أو كانَتِ العَينُ المَبيعةُ بالصِّفةِ حاضِرةً مَستورةً كجاريةٍ مُنتَقِبةٍ وأمتِعةٍ في ظُروفِها أو نَحوِ ذلك؛ فهذا النَّوعُ يَنفسِخُ العَقدُ عليه برَدِّه على البائِعِ بنَحوِ عَيبٍ أو نَقصِ صِفةٍ، وليسَ لِلمُشتَري طَلَبُ بَدَلِه؛ لِوُقوعِ العَقدِ على عَيْنِه، كحاضِرٍ؛ فإنْ شرَط ذلك في عَقدِ البَيعِ، بأنْ قالَ: إنْ فاتَكَ شَيءٌ مِنْ هذه الصِّفاتِ أعطَيتُكَ ما هذه صِفاتُه، لَم يَصحَّ العَقدُ.
ويَنفسِخُ العَقدُ عليه أيضًا بتَلَفِه قبلَ قَبضِه؛ لِزَوالِ مَحَلِّ العَقدِ، وهذا النَّوعُ يَجوزُ التَّفريقُ مِنْ مُتبايِعَيْه قبلَ قَبضِ الثَّمنِ، وقبلَ قَبضِ المَبيعِ، كحاضِرٍ بالمَجلِسِ، ويَجوزُ تَقديمُ الوَصفِ في بَيعِ الأعيانِ على العَقدِ.
كما يَجوزُ تَقديمُ الرُّؤيةِ، وكذلك لا يَجوزُ تَقديمُ الوَصفِ لِلمَعقودِ عليه في السَّلَمِ على العَقدِ، ولا فَرقَ بينَ تَقديمِ الوَصفِ في بَيعِ الأعيانِ على العَقدِ وتَقديمِه في السَّلَمِ على العَقدِ، وكذا تَقديمُ الوَصفِ في بَيعِ ما في الذِّمَّةِ.
فلو قالَ لِآخَرَ: أُريدُ أنْ أُسَلِّفَكَ في كُرِّ حِنطةٍ، ووصَفه بالصِّفاتِ، فلمَّا كانَ بعدَ ذلك ولو طالَ الزَّمَنُ قالَ: قد سَلَّفتُكَ في كُرِّ حِنطةٍ -وهو كَيلٌ مَعروفٌ بالعِراقِ- على الصِّفاتِ التي تَقدَّمَ ذِكرُها، وعجَّل الثَّمنَ قبلَ التَّفريقِ، جازَ وصَحَّ العَقدُ؛ لِلعِلمِ بالمَعقودِ عليه.
والنَّوعُ الثاني مِنْ نَوعَيِ البَيعِ بالصِّفةِ: بَيعُ مَوصوفٍ غيرِ مُعيَّنٍ، ويَصِفُه بصِفةٍ تَكفي في السَّلَمِ، إنْ صَحَّ السَّلَمُ فيه، بأنِ انضَبَطتْ صِفاتُه، مثلَ أنْ يَقولَ: بِعتُكَ عَبدًا تُركِيًّا، ثم يَستَقصيَ صِفاتِ السَّلَمِ فيه؛ فهذا في مَعنَى السَّلَمِ، وليسَ سَلَمًا؛ لِحُلولِه، فمَتَى سلَّم البائِعُ إليه عَبدًا على غيرِ ما وصَفه له فرَدَّه
стр. 3957
المُشتَري عليه، أو سلَّم إليه عَبدًا على ما وصَف له فأبدَلَه المُشتَري لِنَحوِ عَيبٍ لَم يَفسُدِ العَقدُ برَدِّه؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَقَعْ على عَينِه، بخِلافِ النَّوعِ الأوَّلِ.
ويُشترَطُ في هذا النَّوعِ قَبضُ المَبيعِ أو قَبضُ ثَمَنِه في مَجلِسِ العَقدِ؛ لأنَّه في مَعنَى السَّلَمِ.
ويُشترَطُ أيضًا ألَّا يَكونَ بلَفظِ سَلَمٍ أو سَلَفٍ؛ لأنَّه لا يَكونُ إذَنْ سَلَمًا، ولا يَصحُّ حالًّا (١).
بَيانُ ما يَسقُطُ به الخيارُ بعدَ ثُبوتِه ويَلزَمُ البَيعُ وما لا يَسقُطُ ولا يَلزَمُ:
قالَ الحَنفيَّةُ: ما يَسقُطُ به الخيارُ بعدَ ثُبوتِه ويَلزَمُ البَيعُ في الأصلِ نَوعانِ: اختياريٌّ وضَروريٌّ، والِاختياريُّ نَوعانِ: صَريحٌ وما يَجري مَجرَى الصَّريحِ دِلالةً.
أمَّا الصَّريحُ وما في مَعناه فنَحوَ أنْ يَقولَ: أجزَتُ البَيعَ، أو رَضيتُ، أو اختَرتُ، أو ما يَجري هذا المَجرَى، سَواءٌ عَلِمَ البائِعُ بالإجازةِ أو لَم يَعلَم؛ لأنَّ الأصلَ في البَيعِ المُطلَقِ هو اللُّزومُ، ويَكونُ الِامتِناعُ لِخَلَلٍ في الرِّضا؛ فإذا أجازَ ورَضيَ فقد زالَ المانِعُ فيَلزَمُ.
стр. 3958
وأمَّا الدِّلالةُ فهي أنْ يُوجَدَ مِنْ المُشتَري تَصرُّفٌ في المَبيعِ بعدَ الرُّؤيةِ يَدلُّ على الإجازةِ والرِّضا، نَحوَ ما إذا قبَضه بعدَ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ القَبضَ بعدَ الرُّؤيةِ دَليلُ الرِّضا بلُزومِ البَيعِ؛ لأنَّ لِلقَبضِ شَبَهًا بالعَقدِ، فكانَ القَبضُ بعدَ الرُّؤيةِ كالعَقدِ بعدَ الرُّؤيةِ، وذاكَ دَليلُ الرِّضا، كذا هذا.
وكذا إذا تَصرَّفَ فيه تَصرُّفَ المُلَّاكِ، بأنْ كانَ ثَوبًا فقطَعه أو صَبَغَه أحمَرَ أو أصفَرَ، أو سَويقًا فلَتَّه بسَمنٍ أو عَسَلٍ أو أرضًا فبَنَى عليها أو غَرَسَ أو زَرَعَ، أو دابَّةً فرَكِبَها لِحاجةِ نَفْسِه، ونَحوَ ذلك؛ لأنَّ الإقدامَ على هذه التَّصرُّفاتِ دِلالةُ الإجازةِ والرِّضا بلُزومِ البَيعِ والمِلْكِ به؛ إذْ لو لَم يَكُنْ به وفُسِخَ البَيعُ لَتبيَّنَ أنَّه تَصرُّفٌ في مِلْكِ الغيرِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ، أو مِنْ وَجْهٍ، وأنَّه حَرامٌ؛ فجُعِلَ ذلك إجازةً مِنه؛ صيانةً له عن ارتِكابِ الحَرامِ، وكذا إذا عرَضه على البَيعِ، باعَ أو لَم يَبِعْ؛ لأنَّه لمَّا عرَضه على البَيعِ قصَد إثباتَ المِلْكِ اللَّازِمِ لِلمُشتَري، ومِن ضَرورَتِه لُزومُ المِلْكِ له لِيُمكِنَه إثباتُه لِغيرِه.
ولو عرَض بَعضَه لِلبَيعِ سقَط خِيارُه عندَ أبي يُوسفَ، وعندَ مُحمَّدٍ لا يَسقُطُ، والصَّحيحُ قَولُ أبي يُوسفَ؛ لأنَّ سُقوطَ الخيارِ ولُزومَ البَيعِ بالعَرضِ؛ لِكَونِ العَرضِ دِلالةَ الإجازةِ والرِّضا، ودِلالةَ الإجازةِ دون صَريحِ الإجازةِ.
ثم لو صرَّح بالإجازةِ في بَعضٍ لَم يَجُزْ، ولَم يَسقُطْ خِيارُه؛ لِمَا فيه مِنْ تَفريقِ الصَّفقةِ على البائِعِ قبلَ التَّمامِ، فلَأنْ يَكونَ لا يَسقُطُ بدِلالةِ الإجازةِ أوْلَى، وكذا لو وهَبه، سلَّم أو لَم يُسلِّمْ؛ لأنَّ الثابِتَ بالهِبةِ لا يَعودُ إليه إلَّا
стр. 3959
بقَرينةِ القَضاءِ أو الرِّضا، فكانَ الإقدامُ عليها دِلالةَ قَصدِ إثباتِ المِلْكِ اللَّازِمِ، فيَقتَضي لُزومَ المِلْكِ لِلواهِبِ، وكذا إذا رَهَنَه وسلَّم أو آجَرَه؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما عَقدٌ لازِمٌ في نَفْسِه، والثابِتُ بهما حَقٌّ لازِمٌ لِلغيرِ، وكذا إذا باعَه أو وهَبه وسلَّم؛ لأنَّ هذه تَصرُّفاتٌ لازِمةٌ، والثابِتُ بها مِلْكٌ لازِمٌ، أو حَقٌّ لازِمٌ؛ فالإقدامُ عليها يَكونُ إجازةً والتِزامًا لِلعَقدِ دِلالةً.
ولو باعَ بشَرطِ الخيارِ لِنَفْسِه لا يَسقُطُ خِيارُه في رِوايةٍ، وفي رِوايةٍ يَسقُطُ، وهي الصَّحيحةُ؛ لأنَّ البَيعَ بشَرطِ الخيارِ لا يَكونُ أدنَى مِنْ العَرضِ لِلبَيعِ، بَلْ فَوقَه، ثم العَرضُ لِلبَيعِ يُسقِطُ الخيارَ؛ فهذا أوْلَى، وكذا لو أخرَجَ بَعضَه عن مِلْكِه يَسقُطُ خِيارُه عن البَقيَّةِ، ولزِم البَيعُ فيه؛ لأنَّ رَدَّ البَقيَّةِ تَفريقُ الصَّفقةِ على البائِعِ قبلَ التَّمامِ؛ لأنَّ خيارَ الرُّؤيةِ يَمنَعُ تَمامَ الصَّفقةِ؛ لأنَّه يَمنَعُ تَمامَ الرِّضا، وكذا إذا انتَقَصَ المَعقودُ عليه.
وأمَّا الفِعلُ الضَّروريُّ المُسقِطُ لِخِيارِ الرُّؤيةِ فهو كلُّ ما يَسقُطُ به خيارُ الشَّرطِ وخيارُ العَيبِ، ويَلزَمُ البَيعُ مِنْ غيرِ صُنعِه نَحوَ مَوتِ المُشتَري، وإجازةِ أحَدِ الشَّريكَيْنِ فيما اشتَرَياه، ولَم يَرَياه دونَ صاحِبِه عندَ أبي حَنيفةَ.
وكذا إذا هلَك بَعضُه أو انتَقَصَ، بأنْ تَعيَّبَ بآفةٍ سَماويَّةٍ، أو بفِعلِ أجنَبيٍّ، أو بفِعلِ البائِعِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ.
أو زادَ في يَدِ المُشتَري زيادةً مُنفصِلةً أو مُتَّصِلةً مُتولَّدةً أو غيرَ مُتولَّدةٍ على التَّفصيلِ السَّابِقِ ذِكرُه في خيارِ الشَّرطِ وخيارِ العَيبِ.
стр. 3960
قالَ الكاسانيُّ ﵀: والأصلُ أنَّ كُلَّ ما يُبطِلُ خيارَ الشَّرطِ وخيارَ العَيبِ يُبطِلُ خيارَ الرُّؤيةِ، إلَّا أنَّ خيارَ الشَّرطِ وخيارَ العَيبِ يَسقُطانِ بصريحِ الإسقاطِ، وخِيارَ الرُّؤيةِ لا يَسقُطُ بصريحِ الإسقاطِ، لا قبلَ الرُّؤيةِ ولا بعدَها، أمَّا قبلَها فلِمَا ذَكَرْنا فيما تَقدَّمَ أنَّه لا خيارَ قبلَ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ أوانَ ثُبوتِ الخيارِ هو أوانُ الرُّؤيةِ؛ فقبلَ الرُّؤيةِ لا خيارَ، وإسقاطُ الشَّيءِ قبلَ ثُبوتِه وثُبوتِ سَبَبِه مُحالٌ.
وأمَّا بعدَ الرُّؤيةِ؛ فلأنَّ الخيارَ ما ثبَت باشتِراطِ العاقِدَيْنِ؛ لأنَّ رُكنَ العَقدِ مُطلَقٌ عن الشَّرطِ نَصًّا ودِلالةً، وإنَّما يثبُتُ شَرعًا لِحُكمِه فيه، فكانَ ثابِتًا حَقًّا لِلَّهِ .
وأمَّا خيارُ الشَّرطِ وخيارُ العَيبِ فثَبَتا باشتِراطِ العاقِدَيْنِ، أمَّا خيارُ الشَّرطِ فظاهِرٌ؛ لأنَّه مَنصوصٌ عليه في العَقدِ، وأمَّا خيارُ العَيبِ فلأنَّ السَّلامةَ مَشروطةٌ في العَقدِ دِلالةً، والثابِتُ بدِلالةِ النَّصِّ كالثابِتِ بصريحِ النَّصِّ، فكانَ ثابِتًا حَقًّا لِلعَبدِ، وما ثبَت حَقًّا لِلعَبدِ يَحتمِلُ السُّقوطَ بإسقاطِه مَقصودًا؛ لأنَّ الإنسانَ يَملِكُ التَّصرُّفَ في حَقِّ نَفْسِه مَقصودًا استِيفاءً وإسقاطًا؛ فأمَّا ما ثبَت حَقًّا لِلَّهِ ، فالعَبدُ لا يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه إسقاطًا مَقصودًا؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّصرُّفَ في حَقِّ غيرِه مَقصودًا، لكنَّه يَحتمِلُ السُّقوطَ بطَريقِ الضَّرورةِ، بأنْ يَتصرَّفَ في حقِّ نَفْسِه مَقصودًا، ويَتضمَّنُ ذلك سُقوطَ حَقِّ الشَّرعِ؛ فيَسقُطُ حَقُّ الشَّرعِ في ضِمنِ التَّصرُّفِ في حَقِّ نَفْسِه، كما إذا أجازَ المُشتَري البَيعَ، ورَضيَ به بعدَ الرُّؤيةِ نَصًّا أو دِلالةً، بمُباشَرةِ تَصرُّفٍ يَدلُّ على الرِّضا والإجازةِ؛ لأنَّه -وإنْ ثبَت حَقًّا لِلشَّرعِ- أثبَتَه الشَّرعُ نَظَرًا لِلعَبدِ، حتى إذا رَآه وصَلَحَ له أجازَه،
стр. 3961
وإنْ لَم يَصلُحْ له رَدَّه؛ إذ الخيارُ هو التَّخييرُ بينَ الفَسخِ والإجازةِ؛ فكانَ المُشتَري بالإجازةِ والرِّضا مُتصرِّفًا في حَقِّ نَفْسِه مَقصودًا، ثم مِنْ ضَرورةِ الإجازةِ لُزومُ العَقدِ، ومِن ضَرورةِ لُزومِ العَقدِ سُقوطُ الخِيارِ؛ فكانَ سُقوطُ الخيارِ مِنْ طَريقِ الضَّرورةِ، لا بالإسقاطِ مَقصودًا، ويَجوزُ أنْ يَثبُتَ الشَّيءُ بطَريقِ الضَّرورةِ، وإنْ كانَ لا يثبُتُ مَقصودًا، كالوَكيلِ بالبَيعِ إذا عَزَلَه المُوكِّلُ، ولَم يَعلَم به، فإنَّه لا يَنعزِلُ، ولو باعَ المُوكِّلُ بنَفْسِه يَنعزِلُ الوَكيلُ، كذا هُنا (١).
بَيانُ ما يَنفسِخُ به العَقدُ:
قالَ الحَنفيَّةُ: ما يَنفسِخُ به العَقدُ نَوعانِ: اختياريٌّ وضَروريٌّ؛ فالِاختياريُّ هو أنْ يَقولَ: فَسَختُ العَقدَ، أو نَقَضتُه، أو رَدَدتُه، وما يَجري هذا المَجرَى، والضَّروريُّ أنْ يَهلِكَ المَبيعُ قبلَ القَبضِ.
شُروطُ صِحَّةِ الفَسخِ:
يُشترَطُ لِصِحَّةِ الفَسخِ شُروطٌ:
١ - أنْ يَكونَ الخيارُ مَوجودًا؛ لأنَّ الخيارَ إذا سقَط لزِم العَقدُ، والعَقدُ اللَّازِمُ لا يَحتمِلُ الفَسخَ.
٢ - ألَّا يَتضمَّنَ الفَسخُ تَفريقَ الصَّفقةِ على البائِعِ، وإنْ تَضمَّنَ بأنْ رَدَّ بَعضَ المَبيعِ دونَ بَعضٍ لَم يَصحَّ، وكذا إذا رَدَّ بَعضًا وأجازَ البَيعَ في بَعضٍ لَم يَجُزْ، سَواءٌ كانَ قبلَ قَبضِ المَعقودِ عليه أو بعدَه؛ لأنَّ
стр. 3962
خيارَ الرُّؤيةِ يَمنَعُ تَمامَ الصَّفقةِ؛ فكانَ هذا تَفريقَ الصَّفقةِ على البائِعِ قبلَ تَمامِها، وهو باطِلٌ.
٣ - أنْ يَعلَمَ البائِعُ بالفَسخِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ، وعندَ أبي يُوسفَ ليسَ بشَرطٍ.
وأمَّا قَضاءُ القاضي أو التَّراضي فليسَ بشرطٍ لِصِحَّةِ الفَسخِ بخيارِ الرُّؤيةِ، كما لا يُشترَطُ لِصِحَّةِ الفَسخِ بخيارِ الشَّرطِ؛ فيَصحُّ مِنْ غيرِ قَضاءٍ ولا رِضًا قبلَ القَبضِ وبعدَه، بخِلافِ خيارِ العَيبِ (١).
стр. 3963
النَّوعُ السادِسُ: خيارُ التَّصريةِ:
اختلَف الفُقهاءُ -كما تَقدَّمَ ذِكرُه- في حُكمِ بَيعِ المُصَرَّاةِ في حُكمِ مَنْ اشتَرَى مُصَرَّاةً مِنْ بَهيمةِ الأنعامِ وهو لا يَعلَمُ بتَصريَتِها، ثم عَلِمَ، هل يُعَدُّ هذا عَيبًا يُرَدُّ به البَيعُ ويثبُتُ له الخيارُ أو لا؟ على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ وأبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ بأنَّ هذا عَيبٌ، ومَن اشتَراها ووجَدها مُصَرَّاةً فهو بخَيرِ النَّظرَيْنِ بعدَ أنْ يَحتَلِبَها، إنْ شاءَ أمسَكَها، وإنْ شاءَ رَدَّها ومعها صاعٌ؛ لِمَا رَواهُ أبو هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ : «لا تُصَرُّوا الإبِلَ والغَنَمَ، فمَنِ ابتاعَها بَعدُ فإنَّه بخَيرِ النَّظرَيْنِ بعدَ أنْ يَحتَلِبَها، إنْ شاءَ أمسَكَ وإنْ شاءَ رَدَّها وصاعَ تَمرٍ»، قالَ البُخاريُّ: ويُذكَرُ عن أبي صالِحٍ ومُجاهِدٍ والوَليدِ بنِ رَباحٍ وموسى بنِ يَسارٍ عن أبي هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ : «صاعَ تَمرٍ»، وقالَ بَعضُهم عن ابنِ سِيرينَ: «صاعًا مِنْ طَعامٍ، وهو بالخيارِ»، ثَلاثًا، وقالَ بَعضُهم عن ابنِ سِيرينَ: «صاعًا مِنْ تَمرٍ»، ولَم يَذكُرْ ثَلاثًا، والتَّمرُ أكثَرُ (١).
وعن ابنِ مَسعودٍ ﵁: «مَنِ اشتَرَى شاةً مُحَفَّلةً فرَدَّها فليَرُدَّ معها صاعًا مِنْ تَمرٍ، ونهَى النَّبيُّ ﷺ أنْ تُلَقَّى البُيوعُ» (٢).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا تَلَقَّوُا
стр. 3964
الرُّكبانَ، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، ولا تَناجَشوا، ولا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ، ولا تُصَرُّوا الغَنَمَ، ومَن ابتاعَها فهو بخَيرِ النَّظرَيْنِ بعدَ أنْ يَحتَلِبَها، إنْ رَضيَها أمسَكَها، وإنْ سَخِطَها رَدَّها وصاعًا مِنْ تَمرٍ» (١)، فأثبَتَ له النَّبيُّ ﷺ الخيارَ بالرَّدِّ مع التَّصريةِ، وذلك دالٌّ على كَونِه عَيبًا مُؤثِّرًا، ولأنَّه مُدلِّسٌ، فأشبَهَ التَّدليسَ بسائِرِ العُيوبِ؛ لأنَّ هذا تَدليسٌ بما يَختلِفُ الثَّمنُ باختِلافِه؛ فوجَب به الرَّدُّ، كما لو كانَتْ شَمطاءَ فسَوَّدَ شَعرَها.
وإنَّما يثبُتُ الخيارُ بشَرطِ ألَّا يَكونَ المُشتَري عالِمًا بالتَّصريةِ، فإنْ كانَ عالِمًا لَم يَثبُتْ له الخيارُ عندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه اشتَراها عالِمًا بالتَّدليسِ، فلَم يَكُنْ له خيارٌ، كما لو اشتَرَى ما سُوِّدَ شَعرُها عالِمًا بذلك، ولأنَّه دخَل على بَصيرةٍ فلَم يَثبُتْ له الرَّدُّ، كما لو اشتَرَى مَعيبًا يَعلَمُ عَيبَه.
وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: يثبُتُ له الخيارُ في وَجْهٍ لِلخَبَرِ، ولأنَّ انقِطاعَ اللَّبَنِ لَم يُوجَدْ، وقد يَبقَى على حالِه، فلَم يُجعَلْ ذلك رِضًا، كما لو تَزوَّجتْ عِنِّينًا ثم طَلَبتِ الفَسخَ.
القَولُ الثاني: وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ، وهو أنَّ التَّصريةَ ليسَتْ عَيبًا، ولا خيارَ له؛ لأنَّ ذلك ليسَ بعَيبٍ؛ لِلِاتِّفاقِ على أنَّ الإنسانَ إذا اشتَرَى شاةً فخرَج لِبَنُها قَليلًا فذلك ليسَ بعَيبٍ، والتَّدليسِ بما ليسَ بعَيبٍ لا يُثبِتُ الخيارَ، كما لو عَلَفَها فانتَفَخَ بَطنُها، فظَنَّ المُشتَري أنَّها حامِلٌ، لكنَّه يَرجِعُ عليه بنُقصانِ العَيبِ.
стр. 3965
قالوا: وحَديثُ المُصَرَّاةِ يَجِبُ ألَّا يُوجِبَ عَمَلًا لِمُفارَقَتِه الأُصولَ، وذلك أنَّه مُفارِقٌ لِلأُصولِ مِنْ وُجوهٍ، منها: أنَّه مُعارِضٌ لقولِه ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، وهو أصلٌ مُتَّفقٌ عليه.
ومنها: أنَّ فيه مُعارَضةَ مَنعِ بَيعِ طَعامٍ بطَعامٍ نَسيئةً، وذلك لا يَجوزُ باتِّفاقٍ.
ومنها: أنَّ الأصلَ في المُتلَفاتِ إمَّا القِيَمُ وإمَّا المِثلُ، وإعطاءُ صاعٍ مِنْ تَمرٍ في لَبَنٍ ليسَ قيمةً ولا مِثلًا (١).
وقد تَقدَّمتِ المَسألةُ بتَمامِها في حُكمِ البُيوعِ المَنهيِّ عنها.
стр. 3966
تكملة البيوع
стр. 3967
فصل في أحكام البيوع والأمانات
المُرابَحةُ والتَّوليةُ والإشراكُ والوَضيعةُ
بُيوعُ الأماناتِ مَبنيَّةٌ على الأمانةِ، فعلى البائِعِ الصِّدقُ في الإخبارِ عَمَّا اشتَرَى به.
أولاً: المُرابَحةُ:
المُرابَحةُ هي: أنْ يَبيعَ ما اشتَراه بثَمَنِه الذي اشتَراه به مع زيادةِ رِبحٍ مَعلومٍ لَهما يَتَّفقانِ عليه، بأنْ يَشتَريَ شَيئًا بمِئةٍ مَثَلًا، ثم يَقولَ لِغيرِه -وهُما عالِمانِ بذلك-: بِعتُكَ بمِئَتَيْنِ، أو بما اشتَرَيتُ، أي: بمِثلِه، أو برَأْسِ المالِ، أو بما قامَ عليه، أو بنَحوِ ذلك، وبرِبحِ دِرهَمٍ لِكُلِّ عَشَرةٍ. أو يَقولَ: على أنْ أربَحَ في كلِّ عَشَرةٍ دِرهَمًا (١).
لِبَيعِ المُرابَحةِ صورَتانِ:
- المُرابَحةُ البَسيطةُ: وهي أنْ يَبيعَ سِلعةً يَمتلِكُها بما اشتَراها بثَمَنِه الذي اشتَراها به مع زيادةِ رِبحٍ مَعلومٍ لَهما يَتَّفقانِ عليه، بأنْ يَشتَريَ شَيئًا
стр. 3968
بمِئةٍ مَثَلًا، ثم يَقولَ لِغيرِه -وهما عالِمانِ بذلك-: بِعتُكَ بمِئَتَيْنِ، أو بما اشتَرَيتَ، أي: بمِثلِه أو برَأْسِ المالِ، أو بما قامَ عليه، أو بنَحوِ ذلك، وبرِبحِ دِرهَمٍ لِكُلِّ عَشَرةٍ، أو يَقولَ: على أنْ أربَحَ في كلِّ عَشَرةٍ دِرهَمًا (١).
- المُرابَحةُ المُرَكَّبةُ، المُرابَحةُ الآمِرةُ بالشِّراءِ: وهي أنْ يَطلُبَ شَخصٌ مِنْ شَخصٍ آخَرَ سِلعةً يَشتَريها له ثم يَبيعُها له بزيادةٍ على ما اشتَراها به (٢).
نَصَّ الإمامُ الشافِعيُّ في «الأمِّ» على جَوازِ المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ، قالَ: وإذا أرَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ السِّلعةَ فقالَ: اشتَرِ هذه وأُربِحُكَ فيها كذا، فاشتَراها الرَّجُلُ، فالشِّراءُ جائِزٌ، والَّذي قالَ: أُربِحُكَ فيها بالخيارِ إنْ شاءَ أحدَثَ فيها بَيعًا، وإنْ شاءَ تَركَه، وهكذا إنْ قالَ: اشتَرِ لي مَتاعًا، ووَصفَه له، أو مَتاعًا، أيَّ مَتاعٍ شِئتَ، وأنا أُربِحُكَ فيه فكلُّ هذا سَواءٌ، يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ، ويَكونُ هذا فيما أعطَى مِنْ نَفْسِه بالخيارِ، وسَواءٌ في هذا ما وَصَفتُ، إنْ كانَ قالَ أبتاعُه وأشتَريه مِنْكَ بنَقدٍ أو دَيْنٍ يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ، ويَكونانِ بالخيارِ في البَيعِ الآخَرِ، فإنْ جَدَّداه جازَ، وإنْ تَبايَعا به على أنْ ألزَما أنفُسَهما الأمرَ الأوَّلَ فهو مَفسوخٌ مِنْ قِبَلِ شَيئَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّهما تَبايَعاه قبلَ أنْ يَملِكَه البائِعُ.
والآخَرُ: أنَّه على مُخاطَرةِ أنَّكَ إنِ اشتَرَيتَه على كذا أُربِحُكَ فيه كذا (٣).
стр. 3969
وهو أيضًا ما ذكَره الإمامُ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشَّيبانيُّ في كِتابِه «المَخارِجُ في الحِيَلِ»، وجاءَ فيه: قُلتُ: أرَأيتَ رَجُلًا أمَرَ رَجُلًا أنْ يَشتَريَ دارًا بألْفِ دِرهَمٍ وأخبَرَه بأنَّه إنْ فعَل اشتَراها الآمِرُ مِنه بألْفٍ ومِئةٍ، فخافَ المَأمورُ إنِ اشتَراها أنْ يَبدوَ لِلآمِرِ في شِرائِها؟ قالَ يَشتَري الدَّارَ على أنَّه بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ فيها، ويَقبِضُها، ثم يَأتيه الآمِرُ فيَقولُ له: قد أخَذتُها مِنْكَ بألْفٍ ومِئةٍ، فيَقولُ المَأمورُ: هي لَكَ بذلك (١).
فإنَّما قالَ: الآمِرُ يَبدَأُ فيَقولُ أخَذتُها منكَ بألْفٍ ومِئةٍ لأنَّ المَأمورَ لو بَدَأ فقالَ: بِعتُها منكَ، فرُبَّما لا يَرغَبُ في شِرائِها، ويَسقُطُ خيارُ المَأمورِ بذلك؛ فكانَ الِاحتياطُ في أنْ يَبدَأ الآمِرُ، حتى إذا قالَ المَأمورُ: هي لَكَ بذلك، تَمَّ البَيعُ بينَهما، وإنْ لَم يَرغَبِ الآمِرُ في شِرائِها تَمكَّنَ المَأمورُ مِنْ رَدِّها بشَرطِ الخيارِ، ويَندفِعُ الضَّرَرُ عنه بذلك.
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: المِثالُ الحادي بعدَ المِئةِ: رَجُلٌ قالَ لِغيرِه: اشتَرِ هذه الدَّارَ أو هذه السِّلعةَ مِنْ فُلانٍ بكذا وكذا، وأنا أُربِحُكَ فيها كذا وكذا، فخافَ إنِ اشتَراها أنْ يَبدوَ لِلآمِرِ فلا يُريدَها ولا يَتمكَّنَ مِنْ الرَّدِّ، فالحيلةُ أنْ يَشتَريَها على أنَّه بالخِيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، أو أكثَرَ، ثم يَقولَ لِلآمِرِ: قد اشتَرَيتُها بما ذَكَرتَ، فإنْ أخَذها منه، وإلَّا تَمكَّنَ مِنْ رَدِّها على البائِعِ بالخيارِ، فإنْ لَم يَشتَرِها الآمِرُ إلَّا بالخيارِ فالحيلةُ أنْ يَشترِطَ له خِيارًا أنقَصَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ التي اشتَرطَها هو على البائِعِ؛ لِيَتَّسِعَ له زَمَنُ الرَّدِّ إنْ رُدَّتْ عليه (٢).
стр. 3970
وقد تَكلَّمَ المالِكيَّةُ أيضًا عن المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ، فذَكَروها في بُيوعِ العِينةِ، فقالوا: يَجوزُ لِمَنْ طُلِبتْ منه سِلعةٌ ليسَتْ عندَه أنْ يَشتَريَها مِنْ رَجُلٍ مِنْ أهلِ العِينةِ -وأهلُ العِينةِ قَومٌ نَصَّبوا أنفُسَهم لِطَلَبِ شِراءِ السِّلَعِ منهم، وليسَتْ عندَهم؛ فيَذهَبونَ إلى التُّجَّارِ لِيَشتَروها بثَمَنٍ لِيَبيعوها لِلطَّالِبِ-، وسَواءٌ باعوها لِطالِبِها بثَمَنٍ حالٍّ، أو بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ، أو بَعضُه حالٌّ وبَعضُه مُؤجَّلٌ؛ لِيَبيعَها لِمَنْ طَلَبَها منه بمُعجَّلٍ أو بمُؤجَّلٍ.
أمَّا إذا قالَ الطَّالِبُ لِلسِّلعةِ: اشتَرِها بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا آخُذُها مِنْكَ باثنَي عَشَر لِأجَلٍ؛ فيُمنَعُ لِمَا فيه مِنْ تُهمةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفعًا؛ لأنَّه كأنَّه سَلَّفَه عَشَرةً ثَمَنَ السِّلعةِ، يَأخُذُ عنها بعدَ الأجَلِ اثنَي عشَرَ.
ثم تارةً يَقولُ الطالِبُ: خُذْها لي، وتارةً لا يَقولُ: لي؛ فتَلزَمُ السِّلعةُ الطالِبَ بالعَشَرةِ نَقدًا، إنْ قالَ لِلمَطلوبِ منه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ … إلخ، ولِلمَطلوبِ منه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، ومِنَ الرِّبحِ، وفَسخُ البَيعِ الآخَرِ وهو الِاثنا عشَرَ لِأجَلٍ، ثم إنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً في يَدِ الآمِرِ رُدَّتْ لِلمَأمورِ بعَينِها، وإنْ فاتَتْ في يَدِ الآمِرِ بمُفوِّتِ البَيعِ الفاسِدِ رَدَّ قيمَتَها يَومَ القَبضِ حالَّةً بالِغةً ما بَلَغتْ زادَتْ على الاثنَيْ عَشَر أو نَقَصتْ.
وقيلَ: إنَّ البَيعَ الآخَرَ يَمضي مع الآمِرِ باثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ، ولا يُفسَخُ، كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً أو فائِتةً.
فإنْ لَم يَقُلْ: لي -في الفَرضِ المَذكورِ-، مَضى الآخَرُ بالِاثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ؛ لِبُعدِ تُهمةِ السَّلَفِ بمَنفَعةٍ، ولزِمه -أي: الآمِرَ- الِاثنا عشَرَ لِلأجَلِ؛
стр. 3971
لأنَّ ضَمانَها مِنْ المَأمورِ لو هلَك قبلَ شِراءِ الآخَرِ، ولو شاءَ الآمِرُ عَدَمَ الشِّراءِ كانَ له ذلك؛ لأنَّها لَم تَلزَمْه.
وإلَّا أنْ يَقولَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا، وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فيُمنَعُ إنْ شرَط الطالِبُ النَّقدَ على المَأمورِ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ بشَرطِ أنْ تَنقُدَها عَنِّي، وأنا أشتَريها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ لأنَّه حينَئذٍ قد جعَل له دِرهَمَيْنِ في نَظيرِ سَلَفِه وتَوليَتِه الشِّراءَ؛ فهو سَلَفٌ وإجارةٌ بشَرطٍ.
ولَزِمتِ السِّلعةُ الطالِبَ بالعَشَرةِ، ولِلمَأمورِ في نَظيرِ عَمَلِه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، أو الدِّرهَمانِ فيهما، أي: في هذه، وفي أوَّلِ قِسمَيَّ التي قبلَها، وهي قَولُه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا، وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ لِأجَلٍ.
وجازَ النَّقدُ بغيرِ شَرطٍ مِنْ الطالِبِ، بَلْ تَطوُّعًا، وله الدِّرهَمانِ، كنَقدِ الآمِرِ؛ فإنَّه جائِزٌ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا -ونَقدَه إيَّاها- وأنا آخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا، وله الدِّرهَمانِ؛ لأنَّهما أُجرةٌ، وإنْ لَم يَقُلْ: لي -في هذا الفَرضِ- وهو ما إذا شرَط الطالِبُ النَّقدَ على المَأمورِ كُرِهَ، كقَولِ بائِعٍ لِمُشتَرٍ: خُذْ مِنِّي بمِئةٍ ما -أي: سِلعةً - بثَمانينَ قيمةً؛ لِمَا فيه مِنْ رائِحةِ الرِّبا، ولا سيَّما إذا قالَ له المُشتَري: سَلِّفْني ثَمانينَ وأرُدُّ لَكَ عنها مِئةً؛ فقالَ المَأمورُ: هذا رِبًا، بَلْ خُذْ مِنِّي بمِئةٍ … إلَخ. أو قالَ شَخصٌ لِآخَرَ: اشتَرِها وأنا أُربِحُكَ، ولَم يُعيِّنْ له قَدْرَ الرِّبحِ؛ فإنَّه يُكرَهُ؛ فإنْ عَيَّنَه مُنِعَ.
وإنْ قالَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ لِأجَلٍ وأنا أشتَريها منكَ بثَمانيةٍ نَقدًا فيُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ السَّلَفِ بزيادةٍ لأنَّه سَلَّفَه الثَّمانيةَ المَنقودةَ على أنْ يَشتَريَها له بعَشَرةٍ، كذا قيلَ، ولا وَجْهَ له، كما عندَ الدُّسوقيِّ والصاوي.
стр. 3972
وذكَر ابنُ رُشدٍ وغيرُه أنَّ وَجْهَ المَنعِ أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ بسَلَفِه الثَّمانيةَ يَنقُدُها له يَنتفِعُ بها إلى الأجَلِ، ثم يَرُدُّها له، أي: والآمِرُ يَدفَعُ له العَشَرةَ عندَ الأجَلِ لِلبائِعِ الأصليِّ. اه. قالَ الصَّاويُّ: وهذا بَعيدٌ أيضًا، لا يَقتَضي الحُرمةَ، فتَأمَّلْ (١).
وتَلزَمُ السِّلعةُ الآمِرَ بما أمَرَ، وهو العَشَرةُ لِأجَلِها، ولا يُعجِّلُ له الأقَلَّ، وهو الثَّمانيةُ في المِثالِ؛ فإنْ عجَّل الأقَلَّ لِلمَأمورِ رَدَّ لِلآمِرِ، ولِلمَأمورِ جُعلُ مِثلِه.
وإن لَم يَقُلْ: لي؛ فُسِخَ البَيعُ الثاني؛ فتُرَدُّ السِّلعةُ لِلمَأمورِ إنْ كانَتْ قائِمةً؛ فإنْ فاتَتْ فالقيمةُ على الآمِرِ يَومَ قَبضِها على أحَدِ القَولَيْنِ.
والآخَرُ: لا يُفسَخُ بَلْ يَمضي بالثَّمانيةِ نَقدًا، وعلى المَأمورِ العَشَرةُ لِلأجَلِ لِرَبِّ السِّلعةِ (٢).
وقد بيَّن الإمامُ ابنُ رُشدٍ مَسائِلَ العِينةِ، وبيَّن الجائِزَ منها والمَكروهَ والمَحظورَ، فقالَ: العِينةُ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ: جائِزةٌ، ومَكروهةٌ، ومَحظورةٌ.
فالجائِزةُ: أنْ يَأتيَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ منهم فيَقولَ له: أعندَكَ سِلعةُ كذا وكذا تَبيعُها مِنِّي بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَذهَبَ عنه فيَبتاعَ المَسؤولُ تلك
стр. 3973
السِّلعةَ، ثم يَلقاه فيَقولَ له: عِندي ما سَألتَ، فيَبيعَ ذلك منه.
والمَكروهةُ: أنْ يَقولَ له: عندَكَ كذا وكذا تَبيعُه مِنِّي بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَقولَ له: ابتَعْ ذلك وأنا أبتاعُه منكَ بدَيْنٍ وأُربِحُكَ فيه؛ فيَشتَريَ ذلك ثم يَبيعَه منه على ما تَواعَدا عليه.
والمَحظورةُ: أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتَريها مِنْكَ بكذا وكذا، وهذا الوَجهُ فيه سِتُّ مَسائِلَ تَفترِقُ أحكامُها بافتِراقِ مَعانيها:
إحداها: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أشتَريها منكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فهذا أجازَه مالِكٌ مَرَّةً، إذا كانَتِ البَيعَتانِ بالنَّقدِ وانتَقَدَ، وكَرِهَه مَرَّةً لِلمُراوَضةِ التي وَقَعتْ بينَهما في السِّلعةِ قبلَ أنْ تَصيرَ في مِلْكِ المَأمورِ.
والثانيةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها منكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا لا يَجوزُ، إلَّا أنَّه اختُلِفَ فيه إذا وقَع على قَولَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّ السِّلعةَ لازِمةٌ لِلآمِرِ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، لأنَّ المَأمورَ كانَ ضامِنًا لَها لو تلِفتْ في يَدِه قبلَ أنْ يَبيعَها مِنْ الآمِرِ، ويُستحَبُّ له أنْ يَتورَّعَ، فلا يَأخُذَ منه إلَّا ما نقَد فيها، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في سَماعِ سَحنونٍ مِنْ كِتابِ البَضائِعِ والوَكالاتِ ورِوايَتِه عن مالِكٍ.
والآخَرُ: أنَّ البَيعَ يُفسَخُ وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ فتَكونَ فيه القيمةُ مُعجَّلةً، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ لأنَّه باعَه إيَّاها قبلَ أنْ يَجِبَ له فيَدخُلَه بَيعُ ما ليسَ عندَكَ.
стр. 3974
والثالِثةُ: عَكسُها، وهو أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أبتاعُها منكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا لا يَجوزُ أيضًا، إلَّا أنَّه يُختلَفُ فيه إذا وقَع على القَولَيْنِ المَذكورَيْنِ، يَلزَمُ الآمِرَ السِّلعةُ بالعَشَرةِ نَقدًا، ويُستحَبُّ له أنْ يَزيدَه الدِّينارَيْنِ على القَولِ الأوَّلِ، ويُفسَخُ البَيعُ على القَولِ الآخَرِ، وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ بيَدِ الآمِرِ، فتَكونَ عليه فيها القيمةُ، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ على القَولِ الآخَرِ، وهو قَولُ ابنِ حَبيبٍ.
والرابعةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها منكَ باثنَيْ عشَرَ؛ فهذا مَرجِعُ الأمرِ فيه إلى أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بدينارَيْنِ أُجرةً؛ فإنْ كانَ النَّقدُ مِنْ عِنْدِ الآمِرِ، أو مِنْ عِنْدِ المَأمورِ بغيرِ شَرطٍ فهو جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنْ عِنْدِ المَأمورِ بشَرطٍ كانَتْ إجارةً وسَلَفًا؛ لأنَّه استَأجَرَه بدينارَيْنِ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ ويَنقُدَ عنه؛ فتَكونَ له إجارةُ مِثلِه، إلَّا أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ الدِّينارَيْنِ؛ فلا يُزادُ عليهما على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ في البَيعِ والسَّلَفِ، إذا كانَ السَّلَفُ مِنْ عِنْدِ البائِعِ، وفاتَتِ السِّلعةُ، فلِلبائِعِ الأقَلُّ مِنْ القيمةِ أو الثَّمنِ، وإنْ قبَض السَّلَفَ، وتَكونُ له إجارةُ مِثلِه بالِغةً ما بَلَغتْ على مَذهبِ ابنِ حَبيبٍ في البَيعِ والسَّلَفِ، إذا قبَض السَّلَفَ، وفاتَتِ السِّلعةُ، ففيها القيمةُ بالِغةً ما بَلَغتْ؛ والأصَحُّ ألَّا تَكونَ له أُجرةٌ؛ لأنَّا إنْ أعطَيناه الأُجرةَ كانَ الثَّمنُ ثَمَنًا لِلسَّلَفِ؛ فكانَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا الذي عَقَدا عليه، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وهذه الأقوالُ الثَّلاثةُ إذا عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنْ نقَد المَأمورَ الثَّمنَ، وقبلَ أنْ يَحُلَّ الأجَلُ؛ لأنَّ السَّلَفَ -وإنْ كانَ حالًّا- لا بدَّ مِنْ الحُكمِ فيه بأجَلٍ، ولو عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنِ ابتاعَ
стр. 3975
المَأمورُ السِّلعةَ وقبلَ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ، كانَ النَّقدُ على الآمِرِ، ولَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمَأمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ له الأُجرةَ بالِغةً ما بَلَغتْ. والآخَرُ: أنَّ له الأقَلَّ، ولو لَم يُعثَرْ على ذلك إلَّا بعدَ حُلولِ الأجَلِ، لَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمَأمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ له الأُجرةَ بالِغةً ما بَلَغتْ، والآخَرُ: أنَّه لا شَيءَ له.
والخامِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا وكذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا حَرامٌ، لا يَحِلُّ ولا يَجوزُ؛ لأنَّه رَجُلٌ ازدادَ في سَلَفِه؛ فإنْ وقَع ذلك لَزِمتِ السِّلعةُ لِلآمِرِ؛ لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، وإنَّما أسلَفَه المَأمورُ ثَمَنَها لِيأخُذَ منه أكثَرَ منه إلى أجَلٍ؛ فيُعطيَه العَشَرةَ مُعجَّلةً، ويَطرَحَ عنه ما أرْبَى، ويَكونَ له أُجرةُ مِثلِه بالِغةً ما بَلَغتْ في قَولٍ، والأقَلُّ مِنْ أُجرةِ مِثلِه، أو الدِّينارانِ في قَولٍ، ولا يَكونُ له شَيءٌ في قَولٍ؛ لِئَلَّا يَكونَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا فيما بينَهما على ما مَضَى مِنْ الِاختِلافِ في المَسألةِ التي قبلَها.
وقالَ في سَماعِ سَحنونٍ: إنْ لَم تَفُتِ السِّلعةُ فُسِخَ البَيعُ وهو بَعيدٌ، فقيلَ: مَعنَى ذلك إذا عَلِمَ البائِعُ الأوَّلُ بعَمَلِهما.
والسادِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أشتَريها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا حَرامٌ لا يَجوزُ، ومَكروهٌ إذا استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بسَلَفِ عَشَرةِ دَنانيرَ يَدفَعُها إليه يَنتَفِعُ بها إلى أجَلٍ ثم يَرُدُّها إليه؛ فإذا وقَع ذلك لَزِمتِ الآمِرَ السِّلعةُ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، ولا يَتعجَّلِ المَأمورُ منه العَشَرةَ النَّقدَ، وإنْ كانَ قد دَفَعَها إليه
стр. 3976
صرَفها عليه، ولَم تُترَكْ عندَه إلى الأجَلِ، وكانَ له جُعلُ مِثلِه بالِغًا ما بلَغ في هذا الوَجهِ باتِّفاقٍ، واللَّهُ أعلَمُ (١).
وقد ذَكَرتُ هُنا هذه المَسائِلَ وإنْ كانَتْ في العِينةِ لأنَّ فيها تَفصيلًا في بَيعِ المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ.
وقد سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ عن: امرَأةٍ تَشتَري قُماشًا بثَمَنٍ حالٍّ وتَبيعُه بزائِدِ الثُّلُثِ إلى أجَلٍ مَعلومٍ، فهل هذا رِبًا؟
فأجابَ: الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ، إذا كانَ المُشتَري يَشتَريها لِيَنتفِعَ بها، أو يَتَّجِرَ بها، لا يَشتَريها لِيَبيعَها ويَأخُذَ ثَمَنَها لِحاجَتِه إليه فلا بَأْسَ بذلك، لكنْ يَنبَغي إذا كانَ المُشتَري مُحتاجًا أنْ يَربَحَ عليه الرِّبحَ الذي جَرَتْ به العادةُ، واللَّهُ أعلَمُ (٢).
стр. 3977
حُكمُ الوَعدِ المُلزِمِ في بَيعِ المُرابَحةِ:
تَعريفُ الوَعدِ:
الوَعدُ لُغةً: يَدلُّ على تَرجيةٍ بقَولٍ، يُقالُ: وَعَدتُه أعِدُه وَعدًا، ويُستعمَلُ في الخَيرِ حَقيقةً، وفي الشَّرِّ مَجازًا، فأمَّا الوَعيدُ فلا يَكونُ إلَّا بشَرٍّ، يَقولونَ: أوعَدتُه بكذا (١).
والوَعدُ: العَهدُ، والعِدَةُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ: ليسَ فيها إلزامُ الشَّخصِ نَفْسَه شَيئًا الآنَ، وإنَّما هي -كما قالَ ابنُ عَرَفةَ-: إخبارٌ عن إنشاءِ المُخبِرِ مَعروفًا في المُستقبَلِ (٢).
والفَرقُ بينَ ما يَدلُّ على الِالتِزامِ، وما يَدلُّ على العِدَةِ: هو ما يُفهَمُ مِنْ سياقِ الكَلامِ وقَرائِنِ الأحوالِ. والظاهِرُ مِنْ صِيغةِ المُضارِعِ: الوَعدُ، مثلَ: أنا أفعَلُ، إلَّا أنْ تَدُلَّ قَرينةٌ على الِالتِزامِ، كما يُفهَمُ مِنْ كَلامِ ابنِ رُشدٍ، وذلك مثلَما لو سَألَكَ مَدينٌ أنْ تُؤخِّرَه إلى أجَلِ كذا؛ فقُلتَ: أنا أُؤخِّرُكَ؛ فهو عِدَةٌ، ولو قُلتَ: قد أخَّرتُكَ؛ فهو التِزامٌ (٣).
стр. 3978
وقالَ أبو هِلالٍ العَسكَريُّ ﵀: والفَرقُ بينَ الوَعدِ والعَهدِ أنَّ العَهدَ ما كانَ مِنْ الوَعدِ مَقرونًا بشَرطٍ، نَحوَ: إنْ فَعَلتَ كذا فَعَلتُ كذا (١).
حُكمُ الوَعدِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ الوَعدَ مِنْ التَّصرُّفاتِ التي يُستحَبُّ الوَفاءُ بها.
قالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: وقالَ العُلماءُ: يُستحَبُّ الوَفاءُ بالوَعدِ بالهِبةِ وغيرِها، استِحبابًا مُؤكَّدًا، ويُكرَهُ إخلافُه، كَراهةَ تَنزيهٍ لا تَحريمٍ، ويُستحَبُّ أنْ يُعقِبَ الوَعدَ بالمَشيئةِ؛ لِيَخرُجَ عن صورةِ الكَذِبِ، ويُستحَبُّ إخلافُ الوَعيدِ، إذا كانَ التَّوعُّدُ به جائِزًا، ولا يَترتَّبُ على تَركِه مَفسَدةٌ (٢).
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا، هل يَجِبُ الوَفاءُ به أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجِبُ الوَفاءُ به قَضاءً.
стр. 3979
قالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: جُمهورُ العُلماءِ، منهم أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ، على أنَّ إنجازَ العِدَةِ مُستحَبٌّ، وأوجَبَه الحَسَنُ وبَعضُ المالِكيَّةِ (١).
وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الوَفاءَ بالوَعدِ في الخَيرِ مَطلوبٌ.
وهَل هو واجِبٌ أو مُستحَبٌّ؟ فيه خِلافٌ.
ذهَب أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ وأكثَرُ العُلماءِ إلى أنَّه مُستحَبٌّ، فلو ترَكه فاتَه الفَضلُ، وارتَكَبَ المَكروهَ كَراهةً شَديدةً، ولكنْ لا يَأثَمُ.
وذهَب جَماعةٌ إلى أنَّه واجِبٌ، منهم عمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ.
وذهَب المالِكيَّةُ مَذهبًا ثالِثًا: أنَّ الوَعدَ إنِ اشتُرِطَ بسَبَبٍ، كقَولِه: تَزوَّجْ ولَكَ كذا، ونَحوِ ذلك، وجَب الوَفاءُ به، وإنْ كانَ الوَعدُ مُطلَقًا لَم يَجِبْ (٢).
قالَ الإمامُ شَمسُ الدِّينِ السَّرخَسيُّ ﵀: الإنسانُ مَندوبٌ إلى الوَفاءِ بالوَعدِ مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ ذلك مُستحَقًّا عليه (٣).
وقالَ ابنُ عابدينَ ﵀: خُلفُ الوَعدِ مَكروهٌ، لا حَرامٌ، وفي الذَّخيرةِ يُكرَهُ تَنزيهًا؛ لأنَّه خُلفُ الوَعدِ، ويُستحَبُّ الوَفاءُ بالعَهدِ، لَكِنِ استَظهَرَ العَلَّامةُ أبو السُّعودِ كَراهةَ التَّحريمِ، ووَفقَ شَيخِه، بحَملِ ما في الذَّخيرةِ،
стр. 3980
ومَن نَحا نَحوَها بأنَّ الكَراهةَ لِلتَّنزيهِ على ما إذا وَعَدَ وكانَ مِنْ نِيَّتِه الوَفاءُ، ثم طَرَأ الخُلفُ فلا مُخالَفةَ. اه.
قالَ سَيِّدي الوالِدُ ﵀: لا يَلزَمُ الوَفاءُ بالوَعدِ شَرعًا (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الوَفاءُ بالوَعدِ مُستحَبٌّ استِحبابًا مُؤكَّدًا، ويُكرَهُ إخلافُه كَراهةً شَديدةً، ودَلائِلُه مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ مَعلومةٌ (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ زَكَريا الأنصاريُّ ﵀: وإنَّما لَم يَجِبِ الوَفاءُ بالوَعدِ ولَم يَحرُمْ إخلافُه لأنَّه في مَعنَى الهِبةِ، وهي لا تَلزَمُ إلَّا بالقَبضِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: لا يَلزَمُ الوَفاءُ بالوَعدِ، نصَّ عليه، وقالَه أكثَرُ العُلماءِ … لأنَّه لا يَحرُمُ بلا استِثناءٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، ولأنَّه في مَعنَى الهِبةِ قبلَ القَبضِ، وذكَر شَيخُنا وَجْهًا يَلزَمُ، واختارَه، ويُتوَجَّهُ بأنَّه رِوايةٌ مِنْ تَأجيلِ العاريةِ والصُّلحِ عن عِوَضِ المُتلَفِ بمُؤجَّلٍ، ولِمَا قيلَ لِلإمامِ أحمدَ: بمَ يُعرَفُ الكَذَّابونَ؟ قالَ: بخُلفِ المَواعيدِ. وهذا مُتَّجَهٌ، وقالَه مِنْ الفُقهاءِ ابنُ شُبرُمةَ.
وقالَ ابنُ العَرَبيِّ المالِكيِّ ﵀: أجَلُّ مَنْ قالَ به عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وذلك لقولِ الله : ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
стр. 3981
[الصف: ٣]، ولِخَبَرِ: «آيةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا وَعَدَ أخلَفَ»، وحَمْلًا على وَعدٍ واجِبٍ وبِإسنادٍ حَسَنٍ: «العِدةُ عَطيَّةٌ»، وبِإسنادٍ ضَعيفٍ: «العِدةُ دَيْنٌ» (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رَجَبٍ ﵀: قد اختلَف العُلماءُ في وُجوبِ الوَفاءِ بالوَعدِ، فمنهم مَنْ أوجَبَه مُطلَقًا وذكَر البُخاريُّ في صَحيحِه أنَّ ابنَ أشْوَعَ قَضى بالوَعدِ، وهو قَولُ طائِفةٍ مِنْ أهلِ الظاهِرِ وغيرِهم، ومنهم مَنْ أوجَبَ الوَفاءَ به إذا اقتَضى نَفعًا لِلمَوعودِ، وهو المَحكيُّ عن مالِكٍ، وكَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ لا يُوجِبونَه مُطلَقًا (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ الظاهِريُّ ﵀: ليسَ كلُّ وَعدٍ يَجِبُ الوَفاءُ به، وإنَّما يَجِبُ الوَفاءُ بالوَعدِ بالواجِبِ الذي افتَرَضَه اللَّهُ فَقط، ولا يَلزَمُ أحَدًا ما التَزَمَه، لكنْ ما ألزَمَه اللَّهُ على لِسانِ نَبيِّه ﷺ ، فهو الذي يَلزَمُ، سَواءٌ التَزَمَه المَرءُ أو لَم يَلتَزِمْه (٣).
وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: قالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه والأوزاعيُّ والشافِعيُّ وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ الحُسَينِ وسائِرُ الفُقهاءِ: أمَّا العِدةُ فلا يَلزَمُه منها شَيءٌ؛ لأنَّها مَنافِعُ لَم يَقبِضْها في العاريةِ؛ لأنَّها طارِئةٌ، وفي غيرِ العاريةِ أشخاصٌ وأعيانٌ مَوهوبةٌ لَم تُقبَضْ، ولِصاحِبِها الرُّجوعُ فيها (٤).
стр. 3982
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: قَولُه: بابُ مَنْ أُمِرَ بإنجازِ الوَعدِ: وَجْهُ تَعلُّقِ هذا البابِ بأبوابِ الشَّهاداتِ أنَّ وَعدَ المَرءِ كالشَّهادةِ على نَفْسِه، قالَه الكَرمانيُّ، وقالَ المُهلَّبُ: إنجازُ الوَعدِ مَأمورٌ به، مَندوبٌ إليه عندَ الجَميعِ، وليسَ بفَرضٍ؛ لِاتِّفاقِهم على أنَّ المَوعودَ لا يُضارَبُ بما وُعِدَ به مع الغُرَماءِ. اه. ونَقلُ الإجماعِ في ذلك مَردودٌ، فإنَّ الخِلافَ مَشهورٌ، لكنَّ القائِلَ به قَليلٌ، وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ وابنُ العَرَبيِّ: أجَلُّ مَنْ قالَ به عمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ، وعَن بَعضِ المالِكيَّةِ إنِ ارتَبَطَ الوَعدُ بسَبَبٍ وجَب الوَفاءُ به، وإلَّا فلا، فمَن قالَ لِآخَرَ: تَزوَّجْ ولَكَ كذا، فتَزوَّجَ لِذلك وجَب الوَفاءُ به، وخرَج بَعضُهم الخِلافَ على أنَّ الهِبةَ هل تُملَكُ بالقَبضِ أو قبلَه، وقَرَأتُ بخَطِّ أبي ﵀ في إشكالاتٍ على الأذكارِ لِلنَّوَويِّ، ولَم يَذكُرْ جَوابًا عن الآيةِ، يَعني قَولَه تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وعن حَديثِ: (آيةُ المُنافِقِ)، قالَ: والدِّلالةُ لِلوُجوبِ مِنها قَويَّةٌ، فكَيفَ حَمَلوه على كَراهةِ التَّنزيهِ مع الوَعيدِ الشَّديدِ، ويُنظَرُ: هل يُمكِنُ أنْ يُقالَ: يَحرُمُ الإخلافُ ولا يَجِبُ الوَفاءُ، أي: يَأثَمُ بالإخلافِ، وإنْ كانَ لا يَلزَمُ بوَفاءِ ذلك قَولُه وفِعلُه الحَسَنُ، يَعني الأمرَ بإنجازِ الوَعدِ (١).
أمَّا المالِكيَّةُ فعندَهم أربَعةُ أقوالٍ في حُكمِ الوَعدِ:
القَولُ الأوَّلُ مِثلُ قَولِ جُمهورِ الفُقهاءِ: أنَّ الوَعدَ لا يَلزَمُ وإنْ كانَ على سَبَبٍ دخَل فيه.
стр. 3983
القَولُ الثاني: أنَّ الوَعدَ لازِمٌ في كلِّ ما وَعَدَ به، ويُقضَى به، وإنْ لَم يَكُنْ على سَبَبٍ، ورُويَ عن عمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ أنَّه قَضَى به (١).
القَولُ الثالِثُ: أنَّه يُقضَى بالعِدَةِ إنْ كانَتْ على سَبَبٍ، وإنْ لَم يَدخُلِ المَوعودُ بسَبَبِ العِدَةِ في شَيءٍ، وهو قَولُ أصبَغَ، كقَولِكَ: أُريدُ أنْ أتزوَّجَ، أو أنْ أشتَريَ كذا، أو أنْ أقضيَ غُرَمائي، فأسلِفْني كذا، أو: أُريدُ أنْ أركَبَ غَدًا إلى مَكانِ كذا، فأعِرْني دابَّتَكَ، أو: أنْ أحرُثَ أرضي، فأعِرْني بَقَرتَكَ، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له الرُّجوعُ قبلَ أنْ يَتزوَّجَ، أو أنْ يَشتَريَ، أو أنْ يُسافِرَ، فإنَّ ذلك يَلزَمُه، ويُقضَى عليه به ما لَم تَترُكِ الأمرَ الذي وَعَدَكَ عليه.
فإنْ لَم تَسألْه وقالَ لَكَ هو مِنْ نَفْسِه: أنا أُسَلِّفُكَ كذا، أو أهَبُ لَكَ كذا؛ لِتَقضيَ دَينَكَ، أو لِتَتزوَّجَ، أو نَحوَ ذلك، فإنَّ ذلك يَلزَمُه ويُقضَى به عليه.
ولا يُقضَى بها إنْ كانَتْ على غيرِ سَبَبٍ، كما إذا قُلتَ: أسْلِفْني كذا، ولَم تَذكُرْ سَبَبًا، أو أعِرْني دابَّتَكَ، أو بَقَرتَكَ، ولَم تَذكُرْ سَفَرًا، ولا حاجَةً، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له، أو قالَ هو مِنْ نَفْسِه: أنا أُسَلِّفُكَ كذا، أو أهَبُ لَكَ كذا، ولَم يَذكُرْ سَبَبًا، ثم بَدا له فإنَّه لا يُلزَمُ، ولا يُقضَى به عليه.
والقَولُ الرابعُ -وهو المَشهورُ-: يُقضَى بها إنْ كانَتْ على سَبَبٍ ودخَل المَوعودُ بسَبَبِ العِدَةِ في شَيءٍ، أو التِزامٍ ماليٍّ بمُباشَرةِ ذلك السَّببِ، بِناءً على هذا الوَعدِ، وذلك كما لو وَعَدَ شَخصٌ شَخصًا آخَرَ بأنْ يُقرِضَه مَبلَغًا مِنْ المالِ بسَبَبِ عَزمِه على الزَّواجِ؛ لِيَدفَعَه مَهرًا، أو لِيَشتَريَ به بِضاعةً؛
стр. 3984
فتَزوَّجَ المَوعودُ أو اشتَرَى البِضاعةَ ثم نكَل الواعِدُ عن القَرضِ؛ فإنَّه يُجبَرُ قَضاءً على تَنفيذِ وَعدِه (١).
وقد شَرَحَ هذه الأقوالَ وبيَّنها الإمامُ الحَطَّابُ المالِكيُّ، فقالَ في «تَحريرِ الكَلامِ في مَسائِلِ الالتزامِ»: الوَفاءُ بالعِدَةِ مَطلوبٌ بلا خِلافٍ، واختُلِفَ في وُجوبِ القَضاءِ بها على أربَعةِ أقوالٍ، حَكاها ابنُ رُشدٍ في كِتابِ جامِعِ البُيوعِ، وفي كِتابِ العاريةِ، وفي كِتابِ العِدَةِ، ونقَلها عنه غيرُ واحِدٍ، فقيلَ: يُقضى بها مُطلَقًا، وقيلَ: لا يُقضى بها مُطلَقًا، وقيلَ: يُقضى بها إنْ كانَتْ على سَبَبٍ، وإنْ لَم يَدخُلِ المَوعودُ بسَبَبِ العِدَةِ في شَيءٍ، كقَولِكَ: أُريدُ أنْ أتَزوَّجَ، أو أنْ أشتَريَ كذا، أو أنْ أقَضيَ غُرَمائي، فأسلِفْني كذا، أو أُريدَ أنْ أركَبَ غَدًا إلى مَكانِ كذا، فأعِرْني دابَّتَكَ، أو أنْ أحرُثَ أرضي، فأعِرْني بَقَرَتَكَ، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له قبلَ أنْ يَتزوَّجَ، أو أنْ يَشتَريَ، أو أنْ يُسافِرَ، فإنَّ ذلك يَلزَمُه، ويُقضى عليه به ما لَم تَترُكِ الأمرَ الذي وَعَدَكَ عليه، وكذا لو لَم تَسألْه، وقالَ لَكَ هو مِنْ نَفْسِه: أنا أُسَلِّفُكَ كذا، أو أهَبُ لَكَ كذا لِتَتزوَّجَ، أو لِتَقضيَ دَينَكَ، أو نَحوَ ذلك، فإنَّ ذلك يَلزَمُه ويُقضى عليه به.
ولا يُقضي بها إنْ كانَتْ على غيرِ سَبَبٍ، كما إذا قُلتَ: سَلِّفْني كذا، ولَم تَذكُرْ سَبَبًا، أو أعِرْني دابَّتَكَ، أو بَقَرَتَكَ، ولَم تَذكُرْ سَبَبًا، سَفَرًا ولا حاجَةً، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له، أو قالَ هو مِنْ نَفْسِه: أنا أُسَلِّفُكَ كذا، أو أهَبُ لَكَ كذا، ولَم يَذكُرْ سَبَبًا، ثم بَدا له.
стр. 3985
والرابعُ: يُقضَى بها إنْ كانَتْ على سَبَبٍ ودخَل المَوعودُ بسَبَبِ العِدَةِ في شَيءٍ، وهذا هو المَشهورُ مِنْ الأقوالِ. قالَ في آخِرِ الرَّسمِ الأوَّلِ مِنْ سَماعِ أصبَغَ مِنْ جامِعِ البُيوعِ: قالَ أصبَغُ: سَمِعتُ أشهَبَ وسُئلَ عن رَجُلٍ اشتَرَى مِنْ رَجُلٍ كَرمًا فخافَ الوَضيعةَ فأتَى لِيَستَوضِعَه، فقالَ له: بِعْ وأنا أُرضيكَ، قالَ: فإنْ باعَ برَأْسِ مالِه أو برِبحٍ فلا شَيءَ عليه، وإنْ باعَ بوَضيعةٍ كانَ عليه أنْ يُرضيَه، فإنْ زَعَمَ أنَّه أرادَ شيئًا سَمَّاه فهو ما أرادَ، وإنْ لَم يَكُنْ أرادَ شَيئًا أرضاه بما شاءَ وحلَف باللَّهِ الذي لا إلَهَ إلَّا هو ما أرادَ أكثَرَ مِنْ ذلك، وإنْ لَم يَكُنْ أرادَ شَيئًا يَومَ قالَ ذلك. قالَ أصبَغُ: وسَألتُ عنها ابنَ وَهبٍ فقالَ: عليه رِضاه بما يُشبِهُ ثَمَنَ تلك السِّلعةِ والوَضيعةِ فيها، قالَ أصبَغُ: وقَولُ ابنِ وَهبٍ هو أحسَنُ عِندي، وهو أحَبُّ إلَيَّ إذا وَضَعَ فيها، قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: قَولُه: بِعْه وأنا أُرضيكَ عِدَةٌ، إلَّا أنَّها عِدَةٌ عَلى سَبَبٍ، وهو البَيعُ، والعِدَةُ إذا كانَتْ على سَبَبٍ لَزِمتْ؛ لِحُصولِ السَّببِ في المَشهورِ مِنْ الأقوالِ … قُلتُ: وهذا القَولُ الذي شَهَرَه ابنُ رُشدٍ، قالَ الشَّيخُ أبو الحَسَنِ في أوَّلِ كِتابِ العِتقِ الأوَّلِ، وفي كِتابِ الغَرَرِ بأنَّه مَذهبُ المُدَوِّنةِ، لقولِه في آخِرِ كِتابِ الغَرَرِ: وإنْ قالَ: اشتَرِ عَبدَ فُلانٍ وأنا أُعينُكَ بألْفِ دِرهَمٍ، فاشتَراه، لزِمه ذلك الوَعدُ. اه.
وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في سَماعِه مِنْ كِتابِ العاريةِ، وقَولُ سَحنونٍ في كِتابِ العِدَةِ، ونَصُّه في سَماعِ عيسى: قُلتُ لِسَحنونٍ: ما الذي يَلزَمُ مِنْ العِدَةِ في السَّلَفِ والعاريةِ؟
قالَ: ذلك أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اهدِمْ دارَكَ وأنا أُسَلِّفُكَ، أو: اخرُجْ
стр. 3986
إلى الحَجِّ وأنا أُسَلِّفُكَ، أو تَزوَّجِ امرَأةً وأنا أُسَلِّفُكَ، وعَزاه له ابنُ رُشدٍ في رَسمِ طَلقِ بنِ حَبيبٍ مِنْ سَماعِ ابنِ القاسِمِ مِنْ كِتابِ العاريةِ.
وقالَ القَرافيُّ ﵀ في الفَرقِ الرابعَ عشَرَ بعدَ المِئتَيْنِ: قالَ سَحنونٌ: الذي يَلزَمُ مِنْ الوَعدِ مِثلُ اهدِمْ دارَكَ وأنا أُسَلِّفُكَ ما تَبني به، أو: اخرُجْ إلى الحَجِّ وأنا أُسَلِّفُكَ، أو: اشتَرِ سِلعةً، أو تَزوَّجِ امرَأةً وأنا أُسَلِّفُكَ، وعَزاه له ابنُ رُشدٍ؛ لأنَّكَ أدخَلتَه بوَعدِكَ في ذلك، وأمَّا مُجرَّدُ الوَعدِ فلا يُلزِمُ الوَفاءَ به، بَلْ الوَفاءُ به مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ. اه (١).
وقالَ اللَّخميُّ ﵀ في كِتابِ الشُّفعةِ لمَّا ذكَرَ حُجَّة مُقابِل المَشهورِ، والقائِلِ بلُزومِ إسقاطِ الشُّفعةِ قبلَ الشِّراءِ ما نَصُّه: ولو قالَ: اشتَرِ هذا الشَّخصَ والثَّمنُ علَيَّ، فاشتَراه، لزِمه أنْ يُغرَّمَ الثَّمنَ الذي اشتَراه به؛ لأنَّه أدخَلَه في الشِّراءِ، وهذا قَولُ مالِكٍ وابنِ القاسِمِ، والقَولُ بأنَّه يَقضي بها إذا كانَتْ على سَبَبٍ، وإنْ لَم يَدخُلْ بسَبَبِها في شَيءٍ هو قَولُ أصبَغَ في كِتابِ العِدَةِ، وقَولُ مالِكٍ في رَسمِ طَلقِ بنِ حَبيبٍ مِنْ سَماعِ ابنِ القاسِمِ، وهو قَويٌّ أيضًا، والقَولُ بعَدَمِ القَضاءِ بها مُطلَقًا في سَماعِ أشهَبَ مِنْ كِتابِ العاريةِ، والقَولُ بالقَضاءِ بها مُطلَقًا لَم يَعْزُه ابنُ رُشدٍ، وهذانِ القَولانِ ضَعيفانِ جِدًّا، واللَّهُ أعلَمُ.
فَرعٌ: إذا قالَ له: إنَّ غُرَمائي يُلزِمونَني بدَيْنٍ، فسَلِّفْني أقضِهم، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له، فقالَ أصبَغُ في سَماعِ عيسى مِنْ كِتابِ العِدَةِ: يَلزَمُه ذلك،
стр. 3987
ويُحكَم به عليه، وهو جارٍ على قَولِه بلُزومِ العِدَةِ إذا كانَتْ على سَبَبٍ، وإنْ لَم يَدخُلْ بسَبَبِها في شَيءٍ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: إنَّما يَلزَمُه إذا اعتَقَدَ الغُرَماءُ منه على وَعدٍ، أو أشهَدَ به على نَفْسِه، وذلك على أصلِه في أنَّه لا يَقضي بالعِدَةِ إلَّا إذا دخَل بسَبَبِها في شَيءٍ، ولو قالَ: أُشهِدُكم على أنِّي فاعِلٌ أو أفعَلُ، فظاهِرُ كَلامِ مالِكٍ في سَماعِ ابنِ القاسِمِ مِنْ العاريةِ أنَّه تَردَّدَ في الحُكمِ عليه بذلك، وأنَّ الظاهِرَ اللُّزومُ، وقالَ ابنُ رُشدٍ: ولو قالَ: أُشهِدُكم على أنِّي قد فَعَلتُ، ما وَقَفَ في إيجابِه عليه، ولُزومِ القَضاءِ به.
فَرعٌ: قالَ في سَماعِ أشهَبَ مِنْ كِتابِ العاريةِ فيمَن حلَف لَيُوفِّيَنَّ غَريمَه إلى أجَلٍ، فلمَّا خَشيَ الحِنثَ ذكَر ذلك لِرَجُلٍ، فقالَ: لا تَخَفْ، ائْتِني هذه العَشيَّةَ أُعطِكَها؛ فلمَّا كانَتِ العَشيَّةُ جاءَه فأبَى أنْ يُعطيَه، فقالَ له: غَرَرتَني حتى خِفتُ أنْ يَدخُلَ على الطَّلاقُ، أتُراه له لازمًا؟ فقالَ: لا واللَّهِ، ما أرى ذلك لازِمًا له، ولا هو مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ ولا مَحاسِنِها. قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: قد قيلَ: إنَّه يَلزَمُه، وهو الأظهَرُ؛ لأنَّه غَرَّه ومنَعه أنْ يَحتالَ لِنَفْسِه بما يَبَرُّ به مِنْ سَلَفٍ أو غيرِه. اه.
قُلتُ: فالقَولُ الأوَّلُ مَبنيٌّ على أنَّ العِدَةَ لا يُقضى بها، ولو كانَتْ على سَبَبٍ، ودخَل في السَّببِ، وقد تَقدَّمَ أنَّه في سَماعِ أشهَبَ مِنْ العاريةِ، والثاني مَبنيٌّ على أنَّه يُقضى بها إذا كانَت على سَبَبٍ، وعلى المَشهورِ أيضًا لأنَّه قد أدخَلَه بسَبَبِ العِدَةِ في عَدَمِ الاحتيالِ لِنَفْسِه حتى خَشِيَ الحِنثَ، واللَّهُ أعلَمُ (١).
стр. 3988
وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: قالَ سَحنونٌ: اختلَف أصحابُنا في رُجوعِ العِدَةِ، وهو الذي عليه أكثَرُهم، وهو الذي يَلزَمُه مِنْ العِدَةِ في السَّلَفِ والعاريةِ أنْ يَقولَ لِلرَّجُلِ: اهدِمْ دارَكَ وأنا أُسَلِّفُكَ ما تَبنيها به، أوك اخرُجْ إلى الحَجِّ وأنا أُسَلِّفُكَ ما يُبَلِّغُكَ، أو اشتَرِ سِلعةَ كذا، أو: تَزوَّجْ وأنا أُسَلِّفُكَ ثَمَنَ السِّلعةِ وصَداقَ المَرأةِ وما أشبَهَ ذلك ممَّا يُدخِلُه فيه ويُنشِبُه به، فهذا كُلُّه يُلزِمُه.
قالَ: وإمَّا أنْ يَقولَ: أنا أُسَلِّفُكَ، وأنا أُعطيكَ بغيرِ شَيءٍ يُلزِمُ المَأمورُ نَفْسَه، فإنَّ هذا لا يَلزَمُه منه شَيءٌ.
قالَ أصبَغُ: العِدَةُ إذا لَم تَكُنْ في نَفْسِ البَيعِ، وكانَتْ بَعدُ، فهي مُوضَعةٌ عَينَ المُشتَري وتَلزَمُ البائِعَ.
وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه والأوزاعيُّ والشافِعيُّ وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ الحَسَنِ وسائِرُ الفُقهاءِ: أمَّا العِدَةُ فلا يَلزَمُه مِنها شَيءٌ؛ لأنَّها مَنافِعُ لَم يَقبِضْها في العاريةِ؛ لأنَّها طارِئةٌ، وهي بغيرِ العاريةِ هي أشخاصٌ وأعيانٌ مَوهوبةٌ لَم تُقبَضْ، فلِصاحِبِها الرُّجوعُ فيها (١).
وهذا الخِلافُ السابِقُ فيما لو لَم يَمُتِ الواعِدُ، ولكنَّ الذي لا خِلافَ فيه بينَ الفُقهاءِ هو أنَّ الواعِدَ إذا ماتَ قبلَ إنجازِ وَعدِه فإنَّ الوَعدَ يَسقُطُ، سَواءٌ أكانَ مُطلَقًا، أم مُعلِّقًا على سَبَبٍ، ودخَل المَوعودُ في السَّببِ، أمَّا عندَ
стр. 3989
جُمهورِ الفُقهاءِ فلأنَّ الوَعدَ لا يَلزَمُ الواعِدَ أصلًا، وأمَّا عندَ المالِكيَّةِ القائِلينَ بوُجوبِه في الحالةِ المُشارِ إليها فلأنَّ المُقرَّرَ عندَهم أنَّ المَعروفَ لازِمٌ لِمَنْ أوجَبَه على نَفْسِه، ما لَم يَمُتْ أو يُفلِسْ، وبِالمَوتِ سقَط التِزامُه وتَلاشى، فلا يُؤخَذُ مِنْ تَرِكَتِه شَيءٌ لِأجْلِه.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: والمَعروفُ على مَذهبِ مالِكٍ وجَميعِ أصحابِه لازِمٌ لِمَنْ أوجَبَه على نَفْسِه، يَحكُمُ به عليه ما لَم يَمُتْ أو يُفلِسْ (١).
مَدَى إلزاميَّةِ الوَعدِ في بَيعِ المُرابَحةِ:
سبَق الكَلامُ عن حُكمِ الوَعدِ عُمومًا، وأمَّا الوَعدُ ومَدَى إلزاميَّتِه في المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ فقد نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ أيضًا على أنَّه لا يَلزَمُ الوَفاءُ بها؛ لأنَّه إذا لَم يَلزَمِ الوَعدُ أصلًا، فلَأنْ يَكونَ لا يَلزَمُ في المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ مِنْ بابِ أوْلَى؛ لأنَّ فيها شَيئًا قد يَغفُلُ عنه كَثيرونَ، وهو أنَّ هذا يُعَدُّ بَيعًا قبلَ أنْ يَملِكَه، وهو ما نصَّ عليه الإمامُ الشافِعيُّ، حيثُ قالَ ﵀: وإذا أرَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ السِّلعةَ فقالَ: اشتَرِ هذه وأُربِحُكَ فيها كذا، فاشتَراها الرَّجُلُ فالشِّراءُ جائِزٌ، والَّذي قالَ: أُربِحُكَ فيها بالخِيارِ، إنْ شاءَ أحدَثَ فيها بَيعًا، وإنْ شاءَ ترَكه، وهكذا إنْ قالَ: اشتَرِ لي مَتاعًا، ووصَفه له، أو مَتاعًا أيَّ مَتاعٍ شِئتَ، وأنا أُربِحُكَ فيه، فكلُّ هذا سَواءٌ، يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ، ويَكونُ هذا فيما أعطَى مِنْ نَفْسِه بالخيارِ، وسَواءٌ في هذا ما وُصِفَ، إنْ كانَ قالَ: ابتَعْه وأنا أشتَريه مِنْكَ بنَقدٍ، أو دَيْنٍ، يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ،
стр. 3990
ويَكونانِ بالخيارِ في البَيعِ الآخَرِ، فإنْ جَدَّداه جازَ، وإنْ تَبايَعا به على أنْ ألزَما أنفُسَهما الأمْرَ الأوَّلَ فهو مَفسوخٌ مِنْ قِبَلِ شَيئَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّه تَبايَعاه قبلَ أنْ يَملِكَه البائِعُ.
والآخَرُ: أنَّه على مُخاطَرةِ أنَّكَ إنِ اشتَرَيتَه على كذا أُربِحُكَ فيه كذا (١).
وهو أيضًا ما ذكَره الإمامُ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشَّيبانيُّ في كِتابِه: «المَخارِجُ في الحِيَلِ»، جاءَ فيه: قُلتُ: أرَأيتَ رَجُلًا أمَرَ رَجُلًا أنْ يَشتَريَ دارًا بألْفِ دِرهَمٍ، وأخبَرَه بأنَّه إنْ فعَل اشتَراها الآمِرُ منه بألْفٍ ومِئةٍ؛ فخافَ المَأمورُ إنِ اشتَراها أنْ يَبدوَ لِلآمِرِ في شِرائِها؟ قالَ: يَشتَري الدَّارَ على أنَّه بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ فيها، ويَقبِضُها، ثم يَأتيه الآمِرُ فيَقولُ له: قد أخَذتُها منكَ بألْفٍ ومِئةٍ، فيَقولُ المَأمورُ: هي لَكَ بذلك (٢).
فهو يَنُصُّ على أنَّ الوَعدَ في هذا لا يَلزَمُ؛ لأنَّه لو كانَ لازِمًا لَم يَحتَجْ إلى الخيارِ، وهو ما ذكَره الإمامُ ابنُ القَيِّمُ، حيثُ قالَ ﵀: المِثالُ الحادي بعدَ المِئةِ: رَجُلٌ قالَ لِغيرِه: اشتَرِ هذه الدَّارَ أو هذه السِّلعةَ مِنْ فُلانٍ بكذا وكذا، وأنا أُربِحُكَ فيها كذا وكذا، فخافَ إنِ اشتَراها أنْ يَبدوَ لِلآمِرِ فلا يُريدَها، ولا يَتمكَّنَ مِنْ الرَّدِّ، فالحيلةُ أنْ يَشتَريَها على أنَّه بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ أو أكثَرَ، ثم يَقولَ لِلآمِرِ: قد اشتَرَيتُها بما ذَكَرتَ، فإنْ أخَذها منه وإلَّا تَمكَّنَ مِنْ رَدِّها على البائِعِ بالخيارِ، فإنْ لَم يَشتَرِها الآمِرُ إلَّا بالخِيارِ فالحيلةُ أنْ
стр. 3991
يَشترِطَ له خِيارًا أنقَصَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ التي اشتَرطَها هو على البائِعِ لِيَتَّسِعَ له زَمَنُ الرَّدِّ إنْ رُدَّتْ عليه (١).
وقد تَكلَّمَ المالِكيَّةُ أيضًا عن المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ فذَكَروها في بُيوعِ العِينةِ -كما تَقدَّمَ- فقالوا: يَجوزُ لِمَنْ طُلِبتْ منه سِلعةٌ ليسَتْ عندَه أنْ يَشتَريَها مِنْ رَجُلٍ مِنْ أهلِ العِينةِ -وأهلُ العِينةِ قَومٌ نَصَّبوا أنفُسَهم لِطَلَبِ شِراءِ السِّلَعِ منهم، وليسَتْ عندَهم، فيَذهَبونَ إلى التُّجَّارِ لِيَشتَروها بثَمَنٍ لِيَبيعوها لِلطالِبِ-، وسَواءٌ باعوها لِطالِبِها بثَمَنٍ حالٍّ، أو مُؤجَّلٍ، أو بَعضُه حالٌّ، وبَعضُه مُؤجَّلٌ؛ لِيَبيعَها لِمَنْ طَلَبَها منه بمُعجَّلٍ أو بمُؤجَّلٍ.
أمَّا إذا قالَ الطالِبُ لِلسِّلعةِ: اشتَرِها بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا آخُذُها منكَ باثنَيْ عشَرَ لِأجَلٍ؛ فيُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ تُهمةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفعًا؛ لأنَّه كأنَّه سَلَّفَه عَشَرةً ثَمَنَ السِّلعةِ يَأخُذُ عنها بعدَ الأجَلِ اثنَيْ عشَرَ.
ثم تارةً يَقولُ الطالِبُ: خُذْها لي، وتارةً لا يَقولُ: لي؛ فتَلزَمُ السِّلعةُ الطالِبَ بالعَشَرةِ نَقدًا، إنْ قالَ لِلمَطلوبِ منه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ … إلخ، ولِلمَطلوبِ مِنه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، ومِن الرِّبحِ، وفَسخُ البَيعِ الثاني وهو الِاثنا عشَرَ لِأجَلٍ، ثم إنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً في يَدِ الآمِرِ رُدَّتْ لِلمَأمورِ بعَينِها، وإنْ فاتَتْ في يَدِ الآمِرِ بمُفوِّتِ البَيعِ الفاسِدِ رَدَّ قيمَتَها يَومَ القَبضِ حالَّةً، بالِغةً ما بَلَغتْ، زادَتْ على الاثنَيْ عشَرَ أو نَقَصتْ.
стр. 3992
وقيلَ: إنَّ البَيعَ الثاني يَمضي مع الآمِرِ باثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ، ولا يُفسَخُ، كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً أو فائِتةً.
فإنْ لَم يَقُلْ: لي -في الفَرضِ المَذكورِ-، مَضى الثاني بالِاثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ؛ لِبُعدِ تُهمةِ السَّلَفِ بمَنفَعةٍ، ولزِمه -أي: الآمِرَ- الِاثنا عشَرَ لِلأجَلِ؛ لأنَّ ضَمانَها مِنْ المَأمورِ لو هلَك قبلَ شِراءِ الثاني، ولو شاءَ الآمِرُ عَدَمَ الشِّراءِ كانَ له ذلك؛ لأنَّها لَم تَلزَمْه.
وإلَّا أنْ يَقولَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا، وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فيُمنَعُ إنْ شرَط الطالِبُ النَّقدَ على المَأمورِ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ بشَرطِ أنْ تَنقُدَها عَنِّي، وأنا أشتَريها منكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ لأنَّه حينَئذٍ قد جعَل له دِرهمَيْنِ في نَظيرِ سَلَفِه وتَوليَتِه الشِّراءَ؛ فهو سَلَفٌ وإجارةٌ بشَرطٍ.
ولَزِمتِ السِّلعةُ الطالِبَ بالعَشَرةِ، ولِلمَأمورِ في نَظيرِ عَمَلِه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، أو الدِّرهَمانِ فيهما، أي: في هذه، وفي أوَّلِ قِسمَيَّ التي قبلَها، وهي قَولُه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ لِأجَلٍ.
وجازَ النَّقدُ بغيرِ شَرطٍ مِنْ الطالِبِ، بَلْ تَطوُّعًا، وله الدِّرهَمانِ، كنَقدِ الآمِرِ؛ فإنَّه جائِزٌ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا -ونَقدَها إيَّاها-، وأنا آخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا، وله الدِّرهَمانِ؛ لأنَّهما أُجرةٌ، وإنْ لَم يَقُلْ: لي -في هذا الفَرضِ-، وهو ما إذا شرَط الطالِبُ النَّقدَ على المَأمورِ كُرِهَ، كقَولِ بائِعٍ لِمُشتَرٍ: خُذْ مِنِّي بمِئةٍ ما -أي: سِلعةً- بثَمانينَ قيمةً؛ لِمَا فيه مِنْ رائِحةِ الرِّبا، ولا سيَّما إذا قالَ له المُشتَري: سَلِّفْني ثَمانينَ، وأنا أرُدُّ لَكَ عنها مِئةً؛ فقالَ المَأمورُ: هذا رِبًا، بَلْ خُذْ منِّي بمِئةٍ … إلَخ. أو قالَ شَخصٌ لِآخَرَ: اشتَرِها
стр. 3993
وأنا أُربِحُكَ، ولَم يُعيِّنْ له قَدْرَ الرِّبحِ؛ فإنَّه يُكرَهُ؛ فإنْ عَيَّنَه مُنِعَ.
وإنْ قالَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ لِأجَلٍ وأنا أشتَريها منكَ بثَمانيةٍ نَقدًا؛ يُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ السَّلَفِ بزيادةٍ، لأنَّه سَلَّفَه الثَّمانيةَ المَنقودةَ على أنْ يَشتَريَها له بعَشَرةٍ، كذا قيلَ، ولا وَجْهَ له، كما عندَ الدُّسوقيِّ والصاويِّ.
وذكَر ابنُ رُشدٍ وغيرُه أنَّ وَجْهَ المَنعِ أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ بسَلَفِه الثَّمانيةَ يَنقُدُها له يَنتفِعُ بها إلى الأجَلِ، ثم يَرُدُّها له، أي: والآمِرُ يَدفَعُ له العَشَرةَ عندَ الأجَلِ لِلبائِعِ الأصليِّ. اه. قالَ الصاويُّ: وهذا بَعيدٌ أيضًا، لا يَقتَضي الحُرمةَ، فتأمَّلْ (١).
وتَلزَمُ السِّلعةُ الآمِرَ بما أمَرَ، وهو العَشَرةُ لِأجَلِها، ولا يُعجِّلُ له الأقَلَّ، وهو الثَّمانيةُ في المِثالِ؛ فإنْ عجَّل الأقَلَّ لِلمَأمورِ رَدَّ لِلآمِرِ، ولِلمَأمورِ جُعلُ مِثلِه.
وإنْ لَم يَقُلْ: لي؛ فُسِخَ البَيعُ الثاني؛ فتُرَدُّ السِّلعةُ لِلمَأمورِ إنْ كانَتْ قائِمةً؛ فإنْ فاتَتْ فالقيمةُ على الآمِرِ يَومَ قَبضِها على أحَدِ القَولَيْنِ.
والثاني: لا يُفسَخُ، بَلْ يُمضي بالثَّمانيةِ نَقدًا، وعلى المَأمورِ العَشَرةُ لِلأجَلِ لِرَبِّ السِّلعةِ (٢).
стр. 3994
وقد بيَّن الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀ مَسائِلَ العِينةِ، وبيَّن الجائِزَ منها والمَكروهَ والمَحظورَ، فقالَ: العِينةُ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ: جائِزةٌ، ومَكروهةٌ، ومَحظورةٌ.
فالجائِزةُ أنْ يَأتيَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ منهم فيَقولَ له: أعندَكَ سِلعةُ كذا وكذا تَبيعُها مني بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَذهَبَ عنه فيَبتاعَ المَسؤولُ تلك السِّلعةَ لِنَفْسِه، ثم يَلقاه فيَقولَ له: عِندي ما سَألتَ، فيَبيعَ ذلك منه.
والمَكروهةُ أنْ يَقولَ له: عندَكَ كذا وكذا تَبيعُه مني بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَقولَ له: ابتَعْ ذلك وأنا أبتاعُه مِنْكَ بدَيْنٍ وأُربِحُكَ فيه؛ فيَشتَريَ ذلك ثم يَبيعَه منه على ما تَواعَدا عليه.
والمَحظورةُ أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتَريها مِنْكَ بكذا وكذا، وهذا الوَجْهُ فيه سِتُّ مَسائِلَ تَفترِقُ أحكامُها بافتِراقِ مَعانيها:
إحداها: أنْ يَقولَ لَهُ: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا وأنا أشتَريها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فهذا أجازَه مالِكٌ مَرَّةً، إذا كانَتِ البَيعَتانِ بالنَّقدِ وانتَقَدَ، وكَرِهَه مَرَّةً لِلمُراوَضةِ التي وَقَعتْ بينَهما في السِّلعةِ قبلَ أنْ تَصيرَ في مِلْكِ المَأمورِ.
والثانيةُ: أنْ يَقولَ لَهُ: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا لا يَجوزُ، إلَّا أنَّه اختُلِفَ فيه إذا وقَع على قَولَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّ السِّلعةَ لازِمةٌ لِلآمِرِ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ لأنَّ المَأمورَ كانَ
стр. 3995
ضامِنًا لَها لو تلِفتْ في يَدِه قبلَ أنْ يَبيعَها مِنْ الآمِرِ، ويُستحَبُّ له أنْ يَتورَّعَ فلا يَأخُذَ منه إلَّا ما نُقِدَ فيها، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في سَماعِ سَحنونٍ مِنْ كِتابِ البَضائِعِ والوَكالاتِ، ورِوايَتِه عن مالِكٍ.
والآخَرُ: أنَّ البَيعَ يُفسَخُ وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ، فتَكونَ فيه القيمةُ مُعجَّلةً، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ، لأنَّه باعَه إيَّاها قبلَ أنْ يَجِبَ له، فيَدخُلُه بَيعُ ما ليسَ عندَكَ.
والثالِثةُ: عَكسُها، وهو أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أبتاعُها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا لا يَجوزُ أيضًا، إلَّا أنَّه يُختلَفُ فيه إذا وقَع على القَولَينِ المَذكورَيْنِ، يَلزَمُ الآمِرَ السِّلعةُ بالعَشَرةِ نَقدًا. ويُستحَبُّ له أنْ يَزيدَه الدِّينارَيْنِ على القَولِ الأوَّلِ، ويُفسَخُ البَيعُ على القَولِ الثاني، وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ بيَدِ الآمِرِ، فتَكونَ عليه فيها القيمةُ، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ على القَولِ الثاني، وهو قَولُ ابنِ حَبيبٍ.
والرابعةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ؛ فهذا مَرجِعُ الأمرِ فيه إلى أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بدينارَيْنِ أُجرةً؛ فإنْ كانَ النَّقدُ مِنْ عِنْدِ الآمِرِ، أو مِنْ عِنْدِ المَأمورِ بغيرِ شَرطٍ فهو جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنْ عِنْدِ المَأمورِ بشَرطٍ كانَتْ إجارةً وسَلَفًا؛ لأنَّه استَأجَرَه بدينارَيْنِ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ ويَنقُدَ عنه؛ فتَكونَ له إجارةُ مِثلِه، إلَّا أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ الدِّينارَيْنِ؛ فلا يُزادَ عليهما على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ في البَيعِ والسَّلَفِ إذا كانَ السَّلَفُ مِنْ عِنْدِ البائِعِ وفاتَتِ السِّلعةُ، فلِلبائِعِ الأقَلُّ مِنْ القيمةِ أو الثَّمنِ، وإنْ قَبضَ السَّلَفَ، وتَكونُ له إجارةُ مِثلِه