← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

والحاصِلُ أنَّ المُفتَى به أنَّه لو باعَ بَعضًا أو أكَلَه يَرُدُّ البَقيَّةَ ويَرجِعُ بنَقصِ ما أكَلَ، لا بنَقصِ ما باعَ. والفَرقُ أنَّه بالأكلِ تَقرَّرَ العَقدُ؛ فتَقرَّرتْ أحكامُه، وبِالبَيعِ يَنقَطِعُ المِلْكُ فتَنقَطِعُ أحكامُه. ولو وجَد ببَعضِ المَكيلِ أو المَوزونِ عَيبًا له رَدَّه كُلَّه أو أخَذه، إذا كانَ كُلُّه باقيًا في مِلكِه لَم يَتصرَّفْ في شَيءٍ مِنه. فيُفرَّقُ بينَ ما إذا بَقيَ كُلُّه، وبينَ ما إذا تَصرَّفَ ببَعضِه ببَيعٍ أو أكْلٍ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: إذا فاتَ المَبيعُ ثم اطَّلعَ المُشتَري على عَيبٍ قَديمٍ فيه فليسَ له الرَّدُّ، وله الأرشُ؛ فيُقوَّمُ المَبيعُ يَومَ ضمِنه المُشتَري سالِمًا بمِئةٍ، ومَعيبًا بثَمانينَ؛ فإنْ نقَصه العَيبُ خُمُس القيمةِ يَرجِعُ على البائِعِ بخُمُسِ الثَّمنِ كيفَ كانَ، ولو اختَلَفا في صِفةِ المَبيعِ فالقَولُ قَولُ البائِعِ إنِ انتَقَدَ، وإلَّا فالقَولُ قَولُ المُشتَري. ولو تَعلَّقَ بالمَبيعِ المَعيبِ حَقٌّ مِنْ رَهنٍ أو إجارةٍ أو عاريةٍ أو إخدامٍ، وحصَل ذلك مِنْ مُشتَريه قبلَ عِلمِه بالعَيبِ؛ فإنَّ ذلك لا يَمنَعُ مِنْ رَدِّه إذا خُلِّصَ ممَّا تَعلَّقَ به إنْ لَم يَتغيَّرْ، وبَقيَ على حالِه. وكذا إنْ عادَ المَبيعُ لِبائِعِه بعدَ خُروجِه مِنْ مِلكِه غيرَ عالِمٍ بالعَيبِ،

стр. 3922

كعَودِه له بعَيبٍ أو بمِلْكٍ مُستَأنَفٍ، كبَيعٍ أو هِبةٍ أو إرثٍ، فلَه رَدُّه على بائِعِه الأوَّلِ. وإذا باعَ المُشتَري ما اشتَراه قبلَ اطِّلاعِه على عَيبِه القَديمِ لِغيرِ بائِعِه فلا رُجوعَ على بائِعِه بشَيءٍ، سَواءٌ باعَه بمِثلِ ثَمَنِه الذي اشتَراه به أو بأقَلَّ أو بأكثَرَ، وإنْ باعَه لِبائِعِه بمِثلِ الثَّمنِ أو بأكثَرَ، سَواءٌ أكانَ البائِعُ دلَّس عليه أم لا، وكانَ دلَّس عليه، فلا رُجوعَ لِلمُشتَري أيضًا على بائِعِه بشَيءٍ، ولا رُجوعَ لِلبائِعِ على المُشتَري بالزَّائِدِ. وإنْ لَم يُدلِّسْ عليه، فإنَّ المَبيعَ يُرَدُّ على المُشتَري وهو البائِعُ الثاني بأكثَرَ إنْ شاءَ البائِعُ الأوَّلُ، وأخَذ منه ثَمَنَه، ثم إنْ شاءَ المُشتَري تَمسَّكَ بالمَبيعِ المَعيبِ، وإنْ شاءَ رَدَّ ذلك على بائِعِه الأوَّلِ، وأخَذ مِنه ثَمَنَه، وتَقَعُ المُقاصَّةُ بينَهما، ويَدفَعُ ما بَقيَ لِلبائِعِ الأوَّلِ، وإنْ باعَه لِبائِعِه الأوَّلِ بأقَلَّ ممَّا اشتَراه به منه كما لو باعَه بعَشَرةٍ، ثم اشتَراه مِنه بثَمانيةٍ فإنَّ البائِعَ الأوَّلَ يُكمِلُ لِلمُشتَري ثَمَنَه، فيَدفَعُ له الدِّرهمَيْنِ بَقيَّةَ ثَمَنِه دلَّس أو لا. وهذا كُلُّه إذا لَم يَتغيَّرْ، فإنْ تَغيَّرَ ففيه تَفصيلٌ، وهو أنَّ التَّغيُّرَ إمَّا مُتوَسِّطٌ أو قَليلٌ جِدًّا، أو مُخرِجٌ عن المَقصودِ. ومُحصِّلُه أنَّ العَيبَ الحادِثَ عندَ المُشتَري لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ: مُخرِجٍ عن المَقصودِ، ويَسيرٍ جِدًّا، ومُتوسِّطٍ بينَهما؛ فإذا حدَث عندَ المُشتَري عَيبٌ مُتوسِّطٌ، واطَّلَعَ على عَيبٍ قَديمٍ فإنَّه يُخيَّرُ بينَ أنْ يَتمسَّكَ بالمَبيعِ ويَأخُذَ أرشَ العَيبِ القَديمِ مِنْ البائِعِ، أو يَرُدَّه ويَدفَعَ أرشَ العَيبِ

стр. 3923

الحادِثِ عندَه، وهذا التَّخييرُ ما لَم يَقبَلْه البائِعُ بالحادِثِ، فحينَئذٍ يَصيرُ ما حدَث عندَ المُشتَري كالعَدَمِ، ويُخيَّرُ بينَ أنْ يَتمسَّكَ ولا شَيءَ له، أو يَرُدَّ ولا شَيءَ عليه. وتَقويمُ العَيبِ القَديمِ والحادِثِ بسَبَبِ تَقويمِ المَبيعِ، لا بانفِرادِهما؛ فإذا قيلَ: قيمَتُه صَحيحًا عَشَرةٌ، وبِالقَديمِ ثَمانيةٌ، وبِالحادِثِ سِتَّةٌ؛ فإنْ رَدَّ دَفَعَ لِلبائِعِ دينارَيْنِ، وإنْ تَمسَّكَ أخَذ مِنه دينارَيْنِ، وإنْ زادَ الثَّمنَ أو نقَص فنِسبةُ ذلك مِنه، ويَكونُ التَّقويمُ يَومَ دُخولِ المَبيعِ في ضَمانِ المُشتَري. والعَيبُ القَليلُ جِدًّا -كوَعكٍ ورَمَدٍ وصُداعٍ وذَهابِ ظُفرٍ وخَفيفِ حُمَّى ووَطءِ ثَيِّبٍ وقَطعِ مُعتادٍ- فلا خيارَ لِلمُشتَري حينَئذٍ في التَّمسُّكِ، وأخذِ الأرشِ، بَلْ له التَّمسُّكُ ولا شَيءَ له، أو الرَّدُّ ولا شَيءَ عليه. فإنْ كانَ العَيبُ الذي حدَث عندَ المُشتَري يَسيرًا فإنَّه يَكونُ كالعَدَمِ؛ فإنْ رجَع المَبيعَ بالعَيبِ القَديمِ لَم يَرُدَّ لِلحادِثِ شَيئًا. والتَّغيُّرُ الحادِثُ عندَ المُشتَري المُخرِجُ عن المَقصودِ مِنْ المَبيعِ، بذَهابِ المَنافِعِ المَقصودةِ منه، فإنَّه يَكونُ مُفِيتًا لِرَدِّه على البائِعِ، لكنْ يَرجِعُ عليه بالأرشِ القَديمِ، كما إذا اشتَرَى صَغيرًا وكَبُرَ عندَه، أو كَبيرًا وهَرِمَ عندَه، ثم اطَّلَعَ بعدَ ذلك على عَيبٍ قَديمٍ، فإنَّ ذلك مُفيتٌ يَمنَعُ مِنْ رَدِّه ويُوجِبُ الرُّجوعَ بقيمةِ العَيبِ، وإنْ كَرِهَ البائِعُ. وهذا إذا لَم يَهلِكْ بعَيبِ التَّدليسِ، فإنْ دلَّس بعَيبٍ يُهلِكُ المَبيعَ بسَبَبِه ونَحوِه، فإنَّ المُشتَري يَرجِعُ عليه بجَميعِ الثَّمنِ ولا شَيءَ عليه بسَبَبِ ما حدَث عندَه.

стр. 3924

ومَن اشتَرَى شَيئًا مُتعدِّدًا بسِلعةٍ ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ ببَعضِهِ فإنَّه إنْ رَدَّه رجَع بنِسبَتِه مِنْ قيمةِ السِّلعةِ، لا بجُزئِها، على المَشهورِ، وقالَ أشهَبُ: يَرجِعُ بما يُقابِلُ العَيبَ مِنْ السِّلعةِ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: لو هلَك المَبيعُ -غيرُ الرِّبَويِّ المَبيعُ بجِنسِه- عندَ المُشتَري، سَواءٌ كانَ بآفةٍ سَماويَّةٍ أو بغيرِها، كأنْ ماتَ، أو تلِف الثَّوبُ، أو أُكِلَ الطَّعامُ، ثم عَلِمَ العَيبَ به، رجَع بالأرشِ؛ لِتَعذُّرِ الرَّدِّ بفَواتِ المَبيعِ حِسًّا أو شَرعًا. والأرشُ جُزءٌ مِنْ الثَّمنِ، نِسبَتُه إليه نِسبةُ ما يُنقِصُ العَيبُ مِنْ قيمةِ المَبيعِ لو كانَ سَليمًا، إلى تَمامِ القيمةِ، وإنَّما كانَ الرُّجوعُ بجُزءٍ مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّه لو بَقيَ كلُّ المَبيعِ عندَ البائِعِ كانَ مَضمونًا عليه بالثَّمنِ؛ فإذا احتَبَسَ جُزءًا مِنه كانَ مَضمونًا بجُزءٍ مِنْ الثَّمنِ. مِثالُه: كانَتِ القيمةُ مِئةً دونَ العَيبِ، وتِسعينَ مع العَيبِ؛ فالتَّفاوُتُ بالعُشرِ، فيَكونُ الرُّجوعُ بعُشرِ الثَّمنِ؛ فإنْ كانَ مِئتَيْنِ فبعِشرينَ، وإنْ كانَ خَمسينَ فبِخَمسةٍ. وأمَّا القيمةُ المُعتبَرةُ فالمَذهبُ أنَّها يُعتبَرُ أقَلُّ القيمَتَيْنِ مِنْ يَومِ البَيعِ،

стр. 3925

ويَومِ القَبضِ، وبهذا قطَع الأكثَرونَ، وقيلَ فيها أقوالٌ أظهَرُها هذا، والثاني: يَومُ القَبضِ، والثالِثُ: يَومُ البَيعِ. ولو عَلِمَ بالعَيبِ في المَبيعِ بعدَ زَوالِ مِلكِه عنه بعِوَضٍ أو غيرِه، إلى غيرِه، وهو باقٍ بحالِه في يَدِ الآخَرِ، أو بعدَ، نَحوَ رَهنِه عندَ غيرِ البائِعِ، فلا أرشَ له في الأصَحِّ؛ لأنَّه لَم يَيأسْ مِنْ الرَّدِّ؛ لأنَّه قد يَعودُ له، فإنْ عاد المِلْكُ له فيه فله الرَّدُّ؛ لِإمكانِه، سَواءٌ عادَ إليه بالرَّدِّ بالعَيبِ أو بغيرِه، كبَيعٍ أو هِبةٍ أو وَصيَّةٍ أو إرْثٍ أو إقالةٍ؛ لِزَوالِ المانِعِ. وقيلَ: إنْ عادَ المَبيعُ إليه بغيرِ الرَّدِّ بعَيبٍ فلا رَدَّ له؛ لأنَّه استَدرَكَ الظُّلامةَ. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ يَجِبُ له الأرشُ، كما لو تلِف. ولو تَعذَّرَ العَودُ لِتَلَفٍ رجَع بالأرشِ المُشتَري الثَّاني على الأوَّلِ، والأوَّلُ على بائِعِه، وله الرُّجوعُ عليه قبلَ الغُرمِ لِلثاني مع إبرائِه منه. وليسَ لِلمُشتَري الثاني رَدُّه على البائِعِ الأوَّلِ؛ لأنَّه لَم يَملِكْ منه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لو تلِف المَبيعُ، ولو بفِعلِ المُشتَري، كأكْلِه، ونَحوِه، أو باعَ المُشتَري المَبيعَ أو وهَبه أو رَهَنَه أو وَقَفَه غيرَ عالِمٍ بعَيبِه، ثم عَلِمَ، تَعيَّنَ الأرشُ، وسقَط الرَّدُّ؛ لِتَعذُّرِه، ويُقبَلُ قَولُ المُشتَري في قيمةِ المَبيعِ. ويَكونُ الأرشُ مِلكًا لِلمُشتَري؛ لأنَّه في مُقابَلةِ الجُزءِ الفائِتِ مِنْ المَبيعِ.

стр. 3926

لكنْ لو رَدَّ المَبيعَ على المُشتَري وقد عَلِمَ بعَيبِه فله رَدُّه على بائِعِه، أو أرشُه، ولا يَكونُ البَيعُ مانِعًا من ذلك لِعَودِه لِمِلكِه بالرَّدِّ عليه. ولو أُخِذَ مِنْ المُشتَري الأوَّلِ أرشُ العَيبِ، ولَم يَفسَخِ المُشتَري الثاني فلِلمُشتَري الأوَّلِ الأرشُ، ومَفهومُه ليسَ مُرادًا، بَلْ له أخذُ الأرشِ، سَواءٌ أخَذ المُشتَري منه أرشَه أو لا. وإنْ فعَل المُشتَري ذلك -أي: ما ذُكِرَ مِنْ البَيعِ ونَحوِه- في المَبيعِ عالِمًا بعَيبِه، ولَم يَختَرِ الإمساكَ فلا أرشَ له، أو تَصرَّفَ المُشتَري في المَبيعِ بعدَ عِلمِه بالعَيبِ بما يَدلُّ على الرِّضا بالعَيبِ، ولَم يَختَرِ الإمساكَ مع الأرشِ قبلَ تَصرُّفِه المَذكورِ فلا أرشَ له لِلعَيبِ؛ لأنَّه قد رَضيَ بالمَبيعِ ناقِصًا، فسقَط حَقُّه مِنْ الأرشِ كما أنَّه لا رَدَّ له. وعن الإمامِ أحمدَ -وهو الأصوَبُ-: له الأرشُ، كما لو كانَ اختارَ إمساكَه قبلَ تَصرُّفِه؛ لأنَّه -وإنْ دَلَّ على الرِّضا مع الأرشِ- كإمساكِه. وإنْ باعَ المُشتَري بَعضَ المَبيعِ غيرَ عالِمٍ بعَيبِه فله أرشُ الباقي الذي لَم يَبِعْه بلا نِزاعٍ، ولا يَرُدُّ البَقيَّةَ على البائِعِ لِتَضرُّرِه بتَفريقِ المَبيعِ؛ فإذا باعَ النِّصفَ مَثَلًا، كانَ له أخذُ نِصفِ الأرشِ، وإنْ باعَ الرُّبُعَ كانَ له ثَلاثةُ أرباعِ الأرشِ، وهل له أرشُ ما باعَه؟ فيه رِوايَتانِ، أصَحُّهما: له الأرشُ أيضًا. وإنْ باعَ بَعضَه عالِمًا بعَيبِه فكما لو باعَه كُلَّه على الخِلافِ السَّابِقِ. وإنْ صَبَغَ المُشتَري المَبيعَ المَعيبَ أو نَسجَه غيرَ عالِمٍ بعَيبِه فله الأرشُ

стр. 3927

ولا رَدَّ؛ لأنَّه شَغَلَ المَبيعَ بمِلْكِه، فلَم يَكُنْ له رَدُّه؛ لِمَا فيه مِنْ سُوءِ المُشارَكةِ (١). هل خيارُ الرَّدِّ بالعَيبِ يَكونُ على الفَورِ أو على التَّراخي؟ اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا عَلِمَ المُشتَري بالعَيبِ في المَبيعِ وأرادَ الرَّدَّ، هل يَجِبُ عليه أنْ يَرُدَّ على الفَورِ أو يَجوزُ له التَّأخيرُ إذا لَم يَأْتِ بما يَدلُّ على الرِّضا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ خيارَ العَيبِ على التَّراخي، فلا يَبطُلُ بعدَ العِلمِ به بالتَّأخيرِ؛ فمتى عَلِمَ العَيبَ فأخَّرَ الرَّدَّ لَم يَبطُلْ خيارُه حتى يُوجَدَ منه ما يَدلُّ على الرِّضا؛ لأنَّه خيارٌ لِدَفعِ ضَرَرٍ مُتحقَّقٍ؛ فكانَ على التَّراخي، كالقِصاصِ. وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ خيارَ العَيبِ على الفَورِ بأنْ يَرُدَّ المُشتَري المَبيعَ المُعيَّنَ حالَ اطِّلاعِه على عَيبِه على الفَورِ، فيَبطُلَ بالتَّأخيرِ بلا عُذرٍ؛ لأنَّ الأصلَ في البَيعِ اللُّزومُ؛ فيَبطُلَ بالتَّأخيرِ مِنْ غيرِ عُذرٍ؛ لأنَّه خيارٌ ثبَت بالشَّرعِ لِدَفعِ الضَّرَرِ عن المالِ، فكانَ على الفَورِ، كخيارِ الشُّفعةِ. وهذا في المَبيعِ المُعيَّنِ، أمَّا الواجِبُ في الذِّمَّةِ ببَيعٍ أو سَلَمٍ فلا يُشترَطُ الفَورُ؛ لأنَّ رَدَّ ما في الذِّمَّةِ لا يَقتَضي رَفعَ العَقدِ، بخِلافِ المَبيعِ المُعيَّنِ.

стр. 3928

ثم حيثُ كانَ له الرَّدُّ فليُبادِرْ بالرَّدِّ على العادةِ؛ فلو عَلِمَ العَيبَ وهو يُصَلِّي أو يَأكُلُ فله التَّأخيرُ حتى يَفرُغَ؛ لأنَّه لا يُعَدُّ مُقصِّرًا، وكذا لو كانَ يَقضي حاجَتَه، وكذا لو كانَ في الحَمَّامِ، أو كانَ لَيلًا؛ فحين يُصبِحُ؛ لعَدمِ التَّقصيرِ في ذلك باعتِبارِ العادةِ، ولا يُكلَّفُ العَدْوَ ولا رَكضَ الفَرَسِ ونَحوَ ذلك، ثم إنْ كانَ البائِعُ حاضِرًا رَدَّه عليه؛ فلو رَفَعَ الأمرَ إلى الحاكِمِ فهو آكَدُ؛ فلو رَدَّ وَكيلُه كَفَى، وكذا الرَّدُّ على الوَكيلِ، وإنْ كانَ البائِعُ غائِبًا رَفَعَ الأمرَ إلى الحاكِمِ ولا يُؤخِّرُ لِقُدومِه، ولا لِلسَّفَرِ إليه، والأصَحُّ أنَّه يَلزَمُه الإشهادُ على الفَسخِ إنْ أمكَنَه؛ حتى يُنهيَه إلى البائِعِ أو الحاكِمِ؛ لأنَّه المُمكِنُ. ومِنَ الأعذارِ عَدَمُ عِلمِه بالرَّدِّ بالعَيبِ؛ فلو أخَّرَ الرَّدِّ مع العِلمِ بالعَيبِ ثم قالَ: أخَّرتُ لِأنِّي لَم أعلَم أنَّ لي الرَّدَّ؛ فإنْ كانَ قَريبَ العَهدِ بالإسلامِ، أو نَشَأ في بَرِّيَّةٍ لا يَعرِفونَ الأحكامَ، فإنَّه يُقبَلُ قَولُه، وله الرَّدُّ، وإلَّا فلا، بَلْ لو قالَ: لَم أعلَم، يَبطُلُ بالتَّأخيرِ قبلَ قَولِه؛ لأنَّه يَخفَى على العَوامِّ. ثم حيثُ بطَل الرَّدُّ بالتَّقصيرِ بطَل الأرشُ أيضًا، ولو تَراضَيا على تَركِ الرَّدِّ بجُزءٍ مِنْ الثَّمنِ، أو مالٍ آخَرَ فالصَّحيحُ أنَّ هذه مُصالَحةٌ لا تَصحُّ، ويَجِبُ على المُشتَري رَدُّ ما أخَذه، ولا يَبطُلُ حَقُّه مِنْ الرَّدِّ على الصَّحيحِ، وهذا إذا ظَنَّ صِحَّةَ المُصالَحةِ، فإنْ عَلِمَ بُطلانَها بطَل حَقُّه مِنْ الرَّدِّ بلا خِلافٍ. وقالَ المالِكيَّةُ: السُّكوتُ لِعُذرٍ لا يَمنَعُ الرَّدَّ مُطلَقًا؛ فإذا اطَّلَعَ على العَيبِ وسكَت ثم طَلَبَ الرَّدَّ فإنْ كانَ سُكوتُه لِعُذرِ سَفَرٍ أو غيرِه، كمَرَضٍ أو سِجنٍ أو خَوفٍ مِنْ ظالِمٍ، رَدَّ مُطلَقًا، طالَ أو لا، بلا يَمينٍ، وإنْ كانَ سُكوتُه

стр. 3929

بلا عُذرِ ففيه تَفصيلٌ، فإنْ رَدَّ بعدَ يَومٍ أو نَحوِه أُجيبَ لِذلك، مع اليَمينِ أنَّه لَم يَرضَ، وإنْ طَلَبَ الرَّدَّ قبلَ مُضيِّ يَومٍ أُجيبَ لِذلك مِنْ غيرِ يَمينٍ. وإنْ طَلَبَ بعدَ أكثَرَ مِنْ يَومَيْنِ لا يُجابُ، ولو مع اليَمينِ (١). هَلْ يُشترَطُ حُكمُ الحاكِمِ في خيارِ العَيبِ؟ ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ وجَد بالمَبيعِ عَيبًا بعدَ القَبضِ انفسخَ العَقدُ بقَولِ المُشتَري، ولا يُعتبَرُ في ذلك تَراضيهما ولا حُكمُ الحاكِمِ؛ لأنَّه فَسخُ بَيعٍ بعَيبٍ؛ فلَم يَفتقِرْ إلى رِضا البائِعِ ولا حُكمِ حاكِمٍ كالفَسخِ بخِيارِ الشَّرطِ. ولأنَّه رَفعُ عَقدٍ مُستَحَقٍّ له لَم يَفتقِرْ إلى رِضا صاحِبِه، ولا لِحُضورِه، كالطَّلاقِ، ولأنَّه مُستحِقٌّ الرَّدَّ بالعَيبِ لَم يَفتقِرْ إلى رِضا صاحِبِه، كما قبلَ القَبضِ.

стр. 3930

أمَّا الحَنفيَّةُ ففَرَّقوا فقالوا: إنْ كانَ الِاطِّلاعُ على العَيبِ قبلَ القَبضِ فلِلمُشتَري أنْ يَرُدَّه عليه ويَنفسِخَ العَقدُ بقَولِه: رَدَدتُ، ولا يَحتاجُ إلى رِضا البائِعِ ولا إلى قَضاءِ القاضي. وإنْ كانَ بعدَ القَبضِ فلا يَنفسِخُ إلَّا برِضا البائِعِ أو بقَضاءِ القاضي؛ لأنَّ الفَسخَ بعدَ القَبضِ يَكونُ على حَسَبِ العَقدِ؛ لأنَّه يَرفَعُ العَقدَ، وبما أنَّ العَقدَ لا يَنعقِدُ بأحَدِ العاقِدَيْنِ لا يَنفسِخُ بأحَدِهما مِنْ غيرِ رِضا الآخَرِ، ومِن غيرِ قَضاءِ القاضي، بخِلافِ الفَسخِ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ الصَّفقةَ ليسَتْ تامَّةً حينَئذٍ، بَلْ تَمامُها بالقَبضِ؛ فكانَ بمَنزِلةِ القَبضِ. ثم إذا رَدَّه برِضا البائِعِ كانَ فَسخًا في حَقِّهما، وبَيعًا في حَقِّ غيرِهما، وإنْ رُدَّ بقَضاءٍ كانَ فَسخًا في حَقِّهما وفي حَقِّ غيرِهما هكذا (١). حُكمُ ما لو اشتَرَى شَيئَيْنِ فوجَد بأحَدِهما عَيبًا: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ اشتَرَى شَيئَيْنِ لا يَقومُ أحَدُهما إلَّا بالآخَرِ، كالخُفَّيْنِ والنَّعلَيْنِ، أو مِصراعَيِ البابِ، فوجَد بأحَدِهما عَيبًا فإنَّه لا يَرُدُّه وَحدَه، وإنَّما هو مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَرُدَّهما جَميعًا أو يُمسِكَهما جَميعًا؛ لأنَّهما في الصُّورةِ شَيئانِ، وفي المَنفَعةِ والمَعنَى كشَيءٍ واحِدٍ؛ فإنَّه لا يَتَأتَّى الِانتِفاعُ المَقصودُ بأحَدِهما دونَ الآخَرِ، والمُعتبَرُ هو المَعنَى.

стр. 3931

أمَّا إذا اشتَرَى ثَوبَيْنِ أو عَبدَيْنِ وقبَضهما ثم وجَد بأحَدِهما عَيبًا، اختلَف الفُقهاءُ فيه: فقالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيُّ في قَولٍ: يَرُدُّ المَعيبَ خاصَّةً بحِصَّتِه، ولا يَرُدُّ الآخَرَ؛ لأنَّه قبَضهما وهُما مُتفرِّقانِ وَقتَ القَبضِ، فصارا كأنَّهما كانا مُتفرِّقَيْنِ وَقتَ العَقدِ، ولأنَّ الصَّفقةَ قد تَمَّتْ بالقَبضِ؛ لأنَّ العَيبَ لا يَمنَعُ تَمامَ الصَّفقةِ، ثم عِلَّةُ الرَّدِّ العَيبُ، وذلك وُجدَ في أحَدِهما، والحُكمُ إنَّما يثبُتُ بحَسَبِ العِلَّةِ، ألَا تَرَى أنَّه لو استَحقَّ أحَدُهما بعدَ القَبضِ لَم يَتخيَّرْ في الآخَرِ؛ فكذلك إذا وجَد العَيبَ في أحَدِهما، بخِلافِ النَّعلَيْنِ، فهُناكَ لو استَحقَّ أحَدَهما كانَ له أنْ يَرُدَّ الآخَرَ؛ لِاتِّصالِ أحَدِهما بالآخَرِ انتِفاعًا. أمَّا إنْ كانَ قبلَ القَبضِ، فقالَ الحَنفيَّةُ: له أنْ يَرُدَّهما جَميعًا، أو يُمسِكَهما جَميعًا؛ لأنَّ الصَّفقةَ لا تَتِمُّ قبلَ القَبضِ، وتَفريقُ الصَّفقةِ قبلَ التَّمامِ لا يَجوزُ. والحَنابِلةُ لَم يُفرِّقوا؛ فالحُكمُ واحِدٌ عندَهم، سَواءٌ كانَ قبلَ القَبضِ أو بعدَه. وإنِ اشتَرَى مَكيلًا أو مَوزونًا فوجَد ببَعضِه عَيبًا بعدَ القَبضِ؛ فإنْ كانَ في وِعاءٍ واحِدٍ فليسَ له رَدُّ بَعضِه؛ فإمَّا أنْ يَرُدَّ الجَميعَ أو يُمسِكَ الجَميعَ. وإنْ كانَ في أوعيةٍ فوجَد بأحَدِها عَيبًا فهو كالثِّيابِ. وإذا اشتَرَى ثَوبَيْنِ، اشتَرى كُلَّ واحِدٍ بعَشَرةِ دَراهِمَ وقبَضهما ثم وجَد

стр. 3932

بأحَدِهما عَيبًا فصالَحَ على أنْ يَرُدَّه بالعَيبِ على أنْ يَزيدَ في ثَمَنِ الآخَرِ دِرهَمًا فالرَّدُّ جائِزٌ وزِيادةُ الدَّراهِمِ باطِلةٌ في قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ. وقالَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ: ليسَ له رَدُّ أحَدِهما وإمساكُ الآخَرِ؛ فإمَّا أنْ يَرُدَّهما جَميعًا -إنْ كانَتِ البَقيَّةُ باقيةً في مِلكِه، أو يُمسِكَهما ويَأخُذَ الأرشَ؛ لأنَّ الصَّفقةَ واحِدةٌ، وضَمُّ الجَيِّدِ إلى الرَّديءِ عادةٌ مَعروفةٌ، ولو رَدَّ المَعيبَ تَضرَّرَ البائِعُ بذلك؛ فليسَ له ذلك إلَّا أنْ يَرُدَّهما جَميعًا، إلَّا أنْ يَرضَى البائِعُ، على الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ. وعن الإمامِ أحمدَ أنَّه إنْ كانَ يَعرِفُ سِعرَ كلِّ واحِدٍ رَدَّه وحَبَسَ الصَّحيحَ، وإنْ لَم يَعرِفْ واشتَراهما صَفقةً واحِدةً لَم يَرُدَّ وأخَذ أرشَ العَيبِ، وهو اختيارُ أبي بَكرٍ. وقالَ المالِكيَّةُ: إذا اطَّلَعَ المُشتَري على عَيبٍ في بَعضِ المَبيعِ المُقوَّمِ المُعيَّنِ، وليسَ المَعيبُ وَجْهَ الصَّفقةِ، بأن يَكونَ حَظُّه مِنْ الجُملةِ -بعدَ تَقويمِ السِّلَعِ مُنفَرِدةً وضَمِّ بَعضِها إلى بَعضِ- النِّصفَ فأقَلَّ؛ فإنَّه يَرُدُّه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، كما إذا اشتَرَى عَشَرةَ أثوابٍ بمِئةٍ، وقيمةُ كلِّ ثَوبٍ عَشَرةٌ، والمَعيبُ واحِدٌ أو اثنانِ إلى خَمسةٍ؛ فيَجِبُ التَّمسُّكُ بالخَمسةِ السَّليمةِ بنِصفِ الثَّمنِ، ورَدُّ المَعيبِ بحِصَّتِه، فإنْ كانَ ثَوبًا رجَع بعُشرِ الثَّمنِ، وهو عَشَرةٌ، أو كانَ ثَوبَيْنِ رجَع بخُمُسِه، وهو عِشرونَ، أو كانَ ثَلاثةَ أثوابٍ رجَع بثَلاثةِ أعشارِه، وهي ثَلاثونَ، أو كانَ أربَعةَ أثوابٍ رجَع بخُمسَيْه، وهُما أربَعونَ، أو كانَ خَمسةَ أثوابٍ رجَع بنِصفِ الثَّمنِ، وهو خَمسونَ.

стр. 3933

حاصِلُه أنْ تُقوَّمَ كلُّ سِلعةٍ بمُفرَدِها، وتُنسَبَ قيمةُ المَعيبِ إلى الجَميعِ، ويَرجِعَ بما يَخُصُّ المَعيبَ مِنْ الثَّمنِ، ويَرجِعَ بالقيمةِ إنْ كانَ الثَّمنُ سِلعةً، والمَعنَى أنَّ ثَمَنَ الأثوابِ العَشَرةِ المُتقدِّمةِ في مِثالِنا إذا وقَع بسِلعةٍ، كدارٍ تُساوي يَومَ البَيعِ مِئةً، فيَرجِعَ بقيمةِ عُشرِها، عَشَرةٍ، أو خُمُسِها، عِشرينَ، أو ثَلاثةِ أعشارِها، ثَلاثينَ. إلَّا أنْ يَكونَ البَعضُ المَعيبُ هو الأكثَرَ، فلا يَرُدَّ بَعضَ المَبيعِ بحِصَّتِه، بَلْ إنَّما يَجِبُ أنْ يَتَمسَّكَ بجَميعِ الثَّمنِ أو يَرُدَّ الجَميعَ. والمُرادُ بالأكثَرِ ثَمَنًا أنْ يَنوبَه مِنْ الثَّمنِ أكثَرُ مِنْ النِّصفِ، ولو يَسيرًا، ومَحَلُّ مَنعِ التَّمسُّكِ بالأقَلِّ حيثُ كانَ المَبيعُ كُلُّه قائمًا. وخُلاصةُ قَولِ المالِكيَّةِ أنَّه يَجوزُ رَدُّ المَعيبِ والرُّجوعُ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، إذا كانَ الثَّمنُ عَينًا أو مِثليًّا؛ فإنْ كانَ سِلعةً فإنَّه يَرجِعُ بما يَنوبُ السِّلعةَ المَعيبةَ مِنْ قيمةِ السِّلعةِ التي هي الثَّمنُ؛ لِضَرَرِ الشَّرِكةِ، وهذا إذا لَم تَكُنِ السِّلعةُ المَعيبةُ وَجهَ الصَّفقةِ؛ فإنْ كانَتْ فليسَ لِلمُشتَري إلَّا رَدُّ الجَميعِ أو الرِّضا بالجَميعِ. قالَ المَوَّاقُ في «التَّاجِ والإكليلِ»: ابنُ يُونُسَ: القَضاءُ فيمَنِ ابتاعَ أشياءَ في صَفقةٍ فألفَى ببَعضِها عَيبًا بعدَ أنْ قبَضها؛ فليسَ له إلَّا رَدُّ المَعيبِ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ إلَّا أنْ يَكونَ المَعيبُ وَجهَ الصَّفقةِ، وفيه رَجاءُ الفَضلِ؛ فليسَ له إلَّا الرِّضا بالعَيبِ بجَميعِ الثَّمنِ، أو أنْ يَرُدَّ جَميعَ الصَّفقةِ. وكذلك مَنْ باعَ أصنافًا مُختلِفةً فوجَد بصِنفٍ منها عَيبًا؛ فإنْ كانَ وَجهَ الصَّفقةِ فليرُدَّ الجَميعَ.

стр. 3934

قالَ ابنُ المَوَّازِ: إذا وقَع العَيبُ نِصفَ الثَّمنِ فأقَلَّ فليسَ وَجهَ الصَّفقةِ، ولَم يَرُدَّ إلَّا المَعيبَ بحِصَّتِه، وإنْ وقَع له أكثَرُ مِنْ نِصفِه فهو وَجْهُ الصَّفقةِ (١). إذا اختلَف المُتبايِعانِ في حُدوثِ العَيبِ: إذا اختلَف المُتبايِعانِ في العَيبِ، هل كانَ في المَبيعِ قبلَ العَقدِ أو حدَث عندَ المُشتَري؟ فهذا لا يَخلو مِنْ قِسمَيْنِ: أحَدُهما: ألَّا يَحتمِلَ إلَّا قَولَ أحَدِهما، كالإصبَعِ الزَّائِدةِ، والشَّجَّةِ المُندمِلةِ التي لا يُمكِنُ حُدوثُ مِثلِها، والجُرحِ الطَّريِّ الذي لا يَحتمِلُ كَونَه قَديمًا، فالقَولُ قَولُ مَنْ يَدَّعي ذلك بغيرِ يَمينٍ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ لأنَّنا نَعلَمُ صِدقَه وكَذِبَ خَصمِه، فلا حاجةَ إلى استِحلافِه. وإنْ لَم يَحتَمِلْ تَقدُّمَه، كجِراحةٍ طَريَّةٍ، وقد جَرى البَيعُ والقَبضُ مِنْ سَنةٍ؛ فالقَولُ قَولُ البائِعِ مِنْ غيرِ يَمينٍ.

стр. 3935

والآخَرُ: أنْ يَحتمِلَ قَولَ كلِّ واحِدٍ منهما، كالخَرقِ في الثَّوبِ، والرَّفْوِ، ونَحوِهما، ولَم يَكُنْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ، فاختلَف الفُقهاءُ فيها. فقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في أصَحِّ الرِّوايتَيْنِ: القَولُ قَولُ البائِعِ مع يَمينِه إذا لَم يَكُنْ لِلمُشتَري بَيِّنةٌ على كَونِ هذا العَيبِ عندَ البائِعِ؛ لأنَّ الأصلَ سَلامةُ المَبيعِ وصِحَّةُ العَقدِ، ولأنَّ المُشتَريَ يَدَّعي عليه استِحقاقَ فَسخِ البَيعِ وهو يُنكِرُه، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ. وصِفةُ الحَلِفِ عندَ الحَنفيَّةِ: أنْ يَحلِفَ البائِعُ باللَّهِ ما له حَقُّ الرَّدِّ بهذا العَيبِ الذي يَدَّعيه. وقالَ المالِكيَّةُ: يَحلِفُ البائِعُ لقد باعَه وما به عَيبٌ، أو ما به ذلك العَيبُ الذي ذكَره، فإنْ كانَ عَيبًا ظاهِرًا حلَف على البَتِّ، وإنْ كانَ عَيبًا باطِنًا حلَف على العِلمِ، وقد قيلَ: إنَّه يَحلِفُ على البَتاتِ في الوَجهَيْنِ؛ فإنْ نكَل حلَف المُشتَري على البَتاتِ، وقد قيلَ: إنَّه يَحلِفُ بأنَّه لا يَعلَمُ هذا العَيبَ حدَث عندَه، ثم يَرُدُّ؛ فإنْ نكَل لزِمه ولا شَيءَ عليه. ومَن اشتَرَى سِلعةً فوجَد بها عَيبَيْنِ، أحَدُهما قَديمٌ والآخَرُ ممَّا يَقدُمُ ويَحدُثُ مِثلُه كانَ له رَدُّها بالعَيبِ القَديمِ وعليه اليَمينُ بأنَّه ما حدَث عندَه العَيبُ الآخَرُ. وعندَ الشافِعيَّةِ أنَّه يُنظَرُ في جَوابِه لِلمُشتَري، فإنِ ادَّعَى المُشتَري أنَّ بالمَبيعِ عَيبًا كانَ قبلَ القَبضِ فأرادَ الرَّدَّ فقالَ في جَوابِهِ: ليسَ له الرَّدُّ علَيَّ بالعَيبِ الذي يَذكُرُه، أو لا يَلزَمُني قَبولُه، حلَف على ذلك، ولا يُكلَّفُ

стр. 3936

التَّعرُّضَ لعَدمِ العَيبِ يَومَ البَيعِ، ولا يَومَ القَبضِ؛ لِجَوازِ أنَّه أقبَضَه مَعيبًا وهو عالِمٌ به، أو أنَّه رَضيَ به بعدَ البَيعِ ولو نَطَقَ به لَصارَ مُدَّعيًا مُطالَبًا بالبَيِّنةِ. ثُمَّ يَمينُه تَكونُ على البَتِّ، فيَحلِفُ لَقَدْ بِعتُه وما به هذا العَيبُ، ولا يَكفيه أنْ يَقولَ: بِعتُه ولا أعلَمُ به هذا العَيبَ. وقالَ الحَنابِلةُ: يَحلِفُ على حَسَبِ جَوابِه إنْ أجابَ: إنَّني بِعتُه بَريئًا مِنْ العَيبِ، حلَف على ذلك، وإنْ أجابَ بأنَّه لا يَستحِقُّ على ما يَدَّعيه مِنْ الرَّدِّ حلَف على ذلك، ويَمينُه على البَتِّ، لا على نَفيِ العِلمِ؛ لأنَّ الأيمانَ كُلَّها على البَتِّ، لا على نَفيِ فِعلِ الغيرِ. وذهَب الحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الأُخرى إلى أنَّ القَولَ قَولُ المُشتَري، فيَحلِفُ باللَّهِ بأنَّه اشتَراه وبِه هذا العَيبُ، أو أنَّه ما حدَث عندَه، ويَكونُ له الخيارُ بالرَّدِّ أو الأرشِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ القَبضِ في الجُزءِ الفائِتِ، واستِحقاقُ ما يُقابِلُه مِنْ الثَّمنِ، ولُزومُ العَقدِ في حَقِّه؛ فكانَ القَولُ قَولَ مَنْ يَنفي ذلك، كما لو اختَلَفا في قَبضِ المَبيعِ (١).

стр. 3937

النَّوعُ الخامِسُ: خيارُ الرُّؤيةِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ اشتَرَى شَيئًا ولَم يَرَه، هل يثبُتُ له الخيارُ إذا رَآه، وإنْ كانَ على الصِّفةِ التي اشتَرطَها، أو لا؟ وهذا الخِلافُ مَبنيٌّ على حُكمِ البَيعِ والشِّراءِ بالصِّفةِ والرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ، وبَيعِ الأعيانِ الغائِبةِ هل يَجوزُ أو لا؟ وقد سبَق الكَلامُ على هذا، وأنا أذكُرُها هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ مَرَّةً أُخرى لِمُناسَبةِ مَكانِها هُنا. فقالَ الحَنفيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: مَنْ اشتَرَى ما لَم يَرَه صَحَّ، سَواءٌ ذُكِرَ وَصفُه أو لَم يُذكَرْ، فيَصحُّ البَيعُ، وله الخيارُ إذا رَآه إنْ شاءَ أخَذه وإنْ شاءَ رَدَّه، وإنْ كانَ على الصِّفةِ التي ذُكِرتْ، حتى لو قالَ المُشتَري قبلَ الرُّؤيةِ: رَضيتُ، ثم رَآهُ، فله أنْ يَرُدَّه؛ لأنَّ الخيارَ مُعلَّقٌ بالرُّؤيةِ، فلا يثبُتُ قبلَه. وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيْه على تَفصيلٍ سَيَأتي: يَجوزُ بَيعُ السِّلَعِ وإنْ لَم يَرَها المُشتَري إذا وصَفها له ولَم يَشترِطِ النَّقدَ؛ فإنْ لَم يَصِفْها لَم يَجُزْ، ولا يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ ألبَتَّةَ إلَّا بالصِّفةِ أو على رُؤيةٍ تَقدَّمتْ. ولا بَأْسَ ببَيعِ الأعيانِ الغائِبةِ على الصِّفةِ، وإنْ لَم يَرَها البائِعُ ولا المُشتَري إذا وَصَفوها؛ فإذا جاءَتْ على الصِّفةِ لزِمهما البَيعُ، ولا يَكونُ لِواحِدٍ منهما خيارُ الرُّؤيةِ إلَّا أنْ يَشترِطَهُ؛ فإنِ اشتَرطَه كانَ ذلك له؛ فإنْ لَم تُوصَفِ السِّلعةُ فلا يَصحُّ البَيعُ.

стр. 3938

وقالَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يَصحُّ بَيعُ ما لَم يَرَه المُتعاقِدانِ أو أحَدُهما (١). قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: المَبيعاتُ على نَوعَينِ: على مَبيعٍ حاضِرٍ مَرئيٍّ، فهذا لا خِلافَ في بَيعِه، ومَبيعٍ غائِبٍ أو مُتعَذَّرِ الرُّؤيةِ، فهُنا اختلَف العُلماءُ، فقالَ قَومٌ: بَيعُ الغائِبِ لا يَجوزُ بحالٍ مِنْ الأحوالِ، لا ما وُصِفَ ولا ما لَم يُوصَفْ. وهذا أشهَرُ قَولَيِ الشافِعيِّ، وهو المَنصوصُ عندَ أصحابِه، أعني أنَّ بَيعَ الغائِبِ على الصِّفةِ لا يَجوزُ. وقالَ مالِكٌ وأكثَرُ أهلِ المَدينةِ: يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ على الصِّفةِ إذا كانَتْ غَيبَتُه ممَّا يُؤْمَنُ أنْ تَتغيَّرَ فيه قبلَ القَبضِ صِفَتُه. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ بَيعُ العَينِ الغائِبةِ مِنْ غيرِ صِفةٍ، ثم له إذا رَآها الخِيارُ؛ فإنْ شاءَ أنفَذَ البَيعَ، وإنْ شاءَ رَدَّه. وكذلك المَبيعُ على الصِّفةِ مِنْ شَرطِه عندَهم خيارُ الرُّؤيةِ، وإنْ جاءَ على الصِّفةِ، وعندَ مالِكٍ أنَّه إذا جاءَ على الصِّفةِ فهو لازِمٌ، وعندَ الشافِعيِّ لا يَنعقِدُ البَيعُ أصلًا في المَوضِعَيْنِ، وقد قيلَ في المَذهبِ: يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ مِنْ غيرِ صِفةٍ على شَرطِ الخيارِ، خيارِ الرُّؤيةِ، وقَع ذلك في المُدوَّنةِ وأنكَرَه عَبدُ الوَهَّابِ، وقالَ: هو مُخالِفٌ لِأُصولِنا.

стр. 3939

وسَبَبُ الخِلافِ: هل نُقصانُ العِلمِ المُتعلِّقِ بالصِّفةِ عن العِلمِ المُتعلِّقِ بالحِسِّ هو جَهلٌ مُؤثِّرٌ في بَيعِ الشَّيءِ، فيَكونَ مِنْ الغَرَرِ الكَثيرِ أو ليسَ بمُؤثِّرٍ، وأنَّه مِنْ الغَرَرِ اليَسيرِ المَعفُوِّ عنه؟ فالشافِعيُّ رَآه مِنْ الغَرَرِ الكَثيرِ، ومالِكٌ رَآه مِنْ الغَرَرِ اليَسيرِ، وأمَّا أبو حَنيفةَ فإنَّه رَأى أنَّه إذا كانَ له خيارُ الرُّؤيةِ لا غَرَرَ هُناكَ، وإنْ لَم تَكُنْ له رُؤيةٌ، وأمَّا مالِكٌ فرَأى أنَّ الجَهلَ المُقترِنَ بعَدَمِ الصِّفةِ مُؤثِّرٌ في انعِقادِ البَيعِ، ولا خِلافَ عندَ مالِكٍ أنَّ الصِّفةَ إنَّما تَنوبُ عن المُعايَنةِ لِمَكانِ غَيبةِ المَبيعِ، أو لِمَكانِ المَشقَّةِ التي في نَشْرِه، وما يُخافُ أنْ يَلحَقَه مِنْ الفَسادِ بتَكرارِ النَّشْرِ عليه، ولِهذا أجازَ البَيعَ على البَرنامَجِ على الصِّفةِ، ولَم يَجُزْ عندَه بَيعُ السِّلاحِ في جِرابِه، ولا الثَّوبِ المَطويِّ في طَيِّه حتى يُنشَرَ أو يُنظَرَ إلى ما في الجِرابِ أو الطَّيِّ. واحتَجَّ أبو حَنيفةَ بما رُويَ عن ابنِ المُسَيِّبِ أنَّه قالَ: قالَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ : وَدِدْنا أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ تَبايَعا حتى نَعلَمَ أيُّهما أعظَمُ جِدًّا في التِّجارةِ؛ فاشتَرَى عَبدُ الرَّحمَنِ مِنْ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ فَرَسًا بأرضٍ له أُخرَى بأربَعينَ ألْفًا أو أربَعةِ آلافٍ … فذكَر تَمامَ الخَبَرِ. وفيه بَيعُ الغائِبِ مُطلَقًا، ولا بدَّ، عندَ أبي حَنيفةَ مِنْ اشتِراطِ الجِنسِ. ويَدخُلُ البَيعَ -على الصِّفةِ، أو على خيارِ الرُّؤيةِ مِنْ جِهةِ ما هو غائِبٌ- غَرَرٌ آخَرُ، وهو: هل هو مَوجودٌ وَقتَ العَقدِ أو مَعدومٌ؟ ولِذلك اشتَرَطوا فيه أنْ يَكونَ قَريبَ الغَيبةِ، إلَّا أنْ يَكونَ مَأمونًا، كالعَقارِ.

стр. 3940

ومِن هَهُنا أجازَ مالِكٌ بَيعَ الشَّيءِ برُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ، أعني إذا كانَ مِنْ القُربِ بحيثُ يُؤْمَنُ ألَّا تَتغيَّرَ فيه، فاعلَمه (١). وإليكَ تَفصيلَ كلِّ مَذهبٍ في هذه المَسالةِ: قالَ الحَنفيَّةُ: مَنْ اشتَرَى ما لَم يَرَه صَحَّ، سَواءٌ ذُكِرَ وَصفُه أو لَم يُذكَرْ، كمَنِ اشتَرَى زَيتًا في زِقٍّ، أو بُرًّا في عِدلٍ، أو ثَوبًا في كُمٍّ، واتَّفَقا على أنَّه مَوجودٌ في مِلكِه ولَم يَرَ المُشتَري شَيئًا مِنْ ذلك، صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اشتَرَى ما لَم يَرَه، ولَه الخيارُ عندَ الرُّؤيةِ إلى أنْ يُوجَدَ مُبطِلُه، وهو ما يَدلُّ على الرِّضا؛ فإنْ شاءَ أخَذه، وإنْ شاءَ رَدَّه، والأصلُ فيه حَديثُ أبي هُرَيرةَ مَرفوعًا: «مَنِ اشتَرَى شَيئًا لَم يَرَه فهو بالخيارِ إذا رَآه» (٢). ولأنَّه أحَدُ العِوضَيْنِ، فلا تُشترَطُ رُؤيَتُه لِلِانعِقادِ، كالثَّمنِ، ولأنَّه لا يُفضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّه إذا لَم يَرضَ به عندَ الرُّؤيةِ يَرُدُّه لعَدمِ اللُّزومِ، وإذا جازَ العَقدُ ثبَت له الخيارُ بالحَديثِ. وَقتُ ثُبوتِ خيارِ الرُّؤيةِ: يثبُتُ خيارُ الرُّؤيةِ عندَ رُؤيةِ المَبيعِ حتى لو أجازَ البَيعَ قبلَ الرُّؤيةِ لا يَلزَمُ، ولا يَسقُطُ خِيارُه بصَريحِ الإسقاطِ قبلَها، بأنْ قالَ بعدَ تَمامِ العَقدِ:

стр. 3941

رَضيتُ بذلك المَبيعِ، على أيِّ وَصفٍ كانَ؛ لأنَّه خيارٌ ثبَت شَرعًا بالرُّؤيةِ، فكانَ عَدَمًا قبلَها، فلا يَصحُّ إسقاطُه قبلَها، بخِلافِ خِيارَيِ الشَّرطِ والعَيبِ؛ لأنَّهما ثَبَتا بقَصدِهما وشَرطِهما، ويَملِكُ فَسخَه قبلَ الرُّؤيةِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ الخيارَ له؛ لأنَّ هذا عَقدٌ غيرُ لازِمٍ؛ فكانَ مَحَلَّ الفَسخِ كالعَقدِ الذي فيه خيارُ العَيبِ، وعَقدِ الإعارةِ والإيداعِ. وقالَ بَعضُ المَشايِخِ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه لا خيارَ قبلَ الرُّؤيةِ، ولِهذا لَم تَجُزِ الإجازةُ، فلا يَجوزُ الفَسخُ. كَيفيةُ ثُبوتِ الخيارِ: اختلَف مَشايِخُ الحَنفيَّةِ فيه، قالَ بَعضُهم: إنَّ خيارَ الرُّؤيةِ بعدَ الرُّؤيةِ يثبُتُ مُطلَقًا في جَميعِ العُمرِ إلى أنْ يُوجَدَ ما يُبطِلُه؛ فيَبطُلَ حينَئذٍ، وإلَّا يَبقَ على حالِه، وهو لا يَتوقَّفُ بإمكانِ الفَسخِ، وهو اختيارُ الكَرخيِّ؛ لأنَّ سَبَبَ ثُبوتِ هذا الخيارِ هو اختِلالُ الرِّضا، والحُكمُ يَبقَى ما بَقيَ سَبَبُه. وقالَ بَعضُهم: إنَّه يثبُتُ مُؤقَّتًا إلى غايةِ إمكانِ الفَسخِ بعدَ الرُّؤيةِ، حتى لو رَآه وأمكَنَه الفَسخُ ولَم يَفسَخْ يَسقُطُ خِيارُه، وإنْ لَم تُوجَدِ الأسبابُ المُسقِطةُ لِلخِيارِ؛ لأنَّ مِنْ الأسبابِ المُسقِطةِ لِلخيارِ الرِّضا والإجازةَ، والِامتِناعُ مِنْ الفَسخِ بعدَ الإمكانِ دَليلُ الإجازةِ والرِّضا. حُكمُ المَبيعِ: وأمَّا حُكمُ البَيعِ فهو حُكمُ العَقدِ الذي لا خيارَ فيه، فلا يَمنَعُ ثُبوتَ المِلْكِ في البَدلَيْنِ، أي أنَّه في البَيعِ تَنتقِلُ مِلكيَّةُ المَبيعِ إلى المُشتَري، ومِلكيَّةُ

стр. 3942

الثَّمنِ لِلبائِعِ فَورَ تَمامِ العَقدِ بالإيجابِ والقَبولِ، لكنْ يَمنَعُ لُزومَ العَقدِ، بخِلافِ خيارِ الشَّرطِ، حتى لو باعَه مُطلَقًا، أو بشَرطِ الخيارِ لِلمُشتَري، أو أعتَقَه أو رَهَنَه أو وهَبه وسلَّم قبلَ الرُّؤيةِ لزِم البَيعُ، ولو شرَط الخيارَ لِلبائِعِ أو عرَضه على البَيعِ لا يَلزَمُ قبلَ الرُّؤيةِ، ويَلزَمُ بعدَها؛ لأنَّه لَم يَتعلَّقْ به حَقُّ الغيرِ، لكنْ رَضيَ، والرِّضا قبلَ الرُّؤيةِ لا يُسقِطُ الخيارَ. وسَبَبُ التَّفرِقةِ بينَ الخيارَيْنِ هو أنَّ البَيعَ في خيارِ الرُّؤيةِ صدَر مُطلَقًا غيرَ مُقيَّدٍ بأيِّ شَرطٍ، وكانَ المَفهومُ أنْ يَكونَ لازِمًا، إلَّا أنَّ الرَّدَّ بخيارِ الرُّؤيةِ ثبَت مِنْ جِهةِ الشَّرعِ، أمَّا خيارُ الشَّرطِ فقد ثبَت باشتِراطِ المُتعاقدَيْنِ؛ فكانَ له أثَرُه في العَقدِ يَمنَعُ استِقرارَ حُكمِه في الحالِ. بَيعُ ما لَم يَرَه: ومَن باعَ ما لَم يَرَه بأنْ وَرِثَ شَيئًا فلَم يَرَه حتى باعَه فلا خيارَ له على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، لأنَّ النَّصَّ أثبَتَه لِلمُشتَري خَوفًا مِنْ تَغيُّرِ المَبيعِ عَمَّا يَظُنُّه، ودَفعًا لِلغَبنِ عنه؛ فلو ثبَت لِلبائِعِ لَثبَت خَوفًا مِنْ الزِّيادةِ على ما يَظُنُّه مِنْ الأوصافِ، وذلك لا يُوجِبُ الخِيارَ، ألَا تَرَى أنَّه لو باعَ عَبدًا على أنَّه مَريضٌ فإذا هو صَحيحٌ لزِمه، ولا خيارَ له؟ وهذا الحُكمُ إذا باعَ عَينًا بثَمَنٍ -وهو البَيعُ العاديُّ- أمَّا إذا باعَ عَينًا بعَينٍ -وهو المُقايَضةُ- ولَم يَرَ كلُّ واحِدٍ منهما ما يَحصُلُ له، ثبَت الخيارُ لِكُلِّ واحِدٍ منهما. ولو تَبايَعا دَينًا بدَينٍ لا يثبُتُ الخيارُ لِواحِدٍ منهما، ولو اشتَرَى عَينًا بدَينٍ

стр. 3943

فلِلمُشتَري الخيارُ ولا خيارَ لِلبائِعِ، وإنَّما كانَ كذلك لأنَّ المَبيعَ إذا كانَ ممَّا لا يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ لا يَنفسِخُ العَقدُ برَدِّه؛ لأنَّه إذا لَم يَتعيَّنْ لِلعَقدِ لا يَتعيَّنُ لِلفَسخِ، فيَبقَى العَقدُ، وقيامُ العَقدِ يَقتَضي ثُبوتَ حَقِّ المُطالَبةِ بمِثلِه؛ فإذا قبَض يَرُدُّه هكذا إلى ما لا نِهايةَ له، فلَم يَكُنِ الرَّدُّ مُفيدًا، بخِلافِ ما إذا كانَ عَينًا؛ لأنَّ العَقدَ يَنفسِخُ برَدِّه؛ لأنَّه يَتعيَّنُ بالعَقدِ، فيَتعيَّنُ في الفَسخِ أيضًا، فكانَ الرَّدُّ مُفيدًا، ولأنَّ الفَسخَ إنَّما يَرُدُّ على المَملوكِ بالعَقدِ، وما لا يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ لا يُملَكُ بالعَقدِ، وإنَّما يُملَكُ بالقَبضِ، فلا يَرُدُّ عليه الفَسخُ، ولِهذا يثبُتُ خيارُ الرُّؤيةِ في الإجارةِ والصُّلحِ عن دَعوَى المالِ والقِسمةِ ونَحوِ ذلك؛ لأنَّ هذه العُقودَ تَنفسِخُ برَدِّ هذه الأشياءِ، فيثبُتُ فيها خيارُ الرُّؤيةِ، ولا يثبُتُ في المَهرِ وبَدَلِ الخُلعِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ، ونَحوِ ذلك؛ لأنَّ هذه العُقودَ لا تَحتمِلُ الِانفِساخَ برَدِّ هذه الأموالِ؛ فصارَ الأصلُ أنَّ كُلَّ ما يَنفسِخُ العَقدُ فيه برَدِّه يثبُتُ فيه خيارُ الرُّؤيةِ، وما لا فلا. وتَتحقَّقُ الرُّؤيةُ المَطلوبةُ بما يُوجِبُ العِلمَ بالمَقصودِ؛ لأنَّه بها يَحصُلُ العِلمُ بالمَبيعِ، ولا يُشترَطُ رُؤيةُ غيرِه؛ ولا يُكتَفَى بها وَحدَها، حتى لو رَأى سائِرَ أعضائِه دونَ ما هو المَقصودُ كانَ باقيًا على خيارِه. مَنْ رَأى شَيئًا ثم اشتَراه بعدَ مُدَّةٍ فوجَده مَعيبًا: مَنْ رَأى شَيئًا ثم اشتَراه بعدَ مُدَّةٍ، فإنْ كانَ على الصِّفةِ التي رَآها فلا خيارَ له؛ لأنَّ الأصلَ هو لُزومُ العَقدِ وانبرامُه؛ لأنَّ رُكنَ العَقدِ وُجدَ مُطلَقًا عن شَرطٍ، إلَّا أنَّا عَرَفْنا ثُبوتَ الخيارِ شَرعًا بالنَّصِّ، والنَّصُّ ورَد بالخِيارِ

стр. 3944

فيما لَم يَرَه المُشتَري؛ لقولِه ﵊: «مَنِ اشتَرَى شَيئًا لَم يَرَه فهو بالخيارِ إذا رَآه» (١). فبَقيَ الخيارُ عندَ الرُّؤيةِ مُبقيًا على الأصلِ، وإنْ وجَده مُتغيِّرًا فلَه الخيارُ؛ لأنَّ تلك الرُّؤيةَ لَم تَقَعْ مُعلَّمةً بأوصافِه، فكَأنَّه لَم يَرَه، وإنِ اختَلَفا في التَّغيُّرِ فالقَولُ قَولُ البائِعِ مع يَمينِه؛ لأنَّ التَّغيُّرَ حادِثٌ؛ لأنَّه إنَّما يَكونُ بعَيبٍ أو تَبَدُّلِ هَيئةٍ، وكُلٌّ منهما عارِضٌ، والمُشتَري يَدَّعيه، والبائِعُ مُنكِرٌ ومُتمسِّكٌ بالأصلِ؛ لأنَّ سَبَبَ لُزومِ العَقدِ -وهو رُؤيةُ جُزءٍ مِنْ المَعقودِ عليه-، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ مع يَمينِه، والبَيِّنةُ بَيِّنةُ مُدَّعي العارِضِ، إلَّا إذا بَعُدتِ المُدَّةُ، فالقَولُ قَولُ المُشتَري؛ لأنَّ الظَّاهِرَ يَشهَدُ له؛ فإنَّ الشَّيءَ يَتغيَّرُ بطُولِ الزَّمانِ، ومَن يَشهَدْ له الظَّاهِرُ فالقَولُ قَولُه. وإذا اختلَف البائِعُ والمُشتَري في رُؤيةِ المُشتَري، فقالَ المُشتَري: لَم أرَه حالَ العَقدِ ولا بعدَه، وقالَ البائِعُ: بَلْ رَأيتَه، فالقَولُ قَولُ المُشتَري مع يَمينِه؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي عليه الرُّؤيةَ، أي: العِلمَ بالصِّفاتِ، وأنَّه أمرٌ حادِثٌ، والمُشتَري مُنكِرٌ، فكانَ القَولُ قَولَه مع اليَمينِ. رُؤيةُ بَعضِ المَبيعِ دونَ بَعضِه الآخَرِ: والمَبيعُ إذا كانَ أشياءَ إنْ كانَ مِنْ العَدَديَّاتِ المُتفاوِتةِ، كالثِّيابِ

стр. 3945

والدَّوابِّ والبِطِّيخِ والسَّفَرجَلِ والرُّمَّانِ ونَحوِها، لا يَسقُطُ الخيارُ إلَّا برُؤيةِ الكُلِّ؛ لأنَّها تَتَفاوَتُ، وإنْ كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا -وهو الذي يُعرَضُ بالأُنموذَجِ- أو مَعدودًا مُتَقارِبًا، كالجَوزِ والبَيضِ، فرُؤيةُ بَعضِه تُبطِلُ الخيارَ في كُلِّه؛ لأنَّ المَقصودَ مَعرِفةُ الصِّفةِ، وقد حَصَلتْ، وعليه التَّعارُفُ، إلَّا أنْ يَجِدَه أردَأَ مِنْ الأُنموذَجِ فيَكونَ له الخِيارُ. وإنْ كانَ المَبيعُ مَغيبًا تَحتَ الأرضِ كالجَزَرِ والشَّلجَمِ والبَصَلِ والثُّومِ والفُجلِ بعدَ النَّباتِ، إنْ عَلِمَ وُجودَه تَحتَ الأرضِ جازَ، وإلَّا فلا؛ فإذا باعَه ثم قَلَعَ منه أُنموذَجًا ورَضيَ به؛ فإنْ كانَ ممَّا يُباعُ كَيلًا كالبَصَلِ، أو وَزنًا كالثُّومِ والجَزَرِ بطَل خِيارُه لِلحاجةِ وجَرَيانِ التَّعامُلِ به. وإنْ كانَ ممَّا يُباعُ عَدَدًا، كالفُجلِ ونَحوِه؛ فرُؤيةُ بَعضِه لا تُسقِطُ خِيارَه (١). وقالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ البَيعُ على رُؤيةِ بَعضِ المِثليِّ مِنْ مَكيلٍ ومَوزونٍ كقُطنٍ وكَتَّانٍ وقَمحٍ وشَعيرٍ، أي: يَجوزُ العَقدُ مُكتَفيًا برُؤيةِ بَعضِه في مَعرِفةِ الصِّفةِ؛ لأنَّ رُؤيةَ بَعضِه كافيةٌ فيه، سَواءٌ كانَ البَيعُ بَتًّا أو على الخيارِ، بخِلافِ المُقوَّمِ فلا يَكفي رُؤيةُ بَعضِه، كثَوبٍ مِنْ أثوابٍ، ومَحَلُّ عَدَمِ الِاكتِفاءِ برُؤيةِ بَعضِه فيه إنْ لَم يَكُنْ في نَشرِه إتلافٌ كالشاشِ، وإلَّا اكتُفيَ برُؤيةِ بَعضِه.

стр. 3946

ويَجوزُ البَيعُ على رُؤيةِ الصِّوانِ -ما يَصونُ الشيءَ، كقِشرِ الرُّمَّانِ والجَوزِ واللَّوزِ-، فلا يُشترَطُ كَسرُ بَعضِه لِيرَى ما في داخِلِه، ومِن ذلك البِطِّيخُ. ويَجوزُ البَيعُ على رُؤيةِ البَرنامِجِ: الدَّفترِ المَكتوبِ فيه صِفةُ ما في العِدلِ مِنْ الثِّيابِ المَبيعةِ، أي: يَجوزُ أنْ يَشتَريَ ثيابًا مَربوطةً في العِدلِ، مُعتمِدًا فيه على الأوصافِ المَذكورةِ في الدَّفتَرِ لِلضَّرورةِ؛ لِمَا في حَلِّ العَدلِ مِنْ الحَرَجِ والمَشقَّةِ على البائِعِ مِنْ تَلويثِه ومُؤنةِ شَدِّه، إنْ لَم يَرضَه المُشتَري، فأُقيمَتِ الصِّفةُ مَقامَ الرُّؤيةِ؛ فإنْ وُجِدتْ على الصِّفةِ لزِم، وإلَّا خُيِّرَ المُشتَري إنْ كانَتْ أدنَى صِفةٍ؛ فإنْ وجَدها أقَلَّ عَدَدًا وُضِعَ عنه مِنْ الثَّمنِ بقَدْرِه؛ فإنْ كَثُرَ النَّقصُ أكثَرَ مِنْ النِّصفِ لَم يَلزَمْه، ورَدَّ به البَيعَ؛ فإنْ وجَدها أكثَرَ عَدَدًا كانَ البائِعُ شَريكًا مَعَه بنِسبةِ الزَّائِدِ. ولو قبَضه المُشتَري وغابَ عليه وادَّعَى أنَّه أدنَى أو أنقَصُ ممَّا هو مَكتوبٌ في البَرنامَجِ؛ حلَف البائِعُ بأنَّ ما في العِدلِ مُوافِقٌ لِلمَكتوبِ، حيثُ أنكَرَ ما ادَّعاه المُشتَري، فالقَولُ لِلبائِعِ بيَمينِه، وإلَّا بأنْ نكَل حلَف المُشتَري ورَدَّ البَيعَ وحلَف بأنَّه ما بدَّل فيه، وأنَّ هذا هو المُبتاعُ بعَينِه؛ فإنْ نكَل كالبائِعِ لزِمه. البَيعُ بالصِّفةِ والرُّؤيةِ السَّابِقةِ: وجازَ بَيعُ السِّلعةِ على الصِّفةِ لَها مِنْ غيرِ بائِعِها أو مِنْ البائِعِ، إنْ لَم يَكُنِ المَبيعُ في مَجلِسِ العَقدِ؛ بأنْ كانَ غائِبًا عن مَجلِسِه، وإنْ كانَ بالبَلَدِ؛ فلا يُشترَطُ لِصِحَّةِ البَيعِ حُضورُه.

стр. 3947

وإنْ لَم يَكُنْ غائِبًا عنه لا يَصحَّ بَيعُه على الصِّفةِ لُزومًا، ولا بدَّ مِنْ الرُّؤيةِ له لِتَيسُّرِ عِلمِ الحَقيقةِ، إلَّا أنْ يَكونَ في فَتحِه ضَرَرٌ لِلمَبيعِ أو فَسادٌ له؛ فيَجوزُ بَيعُه على الصِّفةِ، ثم إنْ وجَده عليها فالبَيعُ لازِمٌ، وإلَّا فلِلمُشتَري رَدُّه. حاصِلُه أنَّ الغائِبَ إذا بِيعَ بالصِّفةِ عن اللُّزومِ فلا بدَّ في جَوازِ بَيعِه مِنْ كَونِه غائِبًا عن مَجلِس العَقدِ، وأمَّا ما بِيعَ على الصِّفةِ بالخِيارِ، أو بِيعَ على الخيارِ بلا وَصفٍ، أو على رُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ بَتًّا أو خيارًا فلا يُشترَطُ في جَوازِ بَيعِه غَيبةٌ، بَلْ يَجوزُ ولو حاضِرًا في المَجلِسِ، وإنْ لَم يَكُنْ في فَتحِه فَسادٌ. وجازَ البَيعُ باتًّا، وعلى الخيارِ برُؤيةٍ سابِقةٍ لِلمَبيعِ على وَقتِ العَقدِ إنْ لَم يَتغيَّرْ بعدَها عادةً إلى وَقتِ العَقدِ، ولو حاضِرًا في مَجلِسِ العَقدِ، وهو يَختلِفُ باختِلافِ الأشياءِ مِنْ فاكِهةٍ وثيابٍ وحَيَوانٍ وعَقارٍ؛ فإنْ كانَ شَأنُه التَّغيُّرَ لَم يَجُزْ على البَتِّ، وجازَ على الخيارِ بالرُّؤيةِ إنْ لَم يَبعُدْ ما بِيعَ على الصِّفةِ أو الرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ جِدًّا؛ فإنْ بعدَ جِدًّا، كخُراسانَ بالمَشرِقِ مِنْ إفريقيَّةَ بالمَغرِبِ ممَّا يُظَنُّ فيه التَّغيُّرُ قبلَ إدراكِه على صِفَتِه لَم يَجُزْ، إلَّا على خيارِ المُشتَري عندَ رُؤيَتِه، فيَجوزُ مُطلَقًا، سَواءٌ بِيعَ على الصِّفةِ أو الرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ، بعدَ أو لَم يَبعُدْ، إنْ لَم يُشترَطْ نَقدُ الثَّمنِ لِلبائِعِ؛ فإنْ شُرِطَ لَم يَجُزْ؛ لِتَردُّدِه بينَ السَّلَفيَّةِ والثَّمنيَّةِ. والحاصِلُ أنَّ في بَيعِ الغائِبِ اثنَتَيْ عَشْرةَ صورةً؛ لأنَّه إمَّا أنْ يُباعَ على الصِّفةِ، أو على رُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ، أو بدُونِهما، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ يُباعَ على البَتِّ،

стр. 3948

وإمَّا على الخيارِ بالرُّؤيةِ، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ يَكونَ بَعيدًا جِدًّا، أو لا، فإنْ كانَ على الخيارِ جازَ مُطلَقًا إنْ لَم يَنقُدْ، وإنْ كانَ على البَتِّ جازَ، إلَّا فيما بِيعَ بدُونِهما -قَرُبَ أو بعدَ؛ لِلجَهلِ بالمَبيعِ- أو كانَ يَتغيَّرُ عادةً، أو كانَ بَعيدًا جِدًّا، وأمَّا إنْ كانَ حاضِرًا مَجلِسَ العَقدِ فلا بدَّ مِنْ رُؤيَتِه، إلَّا أنْ يَكونَ في فَتحِه مَشقَّةٌ أو فَسادٌ، فيُباعُ بالوَصفِ أو على ما في البَرنامَجِ على ما تَقدَّمَ. وضَمانُ المَبيعِ غائِبًا على الصِّفةِ، أو برُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ مِنْ المُشتَري؛ أي: يَدخُلُ في ضَمانِه بالعَقدِ إنْ كانَ عَقارًا وأدرَكَتْه الصَّفقةُ سالِمًا. وإنْ لَم يَكُنْ عَقارًا أو أدرَكَتْه الصَّفقةُ مَعيبًا، فمِن ضَمانِ البائِعِ إلَّا لِشَرطٍ مِنْ المُشتَري في العَقارِ أنَّه على البائِعِ، أو مِنْ البائِعِ على المُشتَري في غيرِه، فيُعمَلُ به. وقَبضُ المَبيعِ غائِبًا -أي: الخُروجُ له- على المُشتَري، ويَجوزُ النَّقدُ فيه تَطوُّعًا مُطلَقًا، عَقارًا كانَ أو غيرَه. كما يَجوزُ النَّقدُ فيه بشَرطِ إنْ كانَ المَبيعُ الغائِبُ على الصِّفةِ أو برُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ عَقارًا على اللُّزومِ، ولو بعدَ، لا جِدًّا؛ لأنَّ شَأنَه ألَّا يُسرِعَ إليه التَّغيُّرُ، إلَّا أنْ يَصِفَه بائِعُه، فلا يَجوزُ النَّقدُ فيه بشَرطٍ، ويَجوزُ تَطوُّعًا. وإنْ كانَ غيرَ عَقارٍ وقَرُبَ، كيَومٍ أو يَومَيْنِ، لا أكثَرَ؛ لأنَّ الشَّأنَ عَدَمُ التَّغيُّرِ في اليَومَيْنِ بعدَ الرُّؤيةِ أو الوَصفِ (١).

стр. 3949

وقالَ الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ بَيعُ العَينِ الغائِبةِ إذا جَهِلَ جِنسَها أو نَوعَها؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الغَرَرِ، وفي بَيعِ ما لا يُعرَفُ جِنسُه أو نَوعُه غَرَرٌ كَبيرٌ. فإنْ عُلم الجِنسُ والنَّوعُ، بأنْ قالَ: بِعتُكَ الثَّوبَ المَرويَّ الذي في كُمِّي، أو العَبدَ الزِّنجيَّ الذي في داري، أو الفَرَسَ الأدهَمَ الذي في إصطَبْلي؛ ففيه قَولانِ: أحَدُهما وهو الجَديدُ والمَذهبُ عليه: لا يَصحُّ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن بَيعِ الغَرَرِ، وفي هذا البَيعِ غَرَرٌ، ولأنَّه نَوعُ بَيعٍ فلَم يَصحَّ مع الجَهلِ بصِفةِ المَبيعِ، كالسَّلَمِ. والثاني وهو القَديمُ: يَصحُّ ويثبُتُ له الخيارُ إذا رَآه؛ لِمَا رَوى ابنُ أبي مُلَيكةَ أنَّ عُثمانَ ﵁ ابتاعَ مِنْ طَلحةَ أرضًا بالمَدينةِ ناقَلَه بأرضٍ له بالكوفةِ، فقالَ عُثمانُ ﵁: بِعتُكَ ما لَم أرَه. فقالَ طَلحةُ: إنَّما النَّظَرُ لي؛ لِأنِّي ابتَعتُ مَغيبًا وأنتَ قد رَأيتَ ما ابتَعتَ. فتَحاكَما إلى جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ؛ فقَضى على عُثمانَ أنَّ البَيعَ جائِزٌ، وأنَّ النَّظَرَ لِطَلحةَ؛ لأنَّه ابتاعَ مَغيبًا، ولأنَّه عَقدٌ على عَينٍ، فجازَ مع الجَهلِ بصِفَتِه، كالنِّكاحِ. وعلى هذا القَولِ لا تَفتقِرُ صِحَّةُ البَيعِ إلى ذِكرِ شَيءٍ مِنْ الصِّفاتِ في

стр. 3950

الأصَحِّ؛ لأنَّ الِاعتِمادَ على الرُّؤيةِ، ويثبُتُ له الخيارُ إذا رَآه فلا يَحتاجُ إلى ذِكرِ الصِّفاتِ فإنْ وصَفه ثم وجَده على خِلافِ ما وُصِفَ ثبَت له الخيارُ، وإنْ وجَده على ما وصَف، أو أعلَى، فعلى وَجهَيْنِ: أحَدُهما: لا خيارَ له؛ لأنَّه وجَده على ما وصَف فلَم يَكُنْ له خيارٌ كالمُسلَّمِ فيه. والثاني: أنَّ له الخيارَ؛ لأنَّه يُعرَفُ ببَيعِ خيارِ الرُّؤيةِ فلا يَجوزُ أنْ يَخلوَ مِنْ الخيارِ، ويَمتَدُّ الخيارُ امتِدادَ مَجلِسَ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ العَقدَ إنَّما يَتمُّ بالرُّؤيةِ فيَصيرُ كأنَّه عَقدٌ عندَ الرُّؤيةِ، فيثبُتُ له خيارٌ كخِيارِ المَجلِسِ. وأمَّا إذا رَأى المَبيعَ قبلَ العَقدِ ثم غابَ عنه، ثم اشتَراه، فإنْ كانَ ممَّا لا يَتغيَّرُ، كالعَقارِ وغيرِه، جازَ بَيعُه؛ لأنَّ الرُّؤيةَ تُرادُ لِلعِلمِ بالمَبيعِ، وقد حصَل العِلمُ بالرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ؛ فعلى هذا إذا اشتَراه ثم وجَده على الصِّفةِ الأولَى أخَذه، وإنْ وجَده ناقِصًا فله الرَّدُّ؛ لأنَّه ما التَزَمَ العَقدَ فيه إلَّا على تلك الصِّفةِ، وإنِ اختَلَفا فقالَ البائِعُ: لَم يَتغيَّرْ، وقالَ المُشتَري: بَلْ قد تَغيَّرَ. فالقَولُ قَولُ المُشتَري؛ لأنَّه يُؤخَذُ مِنه الثَّمنُ، فلا يَجوزُ مِنْ غيرِ رِضاه، وإنْ كانَ ممَّا يَجوزُ أنْ يَتغيَّرَ ويَجوزُ ألَّا يَتغيَّرَ، أو يَجوزُ أنْ يَبقَى، ويَجوزُ ألَّا يَبقَى، ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: أنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّه مَشكوكٌ في بَقائِه على صِفَتِه. والثاني: يَصحُّ وهو المَذهبُ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاؤُه على صِفَتِه، فصَحَّ بَيعُه، قياسًا على ما لا يَتغيَّرُ.

стр. 3951

حُكمُ بَيعِ الأعمَى: وإنْ باعَ الأعمَى أو اشتَرَى شَيئًا لَم يَرَه فلا يَصحُّ على المَذهبِ؛ إذْ لا سَبيلَ إلى رُؤيَتِه؛ لأنَّ بَيعَ ما لَم يَرَه يَتمُّ بالرُّؤيةِ، وذلك لا يُوجَدُ في حَقِّ الأعمَى ولا يُمكِنُه أنْ يُوكَّلَ في الخيارِ؛ لأنَّه خيارٌ ثبَت بالشَّرعِ، فلا يَجوزُ الِاستِنابةُ فيه كخيارِ المَجلِسِ، بخِلافِ خيارِ الشَّرطِ. رُؤيةُ بَعضِ المَبيعِ دونَ بَعضٍ: وتَكفي رُؤيةُ بَعضِ المَبيعِ إنْ دَلَّ على باقيه كظاهِرِ الصُّبرةِ مِنْ حِنطةٍ ونَحوِها وجَوزٍ ونَحوِه وأدِقَّةٍ، وكأعالي المائِعاتِ في أوعيَتِها، كالدُّهنِ، وأعلَى التَّمرِ في قَوصَرَتِه، والطَّعامِ في آنيَتِه، وكذا القُطنُ المُجرَّدُ عن جَوزِه، ولو في عِدلِه؛ لأنَّ برُؤيةِ بَعضِه يَزولُ غَرَرُ الجَهالةِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الباطِنَ كالظَّاهِرِ، ولا خيارَ له إذا رَأى الباطِنَ، إلَّا إذا خالَفَ الظَّاهِرَ بنَقصٍ، بخِلافِ صُبرةِ الرُّمَّانِ والسَّفَرجَلِ والبِطِّيخِ ونَحوِ ذلك؛ لعَدمِ الدِّلالةِ على باقيها، بَلْ يُشترَطُ رُؤيةُ كلِّ واحِدةِ منها، حتى لو رَأى أحَدَ جانِبَيِ البِطِّيخةِ كانَ كبَيعِ الغائِبِ، ولو كانَ الغالِبُ أنَّها لا تَتَفاوَتُ، كالثَّوبِ الصَّفيقِ يُرَى أحَدُ وَجهَيْه. ولا يَكفي في مَسألةِ العِنَبِ والخَوخِ ونَحوِهما رُؤيةُ أعلاها؛ لِكَثرةِ الِاختِلافِ في ذلك، بخِلافِ الحُبوبِ. وإنْ كانَ ممَّا يَختلِفُ ولا يَدلُّ على باقيه فإنْ كانَ ممَّا تَشُقُّ رُؤيةُ باقيه كالجَوزِ في القِشرِ الأسفَلِ جازَ بَيعُه؛ لأنَّ رُؤيةَ الباطِنِ تَشُقُّ، فسقَط اعتِبارُها، كرُؤيةِ أساسِ الحيطانِ.

стр. 3952

وأُنموذَجُ المُتماثِلِ، أي: المُتَساوي الأجزاءِ، كالحُبوبِ؛ فإنَّ رُؤيَتَه تَكفي عن رُؤيةِ بَقيَّةِ المَبيعِ، ولا بدَّ مِنْ إدخالِه في المَبيعِ، ولا يُشترَطُ خَلطُه في المَبيعِ قبلَه؛ فإذا قالَ: بِعتُكَ حِنطةَ هذا البَيتِ مع الأُنموذَجِ صَحَّ، وإنْ لَم يَخلِطْه بها قبلَ البَيعِ، أمَّا إذا باعَها دُونَه، كأنْ قالَ: بِعتُكَ مِنْ هذا النَّوعِ كذا؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّه لَم يَرَ المَبيعَ ولا شَيئًا منه. الرُّؤيةُ في كلِّ شَيءٍ بحَسَبِ اللَّائِقِ به، ففي شِراءِ الدُّورِ لا بدَّ مِنْ رُؤيةِ البُيوتِ والسَّقفِ والسُّطوحِ والجُدرانِ داخِلًا وخارِجًا، والمُستَحَمِّ والبالوعةِ، وفي البُستانِ يُشترَطُ رُؤيةُ مَسايِلِ الماءِ، ويُشترَطُ رُؤيةُ طَريقِ الدَّارِ ومَجرَى الماءِ الذي تَدورُ به الرَّحَى؛ لِاختِلافِ الغَرَضِ به. ويُشترَطُ في الدَّوابِّ رُؤيةُ مُقدَّمِ الدَّابَّةِ، ومُؤخَّرِها، وقَوائِمِها، ويُشترَطُ رَفعُ السَّرجِ والإكافِ والجُلِّ، ولا يُشترَطُ جَرْيِ الفَرَسِ على الصَّحيحِ. ويُشترَطُ في الثَّوبِ المَطويِّ نَشرُه، ثم إذا نُشِرَ الثَّوبُ وكانَ صَفيقًا فلا بدَّ مِنْ رُؤيةِ وَجهَيْه مَعًا، وإنْ كانَ لا يَختلِفُ وَجهاه كَفَى رُؤيةُ أحَدِ وَجهَيْه. والأصَحُّ أنَّ وَصفَ الشَّيءِ الذي يُرادُ بَيعُه بصِفةِ السَّلَمِ، وسَماعُ وَصفِه بطَريقِ التَّواتُرِ لا يَكفي عن الرُّؤيةِ؛ لأنَّها تُفيدُ أُمورًا تَقصُرُ عنها العِبارةُ، والثاني: يَكفي، ولا خيارَ لِلمُشتَري؛ لأنَّ ثَمَرةَ الرُّؤيةِ المَعرِفةُ، والوَصفُ يُفيدُها (١).

стр. 3953

وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ البَيعُ بالرُّؤيةِ، وهي تارةً تَكونُ مُقارِنةً لِلبَيعِ. وتارةً تَكونُ غيرَ مُقارِنةٍ. فإنْ كانَتْ مُقارِنةً لِجَميعِه صَحَّ البَيعُ بلا نِزاعٍ. وإنْ كانَتْ مُقارِنةً لِبَعضِه؛ فإنْ دَلَّتْ على بَقيَّتِه صَحَّ البَيعُ؛ فرُؤيةُ أحَدِ وَجهَيْ ثَوبٍ تَكفي فيه إذا كانَ غيرَ مَنقوشٍ، وكذا رُؤيةُ ظاهِرِ الصُّبرةِ المُتَساويةِ الأجزاءِ، مِنْ حَبٍّ وتَمرٍ ونَحوِهما، وما في الظُّروفِ مِنْ مائِعٍ مُتَساوي الأجزاءِ، وما في الأعدالِ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ ونَحوِ ذلك. ولا يَصحُّ بَيعُ الأُنموذَجِ، بأنْ يُريَه صاعًا ويَبيعَه الصُّبرةَ على أنَّها مِنْ جِنسِه، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ. وما عرَفه بلَمسِه، أو شَمِّه، أو ذَوْقِه فكَرُؤيَتِه. وإذا اشتَرَى ما لَم يَرَه ولَم يُوصَفْ له، أو رَآه ولَم يَعلَم ما هو، أو ذُكِرَ له مِنْ صِفَتِه ما لا يَكفي في السَّلَمِ، لَم يَصحَّ البَيعُ إذا لَم يَرَ المَبيعَ. فَتارةً يُوصَفُ له، وتارةً لا يُوصَفُ؛ فإنْ لَم يُوصَفْ له: لَم يَصحَّ البَيعُ، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ. وإنْ وُصِفَ له؛ فتارةً يُذكَرُ له مِنْ صِفَتِه ما يَكفي في السَّلَمِ، وتارةً يُذكَرُ ما لا يَكفي في السَّلَمِ، فإنْ ذُكِرَ له مِنْ صِفَتِه ما لا يَكفي في السَّلَمِ لَم يَصحَّ البَيعُ

стр. 3954

على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وإنْ ذُكِرَ له مِنْ صِفَتِه ما يَكفي في السَّلَمِ، أو رَآه، ثم عَقَدا بعدَ ذلك بزَمَنٍ، لا يَتغيَّرُ فيه ظاهِرًا، صَحَّ في أصَحِّ الرِّوايتَيْنِ، ولو عقَد عليه بعدَ ذلك بزَمَنٍ يَحتمِلُ التَّغيُّرَ فيه وعَدَمَه على السَّواءِ، فلا يَصحُّ العَقدُ. والمَبيعُ مِنه ما يُسرِعُ فَسادُه، كالفاكِهةِ، وما يَتوسَّطُ، كالحَيَوانِ، وما يَتباعَدُ، كالعَقاراتِ؛ فيُعتبَرُ كلُّ نَوعٍ بحَسَبه، ولو مع غَيبةِ المَبيعِ، ولو في مَكانٍ بَعيدٍ لا يَقدِرُ البائِعُ على تَسليمِه في الحالِ، لكنْ يَقدِرُ على استِحضارِه. ثم إنْ وجَد المُشتَري ما تَقدَّمتْ رُؤيَتُه لَم يَتغيَّرْ فلا خيارَ له؛ لِسَلامةِ المَبيعِ، وإنْ وجَده مُتغيِّرًا فله الفَسخُ على التَّراخي، كخِيارِ العَيبِ، وكذا لو وجَد بالصِّفةِ نَقصًا، ويُسَمَّى هذا الخيارُ خيارَ الخُلفِ في الصِّفةِ، مِنْ إضافةِ الشَّيءِ إلى سَبيلِه، إلَّا أنْ يُوجَدَ مِنْ المُشتَري ما يَدلُّ على الرِّضا بالمَبيعِ مِنْ سَومٍ ونَحوِه؛ فيَسقُطُ خِيارُه لِذلك. ولا يَسقُطُ خِيارُه برُكوبِ الدَّابَّةِ المَبيعةِ في طَريقِ الرَّدِّ إلى البائِعِ؛ لأنَّه لا يَدلُّ على الرِّضا بالتَّغيُّرِ. ومتى أبطَلَ المُشتَري حَقَّه مِنْ رَدِّه فلا أرشَ له في الأصَحِّ، ويُخيَّرُ بينَ الرَّدِّ والإمساكِ مَجَّانًا؛ لِئَلَّا يَعتاضَ عن صِفةٍ كالسَّلَمِ، وهذا بخِلافِ البَيعِ بشَرطِ صِفةٍ، فإنَّ له أرشَ فَقْدِها. وإنِ اختَلَفا في الصِّفةِ، بأنْ قالَ المُشتَري: ذَكَرتَ في وَصفِ الأَمَةِ أنَّها بِكرٌ -مَثَلًا-، وأنكَرَه البائِعُ، أو اختَلَفا في التَّغيُّرِ، أي: قالَ المُشتَري: إنَّ المَبيعَ الذي سَبَقتْ رُؤيَتُه تَغيَّرَ، وأنكَرَ البائِعُ وقالَ: كانَ على هذه الحالِ حينَ رَأيتُه؛ فالقَولُ قَولُ المُشتَري بيَمينِهِ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمَّتِه مِنْ الثَّمنِ.

стр. 3955

وإنْ كانَ المَبيعُ الذي تَقدَّمتْ رُؤيَتُه يَفسُدُ في الزَّمَنِ الذي مَضى بينَ الرُّؤيةِ والعَقدِ، أو كانَ يَتغيَّرُ فيه يَقينًا، أو ظاهِرًا، أو شَكًّا، لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لِفَقدِ شَرطِه، أو لِلشَّكِّ فيه. ولو قالَ البائِعُ: بِعتُكَ هذا البَغلَ بكذا، فقالَ: اشتَرَيتُه، فبانَ المُشارُ إليه فَرَسًا أو حِمارًا، لَم يَصحَّ البَيعُ لِلجَهلِ بالمَبيعِ، وعَدَمِ رُؤيةٍ يَحصُلُ بها مَعرِفَتُه. ويَصحُّ بَيعُ أعمَى وشِراؤُه بالصِّفةِ لِمَا يَصحُّ السَّلَمُ فيه، كما يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ الأعمَى في البَيعِ والشِّراءِ، وله إنْ وجَد ما اشتَراه بالصِّفةِ ناقِصًا صِفةً خيارُ الخُلفِ في الصِّفةِ، كالبَصيرِ، وأوْلَى. ويَصحُّ بَيعُ الأعمَى وشِراؤُه بما يُمكِنُه مَعرِفةُ ما يَبيعُه أو يَشتَريه بغيرِ حاسَّةِ البَصَرِ، كشَمٍّ ولَمسٍ وذَوقٍ؛ لِحُصولِ العِلمِ بحَقيقةِ المَبيعِ، وكذا لو كانَ رَآه قبلَ العَمى بزَمَنٍ لا يَتغيَّرُ فيه المَبيعُ ظاهِرًا على ما تَقدَّمَ. وإنِ اشتَرَى إنسانٌ ما لَم يَرَه، وما لَم يُوصَفْ له لَم يَصحَّ العَقدُ، أو اشتَرَى شَيئًا رَآه ولَم يَعلَم ما هو لَم يَصحَّ البَيعُ. وحُكمُ ما لَم يَرَه بائِعٌ حُكمُ مُشتَرٍ فيما تَقدَّمَ مِنْ التَّفصيلِ. فلا يَصحُّ البَيعُ إنْ لَم يُوصَفْ له بما يَكفي في السَّلَمِ، ولَم يَعرِفْه بشَمٍّ أو لَمسٍ أو ذَوْقٍ، ويَصحُّ إنْ وُصِفَ بذلك أو عرَفه بلَمسٍ أو شَمٍّ أو ذَوْقٍ. والبَيعُ بالصِّفةِ نَوعانِ: أحَدُهما: بَيعُ عَينٍ مُعيَّنةٍ، سَواءٌ كانَتِ العَينُ المُعيَّنةُ غائِبةً، مثلَ أنْ يَقولَ: بِعتُكَ عَبدي التُّركيَّ، ويَذكُرَ صِفاتِه.

стр. 3956

أو كانَتِ العَينُ المَبيعةُ بالصِّفةِ حاضِرةً مَستورةً كجاريةٍ مُنتَقِبةٍ وأمتِعةٍ في ظُروفِها أو نَحوِ ذلك؛ فهذا النَّوعُ يَنفسِخُ العَقدُ عليه برَدِّه على البائِعِ بنَحوِ عَيبٍ أو نَقصِ صِفةٍ، وليسَ لِلمُشتَري طَلَبُ بَدَلِه؛ لِوُقوعِ العَقدِ على عَيْنِه، كحاضِرٍ؛ فإنْ شرَط ذلك في عَقدِ البَيعِ، بأنْ قالَ: إنْ فاتَكَ شَيءٌ مِنْ هذه الصِّفاتِ أعطَيتُكَ ما هذه صِفاتُه، لَم يَصحَّ العَقدُ. ويَنفسِخُ العَقدُ عليه أيضًا بتَلَفِه قبلَ قَبضِه؛ لِزَوالِ مَحَلِّ العَقدِ، وهذا النَّوعُ يَجوزُ التَّفريقُ مِنْ مُتبايِعَيْه قبلَ قَبضِ الثَّمنِ، وقبلَ قَبضِ المَبيعِ، كحاضِرٍ بالمَجلِسِ، ويَجوزُ تَقديمُ الوَصفِ في بَيعِ الأعيانِ على العَقدِ. كما يَجوزُ تَقديمُ الرُّؤيةِ، وكذلك لا يَجوزُ تَقديمُ الوَصفِ لِلمَعقودِ عليه في السَّلَمِ على العَقدِ، ولا فَرقَ بينَ تَقديمِ الوَصفِ في بَيعِ الأعيانِ على العَقدِ وتَقديمِه في السَّلَمِ على العَقدِ، وكذا تَقديمُ الوَصفِ في بَيعِ ما في الذِّمَّةِ. فلو قالَ لِآخَرَ: أُريدُ أنْ أُسَلِّفَكَ في كُرِّ حِنطةٍ، ووصَفه بالصِّفاتِ، فلمَّا كانَ بعدَ ذلك ولو طالَ الزَّمَنُ قالَ: قد سَلَّفتُكَ في كُرِّ حِنطةٍ -وهو كَيلٌ مَعروفٌ بالعِراقِ- على الصِّفاتِ التي تَقدَّمَ ذِكرُها، وعجَّل الثَّمنَ قبلَ التَّفريقِ، جازَ وصَحَّ العَقدُ؛ لِلعِلمِ بالمَعقودِ عليه. والنَّوعُ الثاني مِنْ نَوعَيِ البَيعِ بالصِّفةِ: بَيعُ مَوصوفٍ غيرِ مُعيَّنٍ، ويَصِفُه بصِفةٍ تَكفي في السَّلَمِ، إنْ صَحَّ السَّلَمُ فيه، بأنِ انضَبَطتْ صِفاتُه، مثلَ أنْ يَقولَ: بِعتُكَ عَبدًا تُركِيًّا، ثم يَستَقصيَ صِفاتِ السَّلَمِ فيه؛ فهذا في مَعنَى السَّلَمِ، وليسَ سَلَمًا؛ لِحُلولِه، فمَتَى سلَّم البائِعُ إليه عَبدًا على غيرِ ما وصَفه له فرَدَّه

стр. 3957

المُشتَري عليه، أو سلَّم إليه عَبدًا على ما وصَف له فأبدَلَه المُشتَري لِنَحوِ عَيبٍ لَم يَفسُدِ العَقدُ برَدِّه؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَقَعْ على عَينِه، بخِلافِ النَّوعِ الأوَّلِ. ويُشترَطُ في هذا النَّوعِ قَبضُ المَبيعِ أو قَبضُ ثَمَنِه في مَجلِسِ العَقدِ؛ لأنَّه في مَعنَى السَّلَمِ. ويُشترَطُ أيضًا ألَّا يَكونَ بلَفظِ سَلَمٍ أو سَلَفٍ؛ لأنَّه لا يَكونُ إذَنْ سَلَمًا، ولا يَصحُّ حالًّا (١). بَيانُ ما يَسقُطُ به الخيارُ بعدَ ثُبوتِه ويَلزَمُ البَيعُ وما لا يَسقُطُ ولا يَلزَمُ: قالَ الحَنفيَّةُ: ما يَسقُطُ به الخيارُ بعدَ ثُبوتِه ويَلزَمُ البَيعُ في الأصلِ نَوعانِ: اختياريٌّ وضَروريٌّ، والِاختياريُّ نَوعانِ: صَريحٌ وما يَجري مَجرَى الصَّريحِ دِلالةً. أمَّا الصَّريحُ وما في مَعناه فنَحوَ أنْ يَقولَ: أجزَتُ البَيعَ، أو رَضيتُ، أو اختَرتُ، أو ما يَجري هذا المَجرَى، سَواءٌ عَلِمَ البائِعُ بالإجازةِ أو لَم يَعلَم؛ لأنَّ الأصلَ في البَيعِ المُطلَقِ هو اللُّزومُ، ويَكونُ الِامتِناعُ لِخَلَلٍ في الرِّضا؛ فإذا أجازَ ورَضيَ فقد زالَ المانِعُ فيَلزَمُ.

стр. 3958

وأمَّا الدِّلالةُ فهي أنْ يُوجَدَ مِنْ المُشتَري تَصرُّفٌ في المَبيعِ بعدَ الرُّؤيةِ يَدلُّ على الإجازةِ والرِّضا، نَحوَ ما إذا قبَضه بعدَ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ القَبضَ بعدَ الرُّؤيةِ دَليلُ الرِّضا بلُزومِ البَيعِ؛ لأنَّ لِلقَبضِ شَبَهًا بالعَقدِ، فكانَ القَبضُ بعدَ الرُّؤيةِ كالعَقدِ بعدَ الرُّؤيةِ، وذاكَ دَليلُ الرِّضا، كذا هذا. وكذا إذا تَصرَّفَ فيه تَصرُّفَ المُلَّاكِ، بأنْ كانَ ثَوبًا فقطَعه أو صَبَغَه أحمَرَ أو أصفَرَ، أو سَويقًا فلَتَّه بسَمنٍ أو عَسَلٍ أو أرضًا فبَنَى عليها أو غَرَسَ أو زَرَعَ، أو دابَّةً فرَكِبَها لِحاجةِ نَفْسِه، ونَحوَ ذلك؛ لأنَّ الإقدامَ على هذه التَّصرُّفاتِ دِلالةُ الإجازةِ والرِّضا بلُزومِ البَيعِ والمِلْكِ به؛ إذْ لو لَم يَكُنْ به وفُسِخَ البَيعُ لَتبيَّنَ أنَّه تَصرُّفٌ في مِلْكِ الغيرِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ، أو مِنْ وَجْهٍ، وأنَّه حَرامٌ؛ فجُعِلَ ذلك إجازةً مِنه؛ صيانةً له عن ارتِكابِ الحَرامِ، وكذا إذا عرَضه على البَيعِ، باعَ أو لَم يَبِعْ؛ لأنَّه لمَّا عرَضه على البَيعِ قصَد إثباتَ المِلْكِ اللَّازِمِ لِلمُشتَري، ومِن ضَرورَتِه لُزومُ المِلْكِ له لِيُمكِنَه إثباتُه لِغيرِه. ولو عرَض بَعضَه لِلبَيعِ سقَط خِيارُه عندَ أبي يُوسفَ، وعندَ مُحمَّدٍ لا يَسقُطُ، والصَّحيحُ قَولُ أبي يُوسفَ؛ لأنَّ سُقوطَ الخيارِ ولُزومَ البَيعِ بالعَرضِ؛ لِكَونِ العَرضِ دِلالةَ الإجازةِ والرِّضا، ودِلالةَ الإجازةِ دون صَريحِ الإجازةِ. ثم لو صرَّح بالإجازةِ في بَعضٍ لَم يَجُزْ، ولَم يَسقُطْ خِيارُه؛ لِمَا فيه مِنْ تَفريقِ الصَّفقةِ على البائِعِ قبلَ التَّمامِ، فلَأنْ يَكونَ لا يَسقُطُ بدِلالةِ الإجازةِ أوْلَى، وكذا لو وهَبه، سلَّم أو لَم يُسلِّمْ؛ لأنَّ الثابِتَ بالهِبةِ لا يَعودُ إليه إلَّا

стр. 3959

بقَرينةِ القَضاءِ أو الرِّضا، فكانَ الإقدامُ عليها دِلالةَ قَصدِ إثباتِ المِلْكِ اللَّازِمِ، فيَقتَضي لُزومَ المِلْكِ لِلواهِبِ، وكذا إذا رَهَنَه وسلَّم أو آجَرَه؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما عَقدٌ لازِمٌ في نَفْسِه، والثابِتُ بهما حَقٌّ لازِمٌ لِلغيرِ، وكذا إذا باعَه أو وهَبه وسلَّم؛ لأنَّ هذه تَصرُّفاتٌ لازِمةٌ، والثابِتُ بها مِلْكٌ لازِمٌ، أو حَقٌّ لازِمٌ؛ فالإقدامُ عليها يَكونُ إجازةً والتِزامًا لِلعَقدِ دِلالةً. ولو باعَ بشَرطِ الخيارِ لِنَفْسِه لا يَسقُطُ خِيارُه في رِوايةٍ، وفي رِوايةٍ يَسقُطُ، وهي الصَّحيحةُ؛ لأنَّ البَيعَ بشَرطِ الخيارِ لا يَكونُ أدنَى مِنْ العَرضِ لِلبَيعِ، بَلْ فَوقَه، ثم العَرضُ لِلبَيعِ يُسقِطُ الخيارَ؛ فهذا أوْلَى، وكذا لو أخرَجَ بَعضَه عن مِلْكِه يَسقُطُ خِيارُه عن البَقيَّةِ، ولزِم البَيعُ فيه؛ لأنَّ رَدَّ البَقيَّةِ تَفريقُ الصَّفقةِ على البائِعِ قبلَ التَّمامِ؛ لأنَّ خيارَ الرُّؤيةِ يَمنَعُ تَمامَ الصَّفقةِ؛ لأنَّه يَمنَعُ تَمامَ الرِّضا، وكذا إذا انتَقَصَ المَعقودُ عليه. وأمَّا الفِعلُ الضَّروريُّ المُسقِطُ لِخِيارِ الرُّؤيةِ فهو كلُّ ما يَسقُطُ به خيارُ الشَّرطِ وخيارُ العَيبِ، ويَلزَمُ البَيعُ مِنْ غيرِ صُنعِه نَحوَ مَوتِ المُشتَري، وإجازةِ أحَدِ الشَّريكَيْنِ فيما اشتَرَياه، ولَم يَرَياه دونَ صاحِبِه عندَ أبي حَنيفةَ. وكذا إذا هلَك بَعضُه أو انتَقَصَ، بأنْ تَعيَّبَ بآفةٍ سَماويَّةٍ، أو بفِعلِ أجنَبيٍّ، أو بفِعلِ البائِعِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ. أو زادَ في يَدِ المُشتَري زيادةً مُنفصِلةً أو مُتَّصِلةً مُتولَّدةً أو غيرَ مُتولَّدةٍ على التَّفصيلِ السَّابِقِ ذِكرُه في خيارِ الشَّرطِ وخيارِ العَيبِ.

стр. 3960

قالَ الكاسانيُّ ﵀: والأصلُ أنَّ كُلَّ ما يُبطِلُ خيارَ الشَّرطِ وخيارَ العَيبِ يُبطِلُ خيارَ الرُّؤيةِ، إلَّا أنَّ خيارَ الشَّرطِ وخيارَ العَيبِ يَسقُطانِ بصريحِ الإسقاطِ، وخِيارَ الرُّؤيةِ لا يَسقُطُ بصريحِ الإسقاطِ، لا قبلَ الرُّؤيةِ ولا بعدَها، أمَّا قبلَها فلِمَا ذَكَرْنا فيما تَقدَّمَ أنَّه لا خيارَ قبلَ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ أوانَ ثُبوتِ الخيارِ هو أوانُ الرُّؤيةِ؛ فقبلَ الرُّؤيةِ لا خيارَ، وإسقاطُ الشَّيءِ قبلَ ثُبوتِه وثُبوتِ سَبَبِه مُحالٌ. وأمَّا بعدَ الرُّؤيةِ؛ فلأنَّ الخيارَ ما ثبَت باشتِراطِ العاقِدَيْنِ؛ لأنَّ رُكنَ العَقدِ مُطلَقٌ عن الشَّرطِ نَصًّا ودِلالةً، وإنَّما يثبُتُ شَرعًا لِحُكمِه فيه، فكانَ ثابِتًا حَقًّا لِلَّهِ . وأمَّا خيارُ الشَّرطِ وخيارُ العَيبِ فثَبَتا باشتِراطِ العاقِدَيْنِ، أمَّا خيارُ الشَّرطِ فظاهِرٌ؛ لأنَّه مَنصوصٌ عليه في العَقدِ، وأمَّا خيارُ العَيبِ فلأنَّ السَّلامةَ مَشروطةٌ في العَقدِ دِلالةً، والثابِتُ بدِلالةِ النَّصِّ كالثابِتِ بصريحِ النَّصِّ، فكانَ ثابِتًا حَقًّا لِلعَبدِ، وما ثبَت حَقًّا لِلعَبدِ يَحتمِلُ السُّقوطَ بإسقاطِه مَقصودًا؛ لأنَّ الإنسانَ يَملِكُ التَّصرُّفَ في حَقِّ نَفْسِه مَقصودًا استِيفاءً وإسقاطًا؛ فأمَّا ما ثبَت حَقًّا لِلَّهِ ، فالعَبدُ لا يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه إسقاطًا مَقصودًا؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّصرُّفَ في حَقِّ غيرِه مَقصودًا، لكنَّه يَحتمِلُ السُّقوطَ بطَريقِ الضَّرورةِ، بأنْ يَتصرَّفَ في حقِّ نَفْسِه مَقصودًا، ويَتضمَّنُ ذلك سُقوطَ حَقِّ الشَّرعِ؛ فيَسقُطُ حَقُّ الشَّرعِ في ضِمنِ التَّصرُّفِ في حَقِّ نَفْسِه، كما إذا أجازَ المُشتَري البَيعَ، ورَضيَ به بعدَ الرُّؤيةِ نَصًّا أو دِلالةً، بمُباشَرةِ تَصرُّفٍ يَدلُّ على الرِّضا والإجازةِ؛ لأنَّه -وإنْ ثبَت حَقًّا لِلشَّرعِ- أثبَتَه الشَّرعُ نَظَرًا لِلعَبدِ، حتى إذا رَآه وصَلَحَ له أجازَه،
следующие страницы →