← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ قبلَ حُلولِ الأجَلِ قَبولُ المُسلَمِ فيه بصِفتِه التي وَقَع عليها العَقدُ فَقَطْ، لا إنْ قَضاه أجوَدَ أو أكثَرَ كَيلًا؛ لأنَّه في أخْذِ الأجوَدِ مِنْ بابِ «حُطَّ عَنِّي وأزيدُكَ»، ولا يأخُذُ الأدنى صِفةً أو الأقَلَّ كَيلًا فيَكونَ مِنْ «ضَعْ وتَعجَّلْ»، وكِلاهما مَمنوعٌ في السَّلَمِ. وكذا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَقبَلَ مِنَ المُسلَمِ إليه العَرضَ قبلَ مَحَلِّه سَواءٌ حَلَّ أجَلُ السَّلَمِ أو لا، وأمَّا الطَّعامُ فيَجوزُ قَبولُه قبلَ مَحَلِّه إذا حَلَّ الأجَلُ، وإنْ لَم يَحِلَّ لَم يَجُزْ. ولِلمُسلِمِ أنْ يَمتنِعَ مِنْ قَبولِ الصِّفةِ قبلَ الأجَلِ؛ لأنَّ الأجَلَ في السَّلَمِ حَقٌّ لِكلِّ ما لَم يَكُنِ المُسلَمُ فيه مِنَ النَّقدِ، وإلا جُبِرَ على قَبولِه قبلَ الأجَلِ، وأمَّا القَرضُ فيُجبَرُ على قَبولِه قبلَ أجَلِه كان القَرضُ عَينًا أو حَيوانًا أو طَعامًا. ولا يَدفَعُ البائِعُ لِلمُشتَري كِراءً لِحَملِه لِمَحَلِّ القَبضِ إنْ قَبَضه قبلَ مَحَلِّه، فإنْ دَفَعَ المُسلَمَ إليه لِلمُسلِمِ كِراءً لِحَملِه إلى مَحَلِّه مُنِعَ؛ لأنَّ البُلدانَ بمَنزِلةِ الآجالِ، ويَزيدُ في الطَّعامِ بَيعُه قبلَ قَبضِه والنَّسيئةُ؛ لأنَّه أخَذَه عن الطَّعامِ الذي يَجبُ له لِيَستَوفيَه مِنْ نَفْسِه في بَلَدِ الشَّرطِ والتَّفاضُلِ، وفيه وفي

стр. 4132

غَيرِه سَلَفٌ جَرَّ نَفعًا، إذا كان المأخوذُ مِنْ جِنسِ رأسِ المالِ، وبَيعٍ وسَلَفٍ، وحُطَّ الضَّمانَ وأزيدُكَ، إذا كان في مَوضِعِ الاشتِراطِ أرخَصَ. ولَزِمَ المُشتَريَ القَبولُ، كما يَلزَمُ البائِعَ الدَّفعُ بعدَ الأجَلِ والمَحَلِّ، فإذا دَفَع البائِعُ لِلمُشتَري ما في ذِمَّتِه في المَكانِ المُشترَطِ فيه قَبضُ السَّلَمِ بعدَ حُلولِ الأجَلِ فإنَّه يَلزَمُه قَبولُه. ويَلزَمُ القاضيَ القَبولُ إنْ غابَ رَبُّ الدَّينِ، فلم يُوجَدْ في بَلَدِ القَبضِ ودَفَعه إليه البائِعُ فإنَّه يَلزَمُه القَبولُ لِيحفَظَه لِرَبِّه حتى يَقدَمَ. وقال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: إذا دَفَع المُسلَمَ فيه قبلَ الأجَلِ جازَ قَبولُه ولَم يَلزَمْ، وأُلزِمَ المُتأخِّرونَ قَبولَه في اليومِ واليومَيْنِ، وأما غيرُ المُسلَمِ مِنْ بَيعٍ أو سَلَفٍ فيَلزَمُ قَبولُه اتِّفاقًا إذا دُفِعَ قبلَ أجَلِه (١). لو أتى بالمُسلَمِ فيه أقَلَّ جَودةً أو على غيرِ الصِّفةِ المَشروطةِ: إذا أتى المُسلَمُ إليه بالمُسلَمِ فيه في مَحَلِّه على غيرِ الصِّفةِ المَشروطةِ في العَقدِ يُنظَرُ، فإنْ أحضَرَه بجِنسِه ونَوعِه لا أقَلَّ كَيلًا أو وَزنًا أو عَددًا، ولكنْ على صِفةٍ دونَ صِفَتِه المَشروطةِ؛ بأنْ كان أقَلَّ جَودةً جازَ لِلمُسلِمِ قَبولُه باتِّفاقِ المَذاهِبِ ولا يَلزَمُه؛ لأنَّ فيه إسقاطًا لِحَقِّه فلا يَجبُ عليه أخْذُه. وإنْ أتى بجِنسِه وكان أجوَدَ يَجبُ قَبولُه في الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وقال المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ: يَجوزُ ولا يَجِبُ.

стр. 4133

وقال المالِكيَّةُ: وإنْ أتى بجِنسِه إلا أنَّه أقَلُّ مما في ذِمَّتِه مِقدارًا -كعَشَرةٍ عن أحَدَ عَشَرَ- فإنْ كان أجوَدَ لَم يَجُزْ؛ لِلاتِّهامِ على بَيعِ طَعامٍ بطَعامٍ مِنْ صِنفِه غيرِ مماثِلٍ له؛ إلا بشَرطَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يأخُذَ الأقَلَّ عن مِثلِه مِنَ المُسلَمِ فيه قَدْرًا. والآخَرُ: يُبرِئُ المُسلِمُ المُسلَمَ إليه مِنَ القَدْرِ الذي زادَه -المُسلَمَ فيه- على المأخوذِ فيَجوزُ؛ لِسَلامَتِه مِنَ الفَضلِ في الطَّعامَيْنِ المُتَّحدَيِ الصِّنفِ إذا لَم يُشترَطْ ولَم يُعتَدَّ، وهذا في الطَّعامِ والنَّقدِ اللذَيْنِ حَلَّ أجَلُهما، وأما غَيرُهما -كالعُروضِ، مِثلَ الثِّيابِ- فيَجوزُ قَبولُ الأقَلِّ منه عن الأكثَرِ مُطلَقًا، أبرأه أو لا؛ لأنَّه لا يَدخُلُه رِبا الفَضلِ كقِنطارِ نُحاسٍ عن قِنطارَيْنِ (١). وإنْ أتى بنَوعٍ آخَرَ مِنْ الجِنسِ نَفْسِه، كأنْ أسلَمَ بتَمرٍ خُضَريٍّ فأحضَرَ البَرنيَّ، أو في ثَوبٍ هَرَويٍّ فأتى بمَرويٍّ فعندَ الشافِعيَّةِ ثلاثةُ أوجُهٍ. قال النَّوويُّ ﵀: أصَحُّها: يَحرُم قَبولُه، والثاني: يَجِبُ، والثالِثُ: يَجوزُ، قال المَحليُّ: لأنَّه يُشبِهُ الاعتياضَ عنه؛ أي: الاعتياضَ عن رِبَويٍّ بجِنسِه مع تأخيرِ التَّسليمِ (٢).

стр. 4134

وقال الحَنابِلةُ: إنْ أحضَرَه أجوَدَ مِنَ المَوصوفِ يُنظَرُ فيه: فإنْ أتاه به مِنْ نَوعِه لَزِمه قَبولُه؛ لأنَّه أتى بما تَناوَلَه العَقدُ وبزيادةٍ تابِعةٍ له فيَنفَعُه ولا يَضُرُّه؛ إذْ لا يَفوتُه غَرَضٌ. فإنْ أتى به مِنْ نَوعٍ آخَرَ لَم يَلزَمْه قَبولُه؛ لأنَّ العَقدَ تَناوَلَ ما وَصَفناه على الصِّفةِ التي شَرَطاها وقد فاتَ بَعضُ الصِّفاتِ فإنَّ النَّوعَ صِفةٌ وقد فاتَ، فأشبَهَ ما لو فاتَ غَيرُه مِنَ الصِّفاتِ، وقال أبو يَعلى: يَلزَمُه قَبولُه؛ لِأنَّهما جِنسٌ واحِدٌ يَضُمُّ أحَدَهما إلى الآخَرِ في الزَّكاةِ، فأشبَهَ الزِّيادةَ في الصِّفةِ مع اتِّفاقِ النَّوعِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والأوَّلُ أجوَدُ؛ لأنَّ أحَدَهما يَصلُحُ لِما لا يَصلُحُ له الآخَرُ. فإذا فَوَّتَه عليه فَوَّتَ عليه الغَرَضَ المُتعلِّقَ به، فلَم يَلزَمْه قَبولُه كما لو فَوَّتَ عليه صِفةَ الجَودةِ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ. فإنْ تَراضيا على أخْذِ النَّوعِ بَدَلًا مِنَ النَّوعِ الآخَرِ جازَ؛ لِأنَّهما جِنسٌ واحِدٌ لا يَجوزُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ مُتفاضِلًا، ويُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ في الزَّكاةِ، فجازَ أخْذُ أحَدِهما عن الآخَرِ كالنَّوعِ الواحِدِ. وقالَ بَعضُ أصحابِ الشافِعيِّ: لا يَجوزُ له أخْذُه؛ لِلمَعنى الذي مَنَع لُزومَ أخْذِه، وقال إبراهيمُ: لا تأخُذْ فوقَ سَلَمِكَ في كَيلٍ ولا صِفةٍ. ولنا: أنَّهما تَراضَيا على دَفْعِ المُسلَمِ فيه مِنْ جِنْسِه فجازَ، كما لو تَراضَيا على دَفعِ الرَّديءِ مَكانَ الجَيِّدِ، أو الجَيِّدِ مَكانَ الرَّديءِ، وبهذا يَنتقِضُ ما

стр. 4135

ذَكَروه؛ فإنَّه لا يَلزَمُ أخْذُ الرَّديءِ ويَجوزُ أخْذُه، ولأنَّ المُسلِمَ أسقَطَ حَقَّه مِنَ النَّوعِ فلَم يَبْقَ بينَهما إلا صِفةُ الجَودةِ، وقد سَمَح بها صاحِبُها (١). وإنْ أتى بغَيرِ جِنسِه كلَحمِ بَقَرٍ عن ضَأْنٍ، وشَعيرٍ عن بُرٍّ، قال الحَنفيَّةُ (٢) والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ، ولو رَضيا؛ إذْ لا يَجوزُ الاعتِياضُ عنه. وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلمُسلَمِ إليه أنْ يَقضيَ السَّلَمَ مِنْ غيرِ جِنسِ المُسلَمِ فيه سَواءٌ حَلَّ الأجَلُ أو لا، بشُروطٍ ثلاثةٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه مما يُباعُ قبلَ قَبضِه، كما لو أسلَمَ ثَوبًا في حَيوانٍ فأخَذَ عن ذلك الحَيوانِ دَراهِمَ؛ إذْ يَجوزُ بَيعُ الحَيوانِ قبلَ قَبضِه. واحتِرازًا مِنْ طَعامِ السَّلَمِ لا يَجوزُ أنْ يُؤخَذَ عنه دَراهِمُ أو شَيءٌ مِنْ غيرِ جِنسِه؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، وقد وَقَع النَّهيُ عنه. الثاني: أنْ يَكونَ المأخوذُ مما يُباعُ بالمُسلَمِ فيه يَدًا بيَدٍ، كما لو أسلَمَ دَراهِمَ في ثَوبٍ مَثَلًا فأخَذَ عنه طَشتَ نُحاسٍ؛ إذْ يَجوزُ بَيعُ الطَّشتِ بالثَّوبِ يَدًا بيَدٍ. احتِرازًا مِنْ أخْذِ اللَّحمِ غيرِ المَطبوخِ عن الحَيوانِ الذي هو مِنْ جِنسِ اللَّحمِ، ولا العَكسُ؛ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ؛ لِامتِناعِ بَيعِه به يَدًا بيَدٍ؛ لِلنَّهيِ عن

стр. 4136

بَيعِ اللَّحمِ بالحَيَوانِ، أي: مِنْ جِنْسِه، وهذا عامٌّ في بَيعِه لِمَنْ هو عليه وغَيرِه. وهذا إذا كان الحَيوانُ مِنْ جِنسِ اللَّحمِ؛ إذْ هو الذي يُمتنَعُ بَيعُ بَعضِه ببَعضٍ مُناجَزةً، وأمَّا مِنْ غيرِ الجِنسِ فيَجوزُ. الثالِثُ: أنْ يَكونَ المأخوذُ مما يَجوزُ أنْ يُسلَمَ فيه رأسُ المالِ، كما لو أسلَمَ دَراهِمَ في حَيوانٍ فأخَذَ عن ذلك الحَيوانِ ثَوبًا؛ فإنَّ ذلك جائِزٌ؛ إذْ يَجوزُ أنْ يُسلِمَ الدَّراهِمَ في الثَّوبِ. واحتِرازًا مِنْ أخْذِ الدَّراهِمِ عن الذهَب وعَكسِه إذ لا يَجوزُ أنْ تُسلَمَ الدَّراهِمُ في الدَّنانيرِ ولا عَكسُه لِأدائِه إلى الصَّرفِ المُستأخَرِ، وهذا خاصٌّ بما إذا باعَ المُسلَمُ المُسلَمَ فيه مِنْ غَريمِه، فإنْ باعَه مِنْ أجنَبيٍّ لَم يُراعِ رأسَ المالِ، فيَجوزُ أنْ يُسلِمَ دَنانيرَ، ويَبيعَ المُسلَمَ فيه مِنْ أجنبيٍّ بوَرِقٍ أو غَيرِه؛ لأنَّه لا يُراعى في البَيعِ مِنْ زَيدٍ ما ابتِيعَ مِنْ عَمرٍو (١). أمَّا المِعيارُ الذي يُحتَكَمُ إليه في حَدِّ الصِّفةِ الواجِبِ تَوافُره في المُسلَمِ فيه فقد بَيَّنَه الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ. قال الشافِعيُّ ﵀: «وليس له إلا أقَلُّ ما تَقَعُ عليه الصِّفةُ»، قال الماوَرديُّ ﵀: وهذا كما قال: إذا أسلَمَ في شَيءٍ على أوصافٍ فليس له إلا أقَلُّ ما يَقَعُ عليه اسمُ هذه الأوصافِ، فإذا كان قد أسلَمَ في تَمرٍ جَيِّدٍ فإنْ جاءَه بتَمرٍ يَنطلِقُ عليه اسمُ الجَيِّدِ لَزِمَه قَبولُه، وليس له مُطالَبَتُه بما هو أجوَدُ منه.

стр. 4137

وقال مالِكٌ ﵀: له أوسَطُ ما يَنطلِقُ عليه تلك الأوصافِ، فإذا كان التَّمرُ وَسَطَ الجَيِّدِ لَزِمَه قَبولُه؛ وإنْ كان مِنْ أوَّلِه مَنزِلةْ لَم يَلزَمْه؛ لأنَّ أوسَطَ الأُمورِ أعدَلُها، وهذا ليس بصَحيحٍ؛ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ الحُكمَ إذا عُلِّقَ باسمٍ كان ذلك الحُكمُ مُعلَّقًا بأقَلِّ ذلك الاسمِ، كالأثمانِ. والآخَرُ: أنَّ الجَودَة صِفةٌ واحِدةٌ، فإذا اعتُبِرَ الأوسَطُ فقد ضُمَّ إليها صِفةٌ أُخرى ولا يَجوزُ أنْ يُضَمَّ إلى صِفاتِ السَّلَمِ صِفةٌ غيرُ مَشروطةٍ، فصَحَّ ما ذَكَرنا. مَسألةٌ: قال الشافِعيُّ ﵀: «وإنْ كانتْ حِنطةً فعليه أنْ يُوفِّيَه إياها نَقيَّةً مِنَ التِّبنِ والقَصلِ والمَدرِ والزُّوانِ والشَّعيرِ». قال الماوَرديُّ: وهذا كما قال، إذا أسلَمَ في جِنسٍ مَوصوفٍ فليس عليه أنْ يأخُذَه مُختلِطًا بغَيرِه سَواءٌ اختَلَطَ بمالِه قيمةٌ، أو بما لا قيمةَ لَه، فعلى هذا إذا كان السَّلَمُ في حِنطةٍ لَم يَلزَمْه أنْ يأخُذَ فيها تِبنًا ولا قَصلًا ولا مَدرًا ولا زُوانًا حتى تَكونَ نَقيَّةً مِنْ ذلك كُلِّه، وكذلك لا يَلزَمُه أنْ يأخُذَها وقد اختَلَطتْ بشَعيرٍ، بل لا يَجوزُ ذلك له سَواءٌ أكان قد أسلَمَ في الحِنطةِ كَيلًا أم وَزنًا؛ لأنَّ ما ذَكَرنا مِنَ التِّبنِ والزُّوانِ والقَصلِ مُؤثِّرٌ في المِكيالِ والميزانِ قَليلًا كانَ أو كَثيرًا، فأمَّا إنْ كان في الحِنطةِ تُرابٌ فإنْ كان التُّرابُ كَثيرًا لَم يَلزَمْه أنْ يأخُذَها إلا نَقيَّةً؛ لِما ذَكَرْنا، وإنْ كان التُّرابُ يَسيرًا فإنْ كان السَّلَمُ في الحِنطةِ وَزنًا لَم يَلزَمْه أنْ يأخُذَها مع يَسيرِ التُّرابِ؛ لِتأثيرِه في الميزانِ، وإنْ

стр. 4138

كان السَّلَمُ فيها كَيلًا لَزِمَه أخْذُها مع التُّرابِ اليَسيرِ؛ لأنَّه لا تأثيرَ له في المِكيالِ؛ لِحُصولِه في الخَلَلِ الذي بينَ حَبَّاتِ الحِنطةِ، إلا أنْ يَكونَ لِإخراجِه مُؤنةٌ فلا يَلزَمُه أخْذُه، وكذا التَّمرُ لا يَلزَمُه أنْ يأخُذَ فيه الحَشَفَ، فأمَّا أقماعُ التَّمرِ فعليه أنْ يَقبَلَ منها المُلتَصِقَ بالتَّمرِ، ولا يَلزَمُه أنْ يأخُذَه إذا أُخرِجَ منه (١). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وليس له إلا أقَلُّ ما تَقَعُ عليه الصِّفةُ؛ لأنَّه إذا أسلَمَ إليه ذلك فقد سَلَّمَ إليه ما تَناوَلَه العَقدُ، فبَرِئتْ ذِمَّتُه منه، وعليه أنْ يُسلِمَ إليه الحِنطةَ نَقيَّةً مِنَ التِّبنِ والقَصلِ والشَّعيرِ ونَحوِه مما لا يَتناوَلُه اسمُ الحِنطةِ، وإنْ كان فيه تُرابٌ كَثيرٌ يأخُذُ مَوضِعًا مِنَ المِكيالِ لَم يَجُزْ، وإنْ كان يَسيرًا لا يُؤثِّرُ في المِكيالِ ولا يَعيبُها لَزِمَه أخْذُه، ولا يَلزَمُه أخْذُ التَّمرِ إلا جافًّا، ولا يَلزَمُ أنْ يَتناهى جَفافُه؛ لأنَّه يَقَعُ عليه الاسمُ ولا يَلزَمُه أنْ يَقبَلَ مَعيبًا بحالٍ، ومَتى قبَض المُسلَمَ فيه فوَجَده مَعيبًا فله المُطالَبةُ بالبَدَلِ أو الأرشِ، فهو كالمَبيعِ سَواءٌ (٢). التَّصرُّفُ في المُسلَمِ فيه قبلَ القَبضِ: التَّصرُّفُ في المُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه إمَّا أنْ يَكونَ ببَيعٍ أو بغَيرِه، كالشَّرِكةِ والمُرابَحةِ والتَّوليةِ والإقالةِ. أمَّا البَيعُ فقد اختَلَف الفُقهاءُ: هل يَحِقُّ لِلمُسلِمِ أنْ يَتصرَّفَ في المُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه ببَيعٍ؟ أم لا يَجوزُ له ذلك؟

стр. 4139

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَتصرَّفَ في المُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه ببَيعٍ، سَواءٌ لِمَنْ هو في ذِمَّتِه أو لِغَيرِه؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ مِنْ فَسخِ العَقدِ بسَبَبِ انقِطاعِ المُسلَمِ فيه وامتِناعِ الاعتِياضِ عنه، فكانَ كالمَبيعِ قبلَ القَبضِ، ولِما رُويَ مَرفوعًا: «مَنْ أسلَمَ في شَيءٍ فلا يَصرِفْه في غَيرِه» (١)، وهذا يَقتَضي ألا يَبيعَ المُسلِمُ دَينَ السَّلَمِ، لا مِنْ صاحِبِه ولا مِنْ غَيرِه، ولأنَّه بَيعُ ما لَم يُقبَضْ؛ ولأنَّه بَيعُ دَينٍ في ذِمَّةِ الغَيرِ وهو غيرُ قادِرٍ على تَسليمِه. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا بَيعُ المُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه فلا نَعلَمُ في تَحريمِه خِلافًا. وقد نَهى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، وعن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ، ولأنَّه مَبيعٌ لَم يَدخُلْ في ضَمانِه لَم يَجُزْ بَيعُه، كالطَّعامِ قبلَ قَبضِه (٢). وذهَب المالِكيَّةُ إلى جَوازِ بَيعِ المُسلِمِ المُسلَمَ فيه مِنْ غيرِ المُسلَمِ إليه قبلَ قَبضِه مُطلَقًا في غيرِ الطَّعامِ، ومِنَ المُسلِمِ في غيرِ مَوضِعَيْنِ، قال ابنُ رُشدٍ: وأمَّا مالِكٌ فإنَّه منَع شِراءَ المُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه في مَوضِعَيْنِ: أحَدُهما: إذا كان المُسلَمُ فيه طَعامًا، وقال ذلك بِناءً على مَذهبِه في أنَّ الذي يُشترَطُ في بَيعِه القَبضُ هو الطَّعامُ على ما جاء عليه النَّصُّ في الحَديثِ.

стр. 4140

والآخَرُ: إذا لَم يَكُنِ السَّلَمُ فيه طَعامًا فأخَذَ عِوَضَه المُسلِمُ مالًا يَجوزُ أنْ يُسلِمَ فيه رأسَ مالِه؛ مِثلَ أنْ يَكونَ المُسلَمُ فيه عَرضًا والثَّمَنُ عَرضًا مُخالِفًا له، فيأخُذَ المُسلِمُ مِنَ المُسلَمِ إليه إذا حانَ الأجَلُ شيئًا مِنْ جِنسِ ذلك العَرضِ الذي هو الثَّمَنُ، وذلك أنَّ هذا يَدخُلُه إمَّا سَلَفٌ وزيادةٌ إنْ كان العَرضُ المأخوذُ أكثَرَ مِنْ رأسِ مالِ السَّلَمِ، وإمَّا ضَمانٌ وسَلَفٌ إنْ كان مِثلَه أو أقَلَّ. وكذلك إنْ كان رأسُ مالِ السَّلَمِ طَعامًا لَم يَجُزْ أنْ يأخُذَ فيه طَعامًا آخَرَ أكثَرَ، لا مِنْ جِنسِه ولا مِنْ غيرِ جِنسِه، فإنْ كان مِثلَ طَعامِه في الجِنسِ والكَيلِ والصِّفةِ -فيما حَكاه عَبدُ الوَهَّابِ- جازَ؛ لأنَّه يَحمِلُه على العُروضِ، وكذلك يَجوزُ عندَه أنْ يأخُذَ مِنَ الطَّعامِ المُسلَمِ فيه طَعامًا مِنْ صِفَتِه، وإنْ كان أقَلَّ جَودةً؛ لأنَّه عندَه مِنْ بابِ البَدَلِ في الدَّنانيرِ، والإحسانِ، مِثلَ أنْ يَكونَ له عليه قَمحٌ فيأخُذَ بمَكيلَتِه شَعيرًا، وهذا كُلُّه مِنْ شَرطِه عندَ مالِكٍ ألَّا يَتأخَّرَ القَبضُ؛ لأنَّه يَدخُلُه الدَّينُ بالدَّينِ. وإنْ كان رأسُ مالِ المُسلِمِ عَينًا وأخَذَ المُسلَمَ فيه عَينًا مِنْ جِنسِه جازَ، ما لَم يَكُنْ أكثَرَ منه، ولَم يَتَّهِمْه على بَيعِ العَينِ بالعَينِ نَسيئةً إذا كان مِثلَه أو أقَلَّ، وإنْ أخَذَ دَراهِمَ في دَنانيرَ لَم يَتَّهِمْه على الصَّرفِ المُتأخِّرِ، وكذلك إنْ أخَذَ فيه دَنانيرَ مِنْ غيرِ صِنفِ الدَّنانيرِ التي هي رأسُ مالِ السَّلَمِ. وأمَّا بَيعُ السَّلَمِ مِنْ غيرِ المُسلَمِ إليه فيَجوزُ بكُلِّ شَيءٍ يَجوزُ التَّبايُعُ به ما لَم يَكُنْ طَعامًا؛ لأنَّه لا يَدخُلُه بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه (١).

стр. 4141

وقال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: وإذا أسلَمَ في عَرضٍ ثَمَنًا مَعلومًا ثم أرادَ بَيعَه مِنَ المُسلَمِ إليه قبلَ قَبضِه فإنْ باعَه بمِثلِ ثَمَنِه أو أقَلَّ منه جازَ، وإنْ كان بأكثَرَ لَم يَجُزْ. وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّه لا تُهمةَ في أنَّ بَيعَه بمِثلِ الثَّمنِ أو أقَلَّ منه لأنَّه يَزِنُ دِرهَمًا ويأخُذُه بعدَ مُدةٍ لأنَّ ذلك الدِّرهَمَ لا زيادةَ عليه أو دونَه، وكأنَّه أقاله أو نَدِمَ فباعَه بنُقصانٍ، وإذا باعَه بالزِّيادةِ اتُّهِمَ بأنْ يَكونَ أقرَضَه دَراهِمَ بأكثَرَ منها إلى أجَلٍ، وتَسميةُ القَرضِ الذي سَمَّياه لَغوًا لَم يَتحصَّلْ، وذلك ذَريعةٌ إلى الرِّبا. فَصلٌ: ويَجوزُ أنْ يَبيعَها مِنْ غيرِ بائِعه بمِثلِ ثَمَنِه أو أقَلَّ أو أكثَرَ يَدًا بيَدٍ؛ لأنَّ غيرَ البائِعِ لا تُهمةَ بَينَه وبَينَه ولا يَجوزُ أنْ يُؤخِّرَ الثَّمنَ عليه لِئلَّا يَكونَ دَينًا بدَينٍ (١). وذهَب شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ -رحمهما الله- إلى جَوازِ بَيعِ المُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه لِمَنْ هو في ذِمَّتِه بثَمَنِ المِثلِ أو دونَه، لا أكثَرَ منه حالًّا، سَواءٌ كان طَعامًا أو غَيرَه، وهو قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ ورِوايةٌ عن أحمَدَ. قال ابنُ المُنذرِ ﵀: ثَبَت عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «إذا أسلَفتَ في شَيءٍ إلى أجَلِ فإنْ أخَذتَ ما أسلَفتَ فيه وإلا فخُذْ عِوَضًا أنقَصَ منه ولا تَربَحْ مَرَّتَيْنِ». واحتَجُّوا على جَوازِ بَيعِه مِنَ المَدينِ أو الاعتِياضِ عنه إذا كان ذلك

стр. 4142

بسِعرِ المِثلِ أو دونَه، وهو عَدَمُ المانِعِ الشَّرعيِّ، حيثٍ إنَّ حَديثَ: «مَنْ أسلَمَ في شَيءٍ فلا يَصرِفْه إلى غَيرِه»، ضَعيفٌ لا تَقومُ به حُجَّةٌ، وحتى لو ثَبَت فمَعنى «فلا يَصرِفْه إلى غَيرِه»: لا يَصرِفْه إلى سَلَمٍ آخَرَ، أو لا يَبِعْه بمُعيَّنٍ مُؤجَّلٍ، وذلك خارِجٌ عن مَحَلِّ النِّزاعِ. أمَّا دَليلُهم على عَدَمِ جَوازِ الاعتِياضِ عنه بأكثَرَ مِنْ قيمَتِه فلأنَّ دَينَ السَّلَمِ مَضمونٌ على البائِعِ، ولَم يَنتقِلْ إلى ضَمانِ المُشتَري، فلو باعَه المُشتَري مِنَ المُسلَمِ إليه بزيادةٍ فقد رَبِحَ رَبُّ السَّلَمِ فيما لَم يَضمَنْ، وقد صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه نَهى عن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ. وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀: وأمَّا قَولُكم: إنَّ المَنعَ منه إجماعٌ، فكيف تَصحُّ دَعوى الإجماعِ مع مُخالَفةِ حَبرِ الأُمَّةِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ وعالِمِ المَدينةِ مالِكِ بنِ أنَسٍ، فثَبَت أنَّه لا نَصَّ في التَّحريمِ ولا إجماعَ ولا قياسَ، وأنَّ النَّصَّ والقياسَ يَقتَضيانِ الإباحةَ كما تَقدَّم، والواجِبُ عندَ التَّنازُعِ الرَّدُّ إلى اللهِ ، وإلى رَسولِه ﷺ (١). وأمَّا التَّصرُّفُ في المُسلَمِ فيه بغَيرِ البَيعِ -كالشَّرِكةِ والتَّوليةِ والمُرابَحةِ- فاختَلَف الفُقهاءُ فيها:

стр. 4143

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ التَّصرُّفُ في المُسلَمِ فيه بشَرِكةٍ ولا تَوليةٍ ولا مُرابَحةٍ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ في المُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه، فلَم يَجُزْ كما لو كان بلَفظِ البَيعِ. وصُورةُ الشَّرِكةِ فيه أنْ يَقولَ رَبُّ السَّلَمِ لِآخَرَ: أعطِني نِصفَ رأسِ المالِ لِيَكونَ نِصفَ المُسلَمِ لَكَ فيه. وصُورةُ التَّوليةِ أنْ يَقولَ لِآخَرَ: أعطِني مِثلَ ما أعطَيتَ المُسلَمَ إليه حتى يَكونَ المُسلَمُ فيه لَكَ. والمُرابَحةُ أنْ يأخُذَ زيادةً على ما أعطى. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا الشَّرِكةُ فيه والتَّوليةُ فلا تَجوزُ أيضًا؛ لأنَّهما بَيعٌ على ما ذَكَرنا مِنْ قَبلُ، وبهذا قال أكثَرُ أهلِ العِلمِ، وحُكيَ عن مالِكٍ جَوازُ الشَّرِكةِ والتَّوليةِ؛ لِما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه نَهى عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه؛ وأرخَصَ في الشَّرِكةِ والتَّوليةِ. ولنا: أنَّها مُعاوَضةٌ في المُسلَمِ فيه قبلَ القَبضِ، فلَم يَجُزْ كما لو كانتْ بلَفظِ البَيعِ، ولأنَّهما نَوعا بَيعٍ لَم يَجُوزا في المُسلَمِ قبلَ قَبضِه كالنَّوعِ الآخَرِ، والخَبَرُ لا نَعرِفُه، وهو حُجَّةٌ لَنا؛ لأنَّه نَهيٌ عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، والشَّرِكةُ والتَّوليةُ بَيعٌ فيَدخُلانِ في النَّهيِ، ويُحمَلُ قَولُه: «وأرخَصَ في الشَّرِكةِ والتَّوليةِ» على أنَّه أرخَصَ فيهما في الجُملةِ، لا في هذا المَوضِعِ. وأمَّا الحَوالةُ به فغَيرُ جائِزةٍ؛ لأنَّ الحَوالةَ إنَّما تَجوزُ على دَينٍ مُستقِرٍّ، والسَّلَمُ بعَرضِ الفَسخِ فليس بمُستقِرٍّ.

стр. 4144

ولأنَّه نَقلٌ لِلمِلكِ في المُسلَمِ فيه على غيرِ وَجهِ الفَسخِ، فلَم يَجُزْ كالبَيعِ. ومَعنى الحَوالةِ به أنْ يَكونَ لِرَجُلٍ طَعامٌ مِنْ سَلَمٍ وعليه مِثلُه مِنْ قَرضٍ أو سَلَمٍ آخَرَ أو بَيعٍ، فيُحيلَ بما عليه مِنَ الطَّعامِ على الذي له عندَه السَّلَمُ فلا يَجوزُ. وإنْ أحالَ المُسلَمُ إليه المُسلِمَ بالطَّعامِ الذي عليه لَم يَصحَّ أيضًا؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ بالمُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه فلَم يَجُزْ كالبَيعِ (١). وقال الحَنفيَّةُ: ولا يَجوزُ التَّصرُّفُ في المُسلَمِ فيه قبلَ القَبضِ ببَيعٍ أو استِبدالٍ أو شَرِكةٍ أو تَوليةٍ أو مُرابَحةٍ، بخِلافِ ارتِهانٍ أو حَوالةٍ؛ لأنَّ المُسلَمَ فيه مَبيعٌ، ولأنَّ التَّصرُّفَ في المَبيعِ المَنقولِ قبلَ القَبضِ لا يَجوزُ. قال ابنُ نُجَيمٍ ﵀: فلو باع رَبُّ السَّلَمِ المُسلَمَ فيه مِنَ المُسلَمِ إليه بأكثَرَ مِنْ رأسِ المالِ لا يَصحُّ ولا يَكونُ إقالةً. ولو وَهَبه منه قبلَ قَبضِه وقَبلَ الهِبةِ لَم يَصحَّ وكان إقالةً، فوَجَب عليه رَدُّ رأسِ المالِ، وكذا لو أبرأه كُلًّا أو بَعضًا. وفي «التَّجنيسِ» و «الواقِعاتِ»: رَجُلٌ أسلَمَ إلى رَجُلٍ كُرَّ حِنطةٍ فقال رَبُّ السَّلَمِ لِلمُسلَمِ إليه: أبرأتُكَ عن نِصفِ السَّلَمِ، وقَبِلَ المُسلَمُ إليه، وَجَب عليه رَدُّ نِصفِ المالِ إليه؛ لأنَّ السَّلَمَ نَوعُ بَيعٍ، وفي البَيعِ مَنِ اشتَرى شَيئًا ثم قال المُشتَري لِلبائِعِ قبلَ القَبضِ: وَهَبتُ منكَ نِصفَه، فقَبِلَ البائِعُ، كانتْ إقالةً

стр. 4145

في النِّصفِ بنِصفِ الثَّمَنِ، فكذا هذا؛ إذِ الحَطُّ بمَنزِلةِ الهِبةِ. اه (١). وقال الإمامُ البابَرتيُّ ﵀: ولا تَجوزُ الشَّرِكةُ والتَّوليةُ في المُسلَمِ فيه؛ لأنَّه تَصرُّفٌ فيه. ولا تَجوزُ الشَّرِكةُ -وهي أنْ يَشترِكَ شَخصٌ آخَرُ في المُسلَمِ فيه-، ولا التَّوليةُ -وصُورَتُها ظاهِرةٌ-، وإنَّما خَصَّهما بالذِّكرِ بعدَما دَخَلا في العُمومِ لِأنَّهما أكثَرُ وُقوعًا مِنَ المُرابَحةِ والوَضيعةِ. وقيلَ: احتِرازٌ عن قَولِ بَعضِهم: إنَّ التَّوليةَ جائِزةٌ؛ لأنَّها إقامةُ مَعروفٍ، فإنَّه يُولِّي غَيرَه ما تَوَلَّى (٢). الإقالةُ في السَّلَمِ: وأمَّا الإقالةُ في السَّلَمِ فاتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِها، قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا الإقالةُ في المُسلَمِ فيه فجائِزةٌ؛ لأنَّها فَسخٌ، قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الإقالةَ في جَميعِ ما أُسلِمَ فيه جائِزةٌ؛ لأنَّ الإقالةَ فَسخٌ لِلعَقدِ ورَفعٌ له مِنْ أصلِه، وليستْ بَيعًا (٣). قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الإقالةُ فمِن شَرطِها عندَ مالِكٍ ألَّا يَدخُلَها زيادةٌ ولا نُقصانٌ، فإنْ دَخَلها زيادةٌ أو نُقصانٌ كان بَيعًا مِنَ البُيوعِ ودَخَلها ما

стр. 4146

يَدخُلُ البُيوعَ -أعني أنَّها تَفسُدُ عندَه بما يُفسِدُ بُيوعَ الآجالِ-، مِثلَ أنْ يَتذرَّعَ إلى بَيعٍ وسَلَفٍ، أو إلى ضَعْ وتَعجَّلْ، أو إلى بَيعِ السَّلَمِ بما لا يَجوزُ بَيعُه. مِثالُ ذلك: في دُخولِ بَيعٍ وسَلَفٍ به إذا حَلَّ الأجَلُ فأقاله على أنْ أخَذَ بَعضًا وأقال مِنْ بَعضٍ؛ فإنَّه لا يَجوزُ عندَه، فإنَّه يَدخُلُه التَّذرُّعُ إلى بَيعٍ وسَلَفٍ، وذلك جائِزٌ عندَ الشافعِيِّ وأبي حَنيفةَ؛ لأنَّهما لا يَقولانِ بتَحريمِ بُيوعِ الذَّرائِعِ (١).

стр. 4147

فصل في عَقدِ الاستِصناعِ الاستِصناعُ لُغةً: طلبُ صَنعةٍ مِنَ الصِّناعاتِ مِنَ الصانِعِ. وأمَّا شَرعًا فعَرَّفه ابنُ عابدينَ بأنَّه: طلبُ العَمَلِ منه في شَيءٍ خاصٍّ على وَجهٍ مَخصوصٍ (١). وفي مَجلَّةِ الأحكامِ العَدليَّةِ: «الاستِصناعُ عَقدُ مُقاوَلةٍ مع أهلِ الصَّنعةِ على أنْ يَعمَلوا شَيئًا»، فالعامِلُ صانِعٌ، والمُشتَري مُستَصنِعٌ، والشَّيءُ مَصنوعٌ (٢). وصُورةُ الاستِصناعِ: هي أنْ يَقولَ إنسانٌ لِصانِعٍ -مِنْ خَفَّافٍ أو صَفَّارٍ أو غَيرِهما-: اعمَلْ لِي خُفًّا أو آنيةً مِنْ أديمٍ أو نُحاسٍ مِنْ عندِكَ بثَمَنِ كذا، ويُبيِّنُ نَوعَ ما يُعمَلُ وقَدْرَه وصِفَتَه، فيَقولَ الصانِعُ: نَعَمْ (٣). وشُروطُه: أنْ يَكونَ العَمَلُ والعَينُ مِنَ الصانِعِ، وإلا فإذا كانتِ العَينُ مِنَ المُستَصنِعِ فهو عَقدُ إجارةٍ، مِثالٌ: إذا قاوَلَ شَخصٌ خَيَّاطًا على صُنعِ

стр. 4148

جُبَّةٍ، وقُماشُها وكلُّ لَوازِمِها مِنَ الخَيَّاطِ، يَكونُ قد استَصنَعَه تلك الجُبَّةَ، وذلك هو الذي يُدْعى الاستِصناعَ، أما لو كان القُماشُ مِنَ المُستَصنِعِ وقاوَلَه على صُنعِها فَقَطْ يَكونُ قد استأجَرَه، والعَقدُ حينَئذٍ عَقدُ إجارةٍ لا عَقدُ استِصناعٍ (١). هل الاستِصناعُ بَيعٌ أو مُواعَدةٌ؟ اختَلَف مَشايخُ الحَنفيَّةِ في عَقدِ الاستِصناعِ هل هو بَيعٌ أو مُواعَدةٌ؟ فقال بَعضُهم: هو مُواعَدةٌ وليس ببَيعٍ، وإنَّما يَنعقِدُ بَيعًا بالتَّعاطي إذا جاء به مَفروغًا منه؛ ولِهذا ثَبَت فيه الخيارُ لِكُلِّ واحِدٍ منهما، ولِهذا كان لِلصانِعِ ألا يَعمَلَ ولا يُجبَرَ عليه، بخِلافِ السَّلَمِ، ولِلمُستَصنِعِ ألا يَقبَلَ ما يُؤتَى به ويَرجِعَ عنه ولا تَلزَمَه المُعامَلةُ. وقال بَعضُهم وهو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ: هو بَيعٌ لكنْ لِلمشتَري فيه خيارٌ، بدَليلِ أنَّ مُحمدًا ﵀ ذَكَر في جَوازِه القياسَ والاستِحسانَ، وذلك لا يَكونُ في المَواعيدِ؛ لأنَّ المَواعيدَ تَجوزُ قياسًا واستِحسانًا، وكذا أثبَتَ فيه خيارَ الرُّؤيةِ، وأنَّه يَختَصُّ بالبِياعاتِ، وكذا يَجري فيه التَّقاضي، وإنَّما يُتقاضى فيه الواجِبُ، لا المَوعودُ؛ ولأنَّه جائِزٌ فيما فيه تَعامُلٌ دونَ ما ليس فيه تَعامُلٌ، ولو كان مُواعَدةً جازَ في الكُلِّ وسَمَّاه شِراءً، فقال: إذا رآه المُستَصنِعُ فهو بالخيارِ؛ لأنَّه اشتَرى ما لَم يَرَه، ولأنَّ الصانِعَ يَملِكُ الدَّراهِمَ بقَبضِها، ولو كان العَقدُ مُواعَدةً لَم يَملِكْها.

стр. 4149

وإثباتُ الخيارِ لِكُلٍّ مِنَ العاقدَيْنِ لا يَدلُّ على أنَّه غيرُ بَيعٍ، بدَليلِ أنَّه في بَيعِ المُقايَضةِ لو لَم يَرَ كلٌّ مِنَ العاقدَيْنِ عَينَ الآخَرِ -أي: مَبيعَه- كان لِكُلٍّ منهما الخيارُ. وثُبوتُ خيارِ الرُّؤيةِ لِلمُستَصنِعِ مِنْ خَصائِصِ البُيوعِ، فدَلَّ على أنَّ جَوازَه جَوازُ البِياعاتِ، لاجَوازُ العِدَاتِ، ويَترتَّبُ على كَونِه بَيعًا أنَّه يُجبَرُ الصانِعُ على عَمَلِه ولا يَرجِعُ الآمِرُ -المُستَصنِعُ- عنه، ولو كان عِدةً لَما لَزِمَ. وقال بَعضُهم: هو إجارةٌ ابتِداءً، بَيعٌ انتِهاءً، لكِنْ قبلَ التَّسليمِ لا عندَ التَّسليمِ، بدَليلِ قَولِهم: إذا مات الصانِعُ يَبطُلُ ولا يُستَوفى المَصنوعُ مِنْ تَرِكَتِه. ثم اختَلَفتْ عباراتُهم عن هذا النَّوعِ مِنَ البَيعِ، هل هو عَقدٌ على مَبيعٍ في الذِّمَّةِ؟ أو هو عَقدٌ على مَبيعٍ في الذِّمَّةِ شُرِطَ فيه العَمَلُ؟ قال بَعضُهم: هو عَقدٌ على مَبيعٍ في الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الصانِعَ لو أحضَرَ عَينًا كان عَمَلُها قبلَ العَقدِ ورَضيَ به المُستَصنِعُ لَجازَ، ولو كان شَرطُ العَمَلِ مِنْ العَقدِ نَفْسِه لَما جازَ؛ لأنَّ الشَّرطَ يَقَعُ على عَمَلٍ في المُستَقبَلِ لا في الماضي. وقال بَعضُهم: هو عَقدٌ على مَبيعٍ في الذِّمَّةِ شُرِطَ فيه العَمَلُ، وهو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ، فالمَعقودُ عليه هو العَينُ المُستَصنَعةُ دونَ العَمَلِ، فلو جاء الصانِعُ بالمَطلوبِ بما يُوافِقُ الأوصافَ المَشروطةَ ورَضيَ به المُستَصنِعُ جازَ العَقدُ، سَواءٌ أكانَ مِنْ صَنعةِ غَيرِه أو مِنْ صَنعَتِه قبلَ العَقدِ،

стр. 4150

ولو كان المَبيعُ العَمَلَ نَفْسَه لَما صَحَّ ذلك، ولأنَّ الاستِصناعَ طلبُ الصُّنعِ فما لَم يُشترَطْ فيه العَمَلُ لا يَكونُ استِصناعًا، فكان مأخَذُ الاسمِ دَليلًا عليه، ولأنَّ العَقدَ على مَبيعٍ في الذِّمَّةِ يُسمَّى سَلَمًا، وهذا العَقدُ يُسمَّى استِصناعًا، واختِلافُ الأسماءِ دَليلُ اختِلافِ المَعاني في الأصلِ. وأمَّا إذا أتى الصانِعُ بعَينٍ صَنَعَها قبلَ العَقدِ ورَضيَ به المُستَصنِعُ فلَم يَجُزْ بالعَقدِ الأوَّلِ، بل جازَ بعَقدٍ آخَرَ وهو التَّعاطي بتَراضِيهما (١). دَليلُ جَوازِ الاستِصناعِ: يرى فُقهاءُ الحَنفيَّةِ أنَّ القياسَ يأبى جَوازَ الاستِصناعِ؛ لأنَّه بَيعُ ما ليس عندَ الإنسانِ، لا على وَجهِ السَّلَمِ، وقد نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن بَيعِ ما ليس عندَ الإنسانِ، ورَخَّصَ في السَّلَمِ، ويَجوزُ استِحسانًا لِإجماعِ الناسِ على ذلك؛ لِأنَّهم يَعمَلونَ ذلك في سائِرِ الأعصارِ مِنْ غيرِ نَكيرٍ، والقياسُ يُترَكُ بالإجماعِ؛ ولِهذا تُرِكَ القياسُ في دُخولِ الحَمَّامِ بالأجْرِ مِنْ غيرِ بَيانِ المُدَّةِ ومِقدارِ الماءِ الذي يُستَعمَلُ، وفي قَطعِ الشارِبِ لِلسِّقاءِ مِنْ غيرِ بَيانِ قَدرِ المَشروبِ، وفي شِراءِ البَقلِ، وهذه المُحقَّراتُ، كذا هذا. ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إليه؛ لأنَّ الإنسانَ قد يَحتاجُ إلى خُفٍّ أو نَعلٍ مِنْ جِنسٍ مَخصوصٍ ونَوعٍ مَخصوصٍ على قَدْرٍ مَخصوصٍ وصِفةٍ مَخصوصةٍ، وقَلَّما يَتَّفِقُ وُجودُه مَصنوعًا فيَحتاجُ إلى أنْ يَستَصنِعَ فلو لَم يَجُزْ لَوَقَع

стр. 4151

الناسُ في الحَرَجِ، ولأنَّ فيه مَعنى عَقدَيْنِ جائِزَيْنِ -وهُما السَّلَمُ والإجارةُ- لأنَّ السَّلَمَ عَقدٌ على مَبيعٍ في الذِّمَّةِ، واستِئجارُ الصُّنَّاعِ يُشترَطُ فيه العَمَلُ، وما اشتَمَلَ على مَعنى عَقدَيْنِ جائِزَيْنِ كان جائِزًا (١). أمَّا جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ فلا يُجوِّزنَ عَقدَ الاستِصناعِ هذا، وإنَّما يَصحُّ عندَهم على أساسِ عَقدِ السَّلَمِ، ويُشترَطُ فيه ما يُشترَطُ في السَّلَمِ المُتقدِّمِ بَيانُه مِنْ وَصفِ العَمَلِ وضَربِ الأجَلِ وتَعجيلِ رأسِ المالِ وكَونِ المَعمولِ منه والعَملِ في الذِّمَّةِ كما سبَق بَيانُه. قال المالِكيَّةُ: وفَسَد السَّلَمُ في نَحوِ عَمَلِ السَّيفِ بتَعيينِ الشَّيءِ المَعمولِ منه -كالحَديدِ-، أو تَعيينِ الشَّخصِ العامِلِ، وأوْلى بتَعيينِهما معًا؛ لِشِدَّةِ غَرَرِه فيهما، ومَنِ استَصنَعَ طَشتًا أو تَورًا أو قَلَنسُوةً أو خِفافًا أو غيرَ ذلك مما يُعمَلُ في الأسواقِ بصِفةٍ مَعلومةٍ، فإنْ كان مَضمومًا إلى مِثلِ أجَلِ السَّلَمِ، ولَم يَشترِطْ عَمَلَ رَجُلٍ بعَينِه ولا شَيئًا بعَينِه يُعمَلُ منه جازَ ذلك إذا قَدَّمَ رأسَ المالِ مَكانَه أو إلى يومٍ أو يومَيْنِ، فإنْ ضَرَبَ لِرأسِ المالِ أجَلًا بَعيدًا لَم يَجُزْ، وصارَ دَينًا بدَينٍ. وإنِ اشتَرَط عَمَلَه مِنْ نُحاسٍ أو حَديدٍ بعَينِه، أو اشتَرَط ظَواهِرَ مُعَيَّنةً أو عَمَلَ رَجُلٍ بعَينِه لَم يَجُزْ وإنْ نَقَدَه؛ لأنَّه غَرَرٌ لا يَدري أيُسَلَّمُ إلى ذلك الأجَلِ أم لا، ولا يَكونُ السَّلَفُ في شَيءٍ بعَينِه.

стр. 4152

وإنِ اشتَرى شَخصٌ الشَّيءَ المَعمولَ منه -كالحَديدِ والنُّحاسِ والجِلدِ ونَحوِها- مِنْ صانِعٍ واستأجَرَه -أي: المُشتَري البائِعَ- على عَمَلِه سَيفًا أو تَورًا أو سَرْجًا مَثَلًا جازَ على المَشهورِ مِنْ جَوازِ الجَمعِ بينَ البَيعِ والإجارةِ في عَقدٍ واحِدٍ إنْ شَرَعَ البائِعُ في العَمَلِ -ولو حُكمًا- بتأخيرِه ثلاثةَ أيامٍ، وسَواءُ عَيَّنَ المُشتَري عامِلَه أو لا. قال الشَّيخُ عُلَيشٌ ﵀: وفارَقَتْ هذه المَسألةُ المَسألةَ التي قَبلَها بأنَّ التي قَبلَها لَم يَدخُلْ فيها المَبيعُ في مِلكِ المُشتَري أوَّلًا، وهذه دَخَلَ في مِلكِه ثم أجَّرَه على عَمَلِه. وعِندَ ابنِ عَبدِ السَّلامِ وغَيرِه: الفَرقُ بينَ هذه والتي قَبلَها أنَّ العَقدَ فيما قَبلَها وَقَع على المَصنوعِ على وَجهِ السَّلَمِ، ولَم يَدخُلِ المَعمولُ منه في مِلكِ المُشتَري، وهذه وَقَع العَقدُ فيها على المَبيعِ المَعمولِ منه ومَلَكَه المُشتَري ثم استأجَرَه بالشَّرطِ في العَقدِ على عَمَلِه، وهذه الأُخرى هي مَسألةُ ابنِ رُشدٍ، وأمَّا التي قَبلَها فمَسألةُ المُدوَّنةِ، وفيها أربَعُ صُوَرٍ لِتَعيينِ المَعمولِ منه والعامِلِ، وعَدَمِ تَعيينِهما، وتَعيينِ المَعمولِ منه فَقَطْ، وتَعيينِ العامِلِ فَقَطْ (١). وقال الدَّميريُّ مِنَ الشافِعيَّةِ: أمَّا استِصناعُ النِّعالِ … فلا يَجوزُ إلا كما نَصَّ عليه الشافِعيُّ ﵀ في «الأُمِّ» وهو: أنْ يَشتَريَ النَّعلَيْنِ

стр. 4153

والشِّراكَ وجَميعَ ما يَصنَعُ نَعلًا، ثم يَستأجِرُ على الحَذوِ، وكذلك حُكمُ استِصناعِ الأواني. وجَوَّزَ الاستِصناعَ في ذلك أبو حَنيفةَ، وقال: إنَّ الصانِعَ والمُستَصنِعَ بالخيارِ، قال أصحابُنا: لو صَحَّ لَزِمَ (١). وقال الحَنابِلةُ: ولا يَصحُّ استِصناعُ سِلعةٍ بأنْ يَبيعَه سِلعةً يَصنَعُها له؛ لأنَّه باعَ ما ليس عِندَه على غيرِ وَجْهِ السَّلَمِ (٢). شُروطُ جَوازِ الاستِصناعِ: مما تَقدَّم ذِكرُه تَبيَّنَ أنَّ الحَنفيَّةَ هُمْ الذين أجازوا عَقدَ الاستِصناعِ دونَ غَيرِهم مِنَ الفُقهاءِ، واشتَرَطوا لِجَوازِ الاستِصناعِ شُروطًا ثَلاثةً إذا فاتَتْ -أو فاتَ واحِدٌ منها- فَسَدَ العَقدُ وكان له حُكمُ البَيعِ الفاسِدِ الذي يَنقُلُ المِلكيَّةَ بالقَبضِ مِلكًا خَبيثًا لا يُجيزُ الانتِفاعَ به، ولا الاستِعمالَ، ويَجبُ إزالةُ سَبَبِ الفَسادِ احتِرامًا لِنظامِ الشَّرعِ، وهذه الشُّروطُ منها ما هو مُتَّفَقٌ عليه عندَهم، ومنها ما هو مُختَلَفٌ فيه، وهي ما يَلي: ١ - بَيانُ جِنسِ المَصنوعِ ونَوعِه وقَدْرِه وصِفَتِه؛ لأنَّه لا يَصيرُ مَعلومًا بدونِه، والعِلمُ يَحصُلُ بهذا، فإذا كان أحَدُ هذه العَناصِرِ مَجهولًا فَسَدَ العَقدُ؛ لأنَّ الجَهالةَ المُفضيةَ لِلمُنازَعةِ تُفسِدُ العَقدَ، وبِناءً عليه إذا استَصنَعَ شَخصٌ شَيئًا ما بينَ نَوعَه وجِنسَه ومَقاسَه وحَجمَه وأوصافَه وعَدَدَه

стр. 4154

المَطلوبَ إذا كان مُتعدِّدًا، فإذا أخفَى ذلك كُلَّه أو شَيئًا منه فَسَد العَقدُ؛ لِلجَهالةِ. ٢ - أنْ يَكونَ مما يَجري فيه التَّعامُلُ بينَ الناسِ مِنْ أواني الحَديدِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ والزُّجاجِ والخِفافِ والنِّعالِ ولُجُمِ الحَديدِ لِلدَّوابِّ ونُصولِ السُّيوفِ والسَّكاكينِ والقِسِيِّ والنَّبْلِ والسِّلاحِ كلِّه والطَّشتِ والقُمقُمةِ ونَحوِ ذلك، ولا يَجوزُ في الثِّيابِ؛ لأنَّ القياسَ يأبى جَوازَه، وإنَّما جَوازُه يَكونُ استِحسانًا؛ لِتَعامُلِ الناسِ، ولا تَعامُلَ في الثِّيابِ، فما لا تَعامُلَ فيه رَجَعْنا فيه إلى القياسِ، كان يَستَصنِعُ حائِكًا أو خياطًا لِينسِجَ له أو يَخيطَ له قَميصًا بغَزلِ نَفْسِه. ٣ - ألَّا يَكونَ فيه أجَلٌ عندَ أبي حَنيفةَ، فإنْ ضَرَبَ لِلاستِصناعِ أجَلًا مُعيَّنًا لِتَسليمِ المَصنوعِ فَسَدَ العَقدُ وصارَ سَلَمًا حتى يُعتبَرَ فيه شَرائِطُ السَّلَمِ، قَبضُ البَدَلِ في المَجلِسِ؛ لأنَّه إذا ضَرَبَ فيه أجَلًا فقد أتى بمَعنى السَّلَمِ؛ إذْ هو عَقدٌ على مَبيعٍ في الذِّمَّةِ مُؤجَّلٍ، والعِبرةُ في العُقودِ بمَعانيها، لا بصُورِ الألفاظِ، ألا تَرى أنَّ البَيعَ يَنعقِدُ بلَفظِ التَّمليكِ، وكذا الإجارةُ، وكذا النِّكاحُ على أصلِنا؟ ولِهذا صارَ سَلَمًا فيما لا يَحتمِلُ الاستِصناعَ، كذا هذا، ولأنَّ التأجيلَ يَختَصُّ بالدُّيونِ؛ لأنَّه وُضِعَ لِتأخيرِ المُطالَبةِ، وتأخيرُ المُطالَبةِ إنَّما يَكونُ في عَقدٍ فيه مُطالَبةٌ، وليس ذلك إلا السَّلَمَ؛ إذْ لا دَينَ في الاستِصناعِ، ألَا تَرى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ منهما خيارَ الامتِناعِ مِنَ العَمَلِ قبلَ العَمَلِ بالاتِّفاقِ، ثم إذا صارَ سَلَمًا يُراعَى فيه شَرائِطُ السَّلَمِ، فإنْ وُجِدتْ صَحَّ، وإلا فلا؟

стр. 4155

والمُرادُ بالأجَلِ: شَهرٌ فما فَوقَه، فإذا كان أقَلَّ مِنْ شَهرٍ كان استِصناعًا إنْ جَرى فيه تَعامُلٌ، وإلا ففاسِدٌ إنْ ذَكَره على وَجهِ الاستِمهالِ، وإنْ كان لِلاستِعجالِ بأنْ قال: «على أنْ تَفرُغَ منه غَدًا أو بعدَ غَدٍ»، كان صَحيحًا. وإنْ كان الأجَلُ أقَلَّ مِنْ شَهرٍ لا يَصحُّ سَلَمًا. والخُلاصةُ: أنَّ المُؤجَّلَ بشَهرٍ فأكثَرَ سَلَمٌ، والمُؤجَّلُ بدُونِه إنْ لَم يَجرِ فيه تَعامُلٌ هو استِصناعٌ فاسِدٌ، إلا إذا ذَكَر الأجَلَ لِلاستِعجالِ فصَحيحٌ. وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: هذا ليس بشَرطٍ، وهو استِصناعٌ على كلِّ حالٍ ضَرَب فيه أجلًا أو لَم يَضرِبْ. ولو ضَرَب لِلاستِصناعِ فيما لا يَجوزُ فيه الاستِصناعُ -كالثِّيابِ ونَحوِها- أجَلًا يَنْقَلِبُ سَلَمًا في قَولِهم جَميعًا. وَجهُ قَولِهما أنَّ العادةَ جاريةٌ بضَربِ الأجَلِ في الاستِصناعِ، وإنَّما يُقصَدُ به تَعجيلُ العَمَلِ، لا تأخيرُ المُطالَبةِ، فلا يَخرُجُ به عن كَونِه استِصناعًا، أو يُقالُ: قد يُقصَدُ بضَربِ الأجَلِ تأخيرُ المُطالَبةِ، وقد يُقصَدُ به تَعجيلُ العَمَلِ، فلا يَخرُجُ العَقدُ عن مَوضوعِه مع الشَّكِّ والاحتِمالِ بخِلافِ ما لا يَحتمِلُ الاستِصناعَ؛ لأنَّ ما لا يَحتمِلُ الاستِصناعَ لا يُقصَدُ بضَربِ الأجَلِ فيه تَعجيلُ العَمَلِ، فتَعيَّنَ أنْ يَكونَ لِتأخيرِ المُطالَبةِ بالدَّينِ، وذلك بالسَّلَمِ (١).

стр. 4156

حُكمُ عَقدِ الاستِصناعِ: حُكمُ عَقدِ الاستِصناعِ هو الأثَرُ المُترتِّبُ عليه، وهو ثُبوتُ المِلكِ لِلمُستَصنِعِ في العَينِ المَبيعةِ في الذِّمَّةِ، وثُبوتُ المِلكِ لِلصانِعِ في الثَّمنِ مِلكًا غيرُ لازِمٍ (١). صِفةُ عَقدِ الاستِصناعِ: وأمَّا صِفةُ عَقدِ الاستِصناعِ فحُكمُه يَختلِفُ قبلَ الشُّروعِ في العَمَلِ وبعدَ الفَراغِ مِنَ العَمَلِ قبلَ أنْ يَراه المُستَصنِعُ. فأمَّا قبلَ الشُّروعِ في العَمَلِ فهو عَقدٌ غيرُ لازِمٍ قبلَ العَمَلِ في الجانبَيْنِ جَميعًا بلا خِلافٍ حتى كان لِكلِّ واحِدٍ منهما خيارُ الامتِناعِ قبلَ العَمَلِ؛ كالبَيعِ المَشروطِ فيه الخيارُ لِلمُتبايعَيْنِ ولِكلِّ واحِدٍ منهما الفَسخُ؛ لأنَّ القياسَ يَقتَضي ألَّا يَجوزَ؛ لِما قُلنا؛ وإنَّما عَرَفنا جَوازَه استِحسانًا لِتَعامُلِ الناسِ، فبَقيَ اللُّزومُ على أصلِ القياسِ. وأمَّا بعدَ الفَراغِ مِنَ العَمَلِ قبلَ أنْ يَراه المُستَصنِعُ، فكذلك حتى كان لِلصانِعِ أنْ يَبيعَه ممن شاءَ؛ لأنَّ العَقدَ ما وَقَع على عَينِ المَعمولِ -بل على مِثلِه- في الذِّمَّةِ؛ لِما ذَكَرنا أنَّه لو اشتَرى مِنْ مَكانٍ آخَرَ وسَلَّمَ إليه جازَ، ولو باعه الصانِعُ وأرادَ المُستَصنِعُ أنْ يَنقُضَ البَيعَ فليس له ذلك، ولو استَهلَكَه قبلَ الرُّؤيةِ فهو كالبائِعِ إذا استَهلَكَ المَبيعَ قبلَ التَّسليمِ، كذا قال أبو يُوسُفَ. فأمَّا إذا أحضَرَ الصانِعُ العَينَ على الصِّفةِ المَشروطةِ فقد سَقَطَ خيارُ

стр. 4157

الصانِعِ، ولِلمُستَصنَعِ الخيارُ إذا رأى المَصنوعَ؛ لأنَّ الصانِعَ بائِعٌ ما لَم يَرَه، فلا خيارَ له، وأمَّا المُستَصنَعُ فمُشترٍ ما لَم يَرَه، فكان له الخيارُ، بخِلافِ السَّلَمِ؛ لأنَّه لا فائدةَ في إثباتِ الخيارِ فيه؛ لأنَّه كُلَّما رَدَّه عليه أعطاه غَيرَه؛ لِكَونِه غيرَ مُتعيَّنٍ؛ إذِ المُسلَمُ فيه في الذِّمَّةِ، فيَبقى فيها إلى أنْ يَقبِضَه. وإنَّما كان كذلك لأنَّ المَعقودَ عليه -وإنْ كان مَعدومًا حَقيقةً- أُلحِقَ بالمَوجودِ؛ لِيُمكِنَ القَولُ بجَوازِ العَقدِ، ولأنَّ الخيارَ كان ثابِتًا لَهما قبلَ الإحضارِ؛ لِما ذَكَرنا أنَّ العَقدَ غيرُ لازِمٍ، فالصانِعُ بالإحضارِ أسقَطَ خيارَ نَفْسِه، فبَقيَ خيارُ صاحِبِه على حالِه كالبَيعِ الذي فيه شَرطُ الخيارِ لِلعاقِدَيْنِ إذا أسقَطَ أحَدُهما خيارَه أنَّه يَبقى خيارُ الآخَرِ، كذا هذا جَوابُ ظاهِرِ الرِّوايةِ عن أبي حَنيفةَ وأبي يُوسُفَ ومُحمدٍ ﵏. ورُويَ عن أبي حَنيفةَ ﵀ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ منهما الخيارَ؛ لأنَّ في تَخييرِ كلِّ واحِدٍ منهما دَفعَ الضَّرَرِ عنه وهو واجِبٌ. ورُويَ عن أبي يُوسُفَ ﵀ أنَّه لا خيارَ لَهما جَميعًا (١)؛ لأنَّ الصانِعَ قد أفسَدَ مَتاعَه وقَطَعَ جِلدَه وجاء بالعَمَلِ على الصِّفةِ المَشروطةِ، فلو كان لِلمُستَصنِعِ الامتناعُ مِنْ أخْذِه لَكان فيه إضرارٌ بالصانِعِ، بخِلافِ ما إذا قَطَعَ الجِلدَ ولَم يَعمَلْ، فقال المُستَصنِعُ: «لا أُريدُ»؛ لِأنَّا لا نَدري أنَّ

стр. 4158

العَمَل يَقَعُ على الصِّفةِ المَشروطةِ أو لا، فلَم يَكُنْ الامتِناعُ منه إضرارًا بصاحِبِه، فثَبَت الخيارُ. قال الكاسانيُّ ﵀: والصَّحيحُ ظاهِرُ الرِّوايةِ؛ لأنَّ في إثباتِ الخيارِ لِلصانِعِ ما شُرِعَ له مِنَ الاستِصناعِ، وهو دَفعُ حاجةِ المُستَصنِعِ؛ لأنَّه متى ثَبَت الخيارُ لِلصانِعِ فكلُّ ما فُرِّعَ عنه يَتبَعُه مِنْ غيرِ المُستَصنِعِ فلا تَندفِعُ حاجةُ المُستَصنِعِ. وقولُ أبي يُوسُفَ ﵀ بأنَّ الصانِعَ يَتضرَّرُ بإثباتِ الخيارِ لِلمُستَصنِعِ مُسَلَّمٌ، ولكنَّ ضَرَرَ المُستَصنِعِ بإبطالِ الخيارِ فَوقَ ضَرَرِ الصانِعِ بإثباتِ الخيارِ لِلمُستَصنِعِ؛ لأنَّ المَصنوعَ إذا لَم يُلائِمْه وطُولِبَ بثَمَنِه لا يُمكِنُه بَيعُ المَصنوعِ مِنْ غيرِه بقيمةِ مِثلِه، ولا يَتعذَّرُ ذلك على الصانِعِ؛ لِكَثرةِ ممارَسَتِه وانتِصابِه لِذلك، ولأنَّ المُستَصنِعَ إذا غُرِّمَ ثَمَنَه ولَم تَندَفِعْ حاجَتُه لَم يَحصُلْ ما شُرِعَ له الاستِصناعُ، وهو اندِفاعُ حاجَتِه، فلا بُدَّ مِنْ إثباتِ الخيارِ له. فإنْ سَلَّمَ إلى حَدادٍ حَديدًا لِيَعمَلَ له إناءً مَعلومًا بأجْرٍ مَعلومٍ، أو جِلدًا إلى خَفَّافٍ لِيَعمَلَ له خُفًّا مَعلومًا بأجْرٍ مَعلومٍ، فذلك جائِزٌ ولا خيارَ فيه؛ لأنَّ هذا ليس باستِصناعٍ، بل هو استِئجارٌ، فكان جائزًا، فإنْ عَمِلَ كما أُمِرَ استَحَقَّ الأجْرَ، وإنْ فَسَدَ فله أنْ يُضمِّنَه حَديدًا مِثلَه؛ لأنَّه لمَّا أفسَدَه فكأنَّه أخَذَ حَديدًا له، واتَّخَذَ منه آنيةً مِنْ غيرِ إذْنِه، والإناءُ لِلصانِعِ؛ لأنَّ المَضموناتِ تُملَكُ بالضَّمانِ (١).

стр. 4159

الفَرقُ بينَ السَّلَمِ والاستِصناعِ: ١ - أنَّ السَّلَمَ لا بُدَّ فيه مِنْ أجَلٍ مَعلومٍ أقَلُّه شَهرٌ، والاستِصناعُ يَصحُّ بأجَلٍ وبغَيرِ أجَلٍ، ولا مُدَّةَ فيه على الخِلافِ السابِقِ فيه. ٢ - يُشترَطُ في السَّلَمِ تَسليمُ رأسِ المالِ في مَجلِسِ العَقدِ، ولا يُشترَطُ تَسليمُ الثَّمَنِ في الحالِ في عَقدِ الاستِصناعِ، ويَكتَفي الناسُ عادةً بدَفعِ جُزءٍ مِنَ الثَّمَنِ، كالنِّصفِ أو الثُّلُثِ أو الرُّبُعِ مَثَلًا. ٣ - لا يَصحُّ الاستِبدالُ برأسِ مالِ السَّلَمِ وبالمُسلَمِ فيه قبلَ القَبضِ، أمَّا الثَّمَنُ في الاستِصناعِ فمِثلُ ثَمَنِ البَيعِ يَصحُّ الاستِبدالُ فيه قبلَ قَبضِه. ٤ - عَقدُ السَّلَمِ لازِمٌ لا يَحِقُّ لِأحَدِ المُتعاقِدَيْنِ الفَسخُ إلا بتَراضيهما واتِّفاقِهما معًا على الفَسخِ، وعَقدُ الاستِصناعِ جائِزٌ غيرُ لازِمٍ على الصَّحيحِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ، ولكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتعاقدَيْنِ الفَسخُ قبلَ العَمَلِ وبعدَ العَمَلِ في حَقِّ الصانِعِ إذا أحضَرَه على الصِّفةِ المَشروطةِ، ولِلمُستَصنِعِ الخيارُ على التَّفصيلِ السابِقِ. ٥ - المَبيعُ في السَّلَمِ دَينٌ يَثبُتُ في الذِّمَّةِ، فهو إمَّا مَكيلٌ أو مَوزونٌ أو مَذروعٌ أو عَدَديٌّ مُتقارِبٌ، وفي الاستِصناعِ عَينٌ مُعيَّنةٌ لا دَينٌ -كاستِصناعِ حِذاءٍ مَثَلًا- حتى لو جاء بعَينٍ مِنْ غيرِ عَمَلِه جازَ. ٦ - أنَّ السَّلَمَ لا خيارَ فيه -بخِلافِ الاستِصناعِ؛ ففيه الخيارُ على الخِلافِ السابِقِ-؛ لأنَّه عَقدٌ غيرُ لازِمٍ (١).

стр. 4160

كتاب الرَّهن

стр. 4161

كتاب الرَّهن تَعريفُ الرَّهنِ: الرَّهنُ لُغةً: الثُّبوتُ والدَّوامُ، يُقالُ: ماءٌ راهِنٌ، أي: راكِدٌ، ودائِمٌ، ونِعمةٌ راهِنةٌ أي: ثابِتةٌ دائِمةٌ. ويأتي بمَعنى الحَبسِ، أي: حَبْسِ الشَّيءِ بأيِّ سَبَبٍ، كان مالًا أو غيرَ مَالٍ، وكُلُّ مَلزومُ هو رَهنٌ، يُقالُ: «هذا رَهنٌ لَكَ»، أي: مَحبوسٌ لَكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، أي مَحبوسةٌ بوَبالِ ما اكتَسَبتْ مِنَ المَعاصي، وفي الحَديثِ: «نَفْسُ المُؤمِنِ مَرهونةٌ -أي: مَحبوسةٌ في قَبرِها- بدَيْنِه حتى يُقضى عنه دَينُه» (١).

стр. 4162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4163

والمَعنى الثاني لازِمٌ لِلمَعنى الأوَّلِ؛ لأنَّ الحَبسَ يَستَلزِمُ الثُّبوتَ بالمَكانِ وعَدَمَ مُفارَقَتِه. وقد يُطلَقُ الرَّهنُ لُغةً على نَفْسِ الشَّيءِ المَرهونِ مِنْ بابِ تَسميةِ المَفعولِ بالمَصدَرِ. وقال في «القاموسِ»: الرَّهنُ: ما وُضِعَ عِنْدَكَ لِيَنوبَ مَنابَ ما أُخِذَ منكَ (١). والراهِنُ: دافِعُ الرَّهنِ، والمُرتَهِنُ -بكَسرِ الهاءِ-: قابِضُه، وبفَتحِها الشَّيءُ المَرهونُ، وقد يُطلَقُ على آخِذِه، لِوَضعِ الرَّهنِ عندَه، وعلى الراهِنِ، لأنَّه مَطلوبٌ ومأخوذٌ منه الرَّهنُ، وجَمعُ الرَّهنِ: رِهانٌ، ورُهونٌ، ورُهُنٌ، بضَمِّ الراءِ والهاءِ (٢). وفي الشَّرعِ تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِه: عرَّفه الحَنفيَّةُ بأنَّه: جَعْلُ الشَّيءِ مَحبوسًا بحقٍّ يُمكِنُ استِيفاؤُه مِنَ الرَّهنِ -أي: المَرهونِ- كالدُّيونِ (٣). وقيلَ: هو جَعْلُ شَيءٍ ماليٍّ مَحبوسًا في يَدِ المُرتَهَنِ، أو في يَدِ عَدلٍ بحَقٍّ ماليٍّ يُمكِنُ استِيفاؤُه منه كُلًّا أو بَعضًا كالدَّينِ؛ فإنَّه يُمكِنُ أخْذُه مِنَ

стр. 4164

المَرهونِ، بأنْ يُباعَ بخِلافِ العَينِ؛ لأنَّ الصُّورةَ مَطلوبةٌ فيها، ولا يُمكِنُ تَحصيلُها مِنْ شَيءٍ آخَرَ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فتَعدَّدَ تَعريفُهم لِلرَّهنِ، فقالوا: الرَّهنُ بَذلُ مَنْ له البَيعُ ما يُباعُ، أو غَررًا ولو اشتَرَط في العَقدِ وَثيقةً بحَقٍّ. يَعني أنَّ الرَّهنَ إعطاءُ مَنْ فيه أهليَّةُ البَيعِ شَيئًا يَصحُّ بَيعُه، إلا أنَّ الشَّرعَ أجازَ هنا رَهنَ الغَرَرِ، كالآبِقِ والبَعيرِ الشَّارِدِ ونَحوِهما، ولو شرَط رَهنَ الغَرَرِ في عَقدِ الرَّهنِ صَحَّ؛ لأنَّ لِلمُرتَهَنِ أنْ يَدفَعَ مالَه بغَيرِ وَثيقةٍ، فساغَ أخْذُه لِما فيه غَرَرٌ؛ لأنَّه شَيءٌ في الجُملةِ، وهو خَيرٌ مِنْ لا شَيءَ، فيُغتَفَرُ في الرَّهنِ ما لا يُغتَفَرُ في البَيعِ، ويَكونُ الرَّهنُ وَثيقةً عندَ المُرتَهَنِ على حَقِّه الثابِتِ في ذِمَّةِ الراهِنِ، فله حَبْسُه إلى أنْ يَستوفيَ حَقَّه منه، أو مِنْ مَنافِعِه (٢). وقيلَ: الرَّهنُ شَيءٌ مُتمَوَّلٌ أُخِذَ مِنْ مالِكِه تَوثُّقًا به، في دَينٍ لازِمٍ مِنْ بَيعٍ أو قَرضٍ أو قيمةِ مُتلَفٍ أو دَينٍ صائِرٍ إلى اللُّزومِ، كأخْذِ رَهنٍ مِنْ صانِعٍ أو مُستَعيرٍ؛ خَوفًا مِنَ ادِّعاءِ ضَياعٍ؛ فيَكونُ الرَّهنُ في القيمةِ (٣).

стр. 4165

وعرَّفه الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ بأنَّه: جَعلُ عَينٍ ماليَّةٍ وَثيقةً بدَينٍ يُستَوفَى منها أو مِنْ ثَمَنِها إذا تَعذَّرَ الوَفاءُ ممَّن هو عليه (١). حُكمُ الرَّهنِ: الرَّهنُ جائِزٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأُمَّةِ: أَمَّا مِنَ الكِتَابِ: فَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: إنْ كُنْتُمْ مُسافِرينَ ولَم تَجِدوا كاتِبًا فارتَهِنوا رِهانًا مَقبوضةً وَثيقةً بأموالِكم. وأمَّا مِنَ السُّنَّةِ: فمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إلى أجَلٍ وَرهَنهُ دِرْعَهُ» (٢). وعن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «الظَّهرُ يُرْكَبُ بِنفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، وعَلَى الذي يَرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (٣). وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (٤).

стр. 4166

وأمَّا مِنَ الإجماعِ فقد أجمَعَ فُقهاءُ الإسلامِ على جَوازِ الرَّهنِ في السَّفَرِ والحَضَرِ. قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الرَّهنَ في السَّفَرِ والحَضَرِ جائِزٌ، وانفَرَد مُجاهِدٌ فقال: لا يَجوزُ في الحَضَرِ (١). وقال أيضًا: فالرَّهنُ جائِزٌ بكِتابِ اللهِ في السَّفَرِ، وهو جائِزٌ في الحَضَرِ بالسُّنَّةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد رهَن دِرعَه بالمَدينةِ وهو حاضِرٌ غيرُ مُسافِرٍ … وقد يُبيحُ اللهُ الشَّيءَ في كِتابِه بشَرطٍ ثم يُبيحُ ذلك الشَّيءَ بغَيرِ ذلك الشَّرطِ على لِسانِ نَبيِّه ﷺ ، فالرَّهنُ جائِزٌ في السَّفَرِ بالكِتابِ وفي الحَضَرِ بالسُّنَّةِ، وبه قال عامَّةُ العُلماءِ (٢). وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على جَوازِ الرَّهنِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ (٣).

стр. 4167

ولأنَّ ما شُرِعَ له الرَّهنُ -وهو الحاجةُ إلى تَوثيقِ الدَّيْنِ- يُوجَدُ في الحالتَيْنِ -السَّفَرِ والحَضَرِ-، وهو الرَّهنُ عن هَلاكِ الحَقِّ بالجُحودِ والإنكارِ وتَذكُّرِه عندَ السَّهوِ والنِّسيانِ، والنَّصُّ على السَّفَرِ في كِتابِ اللهِ تَعالَى ليس لِتَخصيصِ الجَوازِ، بل هو إخراجُ الكَلامِ مَخرَجَ الغالِبِ؛ لِكَونِ الكاتِبِ يُعدَمُ في السَّفَرِ في الأغلَبِ، ولِهذا لَم يُشترَطْ عَدَمُ الكاتِبِ، وهو مَذكورٌ معه أيضًا. ولأنَّها وَثيقةٌ تَجوزُ سَفَرًا جازَتْ حَضَرًا كالضَّمينِ؛ ولأنَّ كلَّ حالةٍ جازَ فيها الضَّمينُ جازَ فيها الرَّهنُ، كالسَّفَرِ، فأمَّا الآيةُ فإنَّما ذُكِرَ فيها السَّفَرُ لِتَعذُّرِ الشَّهادةِ فيه في الأغلَبِ، لا لأنَّه شَرطٌ فيه. وبُعِثَ النَّبيُّ ﷺ والناسُ يَتعامَلونَ به، فأقَرَّهم عليه، وعليه الإجماعُ (١). الرَّهنُ غيرُ واجِبٍ: قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والرَّهنُ غيرُ واجِبٍ، لا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه وَثيقةُ بالدَّينِ فلَم يَجِبْ كالضَّمانِ والكَفالةِ، وقَولُ اللهِ تَعالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] إرشادٌ لَنا، لا إيجابٌ علينا، بدَليلِ قَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ولأنَّه أمَرَ به عندَ إعوازِ الكِتابةِ، والكِتابةُ غيرُ واجِبةٍ، فكذلك بَدَلُها (٢).

стр. 4168

مَحاسِنُ الرَّهنِ: ومِن مَحاسِنِ الرَّهنِ أنَّ فيه النَّظَرَ مِنَ الجانبَيْنِ: مِنْ جانِبِ الراهِنِ، ومِن جانِبِ المُرتَهَنِ: أمَّا مِنْ جانِبِ الراهِنِ: فإنَّ المُرتَهَنَ قد يَكونُ لَدودَ الخِصامِ فرُبَّما يَزيدُ في تَشدُّدِه بحيثُ لا يَدَعُ الراهِنَ يَقتاتُ، فاللهُ تَعالَى رَحِمَه وشَرَع الرَّهنَ لِيَسهُلَ أمرُه ويَنفَسِحَ به صَدرُه إلى أنْ يَقدِرَ على تَحصيلِ ما يُؤدِّي به دَينَه في فَسْخِه، ويَصونُ به عِرضَه في مُهلَتِه. وأمَّا جانِبُ المُرتَهَنِ: فإنَّ دَينَه على عُرضةِ الهَلاكِ والتَّلَفِ؛ لِما عَسى أنْ يُذهِبَ الراهِنُ مالَه بالتَّبذيرِ والسَّرَفِ، أو يَقومَ له غُرماءُ يَستَوفونَ له، أو يَجحَدَ وليس لِلمُرتَهَنِ بَيِّنةٌ، أو يَموتَ مُفلِسًا بغَيرِ كَفالةٍ مُتعَيَّنةٍ، فنَظَر الشارِعُ لِلمُرتَهَنِ فشَرَع الرَّهنَ لِيَصِلَ إلى دَينِه بآكَدِ الأمورِ وأوثَقِ الأشياءِ حتى لو لَم يُقِرَّ بدَينِه كان فائِزًا بما يُعادِلُه مِنْ رَهنِه (١). وقال المَوصِلِيُّ ﵀: شُرِعَ الرَّهنُ وَثيقةً لِلاستِيفاءِ لِيَضجَرَ الراهِنُ بحَبسِ عَينِه، فيُسارِعَ إلى إيفاءِ الدَّينِ لِيَفتَكَّها فيَنتفِعَ بها ويَصِلَ المُرتَهَنُ إلى حَقِّه (٢).

стр. 4169

أركانُ الرَّهنِ: اختَلَف الفُقهاءُ في أركانِ الرَّهنِ، فقال المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ: إنَّ لِلرَّهنِ أربَعةُ أركانٍ: الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ: وهي الإيجابُ والقَبولُ. الثاني: العاقِدُ: مِنْ راهِنٍ ومُرتَهَنٍ. والثالِثُ: المَرهونُ: وهو المالُ المَبذولُ. والرابعُ: المَرهونُ به -أي: فيه-، وهو الدَّينُ المَذكورُ. وقال الحَنفيَّةُ: الرُّكنُ هو الإيجابُ والقَبولُ، كسائِرِ العُقودِ، وأمَّا غَيرُه فهو مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الرَّهنِ. وأمَّا الحَنابِلةُ فجَعَلوا لِلرَّهنِ سَبعةَ شُروطٍ، هي شُروطٌ لِلأركانِ الأربعةِ التي ذَكَرها المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ.

стр. 4170

الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصِّيغةَ -وهي الإيجابُ والقَبولُ- رُكنٌ مِنْ أركانِ الرَّهنِ، وهي: أنْ يَقولَ الراهِنُ: «رَهَنتُكَ هذا الشَّيءَ بما لَكَ علَيَّ مِنَ الدَّينِ»، أو يَقولَ: «هذا الشَّيءُ رَهنٌ بدَينِكَ»، وما يَجري هذا المَجرى، ويَقولَ المُرتَهَنُ: «ارتَهَنتُ»، أو: «قَبِلتُ»، أو: «رَضيتُ»، وما يَجري مَجراه. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل يَنعَقِدُ بالمُعاطاةِ أو لا؟ فقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ (١) والحَنابِلةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ: إنَّ الرَّهنَ يَصحُّ بالمُعاطاةِ، ولا يُشترَطُ لَفظُ الرَّهنِ. قال الحَنفيَّةُ: فأمَّا لَفظُ الرَّهنِ فليس بشَرطٍ حتى لو اشتَرى شَيئًا بدَراهِمَ ودَفَعَ إلى البائِعِ ثَوبًا وقال له: أمسِكْ هذا الثَّوبَ حتى أُعطيَكَ الثَّمَنَ، فالثَّوبُ رَهنٌ؛ لأنَّه أتى بمَعنى العَقدِ، والعِبرةُ في بابِ العُقودِ بالمَعاني. وقالوا: يُشترَطُ في الرَّهنِ ألَّا يَكونَ مُعلَّقًا بشَرطٍ ولا مُضافًا إلى وَقتٍ؛ لأنَّ في الرَّهنِ والارتِهانِ مَعنى الإيفاءِ والاستِيفاءِ، فيُشبِهُ البَيعَ ولا يَحتمِلُ التَّعليقَ بشَرطٍ والإضافةَ إلى وَقتٍ، كذا هذا (٢).
следующие страницы →