أو بالعَكسِ أو أحَدَهما ونقَد عَرضًا أو عَكسَه وباعَ مُرابَحةً على ما عقَد، وجَب بَيانُ ما نقَده، فلا يَبِعْ على ما نقَد حتى يُبيِّنَ، وإنْ باعَ على ما نقَد فلا بدَّ مِنْ بَيانِ ما نقَد، وأمَّا إنْ نقَد ما عقَد عليه فلا يَحتاجُ لِبَيانٍ، فإنْ لَم يُبَيِّنْ فإنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا خُيِّرَ المُشتَري بينَ رَدِّه وبينَ التَّمسُّكِ به بما نقَده، وهو مِنْ الثَّمنِ، وإنْ فاتَ المَبيعُ عندَ المُشتَري لزِمه الأقَلُّ ممَّا عقَد عليه البائِعُ وما نقَده.
٣ - تَبيينُ الأجَلِ الذي اشتَراه إليه، أو الذي اتَّفَقا عليه بعدَ العَقدِ؛ لأنَّ الأجَلَ يَقِلُّ ويَكثُرُ، ولا بدَّ مِنْ بَيانِ قَدْرِه؛ لأنَّ له حِصَّةً مِنْ الثَّمنِ، فإنْ ترَك بَيانَ الأجَلِ كانَ غِشًّا، فيُخَيَّرُ المُشتَري بينَ الرَّدِّ والإمضاءِ بما دَفَعَه مِنْ الثَّمنِ مع قيامِ السِّلعةِ، وأمَّا مع فَواتِها فيَلزَمُه الأقَلُّ مِنْ القيمةِ والثَّمنِ الذي اشتَراها به.
٤ - وتَبيينُ طُولِ زَمانِ مُكثِ المَبيعِ عندَه ولو عَقارًا؛ لأنَّ الناسَ يَرغَبونَ في الذي لَم يَتقادَمْ عَهدُه في أيديهم، وأمَّا لو مَكَثَ عندَه مُدَّةً يَسيرةً وأرادَ البَيعَ مُرابَحةً فلا يَجِبُ البَيانُ، فإنْ مَكَثَ عندَه كَثيرًا وباعَ مُرابَحةً ولَم يُبيِّنْ، كانَ غاشًّا فيُخيَّرُ المُشتَري بينَ الرَّدِّ والتَّماسُكِ بجَميعِ الثَّمنِ إنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا، فإنْ فاتَ لزِمه الأقَلُّ مِنْ الثَّمنِ والقيمةِ.
٥ - تَبيينُ التَّجاوُزِ عن زَيفٍ أو نَقصٍ مِنْ الثَّمنِ، أي: رِضا بائِعِه بما وجَده في الثَّمنِ مِنْ ذلك، فمَن باعَ مُرابَحةً وجَب عليه أنْ يُبيِّنَ ما تَجاوَزَ عنه مِنْ الزائِفِ أو الرَّدئِ عندَ العَقدِ، وما حُطَّ عنه مِنْ الثَّمنِ، أو مُسامَحةِ البائِعِ
стр. 4027
فيه إذا كانَتِ الحَطيطةُ ممَّا يُشبِهُ حَطيطةَ البَيعِ، فإنْ لَم يُبيِّنْ فكَذَبَ فإنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً فإنَّ البَيعَ يَلزَمُ إنْ حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري الزَّائِدَ ورِبْحَه، فإنْ لَم يَحُطَّ عنه خُيِّرَ المُشتَري في الرَّدِّ والإمضاءِ بما دَفَعَه مِنْ الثَّمنِ، وإنْ فاتَتِ السِّلعةُ خُيِّرَ المُشتَري في دَفعِ الثَّمنِ الصَّحيحِ أو القِيمةِ ما لَم تَزِدْ على الكَذِبِ.
٦ - ووجَب بَيانُ هِبةٍ لِبَعضِ الثَّمنِ إنِ اعتيدَتْ بينَ الناسِ، بأنْ تُشبِهَ عَطيةَ الناسِ، فإنْ لَم تُعتَدْ أو وهَب له جَميعَ الثَّمنِ قبلَ النَّقدِ أو بعدَه لَم يَجِبِ البَيانُ، فإنْ ترَك البَيانَ فكَذَبَ فإنْ كانَتْ قائِمةً وحَطَّ البائِعُ عن المُشتَري ما وهَب له مِنْ الثَّمنِ ورِبْحَه، لزِم البَيعُ، فإنْ فاتَتْ عندَ المُشتَري خُيِّرَ في دَفعِ القيمةِ أو الثَّمنِ الصَّحيحِ ورِبحِه ما لَم تَزِدِ القيمةُ على الكَذِبِ ورِبحِه.
٧ - تَبيينُ أنَّها ليسَتْ بَلَديَّةً إنْ كانَتِ الرَّغبةُ في البَلَديَّةِ أكثَرَ، وكذا عَكسُه إنْ كانَتِ الرَّغبةُ في غيرِها أكثَرَ، أو أنَّها مِنْ التَّرِكةِ، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ كَونِها مِنْ سِلَعِ المِيراثِ؛ لأنَّ الناسَ كَثيرًا ما يَمتنِعونَ مِنْ الشِّراءِ في مِثلِ ذلك؛ فإنْ ذكَر لِلمُشتَري ودخَل عليه فلا كَلامَ، وإنْ لَم يُبيِّنْه كانَ غِشًّا فيُخيَّرُ المُشتَري بينَ الرَّدِّ والتَّماسُكِ بما نقَد مِنْ الثَّمنِ إنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا، فإنْ فاتَ لزِمه بالأقَلِّ مِنْ الثَّمنِ والقيمةِ.
٨ - تَبيينُ الرُّكوبِ وتَبيينُ اللُّبسِ، بأنْ يُبيِّنَ أنَّه رَكِبَ الدَّابَّةَ ولَبِسَ الثَّوبَ إذا كانا مُنقَصَيْنِ؛ فإنْ ترَك بَيانَ الرُّكوبِ واللُّبسِ كانَ كَذِبًا (١).
стр. 4028
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَجِبُ على البائِعِ ما يَلي:
١ - أنْ يَصدُقَ البائِعُ في قَدْرِ الثَّمنِ الذي استَقَرَّ عليه العَقدُ، أو ما قامَ به المَبيعُ عليه فيما إذا أخبَرَ بذلك في بَيعِ المُرابَحةِ وفي صِفَتِه، كصِحَّةٍ وتَكسُّرٍ وخُلوصٍ وغِشٍّ.
٢ - أنْ يَصدُقَ في الأجَلِ؛ لأنَّ بَيعَ المُرابَحةِ مَبنيٌّ على الأمانةِ؛ لِاعتِمادِ المُشتَري نَظَرَ البائِعِ ورِضاه لِنَفْسِه ما رَضيَه البائِعُ مع زيادةٍ أوسَطَ، ولأنَّ الأجَلَ يُقابِلُه قِسطٌ مِنْ الثَّمنِ.
ولو واطَأ صاحِبُه فباعَه ما اشتَراه بعَشَرةٍ ثم اشتَراه مِنه بعِشرينَ لِيُخبِرَ به في المُرابَحةِ كُرِهَ ويثبُتُ الخيارُ.
ولو اشتَرَى شَيئًا بمِئةٍ ثم خرَج عن مِلكِه واشتَراه بخَمسينَ، وجَب الإخبارُ بالخَمسينَ.
٣ - ويَجِبُ أنْ يَصدُقَ في الشِّراءِ بالعَرضِ، فيَذكُرَ أنَّه اشتَراه بعَرضٍ قيمَتُه كذا، ولا يَقتصِرَ على ذِكرِ القيمةِ؛ لأنَّ البائِعَ بالعَرضِ يُشدِّدُ فَوقَ ما يُشدِّدُ البائِعُ بالنَّقدِ، وسَواءٌ في ذلك باعَه مُرابَحةً بلَفظِ الشِّراءِ أو بلَفظِ القيامِ.
وإنِ اشتَراه بدَيْنٍ على البائِعِ فإنْ كانَ مَليئًا غيرَ مُماطِلٍ، لَم يَجِبِ الإخبارُ به، وإنْ كانَ مُماطِلًا وجَب.
стр. 4029
والمُرادُ بالعَرضِ هُنا المُتقوَّمُ، فالمِثليُّ يَجوزُ البَيعُ به مُرابَحةً، وإنْ لَم يُخبِرْ بقيمَتِه.
٤ - بَيانُ العَيبِ القَديمِ الحادِثِ عندَه بآفةٍ أو جِنايةٍ تَنْقُصُ القيمةَ أو العَينَ لأنَّ الغَرَضَ يَختلِفُ بذلك، ولأنَّ الحادِثَ يَنقُصُ به المَبيعُ ولا يَكفي فيه تَبيينُ العَيبِ فَقط، لِيُوهِمَ المُشتَريَ بأنَّه كانَ عندَ الشِّراءِ كذلك، وأنَّ الثَّمنَ المَبذولَ كانَ في مُقابَلَتِه مع العَيبِ.
ولو كانَ به عَيبٌ قَديمٌ ثم اطَّلَعَ عليه بعدَ الشِّراءِ أو رَضيَ به وجَب بَيانُه أيضًا، وبَيانُ أنَّه اشتَراه مِنْ طِفلِه أو بدَيْنِ مُماطِلٍ أو مُعسِرٍ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَختلِفُ بذلك.
ولو أخَذ أرشَ عَيبٍ وباعَ بلَفظٍ قامَ على حَطِّ الأرشِ أو بلَفظِ: ما اشتَرَيتُ، ذكَر صورةَ ما جَرى به العَقدُ مع العَيبِ، وأخَذ الأرشَ؛ لأنَّ الأرشَ المَأخوذَ جُزءٌ مِنْ الثَّمنِ.
٥ - ولو اشتَرَى بغَبنٍ وجَب الإخبارُ به (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنِ اشتَرَى شَيئَيْنِ صَفقةً واحِدةً ثم أرادَ بَيعَ أحَدِهما مُرابَحةً أو اشتَرَى اثنانِ شَيئًا فتَقاسَماه، وأرادَ أحَدُهما بَيعَ نُصيبِه مُرابَحةً بالثَّمنِ الذي أدَّاه فيه فذلك قِسمانِ:
стр. 4030
أحَدُهما: أنْ يَكونَ البَيعُ مِنْ المُتقوَّماتِ التي لا يَنقسِمُ الثَّمنُ عليها بالأجزاءِ كالثيابِ والحَيَوانِ والشَّجَرةِ المُثمِرةِ، وأشباهِ هذا، فهذا لا يَجوزُ بَيعُ بَعضِه مُرابَحةً حتى يُخبِرَ بالحالِ على وَجهِه نصَّ عليه أحمدُ، فقالَ: كلُّ بَيعٍ اشتَراه جَماعةٌ ثم اقتَسَموه لا يَبيعُ أحَدُهم مُرابَحةً إلَّا أنْ يَقولَ: اشتَرَيناه جَماعةً ثم اقتَسَمناه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا مَذهبُ الثَّوريِّ وإسحاقَ وأصحابِ الرَّأيِ، وقالَ الشافِعيُّ: يَجوزُ بَيعُه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ لأنَّ الثَّمنَ يَنقسِمُ على المَبيعِ على قَدْرِ قيمَتِه، بدَليلِ ما لو كانَ المَبيعُ شِقصًا وسَيفًا أخَذ الشَّفيعُ الشِّقصَ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ.
ولو اشتَرَى شَيئَيْنِ فوجَد أحَدَهما مَعيبًا رَدَّه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، وذكَر ابنُ أبي موسى فيما اشتَراه اثنانِ فتَقاسَماه رِوايةً أُخرَى عن أحمدَ أنَّه يَجوزُ مُرابَحةً بما اشتَراه؛ لأنَّ ذلك ثَمَنُه، فهو صادِقٌ فيما أخبَرَ به.
القِسمُ الثاني: أنْ يَكونَ المَبيعُ مِنْ المُتماثِلاتِ التي يَنقسِمُ الثَّمنُ عليها بالأجزاءِ، كالبُرِّ والشَّعيرِ المُتساوي، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِه مُرابَحةً بقِسطِه مِنْ الثَّمنِ، وبِهذا قالَ أبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ثَمَنَ الجُزءِ مَعلومٌ يَقينًا، ولِذلك جازَ بَيعُ قَفيزٍ مِنْ الصُّبرةِ.
وإنْ أسلَمَ في ثَوبَيْنِ بصِفةٍ واحِدةٍ فأخَذهما على الصِّفةِ وأرادَ بَيعَ أحَدِهما مُرابَحةً بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ فالقياسُ جَوازُه؛ لأنَّ الثَّمنَ يَنقسِمُ عليهما نِصفَيْنِ، لا باعتِبارِ القيمةِ، وكذلك لو أقالَه في أحَدِهما، أو تَعذَّرَ تَسليمُه، كانَ له نِصفُ الثَّمنِ مِنْ غيرِ اعتِبارِ قيمةِ المَأخوذِ منهما، فكأنَّه أخَذ
стр. 4031
كُلٌّ واحِدٍ منهما مُنفَرِدًا، ولأنَّ الثَّمنَ وقَع عليهما مُتَساويًا لِتَساوي صِفَتِهما في الذِّمَّةِ، فهُما كقَفيزَيْنِ مِنْ صُبرةٍ، وإن حصَل في أحَدِهما زيادةٌ على الصِّفةِ جَرَتْ مَجرَى الحادِثِ بعدَ البَيعِ.
وإنِ اشتَرَى شَيئًا بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ لَم يُجزِ بَيعُه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ ذلك، وإنِ اشتَراه مِنْ أبيه أو ابنِه أو مِمَّنْ لا تُقبَلُ شَهادَتُه له لَم يَجُزْ بَيعُه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ أمرَه، وبِهذا قالَ أبو حَنيفةَ.
وقالَ الشافِعيُّ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: يَجوزُ مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ لأنَّه أخبَرَ بما اشتَراه عَقدًا صَحيحًا، فأشبَهَ ما لو اشتَراه مِنْ أجنَبيٍّ.
ولنا: أنَّه مُتَّهمٌ في الشِّراءِ منهم؛ لِكَونِه يُحابيهم ويَسمَحُ لَهم، فلَم يَجُزْ أنْ يُخبِرَ بما اشتَراه منهم مُطلَقًا، كما لو اشتَرَى مِنْ مُكاتَبِه، وفارَقَ الأجنَبيَّ؛ فإنَّه لا يُتَّهمُ في حَقِّه، وقياسُهم بالشِّراءِ مِنْ مُكاتَبِه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له بَيعُ ما اشتَراه مِنْ مُكاتَبِه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ أمرَه، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا.
وإنِ اشتَراه مِنْ غُلامِ دُكَّانِه الحُرِّ، قالَ القاضي: إذا باعَه سِلعةً ثم اشتَراها منه بأكثَرَ مِنْ ذلك لَم يَجُزْ بَيعُه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ أمرَه، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا، ولأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّه، فأشبَهَ مَنْ لا تُقبَلُ شَهادَتُه له، وقالَ أبو الخطَّابِ: إنْ فعَل ذلك حِيلةً لَم يَجُزْ، وظاهِرُه الجَوازُ إذا لَم يَكُنْ حِيلةً، وهذا أصَحُّ؛ لأنَّه أجنَبيٌّ، لكنْ لا يَختَصُّ هذا بغُلامِ دُكَّانِه، بَلْ متى فَعلَ هذا على وَجهِ الحيلةِ لَم يَجُزْ، وكانَ حَرامًا وتَدليسًا على ما ذَكَرْنا مِنْ قَبلُ.
فإنِ اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةٍ ثم باعَه بخَمسةَ عشَرَ، ثم اشتَراه بعَشَرةٍ استُحِبَّ
стр. 4032
أنْ يُخبِرَ بالحالِ على وَجهِه، فإنْ أخبَرَ أنَّه اشتَراه بعَشَرةٍ ولَم يُبيِّنْ، جازَ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّه صادِقٌ فيما أخبَرَه به، وليسَ فيه تُهمةٌ، ولا تَغريرٌ بالمُشتَري، فأشبَهَ ما لو لَم يَربَحْ فيه، ورُويَ عن ابنِ سِيرينَ أنَّه يَطرَحُ الرِّبحَ مِنْ الثَّمنِ، ويُخبِرُ بأنَّ رَأسَ مالِه عليه خَمسةٌ، وأعجَبَ أحمدَ قَولُ ابنِ سِيرينَ، قالَ: فإنْ باعَه على ما اشتَراه يُبيِّنُ أمرَه، يَعني: يُخبِرُ بأنَّه رَبِحَ فيه مَرَّةً، ثم اشتَراه، وهذا مَحمولٌ على الِاستِحبابِ؛ لِمَا ذَكَرناه.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ بَيعُه مُرابَحةً إلَّا أنْ يُبيِّنَ أمرَه، أو يُخبِرَ بأنَّ رَأسَ مالِه عليه خَمسةٌ، وهذا قَولُ القاضي وأصحابِه؛ لأنَّ المُرابَحةَ تَضُمُّ فيها العُقودَ، فيُخبِرُ بما تَقومُ عليه، كما تَضُمُّ أُجرةَ الخَيَّاطِ والقَصَّارِ، وقد استَفادَ بهذا العَقدِ الثاني تَقريرَ الرِّبحِ في العَقدِ الأوَّلِ؛ لأنَّه أمِنَ أنْ يَرُدَّه عليه، ولأنَّ الرِّبحَ أحَدُ نَوعَيِ النَّماءِ، فوجَب أنْ يُخبِرَ به في المُرابَحةِ، كالوَلَدِ والثَّمرةِ، فعلى هذا يَنبَغي أنَّه إذا طرَح الرِّبحَ مِنْ الثَّمنِ الثاني أنْ يَقولَ: تَقومُ علَيَّ بخَمسةٍ، ولا يَجوزُ أنْ يَقولَ: اشتَرَيتُه بخَمسةٍ؛ لأنَّ ذلك كَذِبٌ، والكَذِبُ حَرامٌ، ويَصيرُ كما لو ضَمَّ أُجرةَ القِصارةَ والخياطةَ إلى الثَّمنِ، وأخبَرَ به، ولَنا ما ذَكَرناه فيما تَقدَّمَ، وما ذَكَروه مِنْ ضَمِّ القِصارةِ والخياطةِ والوَلَدِ والثَّمرةِ، فشَيءٌ بَنَوْه على أصلِهم لا نُسلِّمُه، ثم لا يُشبِهُ هذا ما ذَكره؛ لأنَّ المُؤنةَ والنَّماءَ لَزِماه في هذا البَيعِ الذي يَلي المُرابَحةَ، وهذا الرِّبحُ في عَقدٍ آخَرَ قبلَ هذا الشِّراءِ، فأشبَهَ الخَسارةَ فيه، وأمَّا تَقريرُ الرِّبحِ فغيرُ
стр. 4033
صَحيحٍ؛ فإنَّ العَقدَ الأوَّلَ قد لزِم، ولَم يَظهَرِ العَيبُ، ولَم يَتعلَّقْ به حُكمُه، ثم قد ذَكَرناه في مِثلِ هذه المَسألةِ أنَّ لِلمُشتَري أنْ يَرُدَّه على البائِعِ إذا ظهَر على عَيبٍ قَديمٍ، وإذا لَم يَلزَمْه طَرحُ النَّماءِ والغَلَّةِ فههُنا أوْلَى، ويَجيءُ على هذا القَولِ أنَّه لو اشتَراه بعَشَرةٍ ثم باعَه بعِشرينَ ثم اشتَراه بعَشَرةٍ فإنَّه يُخبِرُ بأنَّها حصَلتْ بغيرِ شَيءٍ، وإنِ اشتَراها بخَمسةَ عشَرَ أخبَر بأنَّها قُوِّمتْ عليه باثنَيْ عشَرَ، نصَّ أحمدُ على نَظيرِ هذا، وعلى هذا يُطرَحُ الرِّبحُ مِنْ الثَّمنِ الثاني كيفما كان، فإنْ لَم يَربَحْ ولكنِ اشتَراها ثانيةً بخَمسةٍ، أخبَر بها؛ لأنَّه ثَمَنُ العَقدِ الذي يَلي المُرابَحةَ، ولو خسِر فيها مثلَ أنِ اشتَراها بخَمسةَ عشَرَ ثم باعَها بعَشَرةٍ ثم اشتَراها بأيِّ ثَمَنٍ كان، أخبَرَ به، ولَم يَجُزْ أنْ يَضُمَّ الخَسارةَ إلى الثَّمنِ الثاني، فيُخبِرُ به في المُرابَحةِ بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، وهذا يَدلُّ على صِحَّةِ ما ذَكَرناه، واللَّهُ أعلَمُ.
ثم قالَ: فَصلٌ: قال أحمدُ: ولا بأْسَ أنْ يَبيعَ بالرَّقمِ، ومعناه أنْ يَقولَ: بِعتُكَ هذا الثَّوبَ برَقمِه، وهو الثَّمنُ المَكتوبُ عليه، إذا كانَ مَعلومًا لَهما حالَ العَقدِ، وهذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ، وكَرِهَه طاوسٌ.
ولَنا: أنَّه بَيعٌ بثَمَنٍ مَعلومٍ، فأشبَهَ ما لو ذكَر مِقدارَه، أو ما لو قالَ: بِعتُكَ هذا بما اشتَرَيتُه به، وقد عَلِما قَدْرَه، فإنْ لَم يَكُنْ مَعلومًا لَهما أو لِأحَدِهما لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَجهولٌ، قال أحمدُ: والمُساوَمةُ عِندي أسهَلُ مِنْ بَيعِ المُرابَحةِ، وذلك لأنَّ بَيعَ المُرابَحةِ تَعتَريه أمانةٌ واستِرسالٌ مِنْ المُشتَري، ويَحتاجُ فيه إلى تَبيينِ الحالِ على وَجهِه في المَواضِعِ التي ذَكَرناها، ولا
стр. 4034
يُؤْمَنُ هَوَى النَّفسِ في نَوعِ تَأويلٍ أو غَلَطٍ فيَكونُ على خَطَرٍ وغَرَرٍ، وتَجنُّبُ ذلك أسلَمُ وأوْلى (١).
حُكمُ الخيانةِ إذا ظَهرتْ في المُرابَحةِ:
اختلَف العُلماءُ فيما إذا ظهَرتْ خيانةٌ مِنْ البائِعِ في عَقدِ المُرابَحةِ والتَّوليةِ والإشراكِ والوَضيعةِ، هل يُفسَخُ العَقدُ أو يُحَطُّ قَدْرُ الزِّيادةِ أو النَّقصِ أو المُشتَري بالخِيارِ في القَبولِ أو الرَّدِّ؟ على أقوالٍ لِأهلِ العِلمِ.
فقال الحَنفيَّةُ: إذا ظهَرتِ الخيانةُ في المُرابَحةِ بإقرارِ البائِعِ أو ببَيِّنةٍ أو نُكولٍ فلا يَخلو إمَّا أنْ تَظهَرَ في صِفةِ الثَّمنِ وإمَّا أنْ تَظهَرَ في قَدْرِه.
فإنْ ظهَرتِ الخيانةُ في صِفةِ الثَّمنِ، بأنِ اشتَرَى شَيئًا بنَسيئةٍ ثم باعَه مُرابَحةً على الثَّمنِ الأوَّلِ ولَم يُبيِّنْ أنَّه اشتَراه بنَسيئةٍ أو باعَه تَوليةً، ولَم يُبيِّنْ ثم عَلِمَ المُشتَري فله الخيارُ بالإجماعِ، إنْ شاءَ أخَذه، وإنْ شاءَ رَدَّه؛ لأنَّ المُرابَحةَ عَقدٌ بُنيَ على الأمانةِ؛ لأنَّ المُشتَريَ اعتمَد البائِعَ وائتمَنه في الخَبَرِ عن الثَّمنِ الأوَّلِ، فكانَتِ الأمانةُ مَطلوبةً في هذا العَقدِ، فكانَتْ صيانَتُه عن الخيانةِ مَشروطةً دِلالةً، ففَواتُها يُوجِبُ الخيارَ، كفَواتِ السَّلامةِ عن العَيبِ، وكذا لو صالَحَ مِنْ دَيْنِ ألْفٍ له على إنسانٍ على عَبدٍ ثم باعَه مُرابَحةً على الألْفِ، ولَم يُبيِّنْ لِلمُشتَري أنَّه كانَ بَدَلَ الصُّلحِ، فله الخيارُ؛ لِما قُلْنا.
وإنْ ظهَرتِ الخيانةُ في قَدْرِ الثَّمنِ في المُرابَحةِ والتَّوليةِ، بأنْ قال:
стр. 4035
اشترَيتُ بعَشَرةٍ وبِعتُكَ برِبحِ ده يازده، أو قال: اشترَيتُ بعَشَرةٍ ووَلَّيتُكَ بما اشترَيتُه، ثم تَبيَّن أنَّه كانَ اشتَراه بتِسعةٍ فقد اختُلِف في حُكمِه:
فقال أبو يُوسفَ -وهو الأظهَرُ عندَ الشافِعيَّةِ والمَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ كما سَيَأتي مُفصَّلًا-: لا خيارَ لِلمُشتَري ويَلزَمُه البَيعُ، ولكنْ يَحُطُّ قَدْرَ الخيانةِ فيهما جَميعًا، وذلك دِرهَمٌ في التَّوليةِ، ودِرهَمٌ في المُرابَحةِ، وحِصَّةٌ مِنْ الرِّبحِ، وهو جُزءٌ مِنْ عَشَرةِ أجزاءٍ مِنْ دِرهَمٍ؛ لأنَّ الثَّمنَ الأوَّلَ أصلٌ في بَيعِ المُرابَحةِ والتَّوليةِ، فإذا ظهَرتِ الخيانةُ تَبيَّن أنَّ تَسميةَ قَدْرِ الخيانةِ لَم تَصحَّ، فألغَتْ تَسميتَه، وبَقيَ العَقدُ لازِمًا بالثَّمنِ المُتبَقِّي.
وقال مُحمَّدٌ -وهو مُقابِلُ الأظهَرِ عندَ الشافِعيَّةِ-: لِلمُشتَري الخيارُ فيهما جَميعًا، إنْ شاءَ أخَذه بجَميعِ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ رَدَّه على البائِعِ؛ لأنَّ المُشتَريَ لَم يَرضَ بلُزومِ العَقدِ إلَّا بالقَدْرِ المُسَمَّى مِنْ الثَّمنِ، فلا يَلزَمُ بدونِه، ويثبُتُ له الخيارُ؛ لِفَواتِ السَّلامةِ عن الخيانةِ، كما يثبُتُ الخيارُ بفَواتِ السَّلامةِ عن العَيبِ، إذا وجَد المَبيعَ مَعيبًا.
وأمَّا الإمامُ أبو حَنيفةَ ففرَّق بينَ المُرابَحةِ والتَّوليةِ، فقال في المُرابَحةِ مثلَ قَولِ مُحمَّدٍ: المُشتَري بالخيارِ في المُرابَحةِ، إنْ شاءَ أخَذه بجَميعِ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ ترَك وفُسِخ البَيعُ.
وقال في التَّوليةِ مثلَ قَولِ أبي يُوسفَ أنَّه لا خيارَ له، لكنْ يَحُطُّ قَدْرَ الخيانةِ ويَلزَمُ العَقدُ بالثَّمنِ المُتبَقِّي.
فاختارَ قَولَ مُحمَّدٍ في المُرابَحةِ وقَولَ أبي يُوسفَ في التَّوليةِ.
стр. 4036
والفَرقُ بينَ المُرابَحةِ والتَّوليةِ هو أنَّ الخيانةَ في المُرابَحةِ لا تُوجِبُ خُروجَ العَقدِ عن كَونِه مُرابَحةً؛ لأنَّ المُرابَحةَ بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ وبزيادةِ رِبحٍ، وهذا قائِمٌ بعدَ الخيانةِ؛ لأنَّ بَعضَ الثَّمنِ رَأسُ مالٍ، وبَعضَه رِبحٌ، فلَم يَخرُجِ العَقدُ عن كَونِه مُرابَحةً، وإنَّما أوجَبَ تَغييرًا في قَدْرِ الثَّمنِ، وهذا يُوجِبُ خَلَلًا في الرِّضا، فيثبُتُ الخيارُ، كما إذا ظهَرتِ الخيانةُ في صِفةِ الثَّمنِ، بأنْ ظهَر أنَّ الثَّمنَ كانَ نَسيئةً، ونَحوَ ذلك، على ما ذكَرنا، بخِلافِ التَّوليةِ؛ لأنَّ الخيانةَ فيها تُخرِجُ العَقدَ عن كَونِه تَوليةً؛ لأنَّ التَّوليةَ بَيعٌ بالثَّمنِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نُقصانٍ، وقد ظهَر النُّقصانُ في الثَّمنِ الأوَّلِ، فلو أثبَتْنا الخيارَ لأخرَجناه عن كَونِه تَوليةً، وجعَلناه مُرابَحةً، وهذا إنشاءُ عَقدٍ آخَرَ لَم يَتَراضَيا عليه، وهذا لا يَجوزُ، فحَطَطنا قَدْرَ الخيانةِ وألزَمنا العَقدَ بالثَّمنِ المُتبَقِّي.
هذا إذا كانَ المَبيعُ عندَ ظُهورِ الخيانةِ بمَحَلِّ الفَسخِ؛ فأمَّا إذا لَم يَكُنْ، بأنْ هلَك أو حدَث به ما يَمنَعُ الفَسخَ بطَل خِيارُه ولزِمه جَميعُ الثَّمنِ؛ لأنَّه إذا لَم يَكُنْ بمَحَلِّ الفَسخِ لَم يَكُنْ في ثُبوتِ الخيارِ فائِدةٌ، فيَسقُطُ كما في خيارِ الشَّرطِ وخيارِ الرُّؤيةِ (١).
وقال المالِكيَّةُ: إنَّ البائِعَ إذا كذَب على المُشتَري في بَيعِ المُرابَحةِ، بأنْ زادَ في ثَمَنِ السِّلعةِ على ما هو في الواقِعِ، سَواءٌ كانَ عَمدًا أو غَير عَمدٍ، كما
стр. 4037
إذا اشتَراها بثَمانيةٍ مَثَلًا، يُخبِرُ بأنَّه اشتَراها بعَشَرةٍ، وباعها مُرابَحةً باثنَيْ عشَرَ، والسِّلعةُ قائِمةٌ، فإنْ حَطَّ البائِعُ ما كذَب به عليه، ورِبْحَه، فإنَّه يَلزَمُ المُشتَريَ البَيعُ، وإنْ لَم يَحُطَّ البائِعُ عنه فإنَّ المُشتَريَ يُخيَّرُ بينَ أنْ يَرُدَّ السِّلعةَ، ويأخُذَ ثَمَنَه، أو يأخُذَها بجَميعِ الثَّمنِ الذي وقَع البَيعُ به.
وهذا بخِلافِ الغِشِّ؛ فإنَّه لا يَلزَمُ المُشتَريَ البَيعُ، وإنْ حَطَّ بائِعُه عنه ما غَشَّه به، كما إذا اشتراها بثَمانيةٍ مَثَلًا، ويَرقُمُ عليها عَشَرةً، ثم يَبيعُها مُرابَحةً على الثَّمانيةِ؛ لِيُوهِمَ المُشتَريَ بأنَّه غلِطَ على نَفْسِه فهو غِشٌّ وخَديعةٌ، فالمُشتَري في حالةِ الغِشِّ مع قيامِ السِّلعةِ يُخيَّرُ بينَ أنْ يَتمسَّكَ بها بجَميعِ الثَّمنِ، أو يَرُدَّها ويَرجِعَ بثَمَنِه.
والغِشُّ: أنْ يُوهِمَ بوُجودِ مَفقودٍ مَقصودٍ وُجودُه في المَبيعِ، أو يَكتُمَ فَقْدَ مَوجودٍ مَقصودٍ فَقْدُه منه، كأنْ يَكتُمَ طُولَ إقامَتِه عندَه أو يَكتُبَ على السِّلعةِ ثَمَنًا أكثَرَ ممَّا اشتَراها به، ثم يَبيعَ على ما اشتَرَى به لِيُوهِمَ بأنَّه غلِط ونَحوِ ذلك، وهذا إنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً.
فإنْ فاتَتِ السِّلعةُ ففي حالةِ الغِشِّ بأنْ غَشَّ في بَيعِ المُرابَحةِ وفاتَتِ السِّلعةُ فإنَّ المُشتَريَ يُخيَّرُ بينَ أنْ يَدفَعَ الأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الذي بِيعَتْ به، أو قيمَتَها يَومَ قَبضِها مِنْ غيرِ ضَربِ رِبحٍ عليها.
وإنْ فاتَتِ السِّلعةُ في بَيعِ المُرابَحةِ في حالةِ الكَذِبِ، فإنَّ البائِعَ (١) يُخيَّرُ بينَ أخذِ الثَّمنِ الصَّحيحِ ورِبحِه، أو قيمَتِها يَومَ القَبضِ، ما لَم تَزِدْ على
стр. 4038
الكَذِبِ ورِبحِه، فلا يُزادُ عليه، أي: الكَذِبِ لأنَّه قد رَضيَ بذلك.
ومُدَلَّسُ المُرابَحةِ كغيرِها، فمَن دلَّس بعَيبٍ في بَيعِ المُرابَحةِ فحُكمُه حُكمُ مَنْ باعَ غيرَ مُرابَحةٍ في قيامِ السِّلعةِ وفَواتِها إنْ كانَتْ قائِمةً، خُيِّرَ بينَ أنْ يَرُدَّ ويَرجِعَ بجَميعِ الثَّمنِ، أو يُمسِكَ ولا شَيءَ له، وإنْ كانَتْ قد فاتَتْ بعَيبٍ مُفسِدٍ كان مُخيَّرًا بينَ أنْ يَرُدَّ ويَرُدَّ ما نقَصه العَيبُ الحادِثُ عندَه، وبينَ أنْ يُمسِكَ ويَرجِعَ بقيمةِ العَيبِ وما يَنويه مِنْ الرِّبحِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ في الأظهَرِ: لو قالَ: اشترَيتُه بمِئةٍ، وباعَه مُرابَحةً فبانَ أنَّه اشتَراه بتِسعينَ بإقرارِه أو حُجَّةٍ، فالأظهَرُ أنَّه يَحُطُّ الزِّيادةَ ورِبحَها؛ لأنَّه تَمليكٌ باعتِمادِ الثَّمنِ الأوَّلِ، فتُحَطُّ الزِّيادةُ عنه.
وفي مُقابِلِ الأظهَرِ: لا يُحَطُّ شَيءٌ؛ لأنَّه قد سَمَّى عِوَضًا وعقَد به.
والبَيعُ صَحيحٌ على القَولَيْنِ؛ لأنَّه غَرَّه، والتَّغريرُ لا يَمنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو رَوَّجَ عليه مَعيبًا.
وعلى الأظهَرِ: لا خيارَ لِلمُشتَري ولا لِلبائِعِ، سَواءٌ أكان المَبيعُ باقيًا أم تالِفًا، أمَّا المُشتَري فلأنَّه إذا رَضيَ بالأكثَرِ فبِالأقَلِّ مِنْ بابِ أوْلى، وأمَّا البائِعُ فلِتَدليسِه.
وفي مُقابِلِ الأظهَرِ: يثبُتُ الخيارُ، وهو وَجهٌ في البائِعِ، وقيلَ: قَولٌ.
стр. 4039
أمَّا المُشتَري فلأنَّه قد يَكونُ له غَرَضٌ في الشِّراءِ بذلك المَبلَغِ؛ لِإبرارِ قَسَمٍ أو إنفاذِ وَصيَّةٍ، وأمَّا البائِعُ فلأنَّه لَم يُسلِّمْ له ما سَمَّاه، والخيارُ على الفَورِ.
ولو لَم يُبيِّنِ الأجَلَ أو العَيبَ أو شَيئًا ممَّا يَجِبُ ذِكرُه ثبَت لِلمُشتَري الخيارُ لِتَدليسِ البائِعِ عليه بتَركِ ما وجَب عليه، ويَندَفِعُ ضَرَرُ المُشتَري بثُبوتِ الخيارِ له.
ولو غَلِطَ البائِعُ فنقَص مِنْ الثَّمنِ، كأنْ قال: اشترَيتُه بمِئةٍ، وباعه مُرابَحةً ثم زَعَمَ أنَّ الثَّمنَ الذي اشتَرَى به مِئةٌ وعَشَرةٌ مَثَلًا، وصَدَّقَه المُشتَري في ذلك لَم يَصحَّ البَيعُ الواقِعُ بينَهما مُرابَحةً في الأصَحِّ؛ لِتعذُّرِ إمضائِه مَزيدًا فيه العَشَرةُ المَتبوعةُ برِبحِها؛ لأنَّ العَقدَ لا يَحتمِلُ الزِّيادةَ، وأمَّا النَّقصُ فهو مَعهودٌ بدَليلِ الأرشِ.
قال النَّوويُّ ﵀: الأصَحُّ صِحَّتُه، كما لو غَلِطَ المُشتَري بالزِّيادةِ، ولا تَثبُتُ العَشَرةُ، ولِلبائِعِ الخيارُ في الأصَحِّ.
وإنْ كذَّب البائِعُ المُشتَري ولَم يُبيِّنِ البائِعُ لِلغَلَطِ وَجهًا مُحتمَلًا لَم يُقبَلْ قَولُه؛ لأنَّه رُجوعٌ عن إقرارٍ تَعلَّقَ به حَقُّ آدَميٍّ، ولا تُقبَلُ بَيِّنتُه إنْ أقامها عليه لِتَكذيبِه لَها بقَولِه الأوَّلِ، وله تَحليفُ المُشتَري أنَّه لا يَعرِفُ ذلك في الأصَحِّ؛ لأنَّه قد يُقِرُّ عندَ عِوَضِ اليَمينِ عليه.
والآخَرُ: لا، كما لا تُسمَعُ بَيِّنتُه.
وعلى الأصَحِّ إنْ حلَف أمضَى العَقدَ ما حلَف عليه، وإنْ نكَل عن
стр. 4040
اليَمينِ رُدَّتْ على البائِعِ بِناءً على الأظهَرِ مِنْ أنَّ اليَمينَ المَردودةَ كالإقرارِ، يَحلِفُ على البَتِّ أنَّ ثَمَنَه المِئةُ والعَشَرةُ.
وإنْ بيَّنَ لِغَلَطِه وَجهًا مُحتمَلًا، كقَولِه: جاءَني كِتابٌ على لِسانِ وَكيلي بأنَّه اشتَراه بكذا، فبانَ الكذِبُ عليه أو تَبيَّن لي بمُراجَعةِ جَريدَتي أنِّي غَلِطتُ مِنْ ثَمَنِ مَتاعٍ إلى غيرِه، فله التَّحليفُ، كما سبَق؛ لأنَّ العُذرَ يُحرِّكُ ظَنَّ صِدقِه.
والأصَحُّ على التَّحليفِ سَماعُ بَيِّنتِه التي يُقيمُها بأنَّ الثَّمنَ ما ذكَره.
والآخَرُ: لا، لِتَكذيبِه لَها، قال في المَطلَبِ: وهذا هو المَشهورُ والمَنصوصُ عليه (١).
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: مَنْ أخبَرَ بثَمَنٍ فعقَد به تَوليةً أو شَرِكةً أو مُرابَحةً أو وَضيعةً، ثم ظهَر الثَّمنُ أقَلَّ ممَّا أخبَرَ به فلِلمُشتَري حَطُّ الزِّيادةِ في التَّوليةِ والشَّرِكةِ، ولا خيارَ، ولِلمُشتَري أيضًا حَطُّ الزِّيادةِ في المُرابَحةِ، وحَطُّ حَظِّها، أي: قِسطِها مِنْ الرِّبحِ، ولا خيارَ، ويَنقُصُ الزَّائِدَ في المُواضَعةِ ولا خيارَ؛ لأنَّه باعَه برَأسِ مالِه، وما قدَره مِنْ الرِّبحِ أو الوَضيعةِ فإذا بانَ رَأسُ مالِه، قَدْرًا كان مَبيعًا به وبِالزِّيادةِ أو النَّقصِ، بحَسَبِ ما اتَّفَقا عليه، ويَلزَمُ البَيعُ بالبَقيَّةِ، فلا خيارَ لِلمُشتَري فيها؛ لأنَّ الثَّمنَ إذَنْ بأقَلَّ ممَّا أخبَرَ به، وسقَط عنه الزَّائِدُ، فقد زيدَ خَيرًا، فلَم يَكُنْ له خيارٌ، كما لو وكَل مَنْ يَشتَري له مُعيَّنًا بمِئةٍ فاشتَراه بتِسعينَ.
стр. 4041
وإنْ بانَ -أي: ظهَر- الثَّمنُ الذي أخبَرَ به البائِعُ المُشتَريَ مُؤجَّلًا، وقد كتَم البائِعُ التَّأجيلَ عن المُشتَري، ثم عَلِم المُشتَري التَّأجيلَ، أخَذ المَبيعَ بالثَّمنِ مُؤجَّلًا بالأجَلِ الذي اشتَراه البائِعُ إليه، ولا خيارَ لِلمُشتَري، فلا يَملِكُ الفَسخَ في الصُّوَرِ الأربَعةِ السابِقةِ، لأنَّه زيدَ خَيرًا.
وعن الإمامِ أحمدَ أنَّه إنِ اشتَراه بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ ولَم يُبيِّنْ أمرَه مُخيَّرٌ بينَ أخذِه بالثَّمنِ الذي وقَع عليه العَقدُ حالًّا، وبينَ الفَسخِ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ؛ لأنَّ البائِعَ لَم يَرضَ بذِمَّةِ المُشتَري، وقد تَكونُ ذِمَّتُه دونَ ذِمَّةِ البائِعِ؛ فلا يَلزَمُه الرِّضا بذلك.
وحكَى ابنُ المُنذِرِ عن أحمدَ أنَّه إنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا فهو مُخيَّرٌ بينَ الفَسخِ وأخذِه بالثَّمنِ مُؤجَّلًا؛ لأنَّه الثَّمنُ الذي اشتَرَى به البائِعُ، والتَّأجيلُ صِفةٌ له، فهو كما لو أخبَرَه بزيادةٍ في الثَّمنِ، وإنْ كانَ قد استَهلَكَ حَبسَ الثَّمنِ بقَدرِ الأجَلِ، وهذا قَولُ شُرَيحٍ.
ولو قالَ البائِعُ: مُشتَراه مِئةٌ، ثم قال: غَلِطتُ والثَّمنُ زائِدٌ على ما أخبَرتُ به، فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه، ويَحلِفُ إذا طلَب المُشتَري تَحليفَه عندَ أكثَرِ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ المُشتَريَ لمَّا دخَل مع البائِعِ في المُرابَحةِ ائتَمَنَه، والقَولُ قَولُ الأمينِ، فيَحلِفُ البائِعُ أنَّه لَم يَكُنْ يَعلَمُ وَقتَ البَيعِ أنَّ ثَمَنَها أكثَرُ ممَّا أخبَرَ به، فإنْ حلَف البائِعُ خُيِّرَ المُشتَري بينَ الرَّدِّ وبينَ دَفعِ الزِّيادةِ التي ادَّعاها البائِعُ.
وإنْ نكَل البائِعُ عن اليَمينِ قُضيَ عليه بالنُّكولِ وليسَ له إلَّا ما وقَع عليه العَقدُ، أو أقَرَّ بعدَ الغَلَطِ لَم يَكُنْ له غيرُ ما وقَع عليه العَقدُ؛ لِرِضاه مِنْ غيرِ عُذرٍ.
стр. 4042
وفي رِوايةٍ عن أحمدَ -وهي المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ- أنَّه لا يُقبَلُ قَولُ البائِعِ إلَّا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّه أقَرَّ بالثَّمنِ وتَعلَّقَ به حَقُّ الغيرِ، وكَونُه مُؤتمَنًا لا يُوجِبُ قَبولَ دَعواه الغَلَطَ كالمُضارِبِ إذا أقَرَّ برِبحٍ ثم قال: غَلِطتُ.
وعن أحمدَ: يُقبَلُ قَولُ مَعروفٍ بالصِّدقِ.
ولا يَحلِفُ مُشتَرٍ بدَعوى بائِعٍ عليه، عَلِم الغَلَطَ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، لأنَّه قد أقَرَّ له؛ فيَستَغني بالإقرارِ عن اليَمينِ.
وقيلَ: الصَّحيحُ أنَّ عليه اليَمينَ بأنَّه لا يَعلَمُ ذلك.
وإنْ باعَ سِلعةً بدونِ ثَمَنِها عالِمًا لزِمه البَيعُ، ولا خيارَ له، ولا يَلزَمُ المُشتَري غيرُ ما وقَع عليه العَقدُ لِما تَقدَّمَ.
وإنِ اشتَرَى المَبيعَ بدَنانيرَ وأخبَرَ في البَيعِ بتَخبيرِ الثَّمنِ أنَّه اشتَراه بدَراهِمَ وبِالعَكسِ بأنِ اشتَراه بدَراهِمَ وأخبَرَ بأنَّه اشتَراه بدَنانيرَ فلِلمُشتَري الخيارُ، والعِبرةُ بما وقَع عليه العَقدُ، لا بما أقبَضَ عليه.
أو اشتَراه بعَرضٍ، ولو فُلوسًا نافِقةً، فأخبَرَ بأنَّه اشتَراه بنَقدٍ مِنْ دَراهِمَ أو دَنانيرَ فلِلمُشتَري الخيارُ أو بالعَكسِ بأنِ اشتَراه بنَقدٍ فأخبَرَ بأنَّه اشتَراه بعَرضٍ فلِلمُشتَري الخيارُ وأشباهُ ذلك، كما لو اشتَراه بعَرضٍ فأخبَرَ بأنَّه اشتَراه بعَرضٍ آخَرَ، أو اشتَراه مِمَّنْ لا تُقبَلُ شَهادَتُه له كأبيه وابنِه وزَوجَتِه وكتَم ذلك عن المُشتَري في تَخبيرِه بالثَّمنِ، فلِلمُشتَري الخيارُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في حَقِّهم لِكَونِه يُحابيهم ويَسمَحُ لَهم، أو اشتَراه بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِه حيلةً كشِرائِه مِنْ غُلامٍ أو مِنْ غيرِه، وكتَمه في تَخبيرِه بالثَّمنِ، فلِلمُشتَري الخيارُ إذا عَلِم
стр. 4043
بينَ الفَسخِ والرُّجوعِ بالثَّمنِ، وبينَ الرِّضا به بالثَّمنِ الذي يُبايِعانِ به كسائِرِ المَواضِعِ التي ثبَت فيها ذلك كالتَّدليسِ، وهو حَرامٌ، كتَدليسِ العَيبِ، فإنْ لَم يَكُنْ حيلةً جازَ؛ لأنَّه أجنَبيٌّ، أشبَهَ غيرَه (١)، وقد تَقدَّمَ بَعضُ هذا قَريبًا.
بَيعُ المُسترسِلِ:
المُسترسِلُ: هو اسمُ فاعِلٍ مِنْ استَرسَلَ، إذا اطمَأنَّ واستأنَسَ، هذا أصلُه في اللُّغةِ.
стр. 4044
والمُسترسِلُ: هو الجاهِلُ بقيمةِ السِّلعةِ مِنْ بائِعٍ ومُشتَرٍ، ولا يُحسِنُ أنْ يُماكِسَ؛ فإنَّه استرسَلَ إلى البائِعِ فأخَذ ما أعطاه مِنْ غيرِ مُماكَسةٍ ولا مَعرِفةٍ بغَبنِه (١).
وقد اتَّفق العُلماءُ على أنَّ مَنْ باعَ لِشَخصٍ لا يُماكِسُ أو لا يُحسِنُ المُماكَسةَ؛ فأخَذ ما أعطاه مِنْ غيرِ مُماكَسةٍ، ولا مَعرِفةٍ بغَبنِه أنَّ البَيعَ مُنعقِدٌ، ويَحرُمُ عليه أنْ يَبيعَ المُماكِسُ بسِعرٍ ويَبيعَ المُسترسِلُ الذي لا يُماكِسُ، أو مَنْ هو جاهِلٌ بالسِّعرِ بأكثَرَ، ويَجِبُ على الإنسانِ ألَّا يَبيعَ لِمِثلِ هَؤُلاءِ إلَّا بالسِّعرِ المَعروفِ، وهو ثَمَنُ المِثلِ.
ولكنَّهم اختلَفوا في ثُبوتِ الخيارِ لِلمُسترسِلِ فيه إذا غُبِنَ غَبنًا زيادةً على العادةِ، أمَّا ما جَرَتْ به العادةُ فلا يُوجِبُ رَدًّا بالِاتِّفاقِ.
فذهَب الحَنفيَّةُ في القَولِ المُفتَى به عندَهم والمالِكيَّةُ في قَولٍ -وهو قَولٌ مَشهورٌ عندَهم- والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى ثُبوتِ الخيارِ له إذا كانَ الغَبنُ فاحِشًا فلَه أنْ يَفسَخَ البَيعَ، وله أنْ يُمضيَه بلا أرشْ.
وفسَّرَ الحَنفيَّةُ الغَبنَ بأنَّ ما يَدخُلُ تَحتَ تَقويمِ المُقوِّمينَ يَسيرٌ، وما لا ففاحِشٌ؛ لأنَّ ما لَم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحديدِه يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وقال الحَنفيَّةُ: يَكونُ ذلك رِفقًا بالناسِ.
وتُفسِّرُه كما لو وقَع البَيعُ بعَشَرةٍ مَثَلًا، ثم إنَّ بَعضَ المُقوِّمينَ يَقولونَ:
стр. 4045
إنَّه يُساوي خَمسةً، وبَعضُهم: يُساوي سِتَّةً، وبَعضُهم: يُساوي سَبعةً، فهذا غَبنٌ فاحِشُ؛ لأنَّه لَم يَدخُلْ تَحتَ تَقويمِ أحَدٍ، بخِلافِ ما إذا قالَ بَعضُهم: يُساوي ثَمانيةً، وبَعضُهم: يُساوي تِسعةً، وبَعضُهم: يُساوي عَشَرةً، فهذا غَبنٌ يَسيرٌ.
وإنَّما كانَتِ العِبرةُ بتَقويمِ المُقوِّمينَ؛ لأنَّهم هُمْ الذين يُرجَعُ إليهم في العُيوبِ ونَحوِها مِنْ الأُمورِ التي تَقتَضي الخِبرةَ في المُعامَلاتِ (١).
وفسَّر المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ الغَبنَ الفاحِشَ بأنَّه ما زادَ على الثُّلُثِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ في الوَصيَّةِ: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثيرٌ» (٢) فقد وصَف الثُّلُثَ بأنَّه كَثيرٌ، وقيلَ: السُّدُسُ، وقيلَ: ما لا يَتغابَنُ به الناسُ عادةً.
واستَدَلُّوا بقَولِه ﵊: «غَبنُ المُسترسِلِ حَرامٌ» (٣)، ولأنَّه غَبنٌ حصَل لِجَهلِه بالمَبيعِ؛ فأثبَتَ الخيارَ، كالغَبنِ في تَلَقِّي الرُّكبانِ.
وذهَب الحَنفيَّةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يثبُتُ له الخيارُ؛ لأنَّ المَبيعَ سَليمٌ، ولَم يُوجَدْ مِنْ جِهةِ البائِعِ تَدليسٌ، وإنَّما فَرَّطَ المُشتَري في تَركِ التَّأمُّلِ؛ فلَم يَجُزْ له الرَّدُّ.
لأنَّ نُقصانَ قيمةِ السِّلعةِ مع سَلامَتِها لا يَمنَعُ لُزومَ العَقدِ، ومُجرَّدُ كَونِه مَغبونًا لا يُثبِتُ له خِيارًا، لكنَّه مَكروهٌ عندَ الشافِعيَّةِ.
стр. 4046
ومِن صُوَرِه: أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: بِعْني كما تَبيعُ الناسَ؛ فهذا البَيعُ صَحيحٌ عندَ المالِكيَّةِ، ولكنْ إنْ غَبَنه بما يَخرُجُ عن العادةِ فله الخيارُ على المَشهورِ (١).
стр. 4047
فصل في حُكمُ اختِلافِ المُتبايِعَيْنِ
قد يَتَّفقُ المُتبايِعانِ على صِحَّةِ البَيعِ، ويَختلِفانِ في الثَّمنِ أو المَبيعِ أو جِنسِ الثَّمنِ وقَدْرِه وصِفَتِه، ولِكُلِّ صُورةٍ مِنْ هذا حُكمٌ يَختلِفُ الحُكمُ باختِلافِها.
اختِلافُ المُتبايِعَيْنِ في قَدْرِ الثَّمنِ أو المُثمَّنِ:
إذا اتَّفق المُتبايِعانِ على البَيعِ واختَلَفا في قَدْرِ الثَّمنِ فادَّعَى المُشتَري ثَمَنًا وادَّعَى البائِعُ أكثَرَ منه، كأنْ يَقولَ المُشتَري: بتِسعةٍ، والبائِعُ: بعَشَرةٍ، ولَم تَكُنْ لِواحِدٍ منهما بَيِّنةٌ، أو كانَتْ لِكُلٍّ منهما بَيِّنةٌ وتَعارَضَتا بأنْ لَم يُؤرِّخا بتاريخَيْنِ، فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّهما يَتحالَفانِ ويَتفاسَخانِ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه؛ لِحَديثِ ابنِ عَبَّاسِ ﵁ مَرفوعًا: «لو يُعطَى الناسُ بدَعواهم لادَّعَى ناسٌ دِماءَ رِجالٍ وأموالَهم، ولكنَّ اليَمينَ على المُدَّعَى عليه» (١).
стр. 4048
ولِحَديثِ: «البَيِّنةُ على المُدَّعِي، واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (١).
فإنَّ البائِعَ يَدَّعي عَقدًا بعَشَرةٍ يُنكِرُه المُشتَري، والمُشتَري يَدَّعي عَقدًا بتِسعةٍ يُنكِرُه البائِعُ، وإنَّ العَقدَ بتِسعةٍ غيرُ العَقدِ بعَشَرةٍ، فشُرِعتِ اليَمينُ في حَقِّهما.
الذي يَبدَأُ بيَمينِه:
يَحلِفُ البائِعُ أوَّلًا عندَ الشافِعيَّةِ في الأظهَرِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ: ما بِعتُه بكذا، وإنَّما بِعتُه بكذا؛ فإنْ شاءَ المُشتَري أخَذه بما قالَ البائِعُ، وإلَّا حلَف المُشتَري: ما اشترَيتُه بكذا، وإنَّما اشترَيتُه بكذا.
وفي قَولٍ لِلشافِعيَّةِ: يُبدَأُ بالمُشتَري؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي عليه زيادةَ ثَمَنٍ، والأصلُ بَراءةُ ذِمَّتِه منها، ولأنَّ المَبيعَ في مِلكِه، فيَقوَى جانِبُه.
وفي قَولٍ آخَرَ: يَتساوَيانِ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه؛ فلا تَرجيحَ، فيَتخيَّرُ الحاكِمُ مَنْ يَبدَأُ به منهما، وقيلَ: يُقرِعُ بينَهما، كما لو حَضَرا مَعًا، فيَبدَأُ بمَن خَرَجتْ قُرعَتُه.
وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ: القَولُ قَولُ المُشتَري مع يَمينِه؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي زيادةً يُنكِرُها المُشتَري، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ.
وَفي رِوايةٍ عن الإمامِ أحمدَ: القَولُ قَولُ البائِعِ أو يَترادَّانِ البَيعَ؛ لِلحَديثِ السابِقِ.
ولِكُلٍّ مِنْ المُتبايِعَيْنِ بعدَ التَّحالُفِ الفَسخُ إذا لَم يَرضَ أحَدُهما بقَولِ
стр. 4049
الآخَرِ؛ لِحَديثِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ مَرفوعًا: «إذا اختلَف المُتبايِعانِ وليسَ بينَهما بَيِّنةٌ فالقَولُ ما يَقولُ صاحِبُ السِّلعةِ، أو يَترادَّانِ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ والنِّسائيُّ وابنُ ماجه، وزادَ فيه: «والبَيعُ قائِمٌ بعَينِه»، ولِأحمدَ في رِوايةٍ: «والسِّلعةُ كما هي»، وفي لَفظُ: «تَحالَفا» (١). ولا يَنفسِخُ العَقدُ بالتَّحالُفِ نَفْسِه عندَ الحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّه عَقدٌ صَحيحٌ، فتَنازُعهما وتَعارُضهما لا يَفسَخُه، كما لو أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنةً بما ادَّعاه، لكنْ إنْ رَضيَ أحَدُهما بما قالَ صاحِبُه، أو حلَف أحَدُهما ونكَل الآخَرُ أُقِرَّ العَقدُ بينَهما.
وإن لَم يَرضَيا فلِكُلِّ واحِدٍ منهما الفَسخُ بلا حُكمِ حاكِمٍ عندَ الشافِعيَّةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أو يَترادَّانِ البَيعَ»، وظاهِرُه استِقلالُهما بذلك، وفي القِصَّةِ أنَّ ابنَ مَسعودٍ ﵁ باعَ لِلأشعَثِ بنِ قَيسٍ رَقيقًا مِنْ رَقيقِ الإمارةِ فقال عَبدُ اللَّهِ ﵁: بِعتُكَ بعِشرينَ ألْفًا، قال الأشعَثُ: اشترَيتُ منكَ بعَشَرةِ آلافٍ، فقال عَبدُ اللَّهِ ﵁: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «إذا اختلَف البَيِّعانِ وليسَ بينَهما بَيِّنةٌ والمَبيعُ قائِمٌ بعَينِه، فالقَولُ قَولُ البائِعِ، أو يَترادَّانِ البَيعَ»، قالَ: فإنِّي أرُدُّ البَيعَ، ولأنَّه فَسخٌ لِاستِدراكِ الظُّلامةِ أشبَهَ الرَّدَّ بالعَيبِ.
وقال المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ وهو وَجهٌ لِلحَنابِلةِ: لا يَنفسِخُ بمُجرَّدِ التَّحالُفِ، بَلْ لا بدَّ مِنْ حُكمِ حاكِمٍ؛ لأنَّه فَسخٌ مُجتَهَدٌ فيه، فلا يَفسَخُ
стр. 4050
أحَدُهما، ولأنَّ العَقدَ صَحيحٌ وأحَدُهما ظالِمٌ، وإنَّما يَفسَخُه الحاكِمُ لِتعذُّرِ إمضائِه في الحُكمِ، فأشبَهَ نِكاحَ المَرأةِ إذا زَوَّجَها الوَليَّانِ وجَهِلَ السابِقُ منهما.
وإذا فُسِخَ العَقدُ نَفَذَ ظاهِرًا عندَ الناسِ، وباطِنًا عندَ اللَّهِ ، عندَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والشافِعيَّةِ في وَجهٍ؛ لأنَّه فَسخٌ لِاستِدراكِ الظُّلامةِ، فهو كالرَّدِّ بالعَيبِ، أو فَسخُ عَقدٍ بالتَّحالُفِ، فوقَع في الظاهِرِ والباطِنِ، كالفَسخِ باللِّعانِ، فيَجوزُ تَصرُّفُ البائِعِ في المَبيعِ بجَميعِ أوجُهِ التَّصرُّفِ، ولو كانَ هو الظالِمَ في الواقِعِ.
وقال الشافِعيَّةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ: إنْ كانَ البائِعُ ظالِمًا لَم يُفسَخِ العَقدُ في الباطِنِ؛ لأنَّه كانَ يُمكِنُه إمضاءُ العَقدِ، واستيفاءُ حَقِّه، فلا يَنفسِخُ العَقدُ في الباطِنِ، ولا يُباحُ له التَّصرُّفُ في المَبيعِ؛ لأنَّه غاصِبٌ، فإنْ كانَ المُشتَري ظالِمًا انفسخَ البَيعُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لِعَجزِ البائِعِ عن استيفاءِ حَقِّه، فكانَ له الفَسخُ، كما لو أفلَسَ المُشتَري.
وفي وَجهٍ ثالِثٍ لِلشافِعيَّةِ: لا يَنفسِخُ في الباطِنِ بحالٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه لو عَلِم أنَّه لَم يَنفسِخْ في الباطِنِ بحالٍ، لَمَا أمكَنَ فَسخُه في الظاهِرِ؛ فإنَّه لا يُباحُ لِكُلِّ واحِدٍ منهما التَّصرُّفُ فيما رجَع إليه بالفَسخِ، ومتى عَلِم أنَّ ذلك مُحرَّمٌ مُنِعَ منه، ولأنَّ الشارِعَ جعَل لِلمَظلومِ منهما الفَسخَ ظاهِرًا وباطِنًا، فانفسخَ بفَسخِه في الباطِنِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
стр. 4051
ويَقوَى عِندي أنَّه إنْ فسَخه الصادِقُ منهما انفسخَ ظاهِرًا وباطِنًا لِذلك.
وإنْ فسَخه الكاذِبُ عالِمًا بكَذِبِه لَم يَنفسِخْ بالنِّسبةِ إليه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له الفَسخُ؛ فلَم يَثبُتْ حُكمُه بالنِّسبةِ إليه، ويثبُتُ بالنِّسبةِ إلى صاحِبِه؛ فيُباحُ له التَّصرُّفُ فيما رجَع إليه؛ لأنَّه رجَع إليه بحُكمِ الشَّرعِ مِنْ غيرِ عُدوانٍ منه؛ فأشبَهَ ما لو رَدَّ عليه المَبيعَ بدَعوى العَيبِ، ولا عَيبَ فيه (١).
وهذا عندَ قيامِ السِّلعةِ، أمَّا عندَ فَواتِها فقالَ المالِكيَّةُ: يُصدَّقُ المُشتَري بيَمينٍ إنِ ادَّعَى الأشبَهَ، أشبَهَ البائِعَ أو لا، ويَلزَمُ البائِعَ ما قال المُشتَري.
فإنِ انفرَد البائِعُ بالشَّبَهِ كان القَولُ قَولَه بيَمينٍ ويَلزَمُ المُشتَري ما قاله؛ فإنْ لَم يُشَبِّهْ واحِدٌ منهما حَلَفا وفُسِخَ، ورُدَّتْ قيمةُ السِّلعةِ يَومَ بَيعِها إنْ كانَتْ مُقوَّمةً، ومِثلُها إنْ كانَتْ مِثليَّةً، ونُكولُهما كحَلِفِهما، ويُقضى لِلحالِفِ على الناكِلِ.
وقال الشافِعيَّةُ: إنْ خرَج المَبيعُ عن مِلكِه لزِمتْه قيمَتُه يَومَ التَّلَفِ في أظهَرِ الأقوالِ، إنْ كانَ مُتقوَّمًا، وإنْ زادَتْ على ثَمَنِه، ومِثلُه إنْ كانَ مِثليًّا، وإنْ تَعيَّبَ رَدَّه مع أرشِه.
وقيل: لَزِمتْ قيمَتُه يَومَ القَبضِ؛ لأنَّه قيمةُ يَومِ دُخولِه في ضَمانِه.
وقيلَ: يَلزَمُ أقَلُّ القيمَتَيْنِ يومَ العَقدِ، ويومَ القَبضِ.
وقيل: أقصَى القيمِ مِنْ يومِ القَبضِ إلى قيمةِ يَومِ التَّلَفِ؛ لأنَّ يَدَه يَدُ ضَمانٍ، فاعتُبِرَ أعلى القيَمِ.
стр. 4052
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ كانَتِ السِّلعةُ التي فُسِخَ البَيعُ فيها بعدَ التَّحالُفِ تالِفةً رَجَعا إلى قيمةِ مِثلِها، إلَّا أنْ يَشاءَ المُشتَري أنْ يُعطيَ الثَّمنَ على ما قالَ البائِعُ.
فإنِ اختَلَفا في صِفةِ السِّلعةِ التالِفةِ، بأنْ قال البائِعُ: كان العَبدُ كاتِبًا، وأنكَرَه المُشتَري، أو في قَدْرِ المَبيعِ، فقَولُ مُشتَرٍ في قَولٍ؛ لأنَّه غارِمٌ؛ لقولِه ﷺ في الحَديثِ: «والسِّلعةُ قائِمةٌ»، فمَفهومُه أنَّه لا يُشرَعُ التَّحالُفُ عندَ تَلَفِها.
ولأنَّهما اتَّفَقا على نَقلِ السِّلعةِ إلى المُشتَري واستِحقاقِ تِسعةٍ في ثَمَنِها، واختَلَفا في واحِدٍ زائِدٍ يَدَّعيه البائِعُ، والمُشتَري يُنكِرُه، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ، وتَركُ هذا القياسِ حالَ قيامِ السِّلعةِ؛ لِلحَديثِ الوارِدِ فيه، ففيما عَداه يَبقَى على القياسِ.
وإذا تَحالَفا في الإجارةِ وفُسِختْ بعدَ فَراغِ المُدَّةِ فأُجرةُ المِثلِ، وفي أثنائِها بالقِسطِ.
وفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ: يَتحالَفانِ مثلَما لو كانَتْ قائِمةً، وهو قَولُ الشافِعيِّ وإحدى الرِّوايتَيْنِ عن مالِكٍ كما يَقولُ ابنُ قُدامةَ، وقد تَقدَّمَ الكَلامُ.
هل يَنفسِخُ العَقدُ عندَ التَّفاسُخِ ظاهِرًا وباطِنًا؟
إذا فُسِخَ العَقدُ بعدَ التَّحالُفِ انفسخَ ظاهِرًا وباطِنًا في حَقِّ كُلٍّ منهما كالرَّدِّ بالعَيبِ.
وهذا كُلُّه إذا لَم تَكُنْ لِواحِدٍ منهما بَيِّنةٌ أو كانَتْ لِكُلٍّ منهما بَيِّنةٌ
стр. 4053
وتَعارَضَتا بأنْ لَم يُؤرِّخا بتاريخَيْنِ فإنْ كانَتْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ عُمِلَ بها.
وقال الحَنفيَّةُ: إذا اختلَف المُتبايِعانِ في البَيعِ فادَّعَى المُشتَري ثَمَنًا وادَّعَى البائِعُ أكثَرَ منه، أو اعتَرَفَ البائِعُ بقَدْرٍ مِنْ المَبيعِ وادَّعَى المُشتَري أكثَرَ منه، وأقامَ أحَدُهما البَيِّنةَ قُضيَ له بها، وإنْ أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما البَيِّنةَ كانَتِ البَيِّنةُ المُثبِتةُ لِلزِّيادةِ أوْلى؛ لأنَّ مُثبِتَ الزِّيادةِ مُدَّعٍ، ونافيها مُنكِرٌ، والبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُدَّعي، ولا بَيِّنةَ لِلمُنكِرِ؛ لأنَّ البَيِّناتِ لِلإثباتِ.
فإنْ لَم يَكُنْ لِكُلِّ واحِدٍ منهما بَيِّنةٌ قيلَ لِلمُشتَري: إمَّا أنْ تَرضَى بالثَّمنِ الذي ادَّعاه البائِعُ، وإلَّا فَسَخنا البَيعَ، وقيل لِلبائِعِ: إمَّا أنْ تُسلِّمَ ما ادَّعاه المُشتَري مِنْ المَبيعِ وإلَّا فَسَخنا البَيعَ.
فإنْ لَم يَتراضَيا استَحلَفَ الحاكِمُ كُلَّ واحِدٍ منهما على دَعوى الآخَرِ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُدَّعٍ على صاحِبِه، والآخَرَ مُنكِرٌ ويَبتدِئُ بيَمينِ المُشتَري، هذا قَولُ مُحمَّدٍ وقَولُ أبي يُوسفَ الآخَرُ، وهو الصَّحيحُ، وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ؛ لأنَّ المُشتَريَ أشَدُّهما إنكارًا؛ لأنَّه مُطالَبٌ أوَّلًا بالثَّمنِ؛ فإذا حَلَفا فسَخ القاضي البَيعَ بينَهما، إذا طَلَبا ذلك، أمَّا بدونِ الطَّلَبِ فلا يُفسَخُ على الصَّحيحِ.
وقال بَعضُهم: يَنفسِخُ بالتَّحالُفِ نَفْسِه؛ لأنَّهما إذا تَحالَفا لَم يَكُنْ في بَقاءِ العَقدِ فائِدةٌ، فيَنفسِخُ.
فإن نكَل أحَدُهما عن اليَمينِ لزِمه دَعوَى الآخَرِ؛ لأنَّه يُجعَلُ باذِلًا، فلَم تَبقَ دَعواه مُعارِضةً دَعوى الآخَرِ.
стр. 4054
هذا إذا كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً بعَينِها مِنْ غيرِ تَغيُّرٍ، فأمَّا إذا كانَت تَغيَّرتْ ثم اختَلَفا في قَدْرِ الثَّمنِ فلا يَخلو إمَّا أنْ إلى الزِّيادةِ، وإمَّا أنْ تَتغيَّرَ إلى النُّقصانِ، فإنْ كانَ التَّغييرُ إلى الزِّيادةِ فإنْ كانَتِ الزِّيادةُ مُتَّصِلةً مُتولِّدةً مِنْ الأصلِ، كالسَّمنِ مَنَعتِ التَّحالُفَ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وعندَ مُحمَّدٍ لا تَمنَعُ، ويَرُدُّ المُشتَري العَينَ بِناءً على أنَّ هذه الزِّيادةَ تَمنَعُ الفَسخَ عندَهما في عُقودِ المُعاوَضاتِ، فتَمنَعُ التَّحالُفَ، وعندَه لا تَمنَعُ الفَسخَ، فلا تَمنَعُ التَّحالُفَ.
وإنْ كانَتِ الزِّيادةُ مُتَّصِلةً غيرَ مُتولِّدةٍ مِنْ الأصلِ، كالصَّبغِ في الثَّوبِ والبِناءِ والغَرسِ في الأرضِ، فكذلك تَمنَعُ التَّحالُفَ عندَهما، وعندَه لا تَمنَعُ، ويَرُدُّ المُشتَري القيمةَ لِمَنْ عندَه، لأنَّ هذا النَّوعَ مِنْ الزِّيادةِ بمَنزِلةِ الهَلاكِ، وهَلاكُ السِّلعةِ يَمنَعُ التَّحالُفَ عندَهما، وعندَه لا يَمنَعُ، ويَرُدُّ المُشتَري الزِّيادةَ.
وإنْ كانَتِ الزِّيادةُ مُنفصِلةً مُتولِّدةً مِنْ الأصلِ، كالوَلَدِ والأرشِ والعَقرِ، فهو على هذا الِاختِلافِ.
وإنْ كانَتِ الزِّيادةُ مُتَّصِلةً غَير مُتولِّدةٍ مِنْ الأصلِ كالمَوهوبِ في المَكسوبِ لا تَمنَعُ التَّحالُفَ إجماعًا، فيَتحالَفانِ، ويَرُدُّ المُشتَري العَينَ؛ لأنَّ هذه الزِّيادةَ لا تَمنَعُ الفَسخَ في عُقودِ المُعاوَضاتِ، فلا تَمنَعُ التَّحالُفَ.
وكذا هي ليسَتْ في مَعنَى هَلاكِ العَينِ، فلا تَمنَعُ التَّحالُفَ.
وإذا تَحالَفا يَرُدُّ المُشتَري المَبيعَ دونَ الزِّيادةِ، وكانَتِ الزِّيادةُ له؛ لأنَّها حَدثَتْ على مِلكِه، وتَطيبُ له؛ لعَدمِ تَمكُّنِ الحِنثِ فيها.
стр. 4055
هذا إذا تَغيَّرتِ السِّلعةُ إلى الزِّيادةِ، فأمَّا إذا تَغيَّرتْ إلى النُّقصانِ في يَدِ المُشتَري فهذا إذا كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً.
فأمَّا إذا كانَتْ هالِكةً فلا يَتحالَفانِ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، والقَولُ قَولُ المُشتَري مع يَمينِه في مِقدارِ الثَّمنِ، فإنْ حلَف لزِمه ما أقَرَّ به.
وإنْ نكَل لزِمه دَعوَى صاحِبِه.
وعندَ مُحمَّدٍ ﵀ يَتحالَفانِ، ويَرُدُّ المُشتَري القيمةَ، فإنِ اختَلَفا في مِقدارِ القيمةِ على قَولِه كانَ القَولُ قَولَ المُشتَري مع يَمينِه في مِقدارِ القيمةِ.
وقَلبُ المَسألةِ أنَّ هَلاكَ السِّلعةِ هل يَمنَعُ التَّحالُفَ؟ عندَهما يَمنَعُ، وعندَه لا يَمنَعُ، واحتَجَّ بقَولِه ﷺ : «إذا اختلَف المُتبايِعانِ تَحالَفا وتَرادَّا»، أثبَتَ التَّحالُفَ مُطلَقًا عن شَرطِ قيامِ السِّلعةِ.
ولهما الحَديثُ المَشهورُ، وهو قَولُه ﷺ : «واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، فبَقيَ التَّحالُفُ، وهو الحَلِفُ مِنْ الجانِبَيْنِ بعدَ قَبضِ المَعقودِ عليه؛ لأنَّه ﵊ أوجَبَ جِنسَ اليَمينِ على جِنسِ المُنكِرينَ، فلو وَجَبتْ يَمينٌ لا على مُنكِرٍ لَم يَكُنْ جِنسُ اليَمينِ على جِنسِ المُنكِرينَ، وهذا خِلافُ النَّصِّ، والمُنكِرُ بعدَ قَبضِ المَعقودِ عليه هو المُشتَري؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي عليه زيادةَ ثَمَنٍ، وهو يُنْكِرُ.
فأمَّا الإنكارُ مِنْ قِبَلِ البائِعِ فلأنَّ المُشتَريَ لا يَدَّعي عليه شَيئًا، فكانَ يَنبَغي ألَّا يَجِبَ التَّحالُفُ حالَ قيامِ السِّلعةِ أيضًا، إلَّا أنَّه عرَّف ذلك بنَصٍّ خاصٍّ مُقيِّدٍ، وهو قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إذا اختلَف المُتبايِعانِ والسِّلعةُ
стр. 4056
قائِمةٌ بعَينِها تَحالَفا وتَرادَّا»، وهذا القَيدُ ثابِتٌ في النَّصِّ الآخَرِ أيضًا دِلالةً؛ لأنَّه ﷺ قال: «وتَرادَّا»، والتَّرادُّ لا يَكونُ إلَّا حالَ قيامِ السِّلعةِ، فبَقيَ التَّحالُفُ حالَ هَلاكِ السِّلعةِ مُثبَتًا بالخَبَرِ المَشهورِ.
ويَستَوي هَلاكُ كلِّ السِّلعةِ وبَعضِها في المَنعِ مِنْ التَّحالُفِ أصلًا عندَ أبي حَنيفةَ.
وعندَ أبي يُوسفَ هَلاكُ السِّلعةِ يَمنَعُ التَّحالُفَ في قَدْرِ الهالِكِ لا غيرُ.
وعندَ مُحمَّدٍ لا يَمنَعُ أصلًا حتى لو اشتَرَى عَبدَيْنِ فقَبضَهما ثم هلَك أحَدُهما، ثم اختَلَفا في مِقدارِ الثَّمنِ، فالقَولُ قَولُ المُشتَري عندَ أبي حَنيفةَ، ولا يَتحالَفانِ إلَّا أنْ يَرضى البائِعُ بأنْ يَأخُذَ القائِمَ، وألَّا يَأخُذَ مِنْ ثَمَنِ الهالِكِ شَيئًا، فحينَئذٍ يَتحالَفانِ.
وعندَ أبي يُوسفَ لا يَتحالَفانِ على الهالِكِ، والقَولُ قَولُ المُشتَري في حِصَّةِ الهالِكِ، ويَتحالَفانِ على القائِمِ ويَترادَّانِ.
وعندَ مُحمَّدٍ: يَتحالَفانِ عليهما، ويَرُدُّ قيمةَ الهالِكِ (١).
стр. 4057
اختِلافُ المُتبايِعَيْنِ في جِنسِ الثَّمنِ:
إنِ اختلَف المُتبايِعانِ في جِنسِ الثَّمنِ، كأنْ قالَ البائِعُ: بِعتُه لَكَ بدينارٍ، وقالَ المُشتَري: بَلْ بثَوبٍ، أو بعَرضٍ، أو بِعتُه لَكَ بدولارٍ، وقالَ المُشتَري: بَلْ بشاةٍ، فاختلَف أهلُ العِلمِ فيه:
فقالَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ ومُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ -وهو المُختارُ عندَ الحَنفيَّةِ-: يَتحالَفانِ؛ لأنَّهما اختَلَفا على الثَّمنِ على وَجهٍ لا يَترجَّحُ قَولُ أحَدِهما فيه، فوجَب التَّحالُفُ، كما لو اختَلَفا في قَدْرِه.
فيَحلِفُ كُلٌّ منهما على إثباتِ دَعواه، وتُرَدُّ دَعوى صاحِبِه، ويَكونُ على الخِلافِ السابِقِ في قَدْرِ الثَّمنِ.
قال المالِكيَّةُ: ويُفسَخُ البَيعُ مُطلَقًا، أشبَها أو لَم يُشَبِّها، أو انفَرَدَ أحَدُهما بالشَّبَهِ، كان المَبيعُ قائِمًا، أو فاتَ، لكنْ إنْ لَم يَفُتْ رَدَّها بعَينِها ورَدَّ قيمَتَها في الفَواتِ، وتُعتبَرُ القيمةُ يَومَ البَيعِ، لا يَومَ الحُكمِ، ولا يَومَ الفَواتِ، وهذا إذا كان مُقوَّمًا، فإنْ كانَ مِثليًّا رُدَّ مِثلُه.
وقال أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ -رحمهما الله-: لا يَتحالَفانِ؛ لأنَّ نصَّ التَّحالُفِ ورَدَ على خِلافِ القياسِ، فيَقتصِرُ على مَورِدِه، وهو الِاختِلافُ في المَبيعِ
стр. 4058
أو الثَّمنِ، والقَولُ قَولُ المُشتَري في الثَّمنِ مع يَمينِه (١).
اختِلافُ المُتبايِعانِ في صِفةِ الثَّمنِ:
إذا اتَّفق المُتبايِعانِ على البَيعِ واختَلَفا في صِفةِ الثَّمنِ بأنْ كانَ في البَلَدِ أكثَرَُ مِنْ عُملةٍ مُتَداوَلةٍ، فقال البائِعُ مَثَلًا: بِعتُه لَكَ بمِئةِ دولارٍ، وقال المُشتَري: بَلْ اشترَيتُه بمِئةِ ليرةٍ تُركيَّةٍ، أو بِعتُكَه بصِحاحٍ، وقال المُشتَري: بَلْ بمُكسَّرةٍ، أو بِعتُكَه بذَهَبٍ، وقال المُشتَري: بَلْ بفِضَّةٍ، ولَم تَكُنْ لِواحِدٍ منهما بَيِّنةٌ، فاختلَف الفُقهاءُ في هذا على قَولَينِ:
стр. 4059
فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّهما يَتحالَفانِ، فيَحلِفُ كُلٌّ منهما على نَفيِ قَولِ صاحِبِه، وإثباتِ قَولِه، ويَبدأُ بالنَّفيِ، فيَقولُ: ما بِعتُه بكذا، ولقد بِعتُه بكذا، فإنْ تَحالَفا كانَ الحُكمُ والخِلافُ الذي سبَق فيما لو اختَلَفا في قَدْرِ الثَّمنِ على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ عندَ كلِّ مَذهبٍ.
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنِ اختلَف المُتعاقِدانِ في صِفةِ ثَمَنٍ اتَّفَقا على تَسميتِه في العَقدِ، أُخِذَ نَقدُ البَلَدِ إنْ لَم يَكُنْ بها إلَّا نَقدٌ واحِدٌ، وادَّعاه أحَدُهما، فيُقضى له به، عَمَلًا بالقَرينةِ.
فإنْ كانَ بالبَلَدِ نُقودٌ واختلَفتْ رَواجًا، أُخِذَ غالِبُه رَواجًا؛ لأنَّ الظاهِرَ وُقوعُ العَقدِ به؛ لِغلَبتِه.
فإذا استَوَتِ النُّقودُ رَواجًا فالوَسَطُ تَسويةٌ بينَ حَقَّيْهما؛ لأنَّ العُدولَ عنه مَيلٌ على أحَدِهما، وعلى مُدَّعي نَقدِ البَلَدِ أو غالِبِه رَواجًا أو الوَسَطِ اليَمينُ (١).
إذا اختلَف المُتبايِعانِ في الأجَلِ:
إذا اتَّفق المُتبايِعانِ على البَيعِ واختَلَفا في الأجَلِ، بأنْ قالَ المُشتَري: اشترَيتُه مُؤجَّلًا، وأنكَرَه البائِعُ، فإنْ كان لِأحَدِهما بَيِّنةٌ عُمِلَ بها عندَ الجُمهورِ، فإنْ لَم يَكُنْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ اختلَف الفُقهاءُ فيه:
стр. 4060
فقال الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ: إنَّ القَولَ قَولُ مَنْ يَنفي الأجَلَ منهما؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه، فالقَولُ قَولُ مَنْ يَنفيه، كأصلِ العَقدِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ.
وقالَ المالِكيَّةُ: القَولُ لِمَنْ وافَقَ قَولُه العُرفَ في بَيعِ السِّلَعِ؛ فاللَّحمُ والبُقولُ والأبزارُ وكَثيرٌ مِنْ الثِّيابِ وأمثالُ ذلك شَأنُها الحُلولُ، وفي مِثلِ العَقارِ شَأنُها التَّأجيلُ، ومِن ذلك حالُ البائِعِ والمُشتَري.
وإذا وافَقَ قَولاهما مَعًا العُرفَ، بأنْ كان الشَّأنُ في تلك السِّلعةِ أنْ تُباعَ بأجَلٍ تارةً وبغيرِه أُخرَى، تَحالَفا وفُسِخَ في القيامِ لِلسِّلعةِ، وصُدِّقَ المُشتَري بيَمينٍ، والقَولُ له بيَمينِه إنْ فاتَتْ.
وإنِ اختَلَفا في انتِهاءِ الأجَلِ عندَ اتِّفاقِهما عليه، كأنْ يَدَّعيَ البائِعُ أوَّلَ شَعبانَ أنَّ الأجَلَ شَهرٌ أوَّلُه رَجَبٌ، وقد انقَضى، ويَدَّعيَ المُشتَري أنَّ أوَّلَه نِصفُ رَجَبٍ، فلَم يَنقَضِ، أو أنَّه شَهرانِ؛ فالقَولُ لِمُنكِرِ الِانتِهاءِ، وأنَّه لَم يَنقَضِ بيَمينِه، إنْ أشبَهَ قَولُه عادةَ الناسِ في الأجَلِ، أشبَهَ الآخَرَ أو لا، سَواءٌ كانَ بائِعًا أو مُشتَريًا، مُكريًا أو مُكتَريًا، والفَرضُ عَدَمُ البَيِّنةِ، فإنْ كانَ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ عُمِلَ بها؛ فإنْ كانَ لِكُلٍّ منهما بَيِّنةٌ على دَعواه عُمِلَ بأسبَقِهما تاريخًا.
فإنْ لَم يُشَبِّها مَعًا حَلِفًا كُلٌّ على نَفيِ دَعوى خَصمِه، مع تَحقيقِ دَعواه ويُقضى لِلحالِفِ على الناكِلِ، وفُسِخَ البَيعُ ورُدَّ في الفَواتِ القيمةُ، وإذا لَم تَفُتْ رَدَّها.
стр. 4061
وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: يَتحالَفانِ؛ لأنَّهما اختَلَفا في صِفةِ العَقدِ، فوجَب أنْ يَتحالَفا قياسًا على الِاختِلافِ في الثَّمنِ على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ فيه (١).
إذا اختلَف المُتَبايِعانِ في شَرطِ الخيارِ:
إذا اتَّفق المُتبايِعانِ على البَيعِ واختلَفا هل شُرِطَ فيه الخيارُ أو لا، ولَم يَكُنْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ، قالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ: القَولُ قَولُ مَنْ يَنفي الخيارَ منهما؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه، فالقَولُ قَولُ مَنْ يَنفيه، كأصلِ العَقدِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ.
وقال المالِكيَّةُ: إذا اختَلَفا في الخيارِ والبَتِّ فالقَولُ قَولُ مُدَّعي البَتِّ مع يَمينِه في قَولِ ابنِ القاسِمِ، وقال أشهَبُ: القَولُ قَولُ مُدَّعي الخيارِ، وقيل: يَجري فيه الخِلافُ الذي تَقدَّمَ في مِقدارِ الثَّمنِ، فإنِ ادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه اشتَرطَ الخيارَ لِنَفْسِه دونَ الآخَرِ اختُلِفَ هل يَتحالَفانِ ويَتفاسَخانِ أو يَتحالَفانِ ويثبُتُ البَيعُ؟ قَولانِ لِابنِ القاسِمِ.
وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: يَتحالَفانِ؛ لأنَّهما اختَلَفا في صِفةِ العَقدِ، فوجَب أنْ يَتحالَفا قياسًا على الِاختِلافِ في الثَّمنِ على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ فيه (٢).
стр. 4062
اختِلافُ البائِعِ والمُشتَري في قَبضِ الثَّمنِ والمَبيعِ:
إنِ اختلَف البائِعُ والمُشتَري في قَبضِ الثَّمنِ أو المَبيعِ، بأنْ قالَ المُشتَري: أقبَضتُكَ الثَّمنَ، وأنكَرَ البائِعُ، أو قال البائِعُ: أقبَضتُكَ المَبيعَ، وأنكَرَ المُشتَري ولَم يَكُنْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ، اختلَف الفُقهاءُ فيه:
فقالَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: لو اختلَف البائِعُ والمُشتَري في قَبضِ المَبيعِ، فقال البائِعُ: قَبَضتَه، وقال المُشتَري: لَم أقبِضْه، فالقَولُ قَولُ المُشتَري؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي عليه وُجودَ القَبضِ، وتَقرُّرَ الثَّمنِ، وهو يُنكِرُ، ولأنَّ عَدَمَ القَبضِ أصلٌ، والوُجودَ عارِضٌ، كان المُشتَري مُتمسِّكًا بالأصلِ، والبائِعُ يَدَّعي أمرًا عارِضًا، فكان الظاهِرُ شاهِدًا لِلمُشتَري، فكانَ القَولُ قَولَه مع يَمينِه.
وكذا إذا قبَض بَعضَه واختَلَفا في قَدْرِ المَقبوضِ، فالقَولُ قَولُ المُشتَري، لِمَا قُلنا.
ولو اختَلَفا في قَبضِ الثَّمنِ فقال المُشتَري: قَبَضتَه، وقال البائِعُ: لَم أقبِضْه، فالقَولُ قَولُ البائِعِ؛ لِما قُلنا في قَبضِ المَبيعِ.
وقالَ المالِكيَّةُ: إنِ اختَلَفا في قَبضِ الثَّمنِ بعدَ تَسليمِ السِّلعةِ، بأنْ قالَ المُشتَري: أقبَضتُكَ الثَّمنَ، وأنكَرَ البائِعُ، أو اختَلَفا في قَبضِ السِّلعةِ، بأنْ قالَ البائِعُ: أقبَضتُها، وأنكَرَ المُشتَري؛ فالأصلُ بَقاؤُهما وعَدَمُ الإقباضِ؛ فالقَولُ لِمَنِ ادَّعَى عَدَمَه منهما بيَمينِه، إلَّا لِعُرفٍ يَشهَدُ بخِلافِ الأصلِ؛ فالقَولُ لِمَنْ شَهِدَ له العُرفُ، كالجَزَّارِ، فقد جَرَتِ العادةُ أنَّه لا يَقطَعُ اللَّحمَ إلَّا بعدَ قَبضِه
باب الإقالةُ
الإقالةُ لُغةً: الرَّفعُ.
وشَرعًا: عِبارةٌ عن رَفعِ العَقدِ، فيَرجِعُ كُلٌّ مِنْ العِوَضيْنِ لِصاحِبِه، فيَرجِعُ الثَّمنُ لِلمُشتَري، والمُثمَّنُ لِلبائِعِ.
وهي مَندوبٌ إليها بعدَ البَيعِ لِلنادِمِ مِنْ بائِعٍ ومُشتَرٍ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «مَنْ أقالَ مُسلِمًا أقالَ اللَّهُ عَثرَتَه يَومَ القيامةِ» (١).
ولأنَّ لِلناسِ حاجةً إليها، كحاجَتِهم إلى البَيعِ، فتُشرَعُ، ولأنَّها تَرفَعُ العَقدَ، فصارَتْ كالطَّلاقِ مع النِّكاحِ، ولأنَّ العَقدَ حَقُّهما فيَملِكانِ رَفعَه دَفعًا لِحاجَتِهما.
وهي أنْ يَقولَ المُتَبايِعانِ: تَقايَلْنا، أو تَفاسَخْنا، أو يَقولَ أحَدُهما: أقَلتُكَ، فيَقولَ الآخَرُ: قَبِلتُ، وما أشبَهَه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، خِلافًا لِلحَنَفيَّةِ، كما سَيَأتي.
ولا تَصحُّ إلَّا بالتَّراضي مِنْ العاقِدَيْنِ بالِاتِّفاقِ.
стр. 4065
هل الإقالةُ بَيعٌ أو فَسخٌ؟
اختلَف الفُقهاءُ في الإقالةِ، هل هي بَيعٌ جَديدٌ؟ أم فَسخٌ لِلبَيعِ الأوَّلِ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: فَسخٌ مُطلَقًا، وهو الأظهَرُ عندَ الشافِعيَّةِ والمَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ وهو قَولُ زُفَرَ مِنْ الحَنفيَّةِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّه ﷺ قال: «مَنْ أقالَ نادِمًا بَيعَه أقالَ اللَّهُ عَثرَتَه» (١)، وَجهُ الِاستِدلالِ أنَّ الرَّسولَ ﷺ سَمَّاها إقالةً، ولَم يُسَمِّها بَيعًا، والأصلُ في الِاصطِلاحاتِ الشَّرعيَّةِ تَسميةُ الشارِعِ لها.
ولأنَّ الإجماعَ قد صَحَّ على جَوازِ الإقالةِ في المُسلَّمِ فيه مع الإجماعِ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، فدَلَّ على أنَّ الإقالةَ ليسَتْ بَيعًا.
ولأنَّ الإقالةَ في اللُّغةِ مَوضوعةٌ لِرَفعِ الشَّيءِ، يُقالُ: أقالَ اللَّهُ عَثرَتكَ، يَعني: رَفَعها، وإذا كانَ كذلك وجَب أنْ يَكونَ رَفعًا لِلعَقدِ، وفَسخًا له.
ولأنَّ المَبيعَ عادَ إلى البائِعِ بلَفظٍ لا يَنعقِدُ به بَيعٌ، فوجَب أنْ يَكونَ فَسخًا، كما لو عادَ بالرَّدِّ بالعَيبِ.
ولأنَّ البَيعَ والإقالةَ اختَلَفا اسمًا، فاختَلَفا حُكمًا؛ فهذا هو الأصلُ، فإذا كانَتْ رَفعًا، لا تَكونُ بَيعًا؛ لأنَّ البَيعَ إثباتٌ، والرَّفعَ نَفيٌ، وبينَهما تَنافٍ، فكانَتِ الإقالةُ على هذا التَّقديرِ فَسخًا مَحضًا؛ فتَظهَرُ في حَقِّ الناسِ كافَّةً.