← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الجُملةِ أنَّ يَدَ المُستَعيرِ يَدُ ضَمانٍ، فإذا هَلَكتْ أو بيعَتْ في فَكِّ الرَّهنِ رَجَع المُعيرُ على المُستَعيرِ وضَمَّنَه إيَّاه. قال المالِكيَّةُ: إنْ وَفَّى المُستَعيرُ دَينَه رَجَع الرَّهنُ لِصاحِبِه المُعيرِ، وإنْ لَم يُوَفِّ وبِيعَ الرَّهنُ في الدَّينِ رَجَع صاحِبُه المُعيرُ على المُستَعيرِ بقيمَتِه يَومَ استَعارَه (١) أو رَجَع المُعيرُ على المُستَعيرِ بما أدى المُستَعيرُ في دَينِه مِنْ ثَمَنِه، أي: ثَمَنِ الشَّيءِ المُعارِ، ف «أَوْ» لِلتَّنويعِ وليستْ لِلتَّخييرِ. وضمِن المُستَعيرُ -أي: تَعلَّقَ به الضَّمانُ- أي أنَّ لِلمُعيرِ تَضمينَه قيمَتَه ولو لَم يَتلَفْ؛ لِتَعَدِّيه، وله أخْذُه مِنَ المُرتَهَنِ وتَبطُلُ العاريةُ ولو كان مما لا يُغابُ عليه كالعَبدِ، أو قامَتْ على ضياعِه بلا تَفريطٍ بَيِّنةٌ إنْ رَهَنه في غيرِ ما أُذِنَ له فيه، كأنِ استَعارَه لِيَرهَنَه في دَينِ عَينٍ، فرهَنه في عَرضٍ أو طَعامٍ فلرَبِّه أخْذُه إنْ وَجَده قائمًا لَم يَتغيَّرْ في ذاتِه عن المُرتَهَنِ، وإنْ وَجَده قائِمًا فقيمَتُه تَلزَمُ المُستَعيرَ مُطلَقًا، ولو كان مما لا يُغابُ عليه أو هَلَك ببَيِّنةٍ (٢).

стр. 4202

وقال الشافِعيَّةُ: وإذا استَعارَ شَيئًا لِيَرهَنَه بدَينٍ فتلِف في يَدِ المُرتَهَنِ بعدَ رَهنِه، فلا ضَمانَ على المُرتَهَنِ بحالٍ؛ لأنَّه أمينٌ، ولَم يَسقُطِ الحَقُّ عن ذِمَّةِ الراهِنِ. وإنْ تلِف في يَدِ الراهِنِ ضمِن؛ لأنَّه الآنَ مُستَعيرٌ (١). وقال الحَنابِلةُ: متى حَلَّ الحَقُّ فلَم يَقبِضْه فلِلمُرتَهَنِ بَيعُ الرَّهنِ واستِيفاءُ الدَّينِ مِنْ ثَمَنِه، ويَرجِعُ المُعيرُ على الراهِنِ بالضَّمانِ وهو قيمةُ العَينِ المُستَعارةِ أو مِثلُها إنْ كانتْ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ، ولا يَرجِعُ بما بَيعَتْ به سَواءٌ بِيعتْ بأقَلَّ مِنَ القيمةِ أو بأكثَرَ في أحَدِ الوَجهَيْنِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ أنَّها إنْ بِيعتْ بأقَلَّ مِنْ قيمَتِها رَجَع بالقيمةِ؛ لأنَّ العاريةَ مَضمونةٌ، فيَضمَنُ نَقصَ ثَمَنِها، وإنْ بِيعتْ بأكثَرَ رجَع

стр. 4203

بما بِيعتْ به؛ لأنَّ العَبدَ مِلكٌ لِلمُعيرِ، فيَكونُ ثَمَنُه كلُّه له، وكذلك لو أسقَطَ المُرتَهَنُ حَقَّه عن الراهِنِ رَجَع الثَّمَنُ كلُّه إلى صاحِبِه، فإذا قَضى به دَينَ الراهِنِ رَجَع به عليه ولا يَلزَمُ مِنْ وُجوبِ ضَمانِ النَّقصِ ألَّا تَكونَ الزِّيادةُ لِصاحِبِ العَبدِ، كما لو كان باقيًا بعَينِه. وإنْ تلِف الرَّهنُ ضمِنه الراهِنُ بقيمَتِه، سَواءٌ تلِف بتَفريطٍ أو بغَيرِ تَفريطٍ، نَصَّ على هذا أحمدُ؛ وذلك لأنَّ العاريةَ مَضمونةٌ (١). هل يَحِقُّ لِلمُعيرِ أنْ يَرجِعَ فيما أعارَ بعدَ قَبضِ المالِكِ لِلرَّهنِ؟ قال جُمهورُ الفُقهاءِ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وغَيرُهم: لا يَحِقُّ لِلمالِكِ المُعيرِ أنْ يَرجِعَ في الرَّهنِ بعدَ قَبضِ المُرتَهَنِ له، ويَجوزُ قبلَ القَبضِ. قال الشافِعيَّةُ: لا يَحِقُّ لِلمالِكِ المُعيرِ أنْ يَرجِعَ على المُستَعيرِ فيما أعارَه لِلرَّهنِ بعدَ قَبضِ المُرتَهَنِ له، إذْ لو رجَع لَم يَكُنْ لِهذا الرَّهنِ مَعنًى؛ إذْ لا وُثوقَ به ولا فائِدةَ منه. ويَجوزُ الرُّجوعُ فيه قبلَ قَبضِه. ولِلمُرتَهَنِ حينَئذٍ فَسخُ بَيعٍ شُرِطَ فيه رَهنُ ذلك إنْ جَهِلَ الحالَ. وإذا كان الدَّينُ مُؤجَّلًا وقبَض المُرتَهَنُ المُعارَ فليس لِلمالِكِ إجبارُ الراهِنِ على فَكِّه، فإذا حَلَّ الدَّينُ أو كان حالًّا وأمهَلَه المُرتَهَنُ فلِلمالِكِ ذلك، فإنْ طالَبَه وامتَنَع مِنْ أداءِ الدَّينِ رُوجِعَ المالِكُ لِلبَيعِ، فقد يُريدُ فِداءَه؛ لأنَّ المالِكَ لو رهَن عن دَينِ نَفْسِه وَجَبتْ مُراجَعَتُه، فهُنا أوْلى.

стр. 4204

وبَعدَ ذلك يُباعُ المُعارُ إنْ لَم يُقضَ الدَّينُ مِنْ جِهةِ المالِكِ أو الراهِنِ، وإنْ لَم يأذَنِ المالِكُ، وسَواءٌ أكانَ الراهِنُ مُعسِرًا أم مُوسِرًا؛ كما يُطالَبُ الضامِنُ في الذِّمَّةِ مع يَسارِ الأصيلِ وإعسارِه. ثم يَرجِعُ المالِكُ على الراهِنِ بما بِيعَ به المَرهونُ؛ لانتِفاعِ الراهِنِ به في دَينِه، سَواءٌ بِيعَ بقيمَتِه أو بأكثَرَ أو بأقَلَّ بقَدْرٍ يَتغابَنُ الناسُ بمِثلِه، هذا على قَولِ الضَّمانِ. وأمَّا على قَولِ العاريةِ فيَرجِعُ بقيمَتِه إنْ بِيعَ بها، أو بأقَلَّ، وكذا بأكثَرَ عندَ الأكثَرينَ؛ لأنَّ العاريةَ بها تُضمَنُ. وقال القاضي أبو الطَّيِّبِ وجَماعةٌ: يَرجِعُ بما بِيعَ به؛ لأنَّه ثَمَنُ مِلكِه، قال الرافِعيُّ: وهذا أحسَنُ، زاد في الرَّوضةِ: هذا هو الصَّوابُ. وإنْ قَضى مِنْ جِهةِ الراهِنِ انفَكَّ الرَّهنُ ورَجَع المالِكُ في عَينِ مالِه، فإنْ قَضاه المالِكُ انفَكَّ الرَّهنُ ورَجَع بما دَفَعه على الراهِنِ إنْ قَضى بإذْنِه؛ وإلا فلا رُجوعَ له، كما لو أدَّى دَينَ غَيرِه في غيرِ ذلك. فإنْ أنكَرَ الراهِنُ الإذْنَ فشَهِدَ به المُرتَهَنُ لِلمُعيرِ قُبِلَ؛ لِعَدَمِ التُّهمةِ، ويُصدَّقُ الراهِنُ في عَدَمِ الإذْنِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه. ولو رَهَن شَخصٌ شَيئًا مِنْ مالِه عن غَيرِه بأذْنِه صَحَّ ويَرجِعُ عليه إنْ بِيعَ بما بِيعَ به، أو بغَيرِ إذْنِه صَحَّ ولَم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ، كنَظيرِه في الضَّمانِ فيهما (١).

стр. 4205

وقال الحَنابِلةُ: ولمُعيرٍ لِلرَّهنِ أنْ يُكلِّفَ راهِنَه فَكَّه في مَحَلِّ الحَقِّ وقَبلَه؛ لأنَّ العاريةَ لا تَلزَمُ. ولِلمُعيرِ للرَّهنِ الرُّجوعُ في الإذْنِ في الرَّهنِ قبلَ إقباضِه المُرتَهَنَ؛ لأنَّ الرَّهنَ إنَّما يَلزَمُ بالقَبضِ. أمَّا بعدَ القَبضِ فلا يَجوزُ له الرُّجوعُ. وكذا المُؤجِّرُ له الرُّجوعُ إذا أذِنَ لِلمُستأجِرِ في رَهنِه قبلَ إقباضِه، لا المُؤجِّرُ عَينًا لِمَنْ يَرهَنُها أو يَنتفِعُ بها، ثم أذِنَ له أنْ يَرهَنَها أو أقبَضَها، فلا رُجوعَ له قبلَ مُضيِّ مُدَّةِ الإجارةِ لِلُزومِها. ويُباعُ الرَّهنُ المُستأجَرُ أو المُستَعارُ إنْ لَم يَقضِ الراهِنُ الدَّينَ، فيَبيعُه الحاكِمُ إنْ لَم يأذَنْ رَبُّه؛ لأنَّه مُقتَضى عَقدِ الرَّهنِ، فإنْ بِيعَ الرَّهنُ رجَع المُؤجِّرُ أو المُعيرُ على الراهِنِ بمِثلِه في المِثليِّ، وإلا -بأنْ لَم يَكُنِ الرَّهنُ مِثلِيًّا- رجَع به بأكثَرِ الأمرَيْنِ مِنْ قيمَتِه، أو ما بِيعَ به؛ لأنَّه إنْ بِيعَ بأقَلَّ مِنْ قيمَتِه ضمِن الراهِنُ النَّقصَ، وإنْ بِيعَ بأكثَرَ رَجَع ثَمنُه كلُّه، ويُؤيِّدُه أنَّ المُرتَهَنَ لو أسقَطَ حَقَّه مِنَ الرَّهنِ رَجَع الثَّمَنُ كلُّه إلى صاحِبِه، فإذا قَضى به الراهِنُ دَينَه رَجَع به عليه، ولا يَلزَمُ مِنْ وُجوبِ ضَمانِ النَّقصِ ألَّا تَكونَ الزِّيادةُ لِلمالِكِ، كما لو كان باقيًا بعَينِه. والمَنصوصُ يَرجِعُ رَبُّه بقيمَتِه، لا بما بِيعَ به، سَواءٌ زادَ على القيمةِ أو

стр. 4206

نَقَصَ، صَحَّحَه في «الإنصافِ» وقال: قَدَّمَه في الفُروعِ والفائِقِ والرِّعايةِ الصُّغرى والحاويَيْنِ. ولو تلِف الرَّهنُ المُؤجَّرُ أو المُستَعارُ بغَيرِ تَعَدٍّ ولا تَفريطٍ ضمَّن الراهِنُ المُستَعيرَ فَقَطْ؛ لأنَّ العاريةَ مَضمونةٌ مُطلَقًا دونَ المُؤجِّرِ. فلا يَضمَنُه بلا تَعَدٍّ ولا تَفريطٍ. وإنْ فَكَّ المُعيرُ أو المُؤجِّرُ الرَّهنَ وأدى الدَّينَ الذي عليه بإذْنِ الراهِنِ رَجَع المُعيرُ أو المُؤجِّرُ بما أداه عنه على الراهِنِ. وإنْ قَضى المُؤجِّرُ أو المُعيرُ الدَّينَ مُتبَرِّعًا لَم يَرجِعْ بشَيءٍ؛ لِتَبرُّعِه به، وكذا إنْ لَم يَنْوِ تَبرُّعًا ولا رُجوعًا. وإنْ قَضاه بغَيرِ إذْنِه ناويًا الرُّجوعَ عليه رَجَع؛ لِقيامِه عنه بدَينٍ واجِبٍ عليه، فإنْ لَم يَنْوِ رُجوعًا لَم يَرجِعْ (١). الشَّرطُ الرابِعُ: أنْ يَكونَ مَقسومًا: وبِناءً عليه لا يَصحُّ رَهنُ المَشاعِ عندَ الحَنفيَّةِ.

стр. 4207

حُكمُ رَهنِ المَشاعِ: اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ رَهنِ المَشاعِ هل يَصحُّ أو لا؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ صِحَّةِ رَهنِ المَشاعِ مِنْ عَقارٍ وحَيوانٍ، كما يَصحُّ بَيعُه وهِبَتُه ووَقفُه، سَواءٌ كانتِ البَقيَّةُ للراهِنِ أو لِغَيرِه؛ لأنَّ كُلَّ عَينٍ جازَ بَيعُها جازَ رَهنُها؛ لأنَّ مَقصودَ الرَّهنِ الاستيثاقُ بالدَّينِ لِلتَّوصُّلِ إلى استِيفائِه مِنْ ثَمَنِ الرَّهنِ إنْ تَعذَّرَ استيفاؤُه مِنْ ذِمَّةِ الراهِنِ، وهذا يَتحقَّقُ في كلِّ عَينٍ جازَ بَيعُها، ولأنَّ ما كان مَحَلًّا للبَيعِ كان مَحَلًّا لِحِكمةِ الرَّهنِ، ومَحَلُّ الشَّيءِ مَحَلٌّ لِحِكمَتِه؛ إلا أنْ يَمنَعَ مانِعٌ مِنْ ثُبوتِه أو يَفوتَ شَرطٌ فيَنتَفيَ الحُكمُ لانتِفائِه، فصَحَّ رَهنُ المَشاعِ لذلك، إذْ لا ضَرَرَ على الشَّريكِ؛ لأنَّه يَتعامَلُ مع المُرتَهَنِ كما كان يَتعامَلُ مع الراهِنِ، وقبَضه بقَبضِ الجَميعِ، فيَكونُ بالتَّخليةِ في غيرِ المَنقولِ، وبالنَّقلِ في المَنقولِ. ولأنَّه يَصحُّ قَبضُه بالبَيعِ صَحَّ ارتِهانُه كالمَقسومِ، ولأنَّ إشاعَتَه لا تَمنَعُ صِحَّةَ الرَّهنِ، أصلُه إذا رهَن دارًا مِنْ رَجُلَيْنِ؛ ولأنَّ كلَّ ما لو رَهَنه مع غَيرِه صَحَّ فكذلك إذا رَهَنه مُنفَرِدًا، أصلُه الداران إذا رَهَنهما مِنْ رَجُلٍ؛ ولأنَّها حالٌ لِلرَّهنِ جازَ أنْ يَتناوَلَ المَشاعَ، أصلُه ثاني حالٍ، وهو أنْ يَرهَنَه دارًا تَمَّ بَيعُ نِصفِها؛ ولأنَّ كلَّ عَقدٍ جازَ أنْ يُعقَدَ على بَعضِ الجُملةِ مَقسومًا جازَ أنْ يَعقِدَ على ذلك البَعضِ مَشاعًا، أصلُه البَيعُ، ولأنَّ كلَّ عَقدٍ جازَ على عَينٍ لِنَفْسَيْنِ جازَ على نِصفِها لِأحَدِهما، أصلُه البَيعُ.

стр. 4208

ولا يُشترَطُ أنْ يَستأذِنَ الراهِنُ شَريكَه في رَهنِ نَصيبِه إلا فيما يُنقَلُ، إنَّما يُندَبُ له ذلك، كما أنَّ لِشَريكِه الحَقَّ في أنْ يَقسِمَ، ولكنْ بإذْنِ الراهِنِ، وله أنْ يَبيعَ بدونِ إذْنِه، أمَّا فيما يُنقَلُ فلا بُدَّ مِنْ إذْنِه؛ لأنَّه لا يَحصُلُ قَبضُه إلا بالقَبضِ. ثم إنْ رَضيَ الشَّريكُ والمُرتَهَنُ بكَونِه في يَدِ أحَدِهما أو غَيرِهما جازَ، وإنِ اختَلَفا جعَله حاكِمٌ بيَدِ أمينٍ أمانةً أو بأُجرةٍ. وذهَب الحَنفيَّةُ إلى عَدَمِ جَوازِ رَهنِ المَشاعِ، سَواءٌ كان فيما يَحتمِلُ القِسمةَ أو لا، وسَواءٌ رَهَنه مِنْ أجنبيِّ أو مِنْ شَريكِه؛ لأنَّ الإشاعةَ تَمنَعُ استِدامةَ القَبضِ؛ لأنَّه لا بُدَّ فيها مِنَ المُهايأةِ؛ لأنَّ مُوجِبَ الرَّهنِ هو الحَبسُ الدائِمُ؛ لأنَّه لَم يُشرَعْ إلا مَقبوضًا بالنَّصِّ فلو جازَ في المَشاعِ لفاتَ الدَّوامُ؛ لأنَّه لا بُدَّ مِنَ المُهايأةِ، فيَصيرُ كما إذا قال: رَهَنتُكَ يَومًا ويَومًا لا، ولِهذا لا يَجوزُ فيما يَحتمِلُ القِسمةَ وما لا يَحتمِلُها، وكذا ما كان في عِلَّةِ المَشاعِ، مِثلَما إذا كان الرَّهنُ مُتَّصِلًا بغَيرِه، كرَهنِ النَّخلِ دونَ الثَّمرةِ، والأرضِ دونَ النَّخلِ والزَّرعِ. ولأنَّ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الرَّهنِ عندَهم أنْ يَكونَ مَحُوزًا -أي: مَقسومًا-، فلا يَصحُّ رَهنُ المَشاعِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ قَبضُه أو تَسليمُه؛ لاختِلاطِه بغَيرِ المَرهونِ؛ لأنَّ قَبضَ النِّصفِ الشائِعِ وَحدَه لا يُتصوَّرُ وَحدَه، ولأنَّ النِّصفَ الآخَرَ ليس بمَرهونٍ، فلا يَصحُّ قَبضُه؛ وسَواءٌ -كما قُلنا- كان مَشاعًا يَحتمِلُ القِسمةَ أو لا يَحتمِلُها؛ لأنَّ الشُّيوعَ يَمنَعُ تَحقُّقَ قَبضِ الشائِعِ في النَّوعَيْنِ جَميعًا.

стр. 4209

وسَواءٌ رهَن مِنْ أجنبيٍّ أو مِنْ شَريكِه، وسَواءٌ كان مُقارِنًا لِلعَقدِ أو طَرَأ عليه. ثم إذا قَبَض الرَّهن على الفَسادِ فهَلَك قال الكَرخيُّ: يَهلِكُ أمانةً، ولا يَذهَبُ مِنَ الدَّينِ شَيءٌ. وفي «الجامِعِ الكَبيرِ» ما يَدلُّ على أنَّه يَهلِكُ بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه، ومِنَ الدَّينِ؛ لأنَّه قال: كلُّ مالٍ هو مَحَلٌّ لِلرَّهنِ الصَّحيحِ إذا رَهَنه رَهنًا فاسِدًا فهَلَك في يَدِ المُرتَهَنِ يَهلِكُ بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه ومِن الدَّينِ، وكلُّ ما ليس بمَحَلٍّ لِلرَّهنِ الصَّحيحِ إذا رُهِنَ رَهنًا فاسِدًا لا يَكونُ مَضمونًا، كالمُدبِّرِ وأُمِّ الوَلَدِ، ولا فَرقَ بينَ الإشاعةِ الطارئيَّةِ والأصليَّةِ في مَنعِ صِحَّةِ الرَّهنِ، وهو الصَّحيحُ، وذلك مِثلَ أنْ يَرهَنَ جَميعَ العَينِ، ثم تَفاسَخًا في بَعضٍ، أو يَبيعَ الراهِنُ أو وَكيلُه نِصفَ الرَّهنِ بإذْنِ المُرتَهَنِ، أو يَستحِقَّ نِصفَه فيَبطُلَ الرَّهنُ في البَقيَّةِ. والحيلةُ في جَوازِ رَهنِ المَشاعِ: أنْ يَبيعَ منه النِّصفَ بالخيارِ، ثم يَرهَنَه النِّصفَ ثم يَفسَخَ البَيعَ (١).

стр. 4210

الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَ المَرهونُ مَحَلًّا قابِلًا لِلبَيعِ: وهو أنْ يَكونَ مَوجودًا وَقتَ العَقدِ مالًا مُطلَقًا مُتقوَّمًا مَملوكًا مَقدورَ التَّسليمِ ونَحوَ ذلك، فلا يَجوزُ رَهنُ ما ليس بمَوجودٍ وَقتَ العَقدِ، ولا رَهنُ ما يَحتمِلُ الوُجودَ والعَدَمَ، كما إذا رَهَن ما يُثمِرُ نَخيلُه هذا العامَ، أو ما تَلِدُ أغنامُه هذه السَّنةَ، ونَحوَ ذلك، وهذا عندَ الحَنفيَّةِ، وهو على التَّفصيلِ الآتي: ١ - حُكمُ رَهنِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ أو الزَّرعِ الأخضَرِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه: لا يَصحُّ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ في الأظهَرِ والمالِكيَّةِ في قَولٍ والحَنابِلةِ في وَجهٍ؛ لأنَّه لا يَجوزُ بَيعُه، فلا يَصحُّ رَهنُه، كسائِرِ ما لا يَجوزُ بَيعُه. وعِلَّةُ المَنعِ عندَ الحَنفيَّةِ أنَّ المَرهونَ متى اتَّصَلَ بغَيرِ المَرهونِ خِلقةً لا يَجوزُ؛ لامتِناعِ قَبضِ الرَّهنِ وَحدَه، وعلى ذلك لو رهَن شَجَرًا وفيه ثَمَرٌ لَم يُسَمِّه في الرَّهنِ دَخَل في الرَّهنِ؛ تَصحيحًا لِلعَقدِ. وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وهو مُقابِلُ الأظهَرِ عندَ الشافِعيَّةِ -وسيأتي تَفصيلُهم في هذا- إلى جَوازِ رَهنِ الثَّمَرِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه مِنْ غيرِ شَرطِ القَطعِ أو الزَّرعِ الأخضَرِ؛ لأنَّ الغَرَرَ يَقِلُّ فيه؛ لأنَّ الثَّمَرةَ متى تَلِفتْ عاد إلى حَقِّه في ذِمَّةِ الراهِنِ؛ ولأنَّه يَجوزُ بَيعُه، فجازَ رَهنُه.

стр. 4211

ولأنَّه إنْ كان بدَيْنٍ حالٍّ فمُقتَضاه أنْ تُؤخَذَ فتُباعَ فيُؤمَنَ أنْ تَهلِكَ بالعاهةِ، وإنْ كان بدَيْنٍ مُؤجَّلٍ فتَلِفتِ الثَّمَرةُ لَم يَسقُطْ دَينُه؛ وإنَّما تَبطُلُ وَثيقَتُه، والغَرَرُ في بُطلانِ الوَثيقةِ مع بَقاءِ الدَّينِ قَليلٌ، فجازَ بخِلافِ البَيعِ؛ فإنَّ العادةَ فيه أنْ يُترَكَ إلى أوانِ الجِذاذِ، فلا يُؤمَنُ أنْ يَهلِكَ بعاهةٍ فيَذهَبَ الثَّمَنُ ولا يَحصُلَ المَبيعُ فيَعظُمَ الضَّرَرُ فلَم يَجُزْ مِنْ غيرِ شَرطِ القَطعِ. أمَّا إنْ شُرِطَ القَطعُ في الحالِ فيَصحُّ؛ لأنَّه يَصحُّ بَيعُه. ومتى حَلَّ الحَقُّ بِيعَ، وإنِ اختارَ المُرتَهَنُ تأخيرَ دَيْنِه فله ذلك. قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ رَهنُ ما خُلِقَ مِنْ ثَمَرٍ وزَرعٍ لَم يَبْدُ صَلاحُه على المَشهورِ؛ لأنَّ الغَرَرَ جائِزٌ في هذا البابِ، فإذا ماتَ الراهِنُ، أو أفلَسَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه ولا مالَ له فإنَّه يَنتَظِرُ بذلك الثَّمَرِ الذي لَم يَبْدُ صَلاحُه إلى بُدُوِّ الصَّلاحِ، ثم يُباعُ ويُستَوفَى الدَّينُ، وهو أحَقُّ مِنَ الغُرَماءِ، وأمَّا إنْ لَم يُخلَقْ فلا يَصحُّ رَهنُه كرَهنِ الجَنينِ، على الصَّحيحِ. وقد فصَّل الشافِعيَّةُ في رَهنِ الثِّمارِ، وفَرَّقوا بينَ أنْ تَكونَ الثِّمارُ مع الشَّجَرِ أو وَحدَها، وبَينَ أنْ يَكونَ الثَّمَرُ مما يَتسارَعُ فَسادُه أو لا، فقالوا: إنَّ رَهنَ الثِّمارِ على الشَّجَرِ له حالتانِ: إحداهما: أنْ يُرهَنَ الثَّمَرُ مع الشَّجَرِ، وحينَئذٍ إنْ كان الثَّمَرُ مما يُمكِنُ تَجفيفُه صَحَّ الرَّهنُ مُطلَقًا، سَواءٌ بدا فيها الصَّلاحُ أو لا، وسَواءٌ كان الدَّينُ حالًّا أو مُؤجَّلًا. وإنْ كان مما لا يُمكِنُ تَجفيفُه فَسَد الرَّهنُ؛ إلا في ثَلاثِ مَسائِلَ، هي:

стр. 4212

أنْ يَرهَنَه بدَينٍ حالٍّ أو مُؤجَّلٍ يَحِلُّ قبلَ فَسادِه أو يَحِلُّ بعدَ فَسادِه أو معه، لكنْ بشَرطِ بَيعِه عندَ إشرافِه على الفَسادِ وجَعلِ الثَّمَنِ رَهنًا مَكانَه. والحالةُ الأُخرى: رَهنُ الثَّمَرِ وَحدَه، فإنْ كان لا يُحفَظُ بالجَفافِ فهو كالذي يَتسارَعُ إليه الفَسادُ، وقد تَقدَّم حُكمُه، وإنْ كان يَتجَفَّفُ فهو على ضَربَيْنِ: الضَّربُ الأوَّلُ: أنْ يُرهَنَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، فإنْ رُهِنَ بدَينٍ حالٍّ وشُرِطَ قَطعُه وبَيعُه جازَ، وإنْ أُطلِقَ جازَ أيضًا على الأظهَرِ. وإنْ رُهِنَ بمُؤجَّلٍ نُظِرَ إنْ كان يَحِلُّ مع بُلوغِ الثَّمَرِ وَقتَ الإدراكِ أو بَعدَه جازَ الرَّهنُ. وإنْ كان يَحِلُّ قبلَ بُلوغِه وَقتَ الإدراكِ فإنْ رَهَنه مُطلَقًا لَم يَصحَّ، وإنْ شَرَط القَطعَ صَحَّ. الضَّربُ الآخَرُ: أنْ يَرهَنَ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، فيَجوزُ بشَرطِ القَطعِ، ومُطلَقًا إنْ رَهَن بحالٍّ أو مُؤجَّلٍ هو في مَعناه. وإنْ رَهَن بمُؤجَّلٍ يَحِلُّ قبلَ بُلوغها وَقتَ الإدراكِ فعلى ما سبَق في الضَّربِ الأوَّلِ. ومتى صَحَّ رَهنُ الثِّمارِ على الأشجارِ فمُؤنةُ السَّقيِ والجِدادِ على الراهِنِ، فإنْ لَم يَكُنْ له شَيءٌ باعَ الحاكِمُ جُزءًا منها وأنفَقَ عليها. ولو أرادَ أحَدُهما قَطعَ الثَّمَرةِ قبلَ وَقتِ الجِدادِ فللآخَرِ الامتِناعُ، وليس

стр. 4213

له الامتِناعُ بعدَ وَقتِ الجِدادِ، بل يُباعُ في الدَّينِ إنْ حَلَّ، وإلا أمسَكَه رَهنًا (١). ٢ - أنْ يَكونَ مالًا: فلا يَصحُّ رَهنُ ما ليس بمالٍ، كالمَيتةِ والدَّمِ؛ لانعِدامِ مالِيَّتِهما، ولا رَهنُ صَيدِ الحُرُمِ والإحرامِ؛ لأنَّه مَيْتةٌ. ٣ - أنْ يَكونَ مُتقوَّمًا: أي يُباحُ الانتِفاعُ به شَرعًا: بحيث يُمكِنُ استِيفاءُ الدَّينِ منه، فلا يَصحُّ رَهنُ الخَمرِ والخِنزيرِ مِنَ المُسلِمِ، وهذا مَحَلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الخَمرِ والخِنزيرِ، فلا يَصحُّ رَهنُه، وقال الحَنفيَّةُ: وسَواءٌ كان العاقدانِ مُسلِمَيْنِ أو أحَدُهما مُسلِمًا؛ لانعِدامِ ماليَّةِ الخَمرِ والخِنزيرِ في حَقِّ المُسلِمِ، وهذا لأنَّ الرَّهنَ إيفاءُ الدَّينِ، والارتِهانَ استِيفاؤُه، ولا يَجوزُ لِلمُسلِمِ إيفاءُ الدَّينِ مِنَ الخَمرِ واستيفاؤُه، إلا أنَّ الراهِنَ إذا كان ذِمِّيًّا كانتِ الخَمرُ مَضمونةً على المُسلِمِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ الرَّهنَ إذا لَم يَصحَّ كانتِ الخَمرُ بمَنزِلةِ المَغصوبِ في يَدِ المُسلِمِ، وخَمرُ الذِّمِّيِّ مَضمونةٌ على المُسلِمِ بالغَصبِ، وإذا كان الراهِنُ مُسلِمًا والمُرتَهَنُ ذِمِّيًّا لا تَكونُ مَضمونةً على أحَدٍ.

стр. 4214

وأمَّا في حَقِّ أهلِ الذِّمَّةِ فيَجوزُ رَهنُ الخَمرِ والخِنزيرِ وارتِهانُهما منهم؛ لأنَّ ذلك مالٌ مُتقوَّمٌ في حَقِّهم بمَنزِلةِ الخَلِّ والشاةِ. ولا يَصحُّ رَهنُ المُباحاتِ مِنَ الصَّيدِ والحَطَبِ والحَشيشِ ونَحوِها؛ لأنَّها ليستْ مَملوكةً في أنْفُسِها (١). وقال المالِكيَّةُ: لا يَصحُّ رَهنُ الخَمرِ لِمُسلِمٍ وإنْ كانت مِلكًا لِذِمِّيٍّ، وتُرَدُّ لِلراهِنِ الذِّمِّيِّ، ويَكونُ المُرتَهَنُ أُسوةَ الغُرماءِ في ثَمَنِها، وتُراقُ على الراهِنِ المُسلِمِ، إلا أنْ تَتخَلَّل فلا تُرَدَّ ويَختَصَّ بها دونَ غُرَماءِ الراهِنِ مُرتَهِنُها، وإنْ رهَن المُسلِمَ عَصيرَ المُسلِمِ، أو ذِمِّيٌّ فتَخَمَّرَ عندَ المُرتَهَنِ فإنَّه يُهريقُه بأمرِ حاكِمٍ إنْ كان حاكِمٌ في المَوضِعِ يَحكُمُ ببَقائِها وتَخليلِها، وإنْ لَم يُوجَدْ حاكِمٌ يَرى ذلك فليس عليه الرَّفعُ؛ للأمْنِ مِنَ التَّعقُّبِ، أمَّا لو كان الراهِنُ ذِمِّيًّا فإنَّها لا تُراقُ عليه، وإنَّما تُرَدُّ إليه (٢). ٤ - أنْ يَكونَ مَعلومًا: كما يُشترَطُ في المَبيعِ أنْ يَكونَ مَعلومًا خاليًا مِنَ الجَهالةِ المُفضيةِ إلى الغَرَرِ، وعلى هذا لا يَصحُّ رَهنُ المَجهولِ. رَهنُ المَجهولِ: اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ رَهنِ المَجهولِ، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى عَدَمِ جَوازِ

стр. 4215

رَهنِ المَجهولِ؛ لأنَّه لا يَصحُّ بَيعُه، وما لا يَجوزُ بَيعُه مِنَ المَجهولِ لا يَجوزُ رَهنُه؛ لأنَّ الصِّفاتِ مَقصودةٌ في الرَّهنِ لِلوَفاءِ بالدَّينِ، كما أنَّها مَقصودةٌ في البَيعِ لِلوَفاءِ بالثَّمنِ، فإذا لَم يَجُزْ بَيعُ المَجهولِ وَجَب ألَّا يَجوزَ رَهنُ المَجهولِ (١). وكذا لا يَصحُّ رَهنُ مَعجوزِ التَّسليمِ، ونَحوُ ذلك مما لا يَجوزُ بَيعُه، والأصلُ فيه أنَّ كُلَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه لا يَجوزُ رَهنُه (٢). فلو قال: رَهَنتُكَ هذا الجِرابَ أو البَيتَ أو الخَريطةَ بما فيها لا يَصحُّ؛ لأنَّه مَجهولٌ، وإنْ لَم يَقُلْ بما فيها صَحَّ رَهنُها لِلعِلمِ بها، إلا أنْ يَكونَ ذلك مما لا قيمةَ له، كالجِرابِ الخَلَقِ ونَحوِه، ولو قال: رَهَنتُكَ أحَدَ هذَيْنِ العَبدَيْنِ لَم يَصحَّ؛ لِعَدَمِ التَّعيينِ، وفي الجُملةِ يُعتبَرُ لِلعِلمِ في الرَّهنِ ما يُعتبَرُ في البَيعِ. وكذلك القُدرةُ على التَّسليمِ، فلا يَصحُّ رَهنُ الآبِقِ ولا الجَمَلِ الشارِدِ ولا غيرِ مَملوكٍ (٣). وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ رَهنُ المَجهولِ ما لَم يَكُنْ في أصلِ عَقدِ البَيعِ؛ لِتَركِ البائِعِ جُزءًا مِنَ الثَّمَنِ لِأجْلِه (٤).

стр. 4216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4218

الرَّكنُ الرابعُ: المَرهونُ به: وهو الحَقُّ الذي لِلمُرتَهَنِ في ذِمَّةِ الراهِنِ، والذي يُوضَعُ الرَّهنُ بمُقابِلِه، ويُشترَطُ فيه أُمورٌ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ. قال الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ في المَرهونِ به عِدَّةُ شُروطٍ: ١ - منها: أنْ يكون مضمونًا، أي واجِبَ التَّسليمِ إلى صاحِبِه؛ لأنَّه إذا لَم يَكُنْ واجِبَ التَّسليمِ فلا مَحَلَّ لأنْ يُعطى به رَهنٌ لِتَوثيقِه، إذْ لا إلزامَ على المُطالِبِ بالحَقِّ الذي يَستَوجِبُ التَّوثُّقَ به، والكَلامُ في هذا الشَّرطِ يَقَعُ في مَوضِعَيْنِ: أحَدُهما: في أصلِ اشتِراطِ الضَّمانِ، والآخَرُ: في صِفةِ المَضمونِ. أمَّا الأوَّلُ: فأصلُ الضَّمانِ هو: كَونُ المَرهونِ به مَضمونًا شَرطُ جَوازِ الرَّهنِ؛ لأنَّ المَرهونَ مَضمونٌ، بمَعنى سُقوطِ الواجِبِ عندَ هَلاكِه، أو بمَعنى استِيفاءِ الواجِبِ، ولَسْنا نَعني بالمَضمونِ سِوى أنْ يَكونَ واجِبَ التَّسليمِ على الراهِنِ.

стр. 4219

والمَضمونُ نَوعان: دَينٌ وعَينٌ. أمَّا الدَّينُ: فيَجوزُ الرَّهنُ بأيِّ سَبَبٍ وَجَب مِنَ الإتلافِ والغَصبِ والبَيعِ ونَحوِها؛ لأنَّ الدُّيونَ كلَّها واجِبةٌ على اختِلافِ أسبابِ وُجوبِها، فكان الرَّهنُ بها رَهنًا بمَضمونٍ، فيَصحُّ، وسَواءٌ كان مما يَحتمِلُ الاستِبدالَ قبلَ القَبضِ أو لا يَحتمِلُه، كرأسِ مالِ السَّلَمِ وبَدَلِ الصَّرفِ والمُسلَمِ فيه. وإذا جازَ الرَّهنُ بهذه الدُّيونِ فإنْ هَلَك الرَّهنُ في المَجلِس تَمَّ الصَّرفُ والسَّلَمُ؛ لأنَّه صارَ مُستوفيًا عَينَ حَقِّه في المَجلِسِ، لا مُستَبدِلًا، وإنْ لَم يَملِكْ حتى افتَرَقا بَطَلا؛ لِفَواتِ شَرطِ البَقاءِ على الصِّحَّةِ، وهو القَبضُ في المَجلِسِ. ولو تَفاسَخَ العاقِدانِ السَّلَمَ وبالمُسلَمِ فيه رَهنٌ يَكونُ ذلك رَهنًا برأسِ المالِ؛ لأنَّه بَدَلُه. وأمَّا العَينُ: فلا خِلافَ في أنَّه لا يَجوزُ الرَّهنُ بالعَينِ التي هي أمانةٌ في يَدِ الراهِنِ، كالوَديعةِ والعاريةِ ومالِ المُضارَبةِ والبِضاعةِ والشَّرِكةِ والمُستأجِرِ ونَحو ذلك؛ فإنَّها ليستْ مَضمونةً أصلًا. وأمَّا العَينُ المَضمونةُ فنَوعانِ: نَوعٌ مَضمونٌ بنَفْسِه، وهو الذي يَجبُ مِثلُه عندَ هَلاكِه إنْ كان له مِثلٌ، وقيمَتُه إنْ لَم يَكُنْ له مِثلٌ، كالمَغصوبِ في يَدِ الغاصِبِ، والمَهرِ في يَدِ الزَّوجِ، وبَدَلِ الخُلعِ في يَدِ المَرأةِ، وبَدَلِ الصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ في يَدِ العاقِلةِ، ولا خِلافَ في أنَّه يَجوزُ الرَّهنُ به، ولِلمُرتَهَنِ أنْ يَحبِسَ الرَّهنَ حتى يَسترِدَّ العَينَ، فإنْ هَلَك المَرهونُ في يَدِه قبلَ استِردادِ العَينِ والعَينُ قائِمةٌ يُقالُ

стр. 4220

لِلراهِنِ: سَلِّمِ العَينَ إلى المُرتَهَنِ وخُذْ منه الأقَلَّ مِنْ قيمةِ الرَّهنِ ومِنَ الدَّينِ؛ لأنَّ المَرهونَ مَضمونٌ بذلك، فإذا وَصَلَ إليه العَينُ يَجبُ عليه رَدُّ قَدْرِ المَضمونِ إلى الراهِنِ، فإنْ هَلَكتِ العَينُ والرَّهنُ قائِمٌ صارَ الرَّهنُ بها رَهنًا بقيمَتِها، حتى لو هَلَك الرَّهنُ بعدَ ذلك هَلَك مَضمونًا بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه وقيمةِ العَينِ؛ لأنَّ قيمةَ العَينِ بَدَلُها، وبَدَلُ الشَّيءِ قائِمٌ مَقامَه، كأنَّه هو. وأمَّا الذي هو مَضمونٌ بغَيرِه -لا بنَفْسِه- كالمَبيعِ في يَدِ البائِعِ ليس مَضمونًا بنَفْسِه؛ لأنَّه لو هَلَك في يَدِه لا يَضمَنُ شَيئًا، بل هو مَضمونٌ بغَيرِ الثَّمَنِ حتى يَسقُطَ الثَّمنُ المُشتَرى إذا هَلَك فيَجوزُ الرَّهنُ به، وله أنْ يَحبِسَه حتى يَقبِضَ المَبيعَ، وإنْ هَلَك في يَدِه قبلَ القَبضِ هَلَك بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه، ومِن قيمةِ المَبيعِ، ولا يَصيرُ قابِضًا لِلمَبيعِ بهَلاكِه، وله أنْ يَقبِضَ المَبيعَ إذا أوْفى ثَمَنَه، وعليه أيضًا ضَمانُ الأقَلِّ بهَلاكِ الرَّهنِ. ولو هَلَك المَبيعُ قبلَ القَبضِ والرَّهنُ قائِمٌ بَطَل البَيعُ؛ لأنَّ إهلاكَ المَبيعِ قبلَ القَبضِ يُوجِبُ بُطلانَ المَبيعِ، وعلى المُشتَري أنْ يَرُدَّ الرَّهنَ على البائِعِ. ولو هَلَك في يَدِه قبلَ الرَّدِّ هَلَك بضَمانِه وهو الأقَلُّ مِنْ قيمَتِه ومِن قيمةِ المَبيعِ للبائِعِ، ولا يَبطُلُ ضَمانُه بهَلاكِ المَبيعِ وبُطلانِ البَيعِ؛ لأنَّه -وإنْ هَلَك المَبيعُ- سَقَط الثَّمنُ بمُقابَلَتِه، فكان بُطلانُه بعِوَضٍ، فلا يَبطُلُ ضَمانُه (١).

стр. 4221

وقال الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المَرهونِ به أنْ يَكونَ دَيْنًا، أي: مما يَثبُتُ في الذِّمَّةِ، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ ونَحوِها مِنَ العُملاتِ المُتداوَلةِ التي تُقوَّمُ بها الأشياءُ؛ لأنَّ مَقصودَ الرَّهنِ استيفاءُ المَرهونِ به مِنْ قيمةِ المَرهونِ وثَمَنِه عندَ تَعذُّرِ الوَفاءِ، وهذا مُمكِنٌ في الدَّيْنِ. ولا عِبرةَ بسَبَبِ الدَّينِ، سَواءٌ أكان ثَمَنَ مَبيعٍ اشتَراه الراهِنُ إلى أجَلٍ أو كان قَرضًا أو كان ضَمانًا بسَبَبِ إتلافِه شَيئًا ما لِلمُرتَهَنِ. وعليه: لا يَصحُّ أنْ يَكونَ الحَقُّ المَرهونُ به عَينًا كالأعيانِ المَضمونةِ بحُكمِ العَقدِ كالمَبيعِ، أو بحُكمِ اليَدِ كالمَغصوبِ والمُستَعارِ والمأخوذِ على وَجهِ السَّوْمِ، كما لو غَصَبَ إنسانٌ مَتاعًا مِنْ آخَرَ فطالَبَه المَغصوبُ منه به وطَلَب منه أنْ يَرهَنَه شَيئًا مُقابِلَه إلى أنْ يأتيَه به، وكذلك لو استعارَ أحَدٌ شَيئًا فطَلَب المُعيرُ مِنَ المُستَعيرِ أنْ يَرهَنَه شَيئًا ما -مَتاعًا أو نُقودًا مَثَلًا- مُقابِلَه، حتى يأتيَه به لا يَصحُّ مِثلُ هذا الرَّهنِ، وهذا يَقَعُ كَثيرًا في هذه الأيامِ. وإنَّما لَم يَصحَّ الرَّهنُ مُقابِلَ الأعيانِ لأنَّها لا يُمكِنُ استيفاؤُها مِنْ ثَمَن المَرهونِ عندَ تَعذُّرِ الوَفاءِ وبَيعِ العَينِ المَرهونةِ؛ إذْ كيف تُستَوفَى مَثَلًا سَيَّارةٌ مِنْ ليراتٍ ونَحوِها، وإذا قُلنا: تُستَوفَى قيمَتُها فإنَّ القيمةَ تَختَلِفُ باختِلافِ المُقوِّمينَ فيُؤدِّي ذلك إلى التَّنازُعِ. على أنَّ الرَّهنَ إنَّما شُرِعَ وذُكِرَ في كِتابِ اللهِ تَعالى في الدَّينِ فلا يَثبُتُ في غَيرِه (١).

стр. 4222

٢ - يُشترَطُ في الرَّهنِ أنْ يَكونَ الدَّيْنُ ثابِتًا في ذِمَّةِ الراهِنِ لِلمُرتَهَنِ: فلِلرَّهنِ ثَلاثُ حالاتٍ: الحالةُ الأُولى: أنْ يَقَع بعدَ ثُبوتِ الحَقِّ، كثَمَنِ مَبيعٍ بَعدَما أُبرِمَ البَيعُ، ولو قبلَ تَسليمِ المَبيعِ أو نَفَقةِ زَوجةٍ عن زَمَنٍ مَضى، أو مالٍ اقتَرَضَه الراهِنُ وقبَضه أو قبلَ قَبضِه ونَحوِ ذلك، فيَصحُّ الرَّهنُ، وهذا مما لا خِلافَ فيه بينَ المَذاهِبِ الأربعةِ، وحَكى ابنُ قُدامةَ فيه الإجماعَ (١). وإنَّما صَحَّ الرَّهنُ في هذه الحالاتِ لأنَّ الحَقَّ قد ثَبَت فصارَتِ الحاجةُ داعيةً لأخْذِ الوَثيقةِ به، فصارَ الرَّهنُ ضَمانًا للدَّيْنِ، فجازَ أخْذُه به. الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَقَعَ الرَّهنُ مع العَقدِ المُوجِبِ للدَّيْنِ، كما لو قال: بِعْني هذا الثَّوبَ بمِئةٍ إلى شَهرٍ وأرهَنُكَ به هذه الساعةَ، فقال البائِعُ: «قَبِلتُ»، أو: «بِعتُكَ وارتَهَنتُ»، أو قال: «أقرِضْني ألْفًا إلى سَنةٍ وأرهَنُكَ به هذه السَّجادةَ»، فقال: «قَبِلتُ»، أو: «أقرَضتُكَ وارتَهَنتُ»، وهذا أيضًا صَحيحٌ وجائِزٌ باتِّفاقِ المَذاهِبِ الأربَعةِ؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى ذلك، فلو لَم يُعقَدْ ذلك ويَشتَرِطْه مع ثُبوتِ الدَّيْنِ فرُبَّما لَم يَتمكَّنْ مِنْ إلزامِ المُشتَري أو المُقتَرِضِ بعَقدِ الرَّهنِ بعدَ ثُبوتِ الدَّيْنِ، فيَفوتَ حَقُّه في التَّوثُّقِ مِنْ دَيْنِه. وأمَّا الحالةُ الثالِثةُ: فأنْ يَرهَنَه قبلَ الحَقِّ، فإذا حَصَل عَقدُ الرَّهنِ قبلَ ثُبوتِ الحَقِّ أو العَقدِ الذي يُوجِبُه فقد اختَلَف الفُقهاءُ فيه: فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ الرَّهنُ قبلَ

стр. 4223

ثُبوتِ الحَقِّ، كما لو ارتَهَنتِ الزَّوجةُ مَتاعًا مُقابِلَ ما سيَثبُتُ لها مِنْ نَفَقةٍ في أيامٍ مُقبِلةٍ، أو ارتَهَن شَيئًا بما سيُقرِضُه إياه، أو بثَمَنِ ما سيَشتَريه منه فإنَّ الرَّهنَ في هذه الحالاتِ لا يَصحُّ ولا يَنعَقِدُ. وذلك لأنَّ الرَّهنَ وَثيقةٌ بالحَقِّ، فلا تُقدَّمُ على ثُبوتِه، وتابِعٌ فلا يَسبِقُه كالشَّهادةِ فلا تُقدَّمُ قبلَ ثُبوتِ المَشهودِ عليه ولا تَسبِقُه. وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ وأبو الخَطَّابِ مِنَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه يَصحُّ الرَّهنُ قبلَ ثُبوتِ الحَقِّ، فمَتى قال: «رَهَنتُكَ ثَوبي هذا بعَشَرةٍ تُقرِضُنيها غَدًا»، وسَلَّمَه إليه ثم أقرَضَه الدَّراهِمَ لَزِمَ الرَّهنُ؛ لأنَّه وَثيقةٌ بحَقٍّ فجازَ عَقدُها قبلَ وُجوبِه كالضَّمانِ، أو فجازَ انعِقادُها على شَيءٍ يَحدُثُ في المُستَقبَلِ، كضَمانِ الدَّركِ. ولقَولِ اللهِ : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولَم يُفرِّقْ؛ ولأنَّ المَقصودَ مِنَ الرَّهنِ هو استِيفاءُ الحَقِّ مِنْ ثَمَنِه، وقد ثَبَت أنَّ ذلك يَجوزُ أنْ يَتعلَّقَ بصِفةٍ تأتي، وهو امتِناعُ مَنْ عليه الحَقُّ مِنْ أدائِه، فجازَ أنْ يَتعلَّقَ الرَّهنُ أيضًا بصِفةٍ تأتي؛ ولأنَّه أذِنَ له في قَبضِه على وَجْهِ الأمانةِ أو الضَّمانِ، فصَحَّ ذلك، أصلُه في الضَّمانِ ضَمانُ القَضاءِ، إذا قال: «خُذْ هذا الكيسَ، فإنْ كان فيه قَدْرُ حَقِّكَ فقد قَضى مِنْ حَقِّكَ»، أو دَفَع الكيسَ إليه ووَكَّلَ غَيرَه بأنْ يَقبِضَ حَقَّه منه، وفي الأمانةِ والوَديعةِ إذا قال له: «متى جاءَكَ فُلانٌ يَقضي الذي عندَه فاقبِضْه بكذا، فهو وَديعةٌ لي عندَكَ». صُورَتُه عندَ المالِكيَّةِ أنْ يَقولَ شَخصٌ لِآخَرَ: «خُذْ هذا الشَّيءَ عندَكَ رَهنًا على ما سأقتَرِضُه منكَ، أو على ما يَقتَرِضُه منكَ فُلانٌ، أو على ثَمَنِ ما

стр. 4224

تَبيعُه لي، أو لِفُلانٍ»، والرَّهنُ على هذه الكَيفيَّةِ صَحيحٌ لَازِمٌ؛ لأنَّه ليس مِنْ شَرطِ صِحَّةِ الرَّهنِ أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازمًا قبلَ الرَّهنِ، لكنْ لا يَستمِرُّ لُزومُه إلا إذا حَصَلَ بَيعٌ أو قَرضٌ في المُستَقبَلِ، فإنْ لَم يَحصُلْ كان له أخْذُ رَهنِه (١). وقال الشافِعيَّةُ: يَصحُّ الرَّهنُ بالثَّمنِ في مُدَّةِ الخيارِ؛ لأنَّه آيِلٌ إلى اللُّزومِ، فإذا باعه دارًا بشَرطِ الخيارِ، وتَسلَّمَها المُشتَري ولَم يَقبِضِ البائِعُ الثَّمَنَ فإنَّ له أنْ يأخُذَ رَهنًا مُقابِلَ ثَمَنِها؛ لأنَّ الثَّمَنَ -وإنْ لَم يَكُنْ دَينًا لَازمًا في الحالِ- لَازِمٌ مآلًا (٢). وقالوا أيضًا: يُشترَطُ أنْ يَكونَ الدَّيْنُ مَعلومًا للعاقِدَيْنِ عَينًا وقَدْرًا وصِفةً: فلو ثَبَت أنَّ لِلمُرتَهَنِ دَيْنًا في ذِمَّةِ الراهِنِ لكنَّه يَجهَلُ ما هو، أهو ليراتٌ سُوريَّةٌ أم تُركيَّةٌ، أو يَجهَلُ قَدرَها، أهي ألْفٌ أم ألفانِ، فارتَهَنه شَيئًا بها فإنَّ الرَّهنَ لا يَصحُّ، سَواءٌ أعلِمَ العاقِدُ الثاني قَدْرَها وصِفَتَها أم لا، وذلك لِتَعذُّرِ استِيفاءِ هذا الدَّيْنِ المَجهولِ مِنْ ثَمَنِ العَينِ المَرهونةِ إذا بِيعَتْ عندَ عَدَمِ الوَفاءِ (٣).

стр. 4225

قَبضُ الرَّهنِ ولُزومُه: اختَلَف الفُقهاءُ في الرَّهنِ، هل يَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ؟ أم لا يَلزَمُ إلا بالقَبضِ؟ فقال المالِكيَّةُ: يَلزَمُ الرَّهنُ ويَتمُّ بالعَقدِ؛ لأنَّه عَقدٌ لَازِمٌ، فوَجَبَ أنْ يَلزَمَ بالقَولِ نَفْسِه كالنِّكاحِ؛ ولأنَّه عَقدُ وَثيقةٍ، فوَجَب أنْ يَلزَمَ بمُجرَّدِ القَولِ كالضَّمانِ، ولأنَّ الثَّمَنَ يَختلِفُ باختِلافِه إذا شُرِطَ في عَقدِ البَيعِ، فوَجَب أنْ يُلزَمَ بالشَّرطِ نَفْسِه في البَيعِ كالأجَلِ؛ ولأنَّه عَقدٌ لَازِمٌ بعدَ القَبضِ وَجَب أنْ يَكونَ لَازمًا قبلَ القَبضِ كالبَيعِ؛ ولأنَّه عَقدٌ يَصحُّ مُؤجَّلًا وَجَب أنْ يَكونَ بمُجرَّدِ القَولِ لَازمًا كالإجارةِ. ويُجبَرُ الراهِنُ على دَفعِ الرَّهنِ لِيَحوزَه المُرتَهَنُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا عَقدٌ، ولقَولِه : ﴿بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وهذا عَهدٌ، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، وهذا شَرطٌ، فالقَبضُ شَرطٌ في كَمالِ فائِدَتِه. قال الدُّسوقيُّ ﵀: لا خِلافَ في المَذهبِ أنَّ القَبضَ ليس مِنْ حَقيقةِ الرَّهنِ، وليس شَرطًا في صِحَّتِه ولا لُزومِه، بل يَنعقِدُ ويَصحُّ ويَلزَمُ بمُجرَّدِ القَولِ، ثم يَطلُبُ المُرتَهَنُ الإقباضَ (١).

стр. 4226

وقال جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَصحُّ الرَّهنُ بمُجرَّدِ العَقدِ، ولكنْ لا يَلزَمُ الرَّهنُ إلا بالقَبضِ، ولا يَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ، فيَجوزُ لِلراهِنِ الرُّجوعُ في الرَّهنِ ما لَم يَقبِضْه المُرتَهَنُ، ولا يَجوزُ لِلمُرتَهَنِ قَبضُه إلا بإذْنِ الراهِنِ؛ لأنَّه لا يَلزَمُه تَقبيضُه، فاعتُبِرَ إذْنُه في قَبضِه كالواهِبِ، فإنْ تَعَدَّى المُرتَهَنُ فقَبَضه بغَيرِ إذْنٍ لَم يَثبُتْ حُكمُه، وكان بمَنزِلةِ مَنْ لَم يَقبِضْ، وإنْ أذِنَ الراهِنُ في القَبضِ ثم رَجَع عن الإذْنِ قَبلَه زالَ حُكمُ الإذْنِ. وإنْ رَجَع عن الإذْنِ بعدَ قَبضِه لَم يُؤثِّرْ رُجوعُه؛ لأنَّ الرَّهنَ قد لَزِمَ؛ لاتِّصالِ القَبضِ به. فإنْ قبَضه بإذْنِه لَزِمَ الرَّهنُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. والدِّلالةُ فيها مِنْ ثَلاثةِ أَوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّه وَصفُ الرَّهنِ بالقَبضِ فوَجَب أنْ يَكونَ شَرطًا في صِحَّتِه كوَصفِ الرَّقبةِ بالإيمانِ والاعتِكافِ في المَسجِدِ والشَّهادةِ بالعَدالةِ، ثم كانتْ هذه الأوصافُ شُروطًا، فكذا القَبضُ. والثاني: أنَّه ذَكَر غيرَ الرَّهنِ مِنَ العُقودِ، ولَم يَصِفْها بالقَبضِ، وذَكَرَ الرَّهنَ ووَصَفه بالقَبضِ، فلا يَخلو من أنْ يَكونَ وَصَفَ الرَّهنَ بالقَبضِ -إمَّا لاختِصاصِه به، أو لِيَكونَ تَنبيهًا على غَيرِه-، وأيَّهما كان فهو دَليلٌ على لُزومِه فيه. والثالِثُ: أنَّ ذِكرَ القَبضِ يُوجِبُ فائِدةً شَرعيَّةً لا تُستَفادُ بحَذفِ ذِكرِه،

стр. 4227

ولا فائِدةَ في ذِكرِه إنْ لَم يَجعَلِ القَبضَ شَرطًا في صِحَّتِه؛ ولأنَّه لو مات الراهِنُ قبلَ الإقباضِ لَم يُجبَرْ وارِثُه على الإقباضِ، فلو كان لَازمًا بالقَولِ كالبَيعِ لاستَحَقَّ على وارِثِه الإقباضَ كالبَيعِ، فلَمَّا لَم يَستحِقَّ على وارِثِه الإقباضَ لَم يَستحِقَّ عليه في حياتِه الإقباضَ، كالجَعالةِ. وهذا الاستِدلالُ قد يَتحَرَّرُ مِنَ اعتِلالِه قياسانِ: أحَدُهما: أنَّه رَهنٌ غيرُ مَقبوضٍ، فوَجَب ألَّا يَلزَمَ تَسليمُه، كالوارِثِ. والآخَرُ: أنَّه عَقدٌ لا يَلزَمُ وارِثَ العاقِدِ بمُجرَّدِ القَولِ، فوَجَب ألَّا يَلزَمَ العاقِدَ بمُجرَّدِ القَولِ، أصلُه عَقدُ الجَعالةِ؛ ولأنَّه عَقدُ إرفاقٍ مِنْ شَرطِه القَبولُ، فوَجَب أنْ يَكونَ مِنْ شَرطِ لُزومِه القَبضُ، كالقَرضِ. وعن الإمامِ أحمدَ في غيرِ المَكيلِ والمَوزونِ: أنَّه يَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ؛ قياسًا على البَيعِ، ونَصَّ عليه في رِوايةِ المَيمونيِّ، وقال القاضي في «التَّعليقِ»: هذا قَولُ أصحابِنا، قال في «التَّلخيصِ»: هذا أشهَرُ الرِّوايتَيْنِ، وهو المَذهبُ عندَ ابنِ عَقيلٍ وغَيرِه، وعليه العَمَلُ. تَفسيرُ القَبضِ وصِفَتُه: قال الحَنفيَّةُ: القَبضُ عِبارةٌ عن التَّخلِّي: وهو التَّمكُّنُ مِنْ إثباتِ اليَدِ، وذلك بارتِفاعِ المَوانِعِ، وهو يَحصُلُ بتَخليةِ الراهِنِ بينَ المَرهونِ والمُرتَهَنِ، فإذا حَصَلَ ذلك صارَ الراهِنُ مُسلَمًا، والمُرتَهَنُ قابِضًا، وهذا جَوابُ ظاهِرِ الرِّوايةِ. ورُويَ عن أبي يُوسُفَ ﵀ أنَّه يُشترَطُ معه النَّقلُ والتَّحويلُ، فما لَم يُوجَدْ لا يَصيرُ قابِضًا، وَجهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ القَبضَ شَرطُ صِحَّةِ الرَّهنِ، قال

стр. 4228

اللهُ ﵎: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ومُطلَقُ القَبضِ يَنصرِفُ إلى القَبضِ الحَقيقيِّ، ولا يَتحقَّقُ ذلك إلا بالنَّقلِ، فأمَّا التَّخلِّي فقَبضٌ حُكمًا، لا حَقيقةً، فلا يُكتَفى به. وَجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّ التَّخلِّيَ بدونِ النَّقلِ والتَّحويلِ قَبضٌ في العُرفِ والشَّرعِ. أمَّا في العُرفِ: فإنَّ القَبضَ يَرِدُ على ما لا يَحتمِلُ النَّقلَ والتَّحويلَ مِنَ الدارِ والعَقارِ، يُقالُ: هذه الأرضُ أو هذه القَريةُ أو هذه الوِلايةِ في يَدِ فُلانٍ فلا يُفهَمُ منه إلا التَّخلِّي، وهو التَّمكُّنُ مِنَ التَّصرُّفِ. وأمَّا في الشَّرعِ: فإنَّ التَّخلِّيَ في بابِ البَيعِ قَبضٌ بالإجماعِ مِنْ غيرِ نَقلٍ وتَحويلٍ، دَلَّ على أنَّ التَّخلِّيَ بدونِ النَّقلِ والتَّحويلِ قَبضٌ حَقيقةً وشَريعةً، فيُكتَفى به. وقال الشافِعيَّةُ: صِفةُ القَبضِ هنا في العَقارِ والمَنقولِ، كما سبَق في البَيعِ، ويُطَّرَدُ الخِلافُ في كَونِ التَّخليةِ في المَنقولِ قَبضًا. وعَنِ القاضي: القَطعُ بأنَّها لا تَكفي هنا؛ لأنَّ القَبضَ مُستحَقٌّ هناك. وقال الحَنابِلةُ: القَبضُ في الرَّهنِ كالقَبضِ في البَيعِ والهِبةِ، فإنْ كان مَنقولًا فبنَقلِه أو تَناوُلِه، وإنْ كان مَكيلًا فبكَيْلِه، أو مَوزونًا فبوَزنِه، أو مَذروعًا فبذَرعِه، أو مَعدودًا فبعَدِّه، وقَبضُ نَحوِ أرضٍ وشَجَرٍ يَكونُ بالتَّخليةِ بَينَه وبَينَ مُرتَهَنِه بغَيرِ حائِلٍ (١).

стр. 4229

امتِناعُ الراهِنِ عن تَسليمِ الرَّهنِ المَشروطِ: إذا كان الرَّهنُ مَشروطًا في العَقدِ: كأنْ يَبيعَ أو يُؤجِّرَ شَيئًا أو يَقرِضَ شَخصًا على أنْ يُعطيَه رَهنًا بالحَقِّ فامتَنَع الراهِنُ عن تَسليمِ المَرهونِ لِلمُرتَهَنِ، فقد اختَلَف الفُقهاءُ فيه: فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الراهِنَ لا يُجبَرُ على دَفعِ الرَّهنِ المَشروطِ لِلمُرتَهَنِ، ولا يَلزَمُه أنْ يَرهَنَ رَهنًا آخَرَ مَكانَه؛ لأنَّ الرَّهنَ تَبرُّعٌ ولا إكراهَ على مُتبَرِّعٍ. لكنْ يَثبُتُ للبائِعِ الخيارُ بينَ أنْ يُمضيَ البَيعَ مِنْ غيرِ رَهنٍ أو يَفسَخَه؛ لأنَّه دَخَلَ في البَيعِ بشَرطِ أنْ يَكونَ له بالثَّمَنِ وَثيقةً، ولَم تُسلَّمْ له، فثَبَت له الخيارُ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ؛ لأنَّه لَم يَرضَ بذِمَّتِه حتى شرَط رَهنًا يَتوَثَّقُ به، فإذا لَم يَحصُلْ له التَّوثُّقُ بالرَّهنِ كان ذلك نَقصًا وعَيبًا، ويَثبُتُ له الخيارُ. وهذا الخيارُ عندَ الشافِعيَّةِ يَجبُ بعدَ الامتِناعِ على الفَورِ؛ لأنَّه خيارُ عَيبٍ، ويَكونُ الامتِناعُ بعدَ الطَّلَبِ.

стр. 4230

وقال المالِكيَّةُ وزُفَرُ وأبو ثَورٍ: يُجبَرُ على أنْ يَرهَنَه إيَّاه، وإنْ وَجَدَه الحاكِمُ دَفَعَه إليه. قال المالِكيَّةُ: إنْ كان الرَّهنُ مَشروطًا مُعيَّنًا على الراهِنِ فلِلمُرتَهَنِ أنْ يُلزِمَه أنْ يَدفَعَه له؛ لأنَّ المُؤمِنَ عندَ شَرطِه. فإنْ وَقَع على شَرطِ رَهنٍ غيرِ مُعيَّنٍ فإنَّه يُجبَرُ على أنْ يأتيَ برَهنٍ فيه وَفاءٌ لِلدَّينِ، وجَرَتِ العادةُ في ذلك المَحَلِّ بارتِهانِه. وإذا هَلَك الرَّهنُ المُعيَّنُ، أو استُحِقَّ قبلَ قَبضِ المُرتَهَنِ فإنَّه يُخيَّرُ في إمضاءِ البَيعِ ويَبقى دَينُه بلا رَهنٍ، وبَينَ الفَسخِ فيأخُذُ المَبيعَ إنْ كان قائِمًا، وقيمَتَه أو مِثلَه إنْ فاتَ، فإنْ حَصَل الهَلاكُ أو الاستِحقاقُ بعدَ القَبضِ فلا مَقالَ له إلا أنْ يَغُرَّه فيُخيَّرَ بينَ الفَسخِ وعَدَمِه (١). استِدامةُ قَبضِ الرَّهنِ: اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ استِدامةِ قَبضِ الرَّهنِ، هل يُشترَطُ لِصِحَّةِ الرَّهنِ اسِتدامةُ القَبضِ أو لا؟ فقال جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنبَليَّةُ: إنَّ استِدامةَ قَبضِ الرَّهنِ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الرَّهنِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]،

стр. 4231

فعَمَّ أحوالَه، ولأنَّها حالاتٌ مِنْ أحوالِ الرَّهنِ فوَجَب أنْ يَكونَ القَبضُ شَرطًا فيها كالابتِداءِ؛ ولأنَّ المَعنى الذي لِأجْلِه استَحَقَّ قَبضَ الرَّهنِ في الابتِداءِ هو لأنْ تَحصُلَ وَثيقةٌ لِلمُرتَهَنِ بقَبضِه إيَّاه، وهذا المَعنى يَحتاجُ إليه في كلِّ حالٍ كان فيها رَهنًا فكانَ القَبضُ شَرطًا فيها. إلا أنَّهم اختَلَفوا فيما لو قَبَض المُرتَهَنُ الرَّهنَ ثم رَدَّه باختيارِه إلى الراهِنِ، أو عادَ إليه بإعارةٍ أو إيداعٍ أو إجارةٍ أو استِخدامٍ أو رُكوبٍ، هل يَبطُلُ العَقدُ أو لا؟ فقال المالِكيَّةُ: يَبطُلُ العَقدُ؛ لأنَّه إذا خَرَج عن يَدِ القابِضِ لَم يَصدُقْ لَفظُ الرَّهنِ عليه لُغةً -وهو بمَعنى الثُّبوتِ والدَّوامِ- ولَم يَصدُقْ عليه حُكمًا. وقال أبو حَنيفةَ (١) ﵀: استِدامةُ قَبضِ الرَّهنِ شَرطٌ في صِحَّةِ الرَّهنِ، فإنْ خَرَج مِنْ يَدِ المُرتَهَنِ باستِحقاقٍ -كالإجارةِ- بطَل الرَّهنُ، وإنْ خَرَج مِنْ يَدِه بغَيرِ استِحقاقٍ -كالغَصبِ والإعارةِ- لَم يَبطُلِ الرَّهنُ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على انتِزاعِه إذا خَرَج باستِحقاقٍ أو بقُدرةٍ على انتِزاعِه إذا خَرَج بغَيرِ استِحقاقٍ. وقال الحَنابِلةُ: استِدامةُ القَبضِ شَرطٌ لِلُزومِ الرَّهنِ فإذا أخرَجَه المُرتَهَنُ عن يَدِه باختيارِه زالَ لُزومُ الرَّهنِ، وبَقيَ العَقدُ كأنَّه لَم يُوجَدْ فيه قَبضٌ، سَواءٌ أخرَجَه بإجارةٍ أو إعارةٍ أو إيداعٍ أو غيرِ ذلك، فإذا عاد فرَدَّه إليه عادَ اللُّزومُ بحُكمِ العَقدِ السابِقِ.

стр. 4232

قال أحمدُ ﵀: إذا ارتَهَن دارًا ثم أكراها صاحِبَها خَرَجتْ مِنَ الرَّهنِ، فإذا رَجَعتْ إليه صارَتْ رَهنًا. وإنْ أُزيلَتْ يَدُ المُرتَهَنِ لِغَيرِ حَقٍّ، كغَصبٍ أو سَرِقةٍ أو إباقِ العَبدِ أو ضياعِ المَتاعِ ونَحوِ ذلك لَم يَزُلِ الرَّهنُ؛ لأنَّ يَدَه ثابِتةٌ حُكمًا فكأنَّها لَم تَزُلْ. وكلُّ مَوضِعٍ زالَ لُزومُ الرَّهنِ فيه لِزَوالِ القَبضِ اعتُبِرَ الإذْنُ في القَبضِ الثاني لأنَّه قَبضٌ يَلزَمُ به الرَّهنُ، أشبَهَ الأوَّلَ، ويَقومُ ما يَدلُّ على الإذْنِ مَقامَه، مِثلَ إرسالِه العَبدَ إلى مُرتَهَنِه، ورَدِّه لِما أخَذَه مِنَ المُرتَهَنِ إلى يَدِه، ونَحوِ ذلك؛ لأنَّ ذلك دَليلٌ على الإذْنِ، فاكتُفيَ به كدُعاءِ الناسِ إلى الطَّعامِ وتَقديمِه بينَ أيديهم يَجري مَجرى الإذْنِ في أكلِه. وقال الشافِعيَّةُ: إنَّ استِدامةَ قَبضِ الرَّهنِ ليستْ شَرطًا في صِحَّةِ الرَّهنِ، فإنْ خَرَج الرَّهنُ مِنْ يَدِ المُرتَهَنِ باستِحقاقٍ -كالإجارةِ- أو بغَيرِ استِحقاقٍ -كالإعارةِ أو الغَصبِ- لَم يَبطُلِ الرَّهنُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الرَّهنُ يُرْكبُ بِنفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، وعَلَى الذي يَرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (١)، فجعَل رَسولُ اللهِ ﷺ الرَّهنَ مَركوبًا ومَحلوبًا، ولا يَخلو أنْ يَكونَ ذلك لِلراهِنِ أو لِلمُرتَهَنِ، فلَم يَجُزْ أنْ يُجعَلَ ذلك لِلمُرتَهَنِ لأمرَيْنِ: أحَدُهما: إجماعُهم على أنَّ المُرتَهَنَ لا يَستحِقُّ ذلك. والآخَرُ: أنَّه جَعَل على الراكِبِ والشارِبِ نَفَقةَ الرَّهنِ، والنَّفَقةُ واجِبةٌ

стр. 4233

على الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ، فثَبَت بهذَيْنِ جَوازُ ذلك لِلراهِنِ، فصارَ مُستحِقًّا لإزالةِ يَدِ المُرتَهَنِ عنه، ثم لَم يَزُلْ حُكمُ الرَّهنِ عنه، فثَبَت أنَّ استِدامةَ قَبضِه ليست شَرطًا في صِحَّتِه؛ ولأنَّه عَقدٌ مِنْ شُروطِ لُزومِه القَبضُ وَجَب ألَّا يَكونَ مِنْ شُروطِ صِحَّتِه استِدامةُ القَبضِ، كالهِبةِ والصَّرفِ، ولأنَّ القَبضَ في الرَّهنِ أوسَعُ مِنَ القَبضِ في البَيعِ؛ لِجَوازِ اشتِراطِ الرَّهنِ على يَدَيْ عَدلٍ، فلَمَّا لَم تَكُنِ استِدامةُ القَبضِ في البَيعِ -مع قُوَّتِه- شَرطًا في صِحَّتِه، فلَأنْ تَكونَ استِدامةُ القَبضِ في الرَّهنِ -مع ضَعفِه- ليستْ شَرطًا في صِحَّتِه أوْلى. ولأنَّ مَنْ جَعَل استِدامةَ القَبضِ فيه شَرطًا لا يَخلو أنْ تَكونَ استِدامةُ قَبضِه مُشاهَدةً أو حُكمًا، فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ الشَّرطُ في صِحَّةِ استِدامةِ قَبضِه مُشاهَدةً؛ لِجَوازِ خُروجِه مِنْ يَدِه بعاريةٍ، أو على يَدِ عَدلٍ، فثَبَت أنَّ الشَّرطَ في صِحَّةِ استِدامةِ قَبضِه يَكونُ حُكمًا، وهذا شَرطٌ مُعتبَرٌ؛ لأنَّه -وإنْ خَرَج مِنْ يَدِه باستِحقاقٍ- في حُكمِ المَقبوضِ له؛ لأنَّه لا يَخرُجُ عن سُلطانِ المُرتَهَنِ، ولا يُحالُ بَينَه وبَينَه (١).

стр. 4234

القَبضُ السابِقُ لِلرَّهنِ (رَهنُ ما في يَدِ المُرتَهَنِ): اختَلَف الفُقهاءُ فيما إذا كان المَرهونُ مَوجودًا في يَدِ المُرتَهَنِ بطَريقِ الإيداعِ أو الإعارةِ أو الإجارةِ أو الغَصبِ، هل يُكتَفى بهذا القَبضِ السابِقِ على عَقدِ الرَّهنِ عن قَبضِ الرَّهنِ بَعدَه فيَصحَّ العَقدُ ويَلزَمَ بمُجرَّدِ الإيجابِ والقَبولِ؟ أم لا بُدَّ مِنْ تَجديدِ القَبضِ لِلمَرهونِ مَرًّة أُخرى؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُكتَفى بالقَبضِ السابِقِ نَفْسِه، ولا يُحتاجُ إلى تَجديدِ قَبضٍ. وأصلُه عندَ الحَنفيَّةِ في الرَّهنِ والهِبةِ وغَيرِهما أنَّ المَرهونَ إذا كان مَقبوضًا عندَ العَقدِ يَنوبُ عن قَبضِ الرَّهنِ؛ لأنَّه متى تَجانَسَ القَبضانِ نابَ أحَدُهما عن الآخَرِ؛ لاتِّحادِهما جِنسًا، وإذا اختَلَفا نابَ الأقوى عن الأضعَفِ دونَ العَكسِ، وذلك لأنَّ في الأقوى مِثلَ ما في الأدْنى وزيادةً، وليس في الأدنى ما في الأقوى، فلا يَنوبُ عنه. وتَوضيحُه أنَّ القَبضَ نَوعانِ: قَبضُ أمانةٍ وقَبضُ ضَمانٍ، فقَبضُ الأمانةِ كقَبضِ الوَديعةِ، وقَبضُ الضَّمانِ كقَبضِ الغَصبِ، والثاني أقوى مِنَ الأولِ. فإذا تَجانَسَ القَبضانِ: السابِقُ واللَّاحِقُ المَطلوبُ -أي أنَّهما كانا مِنْ نَوعٍ واحِدٍ، بأنْ كان كِلاهُما قَبضَ أمانةٍ أو قَبضَ ضَمانٍ- قامَ القَبضُ الأوَّلُ مَقامَ القَبضِ الثاني المَطلوبِ، وقَبضُ الرَّهنِ قَبضُ أمانةٍ، وليس هناك حالةٌ يَكونُ فيها القَبضُ أدنى مِنْ قَبضِ الرَّهنِ؛ لأنَّه قَبضُ أمانةٍ. فلو كان المال مَوجودًا بيَدِ الدائِنِ سابِقًا -على سَبيلِ الإيداعِ أو الإعارةِ

стр. 4235

أو الإجارةِ- ثم رَهَنه الراهِنُ لدى الدائِنِ لَزِمَ الرَّهنُ دونَ حاجةٍ لِتَجديدِ قَبضٍ آخَرَ؛ لأنَّ قَبضَ الوَديعةِ ونَحوَه وقَبضَ الرَّهنِ مُتَجانسانِ، فكلٌّ منهما قَبضُ أمانةٍ، فيَنوبُ أحَدُهما مَنابَ الآخَرِ. ولو كان المالُ مَوجودًا بيَدِ الدائِنِ سابِقًا بطَريقِ الغَصبِ فرهَنه صاحِبُه لدى الغاصِبِ بسَبَبِ عَلاقةِ دَينٍ مِنْ بَيعٍ أو قَرضٍ، نابَ قَبضُ الغَصبِ؛ لأنَّه قَبضُ ضَمانٍ أقوى من قَبضِ الرَّهنِ؛ لأنَّه قَبضُ أمانةٍ أدنى، والأعلى يَنوبُ مَنابَ الأدنى، أو الأقوى يَنوبُ مَنابَ الأضعَفِ. وقال المالِكيَّةُ: يَصحُّ رَهنُ الشَّيءِ المُستأجَرِ لمَن هو مُستأجِرُه قبلَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ. فإذا استأجَرَ زَيدٌ دارًا مِنْ رَبِّها شَهرًا -مَثَلًا- يَجوزُ لِرَبِّها -إذا تَدايَنَ مِنْ زَيدٍ دَينًا- أنْ يَرهَنَه تلك الدارَ قبلَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ، وكذلك رَهنُ الحائِطِ المُساقى لِعامِلِه، وحَوزُهما الأوَّلُ -بالإجارةِ والمُساقاةِ- كافٍ عن حَوزٍ آخَرَ لِلرَّهنِ، ومِثلُ المُستأجِرِ والمُساقى المُودِعُ والمُعارُ، في أنَّ حَوزَهما الأوَّلُ كافٍ. وقال الحَنابِلةُ: إنْ رهَنه مالًا له في يَدِ المُرتَهَنِ عاريةً أو وَديعةً أو غَصبًا أو نَحوَه صَحَّ الرَّهنُ؛ لأنَّه مالِكٌ له يُمكِنُ قَبضُه، فصَحَّ رَهنُه، كما لو كان في يَدِه. ويَلزَمُ الرَّهنُ بالعَقدِ نَفْسِه، وذلك لأنَّ اليَدَ ثابِتةٌ والقَبضَ حاصِلٌ؛ وإنَّما يَتغيَّرُ الحُكمُ لا غَيرُ، ويُمكِنُ تَغيُّرُ الحُكمِ مع استِدامةِ القَبضِ، كما لو

стр. 4236

طُولِبَ بالوَديعةِ فجحَدها لِتغَيُّرِ الحُكمِ وصارَتْ مَضمونةً عليه مِنْ غيرِ أمرٍ زائِدٍ، ولو عاد الجاحِدُ فأقَرَّ بها وقال لِصاحِبِها: «خُذْ وَديعَتَكَ»، فقال: «دَعْها عندَكَ وَديعةً كما كانتْ ولا ضَمانَ عليكَ فيها»، لَتغَيَّرَ الحُكمُ مِنْ غيرِ حُدوثِ أمرٍ زائِدٍ. وذهَب الشافِعيَّة والقاضي مِنَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا يَصيرُ رَهنًا حتى تَمضيَ مُدَّةٌ يَتأتَّى قَبضُه فيها، فإنْ كان مَنقولًا يُمضي مُدَّةً يُمكِنُ نَقلُه فيها، وإنْ كان مَكيلًا يُمضي مُدَّةً يُمكِنُ اكتيالُه فيها، وإنْ كان غيرَ مَنقولٍ يُمضي مُدَّةَ التَّخليةِ، وإنْ كان غائبًا عن المُرتَهَنِ لَم يَصِرْ مَقبوضًا حتى يُوافيَه هو أو وَكيلَه ثم تَمضي مُدَّةٌ يُمكِنُ قَبضُه فيها؛ لأنَّ العَقدَ يَفتَقِرُ إلى القَبضِ، والقَبضَ إنَّما يَحصُلُ بفِعلِه أو بإمكانِه، ويَكفي ذلك ولا يَحتاجُ إلى وُجودِ حَقيقةِ القَبضِ؛ لأنَّه مَقبوضٌ حَقيقةً، فإنْ تلِف قبلَ مُضيِّ مُدَّةٍ يَتأتَّى قَبضُه فيها فهو كتَلَفِ الرَّهنِ قبلَ قَبضِه. قال الإمامُ الشافِعُّي ﵀: لو كان لِرَجُلٍ عَبدٌ في يَد رَجُلٍ بإجارةٍ أو وَديعةٍ فرهَنه إيَّاه وأمَرَه بقَبضِه، كان هذا رَهنًا إذا جاءتْ عليه ساعةٌ بعدَ ارتِهانِه إيَّاه وهو في يَدِه؛ لأنَّه مَقبوضٌ في يَدِه بعدَ الرَّهنِ، ولو كان العَبدُ الرَّهنُ غائِبًا عن المُرتَهَنِ لَم يَكُنْ قَبضًا حتى يُحضِرَه، فإذا أحضَرَه بَعدَما أذِنَ له بقَبضِه فهو مَقبوضٌ، كما يَبيعُه إيَّاه وهو في يَدِه ويأمُرُه بقَبضِه فيَقبِضُه بأنَّه في يَدِه فيَكونُ البَيعُ تامًّا، ولو ماتَ ماتَ مِنْ مالِ المُشتَري، ولو كان غائِبًا لَم يَكُنْ مَقبوضًا حتى يَحضُرَ المُشتَري بعدَ البَيعِ، فيَكونَ مَقبوضًا بعدَ حُضورِه، وهو في يَدَيْه.

стр. 4237

ولو كانت له عندَه ثِيابٌ أو شَيءٌ مما لا يَزولُ بنَفْسِه وَديعةً أو عاريةً أو بإجارةٍ فرهَنه إيَّاها وأذِنَ له في قَبضِها قبلَ القَبضِ وهي غيرُ غائِبةٍ عن مَنزِلِه كان هذا قَبضًا، وإنْ كانتْ غائِبةً عن مَنزِلِه لَم يَكُنْ قَبضًا حتى يَحدُثَ لها قَبضٌ، وإنْ كان رَهنُه إيَّاها في سُوقٍ أو مَسجِدٍ، وهي في مَنزِلِه، وأذِنَ له في قَبضِها لَم يَكُنْ قَبضًا حتى يَصيرَ إلى مَنزِلِه وهي فيه، فيَكونَ لها حينَئذٍ قابِضًا؛ لأنَّها قد تَخرُجُ مِنْ مَنزِلِه، بخِلافِه إلى سَيِّدِها وغَيرِه. ولا يَكونُ القَبضُ إلا ما حَضَرَه المُرتَهَنُ لا حائِلَ دونَه، أو حَضَرَه وَكيلُه كذلك. ولو كان الرَّهنُ أرضًا أو دارًا غائِبةً عن المُرتَهَنِ وهي وَديعةٌ في يَدِه، وقد وُكِّلَ بها فأذِنَ له في قَبضِها لَم تَكُنْ مَقبوضةً حتى يُحضِرَها المُرتَهَنُ أو وَكيلُه بعدَ الرَّهنِ مُسَلَّمةً لا حائِلَ دُونَها؛ لأنَّها إذا كانتْ غائبةً عنه فقد يَحدُثُ لها مانِعٌ منه، فلا تَكونُ مَقبوضةً أبدًا إلا بأنْ يَحضُرَها المُرتَهَنُ أو وَكيلُه لا حائِلَ دونها، ولو جاءتْ عليه في هذه المَسائِلِ مُدَّةٌ يُمكِنُه فيها أنْ يَبعَثَ رَسولًا إلى الرَّهنِ حيثُ كان يَقبِضُه، فادَّعى المُرتَهَنُ أنَّه قبَضه كان مَقبوضًا؛ لأنَّه يَقبِضُ له وهو غائِبٌ عنه (١).

стр. 4238

ما يَبطُلُ به عَقدُ الرَّهنِ قبلَ القَبضِ: تَقدَّم فيما سبَق أنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ الحَنفيَّةَ والشافِعيَّةَ والحَنبَليَّةَ خِلافًا لِلمالِكيَّةِ يَرَوْنَ أنَّ لِلراهِنِ الرُّجوعَ في الرَّهنِ ما لَم يَقبِضْه المُرتَهَنُ؛ لأنَّه لا يَتِمُّ ويَلزَمُ عندَهم إلا بالقَبضِ، فعلى هذا يَجوزُ له الرُّجوعُ في الرَّهنِ. وهناك بَعضُ الأشياءِ إذا وُجِدتْ قبلَ القَبضِ تُبطِلُ الرَّهنَ، منها ما يلي: ١ - تَصرُّف الراهِنِ في المَرهونِ قبلَ القَبضِ: قال جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إذا تَصرَّفَ الراهِنُ في المَرهونِ قبلَ القَبضِ بما يُزيلُ المِلكَ بهِبةٍ أو بَيعٍ أو إجارةٍ -خِلافًا لِلحَنابِلةِ- أو عِتقٍ أو جعَله صَداقًا أو رهَنه ثانيًا بطَل الرَّهنُ الأوَّلُ، سَواءٌ قبَض الهِبةَ والمَبيعَ والرَّهنَ الثانيَ أو لَم يَقبِضْه؛ لأنَّه أخرَجَ المَرهونَ عن إمكانِ استِيفاءِ الدَّينِ مِنْ ثَمَنِه، أو فَعَل ما يَدلُّ على قَصدِه ذلك، وذلك لأنَّ عَقدَ الرَّهنِ عندَهم لا يَلزَمُ ولا يَتِمُّ إلا بالقَبضِ، فما لَم يَقبِضْه المُرتَهَنُ يَجوزُ لِلراهِنِ أنْ يَتصرَّفَ فيه ويَكونَ تَصرُّفُه هذا قبلَ القَبضِ رُجوعًا عن الرَّهنِ ومُبطِلًا له، وسَواءٌ كان هذا بإذْنِ المُرتَهَنِ أو لا، وسَواءٌ كان مَشروطًا في عَقدِ الرَّهنِ أو لا، إلا أنَّه إذا كانَ مَشروطًا في العَقدِ ثَبَت لِلمُرتَهَنِ الخيارُ في الإمضاءِ بلا رَهنٍ أو الفَسخِ. واستَثنَى الحَنبليَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ عَقدَ الإجارةِ؛ فإنَّها لا تُبطِلُ الرَّهنَ؛ لأنَّ هذا التَّصرُّفَ لا يَمنَعُ البَيعَ، فلا يَمنَعُ صِحَّةَ الرَّهنِ؛ ولأنَّه لا يَمنَعُ ابتِداءَ الرَّهنِ، فلا يَقطَعُ استِدامَتَه، كاستِخدامِه.

стр. 4239

وقال الشافِعيَّةُ: إنْ كان الدَّينُ حالًّا أو مُؤجَّلًا لكنَّه يَحِلُّ قبلَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ تَبطُلُ الإجارةُ. وإنْ كان الأجَلُ يَحِلُّ بعدَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ أو معها صَحَّتْ قَطعًا. وقيلَ: هذا الحُكمُ مَبنيٌّ على جَوازِ بَيعِ المُستأجِرِ، فعلى القَولِ بالجَوازِ لا يَنفَسِخُ الرَّهنُ، وعلى القَولِ بعَدَمِ جَوازِ بَيعِ المُستأجِرِ فإنْ كانتْ مُدَّةُ الإجارةِ تَنقَضي قبلَ حُلولِ الدَّينِ أو معها لَم يَنفسِخِ الرَّهنُ، وإنْ كان الدَّينُ يَحِلُّ قبلَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ انفَسَخ الرَّهنُ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فهُم يَرَوْنَ -كما تَقدَّم- أنَّ الرَّهنَ يَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ بالإيجابِ والقَبولِ، وأنَّ الراهِنَ يَجبُ عليه تَسليمُ المَرهونِ المُعيَّنِ لِلمُرتَهَنِ، إلا أنَّهم قالوا: إنَّ الراهِنَ إذا باعَ الرَّهنَ قبلَ أنْ يَقبِضَه المُرتَهَنُ لا يَخلو مِنْ حالتَيْنِ: الأُولى: أنْ يُفرِّطَ المُرتَهَنُ في طَلَبِ الرَّهنِ المُعيَّنِ ولا يَحوزَه ويَتَراخى في قَبضِه حتى يَبيعَه راهِنُه، فإنَّ البَيعَ يَمضي لكنَّه لا يَجوزُ ابتِداءً؛ لأنَّ تَركَه إياه حتى يَبيعَه كتَسليمٍ منه بذلك، ولا يَلزَمُه رَهنُ غَيرِه لِلمُرتَهَنِ. الحالة الأُخرى: ألَّا يُفرِّطَ المُرتَهَنُ في قَبضِ الرَّهنِ المُعيَّنِ، بل يَجِدُّ في طَلَبِه، وإنَّما الراهِنُ عاجَلَه وباعَه قبلَ الحيازةِ ففيه قَولانِ أو تأويلانِ:

стр. 4240

الأوَّلُ: يَمضي هذا البَيعُ ويَبقى الثَّمَنُ رَهنًا، وهو لابنِ أبي زَيدٍ. والآخَرُ: لا يَمضي البَيعُ ويَبقى رَهنًا على حالِه ويَرُدُّ المُرتَهَنُ البَيعُ إنْ أرادَ ذلك ما لَم يَفُتْ بيَدِ مُشتَريه، فإنْ فاتَ يَبقى الثَّمَنُ رَهنًا يأخُذُه المُرتَهَنُ مِنَ المُشتَري ويُبقيه رَهنًا، وهو لابنِ القَصَّارِ. وفيه قَولٌ آخَرُ لابنِ رُشدٍ ﵀: أنَّ البَيعَ يَنفُذُ ولا يَكونُ الثَّمَنُ رَهنًا بالبَيعِ، وليس له رَدُّ البَيعِ وإنَّما له فَسخُ البَيعِ عن نَفْسِه؛ لأنَّه إنَّما دَخَل على ذلك الرَّهنِ بعَينِه، فيَكونُ له الخيارُ بينَ فَسخِ البَيعِ وبَينَ إمضائِه بلا رَهنٍ. ومَحَلُّ الخِلافِ في الرَّهنِ المُشترَطِ في صُلبِ العَقدِ سَواءٌ كان في عَقدِ بَيعٍ، أو قَرضٍ، وأمَّا إذا كان الرَّهنُ مُتطوَّعًا به بعدَ العَقدِ وباعَه الراهِنُ قبلَ أنْ يَقبِضَه المُرتَهَنُ مَضى بَيعُه كبَيعِ الهِبةِ قبلَ القَبضِ، وهي لا تَبطُلُ ببَيعِها قبلَ عِلمِ المَوهوبِ -وهل يَكونُ الثَّمَنُ ثَمَنَه رَهنًا أو يَكونُ لِلراهِنِ، ولا يَكونُ رَهنًا؟ فيه خِلافٌ- وإنْ باعَها بعدَ عِلمِه فالثَّمَنُ لِلمُعطي، ورُوِيتْ بفَتحِ الطاءِ وكَسرِها (١). ٢ - تَعيُّبُ المَرهونِ: نَصَّ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه إذا تَعيَّبَ المَرهونُ قبلَ القَبضِ -كما لو انهَدَمتِ الدارُ المَرهونةُ- لَم يَنفسِخْ عَقدُ الرَّهنِ؛ لأنَّ مالِيَّتَها لَم تَذهَبْ بالكُلِّيَّةِ، ويَثبُتُ لِلمُرتَهَنِ الخيارُ إنْ كان الرَّهنُ مَشروطًا في بَيعٍ بينَ إمضاءِ البَيعِ وبَينَ فَسخِه؛ لِما طَرَأ عليه مِنَ النَّقصِ قبلَ قَبضِه.
следующие страницы →