وأمَّا مِنَ الإجماعِ فقد أجمَعَ فُقهاءُ الإسلامِ على جَوازِ الرَّهنِ في السَّفَرِ والحَضَرِ.
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الرَّهنَ في السَّفَرِ والحَضَرِ جائِزٌ، وانفَرَد مُجاهِدٌ فقال: لا يَجوزُ في الحَضَرِ (١).
وقال أيضًا: فالرَّهنُ جائِزٌ بكِتابِ اللهِ في السَّفَرِ، وهو جائِزٌ في الحَضَرِ بالسُّنَّةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد رهَن دِرعَه بالمَدينةِ وهو حاضِرٌ غيرُ مُسافِرٍ … وقد يُبيحُ اللهُ الشَّيءَ في كِتابِه بشَرطٍ ثم يُبيحُ ذلك الشَّيءَ بغَيرِ ذلك الشَّرطِ على لِسانِ نَبيِّه ﷺ ، فالرَّهنُ جائِزٌ في السَّفَرِ بالكِتابِ وفي الحَضَرِ بالسُّنَّةِ، وبه قال عامَّةُ العُلماءِ (٢).
وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على جَوازِ الرَّهنِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ (٣).
стр. 4167
ولأنَّ ما شُرِعَ له الرَّهنُ -وهو الحاجةُ إلى تَوثيقِ الدَّيْنِ- يُوجَدُ في الحالتَيْنِ -السَّفَرِ والحَضَرِ-، وهو الرَّهنُ عن هَلاكِ الحَقِّ بالجُحودِ والإنكارِ وتَذكُّرِه عندَ السَّهوِ والنِّسيانِ، والنَّصُّ على السَّفَرِ في كِتابِ اللهِ تَعالَى ليس لِتَخصيصِ الجَوازِ، بل هو إخراجُ الكَلامِ مَخرَجَ الغالِبِ؛ لِكَونِ الكاتِبِ يُعدَمُ في السَّفَرِ في الأغلَبِ، ولِهذا لَم يُشترَطْ عَدَمُ الكاتِبِ، وهو مَذكورٌ معه أيضًا.
ولأنَّها وَثيقةٌ تَجوزُ سَفَرًا جازَتْ حَضَرًا كالضَّمينِ؛ ولأنَّ كلَّ حالةٍ جازَ فيها الضَّمينُ جازَ فيها الرَّهنُ، كالسَّفَرِ، فأمَّا الآيةُ فإنَّما ذُكِرَ فيها السَّفَرُ لِتَعذُّرِ الشَّهادةِ فيه في الأغلَبِ، لا لأنَّه شَرطٌ فيه.
وبُعِثَ النَّبيُّ ﷺ والناسُ يَتعامَلونَ به، فأقَرَّهم عليه، وعليه الإجماعُ (١).
الرَّهنُ غيرُ واجِبٍ:
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والرَّهنُ غيرُ واجِبٍ، لا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه وَثيقةُ بالدَّينِ فلَم يَجِبْ كالضَّمانِ والكَفالةِ، وقَولُ اللهِ تَعالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] إرشادٌ لَنا، لا إيجابٌ علينا، بدَليلِ قَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ولأنَّه أمَرَ به عندَ إعوازِ الكِتابةِ، والكِتابةُ غيرُ واجِبةٍ، فكذلك بَدَلُها (٢).
стр. 4168
مَحاسِنُ الرَّهنِ:
ومِن مَحاسِنِ الرَّهنِ أنَّ فيه النَّظَرَ مِنَ الجانبَيْنِ: مِنْ جانِبِ الراهِنِ، ومِن جانِبِ المُرتَهَنِ:
أمَّا مِنْ جانِبِ الراهِنِ: فإنَّ المُرتَهَنَ قد يَكونُ لَدودَ الخِصامِ فرُبَّما يَزيدُ في تَشدُّدِه بحيثُ لا يَدَعُ الراهِنَ يَقتاتُ، فاللهُ تَعالَى رَحِمَه وشَرَع الرَّهنَ لِيَسهُلَ أمرُه ويَنفَسِحَ به صَدرُه إلى أنْ يَقدِرَ على تَحصيلِ ما يُؤدِّي به دَينَه في فَسْخِه، ويَصونُ به عِرضَه في مُهلَتِه.
وأمَّا جانِبُ المُرتَهَنِ: فإنَّ دَينَه على عُرضةِ الهَلاكِ والتَّلَفِ؛ لِما عَسى أنْ يُذهِبَ الراهِنُ مالَه بالتَّبذيرِ والسَّرَفِ، أو يَقومَ له غُرماءُ يَستَوفونَ له، أو يَجحَدَ وليس لِلمُرتَهَنِ بَيِّنةٌ، أو يَموتَ مُفلِسًا بغَيرِ كَفالةٍ مُتعَيَّنةٍ، فنَظَر الشارِعُ لِلمُرتَهَنِ فشَرَع الرَّهنَ لِيَصِلَ إلى دَينِه بآكَدِ الأمورِ وأوثَقِ الأشياءِ حتى لو لَم يُقِرَّ بدَينِه كان فائِزًا بما يُعادِلُه مِنْ رَهنِه (١).
وقال المَوصِلِيُّ ﵀: شُرِعَ الرَّهنُ وَثيقةً لِلاستِيفاءِ لِيَضجَرَ الراهِنُ بحَبسِ عَينِه، فيُسارِعَ إلى إيفاءِ الدَّينِ لِيَفتَكَّها فيَنتفِعَ بها ويَصِلَ المُرتَهَنُ إلى حَقِّه (٢).
стр. 4169
أركانُ الرَّهنِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في أركانِ الرَّهنِ، فقال المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ: إنَّ لِلرَّهنِ أربَعةُ أركانٍ:
الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ: وهي الإيجابُ والقَبولُ.
الثاني: العاقِدُ: مِنْ راهِنٍ ومُرتَهَنٍ.
والثالِثُ: المَرهونُ: وهو المالُ المَبذولُ.
والرابعُ: المَرهونُ به -أي: فيه-، وهو الدَّينُ المَذكورُ.
وقال الحَنفيَّةُ: الرُّكنُ هو الإيجابُ والقَبولُ، كسائِرِ العُقودِ، وأمَّا غَيرُه فهو مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الرَّهنِ.
وأمَّا الحَنابِلةُ فجَعَلوا لِلرَّهنِ سَبعةَ شُروطٍ، هي شُروطٌ لِلأركانِ الأربعةِ التي ذَكَرها المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ.
стр. 4170
الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصِّيغةَ -وهي الإيجابُ والقَبولُ- رُكنٌ مِنْ أركانِ الرَّهنِ، وهي: أنْ يَقولَ الراهِنُ: «رَهَنتُكَ هذا الشَّيءَ بما لَكَ علَيَّ مِنَ الدَّينِ»، أو يَقولَ: «هذا الشَّيءُ رَهنٌ بدَينِكَ»، وما يَجري هذا المَجرى، ويَقولَ المُرتَهَنُ: «ارتَهَنتُ»، أو: «قَبِلتُ»، أو: «رَضيتُ»، وما يَجري مَجراه.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل يَنعَقِدُ بالمُعاطاةِ أو لا؟
فقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ (١) والحَنابِلةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ: إنَّ الرَّهنَ يَصحُّ بالمُعاطاةِ، ولا يُشترَطُ لَفظُ الرَّهنِ.
قال الحَنفيَّةُ: فأمَّا لَفظُ الرَّهنِ فليس بشَرطٍ حتى لو اشتَرى شَيئًا بدَراهِمَ ودَفَعَ إلى البائِعِ ثَوبًا وقال له: أمسِكْ هذا الثَّوبَ حتى أُعطيَكَ الثَّمَنَ، فالثَّوبُ رَهنٌ؛ لأنَّه أتى بمَعنى العَقدِ، والعِبرةُ في بابِ العُقودِ بالمَعاني.
وقالوا: يُشترَطُ في الرَّهنِ ألَّا يَكونَ مُعلَّقًا بشَرطٍ ولا مُضافًا إلى وَقتٍ؛ لأنَّ في الرَّهنِ والارتِهانِ مَعنى الإيفاءِ والاستِيفاءِ، فيُشبِهُ البَيعَ ولا يَحتمِلُ التَّعليقَ بشَرطٍ والإضافةَ إلى وَقتٍ، كذا هذا (٢).
стр. 4171
وقال الحَنابِلةُ: ولا يَصحُّ الرَّهنُ إلا بالإيجابِ والقَبولِ أو ما يَدلُّ عليهما مِنَ الراهِنِ والمُرتَهَنِ، كسائِرِ العُقودِ، ويَنعَقِدُ بالمُعاطاةِ كالبَيعِ (١).
وصُورةُ المُعاطاةِ عندَ الشافِعيَّةِ هنا أنْ يَقولَ له: «أقرِضْني عَشَرةً لِأُعطيَكَ ثَوبي هذا رَهنًا»، فيُعطي العَشَرةَ ويُقبِضُه الثَّوبَ (٢).
وقال الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وابنُ القاسِمِ مِنَ المالِكيَّةِ: لا يَصحُّ الرَّهنُ بالمُعاطاةِ؛ بل لا بُدَّ مِنَ الصِّيغةِ كما سبَق في البَيعِ.
قال الشافِعيَّة في المَذهبِ: وشَرطُ الصِّيغةِ: الإيجابُ والقَبولُ: وهُما كلُّ كَلامٍ يَدلُّ على الرَّهنِ والقَبولِ به مِنَ الراهِنِ والمُرتَهَنِ، كأنِ يَقولَ الراهِنُ: «رَهَنتُكَ داري هذه بما لَكَ علَيَّ مِنَ الدَّينِ»، أو: «خُذْ هذا -لِسِلعةٍ في يَدِه- رَهنًا بثَمَنِ هذا -لِشَيءٍ اشتَراه-»، فيَقولَ صاحِبُ الدَّينِ في الحالتَيْنِ: «قَبِلتُ»، أو: «ارتَهَنتُ»، ونَحوَ ذلك.
والأصلُ في اشتِراطِ الصِّيغةِ في الرَّهنِ -وغَيرِه مِنَ العُقودِ- أنَّه عَقدٌ فيه تَبادُلٌ ماليٌّ، فيُشترَطُ فيه الرِّضا؛ لأنَّه لا يَحِلُّ مالُ امرِئٍ إلا عن طِيبِ نَفْسٍ منه، والرِّضا أمرٌ خَفيٌّ، فيُكتَفى بما يَدلُّ عليه، وهو اللَّفظُ مِنَ المتعاقِدَيْنِ.
وأمَّا الأخرَسُ: فيُكتَفى منه بإشارَتِه المَعهودةِ المُفهِمةِ رِضاه بالرَّهنِ،
стр. 4172
أو الارتِهانِ، وتَقومُ مَقامَ نُطقِه لِلضَّرورةِ؛ لأنَّها تَدُلُّ على ما في نَفْسِه مِنَ الرِّضا أو عَدَمِه، وكذلك كِتابَتُه فيما إذا كان يُحسِنُ الكِتابةَ.
ويُشترَطُ في الصِّيغةِ ما مَرَّ في البَيعِ، وذلك لأنَّه عَقدٌ ماليٌّ، وهو مِثلُ البَيعِ.
ويُشترَطُ اتِّصالُ اللَّفظَيْنِ، والمُرادُ باتِّصالِهما عَدَمُ تَخلُّلِ كَلامٍ أجنَبيٍّ، أو سُكوتٍ طَويلٍ بَينَهما، والمُرادُ باللَّفظَيْنِ الإيجابُ والقَبولُ، وهُما طَرَفا الصِّيغةِ، ويُشترَطُ تَوافُقُهما مَعنًى، فلو اختَلَفا فيه -كأنْ قال: «رَهَنتُكَ هذا بألِفٍ»، فقَبِلَ بخَمسِمِئةٍ، أو قال: «رَهَنتُكَ هذَيْنِ»، فقَبِلَ أحَدَهما- لَم يَصحَّ (١).
ويُشترَطُ أيضًا ما مَرَّ في البَيعِ مِنْ عَدَمِ التَّعليقِ وعَدَمِ التَّأقيتِ، فعَدَمُ التَّعليقِ كقَولِ الراهِنِ: «إذا حَضَر أبي إلى البَيتِ رَهَنتُكَ دابَّتِي -مَثَلًا- بما لَكَ علَيَّ مِنَ الدَّينِ».
وعَدَمُ التَّأقيتِ كقَولِ الراهِنِ: «رَهَنتُكَ هذه الأرضَ أو الدابَّةَ مُدَّةَ سَنةٍ على أنَّه إذا مَضَتِ السَّنةُ خَرَجتْ مِنَ الرَّهنِ، أو فهي مَبيعةٌ لَكَ بالحَقِّ».
فإنْ علَّق عَقدَ الرَّهنِ على شَرطٍ أو أُضيفَ إلى وَقتٍ فَسَد عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّ في الرَّهنِ والارتِهانِ مَعنى الإيفاءِ والاستِيفاءِ، فيُشبِهُ البَيعَ، وهو لا يَحتمِلُ التَّعليقَ بشَرطٍ والإضافةَ إلى وَقتٍ، كذا هذا.
ويَبطُلُ العَقدُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، كالبَيعِ.
стр. 4173
وقد تَقدَّم في أركانِ البَيعِ هذا الخِلافُ بالتَّفصيلِ.
الشُّروطُ في عَقدِ الرَّهنِ:
الشُّروطُ في عَقدِ الرَّهنِ؛ إمَّا أنْ تَكونَ شُروطًا مُعتبَرةً مِنْ مُقتَضى عَقدِ الرَّهنِ، أو تَكونَ مُخِلَّةً بعَقدِ الرَّهنِ، وهي على التَّفصيلِ الآتي:
قال الحَنفيَّةُ: يَجوزُ لِلراهِنِ والمُرتَهَنِ أنْ يَشترِطا في العَقدِ وَضعَ الرَّهنِ عندَ عَدلٍ، وأنْ يَتَّفِقا على ذلك بعدَ العَقدِ، فإنِ رَضيَ العَدلُ صارَتْ يَدُه كيَدِ المُرتَهَنِ.
ويَصحُّ تَوكيلُ الراهِنِ المُرتَهَنَ ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ لِاستِيفاءِ دَينِه مِنْ ثَمَنِه، وكذا يَصحُّ تَوكيلُ الراهِنِ العَدلِ أو غَيرِه بالبَيعِ؛ لِإيفاءِ الدَّينِ.
وإذا وَكَّلَ الراهِنُ العَدلَ أو المُرتَهَنَ ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ فلا يَنعزِلُ بالعَزلِ، ولا بمَوتِ المُوكِّلِ وجُنونِه؛ كالوَكيلِ بالأمرِ باليَدِ، والوَكيلِ ببَيعِ الوَفاءِ لا يَنعزِلانِ بمَوتِ المُوكِّلِ، بخِلافِ الوَكيلِ بالخُصومةِ أو الطَّلاقِ.
ولا يَصحُّ اشتِراطُ تَمليكِ العَينِ المَرهونةِ لِلمُرتَهَنِ في مُقابَلةِ دَينِه إنْ لَم يُؤدِّه الراهِنُ في الأجَلِ المُعيَّنِ لِأدائِه، بل يَصحُّ الرَّهنُ ويَبطُلُ الشَّرطُ، فإذا قال الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ: «إنْ جِئتُكَ بحَقِّكَ إلى وَقتِ كذا وإلا فهو لَكَ بدَينِكَ، أو بِعْ بحَقِّكَ»، لَم يَجُزْ، وهو رَهنٌ على حالِه؛ لأنَّ هذا تَعليقُ التَّمليكِ بالشَّرطِ، وهو لا يَتعلَّقُ بالشَّرطِ، كما أنَّه يُشترَطُ في الرَّهنِ ألا يَكونَ مُعلَّقًا على شَرطٍ أو مُؤقَّتًا بوَقتٍ، كما سَبَق (١).
стр. 4174
وقال المالِكيَّةُ: إذا شَرَط الراهِنُ في الرَّهنِ شَرطًا يُنافي ما يَقتَضيه العَقدُ ويُغيِّرُ مُوجِبَه فإنَّه لا يَجوزُ ويَفسُدُ الرَّهنُ بسَبَبِ ذلك الشَّرطِ، ولو أسقَطَ الشَّرطَ؛ إذِ القاعِدةُ أنَّ كلَّ عَقدٍ شُرِطَ فيه شَرطٌ مُنافٍ لِما يَقتَضيه مُفسِدٌ له، كما إذا شَرَط ألَّا يَقبِضَه المُرتَهَنُ، أو ألَّا يُباعَ عندَ الأجَلِ في الحَقِّ الذي رُهِنَ فيه، أو شَرَط الراهِنُ أجَلًا مُعيَّنًا وبَعدَه لا يَكونُ رَهنًا، أو لا يَكونُ الوَلَدُ رَهنًا مع أُمِّه فإنَّه يَبطُلُ حُكمُه؛ لأنَّ عَقدَ الرَّهنِ يَقتَضي أنَّه يُباعُ إذا لَم يُوَفِّ الراهِنُ الدَّينَ، ويُقبَضُ عندَ المُرتَهَنِ، أو عندَ أمينٍ، فإنْ شَرَط خِلافَ ذلك كان مُناقِضًا ورافِعًا لِلحَقيقةِ.
ولو وَقَع الشَّرطُ المُنافي بعدَ العَقدِ لا يُعتبَرُ، بل هو لَاغٍ والرَّهنُ صَحيحٌ.
وكذا يَبطُلُ الرَّهنُ إذا جعَله في بَيعٍ فاسِدٍ أو قَرضٍ فاسِدٍ ودَفَعَه المُشتَري -الراهِنُ- ظانًّا أنَّه يَلزَمُه الوَفاءُ به، أو لَم يَظُنَّ اللُّزومَ؛ فإنَّه يَكونُ الرَّهنُ فاسِدًا، ويَستَرِدُّه الراهِنُ، كمَن ظَنَّ أنَّ عليه دَينًا فدَفَعَه لِصاحِبِه، ثم تَبيَّنَ أنَّه لا دَينَ عليه، فإنَّه يَسترِدُّه ممَّن أخَذَه.
مِثالُ الفاسِد مِنَ البَيعِ: البَيعُ الواقِعُ وَقتَ نِداءِ الجُمُعةِ أو لِأجَلٍ مَجهولٍ، والقَرضُ الفاسِدُ كدَفعِ عَفِنٍ في جَيِّدٍ (١).
стр. 4175
وقال الشافِعيَّةُ: الشَّرطُ في الرَّهنِ على أربعةِ أضرُبٍ:
أحَدُها: ما كان مِنْ مُوجِباتِه: مِثلَ اشتِراطِ سُقوطِ ضَمانِه عن مُرتَهَنِه وتَمليكِ مَنافِعِه لِراهِنِه وبَيعِه عندَ حُلولِ أجَلِه وقَضاءِ الحَقِّ مِنْ ثَمَنِه عندَ تَعذُّرِ قَبضِه، وهذه وما بَيَّنَّا كلُّها مِنْ مُوجِباتِ الرَّهنِ لو لَم يَشتَرطْها لَوَجَبتْ، وإذا اشتَرَطَها تَأكَّدتْ.
والثاني: ما كان مِنْ جائِزاتِه: مِثلَ اشتِراطِ وَضعِه على يَدِ عَدلٍ يَرضَيانِ به، والتَّوكيلِ في بَيعِه نيابةً لِراهِنِه ومُرتَهَنِه، فإنْ شَرَط هذا مع العَقدِ أو بَعدَه صَحَّ العَقدُ وجازَ الشَّرطُ، وإنْ أخَلَّا بتَعيينِه وبالشَّرطِ صَحَّ العَقدُ وسَقَط الشَّرطُ، فأمَّا حُلولُ الرَّهنِ وتأجيلُه فليس مِنْ جائِزاتِ الرَّهنِ، وإنَّما هو مِنْ مُوجِباتِ الدَّينِ، لا عَقدِ الرَّهنِ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ بحَسَبِ الدَّينِ مِنْ حُلولِه وتأجيلِه، فإنْ كان الدَّينُ حالًّا وجَب أنْ يَكونَ عَقدُ الرَّهنِ حالًّا، فإنْ عُقِدَ مُؤجَّلًا بطَل؛ لأنَّ الرَّهنَ مما أمكَنَ استِيفاءُ الدَّينِ منه عندَ استِحقاقِه، وإنْ كان الدَّينُ مُؤجَّلًا وجَب أنْ يَكونَ عَقدُ الرَّهنِ مُؤجَّلًا، فإنْ عَقَدَه حالًّا بطَل؛ لأنَّ الرَّهنَ ما أمكَنَ استِدامةُ التَّوثُّقِ إلى حُلولِ الدَّينِ، فلذلك وَجَب أنْ يَكونَ حُلولُ الرَّهنِ وتأجيلُه على حَسَبِ الدَّينِ وتأجيلِه.
والضَّربُ الثالِثُ منها هو ما كان مِنْ مَمنوعاتِه الناقِصةِ: مِثلَ اشتِراطِ تأخيرِ بَيعِه شَهرًا بعدَ حُلولِ أجَلِه، أو يُمتنَعُ مِنْ بَيعِه عندَ حُلولِه إلا باختيارِ راهِنِه، أو يُباعُ بيَمينٍ عندَ استِحقاقِ بَيعِه، فإذا بِيعَ لَم يُستَوْفَ جَميعُ الحَقِّ مِنْ ثَمَنِه، فهذه وما شابَهَها كلُّها شُروطٌ يَمنَعُ الرَّهنُ منها، وهي شُروطٌ
стр. 4176
ناقِصةٌ، فكانتْ باطِلةً لِمُنافاتِها مُقتَضى العَقدِ، وكان الرَّهنُ باطِلًا؛ لأنَّها تَمنَعُ مِنْ مُوجِبِ الرَّهنِ، وإذا بطَل الرَّهنُ بها فإنْ كان الرَّهنُ مَشروطًا في البَيعِ فهل يَبطُلُ أو لا؟ على قَولَيْنِ:
أحَدُهما: يَبطُلُ البَيعُ ببُطلانِه؛ لأنَّ الرَّهنَ في مُقابَلةِ جُزءٍ مِنَ الثَّمنِ، بدَليلِ أنَّ الثَّمَنَ في العُرفِ يَزيدُ بعَدَمِه ويَنقُصُ باشتِراطِه، كالخيارِ والأجَلِ، وإذا بطَل الرَّهنُ بطَل مِنَ الثَّمَنِ ما قابَلَه، وذلك مَجهولٌ ويُؤدِّي إلى جَهالةِ بَقيَّةِ الثَّمَنِ، والثَّمَنُ المَجهولُ يُبطِلُ صِحَّةَ البَيعِ.
والقَولُ الآخَرُ: أنَّ البَيعَ جائِزٌ والمُرتَهَنَ بالخيارِ بينَ إمضاءِ البَيعِ وفَسخِه، وإنَّما كان البَيعُ جائِزًا وإنْ بطَل الرَّهنُ لأنَّ الرَّهنَ عَقدٌ يَصحُّ إفرادُه عن البَيعِ، فإذا اقتَرَنَ به وَجَب أنْ يَختَصَّ بحُكمِه، فلا يَكونُ فَسادُه مُوجِبًا لِفَسادِ البَيعِ المُقتَرِنِ به، كالصَّداقِ الذي لمَّا صَحَّ أنْ يَكونَ مُفرَدًا عن النِّكاحِ لَم يَكُنْ بُطلانُه مُبطِلًا لِلنِّكاحِ، وبهذا فارَقَ الخيارَ والأجَلَ اللذَيْنِ لمَّا لَم يُمكِنْ إفرادُهما عن العَقدِ كان بُطلانُهما مُبطِلًا لِلعَقدِ، وقال أبو إسحاقَ: لا يَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّهنَ في مُقابَلةِ جُزءٍ مِنَ الثَّمَنِ؛ لِجَوازِ اشتِراطِه في القَرضِ الذي لا يَجوزُ الزِّيادةُ عليه بشَرطٍ.
وأمَّا الضَّربُ الرابعُ منها فما كان مِنْ مَمنوعاتِه الزائِدةِ، على ثَلاثةِ أضرُبٍ:
أحَدُها: أنْ تَكونَ زيادةَ صِفةٍ في الحُكمِ: مِثلَ أنْ يَشترِطَ المُرتَهَنُ في العَقدِ بَيعَ الرَّهنِ متى شاءَ، أو يَشترِطَ بَيعَه بأيِّ ثَمَنٍ شاءَ، فهذا وما شابَهَه كلُّه شُروطٌ زائِدةٌ على مُقتَضى الرَّهنِ، فكانتْ باطِلةً؛ لِمُنافاتِها مُقتَضى العَقدِ،
стр. 4177
وهل يَبطُلُ العَقدُ ببُطلانِها أو لا؟ على قَولَيْنِ: أحَدُهما: قد بطَل لِشَرطِ ما يُنافيه، وإنْ كانت شُروطًا زائِدةً، كما يَبطُلُ باشتِراطِ ما يُنافيه مِنَ الشُّروطِ الناقِصةِ، والفَرقُ بَينَهما أنَّ الشُّروطَ الناقِصةَ تَمنَعُ بَعضَ مُوجِباتِ الرَّهنِ، فكانتْ مُبطِلةً، والشُّروطُ الزائِدةُ قد استُوفيَ معها مُوجِباتُ الرَّهنِ فلَم تُبطِلْه.
والضَّربُ الثاني: زيادةٌ وَثيقةٌ في الرَّهنِ: مِثلَ أنْ يَرهَنَه نَخلًا على أنَّ ما أثمَرَتْ كان رَهنًا معها، أو أنْ يَرهَنَه ماشيةً على أنَّ ما أنتَجَتْ كان رَهنًا معها، أو أنْ يَرهَنَه دارًا على أنَّ ما استُغِلَّ مِنْ أُجرَتِها كان رَهنًا معها، فهذا وما يُشابِهُه كلُّه مِنَ الشُّروطِ الزائِدةِ في وَثيقةِ الرَّهنِ، وفيها قَولانِ:
أحَدُهما: قاله في القَديمِ: إنَّها لَازِمةٌ، وعَقدُ الرَّهنِ باشتِراطِها صَحيحٌ، وتَدخُلُ في الرَّهنِ تَبَعًا له.
والقَولُ الآخَرُ: إنَّها باطِلةٌ، وهو الصَّحيحُ؛ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: غُرمُه وَقتَ عَقدِه، والآخَرُ: جَهالةُ قَدْرِه؛ فعلى هذا في بُطلانِ الرَّهنِ ببُطلانِ هذا الشَّرطِ قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ الرَّهنَ باطِلٌ ببُطلانِ هذا الشَّرطِ، فعلى هذا في بُطلانِ البَيعِ قَولانِ، والآخَرُ: أنَّ الرَّهنَ جائِزٌ، وإنْ بطَل هذا الشَّرطُ، فعلى هذا البَيعُ أشَدُّ جَوازًا، والبائِعُ فيه مُخَيَّرٌ بينَ إمضائِه وفَسخِه؛ لِبُطلانِ الشَّرطِ في إرهانِ الحادِثِ.
والضَّربُ الثالِثُ: زيادةُ تَمليكٍ في الرَّهنِ: مِثلَ أنْ يَرهَنَ نَخلًا على أنَّ لِلمُرتَهَنِ ثَمَرتُها، أو أنْ يَرهَنَ ماشيةً على أنَّ لَه نِتاجَها، أو أنْ يَرهَنَ دارًا على أنَّ له سُكناها، أو أنْ يَرهَنَ دابَّةً على أنَّ له رُكوبَها، فهذا وما شابَهَه كلُّه مِنَ الشُّروطِ الزائِدةِ في تَملُّكِه مِنَ الرَّهنِ إذا كانت مُشتَرَطةً في رَهنٍ لَم يَخْلُ ذلك
стр. 4178
الرَّهنُ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ يَكونَ مأخوذًا مِنْ دَينٍ، وإمَّا أنْ يَكونَ مَشروطًا في بَيعِ، فإنْ كان الرَّهنُ مأخوذًا في بَيعٍ كانت هذه الشُّروطُ كلُّها باطِلةً؛ لأنَّها تَمليكُ أعيانٍ ومَنافِعَ بعَقدٍ لا يُوجِبُها مِنْ غيرِ عِوَضٍ يُقابِلُها، وإذا بَطَلتِ الشُّروطُ ففي بُطلانِ الرَّهنِ قَولانِ؛ لأنَّها شُروطٌ زائِدةٌ، وإنْ كان الرَّهنُ مَشروطًا في بَيعٍ لَم تَخْلُ هذه الشُّروطُ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ تَكونَ مَشروطةً في الرَّهنِ وإما أنْ تَكونَ مَشروطةً في البَيعِ، فإنْ كانتْ مَشروطةً في الرَّهنِ كانتِ الشُّروطُ باطِلةً، وفي بُطلانِ الرَّهنِ قَولانِ: أحَدُهما: باطِلٌ، فعلى هذا في بُطلانِ البَيعِ قَولانِ، والآخَرُ: جائِزٌ، فعلى هذا البَيعُ أشَدُّ جَوازًا، والبائِعُ في البَيعِ مُخيَّرٌ بينَ إمضائِه وفَسخِه، وإنْ كانت هذه الشُّروطُ مَشروطةً في البَيعِ لَم يَخْلُ حالُ الشَّرطِ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ تَكونَ أعيانًا، وإمَّا أنْ تَكونَ مَنافِعَ، فإنْ كانت أعيانًا -كالثِّمارِ والنِّتاجِ- كان الشَّرطُ باطِلًا والبَيعُ باطِلًا؛ لأنَّها تَصيرُ مِنْ جُملةِ الثَّمَنِ، وهي أعيانٌ مَجهولةٌ لَم تُخلَقْ، فلَم يَصحَّ أنْ تَكونَ مِنْ جُملةِ الثَّمَنِ، فبَطَلتْ وبطَل البَيعُ ببُطلانِها ولا رَهنَ، فإنْ كانتْ مَنافِعَ -كسُكنى الدارِ ورُكوبِ الدابَّةِ- كان كاشتِراطِه في عَقدِ البَيعِ الذي قد ارتَهَن فيه دارًا على أنْ يَسكُنَها سَنةً، أو ارتَهَن فيه دابَّةً على أنْ يَركَبَها سَنةً، فهذا عَقدٌ قد جَمَع بَيعًا وإجارةً بعِوَضٍ واحِدٍ لا يُعرَفُ منه حِصَّةُ البَيعِ مِنْ حِصَّةِ الإجارةِ، ولِلشافِعِّي في ذلك قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ البَيعَ والإجارةَ جائِزانِ، فعلى هذا يَكونُ الشَّرطُ لَازِمًا والبَيعُ صَحيحًا والرَّهنُ جائِزًا، والقَولُ الآخَرُ: أنَّ البَيعَ والإجارةَ باطِلانِ؛ لأنَّ البَيعَ والإجارةَ مُختَلِفا الحُكمِ، فلَم يَصحَّ أنْ يَجتَمِعا في المَنفَعةِ،
стр. 4179
فعلى هذا يَكونُ الشَّرطُ باطِلًا والبَيعُ فاسِدًا والرَّهنُ مَحلولًا (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقال منهم ابنُ قُدامةَ ﵀: والشُّروطُ في الرَّهنِ تَنقَسِمُ إلى قِسمَيْنِ، هُما: صَحيحٌ وفاسِدٌ:
فالصَّحيحُ يَكونُ مِثلَ أنْ يَشترِطَ كَونَه على يَدِ عَدلٍ عَيَّنَه، أو عَدلَيْنِ أو أكثَرَ، أو أنْ يَبيعَه العَدلُ عندَ حُلولِ الحَقِّ، ولا نَعلَمُ في صِحَّةِ هذا خِلافًا، وإنْ شَرَط أنْ يَبيعَه المُرتَهَنُ صَحَّ …
والقِسمُ الآخَرُ: الشُّروطُ الفاسِدةُ: مِثلَ أنْ يَشترِطَ ما يُنافي مُقتَضى الرَّهنِ، نَحوَ: أنْ يَشترِطَ ألَّا يُباعَ الرَّهنُ عندَ حُلولِ الحَقِّ، أو ألَّا يَستوفيَ الدَّينَ مِنْ ثَمَنِه، أو ألَّا يُباعَ ما خِيفَ تَلَفُه، أو أنْ يُباعَ الرَّهنُ بأيِّ ثَمَنٍ كان، أو ألَّا يَبيعَه إلا بما يُرضيه، فهذه شُروطٌ فاسِدةٌ؛ لِمُنافاتِها مُقتَضى العَقدِ، فإنَّ المَقصودَ مع الوَفاءِ بهذه الشُّروطِ مَفقودٌ، وكذلك إنْ شَرَط الخيارَ لِلراهِنِ، أو ألَّا يَكونَ العَقدُ لَازِمًا في حَقِّه، أو شرَط تَوقيتَ الرَّهنِ، أو أنْ يَكونَ رَهنًا يَومًا، ويَومًا لا، أو كَونَ الرَّهنِ في يَدِ الراهِنِ، أو أنْ يَنتفِعَ به أو يَنتفِعَ به المُرتَهَنُ، أو كَونَه مَضمونًا على المُرتَهَنِ، أو العَدلِ، فهذه كلُّها فاسِدةٌ؛ لأنَّ منها ما يُنافي مُقتَضى العَقدِ، ومنها ما لا يَقتَضيه العَقدُ، ولا هو مِنْ مَصلَحَتِه.
وإنْ شَرَط شَيئًا منها في عَقدِ الرَّهنِ فقال القاضي: يَحتمِلُ أنْ يَفسُدَ الرَّهنُ بها بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ العاقِدَ إنَّما بَذَلَ مِلكَه بهذا الشَّرطِ، فإذا لَم يُسلِّمْ له لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لِعَدَمِ الرِّضا به بدُونِه.
стр. 4180
وقيلَ: إنْ شَرَط الرَّهنَ مُؤقَّتًا، أو رَهَنه يَومًا ويَومًا لا فَسَد الرَّهنُ، وهل يَفسُدُ بسائِرِها على وَجهَيْنِ بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ، ونَصَّ أبو الخَطَّابِ في رُؤوسِ المَسائِلِ على صِحَّتِه، وبه قال أبو حَنيفةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَغلَقُ الرَّهنُ»، وهو مَشروطٌ فيه شَرطٌ فاسِدٌ، ولَم يُحكَمْ بفَسادِه.
وقيلَ: ما يَنقُصُ حَقَّ المُرتَهَنِ يُبطِلُه وَجهًا واحِدًا، وما لا فعلى وَجهَيْنِ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المُرتَهَنَ شُرِطتْ له زيادةٌ لَم تَصحَّ له، فإذا فَسَدتِ الزِّيادةُ لَم يَبطُلْ أصلُ الرَّهنِ (١).
اشتِراطُ المُرتَهَنِ تَملُّكَ الرَّهنِ عندَ عَدَمِ الوَفاءِ:
إنْ شَرَط المُرتَهَنُ على الراهِنِ أنَّه متى حَلَّ الحَقُّ ولَم يُوفِّني فالرَّهنُ لِي بالدَّينِ، أو فهو مَبيعٌ لِي بالدَّينِ الذي عليكَ، فهو شَرطٌ فاسِدٌ باتِّفاقِ أصحابِ المَذاهِبِ الأربعةِ وغَيرِهم.
واستَدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَغْلَقُ الرَّهنُ، الرَّهْنُ مِنْ صاحِبِهِ الذي رهَنهُ، لَه غُنْمُهُ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (٢)، وقد فَسَّرَه جَماهيرُ الفُقهاءِ بهذا.
قال الإمامُ مالِكٌ ﵀: وتَفسيرُ ذلك فيما نرى -واللهُ أعلَمُ- أنْ يَرهَنَ الرَّجُلُ الرَّهنَ عندَ الرَّجُلِ بالشَّيءِ وفي الرَّهنِ فَضلٌ على ما رهَن به، فيَقولَ
стр. 4181
الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ: «إنْ جِئتُكَ بحَقِّكَ إلى أجَلٍ -يُسمِّيه له- وإلا فالرَّهنُ لَكَ بما رُهِنَ فيه»، قال: فهذا لا يَصلُحُ ولا يَحِلُّ، وهذا الذي نُهِيَ عنه، وإنْ جاء صاحِبُه بالذي رهَن به بعدَ الأجَلِ فهو له، وأرى هذا الشَّرطَ مُنفَسِخًا (١).
وقال مُحمدُ بنُ الحَسنِ الشَّيبانيُّ ﵀: وتَفسيرُ قَولِه ﷺ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ» أنَّ الرَّجُلَ كان يَرهَنُ الرَّهنَ عندَ الرَّجُلِ فيَقولُ له: «إنْ جِئتُكَ بمالِكَ إلى كذا وكذا وإلا فالرَّهنُ لَكَ بمالِكَ»، قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ، ولا يَكونُ لِلمُرتَهَنِ بمالِه»، وكذلك نَقولُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، وكذلك فَسَّرَه مالِكُ بنُ أنَسٍ (٢).
وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وقَولُه -واللهُ تَعالَى أعلَمُ-: «لا يَغلَقُ الرَّهنُ» لا يَستحِقُّه المُرتَهَنُ بأنْ يَدَعَ الراهِنُ قَضاءَ حَقِّه عندَ مَحَلِّه (٣).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ شَرَط أنَّه متى حَلَّ الحَقُّ ولَم يُوَفِّني فالرَّهنُ لِي بالدَّينِ، أو فهو مَبيعٌ لِي بالدَّينِ الذي عليكَ، فهو شَرطٌ فاسِدٌ، رُويَ ذلك عن ابنِ عُمرَ وشُرَيحٍ والنَّخَعيِّ ومالِكٍ والثَّوريِّ والشافِعيِّ وأصحابِ الرأيِ، لا نَعلَمُ أحدًا خالَفَهم، والأصلُ في ذلك ما رَوى مُعاويةُ بن عَبدِ اللهِ بنِ جَعفَرٍ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ»، قال الأثرَمُ: قُلتُ لِأحمَدَ: ما مَعنى قَولِه ﷺ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ»؟ قال: لا يَدفَعُ رَهنًا
стр. 4182
إلى رَجُلٍ ويَقولُ: إنْ «جِئتُكَ بالدَّراهِمِ إلى كذا وكذا وإلا فالرَّهنُ لَكَ».
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: هذا مَعنى قَولِه ﷺ : (لا يَغلَقُ الرَّهنُ) عندَ مالِكٍ والثَّوريِّ وأحمَدَ، وفي حَديثِ مُعاويةَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ جَعفَرٍ أنَّ رَجُلًا رهَن دارًا بالمَدينةِ إلى أجَلٍ مُسمًّى، فمَضى الأجَلُ، فقال الذي ارتُهِنَ: مَنزِلي، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ»؛ ولأنَّه علَّق البَيعَ على شَرطٍ فإنَّه جعَله مَبيعًا بشَرطِ ألَّا يُوفِّيَه الحَقَّ في مَحَلِّه، والبَيعُ المُعلَّقُ بشَرطٍ لا يَصحُّ، وإذا شُرِطَ هذا الشَّرطُ فَسَدَ الرَّهنُ.
ويَتخرَّجُ ألا يَفسُدَ لِما ذَكَرنا في سائِرِ الشُّروطِ الفاسِدةِ، وهذا ظاهِرُ قَولِ أبي الخَطَّابِ في رُؤوسِ المَسائِلِ، واحتَجَّ بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ»، فنَفى غَلقَه دونَ أصلِه، فيَدلُّ على صِحَّتِه، ولأنَّ الراهِنَ قد رَضيَ برَهنِه مع هذا الشَّرطِ، فمع بُطلانِه أوْلى أنْ يَرضى به.
ولنا: أنَّه رَهنٌ بشَرطٍ فاسِدٍ، فكان فاسِدًا كما لو شَرَط تَوفيَتَه وليس في الخَبَرِ أنَّه شرَط ذلك في ابتِداءِ العَقدِ، فلا يَكونُ فيه حُجَّةٌ (١).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الشَّرطُ المُحرَّمُ المَمنوعُ بالنَّصِّ فهو أنْ يَرهَنَ الرَّجُلُ رَهنًا على أنَّه إنْ جاءَ بحَقِّه عندَ أجَلِه وإلا فالرَّهنُ له، فاتَّفَقوا على أنَّ هذا الشَّرطَ يُوجِبُ الفَسخَ وأنَّه مَعنى قَولِه ﷺ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ» (٢).
стр. 4183
تَوكيلُ الراهِنِ المُرتَهَنَ في بَيعِ الرَّهنِ إذا حَلَّ الأجَلُ:
اختَلَف الفُقهاءُ في الرَّجُلِ يَرهَنُ عندَ الرَّجُلِ الرَّهنَ ويَجعَلُ له بَيعَه إذا حَلَّ الأجَلُ، هل يَجوزُ أو لا؟
فقال الشافِعيَّةُ: إذا اشتَرَط الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ أنْ يَبيعَ الرَّهنَ عندَ حُلولِ الحَقِّ بغَيرِ حُضورِ الراهِنِ لَم يَجُزْ، وكان شَرطًا باطِلًا ووَكالةً فاسِدةً.
لأنَّ التَّوكيلَ في بَيعٍ يَختلِفُ فيه قَصدُ الوَكيلِ والمُوَكِّلِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ الوَكيلَ يَقومُ مَقامَ مُوكِّلِه، وإذا كان قَصدُه بخِلافِ قَصدِه لَم يَصحَّ قيامُه مَقامَ مُوكِّلِه.
ألَا تَرى أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ الرَّجُلِ في بَيعِ سِلعةٍ على نَفْسِه، ولا في ابتياعِها مِنْ نَفْسِه؟ لأنَّ قَصدَه بخِلافِ قَصدِ مُوكِّلِه، كذلك الراهِنُ والمُرتَهَنُ قَصدُهما مُختلِفٌ؛ لأنَّ قَصدَ الراهِنِ التَّوقُّفُ عن البَيعِ لِتَوفيرِ الثَّمَنِ، وقَصدَ المُرتَهَنِ المُبادَرةُ إلى البَيعِ لِتَعجيلِ الثَّمَنِ، فلَم يَصحَّ أنْ يَكونَ المُرتَهَنُ وَكيلًا في البَيعِ، كما لَم يَصحَّ أنْ يَكونَ بائِعُ السِّلعةِ على نَفْسِه وَكيلًا في البَيعِ.
وقد يَتحرَّرُ مِنَ اعتِلالِ هذا الاستِدلالِ قياسانِ: أحَدُهما: أنَّه مَعنًى يَمنَعُ مِنَ التَّوكيلِ في الابتياعِ، فوَجَبَ أنْ يَمنَعَ مِنَ التَّوكيلِ في البَيعِ، كالمِلكِ.
والآخَرُ: أنَّها وَكالةٌ يَمنَعُ منها المِلكُ، فوَجَب أنْ يَمنَعَ منها الرَّهنُ، كالابتياعِ.
فإذا ثَبَت أنَّ هذه الوَكالةَ فاسِدةٌ واشتِراطُها باطِلٌ فلا يَخلو حالُها مِنْ
стр. 4184
أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ تَكونَ مَشروطةً بعدَ العَقدِ، وإمَّا أنْ تَكونَ مَشروطةً بعدَ الرَّهنِ، وإمَّا أنْ تَكونَ مَشروطةً في عَقدِ الرَّهنِ.
فإنْ كانت مَشروطةً بعدَ عَقدِ الرَّهنِ فالشَّرطُ فاسِدٌ، والوَكالةُ باطِلةٌ والرَّهنُ صَحيحٌ، وإنْ كانت مَشروطةً في عَقدِ الرَّهنِ فهذا شَرطٌ يُنافي مُوجِبَ الرَّهنِ، والشُّروطُ في الرَّهنِ إذا كانت مُنافيةً لِمُوجِبِ الرَّهنِ على ضَربَيْنِ، هُما: ضَربٌ يَكونُ على المُرتَهَنِ، فهذا إذا شُرِطَ في الرَّهنِ أبطَلَه، وضَربٌ يَكونُ لِلمُرتَهَنِ، فهذا إذا شُرِطَ في الرَّهنِ هل يُبطِلُه أو لا؟ على قَولَيْنِ، وشَرطُ الوَكالةِ لِلمُرتَهَنِ لا عليه، فهل يُبطِلُ الرَّهنَ أو لا؟ على قَولَيْنِ (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنبَليَّةُ إلى أنَّه إذا وَكَّلَ الراهِنُ المُرتَهَنَ على بَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الحَقِّ واستِيفاءِ حَقِّه مِنْ ثَمَنِه جازَ ذلك وصَحَّتِ الوَكالةُ؛ لأنَّه تَوكيلٌ لِلمُرتَهَنِ في بَيعِ مِلكٍ لِه، فصَحَّ ذلك إذا كان مِنْ أهلِ الوَكالةِ؛ لأنَّه إذا وَكَّلَه في بَيعِ مالٍ له آخَرَ صَحَّ، فكذا هذا؛ ولأنَّه وَكَّلَ مَنْ هو مِنْ أهلِ الوَكالةِ في بَيعِ مِلكٍ له، فأشبَهَ تَوكيلَه الأجنبيَّ.
ولأنَّ ما جازَ تَوكيلُ غيرِ المُرتَهَنِ فيه جازَ تَوكيلُه فيه، كبَيعِ عَينٍ أُخرى، ولأنَّ مَنْ جازَ أنْ يُشترَطَ له الإمساكُ جازَ اشتِراطُ البَيعِ له كالعَدلِ، ولا يَضُرُّ اختِلافُ الغَرضَيْنِ إذا كان غَرَضُ المُرتَهَنِ مُستحَقًّا له، وهو استِيفاءُ الثَّمَنِ
стр. 4185
عندَ حُلولِ الحَقِّ وإنجازِ البَيعِ، وعلى أنَّ الراهِنَ إذا وَكَّلَه مع العِلمِ بغَرَضِه فقد سَمَح له بذلك -والحَقُّ له- فلا يَمنَعُ مِنَ السَّماحةِ به كما لو وَكَّلَ فاسِقًا في بَيعِ مالِه وقَبضِ ثَمَنِه.
إلا أنَّ مَشهورَ مَذهبِ الإمامِ مالِكٍ ﵀ أنَّه إذا وَكَّلَ الراهِنُ المُرتَهَنَ على البَيعِ يُستحَبُّ له الرَّفعُ إلى الحاكِمِ -وهو المَشهورُ عن مالِكٍ- دَفعًا لِلخُصومةِ، وقال أشهَبُ: يَستقِلُّ بنَفْسِه توفيةً لِمُقتَضى التَّوكيلِ، فله بَيعُه مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى الرَّفعِ (١).
وقد نَصَّ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ على أنَّ الراهِنَ إذا وَكَّلَ العَدلَ أو المُرتَهَنَ ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ لا يَنعزِلُ بالعَزلِ.
قال الحَنفيَّةُ: إذا وَكَّلَ الراهِنُ المُرتَهَنَ أو العَدلَ أو غَيرَهما ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ فالوَكالةُ جائِزةٌ؛ لأنَّه تَوكيلُ بَيعِ مالِه، فإنْ شَرَط الوَكالةَ في عَقدِ الرَّهنِ فليس لِلراهِنِ عَزلُه عنها، فإنْ عَزَلَه لَم يَنعزِلْ؛ لأنَّ الوَكالةَ لمَّا شُرِطتْ في عَقدِ الرَّهنِ صارَتْ وَصفًا مِنْ أوصافِه وحَقًّا مِنْ حُقوقِه، ألَا تَرى أنَّها لِزيادةِ الوَثيقةِ؟ فتَلزَمُ بلُزومِ أصلِه، ولأنَّه تَعلَّقَ به حَقُّ المُرتَهَنِ، وفي العَزلِ إبطالُ حَقِّه، وصارَ كالوَكالةِ بالخُصومةِ
стр. 4186
بطَلَبِ المُدَّعي، ولو وَكَّله بالبَيعِ مُطلَقًا حتى مَلَكَ البَيعَ بالنَّقدِ والنَّسيئةِ ثم نَهاه عن البَيعِ بالنَّسيئةِ لَم يَعمَلْ نَهيُه؛ لأنَّه لَازِمٌ بأصْلِه، فكذا بوَصفِه، وكذا لا يَنعزِلُ بالعَزلِ الحُكميِّ، كمَوتِ المُوكِّلِ وارتِدادِه ولُحوقِه بدارِ الحَربِ؛ لأنَّ الرَّهنَ لا يَبطُلُ بمَوتِه، ولو بَطَل فإنَّما كان يَبطُلُ لِحَقِّ الوَرَثةِ، وحَقُّ المُرتَهَنِ مُقدَّمٌ عليه كما يَتقدَّمُ على حَقِّ الراهِنِ، بخِلافِ الوَكالةِ المُفرَدةِ، حيث تَبطُلُ بالمَوتِ، ويَنعزِلُ بعَزلِ المُوكِّلِ لِما عُرِفَ في مَوضِعِه، وهذه الوَكالةُ تُخالِفُ المُفرَدةَ مِنْ وُجوهٍ، منها ما ذَكَرنا، ومنها: أنَّ الوَكيلَ هنا إذا امتَنَع مِنَ البَيعِ يُجبَرُ عليه، بخِلافِ الوَكالةِ المُفرَدةِ، ومنها أنَّ هذا يَبيعُ الوَلَدَ والأرشَ، بخِلافِ المُفرَدةِ، ومنها أنَّه إذا باعَ بخِلافِ جِنسِ الدَّينِ كان له أنْ يَصرِفَه إلى جِنسِ الدَّينِ، بخِلافِ المُفرَدةِ، ومنها أنَّ الرَّهنَ إذا كان عَبدًا وقَتَلَه عَبدٌ خَطَأً فدَفَع القاتِلُ بالجِنايةِ كان لِهذا الوَكيلِ أنْ يَبيعَه، بخِلافِ المُفردةِ.
ولا يَنعزِلُ العَدلُ بعَزلِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّه لَم يُوكِّلْه، فكان أجنَبيًّا عنه بالنِّسبةِ إلى الوَكالةِ، وهو إذا عَزَله المُوكِّلُ لا يَنعَزِلُ، فبعَزلِ غَيرِه أوْلى ألَّا يَنعَزِلَ (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا في «أسهَلِ المَدارِكِ»: إذا وَكَّلَ الراهِنُ المُرتَهَنَ في بَيعِ الرَّهنِ فهي وَكالةٌ صَحيحةٌ، وليس لِلراهِنِ عَزلُ وَكيلِه الذي
стр. 4187
هو المُرتَهَنُ؛ لِتَعلُّقِ الحَقِّ في هذه الوَكالةِ، قال العَلَّامةُ العَدَويُّ في «حاشِيَتِه على الخِرَشيِّ»: ثم إنَّ المُرتَهَنَ إذا وُكِّلَ على البَيعِ فليس لِلراهِنِ عَزلُه كالأمينِ. اه. ونَقَلَ المَوَّاقُ عن ابنِ رُشدٍ أنَّه قال: لو باعَ الراهِنُ المُرتَهَنَ بعدَ البَيعِ وقَبلَ حُلولِ الأجَلِ بالبَيعِ دُونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ جازَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه مَعروفٌ منه، ولو شَرَط المُرتَهَنُ على الراهِنِ في عَقدِ البَيعِ أنَّه مُوكَّلٌ على بَيعِه دونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ، فقيلَ: إنَّ ذلك جائِزٌ لَازِمٌ، وقاله القاضي إسماعيلُ وابنُ القَصَّارِ وعَبدُ الوَهَّابِ وأشهَبُ، وكُرِهَ ذلك في «المُدَوَّنةِ». اه. انظُرِ الحَطَّابَ (١).
وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ لِلراهِنِ عَزلَ العَدلِ الوَكيلِ، قال ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كان الرَّهنُ على يَدِ عَدلٍ وشَرَطا له أنْ يَبيعَه عندَ حُلولِ الحَقِّ صَحَّ، ويَصحُّ بَيعُه، وبه قال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ.
فإنْ عَزَلَ الراهِنُ العَدلَ عن البَيعِ صَحَّ عَزلُه، ولَم يَملِكِ البَيعَ، وبهذا قال الشافِعيُّ.
وقال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: لا يَنعزِلُ؛ لأنَّ وَكالَتَه صارَتْ مِنْ حُقوقِ الرَّهنِ، فلَم يَكُنْ لِلراهِنِ إسقاطُه، كسائِرِ حُقوقِه.
وقال ابنُ أبي مُوسى: ويُتوَجَّهُ لنا مِثلُ ذلك، فإنَّ أحمدَ قد منَع الحيلةَ
стр. 4188
في غيرِ مَوضِعٍ مِنْ كُتُبِه، وهذا يَفتَحُ بابَ الحيلةِ لِلراهِنِ؛ فإنَّه يُشترَطُ ذلك لِلمُرتَهَنِ لِيُجيبَه إليه ثم يَعزِلَه.
والأوَّلُ هو المَنصوصُ عليه؛ لأنَّ الوَكالةَ عَقدٌ جائِزٌ، فلَم يَلزَمِ المُقامُ عليها كسائِرِ الوَكالاتِ، وكَونُه مِنْ حُقوقِ الراهِنِ لا يَمنَعُ مِنْ جَوازِه، كما لو شَرَطا الرَّهنَ في البَيعِ؛ فإنَّه لا يَصيرُ لَازمًا، وكذلك لو ماتَ الراهِنُ بعدَ الإذْنِ انفَسَختِ الوَكالةُ.
وقياسُ المَذهبِ أنَّه متى عَزَله عن البَيعِ فلِلمُرتَهَنِ فَسخُ البَيعِ الذي حَصَل الرَّهنُ بثَمَنِه، كما لو امتَنَع الراهِنُ مِنْ تَسليمِ الرَّهنِ المَشروطِ في البَيعِ، فأمَّا إنْ عَزَله المُرتَهَنُ فلا يَنعَزِلُ؛ لأنَّ العَدلَ وَكيلُ الراهِنِ؛ إذِ الرَّهنُ مِلكُه، ولو انفَرَدَ بتَوكيلِه صَحَّ، فلَم يَنعزِلْ بعَزلِ غَيرِه، لكنْ لا يَجوزُ بَيعُه بغَيرِ إذْنِه، وهكذا لو لَم يَعزِلاه، فحَلَّ الحَقُّ لَم يَبِعْه حتى يَستأذِنَ المُرتَهَنَ؛ لأنَّ البَيعَ لِحَقِّه، فلَم يَجُزْ حتى يأذَنَ فيه، ولا يَحتاجُ إلى تَجديدِ إذْنٍ مِنَ الراهِنِ في ظاهِرِ كَلامِ أحمَدَ؛ لأنَّ الإذْنَ قد وُجِدَ مَرَّةً، فيَكفي، كما في الوَكالةِ في سائِرِ الحُقوقِ، وذَكَر القاضي وَجهًا آخَرَ: أنَّه يَحتاجُ إلى تَجديدِ إذْنٍ؛ لأنَّه يَكونُ له غَرَضٌ في قَضاءِ الحَقِّ مِنْ غَيرِه، والأوَّلُ أوْلى؛ فإنَّ الإذْنَ كافٍ ما لَم يُغيِّرْ، والغَرَضُ لا اعتبارَ له مع صَريحِ الإذْنِ بخِلافِه، بدَليلِ ما لو جَدَّدَ الإذْنَ له، بخِلافِ المُرتَهَنِ، فإنَّ المَبيعَ يَفتَقِرُ إلى مُطالَبَتِه بالحَقِّ، ومَذهبُ الشافِعيِّ نَحوٌ مِنْ هذا (١).
стр. 4189
الرُّكنُ الثاني: العاقدانِ:
هُما الراهِنُ والمُرتَهَنُ: فالراهِنُ هو المَدينُ، أي: الذي عليه الدَّيْنُ، وذِمَّتُه مَشغولةٌ به تِجاهَ المُرتَهَنِ، والمُرتَهَنُ: هو الدائِنُ الذي له الدَّيْنُ في ذِمَّةِ الراهِنِ، وهو الذي تُوضَعُ العَينُ المَرهونةُ تَحتَ يَدِه وسُلطانِه.
وقد اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ فيهما العَقلُ، فلا يَصحُّ رَهنُ المَجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقِلُ؛ سَواءٌ أكانَ بنَفْسَيْهما أم بوَكيلَيْهما؛ لأنَّ الصَّغيرَ غيرُ المُمَيِّزِ والمَجنونَ لا عَقلَ لهما، والعَقلُ شَرطٌ في جَميعِ التَّصرُّفاتِ، وفي هذه الحالةِ إذا رَهَن شَخصٌ مالًا عندَ صَبيٍّ غيرِ مُمَيِّزٍ وسَلَّمَه إيَّاه وضاعَ ذلك المالُ لِعَدَمِ اقتِدارِ الصَّبيِّ على حِفظِه لا يَلزَمُ الضَّمانُ.
ثم اختَلَفوا في رَهنِ الصَّبيِّ الذي يَعقِلُ، هل يَصحُّ منه أو لا؟
فقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ: يَصحُّ منه، وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: لا يَصحُّ.
قال الحَنفيَّةُ: البُلوغُ ليس بشَرطٍ لِصِحَّةِ الرَّهنِ حتى يَجوزَ مِنَ الصَّبيِّ المأذونِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ تَوابِعِ التِّجارةِ، فيَملِكُه مَنْ يَملِكُ التِّجارةَ؛ ولأنَّ الرَّهنَ والارتِهانَ مِنْ بابِ إيفاءِ الدَّينِ واستِيفائِه، وهُما يَملِكانِ ذلك، وأمَّا الصَّبيُّ غيرُ المأذونِ له فيَصحُّ، ولكنْ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوَليِّ (١).
وقال المالِكيَّةُ: وشَرطُهما -أي: الراهِنِ والمُرتَهَنِ- التَّأهُّلُ لِلبَيعِ صِحَّةً
стр. 4190
ولُزومًا، فيَصحُّ مِنَ المُكلَّفِ الرَّشيدِ، ويَلزَمُ ويَصحُّ مِنَ المُميِّزِ ولو كان صَبيًّا أو سَفيهًا، لكنْ لا يَلزَمُ إلا إذا أجازَه الوَليُّ (١).
قالوا: ولِلوَصيِّ أنْ يَرهَنَ مالَ اليَتيمِ رَهنًا فيما يَبتاعُ له مِنْ كِسوةٍ أو طَعامٍ، وليس لِلوَصيِّ أنْ يأخُذَ عُروضَ اليَتيمِ بما أسلَفَه رَهنًا، وإذا رَهَن الأبُ مِنْ مَتاعِ ابنِه الصَّغيرِ في دَينٍ عليه ولَم يُصدِّقْه الوَلَدُ لَم يَجُزِ الرَّهنُ؛ لأنَّه لا يَجوزُ له أخْذُ مالِ وَلَدِه لغَيرِ حاجةٍ (٢).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: يُشترَطُ في الراهِنِ أنْ يَكونَ غيرَ مَحجورٍ عليه مِنْ أهلِ السَّدادِ، ويَجوزُ لِلوَصيِّ أنْ يَرهَنَ لِمَنْ يَلي النَّظَرَ عليه إذا كان ذلك سَدادًا ودَعَتْ إليه الضَّرورةُ.
ولا يَجوزُ رَهنُ المُفلِسِ.
وكلُّ مَنْ صَحَّ أنْ يَكونَ راهِنًا صَحَّ أنْ يَكونَ مُرتَهَنًا (٣).
وقال الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في كلٍّ منهما كَونُه مُطلَقَ التَّصرُّفِ بأنْ يَكونَ مُكلَّفًا: أي: عاقِلًا بالِغًا غيرَ مَحجورٍ عليه في تَصرُّفاتِه المالِيَّةِ.
فالصَّبيُّ -ولو كان مُميِّزًا- لا يَصلُحُ أنْ يَكونَ راهِنًا ولا مُرتَهَنًا، فلو رَهَن شَيئًا مِنْ مُمتَلكاتِه عندَ أحَدٍ فلا يَصحُّ منه هذا الرَّهنُ، والمُرتَهَنُ ضامِنٌ لِما أخَذَه منه في هذه الحالةِ.
стр. 4191
وكذلك لو رَهَن أحَدٌ عندَه مَتاعًا لا يُعتبَرُ ذلك رَهنًا، ولا تَثبُتُ له أحكامُه.
والمَجنونُ الذي غُلِبَ على عَقلِه مِثلُ الصَّبيِّ.
وذلك لأنَّ الرَّهنَ عَقدٌ تَترتَّبُ عليه أحكامٌ ومَسؤوليَّاتٌ، وكلٌّ مِنَ الصَّبيِّ والمَجنونِ ليسا أهلًا لذلك، فالشَّرعُ لَم يَعتبِرْ أقوالَهما وتَصرُّفاتِهما في العُقودِ؛ لأنَّهما ليسا أهلًا لِلمُؤاخَذةِ.
ولا يَرهَنُ الوَليُّ مالَ الصَّبيِّ والمَجنونِ، ولا يَرتَهِنُ لهما إلا لِضَرورةٍ أو غِبطةٍ ظاهِرةٍ.
والسَّفيهُ كالصَّبيِّ والمَجنونِ فيما ذُكِرَ، وإذا رَهَن الوَليُّ أو الوَصيُّ فلا يَرهَنُ إلا مِنْ أمينٍ غيرِ خائِنٍ، مُوسِرٍ، وأنْ يُشهِدَ على الرَّهنِ، وأنْ يَكونَ الأجَلُ قَصيرًا عُرفًا، فإنْ فُقِدَ شَرطٌ مِنْ هذه الشُّروطِ لَم يَجُزِ الرَّهنُ (١).
وقال الحَنابِلةُ: يَصحُّ الرَّهنُ ممَّن يَصحُّ بَيعُه وتَبرُّعُه؛ لأنَّه تَبرُّعٌ، فكُلُّ مَنْ صَحَّ بَيعُه صَحَّ رَهنُه، فيُشترَطُ في الراهِنِ الذي يَرهَنُ ويَقبِضُ أنْ يَكونَ جائِزَ التَّصرُّفِ في مالِه، وهو الحُرُّ المُكلَّفُ الرَّشيدُ، فلا يَصحُّ الرَّهنُ مِنْ مَحجورٍ عليه لِصِغَرٍ أو جُنونٍ أو سَفَهٍ أو فَلَسٍ، ويُعتبَرُ ذلك في حالِ رَهنِه وإقباضِه؛ لأنَّ العَقدَ والتَّسليمُ ليس بواجِبٍ؛ وإنَّما هو إلى اختيارِ الراهِنِ،
стр. 4192
فإذا لَم يَكُنْ له اختيارٌ صَحيحٌ لَم يَصحَّ؛ ولأنَّه نَوعُ تَصرُّفٍ في المالِ فلَم يَصحَّ مِنَ المَحجورِ عليه مِنْ غيرِ إذْنٍ، كالبَيعِ.
فإنْ جُنَّ أحَدُ المُتراهِنَيْنِ قبلَ القَبضِ أو مات لَم يَبطُلِ الرَّهنُ؛ لأنَّه عَقدٌ يَؤولُ إلى اللُّزومِ، فلَم يَبطُلْ بجُنونِ أحَدِ المُتعاقِدَيْنِ أو مَوتِه، كالبَيعِ الذي فيه الخيارُ ويَقومُ وَليُّ المَجنونِ مَقامَه (١).
الإكراهُ على الرَّهنِ:
نَصَّ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنْ يَكونا غيرَ مُكرَهَيْنِ: أي أنْ يَرهَنَ الراهِنُ ما يَرهَنُ باختيارِه، وكذلك المُرتَهَنُ.
قال الشافِعيَّةُ: فلو أُكرِهَ الراهِنُ على الرَّهنِ أو المُرتَهَنِ على الارتِهانِ فلا يَصحُّ الرَّهنُ ولا تَترَتَّبُ عليه آثارُه وأحكامُه بمَعنى أنَّه إذا زالَ الإكراهُ عن العاقِدِ رجَع الحالُ إلى ما كان عليه قبلَ الإكراهِ ووَجَب على الراهِنِ أنْ يَسترِدَّ العَينَ إنْ كان المُكرَهُ هو المُرتَهَنَ، وعلى المُرتَهَنِ أنْ يَرُدَّ العَينَ إنْ كان المُكرَهُ هو الراهِنَ، ثم إذا رَغِبا في الرَّهنِ أنشآه مِنْ جَديدٍ.
وذلك لأنَّ الرَّهنَ مِنَ التَّصرُّفاتِ الشَّرعيَّةِ الإنشائيةِ، والإكراهَ عليها يُؤثِّرُ فيها ويُذهِبُ أثَرَها (٢).
стр. 4193
وأمَّا الحَنفيَّةُ فقال منهم الكاسانيُّ ﵀: مِنْ شَرائِطِ صِحَّةِ الرَّهنِ أنْ يَكونَ بإذْنِ الراهِنِ؛ لِمَا ذَكَرنا في الهِبةِ أنَّ الإذْنَ بالقَبضِ شَرطُ صِحَّتِه فيما له صِحَّةٌ بدُونِ القَبضِ، وهو البَيعُ فلَأنْ يَكونَ شَرطًا فيما لا صِحَّةَ له بدونِ القَبضِ أوْلى، ولأنَّ القَبضَ في هذا البابِ يُشبِهُ الرُّكنَ -كما في الهِبةِ- فيُشبِهُ القَبولَ، وهذا لا يَجوزُ مِنْ غيرِ رِضا الراهِنِ، كذا هذا.
ثم نَقولُ: الإذْنُ نَوعانِ: نَصٌّ وما يَجري مَجرى النَّصِّ دِلالةً.
فالأوَّلُ: نحوَ أنْ يَقولَ: «أذِنتُ له بالقَبضِ»، أو: «رَضيتُ به»، أو: «أقبِضُ»، وما يَجري هذا المَجرى، فيَجوزُ قَبضُه، سَواءٌ قُبِضَ في المَجلِسِ أو بعدَ الافتِراقِ استِحسانًا، وقياسُ قَولِ زُفَرَ في الهِبةِ ألَّا يَجوزَ بعدَ الافتِراقِ.
والآخَرُ: نحوَ أنْ يَقبِضَ المُرتَهَنُ بحَضرةِ الراهِنِ فيَسكُتَ ولا يَنهاه، فيَصحُّ قَبضُه استِحسانًا، وقياسُ قَولِ زُفَرَ في الهِبةِ ألَّا يَصحَّ، كما لا يَصحُّ بعدَ الافتِراقِ؛ لأنَّ القَبضَ عندَه رُكنٌ بمَنزِلةِ القَبولِ، فلا يَجوزُ مِنْ غيرِ إذْنٍ كالقَبولِ، وصارَ كالبَيعِ الصَّحيحِ، بل أوْلى؛ لأنَّ القَبضَ ليس بشَرطٍ لِصِحَّتِه، وأنَّه شَرطٌ لِصِحَّةِ الرَّهنِ.
وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه وُجِدَ الإذْنُ ههنا دِلالةً على الإقدامِ على إيجابِ الرَّهنِ؛ لأنَّ ذلك دِلالةُ القَصدِ إلى إيجابِ حُكمِه، ولا ثُبوتَ لِحُكمِه إلا بالقَبضِ، ولا صِحَّةَ لِلقَبضِ بدُونِ الإذْنِ، فكان الإقدامُ على الإيجابِ دِلالةَ
стр. 4194
الإذْنِ بالقَبضِ، والإقدامُ دِلالةُ الإذْنِ بالقَبضِ في المَجلِسِ لا بعدَ الافتِراقِ، فلَم يُوجَدِ الإذْنُ هناك نَصًّا ودِلالةً بخِلافِ البَيعِ؛ لأنَّ البَيعَ الصَّحيحَ بدونِ القَبضِ، فلَم يَكُنِ الإقدامُ على إيجابِه دَليلَ القَبضِ، فلا يَكونُ دَليلَ الإذْنِ، فهو الفَرقُ.
ولو رهَن شَيئًا مُتَّصلًا بما لَم يَقَعْ عليه الرَّهنُ -كالثَّمَرِ المُعلَّقِ على الشَّجَرِ ونَحوِه مما لا يَجوزُ الرَّهنُ فيه إلا بالفَصلِ والقَبضِ، ففَصَلَ وقبَض- فإنْ قبَض بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ لَم يَجُزْ قَبضُه، سَواءٌ كان الفَصلُ والقَبضُ في المَجلِسِ، أو في غَيرِه؛ لأنَّ الإيجابَ ههنا لَم يَقَعْ صَحيحًا، فلا يُستدَلُّ به على الإذْنِ بالقَبضِ.
وإنْ قبَض بإذْنِه فالقياسُ أنَّه لا يَجوزُ، وهو قَولُ زُفَرَ، وفي الاستِحسانِ جائِزٌ؛ بِناءً على أصلٍ ذَكَرناه في الهِبةِ، واللهُ المُوفِّقُ (١).
стр. 4195
الرُّكنُ الثالِثُ: المَرهونُ:
وهو العَينُ التي يَضَعُها الراهِنُ عندَ المُرتَهَنِ لِيَحتَبِسَها وَثيقةً بدَيْنِه، ويُشترَطُ في العَينِ المَرهونةِ -لِيَصحَّ ارتِهانُها- عِدَّةُ شُروطٍ، بَعضُها مُتَّفَقٌ عليه، وبَعضُها مُختَلَفٌ فيه.
الشَّرطُ الأوَّلُ: كَونُه مَعلومًا جِنسُه وقَدْرُه وصِفَتُه: لأنَّه عَقدٌ على مالٍ، فاشتُرِطَ العِلمُ به كالمَبيعِ، وهذا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، وسيأتي مُفصَّلًا.
الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ عَينًا: فلا يَصحُّ رَهنُ المَنفَعةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، كأنْ يَرهَنَه سُكنى دارٍ؛ لأنَّ المَنفَعةَ تَتلَفُ بمُرورِ الزَّمَنِ، فلا يَحصُلُ بها تَوثُّقٌ ولا تَثبُتُ عليها يَدُ الحَبسِ، كما يَقولُ الشافِعيَّةُ، ولأنَّ مَقصودَ الرَّهنِ استِيفاءُ الدَّينِ مِنْ ثَمَنِه، والمَنافِعُ تَهلِكُ إلى حُلولِ الحَقِّ، وإنْ رهَنه أُجرةَ دارِه شَهرًا لَم يَصحَّ؛ لأنَّها مَجهولةٌ وغَيرُ مَملوكةٍ، كما يَقولُ الحَنابِلةُ.
وأمَّا المالِكيَّةُ ففي جَوازِ رَهنِ المَنفَعةِ قَولانِ، جاءَ في «الشَّرحِ الصَّغيرِ» لِلصاويِّ: واختُلِفَ إذا رهَن رَقبةَ المُدبِّرِ لِيُباعَ في حياةِ السَّيِّدِ في دَينٍ مُتأخِّرٍ هل يَبطُلُ الرَّهنُ مِنْ أصلِه أو يَنتَقِلُ لِخِدمَتِه؟ قَولانُ، الراجِحُ الأوَّلُ.
كظُهورِ حَبسِ دارٍ رُهِنتْ رَقَبتُها على أنَّها مِلكٌ لِراهِنِها، وثَبَت حَبسُها عليه، فهل يَنتَقِلُ الراهِنُ لِمَنفَعتِها؛ لأنَّ المَنفَعةَ كجُزءٍ منها؟ وظاهِرُ كَلامِهم أنَّه الراجِحُ أو يَبطُلُ الرَّهنُ ولا يَعودُ لِمَنفَعَتِها، وأمَّا إنْ ظَهَرتْ حَبسًا على
стр. 4196
غيرِ الراهِنِ أو انتَقَل الحَقُّ لغَيرِه بمَوتٍ أو بانقِضاءِ مُدَّةٍ مُعيَّنةٍ شَرَطها له الواقِفُ فلا يَنتَقِلُ الرَّهنُ لِمَنفَعَتِها قَطعًا (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ مِلكًا لِلراهِنِ أو مأذونًا له في رَهنِه: فعلى هذا يَجوزُ أنْ يَستَعيرَ شَيئًا لِيَرهَنَه؛ لأنَّ الرَّهنَ تَوثيقٌ، وهو يَحصُلُ بما لا يَملِكُه، بدَليلِ الإشهادِ والكَفالةِ، ولأنَّ المالِكَ رَضيَ بتَعلُّقِ دَينِ المُستَعيرِ بمالِه، وهو يَملِكُ ذلك، كما يَملِكُ تَعلُّقَه بذِمَّتِه بالكَفالةِ، ولأنَّ الرَّهنَ للاستِيفاءِ، ولِلمالِكِ أنْ يأذَنَ لِلمُستَعيرِ في إيفاءِ دَينِه، وهذا بإجماعِ أهلِ العِلمِ، كأن يَستَعيرَ شَخصٌ مِنْ آخَرَ عَينًا لِيَرهَنَها في دَينٍ عليه، فإنْ وَفَّى المُستَعيرُ دَينَه رَجَعتِ العَينُ المُستعارةُ لِصاحِبِها؛ وإلا بِيعَتْ في الدَّينِ المَرهونةِ بسَبَبِه ورجَع صاحِبُها -وهو المُعيرُ- بقيمةِ العَينِ على الذي استَعارَها، أو بمِثلِها إنْ كانتْ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ على ما يأتي بَيانُه.
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجُلَ إذا استَعارَ مِنَ الرَّجُلِ شَيئًا يَرهَنُه على دَنانيرَ مَعلومةٍ عندَ رَجُلٍ سَمَّاه إلى وَقتٍ مَعلومٍ، ففَعَل فذلك جائِزٌ (٢).
стр. 4197
شُروطُ صِحَّةِ رَهنِ المُستَعارِ لِلرَّهنِ:
إذا أذِنَ المالِكُ بالرَّهنِ فإذْنُه بالرَّهنِ لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ مُقيَّدًا أو مُطلَقًا، فإنْ كان مُقيَّدًا -بأنْ سَمُىَ قَدْرًا أو جِنسًا أو مَكانًا أو إنسانًا- يَتقَيَّدُ به، فلو أذِنَ أنْ يَرهَنَه بجِنسٍ، لَم يَجُزْ له أنْ يَرهَنَه بجِنسٍ آخَرَ؛ لأنَّ قَضاءَ الدَّينِ مِنْ بَعضِ الأجناسِ قد يَكونُ أيسَرَ مِنْ بَعضٍ، فكانَ التَّقييدُ بالجِنسِ مُفيدًا، وكذا إذا أذِنَ له أنْ يَرهَنَه بالكُوفةِ، لَم يَجُزْ له أنْ يَرهَنَه بالبَصرةِ؛ لأنَّ التَّقييدَ بمَكانٍ دُونَ مَكانٍ مُفيدٌ، فيَتقَيَّدُ بالمَكانِ المَذكورِ، وكذا إذا أذِنَ له أنْ يَرهَنَه مِنْ إنسانٍ بعَينِه، لَم يَجُزْ له أنْ يَرهَنَه مِنْ غَيرِه؛ لأنَّ الناسَ مُتفاوِتونَ في المُعامَلاتِ، فكان التَّعيينُ مُفيدًا، فإنْ خالَفَ في شَيءٍ مما ذَكَرنا، فهو ضامِنٌ له إذا هَلَكَ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في مِلكِ الغَيرِ بغَيرِ إذْنِه، فصارَ غاصِبًا، وهذا مَحَلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَنبَغي أنْ يَذكُرَ المُرتَهَنَ، والقَدْرَ الذي يَرهَنُه به، وجِنسَه، ومُدَّةَ الرَّهنِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَختَلِفُ بذلك، فاحتيجَ إلى ذِكرِه، كأصلِ الرَّهنِ، ومتى شَرَط شَيئًا مِنْ ذلك فخالَفَ ورهَنه بغَيرِه لَم يَصحَّ الرَّهنُ؛ لأنَّه لَم يُؤذَنْ له في هذا الرَّهنِ، فأشبَهَ مَنْ لَم يأذَنْ في أصلِ الرَّهنِ، قال ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على ذلك (١).
لكنَّهم اختَلَفوا فيما لو أذِنَ له أنْ يَرهَنَه بعَشَرةٍ فرَهَنه بأقَلَّ:
فقال الحَنفيَّةُ: لا يَصحُّ ولا يَجوزُ له أنْ يَرهَنَه بأقَلَّ ولا أكثَرَ؛ لأنَّ
стр. 4198
المُتصرِّفَ بإذْنٍ يَتقيَّدُ تَصرُّفُه بقَدْرِ الإذْنِ، والإذْنُ لَم يَتناوَلِ الزِّيادةَ، فلم يَكُنْ له أنْ يَرهَنَ بالأكثَرِ ولا بالأقَلِّ أيضًا؛ لأنَّ المَرهونَ مَضمونٌ، ولأنَّ المالِكَ إنَّما جعَله مَضمونًا بالقَدْرِ، وقد يَكونُ له في ذلك غَرَضٌ صَحيحٌ، فكان التَّقييدُ به مُفيدًا.
وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: يَصحُّ؛ لأنَّ مَنْ أجازَ له الرَّهنَ بالأكثَرِ جازَ له الرَّهنُ بالأقَلِّ.
فإنْ أُطلِقَ الرَّهنُ في الإذْنِ مِنْ غيرِ تَعيينِ شَيءٍ مِنْ هذا اختَلَف الفُقهاءُ فيه هل يَجوزُ له أنْ يَرهَنَه كما يَشاءُ أو لا؟
فقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ: يُشترَطُ ذِكرُ قَدرِ الدَّينِ وجِنسِه وصِفَتِه وحُلولِه وتأجيلِه والشَّخصِ المَرهونِ عِندَه ومُدَّةِ الرَّهنِ؛ لأنَّ الغَرَرَ يَختلِفُ بذلك، فاحتيجَ إليه؛ ولأنَّ هذا بمَنزِلةِ الضَّمانِ في ذِمَّتِه، وضَمانُ المَجهولِ لا يَصحُّ.
وقال الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ: إنْ كان الرَّهنُ مُطلَقًا فلِلمُستَعيرِ أنْ يَرهَنَه بالقَليلِ والكَثيرِ وبأيِّ جِنسٍ وفي أيِّ مَكانٍ ومِن أيِّ إنسانٍ أرادَ؛ لأنَّ العَمَلَ بإطلاقِ اللَّفظِ أصلٌ، ولِأنَّها عاريةٌ، فلَم يُشترَطْ لِصِحَّتِها ذِكرُ ذلك، كالعاريةِ لِغَيرِ الرَّهنِ، والدَّليلُ على أنَّه عاريةٌ أنَّه قبَض مِلكَ غَيرِه لِمَنفَعةِ نَفْسِه مُنفَرِدًا بها مِنْ غيرِ عِوَضٍ، فكان عاريةً كقَبضِه لِلخِدمةِ (١).
стр. 4199
ضَمانُ العَينِ المُستعارةِ لِلرَّهنِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في ضَمانِ العَينِ المُستعارةِ لِلرَّهنِ فيما إذا هَلَكتْ في يَدِ المُستَعيرِ أو لَم يَقضِ الدَّينَ فباعَها المُرتَهَنُ وأخَذَ دَينَه منها:
فقال الحَنفيَّةُ: إنَّ يَدَ المُستَعيرِ يَدُ أمانةٍ، فيَدُه كيَدِ المالِكِ -كما سيأتي مُفصَّلًا في حُكمِ العاريةِ- فإذا هَلَكتْ عندَه قبلَ رَهنِه أو بعدَ فَكِّ الرَّهنِ لَم يَضمَنْ إذا لَم يَتعَدَّ أو يُفرِّطْ، كما لو استَعارَ عَينًا لِيَرهَنَه وقد سَمَّى له المُعيرُ قَدْرًا أو جِنسًا أو مَكانًا أو مُرتَهَنا فخالَفَ المُستعيرُ وهَلَك الرَّهنُ عندَ المُرتَهَنِ فالمُعيرُ بالخيارِ، إنْ شاءَ ضمَّن المُستعيرَ ويَتِمُّ عَقدُ الرَّهنِ بَينَه وبَينَ المُرتَهَنِ، وإنْ شاءَ ضمَّن المُرتَهَنَ ويَرجِعُ المُرتَهَنُ بما ضمِن وبالدَّينِ على الراهِنِ.
أمَّا المُرتَهَنُ فيَدُه يَدُ ضَمانٍ، فإذا هَلَكتِ العَينُ المُستَعارةُ لِلرَّهنِ في يَدِه صارَ مُستَوفيًا حَقَّه ووَجَب لِلمُعيرِ على المُستَعيرِ الراهِنِ مِثلُ الدَّينِ؛ كما سيأتي.
قال في «شَرحِ الوِقايةِ»: فإنْ خالَفَ المُستَعيرُ وهَلَك الرَّهنُ ضمِن المُستَعيرُ قيمةَ الرَّهنِ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في مِلكِ غَيرِه على وَجهٍ لَم يأذَنْ له فيه، فصارَ غاصِبًا.
стр. 4200
وإذا ضمِن المُستَعيرُ القيمةَ تَمَّ عَقدُ الرَّهنِ بَينَه وبَينَ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ المُستَعيرَ مَلَكَه بأداءِ الضَّمانِ، فتَبيَّنَ أنَّه كان رهَن مِلكَ نَفْسِه، وإنْ شاءَ المُعيرُ ضمِن المُرتَهَنَ فلا يَتِمُّ عَقدُ الرَّهنِ بينَ الراهِنِ والمُرتَهَن، فيَرجِعُ المُرتَهَنُ على الراهِنِ بما ضمِن وبالدَّينِ، أما بالدَّينِ فظاهِرٌ، وأمَّا بما ضمِن فلأنَّ الراهِنَ وَرَّطه في ذلك وصارَ كما لو ماتَ العَبدُ المَرهونُ، ثم استُحِقَّ وضمِن المُستَحَقَّ المُرتَهَنُ.
وإنْ وافَقَ المُستَعيرُ المُعيرَ بأنْ رهَن المُستَعارَ فيما سَمَّى المُعيرُ وهَلَك الرَّهنُ عندَ المُرتَهَنِ فقَدْرُ دَينٍ، أي: فعلى المُستَعيرِ مِقدارُ دَينٍ، أوفاه منه، أي: مِنَ المُستَعارِ، فإنْ كانت قيمةُ الرَّهنِ مِثلَ الدَّينِ أو أكثَرَ فقد استَوفى المُرتَهَنُ منه كُلَّ الدَّينِ فيَضمَنُ المُستَعيرُ لِلمُعيرِ مِثلَ الدَّينِ في الصُّورتَيْنِ؛ لأنَّ المُستَعيرَ قَضى دَينَه مِنْ مالِ المُعيرِ، ومَن قَضى دَينَه مِنْ مالِ غَيرِه ضمِن له قَدْرَ دَينِه ولا يَضمَنُ المُستَعيرُ القيمةَ؛ لأنَّه ليس بمُتعَدٍّ، وإنْ كانت قيمةُ الرَّهنِ أقَلَّ مِنَ الدَّينِ ذهَب مِنَ الدَّينِ بقَدْرِ قيمةِ الرَّهنِ، وعلى الراهِنِ لِلمُرتَهَنِ بَقيَّةُ دَينِه، وعليه لِلمُعيرِ قيمةُ الرَّهنِ؛ لأنَّه قَضى قَدْرَها مِنَ الدَّينِ بمالِ المُعيرِ، وكذا إنْ أصابَ الرَّهنَ عَيبٌ نَقَّصَ قيمَتُه ذهَب مِنَ الدَّينِ بحِسابِه ووَجَب على الراهِنِ مِثلُه لِلمُعيرِ.
ولو هَلَك المُستَعارُ عندَ الراهِنِ قبلَ رَهنِه أو بعدَ فَكِّه لا يَضمَنُ الراهِنُ؛ لأنَّه لَم يَصِرْ به قاضيًا لِدَينِه ولا لِشَيءٍ منه بهذا الهَلاكِ، وقَضاءُ الدَّينِ أو شَيءٍ منه بهَلاكِ الرَّهنِ المُستَعارِ هو المُوجِبُ لِضَمانِه (١).
стр. 4201
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الجُملةِ أنَّ يَدَ المُستَعيرِ يَدُ ضَمانٍ، فإذا هَلَكتْ أو بيعَتْ في فَكِّ الرَّهنِ رَجَع المُعيرُ على المُستَعيرِ وضَمَّنَه إيَّاه.
قال المالِكيَّةُ: إنْ وَفَّى المُستَعيرُ دَينَه رَجَع الرَّهنُ لِصاحِبِه المُعيرِ، وإنْ لَم يُوَفِّ وبِيعَ الرَّهنُ في الدَّينِ رَجَع صاحِبُه المُعيرُ على المُستَعيرِ بقيمَتِه يَومَ استَعارَه (١) أو رَجَع المُعيرُ على المُستَعيرِ بما أدى المُستَعيرُ في دَينِه مِنْ ثَمَنِه، أي: ثَمَنِ الشَّيءِ المُعارِ، ف «أَوْ» لِلتَّنويعِ وليستْ لِلتَّخييرِ.
وضمِن المُستَعيرُ -أي: تَعلَّقَ به الضَّمانُ- أي أنَّ لِلمُعيرِ تَضمينَه قيمَتَه ولو لَم يَتلَفْ؛ لِتَعَدِّيه، وله أخْذُه مِنَ المُرتَهَنِ وتَبطُلُ العاريةُ ولو كان مما لا يُغابُ عليه كالعَبدِ، أو قامَتْ على ضياعِه بلا تَفريطٍ بَيِّنةٌ إنْ رَهَنه في غيرِ ما أُذِنَ له فيه، كأنِ استَعارَه لِيَرهَنَه في دَينِ عَينٍ، فرهَنه في عَرضٍ أو طَعامٍ فلرَبِّه أخْذُه إنْ وَجَده قائمًا لَم يَتغيَّرْ في ذاتِه عن المُرتَهَنِ، وإنْ وَجَده قائِمًا فقيمَتُه تَلزَمُ المُستَعيرَ مُطلَقًا، ولو كان مما لا يُغابُ عليه أو هَلَك ببَيِّنةٍ (٢).
стр. 4202
وقال الشافِعيَّةُ: وإذا استَعارَ شَيئًا لِيَرهَنَه بدَينٍ فتلِف في يَدِ المُرتَهَنِ بعدَ رَهنِه، فلا ضَمانَ على المُرتَهَنِ بحالٍ؛ لأنَّه أمينٌ، ولَم يَسقُطِ الحَقُّ عن ذِمَّةِ الراهِنِ.
وإنْ تلِف في يَدِ الراهِنِ ضمِن؛ لأنَّه الآنَ مُستَعيرٌ (١).
وقال الحَنابِلةُ: متى حَلَّ الحَقُّ فلَم يَقبِضْه فلِلمُرتَهَنِ بَيعُ الرَّهنِ واستِيفاءُ الدَّينِ مِنْ ثَمَنِه، ويَرجِعُ المُعيرُ على الراهِنِ بالضَّمانِ وهو قيمةُ العَينِ المُستَعارةِ أو مِثلُها إنْ كانتْ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ، ولا يَرجِعُ بما بَيعَتْ به سَواءٌ بِيعتْ بأقَلَّ مِنَ القيمةِ أو بأكثَرَ في أحَدِ الوَجهَيْنِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ أنَّها إنْ بِيعتْ بأقَلَّ مِنْ قيمَتِها رَجَع بالقيمةِ؛ لأنَّ العاريةَ مَضمونةٌ، فيَضمَنُ نَقصَ ثَمَنِها، وإنْ بِيعتْ بأكثَرَ رجَع
стр. 4203
بما بِيعتْ به؛ لأنَّ العَبدَ مِلكٌ لِلمُعيرِ، فيَكونُ ثَمَنُه كلُّه له، وكذلك لو أسقَطَ المُرتَهَنُ حَقَّه عن الراهِنِ رَجَع الثَّمَنُ كلُّه إلى صاحِبِه، فإذا قَضى به دَينَ الراهِنِ رَجَع به عليه ولا يَلزَمُ مِنْ وُجوبِ ضَمانِ النَّقصِ ألَّا تَكونَ الزِّيادةُ لِصاحِبِ العَبدِ، كما لو كان باقيًا بعَينِه.
وإنْ تلِف الرَّهنُ ضمِنه الراهِنُ بقيمَتِه، سَواءٌ تلِف بتَفريطٍ أو بغَيرِ تَفريطٍ، نَصَّ على هذا أحمدُ؛ وذلك لأنَّ العاريةَ مَضمونةٌ (١).
هل يَحِقُّ لِلمُعيرِ أنْ يَرجِعَ فيما أعارَ بعدَ قَبضِ المالِكِ لِلرَّهنِ؟
قال جُمهورُ الفُقهاءِ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وغَيرُهم: لا يَحِقُّ لِلمالِكِ المُعيرِ أنْ يَرجِعَ في الرَّهنِ بعدَ قَبضِ المُرتَهَنِ له، ويَجوزُ قبلَ القَبضِ.
قال الشافِعيَّةُ: لا يَحِقُّ لِلمالِكِ المُعيرِ أنْ يَرجِعَ على المُستَعيرِ فيما أعارَه لِلرَّهنِ بعدَ قَبضِ المُرتَهَنِ له، إذْ لو رجَع لَم يَكُنْ لِهذا الرَّهنِ مَعنًى؛ إذْ لا وُثوقَ به ولا فائِدةَ منه.
ويَجوزُ الرُّجوعُ فيه قبلَ قَبضِه.
ولِلمُرتَهَنِ حينَئذٍ فَسخُ بَيعٍ شُرِطَ فيه رَهنُ ذلك إنْ جَهِلَ الحالَ.
وإذا كان الدَّينُ مُؤجَّلًا وقبَض المُرتَهَنُ المُعارَ فليس لِلمالِكِ إجبارُ الراهِنِ على فَكِّه، فإذا حَلَّ الدَّينُ أو كان حالًّا وأمهَلَه المُرتَهَنُ فلِلمالِكِ ذلك، فإنْ طالَبَه وامتَنَع مِنْ أداءِ الدَّينِ رُوجِعَ المالِكُ لِلبَيعِ، فقد يُريدُ فِداءَه؛ لأنَّ المالِكَ لو رهَن عن دَينِ نَفْسِه وَجَبتْ مُراجَعَتُه، فهُنا أوْلى.
стр. 4204
وبَعدَ ذلك يُباعُ المُعارُ إنْ لَم يُقضَ الدَّينُ مِنْ جِهةِ المالِكِ أو الراهِنِ، وإنْ لَم يأذَنِ المالِكُ، وسَواءٌ أكانَ الراهِنُ مُعسِرًا أم مُوسِرًا؛ كما يُطالَبُ الضامِنُ في الذِّمَّةِ مع يَسارِ الأصيلِ وإعسارِه.
ثم يَرجِعُ المالِكُ على الراهِنِ بما بِيعَ به المَرهونُ؛ لانتِفاعِ الراهِنِ به في دَينِه، سَواءٌ بِيعَ بقيمَتِه أو بأكثَرَ أو بأقَلَّ بقَدْرٍ يَتغابَنُ الناسُ بمِثلِه، هذا على قَولِ الضَّمانِ.
وأمَّا على قَولِ العاريةِ فيَرجِعُ بقيمَتِه إنْ بِيعَ بها، أو بأقَلَّ، وكذا بأكثَرَ عندَ الأكثَرينَ؛ لأنَّ العاريةَ بها تُضمَنُ.
وقال القاضي أبو الطَّيِّبِ وجَماعةٌ: يَرجِعُ بما بِيعَ به؛ لأنَّه ثَمَنُ مِلكِه، قال الرافِعيُّ: وهذا أحسَنُ، زاد في الرَّوضةِ: هذا هو الصَّوابُ.
وإنْ قَضى مِنْ جِهةِ الراهِنِ انفَكَّ الرَّهنُ ورَجَع المالِكُ في عَينِ مالِه، فإنْ قَضاه المالِكُ انفَكَّ الرَّهنُ ورَجَع بما دَفَعه على الراهِنِ إنْ قَضى بإذْنِه؛ وإلا فلا رُجوعَ له، كما لو أدَّى دَينَ غَيرِه في غيرِ ذلك.
فإنْ أنكَرَ الراهِنُ الإذْنَ فشَهِدَ به المُرتَهَنُ لِلمُعيرِ قُبِلَ؛ لِعَدَمِ التُّهمةِ، ويُصدَّقُ الراهِنُ في عَدَمِ الإذْنِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه.
ولو رَهَن شَخصٌ شَيئًا مِنْ مالِه عن غَيرِه بأذْنِه صَحَّ ويَرجِعُ عليه إنْ بِيعَ بما بِيعَ به، أو بغَيرِ إذْنِه صَحَّ ولَم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ، كنَظيرِه في الضَّمانِ فيهما (١).
стр. 4205
وقال الحَنابِلةُ: ولمُعيرٍ لِلرَّهنِ أنْ يُكلِّفَ راهِنَه فَكَّه في مَحَلِّ الحَقِّ وقَبلَه؛ لأنَّ العاريةَ لا تَلزَمُ.
ولِلمُعيرِ للرَّهنِ الرُّجوعُ في الإذْنِ في الرَّهنِ قبلَ إقباضِه المُرتَهَنَ؛ لأنَّ الرَّهنَ إنَّما يَلزَمُ بالقَبضِ.
أمَّا بعدَ القَبضِ فلا يَجوزُ له الرُّجوعُ.
وكذا المُؤجِّرُ له الرُّجوعُ إذا أذِنَ لِلمُستأجِرِ في رَهنِه قبلَ إقباضِه، لا المُؤجِّرُ عَينًا لِمَنْ يَرهَنُها أو يَنتفِعُ بها، ثم أذِنَ له أنْ يَرهَنَها أو أقبَضَها، فلا رُجوعَ له قبلَ مُضيِّ مُدَّةِ الإجارةِ لِلُزومِها.
ويُباعُ الرَّهنُ المُستأجَرُ أو المُستَعارُ إنْ لَم يَقضِ الراهِنُ الدَّينَ، فيَبيعُه الحاكِمُ إنْ لَم يأذَنْ رَبُّه؛ لأنَّه مُقتَضى عَقدِ الرَّهنِ، فإنْ بِيعَ الرَّهنُ رجَع المُؤجِّرُ أو المُعيرُ على الراهِنِ بمِثلِه في المِثليِّ، وإلا -بأنْ لَم يَكُنِ الرَّهنُ مِثلِيًّا- رجَع به بأكثَرِ الأمرَيْنِ مِنْ قيمَتِه، أو ما بِيعَ به؛ لأنَّه إنْ بِيعَ بأقَلَّ مِنْ قيمَتِه ضمِن الراهِنُ النَّقصَ، وإنْ بِيعَ بأكثَرَ رَجَع ثَمنُه كلُّه، ويُؤيِّدُه أنَّ المُرتَهَنَ لو أسقَطَ حَقَّه مِنَ الرَّهنِ رَجَع الثَّمَنُ كلُّه إلى صاحِبِه، فإذا قَضى به الراهِنُ دَينَه رَجَع به عليه، ولا يَلزَمُ مِنْ وُجوبِ ضَمانِ النَّقصِ ألَّا تَكونَ الزِّيادةُ لِلمالِكِ، كما لو كان باقيًا بعَينِه.
والمَنصوصُ يَرجِعُ رَبُّه بقيمَتِه، لا بما بِيعَ به، سَواءٌ زادَ على القيمةِ أو