← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

الشَّرطُ الرابعُ: مَعرِفةُ قَدْرِ المُسلَمِ فيه: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه مَعلومَ القَدْرِ بالكَيلِ فيما يُكالُ، أو الوزنِ فيما يُوزَنُ، أو العَدِّ فيما يُعَدُّ، أو الذَّرعِ فيما يُذرَعُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (١)، ولأنَّ جَهالةَ القَدْرِ جَهالةٌ مُفضيةٌ إلى المُنازَعةِ، ومُفسِدةٌ لِلعَقدِ؛ ولأنَّه عِوَضٌ غيرُ مُشاهَدٍ في الذِّمَّةِ، فاشتُرِطَ مَعرفةُ قَدْرِه، كالثَّمنِ، ولا يُعلَمُ في اعتِبارِ مَعرِفةِ المِقدارِ خِلافٌ بينَ الفُقهاءِ. ويَجبُ أنْ يُقدِّرَه بمِكيالٍ، أو أرطالٍ مَعلومةٍ عندَ العامَّةِ؛ فإنْ قَدَّره بإناءٍ مَعلومٍ، أو صَنجةٍ مُعيَّنةٍ غيرِ مَعلومةٍ لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَهلِكُ، فيُتعَذَّرُ مَعرِفةُ قَدْرِ المُسلَمِ فيه، وهذا غَرَرٌ لا يَحتاجُ إليه العَقدُ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ السَّلَمَ في الطَّعامِ لا يَجوزُ بقَفيزٍ لا يُعرَفُ عيارُه، ولا في ثَوبٍ بذِراعِ فُلانٍ (٢) لأنَّ المِعيارَ لو تلِف أو ماتَ فُلانٌ بطَل السَّلَمُ. وإنْ عَيَّنَ مِكيالَ رَجُلٍ أو ميزانَه وكانا مَعروفَيْنِ عندَ العامَّةِ؛ جازَ، ولم يَختَصَّ بهما، وإنْ لَم يَعرِفا لَم يَجُزْ. ولا بُدَّ مِنْ تَقديرِ المَذروعِ بالذَّرعِ بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ، قال الإمامُ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ السَّلَمَ في الثيابِ

стр. 4097

جائِزٌ، بذِراعٍ مَعلومةٍ، وصِفةٍ مَعلومةِ الطُّولِ والعَرضِ، والرِّقَّةِ، والصَّفاقةِ، والجُودِ، بعدَ أنْ يَنسُبَه إلى بَلدةٍ مِنَ البَلداتِ إلى أجَلٍ مَعلومٍ. هذا قَولُ الشافِعيِّ ومالِكٍ والأوزاعيِّ والثَّوريِّ وأحمَدَ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ ومَن تَبِعَهم. ورُويَ إجازةُ ذلك عن ابنِ المُسَيِّبِ والشَّعبيِّ والقاسِمِ بنِ مُحمدٍ. قال أبو بَكرٍ: ولستُ أحفَظُ عن غَيرِهم خِلافَ قَولِهم، وبه أقولُ (١). السَّلَمُ في المَكيلِ وَزنًا وفي المَوزونِ كَيلا: اختَلَف الفُقهاءُ في السَّلَمِ، هل يَصحُّ أنْ يُسلَّمَ فيما يُكالُ وَزنًا أو فيما يُوزَنُ كَيلًا أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ في قَولٍ والشافِعيَّةُ في وَجهٍ ضَعيفٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا بُدَّ أنْ يَكونَ السَّلَمُ بمِعيارِه الشَّرعيِّ؛ فلا يَصحُّ في مَكيلٍ وَزنًا، ولا في مَوزونٍ كَيلًا؛ لِقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أسلَفَ في شَيءٍ فليُسْلِفْ في كَيلٍ مَعلومٍ، ووَزنٍ مَعلومٍ، إلى أجَلٍ مَعلومٍ»؛ ولأنَّه مَبيعٌ يُشترَطُ مَعرِفةُ قَدْرِه، فلَم يَجُزْ بغَيرِ ما هو مُقدَّرٌ به في الأصلِ، كبَيعِ الرُّطوباتِ بَعضِها ببَعضٍ. ولأنَّه قَدَّرَ المُسلَمَ بغَيرِ ما هو مُقدَّرٌ به في الأصلِ، فلَم يَجُزْ، كما لو أسلَمَ في المَزروعِ وَزنًا. ولا يَصحُّ في فَواكِهَ مَعدودةٍ؛ كرُمَّانٍ، وسَفَرجَلٍ، ولو وَزنًا عندَ الحَنابِلةِ.

стр. 4098

وقال الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ: يَصحُّ السَّلَم في المَكيلِ وَزنًا كما إذا أسلَمَ في البُرِّ والشَّعيرِ بالميزانِ، وفي المَوزونِ الذي يتأتَّى كَيلُه كَيلًا؛ لأنَّ المَقصودَ مَعرِفةُ المِقدارِ، بخِلافِ الرِّبَويَّاتِ؛ لأنَّ الغالِبَ عليها التَّعبُّدُ، ولأنَّ الكَيلَ والوَزنَ؛ إنما يُشترَطُ لِيصيرا مَعلومَيْنِ القَدرُ، لا لِنَفي الرِّبا؛ لأنَّه لا يُقابَلُ بجِنسِه؛ لأنَّ المُؤدَّى عَينُ الواجِبِ حُكمًا في بابِ السَّلَمِ، فيَكونُ بَدَلًا عن رأسِ المالِ، ولا رِبا بينَهما. قال الكاسانيُّ ﵀: لو كان المُسلَمُ فيه مَكيلًا فأُعلِمَ قَدْرُه بالوَزنِ المَعلومِ، أو كان مَوزونًا فأُعلِمَ قَدْرُه بالكَيلِ المَعلومِ جازَ؛ لأنَّ الشَّرطَ كَونُه مَعلومَ القَدْرِ بمِعيارٍ يُؤمَنُ فَقدُه، وقد وُجِدَ، بخِلافِ ما إذا باع المَكيلَ بالمَكيلِ وَزنًا بوَزنٍ مُتساوِيًا في الوَزنِ، أو باعَ المَوزونَ بالمَوزونِ كَيلًا بكَيلٍ مُتساوِيًا في الكَيلِ فهو لا يَجوزُ ما لَم يَتساوَيا في الكَيلِ أو الوَزنِ؛ لأنَّ شَرطَ السَّلَمِ كَونُ المُسلَمَ فيه مَعلومَ القَدْرِ، والعِلمُ بالقَدْرِ كما يَحصُلُ بالكَيلِ يَحصُلُ بالوَزنِ؛ فأمَّا شَرطُ الكَيلِ والوَزنِ في الأشياءِ التي وَرَد الشَّرعُ فيها باعتبارِ الكَيلِ والوَزنِ في بَيعِ العَينِ، فثَبَت نَصًّا؛ فكان بَيعُها بالكَيلِ أو الوَزنِ مُجازَفةً؛ فلا يَجوزُ (١). وقال المالِكيَّةُ: شَرطُ السَّلَمِ أنْ يُضبَطَ المُسلَمُ فيه بما جَرَتْ عادةُ الناسِ في الجِهةِ التي وَقَع فيها العَقدُ أنْ يَضبِطوا به مِنْ كَيلٍ أو وَزنٍ أو عَدٍّ؛ فالقَمحُ جَرَتْ عادةُ الناسِ أنْ يَضبِطوه بالكَيلِ؛ ومنهم مَنْ يَضبِطُه بالوَزنِ، فيَصحُّ

стр. 4099

السَّلَمُ فيه كَيلًا ووَزنًا، واللَّحمُ جَرَتْ عادةُ الناسِ أنْ يَضبِطوه بالوَزنِ، فيَصحُّ السَّلَمُ فيه وَزنًا، والرُّمَّانُ جَرَتْ عادةُ الناسِ أنْ يَضبِطوه بالعَدِّ؛ ومنهم مَنْ يَضبِطُه بالوَزنِ، فيَصحُّ السَّلَمُ فيه عَدًّا ووَزنًا (١). الشَّرطُ الخامِسُ: مَعرِفةُ الأوصافِ التي يَختلِفُ الثَّمنُ باختِلافِها اختِلافًا كَثيرًا ظاهِرًا: لا يَصحُّ السَّلَمُ فيما لا تَنضَبِطُ أوصافُه، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ. قال النَّوَويُّ ﵀: وأجمَعوا على اشتِراطِ وَصفِه بما يُضبَطُ به (٢)؛ لأنَّ المُسلَمَ فيه عِوَضٌ في الذِّمَّةِ؛ فلا بُدَّ مِنْ كَونِه مَعلومًا بالوَصفِ، كالثَّمنِ، ولأنَّ العِلمَ شَرطٌ في المَبيعِ، وطَريقُه: إمَّا الرُّؤيةُ، وإمَّا الوَصفُ، والرُّؤيةُ مُمتَنِعةٌ ههنا؛ فيَتعيَّنُ الوَصفُ.

стр. 4100

والأوصافُ على ضَربَيْنِ: مُتَّفَقٌ على اشتِراطِها، ومُختلَفٌ فيها؛ فالمُتَّفَقُ عليها ثلاثةُ أوصافٍ: ١ - الجِنسُ: كأنْ يُبيِّنَ أنَّه حِنطةٌ أو شَعيرٌ أو فُولٌ، ونَحوِ ذلك. ٢ - النَّوعُ: كأنْ يُقالَ: حِنطةٌ سَقيَّةٌ أو سَهليَّةٌ أو جَبَليَّةٌ. ٣ - الجَودةُ والرَّداءةُ: كأنْ يُقالَ: حِنطةٌ جَيِّدةٌ أو رَديئةٌ أو وَسَطٌ. فهذه لا بُدَّ منها في كلِّ مُسلَّمٍ فيه، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في اشتِراطِها؛ لِإزالةِ الجَهالةِ؛ لأنَّ جَهالةَ النَّوعِ والجِنسِ والصِّفةِ جَهالةٌ مُفضيةٌ إلى المُنازَعةِ، وهي مُفسِدةٌ لِلعَقدِ، قال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (١). ولا يُشترَطُ استِيفاءُ أوصافِ السَّلَمِ، ولا ما يَقرُبُ منها اتِّفاقًا؛ لأنَّ ذلك يَتعذَّرُ، وقد يَنتَهي الحالُ فيها إلى أمرٍ يَتعذَّرُ تَسليمُ المُسلَمِ فيه؛ إذْ يَبعُدُ وُجودُ المُسلَمِ فيه عندَ المَحَلِّ بتلك الصِّفاتِ كُلِّها، فيَجِبُ الاكتِفاءُ بالأوصافِ الظاهِرةِ التي يَختلِفُ الثَّمنُ بها ظاهِرًا، ولو استَقصى الصِّفاتِ حتى انتَهى إلى حالةٍ يَندُرُ وُجودِ المُسلَمِ فيها بتلك الصِّفاتِ بَطَل السَّلَمُ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ السَّلَم أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه عامَّ الوُجودِ عندَ المَحَلِّ، واستِقصاءُ الصِّفاتِ يَمنَعُ منه (٢). وصَرَّحَ الشافِعيَّةُ بأنَّه يَجبُ ذِكرُ الأوصافِ في صيغةِ العَقدِ؛ لِيَتميَّزَ

стр. 4101

المَعقودُ عليه مِنْ غَيرِه؛ فلا يَصحُّ ذِكرُ الأوصافِ بعدَ العَقدِ ولو في مَجلِسِ العَقدِ (١). الشَّرطُ السادِسُ: بَيانُ مَحَلِّ التَّسليمِ: اختَلَف الفُقهاءُ في المُسلَمِ فيه، هل يُشترَطُ ذِكرُ بَيانِ مَحَلِّ التَّسليمِ فيه أو لِا؟ فقال أبو حَنيفةَ في قَولِه الأخيرِ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ: يُشترَطُ ذِكرُ المَكانِ الذي يُوفِّيه فيه إذا كان له حَملٌ ومُؤنةٌ، أو أُسلِمَ بمَوضِعٍ لا يَصلُحُ لِلتسليمِ؛ فإنْ لَم يُعَيِّنا مَكانَ التَّسليمِ بطَل العَقدُ. وإنْ لَم يَكُنْ لِحَملِه مُؤنةٌ أو كان في مَوضِعٍ صالِحٍ لِلتَّسليمِ؛ فلا يُشترَطُ ما ذُكِرَ، ويَتعيَّنُ مَكانُ العَقدِ لِلتَّسليمِ عندَ الشافِعيَّةِ لِلعُرفِ، ويَكفي في تَعيينِه أنْ يَقولَ: تُسلِّمُ لي في بَلدةِ كذا. وعندَ أبي حَنيفةَ والشافِعيَّةِ في قَولٍ: يُسلِّمُه إليه حيثُ لَقِيه في أيِّ مَوضِعٍ شاءَ. وقال الحَنابِلةُ وأبو يُوسُفَ ومُحمدٌ مِنَ الحَنفيَّةِ والشافِعيُّ في قَولٍ: لا يُشترَطُ ذِكرُ مَكانِ الوَفاءِ؛ لأنَّ مَكانَه مَكانُ الالتِزامِ، فيَتعيَّنُ لِإيفاءِ ما التَزَمه في ذِمَّتِه، ولأنَّه ﷺ لَم يَذكُرْه في الحَديثِ؛ وإنما قال ﷺ : «مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى

стр. 4102

أجَلٍ مَعْلُومٍ» (١)، وكبَقيَّةِ البُيوعِ، ولأنَّه يَجبُ التَّسليمُ مَكانَ العَقدِ؛ لأنَّ مُقتَضى العَقدِ التَّسليمُ في مَكانِه. قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: ومنها بَيانُ مَكانِ إيفائِه إذا كان له حَملٌ ومُؤنةٌ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسُفَ ومُحمدٍ ليس بشَرطٍ، وعلى هذا الخِلافِ بَيانُ مَكانِ الأُجرةِ في الإجاراتِ، إذا كان لها حَملٌ ومُؤنةٌ، وعلى هذا الخِلافِ إذا جَعَل المَكيلَ المَوصوفَ أو المَوزونَ المَوصوفَ ثَمنًا في بَيعِ العَينِ فلا بُدَّ مِنْ بَيانِ مَكانِ التَّسليمِ عندَه، خِلافًا لَهما، كذا أطلَقَه الكَرخيُّ ولم يَفصِلْ بينَ ما إذا كان مُؤجَّلًا أو غيرَ مُؤجَّلٍ. ومن أصحابِنا مَنْ فَرَّقوا فقالوا: إذا كان حالًّا يَتعيَّنُ مَكانُ العَقدِ لِلتَّسليمِ بالإجماعِ. وحاصِلُ الاختِلافِ راجِعٌ إلى مَكانِ العَقدِ، هل يَتعيَّنُ لِلإيفاءِ عندَه؟ لا يَتعيَّنُ، وعندَهما يَتعيَّنُ؛ لأنَّه إذا لَم يَتعيَّنْ مَكانُ العَقدِ لِلإيفاءِ عندَه، ولم يُوجَدْ منهما تَعيينُ مَكانٍ آخَرَ بَقيَ مَكانُ الإيفاءِ مَجهولًا جَهالةً مُفضيةً إلى المُنازَعةِ، ويَفسُدُ العَقدُ، ولَمَّا تَعيَّنَ مَكانُ العَقدِ لِلإيفاءِ عندَهما صار مَكانُ الإيفاءِ مَعلومًا، فيَصحُّ. وَجهُ قَولِهما أنَّ سَبَبَ وُجوبِ الإيفاءِ هو العَقدُ، والعَقدُ وُجِدَ في هذا المَكانِ فيَتعيَّنُ مَكانُ العَقدِ؛ لِوُجوبِ الإيفاءِ فيه، كما في بَيعِ العَينِ، إذا كان المُسلَمُ فيه شَيئًا له حَملٌ ومُؤنةٌ؛ فإنَّه يَتعيَّنُ مَكانُ العَقدِ لِوُجوبِ الإيفاءِ فيه؛ لِما قُلنا، كذا هذا.

стр. 4103

ولأبي حَنيفةَ أنَّ العَقدَ وُجِدَ مُطلَقًا عن تَعيينِ مَكانٍ فلا يَتعيَّنُ مَكانُ العَقدِ لِلإيفاءِ، والدَّليلُ على إطلاقِ العَقدِ عن تَعيينِ مَكانِ الحَقيقةِ والحُكمِ ما يَلي: أمَّا الحَقيقةُ فلِأنَّه لَم يُوجَدْ ذِكرُ المَكانِ في العَقدِ نَصًّا؛ فالقَولُ بتَعيينِ مَكانِ العَقدِ شَرعًا مِنْ غيرِ تَعيينِ العاقدَيْنِ تَقييدَ المُطلَقِ، فلا يَجوزُ إلا بدَليلٍ. وأمَّا الحُكمُ فإنَّ العاقدَيْنِ لو عَيَّنا مَكانًا آخَرَ جاز، ولو كان تَعيينُ مَكانِ العَقدِ مِنْ مُقتَضياتِ العَقدِ شَرعًا لَكانَ تَعيينُ مَكانٍ آخَرَ تَغييرًا لِمُقتَضى العَقدِ، وأنَّه يُعتبَرُ فيه حُكمُ الشَّرعِ فيَنبَغي ألَّا يَجوزَ، وإذا لَم يَتعيَّنْ مَكانُ العَقدِ لِلإيفاءِ بَقيَ مَكانُ الإيفاءِ مَجهولًا جَهالةً مُفضيةً إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّ في الأشياءِ التي لها حَملٌ ومُؤنةٌ تَختلِفُ باختِلافِ الأمكِنةِ، لِما يَلزَمُ في حَملِها مِنْ مَكانٍ إلى مَكانٍ آخَرَ مِنَ المُؤنةِ، فيَتنازَعانِ. وأمَّا قَولُهما: سَبَبُ وُجوبِ التَّسليمِ هو العَقدُ في هذا المَكانِ، فقُلنا: ليس كذلك؛ فإنَّ العَقدَ قائِمٌ بالعاقدَيْنِ، لا بالمَكانِ، فلَم يُوجَدِ العَقدُ في هذا المَكانِ، وإنما هذا مَكانُ المتعاقدَيْنِ على أنَّ العَقدَ ليس بسَبَبٍ لِوُجوبِ التَّسليمِ لِلحالِ، وإنَّما يَصيرُ سَبَبًا عندَ حُلولِ الأجَلِ مَقصورًا عليه، وعندَ ذلك مَكانُ العاقدَيْنِ ليس بمُتَّحِدٍ، بل مُختلِفٌ، فيَتنازَعانِ. وأمَّا المُسلَمُ فيه إذا لَم يَكُنْ له حَملٌ ومُؤنةٌ فعن أبي حَنيفةَ فيه رِوايتانِ في رِوايةٍ لا يَتعيَّنُ مَكانُ العَقدِ هناك أيضًا، وهو رِوايةُ كِتابِ الإجاراتِ،

стр. 4104

ويُوفِّيه في أيِّ مَكانٍ شاءَ، وهذا لا يُوجِبُ الفَسادَ؛ لأنَّ الفَسادَ ههنا لِمَكانِ الجَهالةِ المُفضيةِ إلى المُنازَعةِ؛ لِاختِلافِ القيمةِ باختِلافِ الأمكِنةِ، وما لا حَملَ له ولا مُؤنةَ لا تَختلِفُ قيمتُه باختِلافِ الأماكِنِ، فلَم تَكُنْ جَهالةُ مَكانِ الإيفاءِ مُفضيةً إلى المُنازَعةِ. وفي رِوايةٍ: يَتعيَّنُ مَكانُ العَقدِ لِلإيفاءِ، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ ومُحمدٍ، وهو رِوايةُ الجامِعِ الصَّغيرِ، ورِوايةُ البُيوعِ مِنَ الأصلِ. ومن مشايِخِنا مَنْ أوَّلَ هذه الرِّوايةَ وقال: هي مَعنى قَولِه: يُوفِّيه في المَكانِ الذي أسلَمَ فيه إذا لَم يَتنازَعا. فإذا تَنازَعا يأخُذُه بالتَّسليمِ حيثُما لَقيَه، ولو شرَط رَبُّ السَّلَمِ التَّسليمَ في بَلَدٍ أو قَريةٍ فحيثُ سَلَّم إليه في ذلك المَوضِعِ فهو جائِزٌ، وليس لِرَبِّ السَّلَمِ أنْ يَتخيَّرَ مَكانًا؛ لأنَّ المَشروطَ هو التَّسليمُ في مَكانٍ منه مُطلَقًا، وقد وُجِدَ، وإنْ سَلَّم في غيرِ المَكانِ المَشروطِ فلرَبِّ السَّلَمِ أنْ يأبى؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «المُسلِمونَ عندَ شُروطِهم»، فإنْ أعطاه على ذلك أجرًا لَم يَجُزْ لِه أخْذُ الأجرِ عليه؛ لأنَّه لمَّا قَبَض المُسلَّم فيه تَعيَّنَ مِلكُه في المَقبوضِ، فتَبيَّنَ أنَّه أخذَ الأجرَ على نَقلِ مِلكِ نَفْسِه فلم يَجُزْ، فيُردُّ الأجرُ وله أنْ يَرُدَّ المُسلَمَ فيه حتى يُسلِّمَ في المَكانِ المَشروطِ؛ لأنَّ حَقَّه في التَّسليمِ فيه، ولَم يَرضَ ببُطلانِ حَقِّه إلا بعِوَضٍ، ولَم يُسلِّمْ له، فبَقيَ حَقُّه في التَّسليمِ في المَكانِ المَشروطِ (١).

стр. 4105

وقال الحَنابِلةُ: وله أخْذُه في غَيرِه إنْ رَضيا، ولو قال: «خُذْه وأُجرةُ حَملِه مِثلَه إلى مَوضِعِ الوَفاءِ» لَم يَجُزْ. ويَصحُّ شَرطُ الوَفاءِ في غيرِ مَكانِ العَقدِ؛ لأنَّه بَيعٌ فصَحَّ شَرطُ الإيفاءِ في غيرِ مَكانِه كبُيوعِ الأعيانِ، وإنْ شَرَطا الوَفاءَ في مَوضِعِ العَقدِ كان تأكيدًا. وإنْ عُقِد السَّلَمُ ببَرِّيَّةٍ ونَحوِها كسَفينةٍ ودارِ حَربٍ يُشترَطُ ذِكرُه وإلا فَسَد؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التَّسليمُ في ذلك المَكانِ ولا قَرينةَ، فوَجَب تَعيينُه بالقَولِ والزَّمانِ ويُقبَلُ قَولُ المُسلَمِ إليه في تَعيينه مع يَمينِه. وقال المالِكيَّةُ: الأحسَنُ اشتِراطُ مَكانِ الدَّفعِ، فإنْ لَم يُعيِّنا في العَقدِ مَكانًا فمَكانُ العَقدِ، وإنْ عَيَّناه تَعيَّنَ ولا يَجوزُ أنْ يَقبِضَه بغَيرِ المَكانِ المُعيَّنِ، ويأخُذُ كِراءَ مَسافةِ ما بينَ المَكانَيْنِ؛ لِأنَّهما بمَنزِلةِ الأجَلَيْنِ (١). الشَّرطُ السابِعُ: أنْ يَكونَ العَقدُ باتًّا ليس فيه خيارُ شَرطٍ لِأحَدِ المُتعاقِدَيْنِ أو لَهما: ذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في عَقدِ السَّلَمِ أنْ يَكونَ باتًّا ليس فيه خيارُ شَرطٍ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ أو لَهما؛ لأنَّه لا يَحتمِلُ التأجيلَ

стр. 4106

والخيارُ أعظَمُ غَرَرًا منه؛ لأنَّه مانِعٌ مِنَ المِلكِ أو مِنْ لُزومِه، وأمَّا خيارُ المَجلِسِ فإنَّه يَثبُتُ فيه عندَ مَنْ يَقولُ به كما تَقدَّم؛ لِعُمومِ قَولِه ﷺ : «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَمْ يَتفَرَّقا»، والسَّلَمُ بَيعٌ مَوصوفٌ في الذِّمَّةِ. قال الحَنفيَّةُ: فلو أسلَمَ شَخصٌ عَشَرةَ دَراهِمَ في مِكيالِ حِنطةٍ على أنَّه بالخيارِ ثلاثةَ أيامٍ وقَبَض المُسلَمُ إليه رأسَ المالِ وتَفرَّقا بأبدانِهما بَطَل عَقدُ السَّلَمِ؛ لأنَّ مَشروعيَّةَ الخيارِ كانتْ بخِلافِ القياسِ؛ لِحاجةِ الناسِ، ولا حاجةَ إليه في السَّلَمِ. فلو أبطَلَ العاقدانِ الخيارَ قبلَ التَّفرُّقِ بالأبدانِ ورأسُ المالِ قائِمٌ في يَدِ المُسلَمِ إليه انقلَبَ العَقدُ جائزًا، ولو هلَكَ رأسُ المالِ لا ينقَلِبُ إلى الجَوازِ. أمَّا خيارُ الرُّؤيةِ في رأسِ المالِ وخيارُ العَيبِ فيه فلا يَفسُدُ السَّلَمُ؛ لأنَّه لا يَمنَعُ ثُبوتَ المِلكِ. قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: يُشترَطُ أنْ يَكونَ العَقدُ باتًّا عاريًا عن شَرطِ الخيارِ لِلعاقدَيْنِ أو لِأحَدِهما؛ لأنَّ جَوازَ البَيعِ مع شَرطِ الخيارِ في الأصلِ ثَبَت مَعدولًا به عن القياسِ؛ لأنَّه شَرطٌ يُخالِفُ مُقتَضى العَقدِ بثُبوتِ الحُكمِ لِلحالِ، وشَرطُ الخيارِ يَمنَعُ انعِقادَ العَقدِ في حَقِّ الحُكمِ، ومِثلُ هذا الشَّرطِ مُفسِدٌ لِلعَقدِ في الأصلِ، إلَّا أنَّا عَرَفنا جَوازَه بالنَّصِّ، والنَّصُ وَرَد في بَيعِ العَينِ، فبَقيَ ما وَراءَه على أصلِ القياسِ خُصوصًا إذا لَم يَكُنْ في مَعناه، والسَّلَمُ ليس في مَعنى بَيعِ العَينِ فيما شُرِعَ له الخيارُ؛ لأنَّه شُرِعَ لِدَفعِ الغَبنِ،

стр. 4107

والسَّلَمُ مَبناه على الغَبنِ ووَكْسِ الثَّمنِ؛ لأنَّه بَيعُ المَفاليسِ فلَم يَكُنْ في مَعنى مَورِدِ النَّصِّ، فوُرودُ النَّصِّ هناك لا يَكونُ وُرودًا ههنا دِلالةً، فبَقيَ الحُكمُ فيه لِلقياسِ، ولأنَّ قَبضَ رأسِ المالِ مِنْ شَرائطِ الصِّحَّةِ على ما نَذكُرُه، ولا صِحَّةَ لِلقَبضِ إلا في المِلكِ، وخيارُ الشَّرطِ يَمنَعُ ثُبوتَ المِلكِ فيَمنَعُ المُستحَقُّ صِحَّةَ القَبضِ، بخِلافِ المُستحَقِّ فإنَّه لا يَبطُلُ السَّلَمُ حتى لو استُحِقَّ رأسُ المالِ وقد افتَرَقا عن القَبضِ وأجازَ المُستحِقُّ فالسَّلَمُ صَحيحٌ؛ لأنَّه لمَّا أجازَ تَبيَّنَ أنَّ العَقدَ وَقَع صَحيحًا مِنْ حينِ وُجودِه، وكذا القَبضُ، إذًا الإجازةُ اللاحِقةُ بمَنزِلةِ الوَكالةِ السابِقةِ وبخِلافِ خيارِ الرُّؤيةِ وخيارِ العَيبِ؛ لِأنَّهما لا يَمنَعانِ ثُبوتَ المِلكِ، فلا يَمنَعانِ صِحَّةَ القَبضِ. ولو أبطَلَ صاحِبُ الخيارِ خيارَه قبلَ الافتِراقِ ببَدَنَيْهما ورأسُ المالِ قائمٌ في يَدِ المُسلَمِ إليه يَنقلِبُ العَقدُ جائزًا عندَنا خِلافًا لِزُفَرَ. وإنْ كان هالِكًا أو مُستهلَكًا لا يَنقلِبُ إلى الجَواز بالإجماعِ؛ لأنَّ رأسَ المالِ يَصيرُ دَينًا على المُسلَمِ إليه، والسَّلَمَ لا يَنعقِدُ برأسِ مالِ دَينٍ فلا يَنعقِدُ عليه أيضًا (١). وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا يَجوزُ الخيارُ في السَّلَفِ لو قال رَجُلٌ لِرَجُلٍ: «أبتاعُ منكَ بمِئةِ دينارٍ أنقُدُكَها مِئةَ صاعٍ تَمرًا إلى شَهرٍ على أني بالخيارِ بعدَ تَفرُّقِنا مِنْ مَقامِنا الذي تَبايَعنا فيه أو أنتَ بالخيارِ أو كِلانا

стр. 4108

بالخيارِ» لَم يَجُزْ فيه البَيعُ، كما يَجوزُ أنْ يَتشارَطا الخيارَ ثلاثًا في بُيوعِ الأعيانِ، وكذلك لو قال: «أبتاعُ منكَ مِئةَ صاعٍ تَمرًا بمِئةِ دينارٍ على أني بالخيارِ يومًا إنْ رَضيتُ أعطَيتُكَ الدَّنانيرَ، وإنْ لَم أرضَ فالبَيعُ بَيني وبَينَكَ مَفسوخٌ» لَم يَجُزْ؛ لأنَّ هذا بَيعٌ مَوصوفٌ، والبَيعُ المَوصوفُ لا يَجوزُ إلا بأنْ يَقبِضَ صاحِبُه ثَمَنَه قبلَ أنْ يَتفَرَّقا؛ لأنَّ قَبْضَه ما سُلِّفَ فيه قَبْضُ مِلكٍ وهو لو قَبَض مالَ الرَّجُلِ على أنَّه بالخيارِ لَم يَكُنْ قَبْضُه قَبْضَ مِلكٍ ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ الخيارُ لِواحِدٍ منهما؛ لأنَّه إنْ كان لِلمُشتَري لَم يَملِكِ البائعُ ما دُفِعَ إليه، وإنْ كان لِلبائعِ لَم يَملِكْه البائِعُ ما باعه؛ لأنَّه عسى أنْ يَنتفِعَ بمالِه ثم يَرُدَّه إليه فلا يَجوزُ البَيعُ فيه إلا مَقطوعًا بلا خيارٍ (١). وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ أنْ يَجعَلَ أحَدُهما لِصاحِبِه أو لِأجنبيٍّ الخيارَ في إمضاءِ عَقدِ السَّلَمِ أو رَدِّه بشَرطَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكونَ ذلك ثلاثةَ أيامٍ فأقَلَّ، وهو الأجَلُ الذي يَجوزُ تأخيرُ رأسِ المالِ إليه بالشَّرطِ، فلا تَجوزُ الزِّيادةُ على ذلك سَواءٌ أكان رأسُ المالِ عَينًا أم غَيرَه؛ إذْ لا يَجوزُ التأخيرُ أزيَدَ مِنْ ثلاثةِ أيامٍ بشَرطٍ ولا بغَيرِه. الثاني: ألَّا يَنقُدَ رأسَ المالِ في زَمَنِ الخيارِ بشَرطٍ ولا تَطوُّعٍ؛ لأنَّه لو نَقَد وتم السَّلَمُ لَكان فَسخَ دَينٍ في دَينٍ؛ لِإعطاءِ المُسلَمِ إليه سِلعةً مَوصوفةً لِأجَلٍ عما تَرتَّبَ في ذِمَّتِه، وهو حَقيقةُ فَسخِ الدَّينِ في الدَّينِ.

стр. 4109

فإنْ نَقَد ولو تَطوُّعًا فَسَدَ؛ لِتَردُّدِه بينَ السَّلَفيَّةِ والثَّمنيَّةِ والبَيعِ والسَّلَفِ وشَرطٍ بَيِّنٍ مُفسِدٍ لِلعِلَّةِ الثانيةِ ولو أسقَطَ الشَّرطَ (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فلَم أقِفْ لَهم على قَولٍ في هذه المَسألةِ، وإنْ كان ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ قال: وأجمَعوا على أنَّ اشتِراطَ أحَدِهما الخيارَ في المُسلَمِ فيه مُدَّةً قَصيرةً أو طَويلةً يُبطِلُ السَّلَمَ، إلَّا مالكًا فإنَّه قال: لا بأسَ به إلى اليومِ واليومَيْنِ (٢). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: لا يَجوزُ الخيارُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ وجَماعَتِهم فيما يَجبُ تَعجيلُه في المَجلِسِ مِثلَ الصَّرفِ والسَّلَمِ؛ لأنَّه خِلافُ الأُصولِ المُجمَعِ عليها (٣). الشَّرطُ الثامِنُ: ألَّا يَجتمِعَ في البَدلَيْنِ أحَدُ وَصفَيْ عِلَّةِ الرِّبا: اشتَرَط الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ ألَّا يَجتمِعَ في البَدلَيْنِ الثَّمنُ، ولا المُسلَمُ فيه أحَدُ وَصفَيْ عِلَّةِ الرِّبا، على تَفصيلٍ بينَهم في هذا. قال الحَنفيَّةُ: وألَّا يَجتَمِعَ في البَدلَيْنِ أحَدُ وَصفَيْ عِلَّةِ الرِّبا حتى إنَّه لا يَجوزُ إسلامُ الهَرويِّ في الهَرويِّ، ولا إسلامُ الكَيليِّ في الكَيليِّ، كالحِنطةِ في الشَّعيرِ، ولا الوَزنيِّ في الوَزنيِّ كالحَديدِ في الصُّفرِ أو في الزَّعفَرانِ ونَحوِ ذلك؛

стр. 4110

لقَولِ النَّبيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ عُبادةَ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بَيَدٍ» (١) (٢). وقال المالِكيَّةُ: يُشترَطُ ألَّا يَكونَ العِوَضانِ -أي: رأسُ المالِ والمُسلَمُ فيه- طعامَيْنِ مُطلَقًا، ولا نَقدَيْنِ كذهَب في فِضَّةٍ وعَكسِه أو ذهَب في ذهَب أو فِضَّةٍ في فِضَّةٍ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى رِبا النَّسيئةِ مُطلَقًا، وإلى رِبا الفَضلِ في الجِنسِ الواحِدِ. فلا يَجوزُ أنْ تَقولَ لِآخَرَ: «أسلِمُكَ إردَبَّ قَمحٍ في إردَبِّ قَمحٍ أو فُولٍ»، ولا: «أُسلِمُكَ دينارًا في قَدْرٍ مِنْ فِضَّةٍ أو في دينارٍ» ما لَم يَتَّحِدِ القَدْرُ والصِّنفُ إلا أنْ يَقَعَ بلَفظِ القَرضِ أو السَّلَفِ فيَجوزُ. وحُكمُ الفُلوسِ الجُدُدِ هنا حُكمُ العَينِ؛ لأنَّه صَرفٌ، فلا يَجوزُ سَلَمُ بَعضِها في بَعضٍ، وإنَّما امتَنَعَ أنْ يَكونا طعامَيْنِ أو نَقدَيْنِ لِأدائِه لِرِبا الفَضلِ والنَّساءِ عندَ تَحقُّقِ الزِّيادةِ، أو لِأدائِه لِرِبا النَّساءِ عندَ تَماثُلِ رأسِ المالِ لِلمُسلَمِ فيه. ولا يَصحُّ في نَخلةٍ مُثمِرةٍ في طَعامٍ، ولا يُسلَمُ شَيءٌ مِنْ غيرِ الطَّعامِ في أجوَدَ منه ولا أكثَرَ منه مِنْ جِنسِه كثَوبٍ في ثَوبٍ أجوَدَ منه أو ثَوبٍ في ثَوبَيْنِ مِثلِه لِئلَّا يُؤدِّيَ إلى سَلَفٍ جَرَّ مَنفَعةً، فالجَودةُ هنا بمَنزِلةِ الكَثرةِ، ولا يُسلَّمُ ثَوبانِ في ثَوبٍ مِثلِه أو أردَأَ لِئلَّا يُؤدِّيَ إلى ضَمانٍ بجُعلٍ، أي أنْ يُؤدِّيَ إلى التُّهمةِ على ذلك.

стр. 4111

إلا أنْ تَختلِفَ المَنفَعةُ، كَفارِهِ الحُمُرِ في الأعرابيَّةِ، يَعني أنَّه يَجوزُ أنْ يُسلَّمَ الحِمارُ الفارِهُ، وهو جَيِّدُ السَّيرِ في الحِمارَيْنِ فأكثَرَ غيرِ الفارِهَيْنِ وبالعَكسِ؛ لأنَّ اختِلافَ المَنافِعِ يُصيِّرُ الجِنسَ الواحِدَ كالجِنسَيْنِ. ويَجوزُ سَلَمُ الفَرَسِ السابِقِ في فَرسَيْنِ غيرِ سابِقَيْنِ؛ لِاختِلافِ المَنافِعِ، فإنَّ المُعتبَرَ في الخَيلِ السَّبقُ لا الهَملَجةُ؛ وهي سُرعةُ المَشيِ؛ إذْ سُرعةُ مَشيِه وحُسنُ سَيرِه لا يُصيِّرانِه مُخالِفًا لِأبناء جِنسِه حتى يَجوزَ سَلَمُ الواحِدِ في اثنَيْنِ أو ثلاثةٍ، مما ليس له تلك السُّرعةُ؛ إلا أنْ يَكونَ مع الهَملَجةِ عَظيمَ الخِلقةِ جافيَ الأعضاءِ مما يُرادُ منه الحَملُ، فيَجتمِعُ فيه الهَملَجةُ والبَرذَنةُ فيَجوزُ حينَئذٍ أنْ يُسلَّمَ الواحِدُ في أكثَرَ مِنْ خِلافِه. ويَجوزُ أنْ يُسلَّمَ الجَمَلُ الكَثيرُ الحَملِ في جَملَيْنِ مما ليس كذلك (١). وقال الشافِعيَّةُ: السَّلَمُ في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ جائِزٌ على الأصَحِّ بشَرطِ أنْ يَكونَ رأسُ المالِ غَيرَهما. ولا يَجوزُ إسلامُ الدَّراهِمِ في الدَّنانيرِ ولا عَكسُه سَلَمًا مُؤجَّلًا وفي الحالِ وَجهانِ: الأصَحُّ: المَنصوصُ في «الأُمِّ» في مَواضِعَ أنَّه لا يَصحُّ. والثاني: يَصحُّ بشَرطِ قَبضِهما في المَجلِسِ (٢).

стр. 4112

وقال الحَنابِلةُ: يَصحُّ السَّلَمُ في أثمانٍ خالِصةٍ ويَكونُ رأسُ المالِ غَيرَها -أي: غيرَ الأثمانِ-؛ لأنَّه يَحرُمُ النَّساءُ بينَ النَّقدَيْنِ. وكلُّ مالَيْنِ حَرُمَ النَّساءُ فيهما لا يَجوزُ أنْ يُسلَّمَ أحَدُهما في الآخَرِ؛ لِفَواتِ التَّقابُضِ في المَجلِسِ، فلا يَصحُّ أنْ يُسلِّمَ بُرًّا في شَعيرٍ ولا خُبزًا في جُبنٍ. ويَصحُّ السَّلَمُ في فُلوسٍ -ولو نافِقةٍ- عَدَديَّةٍ أو وَزنيَّةٍ، ولو كان رأسُ مالِها أثمانًا؛ لأنَّ الفُلوسَ عَرَضٌ لا ثَمَنٌ، وهذا أصوَبُ، قال البُهوتيُّ: لكنْ تَقدَّم لَكَ في الرِّبا أنَّها مُلحَقةٌ بالأثمانِ على الصَّحيحِ فلا يَصحُّ إنْ كان رأسُ مالِها ثَمَنًا؛ لِفَواتِ التَّقابُضِ. لكنْ إنْ كانتِ الفُلوسُ وَزنيَّةً -أي: يُتعامَلُ بها وَزنًا فأسلَمَ فيها مَوزونًا كَصُوفٍ ونَحوِه كخَزٍّ وكَتَّانٍ لَم يَصحَّ السَّلَمُ؛ لِاجتِماعِهما في عِلَّةِ رِبا النَّسيئةِ وهي الوَزنُ. ويَصحُّ السَّلَمُ في عَرضٍ بعَرضٍ إنْ لَم يَجْرِ بينَهما رِبا النَّسيئةِ، فلو جاءَه بعَينِ ما أخَذَ منه عندَ مَحَلِّه لَزِمَه قَبولُه إنِ اتَّحَدا صِفةً؛ لأنَّه أتاه بالمُسلَمِ فيه على صِفتِه، فلَزِمَه قَبولُه كما لو أتاه بغَيرِه، والمُثمَّنُ إنما هو في الذِّمَّةِ وهذا عِوَضٌ عنه. فإنْ فَعَل ذلك حيلةً لِيَنتفِعَ بالعَينِ التي جُعلِتْ رأسَ مالِ السَّلَمِ ثم يَرُدَّها بغَيرِ عِوَضٍ لَم يَجُزْ؛ لِما تَقدَّم مِنْ تَحريمِ الحِيَلِ (١).

стр. 4113

الشَّرطُ التاسِعُ: مَعرِفةُ قَدْرِ رأسِ مالِ السَّلَمِ: اختَلَف فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربعةِ في مَعرِفةِ قَدْرِ رأسِ مالِ السَّلَمِ، هل يُشترَطُ مَعرِفَتُه؟ أم تَكفي الإشارةُ إليه؟ فذهَب أبو حَنيفةَ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترَطُ مَعرِفةُ قَدْرِ رأسِ مالِ السَّلَمِ وانضباطِه وإنْ كان مُشارًا إليه؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ فَسخُ السَّلَمِ لِتأخُّرِ المَعقودِ عليه، فوَجَبَ مَعرِفةُ رأسِ مالِه لِيَرُدَّ بَدَلَه كالقَرضِ والشَّرِكةِ، ولأنَّه لا يُؤمَنُ أنْ يَظهَرَ بَعضُ الثَّمَنِ مُستحَقًّا فيَنفَسِخُ العَقدُ في قَدْرِه فلا يُعلَمُ في كم بَقيَ وكمِ انفَسَخَ. ولأنَّه أحَدُ بَدَليِ السَّلَمِ كالمُسلَمِ فيه، ولأنَّ ما يَطرَأُ على السَّلَمِ مما يُوجِبُ جَهالةً في نَفْسِ المَعقودِ عليه مُعتبَرٌ في العَقدِ بدَليلِ مَنعِ السَّلَمِ في مَلءِ إناءٍ بعَينِه؛ لِجَوازِ هَلاكِ الإناءِ وحُصولِ السَّلَمِ في مَجهولٍ، ولا نَأمَنُ أنْ يَطرَأَ على عَقدِ السَّلَمِ ما يُوجِبُ فَسخَه، فيَحصُلَ رأسُ المالِ مَجهولًا لا يُمكِنُ رَدُّه فيَجِبُ أنْ يَكونَ ذلك مُعتبَرًا في العَقدِ. فعلى هذا: لا يَجوزُ أنْ يَكونَ رأسُ المالِ إلا ما يَجوزُ أنْ يَكونَ مُسلَمًا فيه؛ لأنَّه يُعتبَرُ ضَبطُ صِفاتِه؛ فأشبَهَ المُسلَمَ فيه. وهذا عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ في المَكيلِ والمَوزونِ والمَعدودِ، أمَّا في الثِّيابِ والحيَوانِ فلا يُشترَطُ، وحُجَّتُه أنَّ جَهالةَ ذلك تُؤدِّي إلى جَهالةِ المَقبوضِ في الثاني؛ لأنَّه إذا أسلَمَ كَفًّا مِنْ دَراهِمَ فوَجَد في بَعضِها زُيوفًا انفَسَخ العَقدُ فيه ولَم يُعلَمْ مِقدارُه مِنْ رأسِ المالِ، ولا يُشبِهُ هذا إذا كان رأسُ المالِ ثَوبًا؛ لأنَّ قَدْرَه ليس بمَعقودٍ عليه.

стр. 4114

وذهَب الصاحِبانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يُشترَطُ مَعرِفةُ قَدْرِ رأسِ مالِ السَّلَمِ إذا كان رأسُ المالِ مُشارًا إليه؛ لأنَّه عِوَضٌ مُشاهَدٌ فلَم يَحتَجْ إلى مَعرِفةِ قَدْرِه كبُيوعِ الأعيانِ، ولا خِلافَ في اعتِبارِ أوصافِه. وقال الشافِعيَّةُ: وإذا فُسِخَ وتَنازَعا في قَدْرِه صُدِّقَ المُسلَمُ إليه؛ لأنَّه غارِمٌ (١). ما يَصحُّ فيه السَّلَمُ وما لا يَصحُّ: اختَلَف الفُقهاءُ فيما يَصحُّ السَّلَمُ فيه وما لا يَصحُّ، إلا أنَّ هناك قاعِدةً عامَّةً عندَهم هي أنَّ كلَّ ما أمكَنَ ضَبطُ صِفَتِه ومَعرِفةُ مِقدارِه جازَ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه لا يُؤدِّي إلى المُنازَعةِ، وما لا يُمكِنُ ضَبطُ صِفَتِه ولا مَعرِفةُ مِقدارِه لا يَجوزُ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه يَكونُ مَجهولًا فيُؤدِّي إلى المُنازَعةِ، وهذه قاعِدةٌ يُبتَنى عليها أكثَرُ مسائِلِ السَّلَمِ، إلا أنَّ هذه الأشياءَ مُنضَبِطةٌ عندَ بَعضِهم، فيَصحُّ السَّلَمُ فيها، وغَيرُ مُنضَبِطةٍ عندَ آخَرينَ، فلا يُصحِّحونَ السَّلَمَ فيها، وهي على التفصيلِ الآتي عندَ كلِّ مَذهبٍ.

стр. 4115

قال الحَنفيَّةُ: يَجوزُ السَّلَمُ في المَكيلاتِ -مِثلَ الحِنطةِ والشَّعيرِ والذُّرةِ والأرُزِّ وغَيرِ ذلك- والمَوزوناتِ والمَذروعاتِ -وهي ما يُباعُ بالذِّراعِ كالألبِسةِ-؛ لأنَّه يُمكِنُ ضَبطُها بذِكرِ الذَّرعِ والصِّفةِ، والمَعدوداتِ المُتقارِبةِ -كالجَوزِ والبَيضِ-؛ لأنَّه يُمكِنُ ضَبطُ صِفَتِه ومَعرِفةُ مِقدارِه. ولا يَجوزُ في العَدَديَّاتِ المُتفاوِتةِ؛ كالبِطِّيخِ والرُّمَّانِ وأشباهِهما، ولا في الجَوهَرِ والخَرَزِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ فيه ذلك؛ لأنَّها تَتفاوَتُ تَفاوُتًا فاحِشًا. ويَجوزُ في الطَّستِ والقُمقُمِ والخُفَّيْنِ ونَحوِها لِما ذَكَرنا. ويَجوزُ السَّلَمُ في الثِّيابِ إذا سَمَّى طُولًا وعَرضًا ورُقعةً. ولا يَجوزُ السَّلَمُ في الحَيَوانِ ولا في أطرافِه -يَعني الرُّؤوسَ والأكارِعَ- لِلتَّفاوُتِ؛ لأنَّه عَدَديٌّ مُتفاوِتٌ لا مِقدارَ له، ولا يَنضَبِطُ بالصِّفةِ، ويَتفاوَتُ بالسِّمَنِ والهُزالِ والسِّنِّ والنَّوعِ وشِدَّةِ العَدْوِ والهَملَجةِ -وهي سَيرٌ سَهلٌ لِلبراذينِ-، وقد يَجِدُ فَرسَيْنِ مُستَويَيْنِ في السِّنِّ والصِّفةِ ثم يَشتَري أحدَهما بأضعافِ ما يَشتَري به الآخَرَ لِلتَّفاوُتِ بينَهما في المعاني الباطِنةِ، وهذا أيضًا في بَني آدَمَ لا يَخْفى؛ فإنَّ العَبدَيْنِ يَتساوَيانِ سِنًّا وصِفةً ويَختَلِفانِ في العَقلِ والأخلاقِ والمُروءةِ، وكذلك الأَمَتانِ. ولا يَجوزُ في الجُلودِ عَددٌ؛ لأنَّها لا تَنضَبِطُ بالصِّفةِ، ولا تُوزَنُ عادةً، ولكنَّها تُباعُ عَددًا وهي عَدَديٌّ مُتفاوِتٌ؛ لأنَّ فيها الصَّغيرَ والكَبيرَ، فإنْ سَمَّى منها شَيئًا يَصلُحُ لِلمُصحَفِ مَعلومًا وذَكَرَ طُولَه وعَرضَه وجَودَتَه جازَ.

стр. 4116

وكذا لا يَجوزُ السَّلَمُ في الوَرَقِ إلَّا أنْ يَشترِطَ ضَربًا منه مَعلومَ الطُّولِ والعَرضِ والجَودةِ، فحينَئذٍ يَجوزُ السَّلَمُ فيه. ولا يَجوزُ في الحَطَبِ حُزَمًا؛ لأنَّه مُتفاوِتٌ مَجهولٌ إلا إذا عرَّف ذلك بأنْ بينَ طُولَ الحَبلِ الذي يَشُدُّ به الحُزمةَ بأنَّه ذِراعٌ أو ذِراعانِ، فحينَئذٍ يَجوزُ السَّلَمُ فيه. ولا يَجوزُ في الخُبزِ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ؛ لِتَفاوُتِه تَفاوُتًا فاحِشًا بالثَّخانةِ والرِّقَّةِ والنُّضجِ، ويَجوزُ عندَ أبي يُوسُفَ ومُحمدٍ وهو المُختارُ لِحاجةِ الناسِ. وكلُّ ما أمكَنَ ضَبطُ صِفتِه ومَعرِفةُ مِقدارِه جازَ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه لا يُؤدِّي إلى المُنازَعةِ، وما لا يُمكِنُ ضَبطُ صِفَتِه ولا مَعرِفةُ مِقدارِه لا يَجوزُ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه يَكونُ مَجهولًا فيُؤدِّي إلى المُنازَعةِ (١). وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ السَّلَمُ فيما طُبِخَ مِنَ الأطعِمةِ واللُّؤلُؤِ والجَوهَرِ والزُّجاجِ وصُنوفِ الفُصوصِ والحِجارةِ -إذا ذَكَرَ صِنفًا مَعروفًا بصِفةٍ مَعلومةٍ- والعَنبَرِ والمِسكِ وجَميعِ العِطرِ إذا اشتَرَطَ عليه شَيئًا مَعلومًا. ويَجوزُ في الجِصِّ والزَّرنيخِ والنُّورةِ وشِبهِ ذلك مَضمونًا مَعلومَ الصِّفةِ، ويَجوزُ في أحمالِ الحَطَبِ والأدَمِ وكذلك في الجُذوعِ مِنْ خَشَبِ البُيوتِ

стр. 4117

وشِبهِه مِنْ صُنوفِ العِيدانِ، وفي جُلودِ البَقَرِ والغَنَمِ والزُّقوقِ والأدَمِ والقَراطيسِ إذا اشتَرَط مِنْ ذلك كلِّه شَيئًا مَعلومًا. ويَجوزُ في الصُّوفِ بالوَزنِ ولا يَجوزُ بالجَزِّ عَدَدًا؛ لِاختِلافِها بالصِّغَرِ والكِبَرِ، وأمَّا شِراؤُه لا على وَجهِ السَّلَمِ فيَجوزُ بالجَزِّ، ويَجوزُ في السُّيوفِ والسَّكاكينِ وفي العُروضِ كُلِّها إذا كانتْ مَوصوفةً مَضمونةً وضَرَب لَها أجَلًا مَعلومًا وقَدَّمَ النَّقدَ فيها. ويَجوزُ في تَوْرٍ لِيُكمِّلَ -وهو آنيةٌ مِنْ نُحاسٍ على هَيئةِ الطَّستِ-، ومَعنى ذلك أنَّ مَنْ وَجَد شَخصًا قد شَرَع في عَمَلِ تَوْرٍ فاشتَراه منه على أنْ يُكمِّلَه له ودَفَع إليه ثَمَنه فإنَّ ذلك جائِزٌ. ويَجوزُ الشِّراءُ مِنَ الصانِعِ الدائِمِ العَمَلِ كالخَبَّازِ والقَصَّابِ على أنْ يأخُذَ منه كلَّ يَومٍ كذا بشَرطِ أنْ يَكونَ مَوجودًا عندَه وأنْ يَشرَعَ في الأخْذِ وهو بَيعٌ، وإنْ لَم يَدُمْ فهو سَلَمٌ؛ كاستِصناعِ سَيفٍ أو سَرجٍ. وفَسَد السَّلَمُ بتَعيينِ المَعمولِ منه؛ ك: «اعمَلْ مِنْ هذا الحَديدِ بعَينِه، أو مِنْ هذا الخَشَب بعَينِه، أو مِنْ هذا الغَزلِ بعَينِه»؛ لأنَّه حينَئذٍ ليس دَينًا في الذِّمَّةِ أو تَعيينَ العامِلِ، وأوْلى بتَعيينِهما معًا لِشدَّةِ غَرَرِه فيها، وهذا إذا لَم يَشتَرِ المَعمولَ منه، وأمَّا إنِ اشتَرى المَعمولَ منه وعَيَّنَه ودَخَل في ضَمانِه واستأجَرَه بعدَ ذلك على عَمَلِه جازَ إنْ شَرَعَ في العَمَلِ ولو حُكمًا، كتأخيرِه لِنصفِ شَهرٍ عَينَ عامِلِه أو لا، ولا يَجوزُ السَّلَمُ فيما لا يُمكِنُ وَصفُه عادةً وَصفًا كاشِفًا عن حَقيقَتِه؛ كتُرابِ المَعدِنِ والأرضِ والدارِ والجُزافِ وما لا

стр. 4118

يُوجَدُ، وحَديدٍ -وإنْ لَم يَخرُجْ منه السُّيوفُ في سُيوفٍ وبالعَكسِ-، ولا كَتَّانٍ غَليظٍ في رَقيقِه إنْ لَم يُغزَلا، وثَوبٍ لِيُكمَلَ، ومَصنوعٍ قُدِّمَ لا يَعودُ هَيِّنَ الصَّنعةِ كالغَزلِ، بخِلافِ النَّسجِ إلا ثيابَ الخَزِّ وإنْ قُدِّمَ أصلُه اعتُبِرَ الأجَلُ، وإنْ عادَ اعتُبِرَ فيهما، والمَصنوعانِ يَعودانِ يُنظَرُ لِلمَنفَعةِ (١). وقال الشافِعيَّةُ: يَصحُّ السَّلَمُ في أنواعِ الحَيَوانِ واللَّحمِ والطَّيرِ والثِّيابِ والتَّمرِ وسائِرِ الحُبوبِ والعَسَلِ والقَصَبِ. ويُشترَطُ في الإبِلِ والخَيلِ والبِغالِ والحَميرِ ذِكرُ الذُّكورةِ والأُنوثةِ والسِّنِّ واللَّونِ والنَّوعِ، وفي الطَّيرِ ذِكرُ النَّوعِ والصِّغَرِ وكِبَرِ الجُثَّةِ، وفي اللَّحمِ -لَحمِ بَقَرٍ أو ضَأْنٍ أو مَعْزٍ- ذِكرُ خَصيٍّ رَضيعٍ مَعلوفُ أو ضِدِّها مِنْ فَخِذٍ أو كَتِفٍ أو جَنْبٍ، ويُقبَلُ عَظمُه على العادةِ. وفي الثِّيابِ يَجبُ ذِكرُ الجِنسِ والطُّولِ والعَرضِ والغِلظِ والرِّقَّةِ والصَّفاقةِ والدِّقَّةِ والنُّعومةِ والخُشونةِ، ومُطلَقُه يُحمَلُ على الخامِ، ويَجوزُ في المَقصورِ وفيما صُبِغَ غَزلُه قبلَ النَّسجِ كالبُرودِ. وفي التَّمرِ يَجبُ ذِكرُ لَونِه ونَوعِه وبَلَدِه وصِغَرِ الحَبَّاتِ وكِبَرِها وعَتاقَتِه وحَداثَتِه، والحِنطةُ وسائِرُ الحُبوبِ كالتَّمرِ. وفي العَسَلِ يَجبُ ذِكرُ جَبَليٍّ أو بَلَديٍّ صَيفيٍّ أو خَريفيٍّ أبيضَ أو أصفَرَ، ولا يُشترَطُ العَتاقةُ والحَداثةُ.

стр. 4119

والأظهَرُ مَنعُه في رُؤوسِ الحَيوانِ، ولا يَصحُّ في مُختلِفٍ كبُرمةٍ مَعمولةٍ وجِلدٍ وكُوزٍ وطَشتٍ وقُمقُمٍ ومَنارةٍ وطِنجيرٍ؛ ونَحوِها. ويَصحُّ في الأسطالِ المُربَّعةِ وفيما صُبَّ في قالَبٍ. ولا يَصحُّ في المَطبوخِ والمَشويِّ؛ لأنَّ لِلنارِ تأثيرًا فيهما فلا يَنضَبِطُ، ولا في أشكالٍ مُختَلِفةٍ كقُدورٍ وجِلدٍ وكُوزٍ وقُمقُمٍ … إلخ؛ لِتَعذُّرِ ضَبطِها. ولا يَصحُّ فيما لا يَنضبِطُ مَقصودُه كالمُختلِطِ المَقصودِ الأركانِ كهَريسةٍ ومَعجونٍ وغاليةٍ وخُفٍّ وتِرياقٍ مَخلوطٍ، والأصَحُّ صِحَّتُه في المُختلِطِ المُنضبِطِ كعِتابيٍّ وخَزٍّ وجُبنٍ وأقِطٍ وشَهدٍ وخَلِّ تَمرٍ أو زَبيبٍ، لا الخُبزِ في الأصَحِّ عندَ الأكثَرينَ. ولا يَصحُّ فيما يَندُرُ وُجودُه؛ كلَحمِ الصَّيدِ بمَوضِعِ العِزَّةِ، ولا فيما لو استُقصيَ وَصفُه عَزَّ وُجودُه؛ كاللُّؤلُؤِ الكِبارِ واليَواقيتِ وجاريةِ وأُختِها أو وَلَدِها (١). وقال الحَنابِلةُ: كُلُّ ما ضُبِطَ بصِفةٍ فالسَّلَمُ فيه جائزٌ، فيَصحُّ السَّلَم في الَمكيلِ مِنْ حُبوبٍ وثِمارٍ وخَلٍّ ودُهنٍ ولَبَنٍ ونَحوِها. ومَوزونٍ: مِنْ قُطنٍ وحَريرٍ وصُوفٍ ونُحاسٍ وزِئبَقٍ وشَبٍّ وكِبريتٍ وشَحمٍ ولَحمٍ نَيِّئٍ ولو مع عَظمِه إنْ عُيِّنَ مَوضِعُ قَطعٍ. ومَذرُوعٍ: مِنْ ثيابٍ وخُيوطٍ.

стр. 4120

لقَولِ عَبدِ اللهِ بنِ أبي أوْفى وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ أبْزَى: «كُنَّا نُصيبُ المَغانِمَ مع رَسولِ اللهِ ﷺ فكان يأتينا أنباطٌ (١) مِنْ أنباطِ الشامِ فنُسلِفُهم في الحِنطةِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ، فقيل: أكان لَهم زَرعٌ أم لَم يَكُنْ؟ قال: ما كُنَّا نَسألُهم عن ذلك» (٢). فثَبَت جَوازُ السَّلَمِ في ذلك بالخَبَرِ، وقِيسَ عليه ما يُضبَطُ بالصِّفةِ؛ لأنَّه في معناه. وكذا يَصحُّ في المَعدودِ مِنَ الحَيوانِ -ولو آدميًّا- لِحَديثِ أبي رافِعٍ ﵁: «استَسلَفَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ رَجُلٍ بَكرًا» (٣). أمَّا المَعدودُ المُختلِفُ كالفَواكِه المَعدودةِ -كرُمَّانٍ وخَوخٍ ونَحوِهما- فلا يَصحُّ فيه السَّلَمُ؛ لِاختِلافِها بالصِّغَرِ والكِبَرِ. وعن الإمامِ أحمدَ ﵀: يَجوزُ السَّلَمُ في الفَواكِهِ والمَوْزِ والخَضراواتِ ونَحوِها، قال المُوفَّقُ: لأنَّ كثيرًا مِنْ ذلك يَتقارَبُ ويَنضبِطُ بالكِبَرِ والصِّغَرِ، وما لا يَتقارَبُ يَنضبِطُ بالوَزنِ -كالبُقولِ ونَحوِها- فيَصحُّ السَّلَمُ فيه كالمَذروعِ.

стр. 4121

ويَصحُّ أيضًا في الثِّيَابِ المَنْسُوجَةِ مِنْ نَوْعَيْنِ -كالكَتَّانِ والقُطنِ ونَحوِهما-؛ لأنَّ ضَبطَها مُمكِنٌ، وكذا نَشَّابٌ ونَبْلٌ مُرَيَّشانِ وخِفافٌ ورِماحٌ. ولا يَصحُّ فيما لا يَنضبِطُ -كالبُقولِ-؛ لأنَّها تَختلِفُ ولا يُمكِنُ تَقديرُها بالحُزَمِ. ولا يَصحُّ في الجُلودِ لِاختِلافِها، ولا يُمكِنُ ذَرعُها لِاختِلافِ أطرافِها. وكذا الرُّؤوسُ والأكارِعُ؛ لِأنَّ أكثَرَها العِظامُ والمَشافِرُ ولَحمَها قَليلٌ وليستْ مَوزونةً. وكذا البَيضُ، وكذا الأواني المُختلِفةُ رُؤوسًا وأوساطًا كالقَماقِمِ ونَحوِها، فإنْ لَم تَختلِفْ رُؤوسُها وأوساطُها صَحَّ السَّلَمُ فيها. ولا يَصحُّ في الجَواهِرِ واللُّؤلُؤِ والعَقيقِ ونَحوِها؛ لأنَّها تَختلِفُ اختِلافًا مُتبايِنًا صِغَرًا وكِبَرًا وحُسْنَ تَدويرٍ وزيادةَ ضَوءٍ وصَفاءِ (١). السَّلَمُ في الشَّيءِ الواحِدِ على أنْ يَقبِضَه في أوقاتٍ مُتفرِّقةٍ أجزاءً مَعلومةً: اختَلَف الفُقهاءُ في الشَّخصِ إذا أسلَمَ شَيئًا واحِدًا على أنْ يَقبِضَه مُتفرِّقًا على أجزاءٍ مَعلومةٍ، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ أنْ يُسلِفَ في شَيءٍ واحِدٍ إلى أجَلَيْنِ مُختلِفَيْنِ.

стр. 4122

وذهَب الشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ إلى أنَّه لا يَصحُّ. وقال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: يَجوزُ أنْ يُسلِمَ في شَيءٍ واحِدٍ إلى أجَلَيْنِ، وفي شَيئَيْنِ إلى أجَلٍ واحِدٍ خِلافًا لِلشافِعيِّ في أحَدِ قَولَيْه؛ لقَولِه ﷺ : «إلى أجَلٍ مَعلومٍ»، ولَم يُفرِّقْ، ولأنَّ كلَّ ما جازَ أنْ يَكونَ في الذِّمَّةِ إلى أجَلٍ جازَ أنْ يَكونَ إلى أجَلَيْنِ كالأثمانِ، ولأنَّه سَلَمٌ فيما تُضبَطُ صِفَتُه مما يَجوزُ أنْ يُسلَمَ فيه إلى وَقتٍ مَعلومٍ يُوجَدُ فيه فأشبَهَ السَّلَمَ في الشيءِ الواحِدِ إلى الأجَلِ الواحِدِ (١). وقال العِمرانيُّ ﵀: إذا أسلَمَ إليه شَيئًا في جِنسٍ إلى أجَلَيْنِ أو آجالٍ، أو أسلَمَ إليه شَيئًا في جِنسَيْنِ إلى أجَلٍ، مِثلَ أنْ قالَ: «أسلَمتُ إليكَ هذا الدِّينارَ في كذا وكذا رِطلِ لَحمٍ، وتَدفَعُ إلَيَّ كلَّ يومٍ منه رِطلًا»، أو قال: «أسلَمتُ إليكَ هذا الدِّينارَ بخَسمةِ أذهابِ بُرٍّ وخَمسةِ أذهابِ ذُرةٍ» … ففيه قَولانِ: أحَدُهما: لا يَصحُّ -وهو ضَعيفٌ-؛ لأنَّ ما يُقابِلُ أبعَدَهما أجَلًا مِنْ رأسِ المالِ أقَلُّ مما يُقابِلُ أقرَبَهما أجَلًا، وما يُقابِلُ أحَدَ الجِنسَيْنِ أقَلُّ مما يُقابِلُ الآخَرَ، وذلك مَجهولٌ فلَم يَصحَّ، ويأتي هذا القَولُ بِناءً على أنَّ رأسَ المالِ يَجبُ أنْ يَكونَ مَعلومًا. والآخَرُ: يَصحُّ السَّلَمُ، وبه قال مالِكٌ، وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ كلَّ بَيعٍ جازَ إلى أجَلٍ واحِدٍ … جازَ إلى أجَلَيْنِ، كبَيعِ الأعيانِ -وفيه احتِرازٌ مِنَ

стр. 4123

الكِتابةِ- أو كلِّ بَيعٍ جازَ على جِنسَيْنِ في عَقدَيْنِ … جازَ عليهما في عَقدٍ واحِدٍ، كبَيعِ الأعيانِ (١). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قال: «وإذا أسلَمَ في شَيءٍ واحِدٍ على أنْ يَقبِضَه في أوقاتٍ مُتفرِّقةٍ أجزاءً مَعلومةً فجائز». قال الأثرَمُ ﵀: قُلتُ لِأبي عَبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يَدفَعُ الدَّراهِمَ في الشَّيءِ يُؤكَلُ فيأخُذُ منه كلَّ يومٍ مِنْ تلك السِّلعةِ شَيئًا، فقال: على مَعنى السَّلَمِ إذًا؟ فقُلتُ: نَعَمْ، قال: لا بأسَ. ثم قال: مِثلَ الرَّجُلِ القَصَّابِ يُعطيه الدِّينارَ على أنْ يأخُذَ منه كلَّ يومٍ رِطلًا مِنْ لَحمٍ قد وَصَفَه، وبهذا قال مالِكٌ. وقال الشافِعيُّ: إذا أسلَمَ في جِنسٍ واحِدٍ إلى أجلَيْنِ لَم يَصحَّ في أحَدِ القَولَيْنِ؛ لأنَّ ما يُقابِلُ أبعَدَهما أجَلًا أقَلُّ مما يُقابِلُ الآخَرَ، وذلك مَجهولٌ فلَم يَجُزْ. ولنا: أنَّ كلَّ بَيعٍ جازَ في أجَلٍ واحِدٍ جازَ في أجَلَيْنِ وآجالٍ كبُيوعِ الأعيانِ، فإذا قبَض بَعضًا وتَعذَّرَ قَبضُ البَقيَّةِ ففُسِخَ العَقدُ رجَع بقِسطِه مِنَ الثَّمنِ. ولا يَجعَلُ لِلبَقيَّةِ فَضلًا على المَقبوضِ؛ لأنَّه مَبيعٌ واحِدٌ مُتماثِلُ الأجزاءِ فيُقسِّطُ الثَّمنَ على أجزائِه بالسَّويَّةِ كما لو اتَّفقَ أجَلُه (٢).

стр. 4124

التَّعيينُ في المُسلَمِ فيه: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربعةِ على أنَّه لا يَصحُّ تَعيينُ المُسلَمِ فيه؛ وإنما لا بُدَّ أنْ يَكونَ في الذِّمَّةِ، فلا يَجوزُ أنْ يُسلَّمَ الرَّجُلُ في ثَمرةِ بُستانٍ بعَينِه ولا قَريةٍ صَغيرةٍ؛ لِما رَوى عَبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ عن أبيه عن جَدِّهِ عَبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إِنَّ بَنِي فُلَانٍ أَسْلَمُوا لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ؛ وَإِنَّهُمْ قد جَاعُوا فَأَخَافُ أَنْ يَرْتَدُّوا، فقال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ عِنْدَهُ؟»، فقالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا، لِشَيْءٍ قد سَمَّاهُ، أُرَاهُ قال: ثَلاثُمِئةِ دِينَارٍ بِسِعْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ، فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «بِسِعْرِ كَذَا وَكَذَا إلى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا وَلَيْسَ مِنْ حَائِطِ بَني فُلَانٍ» (١). وفي لَفظِ أبي يَعلَى عن عَبدِ اللهِ بنِ سَلامٍ قال: أسلَفَ رَسولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِنَ اليَهودِ دَنانيرَ في تَمرٍ مُسمًّى إلى أجَلٍ مُسمًّى، فقال اليَهوديُّ: مِنْ تَمرِ حائِطِ بَني فُلانٍ؟ قال النَّبيُّ ﷺ : «أمَّا مِنْ تَمرِ حائِطِ بَني فُلانٍ فلا» (٢). وفي لَفظِ ابنِ حِبَّانَ: «فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ كَالْبَدَوِيِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَرْيَةُ بَنِي فُلانٍ قَدْ أَسْلَمُوا وَدَخَلُوا فِي الإِسْلامِ، وَكُنْتُ أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا أَتَاهُمُ الرِّزْقُ رَغَدًا، وَقَدْ أَصَابَهُمْ شِدَّةٌ وَقَحْطٌ مِنَ الْغَيْثِ، وَأَنَا أَخْشَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الإِسْلامِ طَمَعًا كَمَا دَخَلُوا فِيهِ طَمَعًا، فإِنْ رَأَيْتَ

стр. 4125

أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْهُمْ مَنْ يُغِيثُهُمْ بِهِ فَعَلْتَ، قَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ جَانِبَهُ أُرَاهُ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ: فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنِي تَمْرًا مَعْلُومًا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلانٍ إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: لا يَا يَهُودِيُّ، وَلَكِنْ أَبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلا أُسَمِّي حَائِطَ بَنِي فُلانٍ، قُلْتُ: نَعَمْ، فبَايَعَنِي ﷺ ، فَأَطْلَقْتُ هُمْيَانِي فَأَعْطَيْتُهُ ثَمَانِينَ مِثْقَالًا مِنْ ذهَب فِي تَمْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَأَعْطَاهَا الرَّجُلَ وَقَالَ: أعْجِلْ عَلَيْهِمْ وأَغِثْهُمْ بِهَا … » (١). قال أبو بَكرِ بنُ المُنذرِ ﵀: إبطالُ السَّلَمِ في ثَمَرِ حائِطٍ بعَينِه كالإجماعِ مِنْ أهلِ العِلمِ وممن حَفِظْنا ذلك عنه، مالِكٍ والثَّوريِّ والأوزاعيِّ والشافِعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ وأصحابِ الرأيِ (٢)؛ ولأنَّه إذا أسلَمَ في ثَمَرةِ بُستانٍ بعَينِه لَم يُؤمَنِ انقِطاعُه وتَلَفُه، فلَم يَصحَّ -كما لو أسلَمَ في

стр. 4126

شَيءٍ قَدْرُه بمِكيالٍ مُعيَّنٍ أو صَنجةٍ مُعيَّنةٍ، أو أحضَرَ خِرقةً وقال: «أسلَمتُ إليكَ في مِثلِ هذه». وأمَّا إنْ أسلَمَ في ثَمَرةِ قَريةٍ عَظيمةٍ أو ناحيةٍ تَبعُدُ فيها آفةٌ -كتَمرِ المَدينةِ أو حِنطةِ الصَّعيدِ أو الشامِ- صَحَّ عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ في قَولٍ والشافِعيَّةِ في الأصَحِّ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ ثَمَرَها لا يَنقطِعُ في الأغلَبِ. قال ابنُ الهُمامِ ﵀: قَولُه: ولا في طَعامِ قَريةٍ بعَينِها -كحِنطةِ بَلدةِ الفَهميِّينَ والمَحَلَّةِ ببِلادِ مِصرَ- أو ثَمَرةِ نَخلةٍ بعَينِها أو بُستانٍ بعَينِه؛ لأنَّه قد يَعتَريه آفةٌ فتَنتَفي قُدرةُ التَّسليمِ، قال المُصنِّفُ: وإليه أشار رَسولُ اللهِ ﷺ بقَولِه: «أَرَأيْتَ لَوْ ذهَب ثَمَرةُ هَذَا البُسْتَانِ؟ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟»، فإنَّ مَعنى هذا أنَّه لا يَستحِقُّ بهذا البَيعِ ثَمَنًا إنْ لَم يُخرِجْ هذا البُستانُ شَيئًا، فكان في بَيعِ ثَمَرِ هذا البُستانِ غَرَرُ الانفِساخِ، فلا يَصحُّ بخِلافِ ما إذا أسلَمَ في حِنطةٍ صَعيديَّةٍ أو شاميَّةٍ؛ فإنَّ احتِمالَ ألَّا يَنبُتَ في الإقليمِ برُمَّتِه شَيءٌ ضَعيفٌ، فلا يَبلُغُ الغَرَرَ المانِعَ مِنَ الصِّحَّةِ فيَجوزُ، فهذا الحَديثُ يُفيدُ عَدَمَ صِحَّةِ البَيعِ سَواءٌ أكان وُرودُه في السَّلَمِ أو في البَيعِ مُطلَقًا، والواقِعُ أنَّ مَعناه وَرَد في السَّلَمِ وفي البَيعِ، أمَّا في السَّلَمِ فما قَدَّمناه مِنْ حَديثِ أبي داودَ وابنِ ماجَه في الذي أسلَمَ في تلك الحَديقةِ النَّخلَ فلَم يَطلُعْ شَيءٌ فأرادَ المُسلَمُ إليه أنْ يَمنَعَه الثَّمَنَ الذي كان أخَذَه، وقال: إنَّما النَّخلُ هذه السَّنةَ حيثُ قال له رَسولُ اللهِ ﷺ : «أَخَذَ مِنْ نَخْلِكَ شَيْئًا؟»، قال: لا، قال: «بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَه؟ ارْدُدْ عَلَيهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ» الحَديثَ.

стр. 4127

وأمَّا ما في مُسلِمٍ عن جابِرٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فلَا يَحِلُّ لِكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟»، فيَصدُقُ على كلٍّ مِنَ السَّلَمِ والبَيعِ، ويُمكِنُ أنْ يَكونَ دَليلًا على أنَّ هَلاكَ المَبيعِ يُبطِلُ البَيعَ ويُوجِبُ رَدَّ الثَّمَنِ، فهو دَليلُ هذه المَسألةِ أيضًا، وفي الصَّحيحَيْنِ عن أنَسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنْ لَم يُثمِرْها اللهُ فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ»، هذا لو كانتْ نِسبةُ الثَّمَرةِ إلى قَريةٍ مُعيَّنةٍ لِبَيانِ الصِّفةِ، لا لِتَعيينِ الخارِجِ مِنْ أرضِها بعَينِه، كالخَشمَرانيِّ والبَساخيِّ ببُخارَى، وهي قَريةٌ حِنطَتُها جَيِّدةٌ بفَرغانةَ لا بأسَ به، ولأنَّه لا يُرادُ خُصوصُ النابِتِ هناك، بل الإقليمُ، ولا يُتوَهَّمُ انقِطاعُ الحِنطةِ هناك؛ لأنَّه إقليمٌ، وكذا إذا قال: «مِنْ حِنطةِ هَراةَ»، يُريدُ هَراةَ خُراسانَ، ولا يُتوَهَّمُ انقِطاعُ طَعامِ إقليمٍ كامِلٍ، فالسَّلَمُ فيه وفي طَعامِ العِراقِ والشامِ سَواءٌ، وكذا في ديارِ مِصرَ في قَمحِ الصَّعيدِ الذي في الخُلاصةِ، وذَكَر مَعناه في «المُجتَبى» وفي غَيرِه لو أسلَمَ في حِنطةِ بُخارَى، أو حِنطةِ سَمَرقَندَ أو إسبيجابَ لا يَجوزُ؛ لِتَوهُّمِ انقِطاعِه، ولو أسلَمَ في حِنطةِ هَراةَ لا يَجوزُ، وفي ثَوبِ هَراةَ وذَكَر شُروطَ السَّلَمِ يَجوزُ؛ لأنَّ حِنطَتَها يُتوَهَّمُ انقِطاعُها؛ إذ الإضافةُ لِتَخصيصِ البُقعةِ، فيَحصُلُ السَّلَمُ في مَوهومِ الانقِطاعِ بخِلافِ إضافةِ الثَّوبِ؛ لأنَّها لِبيانِ الجِنسِ والنَّوعِ لا لِتَخصيصِ المَكانِ، ولذا لو أتى المُسلَمُ إليه في ثَوبٍ هَرَويٍّ بثَوبٍ نُسِجَ في غيرِ وِلايةِ هَراةَ مِنْ جِنسِ الهَرَويِّ -يَعني مِنْ صِفَتِه ومُؤنَتِه- يُجبَرُ رَبُّ السَّلَمِ على قَبولِه، فظَهَر أنَّ المانِعَ

стр. 4128

والمُقتَضى العُرفُ؛ فإنْ تُعُورِفَ كَونُ النِّسبةِ لِبَيانِ الصِّفةِ فَقَطْ جازَ، وإلا فلا، يُبَيِّنُه ما في الخُلاصةِ، قال: «لو كان ذَكَر النِّسبةَ -لا لِتَعيينِ المَكانِ، كالخَشمَرانيِّ فإنَّه يُذكَرُ لِبَيانِ الجَودةِ، لا يُفسِدُ السَّلَمَ، وإنْ كان يُتوَهَّمُ انقِطاعُ حِنطةِ ذلك المَوضِعِ مِثلَ الثَّوبِ جازَ السَّلَمُ، وإلا فلا، أمَّا السَّلَمُ في الحِنطةِ الصَّعيديَّةِ والعِراقيَّةِ والشاميَّةِ فلا شَكَّ في جَوازِه (١). وقال النَّوَويُّ ﵀: لو أسلَمَ في حِنطةِ قَريةٍ صَغيرةٍ بعَينِها أو ثَمَرةِ بُستانٍ بعَينِه لَمْ يَصحَّ، وإنْ أسلَمَ في ثَمَرةِ ناحيةٍ أو قَريةٍ كَبيرةٍ نُظِرَ إنْ أفادَ تَنويعًا -كمَعقِليِّ البَصرةِ جازَ؛ لأنَّه مع مَعقِليِّ بَغدادَ صِنفٌ واحِدٌ، لكنْ يَختَلِفانِ في الأوصافِ، فله غَرَضٌ في ذلك، وإنْ لَم يُفِدْ تَنويعًا فوَجهانِ، أحَدُهما أنَّه كتَعيينِ المِكيالِ؛ لِعَدَمِ الفائِدةِ، وأصَحُّهما الصِّحَّةُ؛ لأنَّه لا يَنقَطِعُ في الأغلَبِ (٢). وقال البُهوتيُّ ﵀: ويَصحُّ سَلَمٌ إنْ عُيِّنَ مُسلَمٌ فيه مِنْ ناحيةٍ تَبعُدُ فيها آفةٌ، كتَمرِ المَدينةِ، ولا يَصحُّ السَّلَمُ إنْ عَيَّنَ قَريةً صَغيرةً أو بُستانًا، ولا إنْ أسلَمَ في شاةٍ مِنْ غَنَمِ زَيدٍ، أو أسلَمَ في بَعيرٍ مِنْ نِتاجِ فَحلِه، أو في ثَوبٍ مِثلِ هذا الثَّوبِ ونَحوِه كَفى عَبدٌ مِثلُ هذا العَبدِ؛ لِحَديثِ ابنِ ماجَه وغَيرِه … ، ولأنَّه لا يُؤمَنُ انقِطاعُه ولا تَلَفُ المُسلَمِ في مِثلِه، أشبَهَ تَقديرَه بنَحوِ مِكيالٍ لا يُعرَفُ (٣).

стр. 4129

تَسليمُ المُسلَمِ فيه قبلَ أجَلِه: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهِبِ الأربعةِ على أنَّه إذا حَلَّ أجَلُ السَّلَمِ المُتَّفَقِ عليه في العَقدِ وَجَب على المُسلَمِ إليه إيفاءُ الدَّينِ المُسلَمِ فيه. فإنْ جاء به وَفقَ الصِّفاتِ المَشروطةِ المُبيَّنةِ في العَقدِ وَجَب على المُسلِمِ قَبولَه؛ لأنَّه أتاه بحَقِّه في مَحَلِّه فلَزِمَه قَبولُه، كالمَبيعِ المُعيَّنِ سَواءٌ أكان عليه في قَبضِه ضَرَرٌ أم لَم يَكُنْ، فإنْ أبى قيلَ له: إمَّا أنْ تَقبِضَ حَقَّكَ وإمَّا أنْ تُبرِئَ منه، فإنِ امتَنَع قبَضه الحاكِمُ مِنَ المُسلَمِ إليه لِلمُسلِمِ وبَرِئتْ ذِمَّةُ المُسلَمِ إليه في ذلك المَقبوضِ؛ لأنَّ الحاكِمَ يَقومُ مَقامَ المُمتَنِعِ بوِلايَتِه، وليس له أنْ يُبرِئَ؛ لأنَّه لا يَملِكُ الإبراءَ. أمَّا إنْ أتى به قبلَ حُلولِ الأجَلِ وامتَنَع المُسلِمُ مِنْ قَبولِه فقد اختلف الفُقهاء فيه، هل يجبر على أخذه أم لا؟ قال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إذا أتى به المُسلَمُ إليه قبلَ مَحَلِّه يُنظَرُ فيه: فإنْ كان مما في قَبضِه قبلَ مَحَلِّه ضَرَرٌ -على المُسلِمِ- إمَّا لِكَونِه مما يَتغيَّرُ -كالفاكِهةِ والأطعِمةِ كلِّها-، أو كان قَديمُه دونَ حَديثِه -كالحُبوبِ ونَحوِها- لَم يَلزَمِ المُسلِمَ قَبولُه؛ لأنَّ له غَرَضًا في تأخيرِه بأنْ يَحتاجَ إلى أكلِه أو إطعامِه في ذلك الوَقتِ. وكذلك الحَيوانُ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ تَلَفُه، ويَحتاجُ إلى الإنفاقِ عليه إلى ذلك الوَقتِ، ورُبما يَحتاجُ إليه في ذلك الوَقتِ دونَ ما قَبلَه. وهذا إنْ كان مما يُحتاجُ في حِفظِه إلى مُؤنةٍ كالقُطنِ ونَحوِه، أو كان

стр. 4130

الوَقتُ مَخوفًا يُخشَى فيه نَهبُ ما يَقبِضُه، فلا يَلزَمُه الأخذُ في هذه الأحوالِ كلِّها؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في قَبضِه، ولَم يأتِ مَحَلُّ استِحقاقِه لَه، فجَرى مَجرى نَقصِ صِفةٍ فيه. وإن كان مما لا ضَرَر في قَبضِه -بأنْ يَكونَ مما لا يَتغيَّرُ، كالحَديدِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ- فإنَّه يَستَوي قَديمُه وحَديثُه، ونَحوُ ذلك العَسَلُ والزَّيتُ، وما لا في قَبضِه ضَرَرٌ لِخَوفٍ، ولا تَحمُّلُ مُؤنةٍ، فعليه قَبضُه؛ لأنَّ غَرَضَه حاصِلٌ مع زيادةِ تَعجيلِ المَنفعةِ، فجَرى مَجرى زيادةِ الصِّفةِ وتَعجيلِ الدَّينِ المُؤجَّلِ، ولأنَّ امتِناعَه حينَئذٍ تَعنُّتٌ؛ ولِما رُوِيَ أنَّ أنسًا كاتَبَ عبدًا له على مالٍ إلى أجَلٍ فجاءَه به قبلَ الأجَلِ، فأبى أنْ يأخُذَه، فأتى عُمرَ بنَ الخَطَّابِ فأخَذَه منه، وقال: «اذهَبْ فقَدْ عُتِقْتَ» (١). وصَرَّحَ الشافِعيَّةُ بأنَّه إذا لَم يَكُنْ لِلمُسلِمِ غَرَضٌ في الامتِناعِ، وكان لِلمُسلَمِ إليه غَرَضٌ آخَرُ سِوى بَراءةِ الذِّمَّةِ، بأنْ كان بالمُسلَمِ فيه رَهنٌ أو كَفيلٌ أُجبِرَ المُسلِمُ على القَبولِ على المَذهبِ، وإلا فقولان أصَحُّهما يُجبَرُ. وكذا يُلحَقُ بهذه الأعذارِ خَوفُه مِنَ انقِطاعِ الجِنسِ قبلَ الحُلولِ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ، وإنْ لَم يَكُنْ لِلمُؤدَّى غَرَضٌ سِوى بَراءةِ الذِّمَّةِ فقولانِ أصَحُّهما: يُجبَرُ، وإنْ تَقابَلَ غَرَضاهما فالمَرعيُّ جانِبُ المُستحِقِّ على المَذهبِ. وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إنَّ حُكمَ سائِرِ الدُّيونِ المُؤجَّلةِ فيما ذَكَرنا حُكمُ المُسلَمِ فيه، فيَلزَمُه قَبضُه حيثُ لا ضَرَرَ (٢).

стр. 4131

وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ قبلَ حُلولِ الأجَلِ قَبولُ المُسلَمِ فيه بصِفتِه التي وَقَع عليها العَقدُ فَقَطْ، لا إنْ قَضاه أجوَدَ أو أكثَرَ كَيلًا؛ لأنَّه في أخْذِ الأجوَدِ مِنْ بابِ «حُطَّ عَنِّي وأزيدُكَ»، ولا يأخُذُ الأدنى صِفةً أو الأقَلَّ كَيلًا فيَكونَ مِنْ «ضَعْ وتَعجَّلْ»، وكِلاهما مَمنوعٌ في السَّلَمِ. وكذا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَقبَلَ مِنَ المُسلَمِ إليه العَرضَ قبلَ مَحَلِّه سَواءٌ حَلَّ أجَلُ السَّلَمِ أو لا، وأمَّا الطَّعامُ فيَجوزُ قَبولُه قبلَ مَحَلِّه إذا حَلَّ الأجَلُ، وإنْ لَم يَحِلَّ لَم يَجُزْ. ولِلمُسلِمِ أنْ يَمتنِعَ مِنْ قَبولِ الصِّفةِ قبلَ الأجَلِ؛ لأنَّ الأجَلَ في السَّلَمِ حَقٌّ لِكلِّ ما لَم يَكُنِ المُسلَمُ فيه مِنَ النَّقدِ، وإلا جُبِرَ على قَبولِه قبلَ الأجَلِ، وأمَّا القَرضُ فيُجبَرُ على قَبولِه قبلَ أجَلِه كان القَرضُ عَينًا أو حَيوانًا أو طَعامًا. ولا يَدفَعُ البائِعُ لِلمُشتَري كِراءً لِحَملِه لِمَحَلِّ القَبضِ إنْ قَبَضه قبلَ مَحَلِّه، فإنْ دَفَعَ المُسلَمَ إليه لِلمُسلِمِ كِراءً لِحَملِه إلى مَحَلِّه مُنِعَ؛ لأنَّ البُلدانَ بمَنزِلةِ الآجالِ، ويَزيدُ في الطَّعامِ بَيعُه قبلَ قَبضِه والنَّسيئةُ؛ لأنَّه أخَذَه عن الطَّعامِ الذي يَجبُ له لِيَستَوفيَه مِنْ نَفْسِه في بَلَدِ الشَّرطِ والتَّفاضُلِ، وفيه وفي

стр. 4132

غَيرِه سَلَفٌ جَرَّ نَفعًا، إذا كان المأخوذُ مِنْ جِنسِ رأسِ المالِ، وبَيعٍ وسَلَفٍ، وحُطَّ الضَّمانَ وأزيدُكَ، إذا كان في مَوضِعِ الاشتِراطِ أرخَصَ. ولَزِمَ المُشتَريَ القَبولُ، كما يَلزَمُ البائِعَ الدَّفعُ بعدَ الأجَلِ والمَحَلِّ، فإذا دَفَع البائِعُ لِلمُشتَري ما في ذِمَّتِه في المَكانِ المُشترَطِ فيه قَبضُ السَّلَمِ بعدَ حُلولِ الأجَلِ فإنَّه يَلزَمُه قَبولُه. ويَلزَمُ القاضيَ القَبولُ إنْ غابَ رَبُّ الدَّينِ، فلم يُوجَدْ في بَلَدِ القَبضِ ودَفَعه إليه البائِعُ فإنَّه يَلزَمُه القَبولُ لِيحفَظَه لِرَبِّه حتى يَقدَمَ. وقال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: إذا دَفَع المُسلَمَ فيه قبلَ الأجَلِ جازَ قَبولُه ولَم يَلزَمْ، وأُلزِمَ المُتأخِّرونَ قَبولَه في اليومِ واليومَيْنِ، وأما غيرُ المُسلَمِ مِنْ بَيعٍ أو سَلَفٍ فيَلزَمُ قَبولُه اتِّفاقًا إذا دُفِعَ قبلَ أجَلِه (١). لو أتى بالمُسلَمِ فيه أقَلَّ جَودةً أو على غيرِ الصِّفةِ المَشروطةِ: إذا أتى المُسلَمُ إليه بالمُسلَمِ فيه في مَحَلِّه على غيرِ الصِّفةِ المَشروطةِ في العَقدِ يُنظَرُ، فإنْ أحضَرَه بجِنسِه ونَوعِه لا أقَلَّ كَيلًا أو وَزنًا أو عَددًا، ولكنْ على صِفةٍ دونَ صِفَتِه المَشروطةِ؛ بأنْ كان أقَلَّ جَودةً جازَ لِلمُسلِمِ قَبولُه باتِّفاقِ المَذاهِبِ ولا يَلزَمُه؛ لأنَّ فيه إسقاطًا لِحَقِّه فلا يَجبُ عليه أخْذُه. وإنْ أتى بجِنسِه وكان أجوَدَ يَجبُ قَبولُه في الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وقال المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ: يَجوزُ ولا يَجِبُ.

стр. 4133

وقال المالِكيَّةُ: وإنْ أتى بجِنسِه إلا أنَّه أقَلُّ مما في ذِمَّتِه مِقدارًا -كعَشَرةٍ عن أحَدَ عَشَرَ- فإنْ كان أجوَدَ لَم يَجُزْ؛ لِلاتِّهامِ على بَيعِ طَعامٍ بطَعامٍ مِنْ صِنفِه غيرِ مماثِلٍ له؛ إلا بشَرطَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يأخُذَ الأقَلَّ عن مِثلِه مِنَ المُسلَمِ فيه قَدْرًا. والآخَرُ: يُبرِئُ المُسلِمُ المُسلَمَ إليه مِنَ القَدْرِ الذي زادَه -المُسلَمَ فيه- على المأخوذِ فيَجوزُ؛ لِسَلامَتِه مِنَ الفَضلِ في الطَّعامَيْنِ المُتَّحدَيِ الصِّنفِ إذا لَم يُشترَطْ ولَم يُعتَدَّ، وهذا في الطَّعامِ والنَّقدِ اللذَيْنِ حَلَّ أجَلُهما، وأما غَيرُهما -كالعُروضِ، مِثلَ الثِّيابِ- فيَجوزُ قَبولُ الأقَلِّ منه عن الأكثَرِ مُطلَقًا، أبرأه أو لا؛ لأنَّه لا يَدخُلُه رِبا الفَضلِ كقِنطارِ نُحاسٍ عن قِنطارَيْنِ (١). وإنْ أتى بنَوعٍ آخَرَ مِنْ الجِنسِ نَفْسِه، كأنْ أسلَمَ بتَمرٍ خُضَريٍّ فأحضَرَ البَرنيَّ، أو في ثَوبٍ هَرَويٍّ فأتى بمَرويٍّ فعندَ الشافِعيَّةِ ثلاثةُ أوجُهٍ. قال النَّوويُّ ﵀: أصَحُّها: يَحرُم قَبولُه، والثاني: يَجِبُ، والثالِثُ: يَجوزُ، قال المَحليُّ: لأنَّه يُشبِهُ الاعتياضَ عنه؛ أي: الاعتياضَ عن رِبَويٍّ بجِنسِه مع تأخيرِ التَّسليمِ (٢).

стр. 4134

وقال الحَنابِلةُ: إنْ أحضَرَه أجوَدَ مِنَ المَوصوفِ يُنظَرُ فيه: فإنْ أتاه به مِنْ نَوعِه لَزِمه قَبولُه؛ لأنَّه أتى بما تَناوَلَه العَقدُ وبزيادةٍ تابِعةٍ له فيَنفَعُه ولا يَضُرُّه؛ إذْ لا يَفوتُه غَرَضٌ. فإنْ أتى به مِنْ نَوعٍ آخَرَ لَم يَلزَمْه قَبولُه؛ لأنَّ العَقدَ تَناوَلَ ما وَصَفناه على الصِّفةِ التي شَرَطاها وقد فاتَ بَعضُ الصِّفاتِ فإنَّ النَّوعَ صِفةٌ وقد فاتَ، فأشبَهَ ما لو فاتَ غَيرُه مِنَ الصِّفاتِ، وقال أبو يَعلى: يَلزَمُه قَبولُه؛ لِأنَّهما جِنسٌ واحِدٌ يَضُمُّ أحَدَهما إلى الآخَرِ في الزَّكاةِ، فأشبَهَ الزِّيادةَ في الصِّفةِ مع اتِّفاقِ النَّوعِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والأوَّلُ أجوَدُ؛ لأنَّ أحَدَهما يَصلُحُ لِما لا يَصلُحُ له الآخَرُ. فإذا فَوَّتَه عليه فَوَّتَ عليه الغَرَضَ المُتعلِّقَ به، فلَم يَلزَمْه قَبولُه كما لو فَوَّتَ عليه صِفةَ الجَودةِ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ. فإنْ تَراضيا على أخْذِ النَّوعِ بَدَلًا مِنَ النَّوعِ الآخَرِ جازَ؛ لِأنَّهما جِنسٌ واحِدٌ لا يَجوزُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ مُتفاضِلًا، ويُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ في الزَّكاةِ، فجازَ أخْذُ أحَدِهما عن الآخَرِ كالنَّوعِ الواحِدِ. وقالَ بَعضُ أصحابِ الشافِعيِّ: لا يَجوزُ له أخْذُه؛ لِلمَعنى الذي مَنَع لُزومَ أخْذِه، وقال إبراهيمُ: لا تأخُذْ فوقَ سَلَمِكَ في كَيلٍ ولا صِفةٍ. ولنا: أنَّهما تَراضَيا على دَفْعِ المُسلَمِ فيه مِنْ جِنْسِه فجازَ، كما لو تَراضَيا على دَفعِ الرَّديءِ مَكانَ الجَيِّدِ، أو الجَيِّدِ مَكانَ الرَّديءِ، وبهذا يَنتقِضُ ما

стр. 4135

ذَكَروه؛ فإنَّه لا يَلزَمُ أخْذُ الرَّديءِ ويَجوزُ أخْذُه، ولأنَّ المُسلِمَ أسقَطَ حَقَّه مِنَ النَّوعِ فلَم يَبْقَ بينَهما إلا صِفةُ الجَودةِ، وقد سَمَح بها صاحِبُها (١). وإنْ أتى بغَيرِ جِنسِه كلَحمِ بَقَرٍ عن ضَأْنٍ، وشَعيرٍ عن بُرٍّ، قال الحَنفيَّةُ (٢) والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ، ولو رَضيا؛ إذْ لا يَجوزُ الاعتِياضُ عنه. وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلمُسلَمِ إليه أنْ يَقضيَ السَّلَمَ مِنْ غيرِ جِنسِ المُسلَمِ فيه سَواءٌ حَلَّ الأجَلُ أو لا، بشُروطٍ ثلاثةٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه مما يُباعُ قبلَ قَبضِه، كما لو أسلَمَ ثَوبًا في حَيوانٍ فأخَذَ عن ذلك الحَيوانِ دَراهِمَ؛ إذْ يَجوزُ بَيعُ الحَيوانِ قبلَ قَبضِه. واحتِرازًا مِنْ طَعامِ السَّلَمِ لا يَجوزُ أنْ يُؤخَذَ عنه دَراهِمُ أو شَيءٌ مِنْ غيرِ جِنسِه؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، وقد وَقَع النَّهيُ عنه. الثاني: أنْ يَكونَ المأخوذُ مما يُباعُ بالمُسلَمِ فيه يَدًا بيَدٍ، كما لو أسلَمَ دَراهِمَ في ثَوبٍ مَثَلًا فأخَذَ عنه طَشتَ نُحاسٍ؛ إذْ يَجوزُ بَيعُ الطَّشتِ بالثَّوبِ يَدًا بيَدٍ. احتِرازًا مِنْ أخْذِ اللَّحمِ غيرِ المَطبوخِ عن الحَيوانِ الذي هو مِنْ جِنسِ اللَّحمِ، ولا العَكسُ؛ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ؛ لِامتِناعِ بَيعِه به يَدًا بيَدٍ؛ لِلنَّهيِ عن
следующие страницы →