَنْ، بَلْ رِبحُ ما ضُمِنَ، وإنْ كانَتْ مُنفصِلةً غيرَ مُتوَلَّدةٍ مِنْ الأصلِ، لا يَمتَنِعُ الرَّدُّ بالعَيبِ، ويُرَدُّ الأصلُ على البائِعِ، وتَكونُ الزِّيادةُ لِلمُشتَري طَيِّبةً له؛ لِمَا مَرَّ أنَّ هذه الزِّيادةَ ليسَتْ بمَبيعةٍ أصلًا؛ لِانعِدامِ ثُبوتِ
стр. 3911
حُكمِ البَيعِ فيها، بَلْ مُلِكتْ بسَبَبٍ على حِدةٍ، فأمكَنَ إثباتُ حُكمِ الفَسخِ فيه بدونِ الزِّيادةِ، فيُرَدُّ الأصلُ ويَنفسِخُ العَقدُ فيه، وتَبقَى الزِّيادةُ مَملوكةً لِلمُشتَري بوُجودِ سَبَبِ المِلْكِ فيها شَرعًا؛ فتَطيبُ له.
هذا إذا كانَتِ الزِّيادةُ قائِمةً في يَدِ المُشتَري، فأمَّا إذا كانَتْ هالِكةً فهَلاكُها لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ بآفةٍ سَماويَّةٍ أو بفِعلِ المُشتَري، أو بفِعلِ أجنَبيٍّ، فإنْ كانَ بآفةٍ سَماويَّةٍ فله أنْ يَرُدَّ الأصلَ بالعَيبِ وتُجعَلَ الزِّيادةُ كأنَّها لَم تَكُنْ، وإنْ كانَ بفِعلِ المُشتَري فالبائِعُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ قبلَ ورَدَّ جَميعَ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ لَم يَقبَلْ ورَدَّ نُقصانَ العَيبِ، سَواءٌ كانَ حُدوثُ ذلك أوجَب نُقصانًا في الأصلِ، أو لَم يُوجِبْ نُقصانًا فيه؛ لأنَّ إتلافَ الزِّيادةِ بمَنزِلةِ إتلافِ جُزءٍ مُتَّصِلٍ بالأصلِ؛ لِكَونِها مُتولَّدةٌ مِنْ الأصلِ، وذا يُوجِبُ الخيارَ لِلبائِعِ، وإنْ كانَ بفِعلِ أجنَبيٍّ ليسَ له أنْ يَرُدَّ؛ لأنَّه يَجِبُ ضَمانُ الزِّيادةِ على الأجنَبيِّ، فيَقومُ الضَّمانُ مَقامَ العَينِ، فكَأنَّ عَينَه قائِمةٌ، فيَمتَنِعُ الرَّدُّ ويَرجِعُ بنُقصانِ العَيبِ (١).
إذا حدَث عَيبٌ آخَرُ عندَ المُشتَري في المَبيعِ قبلَ عِلمِه بالأوَّلِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ اشتَرَى شَيئًا مَعيبًا لَم يَعلَم به، ثم حدَث به عَيبٌ آخَرُ عندَه بآفةٍ سَماويَّةٍ أو غيرِها قبلَ عِلمِه بالعَيبِ الأوَّلِ، هل له أنْ يُمسِكَه ويَأخُذَ الأرشَ أو أنْ يَأخُذَ الأرشَ ويَتعذَّرَ الرَّدُّ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المُشتَريَ لا
стр. 3912
يَملِكُ الرَّدَّ قَهرًا على البائِعِ، وله أرشُ العَيبِ القَديمِ؛ لأنَّ الرَّدَّ ثبَت لِإزالةِ الضَّررِ، وفي الرَّدِّ على البائِعِ إضرارٌ به، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ؛ لأنَّه خرَج عن مِلكِه سالِمًا، ويَعودُ مَعيبًا، فامتُنِعَ، ولا بدَّ مِنْ دَفعِ الضَّرَرِ عنه، فتَعيَّنَ الرُّجوعُ بالنُّقصانِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: إلَّا أنْ يَرضَى البائِعُ أنْ يَأخُذَه مِنه بعَيبِه فله ذلك؛ لأنَّه رَضيَ بإسقاطِ حَقِّه، والتِزامِ الضَّررِ؛ فإنْ رَضيَ البائِعُ بذلك وأرادَ المُشتَري حَبسَ المَبيعِ والرُّجوعَ بحِصَّةِ العَيبِ فليسَ له ذلك، بَلْ إنْ شاءَ المُشتَري أمسَكَه ولا يَرجِعُ بحِصَّةِ العَيبِ، وإنْ شاءَ رَدَّه.
وصورةُ الرُّجوعِ بالنُّقصانِ: أنْ يُقوَّمَ المَبيعُ وليسَ به العَيبُ القَديمُ، ويُقوَّمَ وبه ذلك العَيبُ؛ فيُنظَرُ إلى ما نقَص مِنْ قيمَتِه لِأجْلِ العَيبِ، ويُنسَبُ مِنْ القيمةِ السَّليمةِ؛ فإنْ كانَتِ النِّسبةُ العُشرَ رجَع بعُشرِ الثَّمنِ، وإنْ كانَتِ النِّصفَ فبِنِصفِه، بَيانُه إذا اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةِ دَراهِمَ وقيمَتُه مِئة دِرهَمٍ، واطَّلَعَ على عَيبٍ يَنقُصُه عَشَرةَ دَراهِمَ وقد حدَث به عَيبٌ آخَرُ فإنَّه يَرجِعُ على البائِعِ بعُشرِ الثَّمنِ، وذلك دِرهَمٌ، وإنْ كانَ يُنْقَصُ مِنْ قيمَتِه لِأجْلِ العَيبِ عِشرونَ رجَع بخُمسِ الثَّمنِ، وهو دِرهَمانِ، ولو اشتَراه بمِئتَيْنِ وقيمَتُه مِئةٌ ويَنقُصُ مِنْ قيمَتِه لِأجْلِ العَيبِ عَشَرةٌ فإنَّه يَرجِعُ بعُشرِ الثَّمنِ، وذلك عِشرونَ، ولو كانَ العَيبُ يُنقِصُه عِشرينَ رجَع بخُمسِ الثَّمنِ، وذلك أربَعونَ (١).
стр. 3913
وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا حدَث بالمَبيعِ عَيبٌ في يَدِ المُشتَري بجِنايةٍ أو بآفةٍ، ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ قَديمٍ، لَم يَملِكِ الرَّدَّ قَهرًا؛ لِمَا فيه مِنْ الإضرارِ بالبائِعِ، ولا يُكلَّفُ المُشتَري الرِّضا به، بَلْ يُعلَمُ البائِعُ به؛ فإنْ رَضيَ به مَعيبًا قيلَ لِلمُشتَري: إمَّا أنْ تَرُدَّه، وإمَّا أنْ تَقنَعَ به ولا شَيءَ لَكَ. وإنْ لَم يَرضَ به؛ فلا بدَّ مِنْ أنْ يَضُمَّ المُشتَري أرشَ العَيبِ الحادِثِ إلى المَبيعِ لِيَرُدَّه، أو يُغرَّمَ البائِعُ لِلمُشتَري أرشَ العَيبِ القَديمِ لِيُمسِكَه، فإنِ اتَّفَقا على أحَدِ هذَيْنِ المَسلكَيْنِ فذاكَ، وإنِ اختَلَفا فدَعا أحَدُهما إلى الرَّدِّ مع أرشِ العَيبِ الحادِثِ، ودَعا الآخَرُ إلى الإمساكِ وغَرامةِ أرشِ العَيبِ القَديمِ؛ ففيه أوْجُهٌ:
أحَدُها: المُتَّبَعُ قَولُ المُشتَري.
والثاني: رَأيُ البائِعِ.
والثالِثُ -قالَ النَّوويُّ: وهو أصَحُّها-: المُتَّبعُ رَأيُ مَنْ يَدعو إلى الإمساكِ والرُّجوعِ بأرشِ العَيبِ، سَواءٌ كانَ البائِعَ أو المُشتَريَ.
وما ذَكَرناه مِنْ إعلامِ المُشتَري البائِعَ يَكونُ على الفَورِ؛ فإنْ أخَّرَه بلا عُذرٍ بطَل حَقُّه مِنْ الرَّدِّ والأرشِ، إلَّا أنْ يَكونَ العَيبُ الحادِثُ قَريبَ الزَّوالِ في الأغلَبِ، كالرَّمَدِ والحُمَّى؛ فلا يُعتبَرُ الفَورُ على أحَدِ القَولَيْنِ، بَلْ له انتِظارُ زَوالِه لِيَرُدَّه سَليمًا عن العَيبِ الحادِثِ.
ومَهما زالَ العَيبُ الحادِثُ بعدَما أخَذ المُشتَري أرشَ العَيبِ القَديمِ، أو قَضى به القاضي ولَم يَأخُذْه، فهل له الفَسخُ ورَدُّ الأرشِ؟ وَجهانِ:
стр. 3914
أصَحُّهما: لا، ولو تَراضَيا، ولا قَضاءَ؛ فالأصَحُّ أنَّ له الفَسخَ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ في أصَحِّ الرِّوايتَيْنِ إلى أنَّ المُشتَريَ مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ أمسَكَه وله الأرشُ، وإنْ شاءَ رَدَّه ويَرُدُّ أرشَ العَيبِ الحادِثِ عندَه ويَأخُذُ الثَّمنَ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لَنا: حَديثُ المُصَرَّاةِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ برَدِّها بعدَ حَلبِها، ورَدِّ عِوَضِ لَبَنِها، واحتَجَّ أحمدُ بأنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ قَضى في الثَّوبِ إذا كانَ به عَوارٌ برَدِّه، وإنْ كانَ قد لَبِسَه، ولأنَّه عَيبٌ حدَث عندَ المُشتَري؛ فكانَ له الخيارُ بينَ رَدِّ المَبيعِ وأرشِه، وبينَ أخْذِ أرشِ العَيبِ القَديمِ، كما لو كانَ حُدوثُه لِاستِعلامِ المَبيعِ، ولأنَّ العَيبَيْنِ قد استَوَيا والبائِعَ قد دلَّس به، والمُشتَريَ لَم يُدلِّسْ، فكانَتْ رِعايةُ جانِبِه أوْلَى، ولأنَّ الرَّدَّ كانَ جائِزًا قبلَ حُدوثِ العَيبِ الثاني فلا يَزولُ إلَّا بدَليلٍ، وليسَ في المَسألةِ إجماعٌ ولا نَصٌّ، والقياسُ إنَّما يَكونُ على أصلٍ، وليسَ لِمَا ذَكَروه أصلٌ، فيَبقَى الجَوازُ بحالِه.
إذا ثبَت هذا فإنَّه يَرُدُّ أرشَ العَيبِ الحادِثِ عندَهُ؛ لأنَّ المَبيعَ بجُملَتِه مَضمونٌ عليه؛ فكذلك أجزاؤُه، وإنْ زالَ العَيبُ الحادِثُ عندَ المُشتَري رَدَّه ولا أرشَ مَعَه على كِلتا الرِّوايتَيْنِ، وبِه قالَ الشافِعيُّ؛ لأنَّه زالَ المانِعُ مع قيامِ السَّببِ المُقتَضي لِلرَّدِّ، فثبَت حُكمُه (٢).
стр. 3915
وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: مَنْ حدَث عندَه عَيبٌ بما اشتَراه ثم عَلِمَ بعَيبٍ كانَ به عندَ البائِعِ فإنْ كانَ العَيبُ الذي حدَث عندَ المُشتَري خَفيفًا لا يَنقُصُ مِنْ الثَّمنِ إلَّا ما لا قَدْرَ له، مثلَ الحُمَّى الخَفيفةِ في الرَّقيقِ، والصُّداعِ والرَّمَدِ الخَفيفِ، أو صَدْعِ جِسمٍ، أو كَيٍّ خَفيفٍ، أو وَجَعٍ ليسَ بمَخوفٍ، رَدَّه على البائِعِ بالعَيبِ الذي كانَ به بما يَنقُصُ مِنْ الثَّمنِ ولا شَيءَ عليه، وإنْ كانَ العَيبُ الذي حدَث عندَه يَنقُصُ مِنْ الثَّمنِ ولَم يَكُنْ عَيبًا مُفسِدًا رَدَّه أيضًا، ورَدَّ ما نقَصه العَيبُ الحادِثُ عندَه.
وإنْ كانَ عَيبًا مُفسِدًا رجَع بأرشِ العَيبِ الذي وُجدَ به ممَّا كانَ عندَ البائِعِ، وحَبَسَ العَبدَ، وقد قيلَ: إنَّ له الخيارَ في العَيبِ المُفسِدِ إنْ حدَث عندَه بينَ أنْ يَرُدَّ المَبيعَ وما نقَصه العَيبُ الحادِثُ عندَه، وبينَ أنْ يُمسِكَه ويَرجِعَ بأرشِ العَيبِ الذي وُجدَ به، وسَواءٌ كانَ البائِعُ دلَّس أو لَم يُدلِّسْ في الرَّقيقِ خاصَّةً، وليسَ الرَّقيقُ في ذلك كغيرِهم عندَهم (١).
هَذا إذا لَم يَكُنِ البائِعُ دلَّس العَيبَ؛ فالمُدلِّسُ الآثِمُ يَتحمَّلُ تَبِعةً تَدليسِه، ولِذلك قالَ المالِكيَّةُ: لُزومُ أرشِ العَيبِ الحادِثِ عندَ المُبتاعِ إذا اختارَ الرَّدَّ؛ هو حَقُّ غيرِ المُدلِّسِ.
أمَّا إذا كانَ البائِعُ مُدلِّسًا بالعَيبِ، فإنَّ المُبتاعَ يَرُدُّ المَبيعَ مِنْ غيرِ أرشٍ
стр. 3916
لِلعَيبِ الحادِثِ عندَه، إلَّا أنْ يَفوتَ فَواتًا يَمنَعُ مِنْ الرَّدِّ؛ كهَلاكِه، أو فَواتِ أكثَرِ مَنافِعِه، فيَتعيَّنُ أخذُ أرشِ العَيبِ القَديمِ (١).
وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ومَن باعَ ثَوبًا فقطَعه المُشتَري وخاطَه ثم ظهَر مِنه على عَيبٍ كانَ عندَ البائِعِ؛ فإنْ كانَ البائِعُ كتَمه العَيبَ رَدَّه ورجَع عليه بقيمةِ الخياطةِ، وأخَذ الثَّمنَ مُوفَّرًا، ولا شَيءَ عليه، ممَّا نقَصه القَطعُ؛ لأنَّ البائِعَ سَلَّطَه على ذلك وأذِنَ له فيه إذا دلَّس له بالعَيبِ وكتَمه ذلك، هذا إذا قطَعه المُشتَري قَطْعَ مِثلِه، وكانَ قَطعُه فسادًا، ثم رَدَّه بالعَيبِ الذي دلَّس به البائِعُ، رَدَّ قيمةَ ما نقَصه القَطعُ، وإنْ كانَ البائِع لَم يَعلَم بالعَيبِ، فالمُشتَري بالخيارِ بينَ أنْ يَرُدَّه ويَرُدَّ ما نقَصه القَطعُ -وقيمةُ الخياطةِ داخِلةٌ في قيمَتِه- وبينَ أنْ يُمسِكَه ويَأخُذَ أرشَ العَيبِ، ولِلبائِعِ أنْ يَحلِفَ المُشتَري ما عَلِمَ بالعَيبِ قبلَ القَطعِ، ولا لَبِسَه بعدَ العِلمِ، وإنْ ظهَر المُشتَري على العَيبِ قبلَ القَطعِ كانَ مُخيَّرًا بينَ أنْ يُمسِكَه ولا شَيءَ له، وبينَ أنْ يَرُدَّه ويَأخُذَ الثَّمنَ، سَواءٌ كانَ البائِعُ عَلِمَ بالعَيبِ أو لَم يَعلَم، ولو وجَد المُشتَري عَيبًا بالثَّوبِ كانَ عندَ البائِعِ وهو قد صَبَغَ الثَّوبَ صَبغًا زاد في ثَمَنِه، أو عَمِلَ فيه عَمَلًا يَزيدُ في قيمَتِه، كانَ بالخيارِ، إنْ شاءَ أخَذ مِنْ البائِعِ قيمةَ العَيبِ ولَبِسَ الثَّوبَ، وإنْ شاءَ رَدَّه، وكانَ شَريكًا لِلبائِعِ بما زادَ فيه عَمَلُه، وهذا مَعنَى قَولِ مالِكٍ في المُوطَّأِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إلَّا أنْ يَكونَ البائِعُ دلَّس العَيبَ، فيَلزَمَه رَدُّ الثَّمنِ كامِلًا، وكذلك سائِرُ المَبيعِ، ومَعنَى دلَّس العَيبَ: كتَمه عن المُشتَري مع عِلمِه
стр. 3917
به، أو غَطَّاه عنه بما يُوهِم المُشتَري بعَدَمِه، مُشتَقٌّ مِنْ الدُّلسةِ، وهي الظُّلمةُ؛ فكَأنَّ البائِعَ يَستُرُ العَيبَ، وكِتمانُه جَعْلُه في ظُلمةٍ، فخَفِيَ على المُشتَري، فلَم يَرَه، ولَم يَعلَم به، وسَواء في هذا ما عَلِمَ به فكتَمه، وما سَتَرَه، فكِلاهما تَدليسٌ حَرامٌ على ما بيَّناه؛ فإذا فعَله البائِعُ فلَم يَعلَم به المُشتَري حتى تَعيَّبَ المَبيعُ في يَدِه فله رَدُّ المَبيعِ وأخْذُ ثَمَنِه كامِلًا، ولا أرشَ عليه، سَواءٌ كانَ الحادِثُ بفِعلِ المُشتَري، كوَطْءِ البِكرِ، وقَطعِ الثَّوبِ، أو بفِعلِ آدَميٍّ آخَرَ، مثلَ أنْ يَجنيَ عليه جانٍ، أو بفِعلِ العَبدِ، كالسَّرقةِ والإباقِ، أو بفِعلِ اللَّهِ ، بالمَرَضِ ونَحوِه، سَواءٌ كانَ نَقصًا لِلمَبيعِ أو مُذهِبًا لِجَميعِه.
قالَ أحمدُ في رَجُلٍ اشتَرَى عَبدًا فأبَقَ مِنْ يَدِه وأقامَ البَيِّنةَ على أنَّ إباقَه كانَ مَوجودًا في يَدِ البائِعِ، يَرجِعُ به على البائِعِ بجَميعِ الثَّمنِ الذي أخَذه منه؛ لأنَّه غَرَّ المُشتَريَ، ويَتبَعُ البائِعُ عَبدَه حيثُ كانَ، وهذا يُحكَى عن الحَكَمِ ومالِكٍ؛ لأنَّه غَرَّه فيَرجِعُ عليه، كما لو غَرَّه بحُرِّيَّةِ أَمَةٍ، وظاهِرُ حَديثِ المُصَرَّاةِ يَدُلَّ على أنَّ ما حدَث في يَدِ المُشتَري مَضمونٌ عليه، سَواءٌ دلَّس البائِعُ العَيبَ أو لَم يُدلِّسْه؛ فإنَّ التَّصريةَ تَدليسٌ، ولَم يَسقُطْ عنِ المُشتَري ضَمانُ اللَّبَنِ، بَلْ ضمِنه بصاعٍ مِنْ التَّمرِ مع كَونِه قد نُهِيَ عن التَّصريةِ.
وقالَ ﷺ : «بَيعُ المُحَفَّلاتِ خِلابةٌ، ولا تَحِلُّ الخِلابةُ لِمُسلِمٍ» (١).
стр. 3918
وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، يَدلُّ على أنَّ مَنْ له الخَراجُ عليه الضَّمانُ؛ لِكَونِه ﷺ جعَل الضَّمانَ عِلَّةً لِوُجوبِ الخَراجِ له؛ فلو كانَ ضَمانُه على البائِعِ لَكانَ الخَراجُ له لِوُجودِ عِلَّتِه، ولأنَّ وُجوبَ الضَّمانِ على البائِعِ لا يثبُتُ إلَّا بنَصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ، ولا نَعلَمُ في هذا نَصًّا ولا إجماعًا.
والقياسُ إنَّما يَكونُ على أصلٍ، ولا نَعلَمُ لِهَذا أصلًا ولا يُشبِهُ هذا التَّغريرَ بحُرِّيَّةِ الأَمَةِ في النِّكاحِ؛ لأنَّه يَرجِعُ على مَنْ غَرَّه، وإنْ لَم يَكُنْ سَيِّدَ الأَمَةِ، وهَهُنا لو كانَ التَّدليسُ مِنْ وَكيلِ البائِعِ لَم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا حُجَّةُ مَنْ قالَ: إنَّه ليسَ لِلمُشتَري إلَّا أنْ يَرُدَّ ويَرُدَّ قيمةَ العَيبِ أو يُمسِكَ؛ فلأنَّهم قد أجمَعوا على أنَّه إذا لَم يَحدُثُ بالمَبيعِ عَيبٌ عندَ المُشتَري فليسَ هناك إلَّا الرَّدُّ؛ فوجَب استِصحابُ حالِ هذا الحُكمِ، وإنْ حدَث عندَ المُشتَري عَيبٌ مع إعطائِه قيمةَ العَيبِ الذي حدَث عندَه.
وأمَّا مالِكٌ فلمَّا تَعارَضَ عندَه حَقُّ البائِعِ وحَقُّ المُشتَري، غلَب المُشتَري، وجعَل له الخيارَ؛ لأنَّ البائِعَ لا يَخلو مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ، إمَّا أنْ يَكونَ مُفرِّطًا في أنَّه لَم يَستَعلِمِ العَيبَ ويَعلَم به المُشتَري، أو يَكونَ عَلِمَه فدلَّس به على المُشتَري.
стр. 3919
وعندَ مالِكٍ أنَّه إذا صَحَّ أنَّه دلَّس بالعَيبِ وجَب عليه الرَّدُّ مِنْ غيرِ أنْ يَدفَعَ إليه المُشتَري قيمةَ العَيبِ الذي حدَث عندَه؛ فإنْ ماتَ بسَبَبِ ذلك العَيبِ كانَ ضَمانُه على البائِعِ بخِلافِ الذي لَم يَثبُتْ أنَّه دلَّس فيه.
وأمَّا حُجَّةُ أبي مُحمَّدٍ فلأنَّه أمرٌ حدَث مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كما لو حدَث في مِلكِ البائِعِ، فإنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ دالٌّ على أنَّ البَيعَ لَم يَنعقِدْ في نَفْسِه، وإنَّما انعقَد في الظَّاهِرِ، وأيضًا فلا كِتابَ ولا سُنَّةَ يُوجِبانِ على مُكلَّفٍ غُرمًا ما لَم يَكُنْ له تَأثيرٌ في نَقصِه، إلَّا أنْ يَكونَ على جِهةِ التَّغليظِ عندَ مَنْ ضَمَّنَ الغاصِبَ ما نقَص عندَه بأمرٍ مِنْ اللَّهِ ، فهذا حُكمُ العُيوبِ الحادِثةِ في البَدَنِ (١).
لو عَلِمَ بالعَيبِ بعدَ زَوالِ مِلكِه عنه أو هَلاكِه:
اختلَف الفُقهاءُ فيمَنِ اشتَرَى شَيئًا ثم زالَ مِلكُه عنه إلى غيرِه أو هلَك ثم عَلِمَ بعَيبٍ كانَ به، هل له أنْ يَأخُذَ أرشَ العَيبِ أو ليسَ له شَيءٌ؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ:
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا هلَك المَبيعُ عندَ المُشتَري ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ فيه رجَع بنُقصانِ العَيبِ سَواءٌ كانَ بعدَ العِلمِ به أو قبلَه، وكذا إذا تَغيَّرتْ صورةُ المَبيعِ بحيثُ أصبَحَ له اسمٌ جَديدٌ، بأنْ قطَع المُشتَري الثَّوبَ وخاطَه بعدَ أنْ كانَ قَمَّاشًا أو طَحَنَ الحِنطةَ بعدَ كَونِها حَبًّا، ثم صارَتْ دَقيقًا، ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ رجَع بنُقصانِه.
стр. 3920
أمَّا إنِ استَهلَكَ المَبيعَ فلا رُجوعَ مُطلَقًا بالنُّقصانِ بلا خِلافٍ، وكذا لو باعَه أو وهَبه ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ لَم يَرجِعْ إجماعًا.
إلَّا الطَّعامَ، إذا أكَلَه المُشتَري، أو الثَّوبَ إذا لَبِسَه فتَخرَّقَ، ثم اطَّلَعَ على العَيبِ، لَم يَرجِعْ بشيءٍ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ المُشتَريَ بأكلِ الطَّعامِ ولُبسِ الثَّوبِ أخرَجَهما عن مِلكِه حَقيقةً؛ إذ المِلْكُ فيهما ثبَت مُطلَقًا، لا مُؤقَّتًا، فامتَنَعَ الرَّدُّ بفِعلٍ مَضمونٍ منه في المَبيعِ، فصارَ كما لو باعَه.
وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ له أنْ يَرجِعَ بنُقصانِ العَيبِ؛ لأنَّ الأكلَ واللُّبسَ تَصرُّفٌ مِنْ المُشتَري في المَبيعِ فيما وُضِعَ له، وأنَّه انتِفاعٌ لا إتلافٌ؛ فأشبَهَ الإعتاقَ.
والمُرادُ بالطَّعامِ هو المَكيلُ والمَوزونُ.
ولو أكَلَ بَعضَ الطَّعامِ ثم عَلِمَ بالعَيبِ لَم يَرُدَّ البَقيَّةَ ولا يَرجِعُ بالأرشِ فيما أكَلَ، ولا فيما بَقيَ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الطَّعامَ كالشَّيءِ الواحِدِ.
واختلَف النَّقلُ عن أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ، فرُويَ عنهما أنَّه يَرُدُّ ما بَقيَ ويَرجِعُ بنُقصانِ ما أكَلَ.
ورُويَ عَنهُما: أنَّه لا يَرُدُّ ما بَقيَ ويَرجِعُ بأرشِ العَيبِ في الجَميعِ.
وهذا كُلُّه في أكلِ البَعضِ، أمَّا لو باعَ بَعضَ المَكيلِ والمَوزونِ فعندَهُما: لا يَرُدُّ ما بَقيَ ولا يَرجِعُ بشَيءٍ، وعَن مُحمَّدٍ: يَرُدُّ ما بَقيَ ولا يَرجِعُ بنُقصانِ ما باعَ.
وعن مُحمَّدٍ: لا يَرجِعُ بنَقصِ ما باعَ، ويَرُدُّ البَقيَّةَ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ.
стр. 3921
والحاصِلُ أنَّ المُفتَى به أنَّه لو باعَ بَعضًا أو أكَلَه يَرُدُّ البَقيَّةَ ويَرجِعُ بنَقصِ ما أكَلَ، لا بنَقصِ ما باعَ.
والفَرقُ أنَّه بالأكلِ تَقرَّرَ العَقدُ؛ فتَقرَّرتْ أحكامُه، وبِالبَيعِ يَنقَطِعُ المِلْكُ فتَنقَطِعُ أحكامُه.
ولو وجَد ببَعضِ المَكيلِ أو المَوزونِ عَيبًا له رَدَّه كُلَّه أو أخَذه، إذا كانَ كُلُّه باقيًا في مِلكِه لَم يَتصرَّفْ في شَيءٍ مِنه.
فيُفرَّقُ بينَ ما إذا بَقيَ كُلُّه، وبينَ ما إذا تَصرَّفَ ببَعضِه ببَيعٍ أو أكْلٍ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: إذا فاتَ المَبيعُ ثم اطَّلعَ المُشتَري على عَيبٍ قَديمٍ فيه فليسَ له الرَّدُّ، وله الأرشُ؛ فيُقوَّمُ المَبيعُ يَومَ ضمِنه المُشتَري سالِمًا بمِئةٍ، ومَعيبًا بثَمانينَ؛ فإنْ نقَصه العَيبُ خُمُس القيمةِ يَرجِعُ على البائِعِ بخُمُسِ الثَّمنِ كيفَ كانَ، ولو اختَلَفا في صِفةِ المَبيعِ فالقَولُ قَولُ البائِعِ إنِ انتَقَدَ، وإلَّا فالقَولُ قَولُ المُشتَري.
ولو تَعلَّقَ بالمَبيعِ المَعيبِ حَقٌّ مِنْ رَهنٍ أو إجارةٍ أو عاريةٍ أو إخدامٍ، وحصَل ذلك مِنْ مُشتَريه قبلَ عِلمِه بالعَيبِ؛ فإنَّ ذلك لا يَمنَعُ مِنْ رَدِّه إذا خُلِّصَ ممَّا تَعلَّقَ به إنْ لَم يَتغيَّرْ، وبَقيَ على حالِه.
وكذا إنْ عادَ المَبيعُ لِبائِعِه بعدَ خُروجِه مِنْ مِلكِه غيرَ عالِمٍ بالعَيبِ،
стр. 3922
كعَودِه له بعَيبٍ أو بمِلْكٍ مُستَأنَفٍ، كبَيعٍ أو هِبةٍ أو إرثٍ، فلَه رَدُّه على بائِعِه الأوَّلِ.
وإذا باعَ المُشتَري ما اشتَراه قبلَ اطِّلاعِه على عَيبِه القَديمِ لِغيرِ بائِعِه فلا رُجوعَ على بائِعِه بشَيءٍ، سَواءٌ باعَه بمِثلِ ثَمَنِه الذي اشتَراه به أو بأقَلَّ أو بأكثَرَ، وإنْ باعَه لِبائِعِه بمِثلِ الثَّمنِ أو بأكثَرَ، سَواءٌ أكانَ البائِعُ دلَّس عليه أم لا، وكانَ دلَّس عليه، فلا رُجوعَ لِلمُشتَري أيضًا على بائِعِه بشَيءٍ، ولا رُجوعَ لِلبائِعِ على المُشتَري بالزَّائِدِ.
وإنْ لَم يُدلِّسْ عليه، فإنَّ المَبيعَ يُرَدُّ على المُشتَري وهو البائِعُ الثاني بأكثَرَ إنْ شاءَ البائِعُ الأوَّلُ، وأخَذ منه ثَمَنَه، ثم إنْ شاءَ المُشتَري تَمسَّكَ بالمَبيعِ المَعيبِ، وإنْ شاءَ رَدَّ ذلك على بائِعِه الأوَّلِ، وأخَذ مِنه ثَمَنَه، وتَقَعُ المُقاصَّةُ بينَهما، ويَدفَعُ ما بَقيَ لِلبائِعِ الأوَّلِ، وإنْ باعَه لِبائِعِه الأوَّلِ بأقَلَّ ممَّا اشتَراه به منه كما لو باعَه بعَشَرةٍ، ثم اشتَراه مِنه بثَمانيةٍ فإنَّ البائِعَ الأوَّلَ يُكمِلُ لِلمُشتَري ثَمَنَه، فيَدفَعُ له الدِّرهمَيْنِ بَقيَّةَ ثَمَنِه دلَّس أو لا.
وهذا كُلُّه إذا لَم يَتغيَّرْ، فإنْ تَغيَّرَ ففيه تَفصيلٌ، وهو أنَّ التَّغيُّرَ إمَّا مُتوَسِّطٌ أو قَليلٌ جِدًّا، أو مُخرِجٌ عن المَقصودِ.
ومُحصِّلُه أنَّ العَيبَ الحادِثَ عندَ المُشتَري لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ: مُخرِجٍ عن المَقصودِ، ويَسيرٍ جِدًّا، ومُتوسِّطٍ بينَهما؛ فإذا حدَث عندَ المُشتَري عَيبٌ مُتوسِّطٌ، واطَّلَعَ على عَيبٍ قَديمٍ فإنَّه يُخيَّرُ بينَ أنْ يَتمسَّكَ بالمَبيعِ ويَأخُذَ أرشَ العَيبِ القَديمِ مِنْ البائِعِ، أو يَرُدَّه ويَدفَعَ أرشَ العَيبِ
стр. 3923
الحادِثِ عندَه، وهذا التَّخييرُ ما لَم يَقبَلْه البائِعُ بالحادِثِ، فحينَئذٍ يَصيرُ ما حدَث عندَ المُشتَري كالعَدَمِ، ويُخيَّرُ بينَ أنْ يَتمسَّكَ ولا شَيءَ له، أو يَرُدَّ ولا شَيءَ عليه.
وتَقويمُ العَيبِ القَديمِ والحادِثِ بسَبَبِ تَقويمِ المَبيعِ، لا بانفِرادِهما؛ فإذا قيلَ: قيمَتُه صَحيحًا عَشَرةٌ، وبِالقَديمِ ثَمانيةٌ، وبِالحادِثِ سِتَّةٌ؛ فإنْ رَدَّ دَفَعَ لِلبائِعِ دينارَيْنِ، وإنْ تَمسَّكَ أخَذ مِنه دينارَيْنِ، وإنْ زادَ الثَّمنَ أو نقَص فنِسبةُ ذلك مِنه، ويَكونُ التَّقويمُ يَومَ دُخولِ المَبيعِ في ضَمانِ المُشتَري.
والعَيبُ القَليلُ جِدًّا -كوَعكٍ ورَمَدٍ وصُداعٍ وذَهابِ ظُفرٍ وخَفيفِ حُمَّى ووَطءِ ثَيِّبٍ وقَطعِ مُعتادٍ- فلا خيارَ لِلمُشتَري حينَئذٍ في التَّمسُّكِ، وأخذِ الأرشِ، بَلْ له التَّمسُّكُ ولا شَيءَ له، أو الرَّدُّ ولا شَيءَ عليه.
فإنْ كانَ العَيبُ الذي حدَث عندَ المُشتَري يَسيرًا فإنَّه يَكونُ كالعَدَمِ؛ فإنْ رجَع المَبيعَ بالعَيبِ القَديمِ لَم يَرُدَّ لِلحادِثِ شَيئًا.
والتَّغيُّرُ الحادِثُ عندَ المُشتَري المُخرِجُ عن المَقصودِ مِنْ المَبيعِ، بذَهابِ المَنافِعِ المَقصودةِ منه، فإنَّه يَكونُ مُفِيتًا لِرَدِّه على البائِعِ، لكنْ يَرجِعُ عليه بالأرشِ القَديمِ، كما إذا اشتَرَى صَغيرًا وكَبُرَ عندَه، أو كَبيرًا وهَرِمَ عندَه، ثم اطَّلَعَ بعدَ ذلك على عَيبٍ قَديمٍ، فإنَّ ذلك مُفيتٌ يَمنَعُ مِنْ رَدِّه ويُوجِبُ الرُّجوعَ بقيمةِ العَيبِ، وإنْ كَرِهَ البائِعُ.
وهذا إذا لَم يَهلِكْ بعَيبِ التَّدليسِ، فإنْ دلَّس بعَيبٍ يُهلِكُ المَبيعَ بسَبَبِه ونَحوِه، فإنَّ المُشتَري يَرجِعُ عليه بجَميعِ الثَّمنِ ولا شَيءَ عليه بسَبَبِ ما حدَث عندَه.
стр. 3924
ومَن اشتَرَى شَيئًا مُتعدِّدًا بسِلعةٍ ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ ببَعضِهِ فإنَّه إنْ رَدَّه رجَع بنِسبَتِه مِنْ قيمةِ السِّلعةِ، لا بجُزئِها، على المَشهورِ، وقالَ أشهَبُ: يَرجِعُ بما يُقابِلُ العَيبَ مِنْ السِّلعةِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: لو هلَك المَبيعُ -غيرُ الرِّبَويِّ المَبيعُ بجِنسِه- عندَ المُشتَري، سَواءٌ كانَ بآفةٍ سَماويَّةٍ أو بغيرِها، كأنْ ماتَ، أو تلِف الثَّوبُ، أو أُكِلَ الطَّعامُ، ثم عَلِمَ العَيبَ به، رجَع بالأرشِ؛ لِتَعذُّرِ الرَّدِّ بفَواتِ المَبيعِ حِسًّا أو شَرعًا.
والأرشُ جُزءٌ مِنْ الثَّمنِ، نِسبَتُه إليه نِسبةُ ما يُنقِصُ العَيبُ مِنْ قيمةِ المَبيعِ لو كانَ سَليمًا، إلى تَمامِ القيمةِ، وإنَّما كانَ الرُّجوعُ بجُزءٍ مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّه لو بَقيَ كلُّ المَبيعِ عندَ البائِعِ كانَ مَضمونًا عليه بالثَّمنِ؛ فإذا احتَبَسَ جُزءًا مِنه كانَ مَضمونًا بجُزءٍ مِنْ الثَّمنِ.
مِثالُه: كانَتِ القيمةُ مِئةً دونَ العَيبِ، وتِسعينَ مع العَيبِ؛ فالتَّفاوُتُ بالعُشرِ، فيَكونُ الرُّجوعُ بعُشرِ الثَّمنِ؛ فإنْ كانَ مِئتَيْنِ فبعِشرينَ، وإنْ كانَ خَمسينَ فبِخَمسةٍ.
وأمَّا القيمةُ المُعتبَرةُ فالمَذهبُ أنَّها يُعتبَرُ أقَلُّ القيمَتَيْنِ مِنْ يَومِ البَيعِ،
стр. 3925
ويَومِ القَبضِ، وبهذا قطَع الأكثَرونَ، وقيلَ فيها أقوالٌ أظهَرُها هذا، والثاني: يَومُ القَبضِ، والثالِثُ: يَومُ البَيعِ.
ولو عَلِمَ بالعَيبِ في المَبيعِ بعدَ زَوالِ مِلكِه عنه بعِوَضٍ أو غيرِه، إلى غيرِه، وهو باقٍ بحالِه في يَدِ الآخَرِ، أو بعدَ، نَحوَ رَهنِه عندَ غيرِ البائِعِ، فلا أرشَ له في الأصَحِّ؛ لأنَّه لَم يَيأسْ مِنْ الرَّدِّ؛ لأنَّه قد يَعودُ له، فإنْ عاد المِلْكُ له فيه فله الرَّدُّ؛ لِإمكانِه، سَواءٌ عادَ إليه بالرَّدِّ بالعَيبِ أو بغيرِه، كبَيعٍ أو هِبةٍ أو وَصيَّةٍ أو إرْثٍ أو إقالةٍ؛ لِزَوالِ المانِعِ.
وقيلَ: إنْ عادَ المَبيعُ إليه بغيرِ الرَّدِّ بعَيبٍ فلا رَدَّ له؛ لأنَّه استَدرَكَ الظُّلامةَ.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ يَجِبُ له الأرشُ، كما لو تلِف.
ولو تَعذَّرَ العَودُ لِتَلَفٍ رجَع بالأرشِ المُشتَري الثَّاني على الأوَّلِ، والأوَّلُ على بائِعِه، وله الرُّجوعُ عليه قبلَ الغُرمِ لِلثاني مع إبرائِه منه.
وليسَ لِلمُشتَري الثاني رَدُّه على البائِعِ الأوَّلِ؛ لأنَّه لَم يَملِكْ منه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لو تلِف المَبيعُ، ولو بفِعلِ المُشتَري، كأكْلِه، ونَحوِه، أو باعَ المُشتَري المَبيعَ أو وهَبه أو رَهَنَه أو وَقَفَه غيرَ عالِمٍ بعَيبِه، ثم عَلِمَ، تَعيَّنَ الأرشُ، وسقَط الرَّدُّ؛ لِتَعذُّرِه، ويُقبَلُ قَولُ المُشتَري في قيمةِ المَبيعِ.
ويَكونُ الأرشُ مِلكًا لِلمُشتَري؛ لأنَّه في مُقابَلةِ الجُزءِ الفائِتِ مِنْ المَبيعِ.