يَشترِطَ له خِيارًا أنقَصَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ التي اشتَرطَها هو على البائِعِ لِيَتَّسِعَ له زَمَنُ الرَّدِّ إنْ رُدَّتْ عليه (١).
وقد تَكلَّمَ المالِكيَّةُ أيضًا عن المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ فذَكَروها في بُيوعِ العِينةِ -كما تَقدَّمَ- فقالوا: يَجوزُ لِمَنْ طُلِبتْ منه سِلعةٌ ليسَتْ عندَه أنْ يَشتَريَها مِنْ رَجُلٍ مِنْ أهلِ العِينةِ -وأهلُ العِينةِ قَومٌ نَصَّبوا أنفُسَهم لِطَلَبِ شِراءِ السِّلَعِ منهم، وليسَتْ عندَهم، فيَذهَبونَ إلى التُّجَّارِ لِيَشتَروها بثَمَنٍ لِيَبيعوها لِلطالِبِ-، وسَواءٌ باعوها لِطالِبِها بثَمَنٍ حالٍّ، أو مُؤجَّلٍ، أو بَعضُه حالٌّ، وبَعضُه مُؤجَّلٌ؛ لِيَبيعَها لِمَنْ طَلَبَها منه بمُعجَّلٍ أو بمُؤجَّلٍ.
أمَّا إذا قالَ الطالِبُ لِلسِّلعةِ: اشتَرِها بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا آخُذُها منكَ باثنَيْ عشَرَ لِأجَلٍ؛ فيُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ تُهمةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفعًا؛ لأنَّه كأنَّه سَلَّفَه عَشَرةً ثَمَنَ السِّلعةِ يَأخُذُ عنها بعدَ الأجَلِ اثنَيْ عشَرَ.
ثم تارةً يَقولُ الطالِبُ: خُذْها لي، وتارةً لا يَقولُ: لي؛ فتَلزَمُ السِّلعةُ الطالِبَ بالعَشَرةِ نَقدًا، إنْ قالَ لِلمَطلوبِ منه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ … إلخ، ولِلمَطلوبِ مِنه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، ومِن الرِّبحِ، وفَسخُ البَيعِ الثاني وهو الِاثنا عشَرَ لِأجَلٍ، ثم إنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً في يَدِ الآمِرِ رُدَّتْ لِلمَأمورِ بعَينِها، وإنْ فاتَتْ في يَدِ الآمِرِ بمُفوِّتِ البَيعِ الفاسِدِ رَدَّ قيمَتَها يَومَ القَبضِ حالَّةً، بالِغةً ما بَلَغتْ، زادَتْ على الاثنَيْ عشَرَ أو نَقَصتْ.
стр. 3992
وقيلَ: إنَّ البَيعَ الثاني يَمضي مع الآمِرِ باثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ، ولا يُفسَخُ، كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً أو فائِتةً.
فإنْ لَم يَقُلْ: لي -في الفَرضِ المَذكورِ-، مَضى الثاني بالِاثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ؛ لِبُعدِ تُهمةِ السَّلَفِ بمَنفَعةٍ، ولزِمه -أي: الآمِرَ- الِاثنا عشَرَ لِلأجَلِ؛ لأنَّ ضَمانَها مِنْ المَأمورِ لو هلَك قبلَ شِراءِ الثاني، ولو شاءَ الآمِرُ عَدَمَ الشِّراءِ كانَ له ذلك؛ لأنَّها لَم تَلزَمْه.
وإلَّا أنْ يَقولَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا، وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فيُمنَعُ إنْ شرَط الطالِبُ النَّقدَ على المَأمورِ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ بشَرطِ أنْ تَنقُدَها عَنِّي، وأنا أشتَريها منكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ لأنَّه حينَئذٍ قد جعَل له دِرهمَيْنِ في نَظيرِ سَلَفِه وتَوليَتِه الشِّراءَ؛ فهو سَلَفٌ وإجارةٌ بشَرطٍ.
ولَزِمتِ السِّلعةُ الطالِبَ بالعَشَرةِ، ولِلمَأمورِ في نَظيرِ عَمَلِه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، أو الدِّرهَمانِ فيهما، أي: في هذه، وفي أوَّلِ قِسمَيَّ التي قبلَها، وهي قَولُه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ لِأجَلٍ.
وجازَ النَّقدُ بغيرِ شَرطٍ مِنْ الطالِبِ، بَلْ تَطوُّعًا، وله الدِّرهَمانِ، كنَقدِ الآمِرِ؛ فإنَّه جائِزٌ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا -ونَقدَها إيَّاها-، وأنا آخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا، وله الدِّرهَمانِ؛ لأنَّهما أُجرةٌ، وإنْ لَم يَقُلْ: لي -في هذا الفَرضِ-، وهو ما إذا شرَط الطالِبُ النَّقدَ على المَأمورِ كُرِهَ، كقَولِ بائِعٍ لِمُشتَرٍ: خُذْ مِنِّي بمِئةٍ ما -أي: سِلعةً- بثَمانينَ قيمةً؛ لِمَا فيه مِنْ رائِحةِ الرِّبا، ولا سيَّما إذا قالَ له المُشتَري: سَلِّفْني ثَمانينَ، وأنا أرُدُّ لَكَ عنها مِئةً؛ فقالَ المَأمورُ: هذا رِبًا، بَلْ خُذْ منِّي بمِئةٍ … إلَخ. أو قالَ شَخصٌ لِآخَرَ: اشتَرِها
стр. 3993
وأنا أُربِحُكَ، ولَم يُعيِّنْ له قَدْرَ الرِّبحِ؛ فإنَّه يُكرَهُ؛ فإنْ عَيَّنَه مُنِعَ.
وإنْ قالَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ لِأجَلٍ وأنا أشتَريها منكَ بثَمانيةٍ نَقدًا؛ يُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ السَّلَفِ بزيادةٍ، لأنَّه سَلَّفَه الثَّمانيةَ المَنقودةَ على أنْ يَشتَريَها له بعَشَرةٍ، كذا قيلَ، ولا وَجْهَ له، كما عندَ الدُّسوقيِّ والصاويِّ.
وذكَر ابنُ رُشدٍ وغيرُه أنَّ وَجْهَ المَنعِ أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ بسَلَفِه الثَّمانيةَ يَنقُدُها له يَنتفِعُ بها إلى الأجَلِ، ثم يَرُدُّها له، أي: والآمِرُ يَدفَعُ له العَشَرةَ عندَ الأجَلِ لِلبائِعِ الأصليِّ. اه. قالَ الصاويُّ: وهذا بَعيدٌ أيضًا، لا يَقتَضي الحُرمةَ، فتأمَّلْ (١).
وتَلزَمُ السِّلعةُ الآمِرَ بما أمَرَ، وهو العَشَرةُ لِأجَلِها، ولا يُعجِّلُ له الأقَلَّ، وهو الثَّمانيةُ في المِثالِ؛ فإنْ عجَّل الأقَلَّ لِلمَأمورِ رَدَّ لِلآمِرِ، ولِلمَأمورِ جُعلُ مِثلِه.
وإنْ لَم يَقُلْ: لي؛ فُسِخَ البَيعُ الثاني؛ فتُرَدُّ السِّلعةُ لِلمَأمورِ إنْ كانَتْ قائِمةً؛ فإنْ فاتَتْ فالقيمةُ على الآمِرِ يَومَ قَبضِها على أحَدِ القَولَيْنِ.
والثاني: لا يُفسَخُ، بَلْ يُمضي بالثَّمانيةِ نَقدًا، وعلى المَأمورِ العَشَرةُ لِلأجَلِ لِرَبِّ السِّلعةِ (٢).
стр. 3994
وقد بيَّن الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀ مَسائِلَ العِينةِ، وبيَّن الجائِزَ منها والمَكروهَ والمَحظورَ، فقالَ: العِينةُ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ: جائِزةٌ، ومَكروهةٌ، ومَحظورةٌ.
فالجائِزةُ أنْ يَأتيَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ منهم فيَقولَ له: أعندَكَ سِلعةُ كذا وكذا تَبيعُها مني بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَذهَبَ عنه فيَبتاعَ المَسؤولُ تلك السِّلعةَ لِنَفْسِه، ثم يَلقاه فيَقولَ له: عِندي ما سَألتَ، فيَبيعَ ذلك منه.
والمَكروهةُ أنْ يَقولَ له: عندَكَ كذا وكذا تَبيعُه مني بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَقولَ له: ابتَعْ ذلك وأنا أبتاعُه مِنْكَ بدَيْنٍ وأُربِحُكَ فيه؛ فيَشتَريَ ذلك ثم يَبيعَه منه على ما تَواعَدا عليه.
والمَحظورةُ أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتَريها مِنْكَ بكذا وكذا، وهذا الوَجْهُ فيه سِتُّ مَسائِلَ تَفترِقُ أحكامُها بافتِراقِ مَعانيها:
إحداها: أنْ يَقولَ لَهُ: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا وأنا أشتَريها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فهذا أجازَه مالِكٌ مَرَّةً، إذا كانَتِ البَيعَتانِ بالنَّقدِ وانتَقَدَ، وكَرِهَه مَرَّةً لِلمُراوَضةِ التي وَقَعتْ بينَهما في السِّلعةِ قبلَ أنْ تَصيرَ في مِلْكِ المَأمورِ.
والثانيةُ: أنْ يَقولَ لَهُ: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا لا يَجوزُ، إلَّا أنَّه اختُلِفَ فيه إذا وقَع على قَولَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّ السِّلعةَ لازِمةٌ لِلآمِرِ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ لأنَّ المَأمورَ كانَ
стр. 3995
ضامِنًا لَها لو تلِفتْ في يَدِه قبلَ أنْ يَبيعَها مِنْ الآمِرِ، ويُستحَبُّ له أنْ يَتورَّعَ فلا يَأخُذَ منه إلَّا ما نُقِدَ فيها، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في سَماعِ سَحنونٍ مِنْ كِتابِ البَضائِعِ والوَكالاتِ، ورِوايَتِه عن مالِكٍ.
والآخَرُ: أنَّ البَيعَ يُفسَخُ وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ، فتَكونَ فيه القيمةُ مُعجَّلةً، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ، لأنَّه باعَه إيَّاها قبلَ أنْ يَجِبَ له، فيَدخُلُه بَيعُ ما ليسَ عندَكَ.
والثالِثةُ: عَكسُها، وهو أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أبتاعُها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا لا يَجوزُ أيضًا، إلَّا أنَّه يُختلَفُ فيه إذا وقَع على القَولَينِ المَذكورَيْنِ، يَلزَمُ الآمِرَ السِّلعةُ بالعَشَرةِ نَقدًا. ويُستحَبُّ له أنْ يَزيدَه الدِّينارَيْنِ على القَولِ الأوَّلِ، ويُفسَخُ البَيعُ على القَولِ الثاني، وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ بيَدِ الآمِرِ، فتَكونَ عليه فيها القيمةُ، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ على القَولِ الثاني، وهو قَولُ ابنِ حَبيبٍ.
والرابعةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ؛ فهذا مَرجِعُ الأمرِ فيه إلى أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بدينارَيْنِ أُجرةً؛ فإنْ كانَ النَّقدُ مِنْ عِنْدِ الآمِرِ، أو مِنْ عِنْدِ المَأمورِ بغيرِ شَرطٍ فهو جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنْ عِنْدِ المَأمورِ بشَرطٍ كانَتْ إجارةً وسَلَفًا؛ لأنَّه استَأجَرَه بدينارَيْنِ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ ويَنقُدَ عنه؛ فتَكونَ له إجارةُ مِثلِه، إلَّا أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ الدِّينارَيْنِ؛ فلا يُزادَ عليهما على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ في البَيعِ والسَّلَفِ إذا كانَ السَّلَفُ مِنْ عِنْدِ البائِعِ وفاتَتِ السِّلعةُ، فلِلبائِعِ الأقَلُّ مِنْ القيمةِ أو الثَّمنِ، وإنْ قَبضَ السَّلَفَ، وتَكونُ له إجارةُ مِثلِه
стр. 3996
بالِغةً ما بَلَغتْ على مَذهبِ ابنِ حَبيبٍ في البَيعِ والسَّلَفِ إذا قبَض السَّلَفَ وفاتَتِ السِّلعةُ، ففيها القيمةُ بالِغةً ما بَلَغتْ؛ والأصَحُّ ألَّا تَكونَ له أُجرةُ؛ لأنَّا إنْ أعطَيناه الأُجرةَ كانَ الثَّمنُ ثَمَنًا لِلسَّلَفِ؛ فكانَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا الذي عَقَدا عليه، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وهذه الأقوالُ الثَّلاثةُ إذا عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنْ نقَد المَأمورَ الثَّمنَ وقبلَ أنْ يَحُلَّ الأجَلُ؛ لأنَّ السَّلَفَ -وإنْ كانَ حالًّا- لا بدَّ مِنْ الحُكمِ فيه بأجَلٍ، ولو عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنِ ابتاعَ المَأمورُ السِّلعةَ وقبلَ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ، كانَ النَّقدُ على الآمِرِ، ولَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمَأمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: له الأُجرةُ، بالِغةً ما بَلَغتْ، والآخَرُ: له الأقَلُّ، ولو لَم يُعثَرْ على ذلك إلَّا بعدَ حُلولِ الأجَلِ، لَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمَأمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: له الأُجرةُ بالِغةً ما بَلَغتْ، والآخَرُ: لا شَيءَ له.
والخامِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا وكذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا حَرامٌ، لا يَحِلُّ ولا يَجوزُ؛ لأنَّه رَجُلٌ ازدادَ في سَلَفِه؛ فإنْ وقَع ذلك لَزِمتِ السِّلعةُ لِلآمِرِ؛ لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، وإنَّما أسلَفَه المَأمورُ ثَمَنَها لِيأخُذَ منه أكثَرَ منه إلى أجَلٍ؛ فيُعطيَه العَشَرةَ مُعجَّلةً، ويَطرَحَ عنه ما أرْبَى، ويَكونَ له أُجرةُ مِثلِه بالِغةً ما بَلَغتْ في قَولٍ، والأقَلُّ مِنْ أُجرةِ مِثلِه، أو الدِّينارانِ في قَولٍ، ولا يَكونُ له شَيءٌ في قَولٍ؛ لِئَلَّا يَكونَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا فيما بينَهما على ما مَضَى مِنْ الِاختِلافِ في المَسألةِ التي قبلَها.
وقالَ في سَماعِ سَحنونٍ: إنْ لَم تَفُتِ السِّلعةُ فُسِخَ البَيعُ وهو بَعيدٌ، فقيلَ: مَعنَى ذلك إذا عَلِمَ البائِعُ الأوَّلُ بعَمَلِهما.
стр. 3997
والسادِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أشتَريها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا حَرامٌ لا يَجوزُ، ومَكروهٌ إذا استَأجَرَ المَأمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بسَلَفِ عَشَرةِ دَنانيرَ يَدفَعُها إليه يَنتَفِعُ بها إلى أجَلٍ ثم يَرُدُّها إليه؛ فإذا وقَع ذلك لَزِمتِ الآمِرَ السِّلعةُ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، ولا يَتعجَّلِ المَأمورُ منه العَشَرةَ النَّقدَ، وإنْ كانَ قد دَفَعَها إليه صرَفها عليه، ولَم تُترَكْ عندَه إلى الأجَلِ، وكانَ له جُعلُ مِثلِه بالِغًا ما بلَغ في هذا الوَجهِ باتِّفاقٍ، واللَّهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ أبو الحَسَنِ علِيُّ بنُ سَعيدٍ الرَّجراجيُّ ﵀ في «مناهِجِ التَّحصيلِ ونَتائِجِ لَطائِفِ التَّأويلِ في شَرحِ المُدوَّنةِ وحَلِّ مُشكِلاتِها»: المَسألةُ الخامِسةُ: في العِينةِ:
وقد فسَّرها في المُدوَّنةِ، وهي أنْ يَبيعَ الرَّجُلُ السِّلعةَ إلى أجَلٍ، ثم يَبيعَها هذا المُشتَري الآخَرُ مِنْ البائِعِ الأوَّلِ نَقدًا بأقَلَّ ممَّا اشتَراها به.
وسُمِّيتْ عِينةً لِدُخولِ العَينِ فيها بنَقدِ المُشتَري الأوَّلِ، ثم باعَها بالتَّأخيرِ.
والعِينةُ على أربَعةِ أسئِلةٍ:
أحَدُها: حَرامٌ.
والثاني: مَكروهٌ.
والثالِثُ: جائِزٌ.
стр. 3998
والرابعُ: مُختلَفٌ فيه.
فأمَّا السُّؤالُ الأوَّلُ: الذي هو رِبًا حَرامُ المُحرَّمُ بالِاتِّفاقِ، وهو أنْ يُراوِضَ الرَّجُلُ على ثَمَنِ السِّلعةِ التي يُساوِمُه فيها، لِيَبيعَها منه، ثم على ثَمَنِه الذي يَشتَريها منه بعدَ ذلك نَقدًا، أو يُراوِضَه على رِبحِ السِّلعةِ التي يَشتَريها له مِنْ غيرِه؛ فيَقولَ له: اشتَرِها منه على أنْ أُربِحَكَ فيها كذا، أو لِلعَشَرةِ كذا، قالَ ابنُ حَبيبٍ: فهذا حَرامٌ.
قالَ: وكذلك لو قالَ له: اشتَرِها وأنا أُربِحُكَ، وإنْ لَم يُسَمِّ ثَمَنَها، قالَ: وذلك كُلُّه رِبًا، ويُفسَخُ، وليسَ فيه إلَّا رَأسُ المالِ.
وأمَّا السُّؤالُ الثاني: وهو المَكروهُ؛ فمِثلُ أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا، وأنا أُربِحُكَ فيها، مِنْ غيرِ مُراوَضةٍ ولا تَسميةِ رِبحٍ، أو لا يُصرِّحَ بذلك، ولكنْ يُعرِّضُ به، قالَ ابنُ حَبيبٍ: فهذا يُكرَهُ.
قالَ ابنُ نافِعٍ عن مالِكٍ: ولا أُبلِّغُ به الفَسخَ.
وقالَ فَضلُ بنُ سَلَمةَ: وهذا على قَولِ ابنِ القاسِمِ: والذي يَجِبُ أنْ يُفسَخَ شِراءُ الأمرِ.
وكذلك كَرِهوا أنْ يَقولَ له: لا يَحِلُّ لي أنْ أُعطيَكَ ثَمانينَ في مِئةٍ.
وأمَّا السُّؤالُ الثالِثُ: وهو الجائِزُ؛ فمِثلُ ألَّا يَتَواعَدَ معه على شَيءٍ، لا يُفاوِضُ مع المُشتَري فيه، كالرَّجُلِ يَقولُ لِلرَّجُلِ: أعندَكَ سِلعةُ كذا؟ فيَقولُ: لا؛ فيَنقلِبُ منه على غيرِ مُواعَدةٍ، فيَشتَريها التاجِرُ، ثم يُبقي صاحِبُه تلك السِّلعةَ: فهذا جائِزٌ له أنْ يَبيعَها منه بما شاءَ، وبه قالَ مُطرِّفٌ.
стр. 3999
قالَ ابنُ حَبيبٍ: ما لَم يَكُنْ عن مُواعَدةٍ أو تَعريضٍ أو عادةٍ، قالَ: وكذلك ما اشتَراه الرَّجُلُ لِنَفْسِه لِمَنْ شارَكَه منه بنَقدٍ أو كالَ مِنْ غيرِ أنْ يُواعِدَ في ذلك أحَدًا يَشتَريه عنه ولا يَبيعُه.
وكذلك الرَّجُلُ يَشتَري السِّلعةَ لِنَفْسِه ولِحاجَتِه، ثم يَبدو له فيَبيعُها أو يَبيعُ دارَ سُكناه ثم يَشُقُّ عليه النَّقلةُ منها فيَشتَريها، أو كانَتْ جاريةً فيَبيعُها، فهؤلاء ما استَقالوا مِنه أو زادوا فيه فلا بَأْسَ به، وقالَ مُطرِّفٌ عن مالِكٍ.
وأمَّا السُّؤالُ الرابعُ المُختلَفُ فيه فهو ما اشتَراه المُبتاعُ بثَمَنٍ بَعضُه مُعجَّلٌ وبَعضُه مُؤجَّلٌ، فالمَذهبُ على قَولَيْنِ:
أحَدُهما: الجَوازُ، وهو مَشهورُ المَذهبِ، وهو ظاهِرُ المَذهبِ.
والآخَرُ: التَّفصيلُ بينَ أهلِ العِينةِ وغيرِهم؛ فيَجوزُ لِغيرِ أهلِ العِينةِ، ويُكرَهُ لِأهلِ العِينةِ، وهذا قَولُ مالِكٍ في العُتْبيةِ.
وقالَ ابنُ حَبيبٍ: مثلَ أنْ يَشتَريَ طَعامًا أو غيرَه على أنْ يَنقُدَ بَعضَ ثَمَنِه ويُؤجِّرَ بَعضَه إلى أجَلٍ؛ فكَأنَّه باعَه بعَشَرةٍ نَقدًا وعَشَرةٍ إلى أجَلٍ؛ فقالَ: خُذْ وبِعْ منه بما تُريدُ أنْ تَنقُدَه، وما بَقيَ فهو لَكَ ببَقيَّةِ الثَّمنِ إلى أجَلٍ، فلا يَعمَلُ ذلك إلَّا أهلُ العِينةِ، قالَ: وهذا قَولُ مالِكٍ، وقد رُوجِعَ به غيرَ مَرَّةٍ، وقالَ: أنا قُلتُه، وقالَه رَبيعةُ قَبلي. والحَمدُ لِلَّهِ وَحدَه (١).
стр. 4000
فمِن هُنا نَرَى أنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ الحَنفيَّةَ والشافِعيَّةَ والحَنابِلةَ لَم يَقولوا بالوَعدِ المُلزِمِ في المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ، ولا في غيرِها؛ لأنَّها سَتَكونُ كما قالَ الإمامُ الشافِعيُّ بَيعَ ما لَم يَملِكْه بَعدُ.
وعلى قَولِ المالِكيَّةِ لا يُمكِنُ أنْ نَستدِلَّ بقَولِهم على أنَّ الوَعدَ مُلزِمٌ إذا دخَل بسَبَبِه في إلزامٍ؛ وذلك لأنَّهم يَمنَعونَ صورةَ المُرابَحةِ الآمِرةِ بالشِّراءِ بصورَتِها المَوجودةِ حاليًّا في المَصارِفِ الإسلاميَّةِ، والدَّليلُ عليه أنَّهم جَعَلوها في صُوَرِ بَيعِ العِينةِ المُحرَّمةِ شَرعًا، فلا يُمكِنُ أنْ نَأخُذَ بقَولِهم: إنَّ الوَعدَ مُلزِمٌ إذا دخَل المَوعودُ بسَبَبِ وَعدِه في إلزامٍ، ونَترُكَ قَولَهم الذي يَمنَعُ هذه الصُّورةَ المَوجودةَ حاليًّا.
ثانيًا: التَّوليةُ:
التَّوليةُ: هي بَيعُ ما اشتَراه وقبَضه بالعَقدِ الأوَّلِ بالثَّمنِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ زيادةِ رِبحٍ، فيَقولُ البائِعُ: وَلَّيتُكَه، أو بِعتُكَه برَأْسِ مالِه، أو بما اشتَرَيتَ به أو برَقمِه المَعلومِ عندَهما، وهو الثَّمنُ المَكتوبُ عليه، فإنْ جَهِلَا أو جَهلَ أحَدُهما الثَّمنَ لَم يَصحَّ؛ لِمَا سَيَأتي، والدَّليلُ على التَّوليةِ ما رُويَ أنَّ أبا بَكرٍ ﵁ اشتَرَى بَعيرَيْنِ، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «وَلِّني أحَدَهما»، فقالَ ﵁: هو لَكَ بغيرِ ثَمَنٍ، فقالَ ﷺ : «أمَّا بغيرِ ثَمَنٍ فلا».
ثالِثًا: الإشراكُ:
الإشراكُ كالتَّوليةِ، ولكنَّه على جُزءٍ مِنْ المَبيعِ لا على جَميعِه، كأنْ يَقولَ له: أشرَكتُكَ في هذا العَقدِ نِصفَه، بنِصفِ الثَّمنِ، ونَحوَ ذلك، ويُشترَطُ أنْ يُبيِّنَ هذا الجُزءَ الذي يُشرِكُه فيه؛ فإنْ ذكَر جُزءًا ولَم يُبيِّنْه، كأنْ قالَ: أشرَكتُكَ في
قالَ أبو جَعفَرٍ الطَّبَريُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ بَيعَ المُرابَحةِ جائِزٌ (١).
وقالَ الكاسانيُّ ﵀: بَيعُ المُرابَحةِ والتَّوليةِ والإشراكِ والوَضيعةِ، الأصلُ في هذه العُقودِ عُموماتُ البَيعِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ بَيعٍ وبَيعٍ، وقالَ اللَّهُ عَزَّ شَأنُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والمُرابَحةُ ابتِغاءٌ لِلفَضلِ مِنْ البَيعِ نَصًّا.
وَرُويَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا أرادَ الهِجرةَ اشتَرَى سَيِّدُنا أبو بَكرٍ ﵁ بَعيرَيْنِ، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «وَلِّني أحَدَهما»، فقالَ سَيِّدُنا أبو بَكرٍ ﵁: هو لَكَ بغيرِ شَيءٍ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أمَّا بغيرِ ثَمَنٍ فلا»، فدَلَّ طَلَبُ التَّوليةِ على جَوازِها.
وَرُويَ أنَّ سَيِّدَنا أبا بَكرٍ ﵁ اشتَرَى بِلالًا فأعتَقَه؛ فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّركةَ يا أبا بَكرٍ»، فقالَ ﵁: يا رَسولَ اللَّهِ قد أعتَقتُه. فلو لَم تَكُنِ الشَّرِكةُ مَشروعةً لَم يَكُنْ لِيَطلُبَها رَسولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 4003
وكذا النَّاسُ تَوارَثوا هذه البِياعاتِ في سائِرِ الأعصارِ مِنْ غيرِ نَكيرٍ، وذلك إجماعٌ على جَوازِها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: بَيعُ المُرابَحةِ هو البَيعُ برَأْسِ المالِ، ورِبحٍ مَعلومٍ، ويُشترَطُ عِلمُهما برَأْسِ المالِ، فيَقولُ: رَأْسُ مالي فيه -أو هو علَيَّ- بمِئةٍ، بِعتُكَ بها وبرِبحِ عَشَرةٍ، فهذا جائِزٌ لا خِلافَ في صِحَّتِه، ولا نَعلَمُ فيه عندَ أحَدٍ كَراهةً، وإنْ قالَ: بِعتُكَ رَأْسَ مالي فيه، وهو مِئةٌ، وأربَحُ في كلِّ عَشَرةٍ دِرهَمًا … فقد كَرِهَه أحمدُ، وقد رُوِيتْ كَراهَتُه عن ابنِ عمرَ وابنِ عَبَّاسٍ ومَسروقٍ والحَسَنِ وعِكرِمةَ وسَعيدِ بنِ جُبَيرٍ وعَطاءِ بنِ يَسارٍ ﵁، وقالَ إسحاقُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَجهولٌ حالَ العَقدِ، فلَم يَجُزْ، كما لو باعَه بما يَخرُجُ به في الحِسابِ، ورَخَّصَ فيه سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ وابنُ سِيرينَ وشُرَيحٌ والنَّخَعيُّ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأصحابُ الرَّأيِ وابنُ المُنذِرِ، ولأنَّ رَأْسَ المالِ مَعلومٌ، والرِّبحَ مَعلومٌ، فأشبَهَ ما لو قالَ: وبرِبحِ عَشَرةِ دَراهِمَ.
ووَجْهُ الكَراهةِ أنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عَبَّاسٍ كَرِهاه، ولَم نَعلَم لَهما في الصَّحابةِ مُخالِفًا، ولأنَّ فيه نَوعًا مِنْ الجَهالةِ والتَّحرُّزِ عنها أوْلَى، وهذه كَراهةُ تَنزيهٍ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا، والجَهالةُ يُمكِنُ إزالَتُها بالحِسابِ، فلَم تَضُرَّ، كما لو باعَه صُبرةً كلُّ قَفيزٍ بدِرهَمٍ (٢).
стр. 4004
ولأنَّ الثَّمنَ في بَيعِ المُرابَحةِ مَعلومٌ، ولِاستِجماعِ البَيعِ شَرائِطَ الجَوازِ، ولأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إلى هذا النَّوعِ مِنْ البَيعِ؛ لأنَّ الغَبيَّ الذي لا يَهتَدي إلى التِّجارةِ يَحتاجُ إلى أنْ يَعتمِدَ فِعلَ الذَّكيِّ المُهتَدي، ويُطيِّبَ نَفْسَه بمِثلِ ما اشتَرَى وزيادةِ رِبحٍ، فوجَب القَولُ بجَوازِها، ولِذا كانَ مَبناها على الأمانةِ والِاحتِرازِ عن شُبهةِ الخيانةِ، لأنَّ المُشتَريَ يَأتمِنُ البائِعَ في خَبَرِه، مُعتمِدًا على قَولِه؛ فيَجِبُ على البائِعِ التَّنزُّهُ عن الخيانةِ والتَّجنُّبُ عن الكَذِبِ لِئَلَّا يقعُ المُشتَري في بَخسٍ وغُرورٍ.
وقالَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: المُرابَحةُ جائِزةٌ مِنْ غيرِ كَراهةٍ، وقالَ المالِكيَّةُ: هي جائِزةٌ، لكنَّها خِلافُ الأَوْلَى؛ لِكَثرةِ ما يَحتاجُ إليه البائِعُ مِنْ البَيانِ بحالِ المَبيعِ، وبَيانِ ما دُفِعَ مِنْ الثَّمنِ، وبَيانِ ما سُومِحَ فيه إذا كانَ قد سُومِحَ، والأوْلَى البَيعُ بطَريقِ المُساوَمةِ، وهو ما تَقدَّمَ مِنْ البَيعاتِ، وهو بَيعُ السِّلعةِ بالسِّعرِ الذي يَتَّفقُ عليه الطَّرَفانِ دونَ إعلامِ البائِعِ المُشتَري برَأسِ مالِها.
قالَ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ ﵀: البَيعُ على المُكايَسةِ والمُماكَسةِ أحَبُّ إلى أهلِ العِلمِ، وأحسَنُ عندَهم (١).
وهو قَولٌ لِلإمامِ أحمدَ أنَّ المُساوَمةَ أسهَلُ مِنْ بَيعِ المُرابَحةِ، وذلك لِضيقِ المُرابَحةِ على البائِعِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى أنْ يَعلَمَ المُشتَري بكُلِّ شَيءٍ مِنْ
стр. 4005
النَّقدِ والوَزنِ وتَأخيرِ الثَّمنِ، ومِمَّنِ اشتَراه، ويَلزَمُه المُؤنةُ والرَّقمُ والقِصارةُ والسَّمسَرةُ والحَملُ، ولا يَغُرَّ فيه، ولا يَحِلُّ له أنْ يَزيدَ على ذلك شَيئًا إلَّا بيَّنه له؛ لِيَعلَمَ المُشتَري بكُلِّ ما يَعلَمُه البائِعُ، وليسَ كذلك المُساوَمةُ.
قالَ المَرداويُّ ﵀: أمَّا بَيعُ المُرابَحةِ في هذه الأزمانِ فهو أوْلَى لِلمُشتَري وأسهَلُ (١).
شَرطُ جَوازِ المُرابَحةِ وكذا التَّوليةُ والإشراكُ والوَضيعةُ:
يُشترَطُ في المُرابَحةِ، وكذا التَّوليةُ والإشراكُ والوَضيعةُ، عِدَّةُ شُروطٍ تَختلِفُ مِنْ مَذهبٍ إلى آخَرَ:
١ - العِلمُ بالثَّمنِ الأوَّلِ الذي اشتَرَى بهِ: نصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ الثَّمنُ الأوَّلُ الذي اشتَرَى به مَعلومًا لِلمُشتَري الآخَرِ، لأنَّ العِلمَ بالثَّمنِ شَرطٌ في صِحَّةِ البُيوعِ، فإذا جَهِلَه أحَدُهما لَم يَصحَّ العَقدُ، كغيرِ المُرابَحةِ. وهذا الشَّرطُ يَشمَلُ جَميعَ أخَواتِ المُرابَحةِ مِنْ التَّوليةِ والإشراكِ والوَضيعةِ؛ لأنَّها تَعتمِدُ كُلُّها على أساسِ الثَّمنِ الأوَّلِ، أي: رَأسِ المالِ؛ فإذا لَم يَعلَمِ الثَّمنَ الأوَّلَ فالبَيعُ فاسِدٌ، هذا إذا لَم يَعلَم حتى افتَرَقَ العاقِدانِ عن المَجلِسِ، بطَل العَقدُ لِتَقرُّرِ الفَسادِ.
فإنْ زالَتِ الجَهالةُ في المَجلِسِ قالَ الحَنفيَّةُ: يَختارُ إنْ شاءَ، فيَجوزُ، أو يَترُكُ فيَبطُلُ، وأمَّا الخيارُ فلِلخَلَلِ في الرِّضا؛ لأنَّ الإنسانَ قد يَرضَى
стр. 4006
بشِراءِ شَيءٍ بثَمَنٍ يَسيرٍ، ولا يَرضَى بشِرائِه بثَمَنٍ كثيرٍ، فلا يَتكامَلُ الرِّضا إلَّا بعدَ مَعرِفةِ مِقدارِ الثَّمنِ؛ فإذا لَم يُعرَفِ اختَلَّ رِضاه، واختِلالُ الرِّضا يُوجِبُ الخيارَ.
وقالَ الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: لَم يَنقلِبِ العَقدُ صَحيحًا، ولا بدَّ مِنْ عَقدٍ جَديدٍ.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: يَصحُّ؛ لأنَّ الثَّمنَ الثاني مبنيٌّ على الأوَّلِ، ومَعرِفَتُه سَهلةٌ.
وقالَ الشافِعيَّةُ: لا يُشترَطُ ذِكرُ الثَّمنِ في عَقدِ التَّوليةِ، بَلْ يَكفي العِلمُ به عن ذِكرِه؛ لأنَّ خاصِّيَّتَه البِناءُ على الثَّمنِ الأوَّلِ، وإنْ لزِمه أحكامُ البَيعِ.
وكذلك التَّوليةُ والإشراكُ والوَضيعةُ في اعتِبارِ هذا الشَّرطِ والمُرابَحةُ سَواءٌ؛ لأنَّ التَّوليةَ بَيعٌ بمِثلِ الثَّمنِ الأوَّلِ، فلا بدَّ أنْ يَكونَ الثَّمنُ الأوَّلُ مَعلومًا، والإشراكُ تَوليةٌ، لكنَّه تَوليةُ بَعضِ المَبيعِ ببَعضِ الثَّمنِ، والعِلمُ بالثَّمنِ كُلِّه شَرطُ صِحَّةِ البَيعِ، والوَضيعةُ بَيعٌ بمِثلِ الثَّمنِ الأوَّلِ، مع نُقصانِ شَيءٍ مَعلومٍ منه، فلا بدَّ أنْ يَكونَ الثَّمنُ الأوَّلُ مَعلومًا لِيُعلَمَ قَدْرُ النُّقصانِ منه.
٢ - العِلمُ بالرِّبحِ: وهذا ممَّا لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ، فيَنبَغي أنْ يَكونَ الرِّبحُ مَعلومًا؛ لأنَّه بَعضُ الثَّمنِ، والعِلمُ بالثَّمنِ شَرطٌ في صِحَّةِ البُيوعِ؛ فإنْ كانَ الثَّمنُ مَجهولًا حالَ العَقدِ لَم تَجُزِ المُرابَحةُ.
ولا فَرقَ في تَحديدِ الرِّبحِ بينَ أنْ يَكونَ مِقدارًا مَقطوعًا، أو بنِسبةٍ عَشريَّةٍ في المِئةِ، ويُضَمُّ الرِّبحُ إلى رَأسِ المالِ ويَصيرُ جُزءًا منه، سَواءٌ أكانَ حالًّا نَقديًّا أو مُقسَّطًا على أقساطٍ مُعيَّنةٍ في الشَّهرِ أو السَّنةِ مَثَلًا.
стр. 4007
ولا يُشترَطُ عندَ الشافِعيَّةِ أنْ يَكونَ الرِّبحُ مِنْ جِنسِ الأوَّلِ، بَلْ يَجوزُ مِنْ غيرِ جِنسِ الأصلِ.
٣ - أنْ يَكونَ رَأسُ المالِ مِنْ المِثليَّاتِ: نصَّ الحَنفيَّةُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ رَأسُ المالِ مِنْ المِثليَّاتِ: كالمَكيلاتِ والمَوزوناتِ والعَدديَّاتِ المُتَقارِبةِ؛ لأنَّه إذا لَم يَكُنْ له مِثلٌ لو مَلَكَه مَلَكَه بالقيمةِ، وهي مَجهولةٌ، وهذا شَرطٌ في المُرابَحةِ والتَّوليةِ، سَواءٌ تَمَّ البَيعُ مع البائِعِ الأوَّلِ، أو مع غيرِه، وسَواءٌ أكانَ الرِّبحُ مِنْ جِنسِ الثَّمنِ الأوَّلِ، أم لَم يَكُنْ بعدَ أنْ يَكونَ شَيئًا مُقدَّرًا مَعلومًا، كدِرهَمٍ ونَحوِه.
فإذا اشتَرَى مَتاعًا بحِنطةٍ أو شَعيرٍ أو شَيءٍ ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ فلا بَأسَ أنْ يَبيعَه مُرابَحةً على ذلك؛ لأنَّ بَيعَ المُرابَحةِ تَمليكٌ بثَمَنِ ما مَلَكَ به مِنْ رِبحٍ ضَمَّه إليه في بَيعِه، فإذا كانَ الثَّمنُ ممَّا له مِثلٌ في جِنسِه يَتحقَّقُ هذا المَعنَى فيه، فله أنْ يَبيعَه مُرابَحةً عليه.
فإنْ كانَ ممَّا لا مثلَ له، كالعُروضِ فقد اختلَف العُلماءُ فيه:
فقالَ الحَنفيَّةُ: لا يَجوزُ بَيعُه مُرابَحةً ولا تَوليةً مِمَّنْ ليسَ العَرضُ في مِلكِه؛ لأنَّ المُرابَحةَ والتَّوليةَ بَيعٌ بمِثلِ الثَّمنِ الأوَّلِ، مع زيادةِ رِبحٍ عليه في المُرابَحةِ.
وعلى هذا إذا كانَ الثَّمنُ الأوَّلُ غيرَ مِثليٍّ، كأنْ يَكونَ مِنْ الأعدادِ المُتفاوِتةِ كالدُّورِ والثِّيابِ والرُّمَّانِ والبِطِّيخِ، ونَحوِها؛ فإمَّا أنْ يَبيعَه مِمَّنْ في يَدِه ومِلكِه أو مِنْ غيرِه:
стр. 4008
فإنْ باعَه مِمَّنْ ليسَ في مِلكِه ويَدِه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ بَيعُه مُرابَحةً بالعَرضِ عَينِه؛ إذ إنَّه ليسَ في يَدِه ولا مِلكِه، ولا يُمكِنُ بَيعُه منه بقيمَتِه؛ لأنَّ قيمَتَه مَجهولةٌ تُعرَفُ بالحَزرِ والظَّنِّ، وفيه يَختلِفُ أهلُ التَّقويمِ.
وإنْ باعَه مُرابَحةً مِمَّنْ كانَ العَرضُ في يَدِه ومِلكِه يُنظَرُ:
- إنْ جعَل الرِّبحَ شَيئًا مُتميِّزًا مُفرَدًا عن رَأسِ المالِ، مَعلومًا، كالدَّراهِمِ، وثَوبٍ مُعيَّنٍ مَثَلًا، جازَ؛ لأنَّ الثَّمنَ الأوَّلَ مَعلومٌ، والرِّبحَ مَعلومٌ، مثلَ أنْ يَقولَ: أبيعُكَ مُرابَحةً بالثَّوبِ الذي في يَدِكَ، وبِرِبحِ عَشَرةِ دَراهِمَ.
- وإنْ جعَل الرِّبحَ جُزءًا مِنْ رَأسِ المالِ، كأنْ يَقولَ: كلُّ عَشَرةٍ رِبحُها واحِدٌ، أي أنَّ الرِّبحَ بالعُشرِ، وهو المَعروفُ قَديمًا برِبحِ (ده يازده) (١) لَم يَجُزْ؛ لأنَّه جعَل الرِّبحَ جُزءًا مِنْ العَرضِ، والعَرضُ ليسَ مُتماثِلَ الأجزاءِ، وإنَّما يُعرَفُ بالتَّقويمِ، والقيمةُ مَجهولةٌ؛ لأنَّ مَعرِفَتَها بالحَزرِ والظَّنِّ.
وأمَّا بَيعُه وَضيعةً مِمَّنْ العَرضُ في يَدِه ومِلكِه؛ فالحُكمُ فيه على عَكسِ المُرابَحةِ: وهو أنَّه إنْ جعَل الوَضيعةَ شَيئًا مُتميِّزًا عن رَأسِ المالِ مَعلومًا كالدَّراهِمِ ونَحوِها، لا يَجوزُ، لأنَّه يَحتاجُ إلى حَطِّ ذلك القَدْرِ عن رَأسِ المالِ، وهو مَجهولٌ.
وإنْ جعَل الوَضيعةَ مِنْ جِنسِ رَأسِ المالِ، بأنْ باعَه بوَضعِ العُشرِ، أي أنَّ كُلَّ عَشَرةٍ يَنقُصُ منها واحِدٌ، جازَ البَيعُ بعَشَرةِ أجزاءٍ مِنْ أحَدَ عشَرَ جُزءًا مِنْ رَأسِ المالِ، لأنَّ الجُزءَ المَوضوعَ جُزءٌ شائِعٌ مِنْ رَأسِ مالٍ مَعلومٍ.
стр. 4009
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَصحُّ البَيعُ بالعَرضِ في المُرابَحةِ، فيَقولُ بعَرضٍ قيمَتُه كذا، ولا يَقتصِرُ على ذِكرِ القيمةِ، وإنْ باعَه بلَفظِ القيامِ؛ لأنَّه يُشدِّدُ فيه فَوقَ ما يُشدِّدُ بالنَّقدِ، ولو اختَلَفتْ قيمَتُه اعتُبِرتْ يَومَ الِاستِقرارِ لا العَقدِ.
وأمَّا التَّوليةُ فيُشترَطُ فيها كَونُ الثَّمنِ مِثليًّا؛ لِيأخُذَ المَولَى مثلَما بَذَلَ؛ فإنِ اشتَرَى بعَرضٍ لَم يَصحَّ أنْ يُولِّيَه -أي: العَقدَ- إلَّا مَنْ انتَقلَ العَرضُ إليه مِلْكًا، فإنْ قالَ المُشتَري بالعَرضِ: قامَ علَيَّ بكذا وقد وَلَّيتُكَ العَقدَ بما قامَ علَيَّ، وذكَر، جازَ، ولو اشتَراه بعَرضٍ وقالَ: قامَ علَيَّ بكذا وقد وَلَّيتُكَ العَقدَ بما قامَ علَيَّ، أو وَلَّتِ المَرأةُ في صَداقِها بلَفظِ القيامِ، أو الرَّجُلُ في عِوَضِ الخُلعِ، فوَجهانِ، أصَحُّهما الجَوازُ، ولو أخبَرَ المُوَلِّي عَمَّا اشتَرَى به وكَذَبَ في إخبارِه بالثَّمنِ، فقيلَ: هو كالكَذِبِ في المُرابَحةِ، وقيلَ: يُحَطُّ قَدرُ الخيانةِ قَولًا واحِدًا.
وقالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ أنْ يَكونَ ثَمَنُ السِّلعةِ المَبيعةِ مُرابَحةً عَرضًا مُقوَّمًا مَضمونًا، كما لو اشتَرَى ثَوبًا بحَيَوانٍ مَضمونٍ، أو عَرضٍ، فإنَّه يَجوزُ أنْ يَبيعَ مُرابَحةً بمِثلِ ذلك الحَيَوانِ، أو عَرضٍ مِثلِه على الوَصفِ، لا القيمةِ، ويَزيدُه عليه زيادةً مَعلومةً، وهو مَذهبُ ابنِ القاسِمِ، ومنَعه أشهَبُ على عَبدٍ مَوصوفٍ ليسَ عندَ المُشتَري لِمَا فيه مِنْ السَّلَمِ الحالِّ.
فإذا أرادَ بَيعَها مُرابَحةً على ذلك المُقوَّمِ فلا بدَّ أنْ يَبيعَها بمُقوَّمٍ مُماثِلٍ لِلمُقوَّمِ الأوَّلِ في صِفَتِه، ويَزيدُه المُشتَري عليه رِبحًا مَعلومًا، ولا يَجوزُ له بَيعُها مُرابَحةً على قيمةِ المُقوَّمِ الذي اشتُريَتْ به.
стр. 4010
٤ - ألَّا يَكونَ الثَّمنُ في العَقدِ الأوَّلِ مُقابَلًا بجِنسِه مِنْ أموالِ الرِّبا، -وهي عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ كلُّ مَكيلٍ أو مَوزونٍ، وعندَ المالِكيَّةِ كلُّ مُقتاتٍ مُدَّخَرٍ، وعندَ الشافِعيَّةِ كلُّ مَطعومٍ، وقد سبَق ذِكرُها مُفصَّلًا- وهذا الشَّرطُ مُتَّفقٌ عليه؛ فإنْ كانَ بأنِ اشتَرَى المَكيلَ أو المَوزونَ عندَ الحَنفيَّةِ -وكذا الحَنابِلةُ- بجِنسِه مِثْلًا بمِثْلٍ، لَم يَجُزْ له أنْ يَبيعَه مُرابَحةً؛ لأنَّ المُرابَحةَ بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ مع زيادةٍ، والزِّيادةُ في أموالِ الرِّبا تَكونُ رِبًا لا رِبحًا، وكذا لا يَجوزُ بَيعُه مُواضَعةً؛ لِمَا قُلنا، وله أنْ يَبيعَه تَوليةً؛ لأنَّ المانِعَ هو تَحقُّقُ الرِّبا، ولَم يُوجَدْ في التَّوليةِ، ولأنَّه بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نُقصانٍ، وكذا الإشراكُ؛ لأنَّه تَوليةٌ، لَكِن ببَعضِ الثَّمنِ.
وأمَّا عندَ اختِلافِ الجِنسِ فلا بَأْسَ بالمُرابَحةِ حتى لو اشتَرَى دينارًا بعَشَرةِ دَراهِمَ، فباعَه برِبحِ دِرهَمٍ، أو بثَوبٍ بعَينِه، جازَ؛ لأنَّ المُرابَحةَ بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ مع زيادةٍ، ولو باعَ دينارًا بأحَدَ عشَرَ دِرهَمًا أو بعَشَرةِ دَراهِمَ وثَوبٍ كانَ جائِزًا، كذا هذا.
٥ - أنْ يَكونَ العَقدُ الأوَّلُ صَحيحًا؛ فإنْ كانَ فاسِدًا لَم يَجُزْ بَيعُ المُرابَحةِ؛ لأنَّ المُرابَحةَ بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ مع زيادةِ رِبحٍ، والبَيعُ الفاسِدُ -وإنْ كانَ يُفيدُ المِلْكَ عندَ الحَنفيَّةِ في الجُملةِ كما تَقدَّمَ- يثبُتُ المِلْكُ فيه بقيمةِ المَبيعِ أو بمِثلِه، لا بالثَّمنِ المَذكورِ في العَقدِ؛ لِفَسادِ التَّسميةِ، وهذا لا يَتَّفقُ مع مُقتَضَى عَقدِ المُرابَحةِ القائِمِ على مَعرِفةِ الثَّمنِ الأوَّلِ ذاتِه، لا القيمةِ أو المِثلِ.
стр. 4011
رَأسُ المالِ وما يُلحَقُ به وما لا يُلحَقُ مِنْ الحَطيطةِ والزِّيادةِ في الثَّمنِ:
قالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ رَأسِ المالِ فرَأسُ المالِ ما لزِم المُشتَري بالعَقدِ، لا ما نقَده بعدَ العَقدِ؛ لأنَّ المُرابَحةَ بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ، ولأنَّ الثَّمنَ الأوَّلَ هو ما وجَب بالبَيعِ، فأمَّا ما نقَده بعدَ البَيعِ فذلك وجَب بعَقدٍ آخَرَ، وهو الِاستِبدالُ، ويأخُذُ مِنْ المُشتَري الثاني الواجِبَ بالعَقدِ، لا المَنقودَ بعدَه، وكذلك التَّوليةُ.
وبَيانُ هذا الأصلِ: إذا اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةِ دَراهِمَ ونقَد مَكانَها دينارًا أو ثَوبًا فرَأسُ المالِ هو العَشَرةُ، لا الدِّينارُ والثَّوبُ؛ لأنَّ العَشَرةَ هي التي وَجَبتْ بالعَقدِ، وإنَّما الدِّينارُ أو الثَّوبُ بَدَلُ الثَّمنِ الواجِبِ.
وكذلك لو اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةِ دَراهِمَ جيادٍ ونقَد مَكانَها الزُّيوفَ، وتَجوَّزُ بها البائِعُ الأوَّلُ، فعلى المُشتَري نَقدُ الجيادِ؛ لِمَا قُلنا.
ولو اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةٍ هي خِلافُ نَقدِ البَلَدِ، ثم باعَه مُرابَحةً فإنْ ذكَر الرِّبحَ مُطلَقًا، أي: بدونِ تَحديدِ صِفةٍ مُعيَّنةٍ، بأنْ قالَ: أبيعُكَ بالثَّمنِ الأوَّلِ ورِبحِ دِرهَمٍ، كانَ على المُشتَري الثاني عَشَرةٌ مِنْ جِنسِ ما نقَد، والرِّبحُ مِنْ دَراهِمِ نَقدِ البَلَدِ؛ لأنَّ المُرابَحةَ بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ.
والثَّمنُ الأوَّلُ هو الواجِبُ بالعَقدِ الأوَّلِ، وهو عَشَرةٌ، وهي خِلافُ نَقدِ البَلَدِ، فيَجِبُ بالعَقدِ الثاني مِثلُها، والرِّبحُ مِنْ نَقدِ البَلَدِ؛ لأنَّه أطلَقَ الرِّبحَ وما أضافَه إلى رَأسِ المالِ، والمُطلَقُ يَنصرِفُ إلى المُتعارَفِ، وهو نَقدُ البَلَدِ، وإنْ أضافَ الرِّبحَ إلى العَشَرةِ، بأنْ قالَ: أبيعُكَ برِبحِ العَشَرةِ أو برِبحِ ده
стр. 4012
يازده، فالعَشَرةُ والرِّبحُ مِنْ جِنسِ الثَّمنِ الأوَّلِ، أمَّا إذا قالَ: برِبحِ العَشَرةِ، فلأنَّه أضافَ الرِّبحَ إلى تلك العَشَرةِ إذا كانَ مِنْ جِنسِها.
وأمَّا إذا قالَ: برِبحِ ده يازده، فلأنَّه جعَل الرِّبحَ جُزءًا مِنْ العَشَرةِ، فكانَ مِنْ جِنسِها ضَرورةً (١).
أمَّا الزِّيادةُ أو الحَطُّ فهل تَلحَقُ أصلَ الثَّمنِ أو لا؟
فلو اشتَرَى شَخصٌ سِلعةً وانعقَد البَيعُ على ثَمَنٍ مُسَمًّى ثم طَرَأتْ زيادةٌ أو حُطَّ على الثَّمنِ المُسَمَّى، وتَمَّ قَبولُ هذه الزِّيادةِ أو الحَطِّ، ثم أرادَ المُشتَري بَيعَ السِّلعةِ مُرابَحةً فهل يُخبِرُ بالثَّمنِ المَعقودِ عليه أو أنَّه يُخبِرُ به بعدَ الزِّيادةِ أو الحَطِّ؟
على تَفصيلٍ في ذلك:
فالزِّيادةُ أو الحَطُّ قد يُتَّفَقُ عليهما في مُدَّةِ الخيارِ أو بعدَ لُزومِ البَيعِ؛ فإنْ حصَل ذلك في مُدَّةِ الخيارِ فهذه الزِّيادةُ أو الحَطُّ تُلحَقُ بالثَّمنِ، وهذا قَولُ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبه قالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ، ولا أعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وذلك لأنَّ الزِّيادةَ تُلحَقُ بأصلِ العَقدِ، فيَصيرُ في التَّقديرِ كأنَّ العَقدَ على الأصلِ والزِّيادةِ جَميعًا، فكانَ الأصلُ مع الزِّيادةِ رَأسَ المالِ؛ لِوُجوبِهما بالعَقدِ تَقديرًا، فيَبيعُه مُرابَحةً عليهما.
وكذا لو حَطَّ البائِعُ الأوَّلُ عن المُشتَري بَعضَ الثَّمنِ فإنَّه يَبيعُه مُرابَحةً
стр. 4013
على الثاني بعدَ الحَطِّ؛ لأنَّ الحَطَّ أيضًا يُلحَقُ بأصلِ العَقدِ، فكانَتِ البَقيَّةُ بعدَ الحَطِّ رَأسَ المالِ، وهو الثَّمنُ الأوَّلُ، فيَبيعُه مُرابَحةً عليه.
أمَّا إذا كانَتِ الزِّيادةُ أو الحَطُّ قد اتُّفِقَ عليهما بعدَ لُزومِ البَيعِ، فقد قالَ الحَنفيَّةُ: إنَّ الزِّيادةَ التي يُعطيها المُشتَري لِلبائِعِ الأوَّلِ في الثَّمنِ الأوَّلِ تُلحَقُ بأصلِ العَقدِ، فيَبيعُ المُشتَري مُرابَحةً بالثَّمنِ المَعقودِ عليه مع الزِّيادةِ.
وكذلك لو حَطَّ البائِعُ الأوَّلُ عن المُشتَري شَيئًا مِنْ الثَّمنِ، فإنَّ الحَطَّ يُلحَقُ بالأصلِ؛ فإذا باعَ المُشتَري مُرابَحةً فإنَّ ثَمَنَ المُرابَحةِ هو الباقي بعدَ الحَطِّ، وكذلك الحالُ لو حَطَّ البائِعُ الأوَّلُ عن المُشتَري بعدَما باعَه المُشتَري مُرابَحةً؛ فإنَّ هذا الحَطَّ يَلحَقُ رَأسَ المالِ الذي باعَ به مع حَطِّ حِصَّتِه مِنْ الرِّبحِ؛ لأنَّ الحَطَّ يُلحَقُ بأصلِ العَقدِ، وقَضيةُ الحَطِّ مِنْ الرِّبحِ أنَّ الرِّبحَ يَنقسِمُ على جَميعِ الثَّمنِ؛ فإذا حُطَّ شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ فلا بدَّ مِنْ حَطِّ حِصَّتِه مِنْ الرِّبحِ.
فإذا باعَ ما اشتَرَى مُرابَحةً ثم حَطَّ البائِعُ الأوَّلُ عن المُشتَري الأوَّلِ بَعضَ الثَّمنِ فإنَّه يَحُطُّ عندَ الثاني ذلك القَدْرِ وحِصَّتَه مِنْ الرِّبحِ، ولو حُطَّ الثَّمنُ كُلُّه لَم يُحَطَّ عندَ الثاني شَيءٌ.
وقالَ المالِكيَّةُ: لو تَجاوَزَ البائِعُ الأوَّلُ عن نُقودٍ زائِفةٍ ظَهَرتْ في الثَّمنِ الذي تَسلَّمَه ورَضيَ به ولَم يَرُدَّها إلى المُشتَري -يَعني أنَّه حَطَّها-، وكذلك لو وهَب البائِعُ الأوَّلُ شَيئًا مِنْ الثَّمنِ وأرادَ هذا المُشتَري أنْ يَبيعَ مُرابَحةً فإنَّه يَجِبُ عليه أنْ يُبيِّنَ لِمَنْ يَشتَري منه ما تَجاوَزَ عنه البائِعُ أو حَطَّه أو وهَبه
стр. 4014
له إذا كانَتِ الهِبةُ أو الحَطيطةُ مُعتادةً بينَ الناسِ؛ فإنْ لَم تَكُنْ مُعتادةً أو وهَب له جَميعَ الثَّمنِ قبلَ الِافتِراقِ أو بعدَه، لَم يَجِبِ البَيانُ؛ فإنْ لَم يُبيِّنْ ما وجَب بَيانُه فهو في حُكمِ الكَذِبِ، وعليه فإنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً وحَطَّ البائِعُ مُرابَحةً ما وهَب له مِنْ الثَّمنِ دونَ رِبحِه، لَزِمتِ المُشتَري، وهو قَولُ سَحنونٍ، والقَولُ عندَ أصبَغَ أنَّها لا تَلزَمُه حتى يَحُطَّ رِبحَه.
وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا كانَتْ صِيغةُ المُرابَحةِ: بِعتُكَ بما اشتَرَيتُ، فالزِّيادةُ أو الحَطُّ بعدَ لُزومِ العَقدِ لا يَلحَقانِ بأصلِ العَقدِ؛ لأنَّ ذلك هِبةٌ وتَبرُّعٌ.
أمَّا إذا كانَتِ الصِّيغةُ: بِعتُكَ بما قامَ علَيَّ، فإنَّ الزِّيادةَ والحَطَّ يَلحَقانِ برَأسِ المالِ، فيُخبِرُ البائِعَ به.
وإنْ حَطَّ البائِعُ الأوَّلُ كُلَّ الثَّمنِ عن المُشتَري فإنَّه لا يَجوزُ البَيعُ مُرابَحةً بلَفظِ: بِعتُ بما قامَ علَيَّ، وإنَّما هو يُقَدِّرُ ثَمَنًا، ولا يَجِبُ الإخبارُ عن الحالِ.
أمَّا إذا جَرى الحَطُّ والزِّيادةُ بعدَ جَرَيانِ المُرابَحةِ فإنَّ الحَطَّ لا يَلحَقُ المُشتَريَ فيه، وهذا هو المَذهبُ، وفيه وَجْهٌ: أنَّه يَلحَقُ، كما في التَّوليةِ والإشراكِ.
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا قَريبًا ممَّا قالَه الشافِعيَّةُ، فقالوا: إنْ حَطَّ البائِعُ بَعضَ الثَّمنِ عن المُشتَري زَمَنَ الخِيارَيْنِ، أو زادَه في الأجَلِ -أي: أجَلِ الثَّمنِ- أو زادَ البائِعُ المُشتَريَ في المُثمَّنِ، بأنْ أعطاه شَيئًا آخَرَ مع المَبيعِ زَمَنَ الخِيارَيْنِ، أو زادَه، أي: البائِعُ المُشتَريَ، في الثَّمنِ بأنِ اشتَرَى منه
стр. 4015
بعَشَرةٍ ثم زادَه دِرهمَيْنِ زَمَنَ الخِيارَيْنِ، أو حَطَّ المُشتَري لِلبائِعِ في الأجَلِ -بأنْ عقَد معه بثَمَنٍ إلى رَجَبٍ، ثم قالَ له: بَلْ إلى جُمادَى الأُولَى مَثَلًا- في مُدَّةِ الخِيارَيْنِ، خيارِ المَجلِسِ وخيارِ الشَّرطِ، لَحِقَ ذلك الفِعلُ بالعَقدِ، وأخبَرَ المُشتَريَ به في البَيعِ بتَخبيرِ الثَّمنِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ الثَّمنِ، فوجَب إلحاقُه برَأسِ المالِ، والإخبارُ به كأصلِه.
وإنْ حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري كُلَّ الثَّمنِ فهو هِبةٌ، ولا يَبطُلُ البَيعُ به.
وما كانَ مِنْ زيادةٍ في ثَمَنٍ أو مُثمَّنٍ أو نَقصٍ منهما بعدَ مُضيِّ مُدَّةِ الخِيارَيْنِ لا يُلحَقُ بالعَقدِ؛ لِلُزومِه، فلا يَلزَمُ الإخبارُ به كخِيارٍ وأجَلٍ، فإنَّهما لا يُلحَقانِ بالعَقدِ بعدَ لُزومِه كسائِرِ الشُّروطِ، وتَقدَّمَ.
نَماءُ المَبيعِ:
اختلَف العُلماءُ في المَبيعِ مُرابَحةً، أو وَضيعةً، أو تَوليةً، أو مُشارَكةً، إذا اشتَراه فنَما عندَه وزادَ، هل يُخبِرُ المُشتَريَ أو لا؟
قالَ الحَنفيَّةُ: لو حدَث في المَبيعِ زيادةٌ مُنفصِلةٌ، كالوَلَدِ واللَّبَنِ والثَّمرةِ والصُّوفِ والكَسبِ، لَم يَبِعْه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ؛ لأنَّ الزِّيادةَ المُتولِّدةَ مِنْ المَبيعِ مَبيعةٌ عندَهم، حتى تَمنَعَ الرَّدَّ بالعَيبِ، وإنْ لَم يَكُنْ لَها حِصَّةٌ مِنْ الثَّمنِ لِلحالِ.
وكذا الحُكمُ لو هلَك نَماءُ المَبيعِ بفِعلِ البائِعِ، أو بفِعلِ أجنَبيٍّ، ووجَب الأرشُ؛ لأنَّه صارَ مَبيعًا مَقصودًا يُقابِلُه الثَّمنُ، ثم المَبيعُ بَيعًا غيرَ مَقصودٍ لَم يَبِعْه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ فالمَبيعُ مَقصودًا أوْلَى، ولو هلَك بآفةٍ سَماويَّةٍ فله
стр. 4016
أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ لأنَّه إنْ هلَك طَرَفٌ مِنْ أطرافِه بآفةٍ سَماويَّةٍ، باعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ فالوَلَدُ أوْلَى؛ لأنَّه مُلحَقٌ بالطَّرَفِ.
ولو استَغَلَّ الوَلَدَ والأرضَ، جازَ له أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ، لأنَّ الزِّيادةَ التي ليسَتْ مُتولِّدةً مِنْ المَبيعِ، لا تَكونُ مَبيعةً بالإجماعِ، ولِهذا لا يُمنَعُ الرَّدُّ بالعَيبِ؛ فلَم يَكُنْ ببَيعِ الدَّارِ أو الأرضِ حابِسًا جُزءًا مِنْ المَبيعِ؛ فكانَ له أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: مَنْ اشتَرَى ذاتًا كانَت مِنْ نَوعِ ما لا يَعقِلُ، أو مِنْ نَوعِ مَنْ يَعقِلُ، فوَلَدتْ عندَه، فإنَّه لا يَبيعُها مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ ذلك بأنَّها وَلَدتْ عندَه، ولو باعَ وَلَدَها معها؛ لأنَّ المُشتَريَ يَظُنُّ أنَّها اشتُريتْ مع وَلَدِها؛ لأنَّ حُدوثَ الوَلَدِ عندَه عَيبٌ، وطُولَ إقامَتِها عندَه إلى أنْ وَلَدتْ عندَه غِشٌّ وخَديعةٌ، وما نَقَصتْها الوِلادةُ مِنْ قيمَتِها كَذِبٌ في الثَّمنِ، وقد لا تُوجَدُ كُلُّها، إذ قد تَلِدُ إثْرَ شِرائِها.
فإن لَم يُبيِّنْ وكانَتْ قائِمةً رَدَّها المُشتَري أو تَمسَّكَ، ولا شَيءَ له، وليسَ لِلبائِعِ إلزامُها له بحَطِّ شَيءٍ مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّه يُحتَجُّ عليه بالعَيبِ والغِشِّ، وإنْ حصَل فيها مَفوتٌ فإنْ كانَ مِنْ مَفوتاتِ الرَّدِّ بالعَيبِ، كبَيعِها وهَلاكِها ونَحوِهما ممَّا يُفوِّتُ المَقصودَ فإنْ شاءَ قامَ بالعَيبِ، فيَحُطَّ عنه أرشَه، وما يَنوبُه مِنْ الرِّبحِ، وليسَ له حينَئذٍ القيامُ بغِشٍّ ولا كَذِبٍ، وإنْ شاءَ رَضيَ بالعَيبِ، فقيامُه بالغِشِّ حيثُ رَضيَ بالعَيبِ أنفَعُ له مِنْ قيامِه
стр. 4017
بالكَذِبِ؛ إذ عليه الأقَلُّ مِنْ الثَّمنِ والقيمةِ في الغِشِّ، وأمَّا في الكَذِبِ فعليه الأكثَرُ مِنْ الثَّمنِ الصَّحيحِ، ورِبحُه، والقيمةُ ما لَم تَزِدْ على الكَذِبِ، ورِبحُه، وإنْ كانَ مِنْ مَفوتاتِ الغِشِّ، وليسَ مِنْ مَفوتاتِ الرَّدِّ بالعَيبِ، كحَوالةِ الأسواقِ، وحُدوثِ قَليلِ العَيبِ، فكالعَدَمِ، وكَحُدوثِ عَيبٍ مُتوسِّطٍ، فقيامُه بالغِشِّ أنفَعُ له أيضًا، وإنْ كانَ مِنْ العُيوبِ المُفسِدةْ خُيِّرَ في رَدِّها، وما نقَصها الحادِثُ، وفي إمساكِها، ويَرجِعُ بالعَيبِ القَديمِ ومَنابِه مِنْ الرِّبحِ، وبينَ الرِّضا بالعَيبِ، ويُرَدُّ إلى قيمَتِها (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إنْ حَدَثتْ مِنْ العَينِ فوائِدُ في مِلكِه، كالوَلَدِ واللَّبَنِ والثَّمرةِ، بأنِ اشتَرَى شَجَرةً لا ثَمَرَ لَها فأثمَرَتْ عندَه، أو بَهيمةً حائِلًا فحَمَلتْ عندَه ووَلَدتْ، أو لا لَبَنَ بها، فحدَث بها لَبَنٌ، فحَلَبَه ثم أرادَ بَيعَ ذلك مُرابَحةً فإنَّه يُخبِرُ بجَميعِ الثَّمنِ الذي اشتَرى به، ولا يَحُطُّ مِنه لِأجْلِ هذا النَّماءِ شَيئًا؛ لأنَّ هذا نَماءٌ حادِثٌ في مِلكِه، فكانَ له، ولأنَّ العَقدَ لَم يَتناوَلْه.
وإنْ أخَذ ثَمَرةً كانَتِ الشَّجَرةُ مُثمِرةً وَقتَ الشِّراءِ، أو كانَ في البَهيمةِ لَبَنٌ أو صُوفٌ وَقتَ الشِّراءِ، فأخَذ الثَّمرةَ واللَّبَنَ والصُّوفَ … لزِمه أنْ يَحُطَّ مِنْ الثَّمنِ بحِصَّةِ ما أخَذ؛ لأنَّ الثَّمنَ قابَلَ الجَميعَ، والعَقدَ تَناوَلَه، وقابَلَه قِسطٌ مِنْ الثَّمنِ؛ فأسقَطَ ما قابَلَه.
وإنْ كانَتْ بَهيمةً حامِلًا وَقتَ الشِّراءِ فوَلَدتْ في يَدِه، ثم أرادَ بَيعَها، قالَ
стр. 4018
الشِّيرازيُّ: فإنْ قُلنا: إنَّ الحَملَ له حُكمٌ؛ فهو كاللَّبَنِ والثَّمرةِ، وإنْ قُلنا: لا حُكمَ له، لَم يُحَطُّ مِنْ الثَّمنِ لِأجلِه شَيءٌ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ تَغيَّرتِ السِّلعةُ بزيادةٍ لِنَمائِها، كالسَّمنِ وتَعليمِ صَنعةٍ، أو يَحصُلُ منها نَماءٌ مُنفصِلٌ، كالوَلَدِ والثَّمرةِ والكَسبِ، فإنْ أرادَ أنْ يَبيعَها مُرابَحةً، أخبَرَ بالثَّمنِ مِنْ غيرِ زيادةٍ؛ لأنَّه القَدْرُ الذي اشتَراها به، وإنْ أخَذ النَّماءَ المُنفصِلَ أخبَرَ برَأسِ المالِ، ولَم يَلزَمْه تَبيينُ الحالِ؛ لأنَّه صادِقٌ فيما أخبَرَ به مِنْ غيرِ تَغريرٍ بالمُشتَري، فجازَ، كما لو لَم يَزِدْ، ولأنَّ الوَلَدَ والثَّمرةَ نَماءٌ مُنفصِلٌ، فلَم يَمنَعْ مِنْ بَيعِ المُرابَحةِ بدُونِ ذِكرِه، كالغَلَّةِ.
ورَوى ابنُ المُنذِرِ عن أحمدَ أنَّه يَلزَمُه تَبيينُ ذلك كُلِّه، وهو قَولُ إسحاقَ (٢).
إضافةُ المُشتَري الأوَّلِ شَيئًا إلى المَبيعِ:
قالَ الحَنفيَّةُ: لا بَأسَ بأنْ يُلحَقَ برَأسِ المالِ أُجرةُ القَصَّارِ والصَّبَّاغِ والغَسَّالِ والفَتَّالِ والخَيَّاطِ والسِّمسارِ وسائِقِ الغَنَمِ والكِراءِ، ويُلحَقَ به عَلَفُ الدَّوابِّ، ويُباعُ مُرابَحةً وتَوليةً على الكُلِّ، اعتِبارًا لِلعُرفِ؛ لأنَّ العادةَ فيما بينَ التُّجَّارِ أنَّهم يُلحِقونَ هذه المُؤَنَ برَأسِ المالِ، ويَعُدُّونَها منه، ولأنَّ عُرفَ المُسلِمينَ وعادَتَهم حُجَّةٌ مُطلَقةٌ، جاءَ في الحَديثِ المَوقوفِ على ابنِ مَسعودٍ ﵁: «ما رَآه المُسلِمونَ حَسَنًا فهو عندَ اللَّهِ حَسَنٌ، وما رَآه
стр. 4019
المُسلِمونَ سَيِّئًا فهو عندَ اللَّهِ سَيِّئٌ»، ثم إنَّ الصَّبغَ وأمثالَه يَزيدُ في القيمةِ، والقيمةُ تَختلِفُ باختِلافِ المَكانِ، ويَقولُ عندَ البَيعِ: قامَ علَيَّ بكذا، ولا يَقولُ اشتَرَيتُه بكذا، كَيْلَا يَكونَ كاذِبًا.
وأمَّا أُجرةُ الرَّاعي والطَّبيبِ والحَجَّامِ والخَتَّانِ والبَيطارِ، وفِداءُ الجِنايةِ، وما أنفَقَ على نَفْسِه مِنْ تَعليمِ صِناعةٍ أو قُرآنٍ أو شِعرٍ؛ فلا يُلحَقُ برَأسِ المالِ، ويُباعُ مُرابَحةً وتَوليةً على الثَّمنِ الأوَّلِ الواجِبِ بالعَقدِ الأوَّلِ لا غيرُ، لأنَّ العادةَ ما جَرَتْ مِنْ التُّجَّارِ بإلحاقِ هذه المُؤَنِ برَأسِ المالِ.
وكذا المَضارِبُ ما أنفَقَ على الرَّقيقِ مِنْ طَعامِهم وكِسوَتِهم، وما لا بدَّ لَهم منه بالمَعروفِ، يُلحَقُ برَأسِ المالِ؛ لِجَرَيانِ العادةِ بذلك، وما أنفَقَ على نَفْسِه في سَفَرِه لا يُلحَقُ به؛ لأنَّه لا عادةَ فيه، والتَّعويلُ في هذا البابِ على العادةِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: إذا كانَ قد أصابَ صاحِبُ السِّلعةِ زيادةً على ثَمَنِها فإنْ كانَتِ الزِّيادةُ ممَّا لَه عَينٌ قائِمةٌ حَسَبَها صاحِبُ السِّلعةِ مع الثَّمنِ، وجعَل لَها قِسطًا مِنْ الرِّبحِ، وذلك كالخياطةِ والصِّباغةِ والقِصارةِ.
وإنْ لَم يَكُنْ لَها عَينٌ قائِمةٌ، وعَمِلَها بنَفْسِه، كالطَّيِّ والنَّشرِ، لَم يَحسُبْها في الثَّمنِ، ولَم يَجعَلْ لَها قِسطًا مِنْ الرِّبحِ، فإنِ استَأجَرَ عليها حَسَبَها في الثَّمنِ، ولَم يَجعَلْ لَها قِسطًا مِنْ الرِّبحِ، ككِراءِ نَقلِ المَتاعِ وشَدِّه، ويَجوزُ له أنْ يَحسُبَ ذلك كُلَّه إذا بيَّنه لِلمُشتَري (٢).
стр. 4020
وقالَ الشافِعيَّةُ: لو قالَ: بِعتُ بما اشتَرَيتُ، لَم يَدخُلْ فيه سِوَى الثَّمنِ.
وإذا قالَ: بِعتُ بما قامَ علَيَّ، دخَل في الثَّمنِ أُجرةُ الكَيَّالِ والدَّلَّالِ والحَمَّالِ والحارِسِ والقَصَّارِ والرَّفَّاءِ والطَّرَّازِ والصَّبَّاغِ وقيمةُ الصَّبغِ وتَطيينِ الدَّارِ، ودخَل سائِرُ المُؤَنِ التي تَلزَمُ لِلاستِرباحِ، وأُلحِقَ بها كِراءُ البَيتِ الذي فيه المَتاعُ، وأمَّا المُؤَنُ التي يُقصَدُ بها استِبقاءُ المِلْكِ دونَ الِاستِرباحِ، كعَلَفِ الدَّابَّةِ، فلا تَدخُلُ على الصَّحيحِ، ويقعُ ذلك في مُقابَلةِ الفَوائِدِ المُستَوفاةِ مِنْ المَبيعِ، لكنَّ العَلَفَ الزَّائِدَ على المُعتادِ لِلتَّسمينِ يَدخُلُ، وتَدخُلُ أُجرةُ الطَّبيبِ إنِ اشتَراه مَريضًا، فإنْ حدَث المَرَضُ عندَه فكالنَّفَقةِ، ويَقولُ في كلِّ هذا: قامَ علَيَّ بكذا، ولا يَقولُ: اشتَرَيتُ بكذا، أو ثَمَنُه كذا، لأنَّ ذلك كَذِبٌ.
لكنْ لو قَصَّرَ الثَّوبَ بنَفْسِه، أو كالَ أو حَمَلَ أو تَطوَّعَ به شَخصٌ، أو طَيَّنَ الدَّارَ بنَفْسِه، لَم تَدخُلْ أُجرَتُه فيه؛ لأنَّ السِّلعةَ إنَّما تُعَدُّ قائِمةً عليه بما بَذَلَ، وكذا لو كانَ البَيتُ مِلكَه أو تَبرَّعَ أجنَبيٌّ بالعَمَلِ، أو بإعارةِ البَيتِ، فإنْ أرادَ استِدراكَ ذلك فطَريقُه أنْ يَقولَ: اشتَرَيتُ، أو قامَ علَيَّ بكذا وعَمِلتُ فيه ما أُجرَتُه كذا، وقد بِعتُكَه بهما وبرِبحِ كذا (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا عَمِلَ المُشتَري فيها عَمَلًا مثلَ أنْ يُقصِّرَها أو يَرِفَّها أو يُجمِّلَها أو يَخيطَها، فهذه مَتَى أرادَ أنْ يَبيعَها مُرابَحةً أخبَرَ بالحالِ على وَجْهِه، سَواءٌ عَمِلَ ذلك بنَفْسِه أو استَأجَرَ مَنْ عَمِلَه، هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قالَ: يُبيِّنُ ما اشتَراه وما لزِمه، ولا يَجوزُ أنْ يَقولَ تَحصَّلتْ علَيَّ بكذا؛
стр. 4021
لأنَّه تَغريرٌ بالمُشتَري؛ فإنَّه عَسَى أنْ لو عَلِمَ أنَّ بَعضَ ما تَحلَّتْ به لِأجْلِ الصِّناعةِ لا يَرغَبُ فيه؛ لعَدمِ رَغبَتِه في ذلك، فأشبَهَ ما يَنقُصُه الحَيَوانُ في مُؤنَتِه وكِسوَتِه، وعلى المُبتاعِ في خَزنِه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ أنْ يَجوزَ فيما استَأجَرَ عليه أنْ يَضُمَّ الأُجرةَ إلى الثَّمنِ ويَقولَ: تَحصَّلتْ علَيَّ بكذا؛ لأنَّه صادِقٌ، وبه قالَ الشَّعبيُّ والحَكَمُ والشافِعيُّ.
فأمَّا الأدويةُ والمُؤنةُ والكِسوةُ وعَمَلُه في السِّلعةِ بنَفْسِه أو عَمَلِ غيرِه له بغيرِ أجْرِه، فإنَّه لا يُخبِرُ بذلك في الثَّمنِ وَجهًا واحِدًا، وإنْ أخبَرَ بالحالِ على وَجْهِه فحَسَنٌ (١).
ما يَجِبُ بَيانُه في المُرابَحةِ وأخَواتِها وما لا يَجِبُ:
وأمَّا بَيانُ ما يَجِبُ بَيانُه في المُرابَحةِ وما لا يَجِبُ فالأصلُ فيه أنَّ بَيعَ المُرابَحةِ والتَّوليةِ بَيعُ أمانةٍ؛ لأنَّ المُشتَريَ ائتَمَنَ البائِعَ في إخبارِه عن الثَّمنِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ بَيِّنةٍ ولا استِحلافٍ فتَجِبُ صيانَتُها عن الخيانةِ وعَن سَبَبِ الخيانةِ والتُّهمةِ؛ لأنَّ التَّحرُّزَ عن ذلك كُلِّه واجِبٌ ما أمكَنَ، قالَ اللَّهُ وعَزَّ شَأنُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ غَشَّنا فليسَ مِنَّا» (٢)، والِاحتِرازُ عن الخيانةِ وعن شُبهةِ الخيانةِ والتُّهمةِ إنَّما
стр. 4022
يَحصُلُ ببَيانِ ما يَجِبُ بَيانُه، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ ما يَجِبُ بَيانُه وما لا يَجِبُ، فهو على التَّفصيلِ الآتي:
قالَ الحَنفيَّةُ:
١ - إذا حدَث بالسِّلعةِ عَيبٌ في يَدِ البائِعِ أو في يَدِ المُشتَري فأرادَ أنْ يَبيعَها مُرابَحةً يُنظَرُ إنْ حدَث بفِعلِه أو بفِعلِ أجنَبيٍّ لَم يَبِعْه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ بالإجماعِ.
وَإنْ حدَث بآفةٍ سَماويَّةٍ فله أنْ يَبيعَها مُرابَحةً بجَميعِ الثَّمنِ مِنْ غيرِ بَيانٍ.
٢ - لو حدَث مِنْ المَبيعِ زيادةٌ، كالوَلَدِ والثَّمرةِ والصُّوفِ واللَّبَنِ والعَقرِ، لَم يَبِعْه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ؛ لأنَّ الزِّيادةَ المُتولِّدةَ مِنْ المَبيعِ مَبيعةٌ حتى تَمنَعَ الرَّدَّ بالعَيبِ، وإن لَم يَكُنْ لَها حِصَّةٌ مِنْ الثَّمنِ لِلحالِ، فهذا حَبَسَ بَعضَ المَبيعِ وباعَ البَقيَّةَ، فلا يَجوزُ مِنْ غيرِ بَيانٍ.
وكذا لو هلَك بفِعلِه أو بفِعلِ أجنَبيٍّ ووجَب الأرشُ؛ لأنَّه صارَ مَبيعًا مَقصودًا يُقابِلُه الثَّمنُ.
ولو هلَك بآفةٍ سَماويَّةٍ فله أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ.
ولو استَغَلَّ الوَلَدَ والأرضَ جازَ له أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ لأنَّ الزِّيادةَ التي ليسَتْ مُتولِّدةً مِنْ المَبيعِ لا تَكونُ مَبيعةً بالإجماعِ، ولِهذا لا يَمنَعُ الرَّدَّ بالعَيبِ، فلَم يَكُنْ ببَيعِ الدَّارِ أو الأرضِ حابِسًا جُزءًا مِنْ المَبيعِ، فكانَ له أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ.
стр. 4023
ولو اشتَرَى شَيئًا نَسيئةً لَم يَبِعْه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ؛ لأنَّ لِلأجَلِ شُبهةَ المَبيعِ، وإنْ لَم يَكُنْ مَبيعًا حَقيقةً؛ لأنَّه مَرغوبٌ فيه، ألَا تَرَى أنَّ الثَّمنَ قد يُزادُ لِمَكانِ الأجَلِ؟ فكانَ له شُبهةٌ أنْ يُقابِلَه شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ فيَصيرَ كأنَّه اشتَرَى شَيئَيْنِ ثم باعَ أحَدَهما مُرابَحةً على ثَمَنِ الكُلِّ؛ لأنَّ الشُّبهةَ مُلحَقةٌ بالحَقيقةِ في هذا البابِ، فيَجِبُ التَّحرُّزُ عنها بالبَيانِ.
ولو اشتَرَى مِنْ إنسانٍ شَيئًا بدَيْنٍ له عليه فله أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ، ولو أخَذ شَيئًا صُلحًا مِنْ دَيْنٍ له على إنسانٍ لا يَبيعُه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ.
ولو اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةِ دَراهِمَ، ورَقَمَه اثنَيْ عشَرَ، فباعَه مُرابَحةً على الرَّقمِ مِنْ غيرِ بَيانٍ، جازَ إذا كانَ الرَّقمُ مَعلومًا، والرِّبحُ مَعلومًا، ولا يَكونُ خيانةً؛ لأنَّه صادِقٌ، لكنْ لا يَقُلِ: اشتَرَيتُه بكذا؛ لأنَّه يَكونُ كاذِبًا فيه.
ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنَّ المُشتَريَ إذا كانَ لا يَعلَمُ عادةَ التُّجَّارِ وعندَه أنَّ الرَّقمَ هو الثَّمنُ، لَم يَبِعْه مُرابَحةً على ذلك مِنْ غيرِ بَيانٍ.
وكذلك لو وَرِثَ مالًا فرَقَمَه ثم باعَه مُرابَحةً على رَقمِه يَجوزُ؛ لِمَا قُلنا.
ولو اشتَرَى شَيئًا ثم باعَه برِبحٍ ثم اشتَراه فأرادَ أنْ يَبيعَه مُرابَحةً فإنَّه يَطرَحُ كُلَّ رِبحٍ كانَ قبلَ ذلك فيَبيعُه مُرابَحةً على ما يَبقَى مِنْ رَأسِ المالِ بعدَ الطَّرحِ، فإنْ لَم يَبقَ مِنه شَيءٌ بأنِ استَغرَقَ الرِّبحُ الثَّمنَ لَم يَبِعْه مُرابَحةً، وهذا عندَ أبي حَنيفةَ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: يَبيعُه مُرابَحةً على الثَّمنِ الأخيرِ مِنْ غيرِ بَيانٍ، ولا عِبرةَ بالعُقودِ المُتقدِّمةِ، رَبِحَ فيها أو خسِر.
стр. 4024
وبَيانُ ذلك إذا اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةٍ فباعَه بخَمسةَ عشَرَ ثم اشتَراه بعَشَرةٍ فإنَّه يَبيعُه مُرابَحةً على خَمسةٍ عندَه، وعندَهما على عَشَرةٍ، ولو باعَه بعِشرينَ، ثم اشتَراه بعَشَرةٍ لَم يَبِعْه مُرابَحةً أصلًا، وعندَهما يَبيعُه مُرابَحةً على عَشَرةٍ.
وَجْهُ قَولِهما: أنَّ العُقودَ المُتقدِّمةَ لا عِبرةَ بها؛ لأنَّها ذَهَبتْ وتَلاشَتْ بنَفْسِها وحُكمِها؛ فأمَّا العَقدُ الأخيرُ فحُكمُه قائِمٌ، وهو المِلْكُ، فكانَ هذا المُعتبَرَ، ويَبيعُه مُرابَحةً على الثَّمنِ الأخيرِ.
ولِأبي حَنيفةَ أنَّ الشِّراءَ الأخيرَ كما أوجَبَ مِلْكَ الثَّوبِ، فقد أكَّدَ الرِّبحَ وهو خَمسةٌ؛ لأنَّه كانَ يَحتمِلُ البُطلانَ بالرَّدِّ بالعَيبِ أو بغيرِه مِنْ أسبابِ الفَسخِ، فإذا اشتَرَى فقد خرَج عن احتِمالِ البُطلانِ، فتَأكَّدَ، ولِلتَّأكُّدِ شُبهةُ الإثباتِ، فكانَ مُشتَريًا لِلثَّوبِ وخَمسةِ الرِّبحِ بعَشَرةٍ مِنْ وَجْهٍ، فكانَ فيه شُبهةُ أنَّه اشتَرَى شَيئَيْنِ ثم باعَ أحَدَهما مُرابَحةً على ثَمَنِ الكُلِّ، وذا لا يَجوزُ مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ لأنَّ الشُّبهةَ في هذا البابِ لَها حُكمُ الحَقيقةِ، ألَا تَرَى أنَّه لو اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةٍ نَسيئةً ثم أرادَ أنْ يَبيعَه مُرابَحةً على عَشَرةٍ نَقدًا لَم يَبِعْه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ، احتِرازًا عن الشُّبهةِ؛ لأنَّ لِلأجَلِ شُبهةَ أنْ يُقابِلَه الثَّمنُ، على ما مَرَّ، فوجَب التَّحرُّزُ عنه بالبَيانِ، كذا هذا، فإذا باعَه بعِشرينَ ثم اشتَراه بعَشَرةٍ صارَ كأنَّه اشتَرَى ثَوبًا وعَشَرةً بعَشَرةٍ، ويَكونُ العَشَرةُ بالعَشَرةِ، ويَبقَى الثَّوبُ خاليًا عن العِوَضِ في عَقدِ المُعاوَضةِ فيَتمكَّنُ فيه شُبهةُ الرِّبا، فلَم يَبِعْه مُرابَحةً.
стр. 4025
ولو اشتَرَى مِمَّنْ لا تَجوزُ شَهادَتُه له كالوالِدَيْنِ والمَولودينَ والزَّوجِ والزَّوجةِ لَم يَجُزْ له أنْ يَبيعَه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ تُهمةَ المُسامَحةِ في الشِّراءِ الأوَّلِ قائِمةٌ؛ لأنَّ الناسَ في العاداتِ لا يُماكِسونَ في الشِّراءِ مِنْ هؤلاء، فكانَتِ التُّهمةُ -وهي الشِّراءُ بزيادةِ الثَّمنِ- قائِمةً، فلا بدَّ مِنْ البَيانِ؛ ولأنَّ لِلشِّراءِ مِنْ هؤلاء شُبهةَ عَدَمِ الصِّحَّةِ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَبيعُ بمالِ صاحِبِه عادةً، ولِهذا لا تُقبَلُ شَهادةُ أحَدِهما لِصاحِبِه؛ لِكَونِها شَهادةً لِنَفْسِه مِنْ وَجْهٍ، فكانَ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما بعدَ البَيعِ والشِّراءِ قائِمًا مَعنًى، فكانَ لِهذا الشِّراءِ شُبهةُ عَدَمِ الصِّحَّةِ، والشُّبهةُ في هذا البابِ مُلحَقةٌ بالحَقيقةِ، فتُؤثِّرُ في المُرابَحةِ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: له ذلك مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ لأنَّه لا خَلَلَ في الشِّراءِ الأوَّلِ؛ لأنَّ مِلكَ كلِّ واحِدٍ منهما مُمتازٌ عن مِلكِ صاحِبِه، مُنفصِلٌ عنه، فصَحَّ الشِّراءُ الأوَّلُ، فلا يَجِبُ البَيانُ، كما إذا اشتَرَى مِنْ الأجنَبيِّ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: يَجِبُ على البائِعِ عندَ العَقدِ ما يَلي:
١ - تَبيينُ ما يَكرَهُ المُشتَري في ذاتِ المَبيعِ، كأنْ يَكونَ الثَّوبُ مُحرِقًا، أو الحَيَوانُ مَقطوعَ العُضوِ، أو في صِفَتِه، ككَونِ العَبدِ يَأبَقُ أو يَسرِقُ، وهذا ليسَ خاصًّا بالمُرابَحةِ، بَلْ هو كذلك في كلِّ بَيعٍ.
٢ - وتَبيينُ ما نقَده وعقَده، أي: عقَد عليه إنِ اختلَف النَّقدُ والعَقدُ؛ فقد يُعقَدُ على دَنانيرَ ويَنقُدُ عنها دَراهِمَ أو عَرضًا، فإذا اشتَرَى بذَهَبٍ ونَقدَ فِضَّةً
стр. 4026
أو بالعَكسِ أو أحَدَهما ونقَد عَرضًا أو عَكسَه وباعَ مُرابَحةً على ما عقَد، وجَب بَيانُ ما نقَده، فلا يَبِعْ على ما نقَد حتى يُبيِّنَ، وإنْ باعَ على ما نقَد فلا بدَّ مِنْ بَيانِ ما نقَد، وأمَّا إنْ نقَد ما عقَد عليه فلا يَحتاجُ لِبَيانٍ، فإنْ لَم يُبَيِّنْ فإنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا خُيِّرَ المُشتَري بينَ رَدِّه وبينَ التَّمسُّكِ به بما نقَده، وهو مِنْ الثَّمنِ، وإنْ فاتَ المَبيعُ عندَ المُشتَري لزِمه الأقَلُّ ممَّا عقَد عليه البائِعُ وما نقَده.
٣ - تَبيينُ الأجَلِ الذي اشتَراه إليه، أو الذي اتَّفَقا عليه بعدَ العَقدِ؛ لأنَّ الأجَلَ يَقِلُّ ويَكثُرُ، ولا بدَّ مِنْ بَيانِ قَدْرِه؛ لأنَّ له حِصَّةً مِنْ الثَّمنِ، فإنْ ترَك بَيانَ الأجَلِ كانَ غِشًّا، فيُخَيَّرُ المُشتَري بينَ الرَّدِّ والإمضاءِ بما دَفَعَه مِنْ الثَّمنِ مع قيامِ السِّلعةِ، وأمَّا مع فَواتِها فيَلزَمُه الأقَلُّ مِنْ القيمةِ والثَّمنِ الذي اشتَراها به.
٤ - وتَبيينُ طُولِ زَمانِ مُكثِ المَبيعِ عندَه ولو عَقارًا؛ لأنَّ الناسَ يَرغَبونَ في الذي لَم يَتقادَمْ عَهدُه في أيديهم، وأمَّا لو مَكَثَ عندَه مُدَّةً يَسيرةً وأرادَ البَيعَ مُرابَحةً فلا يَجِبُ البَيانُ، فإنْ مَكَثَ عندَه كَثيرًا وباعَ مُرابَحةً ولَم يُبيِّنْ، كانَ غاشًّا فيُخيَّرُ المُشتَري بينَ الرَّدِّ والتَّماسُكِ بجَميعِ الثَّمنِ إنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا، فإنْ فاتَ لزِمه الأقَلُّ مِنْ الثَّمنِ والقيمةِ.
٥ - تَبيينُ التَّجاوُزِ عن زَيفٍ أو نَقصٍ مِنْ الثَّمنِ، أي: رِضا بائِعِه بما وجَده في الثَّمنِ مِنْ ذلك، فمَن باعَ مُرابَحةً وجَب عليه أنْ يُبيِّنَ ما تَجاوَزَ عنه مِنْ الزائِفِ أو الرَّدئِ عندَ العَقدِ، وما حُطَّ عنه مِنْ الثَّمنِ، أو مُسامَحةِ البائِعِ
стр. 4027
فيه إذا كانَتِ الحَطيطةُ ممَّا يُشبِهُ حَطيطةَ البَيعِ، فإنْ لَم يُبيِّنْ فكَذَبَ فإنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً فإنَّ البَيعَ يَلزَمُ إنْ حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري الزَّائِدَ ورِبْحَه، فإنْ لَم يَحُطَّ عنه خُيِّرَ المُشتَري في الرَّدِّ والإمضاءِ بما دَفَعَه مِنْ الثَّمنِ، وإنْ فاتَتِ السِّلعةُ خُيِّرَ المُشتَري في دَفعِ الثَّمنِ الصَّحيحِ أو القِيمةِ ما لَم تَزِدْ على الكَذِبِ.
٦ - ووجَب بَيانُ هِبةٍ لِبَعضِ الثَّمنِ إنِ اعتيدَتْ بينَ الناسِ، بأنْ تُشبِهَ عَطيةَ الناسِ، فإنْ لَم تُعتَدْ أو وهَب له جَميعَ الثَّمنِ قبلَ النَّقدِ أو بعدَه لَم يَجِبِ البَيانُ، فإنْ ترَك البَيانَ فكَذَبَ فإنْ كانَتْ قائِمةً وحَطَّ البائِعُ عن المُشتَري ما وهَب له مِنْ الثَّمنِ ورِبْحَه، لزِم البَيعُ، فإنْ فاتَتْ عندَ المُشتَري خُيِّرَ في دَفعِ القيمةِ أو الثَّمنِ الصَّحيحِ ورِبحِه ما لَم تَزِدِ القيمةُ على الكَذِبِ ورِبحِه.
٧ - تَبيينُ أنَّها ليسَتْ بَلَديَّةً إنْ كانَتِ الرَّغبةُ في البَلَديَّةِ أكثَرَ، وكذا عَكسُه إنْ كانَتِ الرَّغبةُ في غيرِها أكثَرَ، أو أنَّها مِنْ التَّرِكةِ، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ كَونِها مِنْ سِلَعِ المِيراثِ؛ لأنَّ الناسَ كَثيرًا ما يَمتنِعونَ مِنْ الشِّراءِ في مِثلِ ذلك؛ فإنْ ذكَر لِلمُشتَري ودخَل عليه فلا كَلامَ، وإنْ لَم يُبيِّنْه كانَ غِشًّا فيُخيَّرُ المُشتَري بينَ الرَّدِّ والتَّماسُكِ بما نقَد مِنْ الثَّمنِ إنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا، فإنْ فاتَ لزِمه بالأقَلِّ مِنْ الثَّمنِ والقيمةِ.
٨ - تَبيينُ الرُّكوبِ وتَبيينُ اللُّبسِ، بأنْ يُبيِّنَ أنَّه رَكِبَ الدَّابَّةَ ولَبِسَ الثَّوبَ إذا كانا مُنقَصَيْنِ؛ فإنْ ترَك بَيانَ الرُّكوبِ واللُّبسِ كانَ كَذِبًا (١).
стр. 4028
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَجِبُ على البائِعِ ما يَلي:
١ - أنْ يَصدُقَ البائِعُ في قَدْرِ الثَّمنِ الذي استَقَرَّ عليه العَقدُ، أو ما قامَ به المَبيعُ عليه فيما إذا أخبَرَ بذلك في بَيعِ المُرابَحةِ وفي صِفَتِه، كصِحَّةٍ وتَكسُّرٍ وخُلوصٍ وغِشٍّ.
٢ - أنْ يَصدُقَ في الأجَلِ؛ لأنَّ بَيعَ المُرابَحةِ مَبنيٌّ على الأمانةِ؛ لِاعتِمادِ المُشتَري نَظَرَ البائِعِ ورِضاه لِنَفْسِه ما رَضيَه البائِعُ مع زيادةٍ أوسَطَ، ولأنَّ الأجَلَ يُقابِلُه قِسطٌ مِنْ الثَّمنِ.
ولو واطَأ صاحِبُه فباعَه ما اشتَراه بعَشَرةٍ ثم اشتَراه مِنه بعِشرينَ لِيُخبِرَ به في المُرابَحةِ كُرِهَ ويثبُتُ الخيارُ.
ولو اشتَرَى شَيئًا بمِئةٍ ثم خرَج عن مِلكِه واشتَراه بخَمسينَ، وجَب الإخبارُ بالخَمسينَ.
٣ - ويَجِبُ أنْ يَصدُقَ في الشِّراءِ بالعَرضِ، فيَذكُرَ أنَّه اشتَراه بعَرضٍ قيمَتُه كذا، ولا يَقتصِرَ على ذِكرِ القيمةِ؛ لأنَّ البائِعَ بالعَرضِ يُشدِّدُ فَوقَ ما يُشدِّدُ البائِعُ بالنَّقدِ، وسَواءٌ في ذلك باعَه مُرابَحةً بلَفظِ الشِّراءِ أو بلَفظِ القيامِ.
وإنِ اشتَراه بدَيْنٍ على البائِعِ فإنْ كانَ مَليئًا غيرَ مُماطِلٍ، لَم يَجِبِ الإخبارُ به، وإنْ كانَ مُماطِلًا وجَب.
стр. 4029
والمُرادُ بالعَرضِ هُنا المُتقوَّمُ، فالمِثليُّ يَجوزُ البَيعُ به مُرابَحةً، وإنْ لَم يُخبِرْ بقيمَتِه.
٤ - بَيانُ العَيبِ القَديمِ الحادِثِ عندَه بآفةٍ أو جِنايةٍ تَنْقُصُ القيمةَ أو العَينَ لأنَّ الغَرَضَ يَختلِفُ بذلك، ولأنَّ الحادِثَ يَنقُصُ به المَبيعُ ولا يَكفي فيه تَبيينُ العَيبِ فَقط، لِيُوهِمَ المُشتَريَ بأنَّه كانَ عندَ الشِّراءِ كذلك، وأنَّ الثَّمنَ المَبذولَ كانَ في مُقابَلَتِه مع العَيبِ.
ولو كانَ به عَيبٌ قَديمٌ ثم اطَّلَعَ عليه بعدَ الشِّراءِ أو رَضيَ به وجَب بَيانُه أيضًا، وبَيانُ أنَّه اشتَراه مِنْ طِفلِه أو بدَيْنِ مُماطِلٍ أو مُعسِرٍ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَختلِفُ بذلك.
ولو أخَذ أرشَ عَيبٍ وباعَ بلَفظٍ قامَ على حَطِّ الأرشِ أو بلَفظِ: ما اشتَرَيتُ، ذكَر صورةَ ما جَرى به العَقدُ مع العَيبِ، وأخَذ الأرشَ؛ لأنَّ الأرشَ المَأخوذَ جُزءٌ مِنْ الثَّمنِ.
٥ - ولو اشتَرَى بغَبنٍ وجَب الإخبارُ به (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنِ اشتَرَى شَيئَيْنِ صَفقةً واحِدةً ثم أرادَ بَيعَ أحَدِهما مُرابَحةً أو اشتَرَى اثنانِ شَيئًا فتَقاسَماه، وأرادَ أحَدُهما بَيعَ نُصيبِه مُرابَحةً بالثَّمنِ الذي أدَّاه فيه فذلك قِسمانِ:
стр. 4030
أحَدُهما: أنْ يَكونَ البَيعُ مِنْ المُتقوَّماتِ التي لا يَنقسِمُ الثَّمنُ عليها بالأجزاءِ كالثيابِ والحَيَوانِ والشَّجَرةِ المُثمِرةِ، وأشباهِ هذا، فهذا لا يَجوزُ بَيعُ بَعضِه مُرابَحةً حتى يُخبِرَ بالحالِ على وَجهِه نصَّ عليه أحمدُ، فقالَ: كلُّ بَيعٍ اشتَراه جَماعةٌ ثم اقتَسَموه لا يَبيعُ أحَدُهم مُرابَحةً إلَّا أنْ يَقولَ: اشتَرَيناه جَماعةً ثم اقتَسَمناه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا مَذهبُ الثَّوريِّ وإسحاقَ وأصحابِ الرَّأيِ، وقالَ الشافِعيُّ: يَجوزُ بَيعُه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ لأنَّ الثَّمنَ يَنقسِمُ على المَبيعِ على قَدْرِ قيمَتِه، بدَليلِ ما لو كانَ المَبيعُ شِقصًا وسَيفًا أخَذ الشَّفيعُ الشِّقصَ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ.
ولو اشتَرَى شَيئَيْنِ فوجَد أحَدَهما مَعيبًا رَدَّه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، وذكَر ابنُ أبي موسى فيما اشتَراه اثنانِ فتَقاسَماه رِوايةً أُخرَى عن أحمدَ أنَّه يَجوزُ مُرابَحةً بما اشتَراه؛ لأنَّ ذلك ثَمَنُه، فهو صادِقٌ فيما أخبَرَ به.
القِسمُ الثاني: أنْ يَكونَ المَبيعُ مِنْ المُتماثِلاتِ التي يَنقسِمُ الثَّمنُ عليها بالأجزاءِ، كالبُرِّ والشَّعيرِ المُتساوي، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِه مُرابَحةً بقِسطِه مِنْ الثَّمنِ، وبِهذا قالَ أبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ثَمَنَ الجُزءِ مَعلومٌ يَقينًا، ولِذلك جازَ بَيعُ قَفيزٍ مِنْ الصُّبرةِ.
وإنْ أسلَمَ في ثَوبَيْنِ بصِفةٍ واحِدةٍ فأخَذهما على الصِّفةِ وأرادَ بَيعَ أحَدِهما مُرابَحةً بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ فالقياسُ جَوازُه؛ لأنَّ الثَّمنَ يَنقسِمُ عليهما نِصفَيْنِ، لا باعتِبارِ القيمةِ، وكذلك لو أقالَه في أحَدِهما، أو تَعذَّرَ تَسليمُه، كانَ له نِصفُ الثَّمنِ مِنْ غيرِ اعتِبارِ قيمةِ المَأخوذِ منهما، فكأنَّه أخَذ