← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: يَتحالَفانِ؛ لأنَّهما اختَلَفا في صِفةِ العَقدِ، فوجَب أنْ يَتحالَفا قياسًا على الِاختِلافِ في الثَّمنِ على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ فيه (١). إذا اختلَف المُتَبايِعانِ في شَرطِ الخيارِ: إذا اتَّفق المُتبايِعانِ على البَيعِ واختلَفا هل شُرِطَ فيه الخيارُ أو لا، ولَم يَكُنْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ، قالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ: القَولُ قَولُ مَنْ يَنفي الخيارَ منهما؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه، فالقَولُ قَولُ مَنْ يَنفيه، كأصلِ العَقدِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ. وقال المالِكيَّةُ: إذا اختَلَفا في الخيارِ والبَتِّ فالقَولُ قَولُ مُدَّعي البَتِّ مع يَمينِه في قَولِ ابنِ القاسِمِ، وقال أشهَبُ: القَولُ قَولُ مُدَّعي الخيارِ، وقيل: يَجري فيه الخِلافُ الذي تَقدَّمَ في مِقدارِ الثَّمنِ، فإنِ ادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه اشتَرطَ الخيارَ لِنَفْسِه دونَ الآخَرِ اختُلِفَ هل يَتحالَفانِ ويَتفاسَخانِ أو يَتحالَفانِ ويثبُتُ البَيعُ؟ قَولانِ لِابنِ القاسِمِ. وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: يَتحالَفانِ؛ لأنَّهما اختَلَفا في صِفةِ العَقدِ، فوجَب أنْ يَتحالَفا قياسًا على الِاختِلافِ في الثَّمنِ على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ فيه (٢).

стр. 4062

اختِلافُ البائِعِ والمُشتَري في قَبضِ الثَّمنِ والمَبيعِ: إنِ اختلَف البائِعُ والمُشتَري في قَبضِ الثَّمنِ أو المَبيعِ، بأنْ قالَ المُشتَري: أقبَضتُكَ الثَّمنَ، وأنكَرَ البائِعُ، أو قال البائِعُ: أقبَضتُكَ المَبيعَ، وأنكَرَ المُشتَري ولَم يَكُنْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ، اختلَف الفُقهاءُ فيه: فقالَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: لو اختلَف البائِعُ والمُشتَري في قَبضِ المَبيعِ، فقال البائِعُ: قَبَضتَه، وقال المُشتَري: لَم أقبِضْه، فالقَولُ قَولُ المُشتَري؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي عليه وُجودَ القَبضِ، وتَقرُّرَ الثَّمنِ، وهو يُنكِرُ، ولأنَّ عَدَمَ القَبضِ أصلٌ، والوُجودَ عارِضٌ، كان المُشتَري مُتمسِّكًا بالأصلِ، والبائِعُ يَدَّعي أمرًا عارِضًا، فكان الظاهِرُ شاهِدًا لِلمُشتَري، فكانَ القَولُ قَولَه مع يَمينِه. وكذا إذا قبَض بَعضَه واختَلَفا في قَدْرِ المَقبوضِ، فالقَولُ قَولُ المُشتَري، لِمَا قُلنا. ولو اختَلَفا في قَبضِ الثَّمنِ فقال المُشتَري: قَبَضتَه، وقال البائِعُ: لَم أقبِضْه، فالقَولُ قَولُ البائِعِ؛ لِما قُلنا في قَبضِ المَبيعِ. وقالَ المالِكيَّةُ: إنِ اختَلَفا في قَبضِ الثَّمنِ بعدَ تَسليمِ السِّلعةِ، بأنْ قالَ المُشتَري: أقبَضتُكَ الثَّمنَ، وأنكَرَ البائِعُ، أو اختَلَفا في قَبضِ السِّلعةِ، بأنْ قالَ البائِعُ: أقبَضتُها، وأنكَرَ المُشتَري؛ فالأصلُ بَقاؤُهما وعَدَمُ الإقباضِ؛ فالقَولُ لِمَنِ ادَّعَى عَدَمَه منهما بيَمينِه، إلَّا لِعُرفٍ يَشهَدُ بخِلافِ الأصلِ؛ فالقَولُ لِمَنْ شَهِدَ له العُرفُ، كالجَزَّارِ، فقد جَرَتِ العادةُ أنَّه لا يَقطَعُ اللَّحمَ إلَّا بعدَ قَبضِه

стр. 4063

الثَّمنَ؛ فإذا ادَّعَى بعدَ أنْ أعطاه اللَّحمَ أنَّه لَم يَقبِضِ الثَّمنَ فالقَولُ لِلمُشتَري بأنَّه أقبَضَه إيَّاه، ومَعلومٌ أنَّ العُرفَ يَختلِفُ باختِلافِ الناسِ (١).

стр. 4064

باب الإقالةُ الإقالةُ لُغةً: الرَّفعُ. وشَرعًا: عِبارةٌ عن رَفعِ العَقدِ، فيَرجِعُ كُلٌّ مِنْ العِوَضيْنِ لِصاحِبِه، فيَرجِعُ الثَّمنُ لِلمُشتَري، والمُثمَّنُ لِلبائِعِ. وهي مَندوبٌ إليها بعدَ البَيعِ لِلنادِمِ مِنْ بائِعٍ ومُشتَرٍ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «مَنْ أقالَ مُسلِمًا أقالَ اللَّهُ عَثرَتَه يَومَ القيامةِ» (١). ولأنَّ لِلناسِ حاجةً إليها، كحاجَتِهم إلى البَيعِ، فتُشرَعُ، ولأنَّها تَرفَعُ العَقدَ، فصارَتْ كالطَّلاقِ مع النِّكاحِ، ولأنَّ العَقدَ حَقُّهما فيَملِكانِ رَفعَه دَفعًا لِحاجَتِهما. وهي أنْ يَقولَ المُتَبايِعانِ: تَقايَلْنا، أو تَفاسَخْنا، أو يَقولَ أحَدُهما: أقَلتُكَ، فيَقولَ الآخَرُ: قَبِلتُ، وما أشبَهَه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، خِلافًا لِلحَنَفيَّةِ، كما سَيَأتي. ولا تَصحُّ إلَّا بالتَّراضي مِنْ العاقِدَيْنِ بالِاتِّفاقِ.

стр. 4065

هل الإقالةُ بَيعٌ أو فَسخٌ؟ اختلَف الفُقهاءُ في الإقالةِ، هل هي بَيعٌ جَديدٌ؟ أم فَسخٌ لِلبَيعِ الأوَّلِ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ: القَولُ الأوَّلُ: فَسخٌ مُطلَقًا، وهو الأظهَرُ عندَ الشافِعيَّةِ والمَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ وهو قَولُ زُفَرَ مِنْ الحَنفيَّةِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّه ﷺ قال: «مَنْ أقالَ نادِمًا بَيعَه أقالَ اللَّهُ عَثرَتَه» (١)، وَجهُ الِاستِدلالِ أنَّ الرَّسولَ ﷺ سَمَّاها إقالةً، ولَم يُسَمِّها بَيعًا، والأصلُ في الِاصطِلاحاتِ الشَّرعيَّةِ تَسميةُ الشارِعِ لها. ولأنَّ الإجماعَ قد صَحَّ على جَوازِ الإقالةِ في المُسلَّمِ فيه مع الإجماعِ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، فدَلَّ على أنَّ الإقالةَ ليسَتْ بَيعًا. ولأنَّ الإقالةَ في اللُّغةِ مَوضوعةٌ لِرَفعِ الشَّيءِ، يُقالُ: أقالَ اللَّهُ عَثرَتكَ، يَعني: رَفَعها، وإذا كانَ كذلك وجَب أنْ يَكونَ رَفعًا لِلعَقدِ، وفَسخًا له. ولأنَّ المَبيعَ عادَ إلى البائِعِ بلَفظٍ لا يَنعقِدُ به بَيعٌ، فوجَب أنْ يَكونَ فَسخًا، كما لو عادَ بالرَّدِّ بالعَيبِ. ولأنَّ البَيعَ والإقالةَ اختَلَفا اسمًا، فاختَلَفا حُكمًا؛ فهذا هو الأصلُ، فإذا كانَتْ رَفعًا، لا تَكونُ بَيعًا؛ لأنَّ البَيعَ إثباتٌ، والرَّفعَ نَفيٌ، وبينَهما تَنافٍ، فكانَتِ الإقالةُ على هذا التَّقديرِ فَسخًا مَحضًا؛ فتَظهَرُ في حَقِّ الناسِ كافَّةً.

стр. 4066

القَولُ الثاني: بَيعٌ (١) مُطلَقًا، فيُشترَطُ فيها ما يُشترَطُ فيه، ويَمنَعُها ما يَمنَعُه، وهو قَولُ المالِكيَّةِ في المَشهورِ فيما عَدا الطَّعامَ قبلَ القَبضِ والشُّفعةَ والمُرابَحةَ (٢) وهو رِوايةٌ عن أبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ وقولٌ عندَ الشافِعيَّةِ ورِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ المَبيعَ يَعودُ بالإقالةِ إلى البائِعِ على الجِهةِ التي خرَج عليها منه؛ فلمَّا كانَ الأوَّلُ بَيعًا كان كذلك الآخَرُ. ولأنَّ حَقيقةَ البَيعِ مُبادَلةُ المالِ بالمالِ بالتَّراضي، وهذا مَوجودٌ في الإقالةِ، فتَكونُ بَيعًا. ولأنَّ الفُسوخَ في العُقودِ ما كانَ عن غَلَبةٍ دونَ ما وقَع عن اختيارٍ وتَراضٍ، دَليلُه: سائِرُ العُقودِ، والإقالةُ لا تَتِمُّ إلَّا بالتَّراضي، فلا تَكونُ فَسخًا. القَولُ الثالِثُ: التَّفصيلُ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ، واختَلَفوا فيه على ثَلاثةِ أقوالٍ:

стр. 4067

الأوَّلُ: أنَّها فَسخٌ في حَقِّ المُتعاقدَيْنِ، بَيعٌ جَديدٌ في حَقِّ الثالِثِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، استَدلَّ أبو حَنيفةَ لقولِه بأنَّ الإقالةَ فَسخٌ بينَ المُتعاقدَيْنِ، بَيعٌ جَديدٌ في حَقِّ الثالِثِ بمِثلِ ما استَدلَّ به القائِلونَ بأنَّ الإقالةَ فَسخٌ. أمَّا كَونُها بَيعًا في حَقِّ الثالِثِ فلأنَّ مَعنَى البَيعِ مُبادَلةُ المالِ بالمالِ، وهو أخذُ بَدَلٍ وإعطاءُ بَدَلٍ، وقد وُجدَ، فكانَتِ الإقالةُ بَيعًا؛ لِوُجودِ مَعنَى البَيعِ فيها، والعِبرةُ بالمَعنَى، لا بالصُّورةِ؛ إلَّا أنَّه لا يُمكِنُ إظهارُ مَعنَى البَيعِ في الفَسخِ في حَقِّ العاقِدَيْنِ؛ لِلتَّنافي، فأظهَرناه في حَقِّ الثالِثِ، فجُعِلَ فَسخًا في حَقِّهما، بَيعًا في حَقِّ الثالِثِ، وهذا ليسَ بمُمتنِعٍ، إنَّه لا يَمتنِعُ أنْ يُجعَلَ الفِعلُ الواحِدُ مِنْ شَخصٍ واحِدٍ طاعةً مِنْ وَجهٍ، ومَعصيةً مِنْ وَجهٍ، فمِن شَخصَيْنِ أوْلى. الثاني: أنَّها بَيعٌ، إلَّا ألَّا يُمكِنَ أنْ تُجعَلَ بَيعًا، فتَكونَ فَسخًا؛ فإنْ تَعذَّرَ جَعلُها فَسخًا بَطَلتْ، وهذا القَولُ رِوايةٌ عن أبي يُوسفَ وأبي حَنيفةَ. الثالِثُ: أنَّ الإقالةَ فَسخٌ، إلَّا إذا تَعذَّرَ أنْ تُجعَلَ فَسخًا؛ فحينَئذٍ تُجعَلُ بَيعًا جَديدًا لِلضَّرورةِ، وهذا قَولُ مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ (١).

стр. 4068

الإقالةُ بأقَلَّ أو أكثَرَ مِنْ الثَّمنِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المَبيعَ إذا كانَ بحالِه لَم يَدخُلْه عَيبٌ، لا تَصحُّ الإقالةُ بزيادةٍ على الثَّمنِ المَعقودِ به، أو بأنقَصَ منه، أو بجِنسٍ آخَرَ؛ لأنَّ مُقتَضَى الإقالةِ رَدُّ الأمرِ إلى ما كانَ عليه، فإنْ أقالَ بأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ المَعقودِ به فهي بالثَّمنِ لا غيرُ عندَ الحَنفيَّةِ. وعندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ تَبطُلُ الإقالةُ، ويَبقَى البَيعُ بحالِه. أمَّا إذا تَعيَّبَ البَيعُ جازَتِ الإقالةُ بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ، ويَكونُ ذلك مُقابَلةَ العَيبِ، كما يَقولُ الحَنفيَّةُ. وقال الحَنابِلةُ: وإنْ طَلَبَ أحَدُهما الإقالةَ وأبى الآخَرُ فاستَأنَفا بَيعًا جازَ بزيادةٍ عن الثَّمنِ الأوَّلِ، ونَقصٍ عن الثَّمنِ الأوَّلِ، وبِغيرِ جِنسِه. وقال المالِكيَّةُ: تَجوزُ الإقالةُ بمِثلِ الثَّمنِ الأوَّلِ وأكثَرَ وأقَلَّ، إلَّا أنَّها إنْ كانَتْ بأكثَرَ أو أقَلَّ فهي بَيعٌ اتِّفاقًا، وإنْ كانَتْ بمِثلِ الثَّمنِ الأوَّلِ فقد اختُلِفَ

стр. 4069

فيها، هل هي نَقضٌ لِلبَيعِ الأوَّلِ أو ابتِداءُ بَيعٍ جَديدٍ؟ ثالِثُها أنَّها ابتِداءُ بَيعٍ إلَّا في ثَلاثِ مَسائِلَ، فنَقضٌ لِلبَيعِ، وذلك في الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، ولو كانَتْ بَيعًا لامتَنَعتْ لِامتِناعِ بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، وفي الشُّفعةِ، وفي المُرابَحةِ، كمَن باعَ ثَوبًا بعَشَرةٍ، ثم تَقايَلَ مع مُشتَريه، فلا يَجوزُ بَيعُه مُرابَحةً على أنَّ رَأسَ مالِه فيه عَشَرةٌ، إلَّا إذا بيَّن؛ لأنَّ ذلك ممَّا تَكرَهُه النُّفوسُ، ولو جُعِلتِ الإقالةُ هُنا ابتِداءَ بَيعٍ لَجازَ (١). لو حدَث بالمَبيعِ عَيبٌ أو أرادَ أنْ يَرُدَّ بَعضَه هل يَمنَعُ صِحَّةَ الإقالةِ أو لا؟ إذا هلَك المَبيع بالكُلِّيَّةِ لا تَصحُّ الإقالةُ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ، خِلافًا لِلحَنابِلةِ في وَجهٍ، وهو ما يُفهَمُ مِنْ كلامِ المالِكيَّةِ؛ لِتعذُّرِ الرَّدِّ فيه؛ لأنَّ الفَسخَ يَقتَضي قيامَ المَبيعِ، وهو ببَقاءِ المَبيعِ. وقال المالِكيَّةُ: وكُلُّ ما ابتَعتَه ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ مِنْ طَعامٍ أو عَرضٍ فقَبَضتَه فأتلَفتَه فجائِزٌ أنْ تُقيلَ منه وتَرُدَّ مثلَه بعدَ عِلمِ البائِعِ بهَلاكِه، وبعدَ أنْ يَكونَ المِثلُ حاضِرًا عندَكَ وتَدفَعَه إليه بمَوضِعٍ قَبضَتَه فيه، وإنْ حالَتِ الأسواقُ.

стр. 4070

أمَّا إنْ هلَك بَعضُ المَبيعِ أو لَم يَهلِكْ، وأرادَ أنْ يَرُدَّ بَعضَه فهل تَصحُّ الإقالةُ في المُتبقِّي أو لا؟ ذهَب فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنبَليَّةُ إلى أنَّه إنْ هلَك بَعضُ المَبيعِ أو أرادَ أنْ يَرُدَّ بَعضَه جازَتِ الإقالةُ في بَقيَّتِه؛ لِقيامِ البَيعِ فيه (١).

стр. 4071

كتاب السلم

стр. 4072

كتاب السلم تَعريفُ السَّلَمِ: السَّلَمُ لُغةُ: أهلِ الحِجازِ، والسَّلَفُ لُغةُ: أهلِ العِراقِ، سَلَمًا لِتَسليمِ رأسِ مالِه في المَجلِسِ، وسُمِّيَ سَلَفًا لِتَقديمِه، ويُقالُ: السَّلَفُ لِلقَرضِ. وقد تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ، واختَلَفتْ في تَعريفِ السَّلَمِ أو السَّلَفِ؛ تَبَعًا لِاختلافِهم في الشُّروطِ المُعتبَرةِ فيه. فعَرَّفه الحَنفيَّةُ بأنَّه: شِراءُ آجِلٍ -وهو المُسلَمُ فيه- بعاجِلٍ وهو رأسُ المالِ. أو هو: اسمٌ لِعَقدٍ يُوجِبُ المِلكَ في الثَّمنِ عاجِلًا، وفي المُثمَّنِ آجِلًا، وسُمِّيَ به لِما فيه مِنْ وُجوبِ تَقديمِ الثَّمنِ، والسَّلَمُ في لُغةِ العَرَبِ: عَقدٌ يَتضمَّنُ تَعجيلَ أحَدِ البَدلَيْنِ وتأجيلَ الآخَرِ، وهو نَوعٌ مِنَ البَيعِ، لكنْ لمَّا

стр. 4073

اختُصَّ بحُكمٍ -وهو تَعجيلُ الثَّمنِ- اختُصَّ باسْمٍ؛ كالصَّرفِ لمَّا اختُصَّ بوُجوبِ تَعجيلِ البَدلَيْنِ اختُصَّ باسْمٍ (١). وعَرَّفه المالِكيَّةُ بأنَّه: بَيعُ شَيءٍ مَوصوفٍ مِنْ طَعامٍ، أو عَرضٍ، أو حَيوانٍ، أو غيرِ ذلك مما يُوصَفُ، مُؤجَّلًا في الذِّمَّةِ بغَيرِ جِنسِه (٢). أو هو: بَيعٌ يَتقدَّمُ فيه رأسُ المالِ، ويَتأخَّرُ المُثمَّنُ لِأجَلٍ (٣). وقالَ ابنُ عَرَفةَ ﵀: هو عَقدُ مُعاوَضةٍ يُوجِبُ عِمارةَ ذِمَّةٍ بغَيرِ عَينٍ، ولا مَنفَعةٍ، غيرُ مُتماثِلِ العِوضَيْنِ. فقَولُه: «بغَيرِ عَينٍ»، يُخرِجُ ما تأخَّر فيه الثَّمنُ، ويُسمَّى بَيعَ أجَلٍ. وقولُه: «ولا مَنفَعةٍ» يُخرِجُ به كِراءَ الدُّورِ والأرضينَ، وكِراءَ الدَّوابِّ، والرَّواحِلِ المَضمونةِ. وقَولُه: «غَيرُ مُتماثِلِ العِوضَيْنِ» يُخرِجُ السَّلَفَ. وقَولُه: «بصِفةٍ مَعلومةٍ» هذا أحَدُ شُروطِ صِحَّةِ السَّلَمِ (٤). وعَرَّفه الشافِعيَّةُ بأنَّه: بَيعُ شيءٍ مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ ببَدَلٍ يَجبُ تَعجيلُه بمَجلِسِ البَيعِ.

стр. 4074

وقيلَ: إسلافُ عِوَضٍ حاضِرٍ في مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ، وقيلَ: تَسليمُ عاجِلٍ في عِوَضٍ لا يَجبُ تَعجيلُه (١). وعَرَّفه الحَنابِلةُ بأنَّه: عَقدٌ على شَيءٍ يَصحُّ بَيعُه، مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ، مُؤجَّلٍ بثَمنٍ مَقبوضٍ في مَجلِسِ العَقدِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: هو أنْ يُسلِّمَ عِوَضًا حاضِرًا في عِوَضٍ مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ إلى أجَلٍ، ويُسمَّى سَلَمًا وسَلَفًا، يُقالُ: أسلَمَ، وأسلَفَ، وسَلَّفَ، وهو نَوعٌ مِنَ البَيعِ يَنعقِدُ بما يَنعقِدُ به البَيعُ. وبلَفظِ السَّلَمِ والسَّلَفِ، ويُعتبَرُ فيه مِنَ الشُّروطِ ما يُعتبَرُ في البَيعِ (٣). وقيلَ: هو بَيعُ مَعدومٍ خاصٍّ ليس نَفعًا إلى أجَلٍ، بثَمنٍ مَقبوضٍ في مَجلِسِ العَقدِ. وقيلَ: هو بَيعُ عَينٍ مَوصوفةٍ مَعدومةٍ في الذِّمَّةِ إلى أجَلٍ مَعلومٍ مَقدورٍ عليه عندَ الأجَلِ، بثَمنٍ مَقبوضٍ عندَ العَقدِ. وقيلَ: هو بَيعُ مَعدومٍ خاصٍّ بثَمنٍ مَقبوضٍ بشُروطٍ (٤).

стр. 4075

حُكمُ السَّلَمِ: السَّلَمُ جائِزٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ والمَعقولِ، وهو عَقدٌ شُرِعَ على خِلافِ القياسِ؛ لِكونِه بَيعَ المَعدومِ، إلَّا أنه تَرَك القياسَ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قال ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: «أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَأَذِنَ فِيهِ»، ثم قَرَأ الآيةَ (١). وأمَّا السُّنَّةُ: فعن ابن عَبَّاسٍ ﵄ قال: «قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ الْمدِينَةَ وهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمارِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ، فقال: مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (٢). وعن محمدِ بنِ أبي المُجالِدِ قال: بَعَثَني عَبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ، وأبو بُردةَ إلى عَبدِ اللهِ بنِ أبي أوْفَى ﵄ فقالا: «سَلْه: هل كان أصحَابُ النَّبيِّ ﷺ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ يُسلِفونَ في الحِنطَةِ؟ قال عَبدُ اللهِ: كُنَّا نُسلِفُ نَبيطَ أهلِ الشامِ في الحِنطَةِ، والشَّعيرِ، والزَّيتِ في كَيلٍ مَعْلومٍ إلى أجَلٍ مَعْلومٍ، قُلتُ: إلى مَنْ كان أَصْلُه عِندَه، قال: ما كُنا نَسألُهم عن ذلك؛ ثم بَعَثاني إلى عَبدِ الرَّحمنِ بنِ أبْزَى فسَألتُه، فقال: كان أصحابُ النَّبيِّ

стр. 4076

ﷺ يُسْلِفونَ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ، ولم نَسألْهم ألَهُمْ حَرْثٌ أمْ لا» (١). وأمَّا الإجماعُ: فقد نَقَل عَددٌ كَبيرٌ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على جَوازِه. قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وأجمَعتِ الأُمَّةُ على جَوازِ السَّلَمِ فيما عَلِمتُ (٢). وقال الماوَرديُّ ﵀: فأما الإجماعُ -أي: على جَوازِ السَّلَمِ- فقد انعَقَد مِنَ الصَّحابةِ بما رَوَيْنا مِنْ حَديث ابنِ أبي أوْفى، ولم يُخالِفْ بعدَهم إلا ابنُ المُسَيِّبِ؛ فقد حَكَيتُ عنه حِكايةً شاذَّةً أنَّه أبطَلَ السَّلَمَ، ومَنَع منه، وهو إنْ صَحَّتِ الحِكايةُ عنه فمَحجوجٌ بإجماعِ مَنْ تَقدَّموا مع ما ذَكَرنا مِنَ النُّصوصِ الدالَّةِ، والمَعنى المُوجِبِ (٣). وقال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ السَّلَمَ الجائِزَ أنْ يُسلِّمَ الرَّجُلُ صاحِبَه في طعامٍ مَعلومٍ مَوصوفٍ مِنْ طعامِ أرضٍ عامَّةٍ لا يُخطئُ مِثلُها، بكَيلٍ مَعلومٍ، أو وَزنٍ مَعلومٍ إلى أجَلٍ مَعلومٍ، ودَنانيرَ ودَراهِمَ مَعلومةٍ، يَدفَعُ ثَمنَ ما أسلَمَ فيه قبلَ أنْ يَتفرَّقا مِنْ مَقامِهما الذي تَبايَعا فيه، ويُسمِّيانِ المَكانَ الذي يُقبَضُ فيه الطَّعامُ، فإذا فَعَلا ذلك وكانا جائِزَيِ الأمرِ، كان صَحيحًا (٤).

стр. 4077

وقال ابنُ بَطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّه لا يَجوزُ السَّلَمُ؛ إلَّا في كَيلٍ مَعلومٍ، أو وَزنٍ مَعلومٍ فيما يُكالُ أو يُوزنُ، وأجمَعوا أنَّه إنْ كان السَّلَمُ فيما لا يُكالُ، ولا يُوزنُ، فلا بُدَّ فيه مِنْ عَددٍ مَعلومٍ، وأجمَعوا على أنَّه لا بُدَّ مِنْ مَعرِفةِ صِفةِ الشيءِ المُسلَمِ فيه (١). وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفَقوا على جَوازِ السَّلَمِ المُؤجَّلِ (٢). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعوا على جَوازِه -أي: السَّلَمِ- في كلِّ ما يُكالُ، أو يُوزنُ، لِما ثَبَت مِنْ حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ المَشهورِ … ، واتَّفَقوا على امتِناعِه فيما لا يَثبُتُ في الذِّمَّةِ؛ وهو الدُّورُ والعَقارُ (٣). وقال النَّوَويُّ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ السَّلَمِ (٤). وأمَّا المَعقولُ: فلأنَّ المُثمَّنَ في البَيعِ أحَدُ عِوَضيِ العَقدِ؛ فجازَ أنْ يَثبُتَ في الذِّمَّةِ، كالثَّمنِ، ولأنَّ بالناسِ حاجةً إليه؛ لأنَّ أربابَ الزُّروعِ والثِّمارِ والتِّجاراتِ يَحتاجونَ إلى النَّفقةِ على أنفُسِهم وعليها لِتَكمُلَ، وقد تَعوزُهم النَّفقةُ، فجُوِّزَ لَهم السَّلَمُ لِيرتَفِقوا ويَرتفِقَ المُسلَمُ بالاستِرخاصِ (٥). ويُسمَّى بَيعَ المَفاليسِ، شُرِع لِحاجَتِهم إلى رأسِ المالِ؛ لأنَّ أغلَبَ مَنْ

стр. 4078

يَعقِدُه مَنْ لا يَكونُ المُسلَمُ فيه في مِلكِه؛ لأنَّه لو كان في مِلكِه يَبيعُه بأوفَرِ الثَّمنَيْنِ؛ ولا يَحتاجُ إلى السَّلَمِ (١). عَناصِرُه أربعةٌ: ١ - مُسلِمٌ (وهو صاحِبُ السَّلَمِ رَبُّ المالِ). ٢ - مُسلَمٌ إليه (وهو البائِعُ). ٣ - مُسلَمٌ فيه (وهو المَبيعُ، الحِنطةُ مَثَلًا). ٤ - ثَمنٌ (وهو رأسُ المالِ). رُكنُ السَّلَمِ وبأيِّ شَيءٍ يَنعقِدُ: رُكنُه: الإيجابُ والقَبولُ، كالبيعِ، ويَنعقِدُ بلَفظِ السَّلَمِ، وهو أنْ يَقولَ: أسلَمتُ إليكَ عَشرةَ دَراهِمَ في كُرِّ حِنطةٍ؛ لأنَّه حَقيقةٌ فيه، وبلَفظِ السَّلَفِ أيضًا؛ لأنَّه بمَعناه، وهذا باتِّفاقِ العُلماءِ، ويَنعقِدُ أيضًا بلَفظِ البَيعِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ والشافِعيَّةِ في مُقابِلِ الأصَحِّ؛ لأنَّه نَوعُ بَيعٍ يَقتَضي القَبضَ في المَجلِسِ؛ فانعَقَد بلَفظِ البَيعِ، كالصَّرفِ، والدَّليلُ على أنَّه بَيعٌ ما رُوِيَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن بَيعِ ما ليس عندَ الإنسانِ، ورَخَّص في السَّلَمِ، نَهَى ﵊ عن بَيعِ ما ليس عندَ الإنسانِ عامَّةً، ورَخَّص في السَّلَمِ بالرُّخصةِ فيه؛ فدَلَّ على أنَّ السَّلَمَ بَيعُ ما ليس عندَ الإنسانِ؛ لِيَستقيمَ تَخصيصُه عن عُمومِ النَّهيِ بالتَّرخُّصِ فيه.

стр. 4079

وقالَ زُفَرُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: لا يَنعقِدُ إلا بلَفظِ السَّلَمِ، أو السَّلَفِ، ولا يَنعقِدُ بلَفظِ البَيعِ؛ فإذا عُقِدَ بلَفظِ البَيعِ كان بَيعًا، ولا يُشترَطُ فيه قَبضُ العِوَضِ في المَجلِسِ؛ لأنَّ السَّلَمَ غيرُ البَيعِ؛ فلا يَنعقِدُ بلَفظِه، ووَجهُ قَولِ زُفَرَ أنَّ القياسَ ألَّا يَنعقِدَ أصلًا؛ لأنَّه بَيعُ ما ليس عندَ الإنسانِ، وهو مَنهيٌّ عنه؛ إلا أنَّ الشَّرعَ وَرَد بجَوازِه بلَفظِ السَّلَمِ، بقَولِه: «ورَخَّص في السَّلَمِ»؛ فوَجَب الاقتِصارُ عليه؛ لِعَدَمِ إجازةِ سِواه (١). بَيانُ حُكمِ السَّلَمِ شَرعًا: يَترتَّبُ على عَقدِ السَّلَمِ: ثُبوتُ المِلكِ لِرَبِّ السَّلَمِ في المُسلَمِ فيه مُؤجَّلًا؛ في مُقابلةِ ثُبوتِ المِلكِ في رأسِ المالِ المُعيَّنِ أو المَوصوفِ مُعجَّلًا، لِلمُسلَّمِ إليه بطَريقِ الرُّخصةِ، دَفعًا لِحاجةِ الناسِ، بشَرائطَ مَخصوصةٍ، لَم تُشترَطْ في بَيعِ العَينِ (٢). شُروطُ صِحَّةِ السَّلَمِ: يُشترَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ زيادةً على شُروطِ صِحَّةِ البَيعِ شُروطٌ؛ منها ما هو مُتَّفَقٌ عليه، ومنها ما هو مُختلَفٌ فيه، وهذه الشُّروطُ منها ما يَكونُ في رأسِ المالِ، ومنها ما يَكونُ في المُسلَمِ فيه، وهي على التفصيلِ الآتي:

стр. 4080

الشَّرطُ الأوَّلُ: تَسليمُ رأسِ المالِ قبلَ التفرُّقِ مِنْ مَجلِسِ العَقدِ تَفرُّقًا يُبطِلُ خيارَ المَجلِسِ؛ فإنْ ناما في مَجلِسِهما أو قاما يَمشيانِ معًا لَم يَبطُلْ. وهذا مَذهبُ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ والمالِكيَّةِ في قَولٍ، وهو أنَّه يُشترَطُ ألَّا يَتفَرَّقا إلَّا بعدَ قَبضِ رأسِ المالِ، سَواءٌ كانَ على شَرطٍ بَينَهما، أو على غيرِ شَرطٍ؛ فإنْ حَصَل تَفرُّقٌ قبلَ قَبضِ رأسِ المالِ بَطَل السَّلَمُ بَينَهما؛ لِئلَّا يَصيرَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ، ولقَولِه ﷺ : «فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ»، والإسلافُ هو التَّقديمُ، فاقتَضى التَّعجيلَ، ولأنَّه إنَّما سُمِّيَ سَلَمًا لِما فيه مِنْ تَسليمِ رأسِ المالِ؛ فإذا تأخَّرَ لَم يَكُنْ سَلَمًا، فلم يَصحَّ؛ لأنَّ السَّلَمَ مُشتَقٌّ مِنْ إسلامِ المالِ، أي: تَعجيلِه، وأسماءُ العُقودِ المُشتَقَّةُ مِنَ المَعاني لا بُدَّ مِنْ تَحقُّقِ تلك المَعاني فيها؛ فلو تَفرَّقا مِنْ غيرِ قَبضٍ لَم يَصحَّ؛ لأنَّه مِنْ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، وقد نَهى الشارِعُ عنه، كما تَقدَّم. ولأنَّ السَّلَمَ أخْذُ عاجِلٍ بآجِلٍ؛ يُشترَطُ كَونُ أحَدِ البَدلَيْنِ فيه مُعجَّلًا، كما يُشترَطُ أنْ يَكونَ الآخَرُ مُؤجَّلًا؛ لِيَتوفَّرَ على هذا العَقدِ مُقتَضاه، والتَّعجيلُ إنما يَحصُل بالقَبضِ في المَجلِسِ، فكان يَنبَغي أنْ يُشترَطَ اقتِرانُ القَبضِ بالعَقدِ؛ فإنَّه أتَمُّ ما يَكونُ مِنَ التَّعجيلِ، ولكنَّ الشَّرعَ جَعَل ساعاتِ المَجلِسِ كحالةِ العَقدِ؛ تَيسيرًا، كما في عَقدِ الصَّرفِ. ولِأنَّ جَوازَ عَقدِ السَّلَمِ لِحاجةِ المُسلَمِ إليه، وإنما تَتوافَرُ له حاجَتُه إذا وَصَل رأسُ المالِ إليه، فيُشترَطُ وُصولُه إلى يَدِه مَقرونًا بالعَقدِ، ثم حالةُ المَجلِسِ جُعِلتْ كحالةِ العَقدِ؛ فلهذا يَفسُدُ بتَركِ قَبضِ رأسِ المالِ في المَجلِسِ.

стр. 4081

وقال المالِكيَّةُ في المَشهورِ: يَجوزُ تأخيرُه بعدَ العَقدِ ثلاثةَ أيامٍ؛ لأنَّ الثلاثةَ مُستَثناةٌ مِنَ المُحرِمِ في الهِجرةِ، والمُهاجَرةُ بالإقامةِ بمَكةَ ثَلاثةَ أيامٍ، ومُنِعَ الإحدادُ لِغَيرِ ذاتِ الزَّوجِ فَوقَ ثلاثةٍ، فشَرطُ عَقدِ السَّلَمِ أنْ يَكونَ رأسُ المالِ فيه مَقبوضًا بالفِعلِ، أو ما في حُكمِه؛ كتأخيرِه ثلاثةَ أيامٍ؛ إذ ما قارَبَ الشيءَ يُعطى حُكمَه، كما لو كان لِرَجُلٍ على رَجُلٍ دَينٌ جازَ أنْ يُؤخِّرَ اليَومَ واليومَيْنِ على وَجهِ الرِّفقِ، ولو كان التأخيرُ بشَرطٍ عِنْدَ العَقدِ، وذلك فيما شُرِطَ قَبضُه في بَلَدٍ آخَرَ، وإلَّا فلا يَجوزُ تأخيرُ هذه المُدَّةِ؛ لأنَّه عَينُ الكالئِ بالكالئِ؛ فيَجِبُ أن يَقبِضَ رأسَ المالِ بالمَجلِسِ، أو ما يَقرُبُ منه، وسَواءٌ كان رأسُ المالِ عَينًا أو عَرضًا أو مِثليًّا. فإنْ أخَّرَ رأسَ المالِ عن ثلاثةِ أيامٍ: فإنْ كان التأخيرُ بشَرطٍ فَسَد السَّلَمُ اتِّفاقًا، سَواءٌ أكان التأخيرُ كثيرًا جدًّا، بأنْ حَلَّ أجَلُ المُسلَمِ فيه، أم لَم يَكثُرْ جدًّا بأنَّه لَم يَحِلَّ أجَلُه. وإنْ كان التأخيرُ بلا شَرطٍ فقولان لِمالِكٍ أشهَرُهما -وهو المُعتمَدُ- أنَّه يَفسُدُ، ومُقابِلُ المَشهورِ: لا يَفسُدُ السَّلَمُ، سَواءٌ أكانَ التأخيرُ كَثيرًا جدًّا أم لا. وجازَ رأسُ السَّلَمِ بمَنفَعةِ شيءٍ مُعيَّنٍ مُدَّةً مُعيَّنةً، كأنْ يَقولَ له: أسلَمتُكَ سُكنى داري هذه، أو رُكوبَ دابَّتي هذه شَهرًا في إردَبِّ قَمحٍ، آخُذُه منكَ في شَهرِ كذا. ومَنشأُ الخِلافِ بينَ الجُمهورِ والمالِكيَّةِ: هل يُسمَّى هذا التأخيرُ دَينًا أو لا؟ وما قارَبَ الشيءَ هل يُعطى حُكمَه أو لا؟

стр. 4082

قَبضُ بَعضِ الثَّمنِ: لو تَفرَّقا قبلَ قَبضِ بَعضِه، هل يَبطُلُ بالكُلِّيَّةِ أو يَبطُلُ فيما لَم يُقبَضْ؟ فقال الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: لو تَفرَّقا قبلَ قَبضِ بَعضِه بَطَل فيما لَم يُقبَضْ، وسَقَط بقِسطِه مِنَ المُسلَمِ فيه، وصَحَّ فيما قُبِضَ، والحُكمُ في المَقبوضِ كمَن اشتَرى شيئَيْنِ فتلِف أحَدُهما قبلَ قَبضِه. وقال المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ: يَبطُلُ في الجَميعِ (١). الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ السَّلَمُ في الذِّمَّةِ إلى أجَلٍ مَعلومٍ: يُشترَطُ في السَّلَمِ أنْ يَكونَ مُؤجَّلًا، وأنْ يَكونَ الأجَلُ مَعلومًا. أما كَونُه مُؤجَّلًا فلا خِلافَ بينَ العُلماءِ على صِحَّتِه مُؤجَّلًا، وذلك بالنَّصِّ والإجماعِ. أمَّا السَّلَمُ الحالُّ فلا يَصحُّ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ

стр. 4083

والحَنبَليَّةِ؛ لِحَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمارِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ، فقال: «مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (١)، فالنَّبيُّ ﷺ أتى بلَفظِ العُمومِ في قوله: «مَنْ أسْلَفَ»، وأيضًا فإنَّه ﷺ أحَلَّ الأجَلَ مَحَلَّ الكَيلِ، والوَزنِ وقَرَنه بهما؛ فلَمَّا لَم يَجُزِ العَقدُ إذا عُدِمتْ صِفةُ الكَيلِ والوَزنِ فكذلك الأجَلُ يَجبُ اعتبارُه، كما لو قال: صَلِّ على صِفةِ كذا، لَم يَجُزْ العُدولُ عن الصِّفةِ. ولِأنَّ السَّلَمَ إنما جاز رُخصةً لِلرِّفقِ، ولا يَحصُلُ الرِّفقُ إلا بالأجَلِ؛ فإذا انتَفى الأجَلُ انتَفى الرِّفقُ، فلا يَصحُّ، كالكِتابةِ، ولأنَّ الحُلولَ يُخرِجُه عن اسمِه ومعناه. أمَّا الاسمُ فلأنَّه يُسَمَّى سَلَمًا وسَلَفًا؛ لِتَعجيلِ أحَدِ العِوضَيْنِ، وتأخُّرِ الآخَرِ. ومَعناه ما ذَكَرناه في أوَّلِ البابِ مِنْ أنَّ الشارعَ أرخَصَ فيه لِلحاجةِ الداعيةِ إليه، ومع حُضورِ ما يَبيعُه حالًّا لا حاجةَ إلى السَّلَمِ؛ فلا يَثبُتُ. والدَّليلُ عليه أيضًا أنَّه يَجبُ تَسليمُ رأسِ المالِ أوَّلًا؛ فلو جازَ أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه حالًّا، لَم يَجِبْ تَسليمُ رأسِ المالِ أوَّلًا؛ لأنَّ قَضيةَ المُعاوَضةِ التَّسويةُ بينَ المُتعاقِدَيْنِ في التَّمليكِ، والتَّسليمِ. ولأنَّ السَّلَمَ عَقدُ تِجارةٍ، وهو مَبنيٌّ على الضِّيقِ، فالظاهِرُ أنَّه يُطالِبُه

стр. 4084

بالتَّسليمِ عُقَيبَ العَقدِ، وهو عاجِزٌ عن ذلك؛ فلِهذا لَم يَجُزْ إلَّا مُؤجَّلًا. قال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: ولأنَّ السَّلَمَ إنما جُوِّزَ ارتِفاقًا لِلمُتعاقِدَيْنِ؛ لأنَّ المُسلِمَ يُقدِّمُ الثَّمنَ لِلارتِخاصِ، والمُسلَمَ إليه يَرغَبُ في ارتِخاصِ الثَّمنِ لِلرِّفقِ الذي له في استِعجالِ الانتِفاعِ به، وفي الصَّبرِ والتأخيرِ، وإذا زال الرِّفقُ زال الجَوازُ؛ فكان كالقَرضِ، لمَّا كان لِلرِّفقِ بالمُقترِضِ كان ما أخرَجَه عن ذلك يُبطِلُه؛ ولأنَّ السَّلَمَ مُشتَقٌّ مِنْ اسمِه الذي هو السَّلَفُ، وهو أنْ يَتقدَّمَ رأسُ المالِ ويَتأخَّرَ المُسلَمُ فيه؛ فوَجَب مَنعُ ما أخرَجَه عن ذلك، ولأنَّه بَدَلٌ في السَّلَمِ وَجَب أنْ يَقَعَ على وَجهٍ واحِدٍ اعتبارًا برأسِ المالِ (١). وقال الكاسانيُّ ﵀: أوجَبَ ﵊ مُراعاةَ الأجَلِ في السَّلَمِ، كما أوجَبَ مُراعاةَ القَدْرِ فيه، فيَدلُّ على كَونِه شَرطًا فيه كالقَدْرِ، ولأنَّ السَّلَمَ حالًّا يُفضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّ السَّلَمَ بَيعُ المَفاليسِ، فالظاهِرُ أنْ يَكونَ المُسلَمُ إليه عاجِزًا عن تَسليمِ المُسلَمِ فيه، ورَبُّ السَّلَمِ يُطالِبُ بالتَّسليمِ، فيَتنازَعان على وَجهٍ تَقَعُ الحاجةُ فيه إلى الفَسخِ، وفيه إلحاقُ الضَّرَرِ برَبِّ السَّلَمِ؛ لأنَّه سَلَّمَ رأسَ المالِ إلى المُسلَمِ إليه، وصَرَفه في حاجَتِه؛ فلا يَصِلُ إلى المُسلَمِ فيه، ولا إلى رأسِ المالِ، فشُرِطَ الأجَلُ؛ حتى لا يَملِكَ المُطالَبةَ إلَّا بعدَ حُلولِ الأجَلِ، وعندَ ذلك يَقدِرُ على التَّسليمِ ظاهِرًا؛ ولا يُؤدِّي إلى المُنازَعةِ المُفضيةِ إلى الفَسخِ والإضرارِ

стр. 4085

برَبِّ السَّلَمِ، ولأنَّه عَقدٌ لَم يُشرَعْ إلَّا رُخصةً؛ لِكَونِه بَيعَ ما ليس عندَ الإنسانِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن بَيعِ ما ليس عِنْدَ الإنسانِ، ورَخَّصَ في السَّلَمِ، فهذا الحَديثُ يَدلُّ على أنَّ بَيعَ ما ليس عِنْدَ الإنسانِ لَم يُشرَعْ إلَّا رُخصةً، وأنَّ السَّلَمَ بَيعُ ما ليس عندَ الإنسانِ أيضًا، على ما ذَكَرنا مِنْ قَبلُ. والرُّخصةُ في عُرفِ الشَّرعِ: اسمٌ لِما يُغيَّرُ عن الأمرِ الأصليِّ بعارِضِ عُذرٍ إلى تَخفيفٍ ويُسرٍ، كرُخصةِ تَناوُلِ المَيْتةِ، وشُربِ الخَمرِ بالإكراهِ، والمَخمَصةِ، ونَحوِ ذلك؛ فالتَّرخُّصُ في السَّلَمِ هو تَغييرُ الحُكمِ الأصليِّ، وهو حُرمةُ بَيعِ ما ليس عندَ الإنسانِ إلى الحُلولِ بعارِضِ عُذرٍ؛ لِعَدَمِ ضَرورةِ الإفلاسِ، فحالةُ الوُجودِ والقُدرةِ لا يَلحَقُها اسمُ قُدرةِ الرُّخصةِ، فيَبقى الحُكمُ فيها على العَزيمةِ الأصليَّةِ؛ فكانتْ حُرمةُ السَّلَمِ الحالِّ على هذا التَّقريرِ مُستفادةً مِنَ النَّصِّ، كأنْ يَنبَغي ألَّا يَجوزَ السَّلَمُ مِنَ القادِرِ على تَسليمِ المُسلَمِ فيه لِلحالِ، إلَّا أنه صارَ مَخصوصًا عن النَّهيِ العامِّ؛ فأُلحِقَ بالعاجِزِ عن التَّسليمِ لِلحالِ على اعتِبارِ الأصلِ، وإلحاقُ النادِرِ بالعَدَمِ في أحكامِ الشَّرعِ (١). وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: وأجمَعَ الفُقهاءُ على إبطالِ السَّلَمِ إذا وَقَع بلا تأجيلٍ لِقَبضِ المُسلَمِ، إلَّا الشافعيَّ؛ فإنَّه أجازَه (٢).

стр. 4086

وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا في السَّلَمِ الحالِّ؛ فقال أبو حَنيفةَ، ومالِكٌ، وأحمدُ: لا يَصحُّ، وقال الشافعيُّ: يَصحُّ (١). وأقَلُّ الأجَلِ اختَلَفوا فيه أيضًا؛ فعندَ الحَنفيَّةِ في المَذهبِ أقَلُّه شَهرٌ؛ لأنَّه أدنى الآجِلِ وأقصى العاجِلِ، كما إذا حَلَف المَدينُ لِيَقضيَنَّ دَينَه عاجِلًا فقضاه قبلَ تَمامِ الشَّهرِ بَرَّ في يَمينِه؛ فإذا كان ما دونَ الشَّهرِ في حُكمِ العاجِلِ كان الشَّهرُ فما فَوقَه في حُكمِ الآجِلِ. وفي قَولٍ عندَ الحَنفيَّةِ أنَّ أدنى الأجَلِ فيه ثلاثةُ أيامٍ، اعتبارًا لِلأجَلِ بالخيارِ الذي وَرَد الشَّرعُ فيه بالتَّقديرِ بثلاثةِ أيامٍ. وقيلَ: أدنى الأجَلِ فيه أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ نَصفِ يَومٍ؛ لأنَّ المُعجَّلَ ما كان مَقبوضًا في المَجلِسِ، والمُؤجَّلَ ما يَتأخَّرُ قَبضُه عن المَجلِسِ، ولا يَبقى المَجلِسُ بَينَهما في العادةِ أكثَرَ مِنْ نِصفِ يَومٍ. وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ أنْ يَكونَ الأجَلُ في السَّلَمِ اليَومَ واليَومَينِ؛ وإنما يَجوزُ في أمرٍ تَرتفِعُ في مِثلِه الأسواقُ وتَنخفِضُ، هذا هو المَشهورُ مِنَ المَذهبِ، وقد أجازَه بَعضُ أصحابِ مالِكٍ، ورُويَ أيضًا عن مالِكٍ أنه يَجوزُ أن يَكونَ أجَلُ السَّلَمِ ثلاثةَ أيامٍ فصاعِدًا دونَ مُراعاةِ الأسواقِ، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: والأوَّلُ تَحصيلُ مَذهبِه (٢). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وتَحصيلُ مَذهبِ مالِكٍ في مِقدارِه مِنَ الأيامِ أنَّ

стр. 4087

المُسلَمَ فيه على ضَربَيْنِ، هُما: ضَربٌ يُقتَضى بالبَلَدِ المُسلَمِ فيه، وضَربٌ يُقتَضى بغَيرِ البَلَدِ الذي وَقَع فيه المُسلَمُ؛ فإنِ اقتَضاه في البَلَدِ المُسلَمِ فيه قال ابنُ القاسِمِ: إنَّ المُعتبَرَ في ذلك أجَلٌ تَختلِفُ فيه الأسواقُ، وذلك خَمسةَ عَشَرَ يَومًا أو نَحوُها، ورَوى ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ أنَّه يَجوزُ اليومَيْنِ والثلاثةِ، وقال ابنُ عَبدِ الحَكَمِ: لا بأسَ به إلى اليومِ الواحِدِ؛ وأمَّا ما يُقتَضى ببَلَدٍ آخَرَ؛ فإنَّ الأجَلَ عندَهم فيه هو قَطعُ المَسافةِ التي بينَ البَلدَيْنِ قَلَّتْ أو كَثُرتْ (١). وقال الحَنابِلةُ: يُشترَطُ في الأجَلِ أن يَكونَ له وَقعٌ في العادةِ، كشَهرٍ ونَحوِه، أو نِصفِ شَهرٍ على قَولٍ؛ لأنَّ الأجَلَ إنَّما اعتُبِرَ لِيَتحقَّقَ الرِّفقُ الذي شُرِعَ مِنْ أجْلِه السَّلَمُ، ولا يَحصُلُ ذلك بالمُدَّةِ التي لا وَقْعَ لها في الثَّمنِ. وقال الشافِعيَّةُ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ وبَعضُ المالِكيَّةِ وابنُ القَيِّمِ مِنَ الحَنابِلةِ: يَجوزُ السَّلَمُ حالًّا؛ لأنَّه عَقدٌ يَصحُّ مُؤجَّلًا، فصَحَّ حالًّا، كبُيوعِ الأعيانِ، ولأنَّه إذا جازَ مُؤجَّلًا فحالًّا أقوى إجازةً، ومن الغَرَرِ أبعَدُ، ولأنَّه لا دَليلَ في اشتِراطِ الأجَلِ، فوَجَب نَفيُه؛ ولأنَّه لو شَرَط الأجَلَ لَكان لِتَحصيلِ القُدرةِ على التَّسليمِ التي هي شَرطُ جَوازِ العَقدِ، وهي ثابِتةٌ، والظاهِرُ مِنْ حالِ العاقِد أنَّه لا يَلتزِمُ تَسليمَ ما لا يَقدِرُ عليه، والفَرضُ وُجودُ المُسلَمِ فيه، فيَقدِرَ عليه، ولو لَم يَكُنْ قادرًا حَقيقةً؛ فقد ثَبتَتْ قُدرَتُه بما دَخَل في يَدِه مِنْ رأسِ المالِ، ولِهذا أوجَبْنا تَسليمَ رأسِ المالِ، بخِلافِ الكِتابةِ الحالَّةِ؛ فإنَّ

стр. 4088

العَبدَ يَخرُجُ بالكِتابةِ مِنْ يَدِ مَولاه، مِنْ غيرِ أنْ يَدخُلَ في مِلكِه شيءٌ، فلا يَصيرُ قادرًا على تَسليمِ بَدَلِ الكِتابةِ. وأمَّا قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أسْلَمَ في شَيْءٍ؛ فليُسلِمْ في كَيلٍ مَعلومٍ ووَزنٍ مَعلومٍ إلى أجَلٍ مَعلومٍ»؛ فليس مَعناه الأمرَ بالتأجيلِ في السَّلَمِ، فيُمنَعُ الحالُّ، بل مَعناه مَنْ أسلَمَ في مَكيلٍ فليُسلِمْ في مَكيلٍ مَعلومٍ، أو في مَوزونٍ فليُسلِمْ في مَوزونٍ مَعلومٍ، أو إلى أجَلٍ؛ فليَكُنْ إلى أجَلٍ مَعلومٍ؛ لأنَّه لو لَم يَكُنْ كذلك لَكان أيضًا أمرًا بأنْ يَكونَ السَّلَم في مَكيلٍ أو مَوزونٍ، فلَم يَجُزْ في المَعدودِ والمَذروعِ؛ لأنَّ النَّسَقَ في الفُصولِ الثلاثةِ واحِدٌ. وشَرطُ جَوازِ السَّلَمِ حالًّا عندَ الشافِعيَّةِ أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه مَوجودًا عندَ العَقدِ؛ فأمَّا ما لَم يُوجَدْ إلَّا بعدَ ذلك، كالرُّطَبِ في غيرِ أوانِه فلا يَجوزُ إلا مُؤجَّلًا. فإنْ قيلَ: ما فائِدةُ العُدولِ مِنَ البَيعِ إلى السَّلَمِ الحالِّ؟ أُجيبَ بأنَّ فائدَتَه جَوازُ العَقدِ مع غَيبةِ المَبيعِ؛ فإنَّ المَبيعَ قد لا يَكونُ حاضرًا مَرئيًّا، فلا يَصحُّ بَيعُه، وإنْ أخَّره لِإحضارِه فربما فات على المُشتَري، ولا يتمَكَّنُ مِنَ الانفِساخِ؛ إذْ هو مُتعلِّقٌ بالذِّمَّةِ، فيَعدِلُ إلى السَّلَمِ، ويَصِفُ المالَ بصِفاتِه، ويُحضِرُه لِيَكونَ العَقدُ صَحيحًا لازِمًا. إذا كان الأجَلُ مَعلومًا: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه يُشترَطُ في الأجَلِ أنْ يَكونَ مَعلومًا؛ لقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]،

стр. 4089

ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (١)؛ لأنَّ عِلمَه يَمنَعُ النِّزاعَ، ولأنَّ الجَهالةَ فيه مانِعةٌ مِنَ التَّسليمِ الواجِبِ بالعَقدِ؛ لأنَّه إذا كان مَجهولًا أثَّرَ في التَّسليمِ، فيُطالِبُه البائِعُ بالثَّمنِ في قَريبِ المُدَّةِ، والمُشتَري في بَعيدِها. فأمَّا كَيفيَّةُ الأجَلِ: فيُشترَطُ أنْ يَكونَ الأجَلُ مَعلومًا بالسِّنينِ أو بالشُّهورِ أو بالأيامِ، أو يُسلِّمَ إلى وَقتٍ مَعلومٍ؛ مِثلَ مَجيءِ شَهرِ كذا، أو إلى عيدِ كذا، أو نَحوِه؛ فإنْ ذَكَر أجَلًا مَجهولًا، مِثلَ الحَصادِ والعَطاءِ وقُدومِ الحاجِّ وما أشبَهَه لا يَصحُّ، وهذا مَذهبُ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لِقولِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁: «لا تَبايَعوا إلى الحَصادِ والدِّياسِ، ولا تَتبايَعوا إلا إلى أجَلٍ مَعلومٍ» (٢)، أي: إلى شَهرٍ مَعلومٍ، ولأنَّ ذلك يَختلِفُ ويَقرُبُ ويَبعُدُ؛ فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ أجَلًا؛ كقُدومِ زَيدٍ. وقال المالِكيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: يَجوزُ إلى الحَصادِ والجِذاذِ؛ لأنَّ ابنَ عُمرَ ﵄ كان يُبايِعُ إلى العَطاءِ (٣)؛ ولأنَّه أجَلٌ يَتعلَّقُ بوَقتٍ مِنَ الزَّمَنِ يُعرَفُ في العادةِ، لا يَتفاوَتُ فيه تَفاوُتًا كَثيرًا؛ فأشبَهَ إذا قال: إلى رأسِ السَّنةِ. قال الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وهو أنْ يَكونَ الأجَلُ مَعلومًا؛ فلا خِلافَ فيه بينَ الأُمَّةِ؛ لِوَصفِ اللهِ تَعالى ونَبيِّه الأجَلَ بذلك، وانفَرَد مالِكٌ دونَ

стр. 4090

الفُقهاءِ بالأمصارِ بجَوازِ البَيعِ إلى الجِذاذِ والحَصادِ؛ لأنَّه رآه مَعلومًا (١). الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه مَوجودًا عندَ مَحَلِّه: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه مما يُوجَدُ في الأغلَبِ عندَ حُلولِ الأجَلِ؛ لِوُجوبِ تَسليمِه إذًا؛ لأنَّ القُدرةَ على التَّسليمِ شَرطٌ، ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في هذا؛ وذلك لأنَّه إذا كان كذلك أمكَنَ تَسليمُه عندَ وُجوبِ تَسليمِه، وإذا لَم يَكُنْ كذلك لَم يَكُنْ مَوجودًا عندَ المَحَلِّ بحُكمِ الظاهِرِ، فلَم يُمكِنْ تَسليمُه، فلَم يَصحَّ بَيعُه، كبَيعِ الآبِقِ، بل أوْلى؛ فإنَّ السَّلَمَ

стр. 4091

احتُمِلَ فيه أنواعٌ مِنَ الغَرَرِ لِلحاجةِ؛ فلا يُحتمَلُ فيه غَرَرٌ آخَرُ؛ لِئلَّا يَكثُرَ الغَرَرُ فيه؛ فلا يَجوزُ أنْ يُسلَّمَ في العِنبِ، والرُّطَبِ إلى شباطَ أو آذارَ، ولا إلى مَحَلٍّ لا يُعلَمُ وُجودُه فيه؛ كزَمانِ أوَّلِ العِنبِ أو آخِرِه الذي لا يُوجَدُ فيه إلا نادرًا، فلا يُؤمَنُ انقِطاعُه. ولا يُشترَطُ أنْ يَكونَ مَوجودًا مِنْ حينِ العَقدِ إلى حينِ التَّسليمِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، بل يَكفي أنْ يَكونَ مَوجودًا حينَ التَّسليمِ؛ لِحَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ الْمدِينَةَ وهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمارِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ؛ فقال: «مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (١)، ولم يَذكُرِ الوُجودَ، ولو كان شَرطًا لَذَكَره ولَنَهاهم عن السَّلَفِ سِنينَ؛ لأنَّه يَلزَمُ منه انقِطاعُ المُسلَمِ فيه أوسَطَ السَّنةِ؛ ولأنَّه يَثبُتُ في الذِّمَّةِ، ويُوجَدُ في مَحَلِّه في الأغلَبِ؛ فجاز السَّلَمُ فيه، كالمَوجودِ، ولأنَّ الناسَ يَدخلونَ في وَقتِ العَقدِ على رَجاءِ السَّلامةِ، ولم يُكلَّفوا مُراعاةَ ما يَجوزُ أنْ يَحدُثَ، ويَجوزُ ألَّا يَحدُثَ. قال ابنُ بَطَّالٍ ﵀: لو كان المُسلَمُ فيه مَوجودًا طَوالَ السَّنةِ إلا يَومِ القَبضِ فسَلَّمَ فيه إلى سَنةٍ، كان هذا السَّلَمُ باطِلًا بإجماعٍ، وإنْ كان مَوجودًا وَقتَ العَقدِ وطَوالَ السَّنةِ؛ لأنَّه حينَ المَحَلِّ والقَبضِ مَعدومٌ؛ فعُلِمَ بهذا أنَّ الاعتِبارَ بوُجودِه هو وَقتُ القَبضِ، لا وَقتُ العَقدِ، والدَّليلُ على صِحَّةِ هذا

стр. 4092

أنَّهم كانوا يُسلِفونَ في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ في الثَّمَرِ السَّنةَ والسَّنتَيْنِ، ومَعلومٌ أنَّه إذا أسلَفَ في الثَّمَرِ سَنةً فإنَّه يَتخلَّلُ الأجَلَ زَمانٌ يَنقطِعُ فيه الثَّمَرُ، وهو زَمانُ الشِّتاءِ، ثم إنَّ النَّبيَّ ﷺ أقَرَّهم على ذلك، ولم يُنكِرْ عليهم السَّلَفَ في سَنةٍ وأكثَرَ؛ فثَبَت ما قُلناه. وأمَّا نَهيُه ﷺ عن بَيعِ الثِّمارِ حتى يَبدُوَ صَلاحُها، فهو مَحمولٌ عِندَنا على أنَّ بَيعَ الثَّمَرةِ عَينًا لا يَجوزُ إلَّا بعدَ بُدُوِّ صَلاحِها، وفي السَّلَمِ ليس عندَ العَقدِ ثَمَرةٌ مَوجودةٌ عندَ البائِعِ تَستحِقُّ اسمَ البَيعِ حَقيقةً، وحَديثُ النَّهيِ عن بَيعِ الثِّمارِ حتى يَبدُوَ صَلاحُها مُرتَّبٌ على السَّلَمِ، تَقديرُه: أنَّه نَهى عن بَيعِ الثِّمارِ حتى يَبدُوَ صَلاحُها إلا أنْ يَكونَ سَلَمًا، بدَليلِ حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّهم كانوا يُسلِفونَ في الثَّمَرِ السَّنتَيْنِ والثَّلاثَ، وذلك بَيعٌ له قبلَ أنْ يَبدُوَ صَلاحُه، وقبلَ أنْ يُخلَقَ، وإذا جازَ السَّلَمُ في الثَّمَرِ فقد جازَ في الرُّطَبِ، والرُّطَبُ لا يُوجَدُ في سائِرِ السَّنةِ كما يُوجَدُ التَّمرُ؛ فلا مَعنى لقَولِهم (١). وقال الحَنفيَّةُ: لا يَجوزُ السَّلَمُ حتى يَكونَ المُسلَمُ فيه مَوجودًا مِنْ حينِ العَقدِ إلى وَقتِ التَّسليمِ حتى لو كان مَوجودًا حالَ العَقدِ مَعدومًا وَقتَ التَّسليمِ، أو كان مَعدومًا حالَ العَقدِ مَوجودًا وَقتَ التَّسليمِ، أو مَعدومًا بينَهما بأنِ انقَطَع مِنْ أيدي الناسِ فيما بينَ ذلك، كالثِّمارِ، والفَواكِه، واللَّبَنِ، وأشباهِ ذلك، فلا يَجوزُ السَّلَمُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن بَيعِ الثِّمارِ حتى يَبدُوَ صَلاحُها، ولم يَرِد به النَّهيُ عن بَيعِها سَلَمًا؛ والمَعنى فيه أنَّ قُدرةَ

стр. 4093

العاقِدِ على تَسليمِ المَعقودِ عليه شَرطٌ لِجَوازِ العَقدِ، كما في بَيعِ العَينِ، وهذا لأنَّ المُلتَزِمَ لِلتَّسليمِ هو العاقِدُ، فيُشترَطُ قُدرَتُه على التَّسليمِ ولا يُوجَدُ ذلك إذا كان المُسلَمُ فيه مَعدومًا في الحالِّ؛ لأنَّ العاقِدَ لا يَقدِرُ على تَسليمِه إلا بإيصالِ حياتِه، وأنَّ ذلك الشيءَ بإيصالِ حياتِه بأوانِ الوُجودِ مَوهومٌ، وبالمَوهومِ لا تَثبُتُ القُدرةُ على التَّسليمِ، ولأنَّ كلَّ حالٍ مِنْ أحوالِ المُدَّةِ يَجوزُ أنْ يَكونَ مَحَلًّا لِلمُدَّةِ؛ بأنْ يَموتَ المُسلَمُ إليه، فاعتُبِرَ أنْ يَكونَ مَوجودًا فيه. ولِحَديثِ أبي إسحاقَ عن النَّجرانيِّ قال: قُلتُ لِعَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: أُسْلِمُ فِي نَخْلٍ قبلَ أَنْ يُطْلِعَ؟ قال: لَا. قُلْتُ: لِمَ؟ قال: إِنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي حَدِيقَةِ نَخْلٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قبلَ أَنْ يُطْلِعَ النَّخْلُ؛ فلَمْ يُطْلِعِ النَّخْلُ شَيئًا ذَلِكَ العَامَ؛ فقَالَ المُشْتَرِي: هُوَ لِي حَتَّى يُطْلِعَ، وَقَالَ البَائِعُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ النَّخْلَ هَذِهِ السَّنَةَ؛ فاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِلْبَائِعِ: «أَخَذَ مِنْ نَخْلِكَ شيئًا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَبِمَ تَسْتَحِلَّ مَالَهُ؟ ارْدُدْ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ، وَلَا تُسْلِمُوا فِي نَخْلٍ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» (١). ورَوى البُخاريُّ عن أبي البَختَرِيِّ قال: سَأَلْتُ ابْنَ عُمرَ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ؛ فقَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيعِ الْوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ.

стр. 4094

وسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ» (١). فقد ثَبَت عن هذَيْنِ الصَّحابيَّينِ الكَبيرَيْنِ في العِلمِ والتَّتبُّعِ أنَّهما فَهِما عن بَيعِ النَّخلِ حتى يَصلُحَ، بَيعُ السَّلَمِ. ولو أسلَمَ فيما يَجوزُ أنْ يَنقطِعَ عن أيدي الناسِ، كالرُّطَبِ إنْ أُسلِمَ في حالِ وُجودِه وجُعِلَ المَحَلُّ قبلَ انقِطاعِه جازَ، وإنْ جُعِلَ المَحَلُّ بعدَ انقِطاعِه لا يَجوزُ (٢). تَعذُّرُ تَسليمِ المُسلَمِ فيه عندَ المَحلِّ: إنْ أسلَمَ في مَحَلٍّ يُوجَدُ فيه في الأغلَبِ؛ فتَعذَّرَ تَسليمُ المُسلَمِ فيه؛ إما لِغَيبةِ المُسلَمِ إليه، أو عَجزِه عن التَّسليمِ بأنَّه لَم تَحمِلِ الثِّمارُ تلك السَّنةَ، أو تَعذَّرَ بَعضُه، فقد اختَلَف الفُقهاءُ فيه: فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ السَّلَمَ صَحيحٌ على حالِه، ورَبُّ السَّلَمِ بالخيارِ بينَ:

стр. 4095

١ - أنْ يَصبِرَ إلى أنْ يُوجَدَ فيُطالِبَ به. ٢ - أنْ يَفسَخَ العَقدَ ويَرجِعَ بالثَّمنِ إنْ كان مَوجودًا، أو بمِثلِه إنْ كان مِثليًّا، وإلَّا فبقيمَتِه. لِأنَّ العَقدَ قد صَحَّ، وإنما تَعذَّرَ التَّسليمُ؛ فهو كما لو اشتَرى عَبدًا فأبَقَ قبلَ القَبضِ، ولأنَّ الانقِطاعَ قبلَ القَبضِ بمَنزِلةِ تَغيُّرِ المَعقودِ عليه قبلَ القَبضِ، ويُوجِبُ الخيارَ. وفي وَجهٍ عندَ الحَنابِلةِ أنَّه يَنفسِخُ العَقدُ بالتَّعذُّرِ نَفْسِه؛ لِكَونِ المُسلَمِ فيه مِنْ ثَمَرةِ العامِ، بدَليلِ وُجوبِ التَّسليمِ منها، فإذا هَلَكتِ انفَسَخ العَقدُ كما لو باعه قَفيزًا مِنْ صُبرةٍ فهَلَكتْ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ أحَبَّ الفَسخَ في المَفقودِ دونَ المَوجودِ فله ذلك؛ لأنَّ الفَسادَ طَرأ بعدَ صِحَّةِ العَقدِ؛ فلا يُوجَبُ في الكلِّ، كما لو باعه صُبرَتَيْنِ فتَلِفتْ إحداهما. وفيه وَجهٌ آخَرُ ليس له الفَسخُ إلا في الكلِّ، أو أنْ يَصبِرَ على ما ذَكَرنا مِنَ الخِلافِ في الإقالةِ في بَعضِ المُسلَمِ فيه، وإنْ قُلنا: «إنَّ الفَسخَ يَثبُتُ بالتَّعذُّرِ نَفْسِه» انفَسَخ في المَفقودِ دونَ المَوجودِ؛ لِما ذَكَرنا مِنْ أنَّ الفَسادَ الطارئَ على بَعضِ المَعقودِ عليه لا يُوجِبُ فَسادَ الجَميعِ، ويَثبُتُ لِلمُشتَري خيارُ الفَسخِ في المَوجودِ، كما ذَكَرنا في الوَجهِ الأوَّلِ (١).

стр. 4096

الشَّرطُ الرابعُ: مَعرِفةُ قَدْرِ المُسلَمِ فيه: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه مَعلومَ القَدْرِ بالكَيلِ فيما يُكالُ، أو الوزنِ فيما يُوزَنُ، أو العَدِّ فيما يُعَدُّ، أو الذَّرعِ فيما يُذرَعُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (١)، ولأنَّ جَهالةَ القَدْرِ جَهالةٌ مُفضيةٌ إلى المُنازَعةِ، ومُفسِدةٌ لِلعَقدِ؛ ولأنَّه عِوَضٌ غيرُ مُشاهَدٍ في الذِّمَّةِ، فاشتُرِطَ مَعرفةُ قَدْرِه، كالثَّمنِ، ولا يُعلَمُ في اعتِبارِ مَعرِفةِ المِقدارِ خِلافٌ بينَ الفُقهاءِ. ويَجبُ أنْ يُقدِّرَه بمِكيالٍ، أو أرطالٍ مَعلومةٍ عندَ العامَّةِ؛ فإنْ قَدَّره بإناءٍ مَعلومٍ، أو صَنجةٍ مُعيَّنةٍ غيرِ مَعلومةٍ لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَهلِكُ، فيُتعَذَّرُ مَعرِفةُ قَدْرِ المُسلَمِ فيه، وهذا غَرَرٌ لا يَحتاجُ إليه العَقدُ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ السَّلَمَ في الطَّعامِ لا يَجوزُ بقَفيزٍ لا يُعرَفُ عيارُه، ولا في ثَوبٍ بذِراعِ فُلانٍ (٢) لأنَّ المِعيارَ لو تلِف أو ماتَ فُلانٌ بطَل السَّلَمُ. وإنْ عَيَّنَ مِكيالَ رَجُلٍ أو ميزانَه وكانا مَعروفَيْنِ عندَ العامَّةِ؛ جازَ، ولم يَختَصَّ بهما، وإنْ لَم يَعرِفا لَم يَجُزْ. ولا بُدَّ مِنْ تَقديرِ المَذروعِ بالذَّرعِ بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ، قال الإمامُ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ السَّلَمَ في الثيابِ

стр. 4097

جائِزٌ، بذِراعٍ مَعلومةٍ، وصِفةٍ مَعلومةِ الطُّولِ والعَرضِ، والرِّقَّةِ، والصَّفاقةِ، والجُودِ، بعدَ أنْ يَنسُبَه إلى بَلدةٍ مِنَ البَلداتِ إلى أجَلٍ مَعلومٍ. هذا قَولُ الشافِعيِّ ومالِكٍ والأوزاعيِّ والثَّوريِّ وأحمَدَ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ ومَن تَبِعَهم. ورُويَ إجازةُ ذلك عن ابنِ المُسَيِّبِ والشَّعبيِّ والقاسِمِ بنِ مُحمدٍ. قال أبو بَكرٍ: ولستُ أحفَظُ عن غَيرِهم خِلافَ قَولِهم، وبه أقولُ (١). السَّلَمُ في المَكيلِ وَزنًا وفي المَوزونِ كَيلا: اختَلَف الفُقهاءُ في السَّلَمِ، هل يَصحُّ أنْ يُسلَّمَ فيما يُكالُ وَزنًا أو فيما يُوزَنُ كَيلًا أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ في قَولٍ والشافِعيَّةُ في وَجهٍ ضَعيفٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا بُدَّ أنْ يَكونَ السَّلَمُ بمِعيارِه الشَّرعيِّ؛ فلا يَصحُّ في مَكيلٍ وَزنًا، ولا في مَوزونٍ كَيلًا؛ لِقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أسلَفَ في شَيءٍ فليُسْلِفْ في كَيلٍ مَعلومٍ، ووَزنٍ مَعلومٍ، إلى أجَلٍ مَعلومٍ»؛ ولأنَّه مَبيعٌ يُشترَطُ مَعرِفةُ قَدْرِه، فلَم يَجُزْ بغَيرِ ما هو مُقدَّرٌ به في الأصلِ، كبَيعِ الرُّطوباتِ بَعضِها ببَعضٍ. ولأنَّه قَدَّرَ المُسلَمَ بغَيرِ ما هو مُقدَّرٌ به في الأصلِ، فلَم يَجُزْ، كما لو أسلَمَ في المَزروعِ وَزنًا. ولا يَصحُّ في فَواكِهَ مَعدودةٍ؛ كرُمَّانٍ، وسَفَرجَلٍ، ولو وَزنًا عندَ الحَنابِلةِ.

стр. 4098

وقال الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ: يَصحُّ السَّلَم في المَكيلِ وَزنًا كما إذا أسلَمَ في البُرِّ والشَّعيرِ بالميزانِ، وفي المَوزونِ الذي يتأتَّى كَيلُه كَيلًا؛ لأنَّ المَقصودَ مَعرِفةُ المِقدارِ، بخِلافِ الرِّبَويَّاتِ؛ لأنَّ الغالِبَ عليها التَّعبُّدُ، ولأنَّ الكَيلَ والوَزنَ؛ إنما يُشترَطُ لِيصيرا مَعلومَيْنِ القَدرُ، لا لِنَفي الرِّبا؛ لأنَّه لا يُقابَلُ بجِنسِه؛ لأنَّ المُؤدَّى عَينُ الواجِبِ حُكمًا في بابِ السَّلَمِ، فيَكونُ بَدَلًا عن رأسِ المالِ، ولا رِبا بينَهما. قال الكاسانيُّ ﵀: لو كان المُسلَمُ فيه مَكيلًا فأُعلِمَ قَدْرُه بالوَزنِ المَعلومِ، أو كان مَوزونًا فأُعلِمَ قَدْرُه بالكَيلِ المَعلومِ جازَ؛ لأنَّ الشَّرطَ كَونُه مَعلومَ القَدْرِ بمِعيارٍ يُؤمَنُ فَقدُه، وقد وُجِدَ، بخِلافِ ما إذا باع المَكيلَ بالمَكيلِ وَزنًا بوَزنٍ مُتساوِيًا في الوَزنِ، أو باعَ المَوزونَ بالمَوزونِ كَيلًا بكَيلٍ مُتساوِيًا في الكَيلِ فهو لا يَجوزُ ما لَم يَتساوَيا في الكَيلِ أو الوَزنِ؛ لأنَّ شَرطَ السَّلَمِ كَونُ المُسلَمَ فيه مَعلومَ القَدْرِ، والعِلمُ بالقَدْرِ كما يَحصُلُ بالكَيلِ يَحصُلُ بالوَزنِ؛ فأمَّا شَرطُ الكَيلِ والوَزنِ في الأشياءِ التي وَرَد الشَّرعُ فيها باعتبارِ الكَيلِ والوَزنِ في بَيعِ العَينِ، فثَبَت نَصًّا؛ فكان بَيعُها بالكَيلِ أو الوَزنِ مُجازَفةً؛ فلا يَجوزُ (١). وقال المالِكيَّةُ: شَرطُ السَّلَمِ أنْ يُضبَطَ المُسلَمُ فيه بما جَرَتْ عادةُ الناسِ في الجِهةِ التي وَقَع فيها العَقدُ أنْ يَضبِطوا به مِنْ كَيلٍ أو وَزنٍ أو عَدٍّ؛ فالقَمحُ جَرَتْ عادةُ الناسِ أنْ يَضبِطوه بالكَيلِ؛ ومنهم مَنْ يَضبِطُه بالوَزنِ، فيَصحُّ

стр. 4099

السَّلَمُ فيه كَيلًا ووَزنًا، واللَّحمُ جَرَتْ عادةُ الناسِ أنْ يَضبِطوه بالوَزنِ، فيَصحُّ السَّلَمُ فيه وَزنًا، والرُّمَّانُ جَرَتْ عادةُ الناسِ أنْ يَضبِطوه بالعَدِّ؛ ومنهم مَنْ يَضبِطُه بالوَزنِ، فيَصحُّ السَّلَمُ فيه عَدًّا ووَزنًا (١). الشَّرطُ الخامِسُ: مَعرِفةُ الأوصافِ التي يَختلِفُ الثَّمنُ باختِلافِها اختِلافًا كَثيرًا ظاهِرًا: لا يَصحُّ السَّلَمُ فيما لا تَنضَبِطُ أوصافُه، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ. قال النَّوَويُّ ﵀: وأجمَعوا على اشتِراطِ وَصفِه بما يُضبَطُ به (٢)؛ لأنَّ المُسلَمَ فيه عِوَضٌ في الذِّمَّةِ؛ فلا بُدَّ مِنْ كَونِه مَعلومًا بالوَصفِ، كالثَّمنِ، ولأنَّ العِلمَ شَرطٌ في المَبيعِ، وطَريقُه: إمَّا الرُّؤيةُ، وإمَّا الوَصفُ، والرُّؤيةُ مُمتَنِعةٌ ههنا؛ فيَتعيَّنُ الوَصفُ.

стр. 4100

والأوصافُ على ضَربَيْنِ: مُتَّفَقٌ على اشتِراطِها، ومُختلَفٌ فيها؛ فالمُتَّفَقُ عليها ثلاثةُ أوصافٍ: ١ - الجِنسُ: كأنْ يُبيِّنَ أنَّه حِنطةٌ أو شَعيرٌ أو فُولٌ، ونَحوِ ذلك. ٢ - النَّوعُ: كأنْ يُقالَ: حِنطةٌ سَقيَّةٌ أو سَهليَّةٌ أو جَبَليَّةٌ. ٣ - الجَودةُ والرَّداءةُ: كأنْ يُقالَ: حِنطةٌ جَيِّدةٌ أو رَديئةٌ أو وَسَطٌ. فهذه لا بُدَّ منها في كلِّ مُسلَّمٍ فيه، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في اشتِراطِها؛ لِإزالةِ الجَهالةِ؛ لأنَّ جَهالةَ النَّوعِ والجِنسِ والصِّفةِ جَهالةٌ مُفضيةٌ إلى المُنازَعةِ، وهي مُفسِدةٌ لِلعَقدِ، قال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (١). ولا يُشترَطُ استِيفاءُ أوصافِ السَّلَمِ، ولا ما يَقرُبُ منها اتِّفاقًا؛ لأنَّ ذلك يَتعذَّرُ، وقد يَنتَهي الحالُ فيها إلى أمرٍ يَتعذَّرُ تَسليمُ المُسلَمِ فيه؛ إذْ يَبعُدُ وُجودُ المُسلَمِ فيه عندَ المَحَلِّ بتلك الصِّفاتِ كُلِّها، فيَجِبُ الاكتِفاءُ بالأوصافِ الظاهِرةِ التي يَختلِفُ الثَّمنُ بها ظاهِرًا، ولو استَقصى الصِّفاتِ حتى انتَهى إلى حالةٍ يَندُرُ وُجودِ المُسلَمِ فيها بتلك الصِّفاتِ بَطَل السَّلَمُ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ السَّلَم أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه عامَّ الوُجودِ عندَ المَحَلِّ، واستِقصاءُ الصِّفاتِ يَمنَعُ منه (٢). وصَرَّحَ الشافِعيَّةُ بأنَّه يَجبُ ذِكرُ الأوصافِ في صيغةِ العَقدِ؛ لِيَتميَّزَ
следующие страницы →