قالَ النَّوويُّ: هذا هو القَويُّ أو الصَّحيحُ من حيثُ الدَّليلُ، وهو الذي أعتقِدُ رُجحانَه؛ فإنَّ فيه حَديثَينِ صَحيحَينِ ليسَ عنهما جَوابٌ شافٍ، وقد اختارَه جَماعةٌ من مُحقِّقي أَصحابِنا المُحدِّثينِ (١).
واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ جابِرِ بنِ سَمُرةَ أنَّ رَجلًا سألَ النَّبيَّ ﷺ : «قالَ يا رَسولَ اللهِ: أنتَوضَّأُ من لُحومِ الإبِلِ؟ قالَ: نَعمْ» (٢).
وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن الوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ، فقالَ: «تَوضَّؤُوا منها»، وسُئلَ عن لُحومِ الغَنمِ، فقالَ: «لا تَوضَّؤوا منها» (٣).
قالَ الإمامُ أحمدُ وإِسحاقُ بنُ رَاهوَيهِ: فيه حَديثانِ صَحيحانِ عن النَّبيِّ ﷺ : حَديثُ البَراءِ وحَديثُ جابِرِ بنِ سَمُرةَ.
стр. 422
قالَ ابنُ قُدامةَ: وحَديثُهم عن ابنِ عَباسٍ لا أصلَ له، وإنَّما هو من قَولِ ابنِ عَباسٍ مَوقوفًا عليه، ولو صَحَّ لوجَبَ تَقديمُ حَديثِنا عليه؛ لكَونِه أصَحَّ منه وأخَصَّ، والخاصُّ يُقدَّمُ على العامِّ، وحَديثُ جابِرٍ لا يُعارِضُ حَديثَنا أيضًا لصِحتِه وخُصوصِه؛ فإنْ قيلَ: فحَديثُ جابِرٍ مُتأخِّرٌ، فيَكونُ ناسِخًا، قُلنا: لا يَصحُّ النَّسخُ به لوُجوهٍ أربَعةٍ:
أحدُها: أنَّ الأمرَ بالوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ مُتأخِّرٌ عن نَسخِ الوُضوءِ مما مَسَّت النارُ أو مُقارنٌ له، بدَليلِ أنَّه قرَنَ الأمرَ بالوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ بالنَّهيِ عن الوُضوءِ من لُحومِ الغَنمِ، وهي مما مَسَّت النارُ، فإمَّا أنْ يَكونَ النَّسخُ حصَلَ بهذا النَّهيِ وإمَّا أنْ يَكونَ بشَيءٍ قبلَه؛ فإنْ كانَ به، والأمرُ بالوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ مُقارِنٌ لنَسخِ الوُضوءِ مما غيَّرتِ النارُ، فكيفَ يَجوزُ أنْ يَكونَ مَنسوخًا به؟ ومِن شُروطِ النَّسخِ تأخُّرُ الناسِخِ، وإنْ كانَ الناسِخُ قبلَه، لم يَجزْ أنْ يُنسخَ بما قبلَه.
والثاني: أنَّ أكلَ لُحومِ الإبِلِ إنَّما نقَضَ لكَونِه من لُحومِ الإبِلِ، لا لكَونِه مما مَسَّت النارُ، ولهذا يَنقضُ، وإنْ كانَ نَيِّئًا، فنَسخُ إحدَى الجِهتَينِ لا يَثبُتُ به نَسخُ الجِهةِ الأُخرى، كما لو حُرِّمت المَرأةُ للرَّضاعِ، ولكَونِها رَبيبةً، فنَسخُ التَّحريمِ بالرَّضاعِ لم يَكنْ نَسخًا لتَحريمِ الرَّبيبةِ.
والثالِثُ: أنَّ خبَرَهم عامٌّ وخبَرَنا خاصٌّ، والعامُّ لا يُنسخُ به الخاصُّ؛ لأنَّ من شُروطِ النَّسخِ تَعذُّرَ الجَمعِ، والجَمعُ بينَ الخاصِّ والعامِّ مُمكنٌ بتَنزيلِ العامِّ على ما عَدا مَحلِّ التَّخصيصِ.
стр. 423
والرابِعُ: أنَّ خبَرَنا صَحيحٌ مُستَفيضٌ ثبَتَ له قُوةُ الصِّحةِ والاستِفاضةِ والخُصوصِ، وخبَرُهم ضَعيفٌ لعَدمِ هذه الوُجوهِ الثَّلاثةِ فيه، فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ ناسِخًا له.
فإنْ قيلَ: الأمرُ بالوُضوءِ في خَبَرُكم يَحتمِلُ الاستِحبابُ، فنَحمِلُه عليه، ويَحتملُ أنَّه أرادَ بالوُضوءِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه غَسلَ اليَدينِ؛ لأنَّ الوُضوءَ إذا أُضيفَ إلى الطَّعامِ اقتَضى غَسلَ اليَدِ، كما كانَ ﷺ يأمُرُ بالوُضوءِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه، وخَصَّ ذلك بلَحمِ الإبِلِ؛ لأنَّ فيه من الحَرارةِ والزُّهومةِ ما ليسَ في غيرِه.
قُلنا: أمَّا الأولُ فمُخالِفٌ للظاهِرِ من ثَلاثةِ أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّ مُقتَضى الأمرِ الوُجوبُ.
والثاني: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِل عن حُكمِ هذا اللَّحمِ، فأجابَ بالأمرِ بالوُضوءِ منه، فلا يَجوزُ حَملُه على غيرِ الوُجوبِ؛ لأنَّه يَكونُ تَلبيسًا على السائِلِ لا جَوابًا.
والثالِثُ: أنَّه ﷺ قرَنَه بالنَّهيِ عن الوُضوءِ من لُحومِ الغَنمِ، والمُرادُ بالنَّهيِ ههنا نَفيُ الإِيجابِ، ليسَ المُرادُ التَّحريمَ، فيَتعيَّنُ حَملُ الأمرِ على الإِيجابِ ليَحصُلَ الفَرقُ.
وأمَّا الثاني: فلا يَصحُّ لوُجوهٍ أربَعةٍ:
أحدُها: أنَّه يَلزمُ منه حَملُ الأمرِ على الاستِحبابِ؛ فإنَّ غَسلَ اليَدِ بمُفردِه غيرُ واجِبٍ، وقد بَيَّنَّا فَسادَه.
стр. 424
والثاني: أنَّ الوُضوءَ إذا جاءَ على لِسانِ الشارِعِ وجَبَ حَملُه على المَوضوعِ الشَّرعيِّ دونَ اللُّغويِّ؛ لأنَّ الظاهِرَ منه أنَّه إنَّما يَتكلَّمُ بمَوضعاتِه.
والثالِثُ: أنَّه خرَجَ جَوابًا لسُؤالِ السائِلِ عن حُكمِ الوُضوءِ من لُحومِها والصَّلاةِ في مَبارِكِها، فلا يُفهمُ من ذلك سِوى الوُضوءِ المُرادِ للصَّلاةِ.
والرابِعُ: أنَّه لو أرادَ غَسلَ اليَدِ لمَا فرَّقَ بينَه وبينَ لَحمِ الغَنمِ؛ فإنَّ غَسلَ اليَدِ منهما مُستحبٌّ، ولهذا قالَ: «مَنْ باتَ وفي يَدِه رِيحُ غَمَرٍ (١) فأصابَه شَيءٌ فلا يَلومَنَّ إلا نَفسَه» (٢). وما ذَكَروه من زيادةِ الزُّهومةِ فأمْرٌ يَسيرٌ لا يَقتَضي التَّفريقَ، واللهُ أعلَمُ.
ثم لا بدَّ من دَليلٍ نَصرفُ به اللَّفظَ عن ظاهِرِه، ويَجبُ أنْ يَكونَ الدَّليلُ له من القُوةِ بقَدرِ قُوةِ الظَّواهرِ المَتروكةِ وأَقوى منها، وليسَ لهم دَليلٌ، وقياسُهم فاسِدٌ؛ فإنَّه طَرديٌّ لا مَعنى فيه، وانتِفاءُ الحُكمِ في سائِرِ المَأكولاتِ لانتِفاءِ المُقتَضى لا لكَونِه مَأكولًا، فلا أثَرَ لكَونِه مَأكولًا، ووُجودُه كعَدمِه.
ومن العَجبِ أنَّ مُخالِفينا في هذه المَسألةِ أوجَبوا الوُضوءَ بأَحاديثَ ضَعيفةٍ تُخالِفُ الأُصولَ، فأبو حَنيفةَ أوجَبَه بالقَهقَهةِ في الصَّلاةِ دونَ خارِجِها بحَديثٍ من مَراسيلِ أبي العاليةِ، ومالِكٌ والشافِعيُّ أوجباه بمَسِّ الذَّكرِ بحَديثٍ مُختلَفٍ فيه، مُعارَضٌ بمِثلِه دونَ مَسِّ بَقيةِ الأَعضاءِ، وترَكوا
стр. 425
هذا الحَديثَ الصَّحيحَ الذي لا مُعارِضَ له مع بُعدِه عن التَّأويلِ وقُوةِ الدِّلالةِ فيه لمُخالَفتِه لقياسٍ طَرديٍّ (١).
سابِعًا: الوُضوءُ من غُسلِ المَيتِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ كانَ مُتوضِّئًا ثم غسَّلَ مَيتًا هل يَنتقضُ وُضوؤُه أو لا؟
فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِ الوُضوءِ من غُسلِ المَيتِ، أي: إذا كانَ الإِنسانُ مُتوضِّئًا ثم غسَّلَ مَيتًا انتَقضَ وُضوؤُه سَواءٌ كانَ المَغسولُ صَغيرًا أو كَبيرًا، ذَكرًا أو أُنثى، مُسلمًا أو كافِرًا؛ لأنَّ الغالِبَ فيه أنَّه لا يَسلَمُ أنْ تَقعَ يَدُه على فَرجِ المَيتِ، فكانَت مَظِنةُ ذلك قائِمةً مَقامَ حَقيقتِه كما أُقيمَ النَّومُ مَقامَ الحَدثِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى عَدمِ وُجوبِ الوُضوءِ على مَنْ غسَّلَ مَيتًا؛ ولأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ، ولم يَرِدْ في هذا نَصٌّ، ولا هو في مَعنى المَنصوصِ عليه؛ فيَبقى على الأصلِ؛ ولأنَّه غُسلُ آدَميٍّ فأشبَهَ غُسلَ الحَيِّ، ولكنَّ الاستِحبابَ مُتوجَّهٌ ظاهِرٌ فيُستحبُّ أنْ يَتوضَّأَ.
стр. 426
وقالَ ابنُ قُدامةَ: وما رُويَ عن أحمدَ يُحملُ على الاستِحبابِ دونَ الإِيجابِ؛ فإنَّ كَلامَه يَقتَضي نَفيَ الوُجوبِ (١)، ولكنَّ الاستِحبابَ مُتوجَّهٌ ظاهِرٌ فيُستحبُّ أنْ يَتوضَّأَ.
ثامِنًا: القَهقَهةُ في الصَّلاةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ كانَ مُتوضِّئًا ثم قَهقَهَ في خارِجِ الصَّلاةِ فإنَّه لا يَنتقضُ وُضوؤُه.
إلا أنَّهم اختَلَفوا فيمَن قَهقَه في صَلاتِه هل يَبطلُ وُضوؤُه أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَهقَهةَ في الصَّلاةِ ليسَت حَدثًا يَنقضُ الوُضوءَ؛ لأنَّها لا تَنقضُ الوُضوءَ في خارِجِ الصَّلاةِ فلا تَنقضُه في داخِلِها؛ ولأنَّها ليسَت خارِجًا نَجسًا، بل هو صَوتٌ كالكَلامِ والبُكاءِ، ولأنَّ الوُجوبَ من الشارِعِ ولم يُنصَّ من الشارِعِ في هذا على إِيجابٍ للوُضوءِ، ولا في شَيءٍ يُقاسُ هذا عليه.
ولكنْ قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ: الوُضوءُ من القَهقَهةِ مُستحبٌّ في أحدِ القَولَينِ في مَذهبِ أحمدَ، والحَديثُ المَأثورُ في أمرِ الذين قَهقَهوا بالوُضوءِ وَجهُه أنَّهم أذنَبوا بالضَّحكِ، ومُستحبٌّ لكلِّ مَنْ أذنَبَ ذَنبًا أنْ
стр. 427
يَتوضَّأَ ويُصليَ رَكعَتينِ كما جاءَ في السُّننِ عن أبي بَكرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ما من مُسلمٍ يُذنبُ ذَنبًا ثم يَتوضَّأُ فيُصلِّي رَكعَتينِ، ثم يَستغفِرُ اللهَ لذلك الذَّنبِ، إلا غُفرَ له» (١)، واللهُ أعلَمُ (٢).
وذكَرَ الحَنفيةُ في جُملةِ الأَحداثِ التي تَنقضُ الوُضوءَ القَهقَهةَ في الصَّلاةِ إذا حدَثَت من مُصلٍّ بالِغٍ يَقظانَ في صَلاةٍ كامِلةٍ ذاتِ رُكوعٍ وسُجودٍ سَواءٌ كان مُتوضِّئًا أو مُتيمِّمًا أو مُغتسِلًا في الصَّحيحِ وسَواءٌ كانَت القَهقَهةُ عَمدًا أو سَهوًا، لمَا رَوى أبو العاليةِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «كانَ يُصلِّي بأَصحابِه فجاءَ ضَريرٌ فتَردَّى في بِئرٍ، فضَحِك القَومُ فأمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ الذين ضحِكوا أنْ يُعيدوا الوُضوءَ والصَّلاةَ» (٣).
والقَهقَهةُ ما يَكونُ مَسموعًا لجِيرانِه، والضَّحكُ ما يَسمعُه هو دونَ جِيرانِه، والتَّبسُّمُ ما لا صَوتَ فيه ولو بَدَت أَسنانُه.
قالوا: القَهقَهةُ تُبطلُ الوُضوءَ والصَّلاةَ مَعًا، والضَّحكُ يُبطلُ الصَّلاةَ خاصَّةً، والتَّبسُّمُ لا يُبطلُ شَيئًا.
стр. 428
وعلى ذلك فلا يَبطلُ وُضوءُ صَبيٍّ ونائِمٍ بالقَهقَهةِ في الصَّلاةِ على الأصَحِّ عندَهم، كما لا يُنقضُ وُضوءُ مَنْ قَهقَه في خارِجِ الصَّلاةِ، أو مَنْ كانَ في صَلاةٍ غيرِ كامِلةٍ كصَلاةِ الجِنازةِ وسُجودِ التِّلاوةِ.
ثم قيلَ: القَهقَهةُ من الأَحداثِ عندَهم، وقيلَ: إنَّها ليسَت حَدثًا إنَّما يَجبُ الوُضوءُ بها عُقوبةً وزَجرًا؛ لأنَّ المَقصودَ بالصَّلاةِ إظهارُ الخُشوعِ والخُضوعِ والتَّعظيمِ للهِ تَعالى، والقَهقَهةُ تُنافي ذلك، فناسَبَ انتِقاضَ وُضوئِه زَجرًا له، والراجِحُ أنَّها ليسَت حَدثًا وإلا لاستَوى فيها البالِغُ وغيرُه.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: ورجَّحَ في «البَحر» القَولَ الثانِيَ لمُوافَقتِه القياسَ؛ لأنَّها ليسَت خارجًا نَجسًا بل هي صَوتٌ كالكَلامِ والبُكاءِ، ولمُوافَقتِه الأَحاديثَ المَرويةَ فيها؛ إذْ ليسَ فيها إلا الأمرُ بإعادةِ الوُضوءِ والصَّلاةِ، ولا يَلزمُ منه كَونُه حَدثًا.
وفائِدةُ الخِلافِ في القَولَينِ تَظهرُ في جَوازِ مَسِّ المُصحفِ وكِتابةِ القُرآنِ، فمَن جعَلَها حَدثًا منَعَ كسائِرِ الأَحداثِ، ومَن أوجَبَ الوُضوءَ عُقوبةً وزَجرًا جوَّزَ مَسَّ المُصحفِ وكِتابةَ القُرآنِ (١).
تاسِعًا: الرِّدَّةُ:
الرِّدَّةُ: هي الإِتيانُ بما يُخرجُ من الإِسلامِ، إمَّا نُطقًا وإمَّا اعتِقادًا وإمَّا شَكَّا يَنقُلُ عن الإِسلامِ.
стр. 429
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ الإِنسانُ مُتوضِّئًا ثم ارتَدَّ والعياذُ باللهِ هل يَنتقضُ وُضوؤُه بهذا وتَكونُ الرِّدةُ حَدثًا أو لا يَنتقضُ وُضوؤُه، فإذا عادَ إلى الإِسلامِ وهو ما زالَ على وُضوئِه لم يَنتقضْ بشَيءٍ آخَرَ جازَ له الصَّلاةُ بهذا الوُضوءِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الرِّدةَ والعياذُ باللهِ حَدثٌ يَنقضُ الوُضوءَ، فلو ارتَدَّ إِنسانٌ والعياذُ باللهِ ثم عاوَدَ إِسلامَه ورجَعَ إلى دِينِ الحَقِّ فليسَ له الصَّلاةُ حتى يَتوضَّأَ، وإنْ كانَ مُتوضِّئًا قبلَ رِدتِه ولم يُنقضْ وُضوؤُه بأسبابٍ أُخرى؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] والطَّهارةُ عَملٌ.
ونقَلَ ابنُ القاسِمِ استِحبابَ الوُضوءِ في هذه الحالةِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ الرِّدةَ ليسَت من أَسبابِ الحَدثِ فلا يُنقضُ الوُضوءُ بها عندَهم؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فشَرطُ الحُبوطِ المَوتُ على ذلك (١).
стр. 430
الكَذبُ والغِيبةُ وقَولُ الزُّورِ هل تَنقضُ الوُضوءَ؟
لا يَنقضُ الوُضوءَ الكَذبُ والغِيبةُ والرَّفثُ والقَذفُ وغيرُها بإِجماعِ العُلماءِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ مَنْ نَحفظُ قَولَه من عُلماءِ الأَمصارِ على أنَّ القَذفَ وقَولَ الزُّورِ والكَذبَ والغِيبةَ لا تُوجبُ طَهارةً ولا تَنقضُ وُضوءًا، وقد رَوَينا عن غيرِ واحِدٍ من الأَوائلِ: أنَّهم أمَروا بالوُضوءِ من الكَلامِ الخَبيثِ، وذلك يَكونُ استِحبابًا عندَنا ممَّن أمَرَ به، ولا نَعلمُ حُجةً تُوجِبُ وُضوءًا في شَيءٍ من الكَلامِ، وقد ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ حلَفَ باللَّاتِ والعُزَّى فليَقُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ» (١)، ولم يَأمرْ في ذلك بوُضوءٍ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ ابنُ المُنذرِ في كِتابَيه «الإشراف» و «الإِجماع» وابنُ الصَّباغِ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّه لا يَجبُ الوُضوءُ من الكَلامِ القَبيحِ، كالغِيبةِ والقَذفِ وقَولِ الزُّورِ وغيرِها، ونقَلَ الرُّويانِيُّ عن الشِّيعةِ إِيجابَ الوُضوءِ من ذلك. والشِّيعةُ لا يُعتدُّ بخِلافِهم.
واحتَجَّ الشافِعيُّ ثم ابنُ المُنذرِ ثم البَيهَقيُّ وأَصحابُنا في المَسألةِ بحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ قالَ في حَلفِه
стр. 431
باللَّاتِ والعُزَّى فليَقُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ، ومَن قالَ لغيرِه: تَعالَ أُقامرْك فليَتصدَّقْ» رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ (١).
الشَّكُّ في الحَدثِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ تَيقَّنَ الطَّهارةَ وشَكَّ في الحَدثِ أو تَيقَّنَ الحَدثَ وشَكَّ في الطَّهارةِ فهو على ما تَيقَّنَ منهما، يَعني: إذا علِمَ أنَّه تَوضَّأ وشَكَّ هل أحدَثَ أو لا، بَنى على أنَّه مُتطهِّرٌ، وإنْ كانَ مُحدثًا فشَكَّ هل تَوضَّأ أو لا فهو غيرُ مُتوضِّئٍ ويُلغي الشَّكَّ.
لمَا رَوى عبدُ اللهِ بنُ زَيدٍ ﵁ قالَ: «شُكيَ إلى النَّبيِّ ﷺ الرَّجلُ يُخيَّلُ إليه أنَّه يَجدُ الشَّيءَ في الصَّلاةِ؟ قالَ: لا يَنصرفْ حتى يَسمعَ صَوتًا، أو يَجدَ ريحًا» مُتَّفقٌ عليه (٢).
ولمُسلمٍ عن أبي هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا وجَدَ أحدُكم في بَطنِه شَيئًا فأشكَلَ عليه أخَرَجَ منه شَيءٌ أم لا؟ فلا يَخرُجنَّ من المَسجدِ حتى يَسمعَ صَوتًا أو يَجدَ ريحًا» (٣).
وإذا تَيقَّنَ الطَّهارةَ والحَدثَ مَعًا ولم يَعلمِ الآخَرَ منهما، مِثلَ مَنْ تَيقَّنَ أنَّه كانَ في وَقتِ الظُّهرِ مُتطهِّرًا مَرةً ومُحدِثًا أُخرى ولا يَعلمُ أيَّهما كانَ بعدَ صاحِبِه؛ فإنَّه يَرجعُ إلى حالِه قبلَ الزَّوالِ عندَ الحَنابِلةِ، وهو الأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ، وبَعضِ الحَنفيةِ، فعلى ذلك إنْ كانَ قبلَهما مُحدِثًا فهو الآنَ
стр. 432
مُتطهِّرٌ؛ لأنَّه تَيقَّنَ الطَّهارةَ وشَكَّ في تأخُّرِ الحَدثِ عنها، والأصلُ عَدمُ تأخُّرِه، وإنْ كان قبلَهما مُتطهِّرًا فهو الآنَ مُحدِثٌ؛ لأنَّه تَيقَّنَ الحَدثَ وشَكَّ في تأخُّرِ الطَّهارةِ عنه، والأصلُ عَدمُ تَأخُّرِها؛ فإنْ لم يَعلَمْ ما قبلَهما لزِمَه الوُضوءُ لتَعارُضِ الاحتِمالَين من غيرِ مَرجعٍ.
وقالَ الحَنفيةُ في المَشهورِ: لو تَيقَّنَهما وشَكَّ في السابِقِ فهو مُتطهِّرٌ (١).
أمَّا المالِكيةُ فقد صرَّحوا بنَقضِ الوُضوءِ فيمَن شَكَّ هل أحدَثَ أو لا؛ فإنْ أيقَنَ بالوُضوءِ ثم شَكَّ فلم يَدرِ أأحدَثَ بعدَ الوُضوءِ أم لا فليُعدْ وُضوءَه إلا أنْ يَكونَ الشَّكُّ مُستَنكحًا (٢).
قالَ الحَطابُ: هذا إذا شَكَّ قبلَ الصَّلاةِ، أمَّا إذا صَلَّى ثم شَكَّ، هل أحدَثَ أو لا، ففيه قَولانِ:
والشَّكُّ المُوجِبُ للوُضوءِ له ثَلاثُ صُورٍ:
١ - أنْ يَشكَّ في الناقِضِ من حَدثٍ أو سَببٍ بعدَ عِلمِه بتَقديمِ طُهرِه.
٢ - وأنْ يَشكَّ في الطُّهرِ بعدَ عِلمِه بالناقِضِ فلا يَدري هل تَوضَّأ بعدَه أو لا.
٣ - وأنْ يَعلمَ كلًّا من الطُّهرِ والحَدثِ ولكنْ شَكَّ في السابِقِ منهما.
والصُّورُ الثَّلاثُ مُوجِبةٌ للوُضوءِ (٣).
стр. 433
باب في المَسحِ على الخُفَّين
المَسحُ لُغةً: إِمرارُ اليَدِ على الشَّيءِ بَسطًا.
وشَرعًا: إِصابةُ البَلَّةِ لخُفٍّ مَخصوصٍ في مَحلٍ مَخصوصٍ وزَمنٍ مَخصوصٍ (١).
مَشروعيةُ المَسحِ على الخُفَّينِ:
ثبَتَت مَشروعيةُ المَسحِ على الخُفَّينِ بالسُّنةِ النَّبويةِ المُطهَّرةِ وبالإِجماعِ.
أمَّا السُّنةُ:
١ - فبما رَواه مُسلمٌ عن جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ البَجليِّ ﵁: «أنَّه بالَ ثم تَوضَّأ ومسَحَ على خُفَّيه، فقيلَ: تَفعلُ هذا؟ فقالَ: نَعَمْ، رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ بالَ ثم تَوضَّأ، ومسَحَ على خُفَّيه» (٢)، قالَ الأعمَشُ: قالَ إِبراهيمُ النَّخَعيُّ: يُعجبُهم هذا الحَديثُ؛ لأنَّ إِسلامَ جَريرَ كانَ بعدَ نُزولِ
стр. 434
المائِدةِ التي فيها قَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] والتي قيلَ: إنَّها ناسِخةٌ للمَسحِ.
٢ - ما رُويَ عن علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «لو كانَ الدِّينُ بالرَّأيِ لكانَ أسفَلُ الخُفِّ أَولى بالمَسحِ من أَعلاه، وقد رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَمسحُ على ظاهِرِ الخُفَّينِ» (١)، وهناك أدِلةٌ أُخرى ستَأتي إنْ شاءَ اللهُ .
أمَّا الإِجماعُ:
فقد قالَ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ من يُعتدُّ به في الإِجماعِ على جَوازِ المَسحِ على الخُفَّينِ في السَّفرِ والحَضرِ سَواءٌ كانَ لحاجةٍ أو لغيرِها، حتى إنَّه يَجوزُ للمَرأةِ المُلازمةِ بَيتَها والزَّمِنِ الذي لا يَمشي، وإنَّما أنكَرَته الشِّيعةُ والخَوارجُ ولا يُعتدُّ بخِلافِهم.
وقد رُويَ عن مالِكٍ ﵀ رِواياتٌ فيه، والمَشهورُ من مَذهبِه كمَذهبِ الجُمهورِ وقد رَوى المَسحَ على الخُفَّينِ خَلائِقُ لا يُحصَوْن من الصَّحابةِ.
قالَ الحَسنُ البَصريُّ ﵀: «حَدَّثني سَبعونَ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه كانَ يَمسحُ على الخُفَّينِ» (٢).
стр. 435
قالَ القُرطُبيُّ ﵀: وأمَّا مالِكٌ فما رُويَ عنه من الإنكارِ فهو مُنكَرٌ لا يَصحُّ، والصَّحيحُ ما قالَه عندَ مَوتِه لابنِ نافِعٍ قالَ: إنِّي كُنْتُ آخُذُ في خاصَّةِ نَفسي بالطَّهورِ ولا أَرى مَنْ مسَحَ مُقصِّرًا فيما يَجبُ عليه. وعلى هذا حمَلَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ ما رَواه ابنُ وَهبٍ عنه أنَّه قالَ: لا أمسَحُ في حَضرٍ ولا في سَفرٍ، قالَ: أمَرَهم أنْ يَمسَحوا خِفافَهم وخلَعَ هو وتَوضَّأ، وقال: حُبِّب إليَّ الوُضوءُ، ونَحوُه عن أبي أيُّوبَ، وقالَ أحمدُ ﵀ فمَن ترَكَ ذلك على نَحوِ ما ترَكَه ابنُ عُمرَ وأبو أيُّوبَ ومالِكٌ لم أُنكِرْه عليه، وصَلَّينا خلفَه ولم نَعِبْه إلا أنْ يَتركَ ذلك، ولا يَراه كما صنَعَ أهلُ البِدعِ فلا يُصلَّى خلفَه واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا أعلَمُ أحَدًا من فُقهاءِ المُسلِمينَ رُويَ عنه إِنكارُ المَسحِ إلا مالِكًا، والرِّواياتُ الصِّحاحُ عنه بخِلافِ ذلك في مُوطَّئِه فيَشهدُ للمَسحِ على الخُفَّينِ في الحَضرِ والسَّفرِ على ذلك جَميعُ أَصحابِه وجَميعُ أهلِ السُّنةِ (٢).
أيُّهما أفضَلُ: غَسلُ الرِّجلَينِ أم المَسحُ على الخُفَّينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في: أيُّهما أفضَلُ غَسلُ الرِّجلَينِ في الوُضوءِ أم المَسحُ على الخُفَّينِ أم الأفضَلُ الحالةُ التي عليها الإِنسانُ؟
стр. 436
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الغُسلَ أفضَلُ من المَسحِ؛ لأنَّ المُفترَضَ في كِتابِ اللهِ تَعالى هو الغَسلُ، والمَسحُ رُخصةٌ، فالغاسِلُ لرِجلَيه مُؤدٍّ لمَا افتَرَض اللهُ عليه، والماسِحُ على خُفَّيه فاعِلٌ لمَا أُبيحَ له (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَسحَ أفضَلُ؛ لأنَّه رُخصةٌ من الشارِعِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ يُحبُّ أنْ تُؤتَى رُخصُه كما يُحبُّ أنْ تُؤتَى عَزائِمُه» (٢)، ولأنَّ فيه مُخالَفةَ أهلِ البِدعِ.
وعن الإمامِ أحمدَ: أنَّهما سَواءٌ في الفَضيلةِ (٣).
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وفَصلُ الخِطابِ أنَّ الأفضَلَ في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ ما هو المُوافِقُ لحالِ قَدمِه، فالأفضَلُ لمَن قَدَماه مَكشوفَتانِ غَسلُهما، ولا يَتحرَّ لُبسَ الخُفِّ ليَمسحَ عليه، كما كانَ ﵊ يَغسلُ قَدَمَيه إذا كانَتا مَكشوفَتَين ويَمسحُ قَدَمَيه إذا كان لابِسًا للخُفِّ (٤).
стр. 437
مُدةُ المَسحِ على الخُفَّينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل للمَسحِ مُدةٌ لا يَجوزُ زَمنيًّا تَجاوُزُها أو يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَمسحَ على خُفَّيه ما شاءَ ولا حَدَّ فيه؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المَسحَ على الخُفَّينِ مُؤقَّتٌ بيَومٍ ولَيلةٍ في الحَضرِ وثَلاثةِ أيامٍ ولَياليهِنَّ للمُسافِرِ، لمَا رَواه مُسلمٌ عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ أنَّه قالَ: «جعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليهِنَّ للمُسافِرِ ويَومًا ولَيلةً للمُقيمِ» (١). قالَ النَّوويُّ ﵀ ففيه -أي: هذا الحَديثِ- الحُجةُ البَيِّنةُ والدِّلالةُ الواضِحةُ لمَذهبِ الجُمهورِ أنَّ المَسحَ على الخُفَّينِ مُؤقَّتٌ بثَلاثةِ أيامٍ في السَّفرِ وبيَومٍ ولَيلةٍ في الحَضرِ، وهذا مَذهبُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ وجَماهيرِ العُلماءِ من الصَّحابةِ فمَن بعدَهم (٢).
وبما رَواه عَوفُ بنُ مالِكٍ الأشجَعيُّ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بالمَسحِ على الخُفَّينِ في غَزوةِ تَبوكَ ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليهِنَّ للمُسافِرِ، ويَومًا ولَيلةً للمُقيمِ» (٣)، رَواه الإمامُ أحمدُ وقالَ: هو أجوَدُ حَديثٍ في المَسحِ
стр. 438
على الخُفَّينِ؛ لأنَّه في غَزوةِ تَبوكَ، وهي آخِرُ غَزوةٍ غَزاها النَّبيُّ ﷺ وهو آخِرُ فِعلِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجوزُ المَسحُ على الخُفَّينِ من غيرِ تَوقيتٍ بزَمانٍ، فلا يَنزعُهما إلا لمُوجِبِ الغُسلِ، ويُندبُ للمُكلَّفِ نَزعُهما في كلِّ أُسبوعٍ مَرةً يَومَ الجُمُعةِ، ولو لم يُرِدِ الغَسلَ لها، فإذا نزَعَهما لسَببٍ أو لغيرِه وجَبَ غَسلُ الرِّجلَينِ.
واحتَجُّوا على ذلك بما رَواه أُبيُّ بنُ عِمارةَ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ أمسَحُ على الخُفَّينِ؟ قالَ: «نَعَمْ» قالَ: يَومًا؟ قالَ: «يَومًا» قالَ: ويَومَين؟ قالَ: «ويَومَين» قالَ: وثَلاثةً؟ قالَ: «نَعَمْ، وما شِئتَ» (٢). ولأنَّه مَسحٌ في طَهارةٍ لم يَتوقَّفْ كمَسحِ الرأسِ في الوُضوءِ، والمَسحِ على الجَبائرِ، ولأنَّ التَّوقيتَ لا يُؤثِّرُ في نَقضِ الطَّهارةِ، إنَّما الناقِضُ للطَّهارةِ الحَدثُ من البَولِ والغائِطِ والجَنابةِ؛ ولأنَّ التَّوقيتَ يُنافي أُصولَ الطَّهاراتِ؛ فإنَّها دائِرةٌ مع أسبابِها لا مع أزمانِها، وإذا تَقابَلت الأخبارُ بَقيَ معنا النَّظرُ (٣).
стр. 439
قالَ النَّوويُّ ﵀: وقالَ مالِكٌ في المَشهورِ عنه: يَمسحُ بلا تَوقيتٍ، وهو قَولٌ قَديمٌ ضَعيفٌ للشافِعيِّ، واحتَجُّوا بحَديثِ ابنِ أبي عِمارةَ (بكَسرِ العَينِ) في تَركِ التَّوقيتِ، رواه أبو داودَ وغيرُه، وهو حَديثٌ ضَعيفٌ باتِّفاقِ أهلِ الحَديثِ (١).
وقالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: وأمَّا حَديثُ أبي عِمارةَ … لو ثبَتَ كانَ قَولُه: «وما شِئتَ» على أنَّه يَمسحُ بالثَّلاثِ ما شاءَ، وغيرُ جائِزٍ الاعتِراضُ على أَخبارِ التَّوقيتِ بمِثلِ هذه الأخبارِ الشاذةِ المُحتمِلةِ للمَعاني مع استِفاضةِ الرِّوايةِ عن النَّبيِّ ﷺ بالتَّوقيتِ؛ فإنْ قيلَ: لمَّا جازَ المَسحُ وجَبَ أنْ يَكونَ غيرَ مُؤقَّتٍ كمَسحِ الرأسِ. قيلَ له: لا حَظَّ للنَّظرِ مع الأثَرِ؛ فإنْ كانَت أَخبارُ التَّوقيتِ ثابِتةً فالنَّظرُ معها ساقِطٌ وإنْ كانَت غيرَ ثابِتةٍ فالكَلامُ حينَئذٍ يَنبَغي أنْ يَكونَ في إِثباتِها وقد ثبَتَ التَّوقيتُ بالأَخبارِ المُستفيضةِ من حيثُ لا يُمكنُ دَفعُها.
وأيضًا فإنَّ الفَرقَ بينَهما ظاهِرٌ من طَريقِ النَّظرِ، وهو أنَّ مَسحَ الرأسِ هو المَفروضُ في نَفسِه، وليسَ ببَدلٍ عن غيرِه، والمَسحُ على الخُفَّينِ بَدلٌ عن الغُسلِ مع إِمكانِه من غيرِ ضَرورةٍ، فلم يَجزْ إثباتُه بَدلًا إلا في المِقدارِ الذي ورَدَ به التَّوقيتُ (٢).
стр. 440
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: يَحتملُ أنَّه يَمسحُ ما شاءَ إذا نزَعَهما عندَ انتِهاءِ مُدتِه ثم لبِسَهما، ويَحتملُ أنَّه قالَ: «وما شِئتَ» من اليَومِ واليَومَينِ والثَّلاثةِ، ويَحتملُ أنَّه مَنسوخٌ بأَحاديثِنا؛ لأنَّها مُتأخِّرةٌ لكَونِ حَديثِ عَوفٍ في غَزوةِ تَبوكَ، وليسَ بينَها وبينَ وَفاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلا شَيءٌ يَسيرٌ، وقِياسُهم يَنتقضُ بالتَّيممِ (١).
شُروطُ المَسحِ على الخُفَّينِ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّه لا يَجوزُ المَسحُ على الخُفَّينِ لمَن وجَبَ عليه الغُسلُ، بل يَجبُ عليه نَزعُ الخُفِّ والاغتِسالُ لحَديثِ صَفوانَ بنِ عَسَّالٍ ﵁ أنَّه قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يأمُرُنا إذا كُنَّا سَفرًا ألَّا نَنزعَ خِفافَنا ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليهِنَّ إلا مِنْ جَنابةٍ» (٢).
قالَ الحافِظُ بنُ حَجرٍ ﵀: «المَسحُ على الخُفَّينِ خاصٌّ بالوُضوءِ لا مَدخلَ للغُسلِ فيه بإِجماعٍ» (٣).
كما أنَّهم ذهَبوا إلى جَوازِ المَسحِ على الخُفَّينِ من الحَدثِ الأصغَرِ لكنْ بشُروطٍ مُعيَّنةٍ.
وهذه الشُّروطُ تَنقسِمُ إلى قِسمَين، هُما: شُروطٌ مُتَّفقٌ عليها، وشُروطٌ مُختلَفٌ فيها، اشتَرَطها بَعضُهم ولم يَشتَرِطْها بَعضُهم الآخَرُ.
стр. 441
أولًا: الشُّروطُ المُتَّفقُ عليها:
أ- أنْ يَلبسَ الخُفَّينِ على طَهارةٍ ؛ لحَديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ قالَ: كُنْتُ مع النَّبيِّ ﷺ في سَفرٍ، فأهوَيتُ لأنزِعَ خُفَّيه فقالَ: «دَعْهما؛ فإنِّي أدخَلتُهما طاهِرتَينِ، فمسَحَ عليهما» (١).
إلا أنَّهم قد اختَلَفوا في بعضِ جُزئياتِ هذا الشَّرطِ.
فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترطُ أنْ يَلبسَ الخُفَّينِ جَميعًا على طَهارةٍ كامِلةٍ فلو غسَلَ رِجلًا ثم لبِسَ خُفَّها ثم غسَلَ الأُخرى ولبِسَ خُفَّها لم يَجزِ المَسحُ؛ لأنَّه لم يُدخِلْهما بعدَ طَهارةٍ كامِلةٍ؛ لحَديثِ المُغيرةِ السابِقِ: «دَعْهما؛ فإنِّي أدخَلتُهما طاهِرتَين»، فجعَلَ العِلةَ وُجودَ الطَّهارةِ فيهما جَميعًا وَقتَ إِدخالِهما، ولم تُوجدْ طَهارتُهما وَقتَ لُبسِ الأولِ، ولأنَّ ما اعتُبِرت له الطَّهارةُ اعتُبِر له كَمالُها كالصَّلاةِ ومَسِّ المُصحفِ، ولأنَّ الأولَ خُفٌّ مَلبوسٌ قبلَ رَفعِ الحَدثِ فلم يَجزِ المَسحُ عليه كما لو لبِسَه قبلَ غَسلِ قَدمَيه.
وذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ وجَماعةٌ من أَصحابِ الإمامِ مالِكٍ منهم مُطرِّفٌ وغيرُه إلى جَوازِ الصُّورةِ السابِقةِ.
وقالَ الحَنفيةُ: إنَّ من شُروطِ جَوازِ المَسحِ أنْ يَكونَ لابِسُ الخُفَّينِ على طَهارةٍ كامِلةٍ عندَ الحَدثِ بعدَ اللُّبسِ، ولا يُشترطُ أنْ يَكونَ على طَهارةٍ كامِلةٍ وَقتَ اللُّبسِ ولا أنْ يَكونَ على طَهارةٍ كامِلةٍ أصلًا ورأسًا.
стр. 442
وبَيانُ ذلك أنَّ المُحدِثَ إذا غسَلَ رِجلَيه أولًا، ولبِسَ خُفَّيه ثم أتَمَّ الوُضوءَ قبلَ أنْ يُحدثَ ثم أحدَثَ جازَ له أنْ يَمسحَ على الخُفَّينِ لوُجودِ الشَّرطِ، وهو لُبسُ الخُفَّينِ على طَهارةٍ كامِلةٍ وَقتَ الحَدثِ بعدَ اللُّبسِ، وذلك لأنَّ تَرتيبَ أفعالِ الوُضوءِ على نَسقِ الآيةِ ليسَ بواجِبٍ؛ فلو قدَّمَ رَجلٌ غَسلَ رِجلَيه على بَقيةِ الأَعضاءِ بأنْ مسَحَ رأسَه ثم غسَلَ يَدَيه ثم وَجهَه صَحَّ وُضوؤُه (١).
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفَ الفُقهاءُ من هذا البابِ فيمَن غسَلَ رِجلَيه ولبِسَ خُفَّيه ثم أتَمَّ وُضوءَه هل يَمسحُ عليهما؟
فمَن لم يَرَ أنَّ التَّرتيبَ واجِبٌ ورَأى أنَّ الطَّهارةَ تَصحُّ لكلِّ عُضوٍ قبلَ تَكملةِ الطَّهارةِ لجَميعِ الأَعضاءِ قالَ بجَوازِ ذلك، ومَن رَأى أنَّ التَّرتيبَ واجِبٌ وأنَّه لا تَصحُّ طَهارةُ العُضوِ إلا بعدَ طَهارةِ جَميعِ أَعضاءِ الطَّهارةِ لم يُجِزْ ذلك.
وبالقَولِ الأولِ قالَ أبو حَنيفةَ، وبالقَولِ الثاني قالَ الشافِعيُّ ومالِكٌ، إلا أنَّ مالِكًا لم يَمنعْ ذلك من جِهةِ التَّرتيبِ، وإنَّما منَعَه من جِهةِ أنَّه يَرى أنَّ الطَّهارةَ لا تُوجدُ للعُضوِ إلا بعدَ كَمالِ جَميعِ الطَّهارةِ، وقد قالَ ﵇: «وهُما طاهِرتان»، فأخبَرَ عن الطَّهارةِ الشَّرعيةِ.
стр. 443
وعلى هذه الأُصولِ يَتفرَّعُ الجَوابُ فيمَن لبِسَ أحدَ خُفَّيه بعدَ أنْ غسَلَ إحدَى رِجلَيه وقبلَ أنْ يَغسلَ الأُخرى، فقالَ مالِكٌ: لا يَمسحُ على الخُفَّينِ؛ لأنَّه لابِسٌ للخُفِّ قبلَ تَمامِ الطَّهارةِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأحمدَ، أي: في إحدَى رِوايَتَيه، وإِسحاقَ.
وقالَ أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والطَّبريُّ وداودُ: يَجوزُ له المَسحُ، وبه قالَ جَماعةٌ من أَصحابِ مالِكٍ، منهم مُطرِّفٌ وغيرُه، وكلُّهم أجمَعوا على أنَّه لو نزَعَ الخُفَّ الأولَ بعدَ غَسلِ الرِّجلِ الثانيةِ ثم لبِسَه جازَ له المَسحُ (١).
إذا تَيمَّمَ ثم لبِسَ الخُفَّ هل يَجوزُ له أنْ يَمسحَ عليه؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا تَيمَّمَ ثم لبِسَ الخُفَّ هل يَجوزُ له أنْ يَمسحَ عليه أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ أنْ تَكونَ الطَّهارةُ مائيةً من وُضوءٍ أو غُسلٍ، لا تُرابيةً، فلا يَجوزُ عندَهم المَسحُ على الخُفِّ لمَن تَيمَّمَ ثم أحدَثَ (٢).
أمَّا الشافِعيةُ؛ فإنَّهم يُجوِّزون أنْ تَكونَ الطَّهارةُ بالماءِ أو بالتَّيممِ ولكنْ ليسَ لفَقدِ الماءِ مَثلًا، بل لعَدمِ القُدرةِ على استِعمالِه (٣).
стр. 444
ب- أنْ يَكونَ الخُفُّ طاهِرًا:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترطُ في الخُفِّ أنْ يَكونَ طاهِرًا فلا يَجوزُ المَسحُ على خُفٍّ نَجسٍ كجِلدِ المَيتةِ؛ فإنْ كان غيرَ مَدبوغٍ فهو نَجسٌ باتِّفاقٍ، أمَّا بعدَ الدَّبغِ فيَجوزُ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ؛ لأنَّ الدَّبغَ مُطهِّرٌ عندَهم.
وقالَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الدَّبغَ غيرُ مُطهِّرٍ عندَهم -كما سيَأتي بَيانُه- والنَّجسُ مَنهيٌّ عنه.
وكذلك لو دُبغَ عندَ مَنْ يَقولُ بطَهارتِه، وتَنجَّسَ ما لم يَطهُرْ، لعَدمِ إمكانِ الصَّلاةِ فيه، وفائِدةُ المَسحِ -وإنْ لم تَنحصِرْ فيها- القَصدُ الأَصليُّ منه الصَّلاةُ وغيرُها تَبعٌ لها، ولأنَّ الخُفَّ بَدلٌ عن الرِّجلِ، وهي لا تَطهُرُ عن الحَدثِ ما لم تُزَلْ نَجاستُها، فكيف يُمسحُ على البَدلِ وهو نَجسُ العَينِ، والمُتنجِّسُ كالنَّجسِ (١).
ج- أنْ يَكونَ الخُفُّ ساتِرًا للمَحلِّ المَفروضِ غَسلُه في الوُضوءِ:
يُشترطُ أنْ يَكونَ الخُفُّ ساتِرًا للمَحلِّ المَفروضِ غَسلُه في الوُضوءِ فلا يَجوزُ المَسحُ على خُفٍّ غيرِ ساتِرٍ للكَعبَينِ مع القَدمِ، فلو قصَّرَ عن مَحلِّ الفَرضِ لم يَجزِ المَسحُ عليه بلا خِلافٍ؛ لأنَّ ما ظهَرَ واجِبُه الغُسلُ، وفَرضُ المُستتِرِ المَسحُ، ولا قائِلَ بالجَمعِ بينَهما (٢).
стр. 445
د- إِمكانيةُ مُتابَعةِ المَشيِ فيهما:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في الخُفَّينِ إمكانيةَ مُتابعةِ المَشيِ فيهما لمَسافةٍ مُعيَّنةٍ، وتَفصيلُ هذا الشَّرطِ على النَّحوِ التالي:
ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُشترطُ في الخُفَّينِ إِمكانيةُ مُتابعةِ المَشيِ المُعتادِ فيهما فَرسخًا فأكثَرَ، وهو ثَلاثةُ أيامٍ، اثنا عَشرَ ألفَ خُطوةٍ، على الصَّحيحِ، وفي قَولٍ مُدةَ السَّفرِ الشَّرعيِّ للمُسافرِ فلا يَجوزُ المَسحُ على الخُفِّ الرَّقيقِ الذي يَتخرَّقُ من مُتابعةِ المَشيِ في هذه المَسافةِ، والمُرادُ من صُلوحِه لقَطعِ المَسافةِ أنْ يَصلحَ لذلك بنَفسِه من غيرِ لُبسِ المَداسِ فوقَه؛ فإنَّه قد يَرقُّ أسفَلُه ويَمشي به فوقَ المَداسِ أَيامًا وهو بحيثُ لو مَشى به وَحدَه فَرسخًا تَخرَّق قَدرَ المانِعِ.
كما لا يَجوزُ عندَهم اتِّخاذُ الخُفِّ من زُجاجٍ وخَشبٍ وحَديدٍ، وكذا لو لَفَّ على رِجلِه خِرقةً ضَعيفةً لم يَجزِ المَسحُ؛ لأنَّه لا تَنقطعُ به مَسافةُ السَّفرِ.
كما لا يَجوزُ المَسحُ على الخُفِّ الذي لا يُمسكُ على الرِّجلِ من غيرِ شَدٍّ (١).
стр. 446
ويَرى المالِكيةُ لجَوازِ المَسحِ على الخُفَّينِ أنْ يُمكنَ المَشيُ فيه عادةً فلا يَجوزُ المَسحُ على خُفٍّ واسِعٍ يَنسلِتُ من الرِّجلِ عندَ المَشيِ فيه، وهو الذي لا يُمكنُ تَتابُعُ المَشيِ فيه (١).
ويَرى الشافِعيةُ لجَوازِ المَسحِ أنْ يَكونَ الخُفُّ قَويًّا بحيث يُمكنُ مُتابعةُ المَشيِ عليه بقَدرِ ما يَحتاجُ إليه المُسافِرُ في حَوائجِه عندَ الحَطِّ والتَّرحالِ.
قالَ ابنُ العِمادِ: المُعتبَرُ التَّرددُ فيه بحَوائجِ يَومٍ ولَيلةٍ للمُقيمِ ونَحوِه، وثَلاثةِ أيامٍ ولَياليهِنَّ للمُسافرِ سَفرَ قَصرٍ؛ لأنَّه بعدَ انقِضاءِ المُدةِ يَجبُ نَزعُه فقُوَّتُه تُعتبَرُ بأنْ يُمكنَ التَّرددُ فيه لذلك، وسَواءٌ ذلك المُتَّخذُ من جِلدٍ، وغيرِه، كلُبَدٍ وزُجاجٍ (٢).
ويَرى الحَنابِلةُ أنَّه يَجوزُ اتِّخاذُ الخُفِّ من جِلدٍ أو خَشبٍ وغيرِها بشَرطِ إمكانيةِ مُتابعةِ المَشيِ فيه عُرفًا وبشَرطِ أنْ يَستمسِكَ على القَدمِ (٣).
стр. 447
ثانيًا: الشُّروطُ المُختلَفُ فيها:
أ- أنْ يَكونَ الخُفُّ سَليمًا من الخُروقِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الخُفِّ هل يُشترطُ فيه أنْ يَكونَ سَليمًا من الخُروقِ ولا يَصحُّ المَسحُ على الخُفِّ المُخرَّقِ أو يَجوزُ المَسحُ على الخُفِّ المُخرَّقِ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ المَسحُ على الخُفِّ المُخرَّقِ ولو كانَ يَسيرًا؛ لأنَّ ما انكشَفَ حُكمُه الغَسلُ، وما استتَرَ حُكمُه المَسحُ، والجَمعُ بينَهما لا يَجوزُ، فغلَبَ حُكمُ الغَسلِ كما لو انكشَفَت إحدَى القَدَمَين واستتَرَت الأُخرى (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى جَوازِ المَسحِ على الخُفِّ المُخرَّقِ إذا كانَ الخَرقُ يَسيرًا دَفعًا للحَرجِ عن المُكلَّفينَ؛ إذْ إنَّ الخِفافَ لا تَخلو من خَرقٍ في العادةِ، ولأنَّه يُمكنُ مُتابعةُ المَشيِ فيه، فأشبَهَ الصَّحيحَ، ولأنَّ الغالِبَ على خِفافِ العَربِ كَونُها مُخرَّقةً، وقد أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بمَسحِها من غيرِ تَفصيلٍ فيَنصرِفُ إلى الخِفافِ المَلبوسةِ عندَهم غالِبًا.
وقدَّرَ الحَنفيةُ الخَرقَ اليَسيرَ بمِقدارِ ثَلاثِ أَصابعَ من أصغَرِ أَصابعِ القَدمِ (٢).
стр. 448
وقدَّرَه المالِكيةُ بمِقدارِ ثُلثِ القَدمِ؛ فإنَّ هذا القَدرَ مَعفوٌّ عنه (١).
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀: وهذا القَولُ هو الراجِحُ؛ فإنَّ الرُّخصةَ عامَّةٌ، ولَفظُ الخُفِّ يَتناولُ ما فيه الخَرقُ، وما لا خَرقَ فيه، لا سيَّما أنَّ الصَّحابةَ كانَ فيهم فُقراءُ كَثيرون، وكانوا يُسافِرون، وإذا كانَ كذلك فلا بدَّ أنْ يَكونَ في بعضِ خِفافِهم خُروقٌ، والمُسافِرون قد يَتخرَّقُ خُفُّ أحَدِهم ولا يُمكنُه إصلاحُه في السَّفرِ؛ فإنْ لم يَجزِ المَسحُ عليه لم يَحصُلْ مَقصودُ الرُّخصةِ.
وأيضًا فإنَّ جُمهورَ العُلماءِ يَعفون عن ظُهورِ يَسيرِ العَورةِ، وعن يَسيرِ النَّجاسةِ التي يَشقُّ الاحتِرازُ عنها: فالخَرقُ اليَسيرُ في الخُفِّ كذلك.
وقَولُ القائِلِ: إنَّ ما ظهَرَ فَرضُه الغَسلُ مَمنوعٌ؛ فإنَّ الماسِحَ على الخُفِّ لا يَستوعِبُه بالمَسحِ كالماسِحِ على الجَبيرةِ، بل يَمسحُ أعلاه دونَ أسفَلِه وعَقبِه، وذلك يَقومُ مَقامَ غَسلِ الرِّجلِ، فمَسحُ بعضِ الخُفِّ كافٍ عما يُحاذي المَمسوحَ وما لا يُحاذيه؛ فإنْ كانَ الخَرقُ في العَقبِ لم يَجبْ غَسلُ ذلك المَوضعِ ولا مَسحُه، ولو كانَ على ظَهرِ القَدمِ لا يَجبُ مَسحُ كلِّ جُزءٍ من ظَهرِ القَدمِ، وبابُ المَسحِ على الخُفَّينِ مما جاءَت السُّنةُ فيه بالرُّخصةِ حتى جاءَت بالمَسحِ على الجَواربِ والعَمائمِ وغيرِ ذلك، فلا يَجوزُ أنْ يَتناقَضَ مَقصودُ الشارِعِ من التَّوسِعةِ بالحَرجِ والتَّضييقِ (٢).
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم في ذلك: اختِلافُهم في انتِقالَ الفَرضِ من الغَسلِ إلى المَسحِ هل هو لمَوضعِ السَّترِ -أعني سَتْرَ خُفِّ
стр. 449
القَدمَين- أو هو لمَوضعِ المَشقةِ في نَوعِ الخُفَّينِ؟ فمَن رآه لمَوضعِ السَّتْرِ، لم يَجزِ المَسحُ على الخُفِّ المُنخرِقِ؛ لأنَّه إذا انكشَفَ من القَدمِ شَيءٌ انتقَلَ فَرضُهما من المَسحِ إلى الغَسلِ.
ومَن رَأى أنَّ العِلةَ في ذلك المَشقةُ لم يَعتبِرِ الخَرقَ ما دامَ يُسمَّى خُفًّا.
وأمَّا التَّفريقُ بينَ الخَرقِ الكَثيرِ والخَرقِ اليَسيرِ فاستِحسانٌ ورَفعٌ للحَرجِ.
وقالَ الثَّوريُّ: كانَت خِفافُ المُهاجِرين والأنصارِ لا تَسلَمُ من الخُروقِ كخِفافِ الناسِ، فلو كانَ في ذلك حَظرٌ لورَدَ ونُقلَ عنهم.
قُلتُ: هذه المَسألةُ مَسكوتٌ عنها، فلو كانَ فيها حُكمٌ مع عُمومِ الابتِلاءِ به لبيَّنَه ﷺ وقد قالَ تَعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] (١).
ب- أنْ يَكونَ الخُفُّ من جِلدٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الخُفِّ هل يُشترطُ فيه أنْ يَكونَ من جِلدٍ فقط أو يَجوزُ من كلِّ خُفٍّ مَصنوعٍ من قُماشٍ أو صُوفٍ أو قُطنٍ؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يُشترطُ في الخُفِّ أنْ يَكونَ مَصنوعًا من جِلدٍ دونَ غيرِه فلا يَجوزُ عندَهم المَسحُ على الخُفِّ المُتَّخذِ من قُماشٍ وصُوفٍ وقُطنٍ ونَحوِ ذلك، إلا إذا أُكسيَت بالجِلدِ، كما اشتَرَطوا أنْ يَكونَ الجِلدُ مَخروزًا أو مَخيطًا، فلا يَجوزُ المَسحُ على الذي يَتماسَكُ باللَّصقِ (٢).
ويَرى جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ جَوازَ المَسحِ على الخُفِّ المَصنوعِ من الجِلدِ أو غيرِه بشَرطِ أنْ يَكونَ الخُفُّ مانِعًا من وُصولِ
стр. 450
الماءِ إلى القَدمِ، مع بَقيةِ الشُّروطِ الأُخرى؛ لأنَّ الغالِبَ في الخُفِّ كَونُه كذلك سَواءٌ كانَ يَتمسَّكُ على القَدمِ بنَفسِه أو بالشَّدِّ (١).
ج- أنْ يَكونَ الخُفُّ مُفردًا، بأنْ يَلبسَه وَحدَه، فلو لبِسَ فَوقَه غيرَه ففي ذلك تَفصيلٌ عندَ الفُقهاءِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في الراجِحِ عندَهم إلى جَوازِ المَسحِ على الجُرمُوقِ وهو ما يُلبسُ فوقَ الخُفِّ وساقُه أقصَرُ من الخُفِّ؛ لحَديثِ أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ أنَّه شهِدَ عَبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ يَسألُ بِلالًا عن وُضوءِ رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «كانَ يَخرجُ يَقضي حاجَتَه فآتيه بالماءِ فيَتوضَّأُ ويَمسحُ على عِمامتِه ومُوقَيه» (٢)، والمُوقُ هو الجُرمُوقُ عندَهم.
وكذلك الحُكمُ في الخُفِّ على الخُفِّ عندَهم، فهو كالجُرمُوقِ على الخُفِّ.
فلو لبِسَ خُفَّينِ على طَهارةٍ ثم أحدَثَ فمسَحَ عليهما ثم لبِسَ آخَرَ من فوقِهما ثم أحدَثَ فليَمسَحْ عليهما أيضًا.
قالَ الإمامُ مالِكٌ: مَنْ لبِسَ خُفَّينِ على خُفَّينِ مسَحَ الأَعلى منهما، أما لو لبِسَ الأَسفلَينِ على طُهرٍ ثم أحدَثَ ثم لبِسَ الأَعلَيينِ قبلَ أنْ يَتوضَّأَ فإنَّه يَمسحُ على الأَسفلَينِ ولا يَمسحُ على الأَعلَيينِ (٣).
стр. 451
أمَّا الشافِعيةُ فقالَ منهم الإمامُ النَّوويُّ في «الرَّوضة»: فَرعٌ: الجُرمُوقُ هو الذي يُلبسُ فوقَ الخُفِّ لشِدةِ البَردِ غالِبًا، فإذا لبِسَ خُفًّا فوقَ خُفٍّ فلَه أربَعُ حالاتٍ:
إِحداها: أنْ يَكونَ الأَعلى صالِحًا للمَسحِ عليه دونَ الأسفَلِ لضَعفِه أو لخَرقِه فالمَسحُ على الأَعلى خاصَّةً.
الثانيةُ: عَكسُها، فالمَسحُ على الأسفَلِ خاصَّةً، فلو مسَحَ على الأَعلى فوصَلَ البَللُ إلى الأسفَلِ؛ فإنْ قصَدَ مَسحَ الأسفَلِ أجزَأه، وكذا إنْ قصَدَهما على الصَّحيحِ، وإنْ قصَدَ الأَعلى لم يَجزْ، وإنْ لم يَقصدْ واحِدًا بل قصَدَ المَسحَ في الجُملةِ أجزَأه على الأصَحِّ لقَصدِه إِسقاطَ فَرضِ الرِّجلِ بالمَسحِ.
الثالِثةُ: ألَّا يَصلُحَ واحِدٌ منهما فيَتعذَّرَ المَسحُ.
الرابِعةُ: أنْ يَصلُحا كِلاهما ففي المَسحِ على الأَعلى وَحدَه قَولانِ: القَديمُ جَوازُه، والجَديدُ مَنعُه.
قُلتُ: أي: النَّوويُّ: الأظهَرُ عندَ الجُمهورِ الجَديدُ وصحَّحَ القاضِي أبو الطَّيبِ في «الفُروع» القَديمَ، واللهُ أعلَمُ.
قالَ في أصلِ الرَّوضةِ: فإنْ جَوَّزنا المَسحَ على الجُرمُوقِ فقد ذكَرَ ابنُ سُرَيجٍ فيه ثَلاثةَ مَعانٍ: أظهَرُها: أنَّ الجُرمُوقَ بَدلٌ من الخُفِّ، وأنَّ الخُفَّ بَدلٌ عن الرِّجلِ.
стр. 452
والثاني: الأسفَلُ كلِفافةٍ والأَعلى هو الخُفُّ.
والثالِثُ: أنَّهما كخُفٍّ واحِدٍ، فالأَعلى ظاهِرُه، والأسفَلُ باطِنُه.
وتَتفرَّعُ على المَعاني مَسائِلُ:
منها: ما لبِسوهما مَعًا على طَهارةٍ فأرادَ الاقتِصارَ على مَسحِ الأسفَلِ جازَ على المَعنى الأولِ دونَ الآخَرَينَ.
ومنها: ما لو لبِسَ الأسفَلَ على طَهارةٍ والأَعلى على حَدثٍ، ففي جَوازِ المَسحِ على الأَعلى طَريقانِ: أحدُهما: لا يَجوزُ. وأصَحُّهما: فيه وَجهانِ:
إنْ قُلنا بالمَعنى الأولِ والمَعنى الثاني: لم يَجزْ، وبالثالِثِ: يَجوزُ.
فلو لبِسَ الأسفَلَ بطَهارةِ ثم أحدَثَ ومسَحَه ثم لبِسَ الجُرموقَ فهل يَجوزُ مَسحُه؟ فيه طَريقانِ:
أحدُهما: يُبنَى على المَعاني، إنْ قُلنا بالأولِ أو الثالِثِ جازَ.
وبالثاني: لا يَجوزُ.
وقيلَ: يُبنَى الجَوازُ على هذا الثاني على أنَّ مَسحَ الخُفِّ يَرفعُ الحَدثَ أو لا؟
إنْ قُلنا: يَرفعُ جازَ، وإلا فلا.
الطَّريقُ الثاني: القَطعُ بالبِناءِ على رَفعِ الحَدثِ.
стр. 453
وإذا جَوَّزنا مَسحَ الأَعلى في هذه المَسألةِ قالَ الشَّيخُ أبو علِيٍّ: ابتِداءُ المُدةِ من حينِ إحداثِ أولِ لُبسِه الأسفَلَ، وفي جَوازِ الاقتِصارِ على الأسفَلِ الخِلافُ السابِقُ (١).
أمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ منهم البُهوتيُّ: وإنْ لبِسَ خُفًّا فلم يُحدِثْ حتى لبِسَ عليه آخَرَ وكانا -أي: الخُفانِ- صَحيحَينِ مسَحَ أيَّهما شاءَ، إنْ شاءَ مسَحَ الفَوقانِيَّ؛ لأنَّه خُفٌّ ساتِرٌ ثبَتَ بنَفسِه أشبَهَ المُنفرِدَ، وإنْ شاءَ مسَحَ التَّحتانِيَّ بأنْ يُدخلَ يَدَه من تحتِ الفَوقانيِّ فيَمسحَ عليه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مَحلٌّ للمَسحِ فجازَ المَسحُ عليه.
ولو لبِسَ أحدَ الجُرمُوقَين في إحدَى الرِّجلَينِ فوقَ خُفِّهما دونَ الرِّجلِ الأُخرى فلم يَلبَسْ فيها جَوربًا بل الخُفَّ فقط جازَ المَسحُ عليه -أي: على الجَوربِ الذي لبِسَه فوقَ الخُفِّ- وعلى الخُفِّ الذي لبِسَه في الرِّجلِ الأُخرى؛ لأنَّ الحُكمَ تَعلَّقَ به وبالخُفِّ الذي في الرِّجلِ الأُخرى، فهو كما لو لم يَكنْ تحتَه شَيءٌ؛ فإنْ كانَ أحدُهما -أي: الخُفَّينِ اللذَين لبِسَ أحدَهما فوقَ الآخَرِ- صَحيحًا والآخَرُ مُفتَّقًا جازَ المَسحُ على الفَوقانِيِّ؛ لأنَّهما كخُفٍّ واحِدٍ، وكذا إنْ لبِسَ على صَحيحٍ مُخرَّقٍ، نَصَّ عليه، قالَه في «المُبدِع».
ولا يَجوزُ المَسحُ على الخُفِّ التَّحتانِيِّ إذا كانَ أحدُ الخُفَّينِ صَحيحًا والآخَرُ مُفتَّقًا إلا أنْ يَكونَ التَّحتانِيُّ هو الصَّحيحَ، فيَصحَّ المَسحُ عليه؛ لأنَّه
стр. 454
ساتِرٌ بنَفسِه، أشبَهَ ما لو انفَرَد بخِلافِ ما إذا كانَ الفَوقانِيُّ هو الصَّحيحَ فلا يَصحُّ المَسحُ إذًا على التَّحتانِيِّ؛ لأنَّه غيرُ ساتِرٍ بنَفسِه.
قالَ في «الإنصاف»: وكلٌّ من الخُفِّ الفَوقانِيِّ والتَّحتانِيِّ بَدلٌ مِستقِلٌّ من الغَسلِ على الصَّحيحِ.
وإنْ كانا -أي: الخُفانِ- مُخرَّقينِ وليسَ أحدُهما فوقَ الآخَرِ وستَرَا مَحلَّ الفَرضِ لم يَجزِ المَسحُ عليهما ولا على أحدِهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما غيرُ صالِحٍ للمَسحِ على انفِرادِه، كما لو لبِسَ مُخرَّقًا فوقَ لِفافةٍ، وإنْ نزَعَ الفَوقانِيَّ قبلَ مَسحِه لم يُؤثِّرْ كما لو انفرَدَ.
وإنْ تَوضَّأ ولبِسَ خُفًّا ثم أحدَثَ ثم لبِسَ الخُفَّ الآخَرَ، لم يَجزِ المَسحُ عليه؛ لأنَّه لبِسَه على غيرِ طَهارةٍ، بل على الأسفَلِ، أو مسَحَ الخُفَّ الأولَ بعدَ حَدَثِه ثم لبِسَ الخُفَّ الثانِيَ ولو على طَهارةٍ لم يَجزِ المَسحُ عليه -أي: على الثاني-؛ لأنَّ الخُفَّ المَمسوحَ بَدلٌ عن غَسلِ ما تحتَه، والبَدلُ لا يَكونُ له بَدلٌ آخَرُ، بل على الأسفَلِ؛ لأنَّ الرُّخصةَ تَعلَّقت به.
وإنْ لبِسَ خُفًّا على آخَرَ قبلَ الحَدثِ ومسَحَ الأَعلى ثم نزَعَ المَمسوحَ لزِمَه نَزعُ التَّحتانِيِّ وإعادةُ الوُضوءِ؛ لأنَّه مَحلُّ المَسحِ، ونَزعُه كنَزعِهما والرُّخصةُ تَعلَّقت بهما، فصارَ كانكِشافِ القَدمِ (١).
стр. 455
كَيفيةُ المَسحِ على الخُفَّينِ ومِقدارُه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مِقدارِ المَسحِ على الخُفَّينِ على مَذاهبَ:
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الواجِبَ في مَسحِ الخُفَّينِ قَدرُ ثَلاثةِ أَصابعَ من أصغَرِ أَصابعِ اليَدِ على ظاهِرِ الخُفِّ فقط مَرةً واحِدةً.
قالَ في «الدُّر المُختار»: وفَرضُه عَملًا قَدرُ ثَلاثِ أَصابعَ من اليَدِ أصغَرِها طُولًا وعَرضًا من كلِّ رِجلٍ.
قالَ ابنُ عابِدينَ: أشارَ إلى أنَّ الأَصابعَ غَيرُ شَرطٍ، وإنَّما الشَّرطُ قَدرُها، فلو أصابَ مَوضعَ المَسحِ ماءٌ أو مَطرٌ قَدرَ ثَلاثِ أَصابعَ جازَ، وكذا لو مَشى في حَشيشٍ مُبتلٍّ بالمَطرِ وكذا بالطَّلِّ في الأصَحِّ.
وكَيفيتُه أنْ يَبدأَ بالمَسحِ على الخُفَّينِ من أَصابعِ القَدمِ خُطوطًا إلى جِهةِ الساقِ، فيَضعَ أَصابعَ يَدَه اليُمنى على مُقدَّمِ خُفِّه في رِجلِه اليُمنى، واليُسرى كذلك، ويُفرِّقَ بينَ أَصابعِ يَدِه قَليلًا، بحيث يُعمِّمُ المَسحَ أكبَرَ قَدرٍ مُمكنٍ من الخُفِّ ولذلك لا يَصحُّ المَسحُ على باطِنِ القَدمِ ولا على جَوانِبِه ولا على عَقِبِه ولا على ساقِه، كما لا يُسنُّ تَكرارُ المَسحِ.
قالَ ابنُ عابِدينَ: قَولُه: (مِنْ كلِّ رِجلٍ) أي: فَرضُه هذا القَدرَ كائِنًا مِنْ كلٍّ على حِدةٍ، قالَ في «الدُّر»: حتى لو مسَحَ على إحدَى رِجلَيه مِقدارَ إصبَعَين وعلى الأُخرى مِقدارَ خَمسٍ لم يَجزْ (١).
стр. 456
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجبُ مَسحُ جَميعِ ظاهِرِ الخُفِّ ويُندبُ مَسحُ أسفَلِه، وإذا ترَكَ مَسحَ أعلاه دونَ أسفَلِه بطَلَت صَلاتُه، وإنْ مسَحَ أعلاه دونَ أسفَلِه لم تَبطُلْ صَلاتُه، إلا أنَّه يُستحبُّ له أنْ يُعيدَ الصَّلاةَ في الوَقتِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ المَسحَ الواجِبَ هو ما يَصدُقُ عليه مُسمَّى مَسحٍ في مَحلِّ الفَرضِ كمَسحِ الرأسِ، فيَكفي بيَدِه وعُودٍ ونَحوِهما؛ لأنَّ المَسحَ ورَدَ مُطلقًا ولم يَصحَّ في تَقديرِه شَيءٌ فتَعيَّنَ الاكتِفاءُ بما يَنطلِقُ عليه الاسمُ.
ومَحلُّ الفَرضِ هو مَسحُ ظاهِرِ الخُفِّ فلا يُجزئُ مَسحُ أسفَلِه ولا عَقِبِه ولا جَوانِبِه إلا أنَّ السُّنةَ أنْ يُعمِّمَ المَسحَ على ظاهِرِ الخُفِّ وباطِنِه خُطوطًا بأنْ يَضعَ يَدَه اليُسرى تحتَ العَقِبِ واليُمنى على ظَهرِ الأَصابعِ ثم يُمِرَّ إلى ساقِه، أي: إلى آخِرِه (٢).
ويَرى الحَنابِلةُ: أنَّ المُجزئَ في المَسحِ عندَهم أنْ يَمسحَ أكثَرَ مُقدَّمِ ظاهِرِه خُطوطًا بالأَصابعِ، ولا يُسنُّ مَسحُ أكثَرَ من ذلك من باطِنِ الخُفِّ أو جَوانِبِه أو عَقبِه أو ساقِه، ولا يُسنُّ عندَهم مَسحُ أسفَلِه (٣).
стр. 457
والسَّببُ في اختِلافِهم في استِحبابِ مَسحِ أسفَلِ الخُفِّ كما هو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ، وفي عَدمِ استِحبابِه كما هو مَذهبُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ؛ تَعارُضُ الآثارِ الوارِدةِ في ذلك، وتَشبيهُ المَسحِ بالغُسلِ، وذلك أنَّ في ذلك أثَرَين مُتعارِضَين.
أحدُهما: حَديثُ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ وفيه: «أنَّه ﷺ مسَحَ أعلى الخُفِّ وأسفَلَه» (١).
والآخَرُ: حَديثُ عليٍّ ﵁: «لو كانَ الدِّينُ بالرأيِ لكانَ أسفَلُ الخُفِّ أَولى بالمَسحِ من أعلاه، وقد رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَمسحُ على ظاهِرِ الخُفَّينِ» (٢).
فمَن ذهَبَ مَذهبَ الجَمعِ بينَ الحَديثَينِ، حمَلَ حَديثَ المُغيرةِ على الاستِحبابِ، وحَديثَ عليٍّ على الوُجوبِ.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وهي طَريقةٌ حَسنةٌ، ومَن ذهَبَ مَذهبَ التَّرجيحِ أخَذَ إمَّا بحَديثِ علِيٍّ، وإمَّا بحَديثِ المُغيرةِ، فمَن رجَّحَ حَديثَ المُغيرةِ على حَديثِ عليٍّ رجَّحَه من قِبَلِ القياسِ، أعني قياسَ المَسحِ على
стр. 458
الغَسلِ، ومَن رجَّحَ حَديثَ عليٍّ رجَّحَه مِنْ قِبَلِ مُخالَفةِ القياسِ أو مِنْ جِهةِ السَّندِ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ باطِنَه ليسَ بمَحلٍّ لفَرضِ المَسحِ، فلم يَكنْ مَحلًّا لمَسنونِه كساقِه، ولأنَّ مَسحَه غيرُ واجِبٍ، لا يَكادُ يَسلَمُ من مُباشرةِ أذًى فيه، تَتنجَّسُ يَدُه به، فكانَ تَركُه أَولى (٢).
وقالَ الإمامُ الطَّحطاويُّ: فعلى العاقِلِ اتِّباعُ الشَّرعِ تَعبُّدًا وتَسليمًا لعَجزِه عن إِدراكِ الحِكمِ الإِلهيةِ، وقد قالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ: لو قُلتُ بالرأيِ لأوجَبتُ الغُسلَ بالبَولِ؛ لأنَّه نَجسٌ مُتَّفقٌ عليه، والوُضوءَ بالمَنيِّ؛ لأنَّه نَجسٌ مُختلَفٌ فيه، ولأَعطَيتُ الذَّكرَ في الإرثِ نِصفَ الأُنثى؛ لكَونِها أضعَفَ منه (٣).
стр. 459
نَواقِضُ المَسحِ على الخُفَّينِ:
يَنتقضُ المَسحُ على الخُفَّينِ في الأَحوالِ الآتيةِ:
نَواقِضُ المَسحِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ كلَّ ما يَنقضُ الوُضوءَ -كالنَّواقضِ السابِقةِ التي ذكَرتُها- يَنقضُ المَسحَ على الخُفَّينِ؛ لأنَّ المَسحَ بَدلٌ عن بعضِ الوُضوءِ، والبَدلُ يَنقضُه ناقِضُ الأصلِ، فإذا انتَقضَ وُضوءُ مَنْ مسَحَ على الخُفَّينِ تَوضَّأ من جَديدٍ ومسَحَ على خُفَّيه إنْ كانَت مُدةُ المَسحِ باقيةً وإلا خلَعَ خُفَّيه وغسَلَ رِجلَيه كما سيأتي (١).
١ - وُجودُ مُوجِبٍ للغُسلِ كالجَنابةِ والحَيضِ والنِّفاسِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه إذا وُجدَ أحدُ هذه المُوجِباتِ -الجَنابةِ والحَيضِ والنِّفاسِ- انتَقضَ المَسحُ على الخُفَّينِ ووجَبَ نَزعُهما وغَسلُ جَميعِ البَدنِ، لمَا رَواه صَفوانُ بنُ عَسالٍ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَأمرُنا إذا كُنَّا سَفرًا ألَّا نَنزِعَ خِفافَنا ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليَهنَّ إلا مِنْ جَنابةٍ» (٢).
٢ - نَزعُ الخُفَّينِ أو أحدِهما ؛ نَزعُ أحدِ الخُفَّينِ كنَزعِهما؛ لأنَّ الانتِقاضَ لا يَتجزَّأُ وإلا لزِمَ الجَمعُ بينَ الغَسلِ والمَسحِ. وكذلك الحُكمُ لو أخرَجَ أكثَرَ القَدمِ إلى خارِجِ الخُفِّ؛ فإنَّه يَنتقضُ المَسحُ، وذلك لمُفارقةِ مَحلِّ
стр. 460
المَسحِ -القَدَمين- مَكانَه، والأكثَرُ له حُكمُ الكلِّ من بابِ التَّغليبِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل يَجبُ عليه إعادةُ الوُضوءِ كامِلًا إذا نزَعَ الخُفَّينِ أو أحدَهما أو يَكفيه غَسلُ قَدَمَيه فقط؟
فذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِ إعادةِ الوُضوءِ كلِّه؛ لأنَّ الوُضوءَ بطَلَ في بعضِ الأَعضاءِ فبطَلَ في جَميعِها، كما لو أحدَثَ، ولأنَّ المَسحَ أُقيمَ مَقامَ الغَسلِ، فإذا أَزالَ المَمسوحَ بطَلَت الطَّهارةُ في القَدَمَين فتَبطُلُ في جَميعِها لكَونِها لا تَتبعَّضُ كما لو نزَعَ أحدَ الخُفَّينِ؛ فإنَّه يُبطلُ الطَّهارةَ في القَدَمَين جَميعًا (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الراجِحِ عندَهم وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَكفيه غَسلُ القَدمَينِ فقط، إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا رَأى أنَّه إنْ أخَّرَ ذلك استأنَفَ الوُضوءَ على رأيِه في وُجوبِ المُوالاةِ (٢).
وذهَبَ الإمامُ النَّوويُّ من الشافِعيةِ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ -رحمهما الله- إلى أنَّ من نزَعَ خُفَّيه وهو على طَهارةٍ لا يَجبُ عليه وُضوءٌ ولا غَسلُ قَدمَيه.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀: ولا يَنتقضُ وُضوءُ الماسِحِ على الخُفِّ والعِمامةِ