← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

طُولِبَ بالوَديعةِ فجحَدها لِتغَيُّرِ الحُكمِ وصارَتْ مَضمونةً عليه مِنْ غيرِ أمرٍ زائِدٍ، ولو عاد الجاحِدُ فأقَرَّ بها وقال لِصاحِبِها: «خُذْ وَديعَتَكَ»، فقال: «دَعْها عندَكَ وَديعةً كما كانتْ ولا ضَمانَ عليكَ فيها»، لَتغَيَّرَ الحُكمُ مِنْ غيرِ حُدوثِ أمرٍ زائِدٍ. وذهَب الشافِعيَّة والقاضي مِنَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا يَصيرُ رَهنًا حتى تَمضيَ مُدَّةٌ يَتأتَّى قَبضُه فيها، فإنْ كان مَنقولًا يُمضي مُدَّةً يُمكِنُ نَقلُه فيها، وإنْ كان مَكيلًا يُمضي مُدَّةً يُمكِنُ اكتيالُه فيها، وإنْ كان غيرَ مَنقولٍ يُمضي مُدَّةَ التَّخليةِ، وإنْ كان غائبًا عن المُرتَهَنِ لَم يَصِرْ مَقبوضًا حتى يُوافيَه هو أو وَكيلَه ثم تَمضي مُدَّةٌ يُمكِنُ قَبضُه فيها؛ لأنَّ العَقدَ يَفتَقِرُ إلى القَبضِ، والقَبضَ إنَّما يَحصُلُ بفِعلِه أو بإمكانِه، ويَكفي ذلك ولا يَحتاجُ إلى وُجودِ حَقيقةِ القَبضِ؛ لأنَّه مَقبوضٌ حَقيقةً، فإنْ تلِف قبلَ مُضيِّ مُدَّةٍ يَتأتَّى قَبضُه فيها فهو كتَلَفِ الرَّهنِ قبلَ قَبضِه. قال الإمامُ الشافِعُّي ﵀: لو كان لِرَجُلٍ عَبدٌ في يَد رَجُلٍ بإجارةٍ أو وَديعةٍ فرهَنه إيَّاه وأمَرَه بقَبضِه، كان هذا رَهنًا إذا جاءتْ عليه ساعةٌ بعدَ ارتِهانِه إيَّاه وهو في يَدِه؛ لأنَّه مَقبوضٌ في يَدِه بعدَ الرَّهنِ، ولو كان العَبدُ الرَّهنُ غائِبًا عن المُرتَهَنِ لَم يَكُنْ قَبضًا حتى يُحضِرَه، فإذا أحضَرَه بَعدَما أذِنَ له بقَبضِه فهو مَقبوضٌ، كما يَبيعُه إيَّاه وهو في يَدِه ويأمُرُه بقَبضِه فيَقبِضُه بأنَّه في يَدِه فيَكونُ البَيعُ تامًّا، ولو ماتَ ماتَ مِنْ مالِ المُشتَري، ولو كان غائِبًا لَم يَكُنْ مَقبوضًا حتى يَحضُرَ المُشتَري بعدَ البَيعِ، فيَكونَ مَقبوضًا بعدَ حُضورِه، وهو في يَدَيْه.

стр. 4237

ولو كانت له عندَه ثِيابٌ أو شَيءٌ مما لا يَزولُ بنَفْسِه وَديعةً أو عاريةً أو بإجارةٍ فرهَنه إيَّاها وأذِنَ له في قَبضِها قبلَ القَبضِ وهي غيرُ غائِبةٍ عن مَنزِلِه كان هذا قَبضًا، وإنْ كانتْ غائِبةً عن مَنزِلِه لَم يَكُنْ قَبضًا حتى يَحدُثَ لها قَبضٌ، وإنْ كان رَهنُه إيَّاها في سُوقٍ أو مَسجِدٍ، وهي في مَنزِلِه، وأذِنَ له في قَبضِها لَم يَكُنْ قَبضًا حتى يَصيرَ إلى مَنزِلِه وهي فيه، فيَكونَ لها حينَئذٍ قابِضًا؛ لأنَّها قد تَخرُجُ مِنْ مَنزِلِه، بخِلافِه إلى سَيِّدِها وغَيرِه. ولا يَكونُ القَبضُ إلا ما حَضَرَه المُرتَهَنُ لا حائِلَ دونَه، أو حَضَرَه وَكيلُه كذلك. ولو كان الرَّهنُ أرضًا أو دارًا غائِبةً عن المُرتَهَنِ وهي وَديعةٌ في يَدِه، وقد وُكِّلَ بها فأذِنَ له في قَبضِها لَم تَكُنْ مَقبوضةً حتى يُحضِرَها المُرتَهَنُ أو وَكيلُه بعدَ الرَّهنِ مُسَلَّمةً لا حائِلَ دُونَها؛ لأنَّها إذا كانتْ غائبةً عنه فقد يَحدُثُ لها مانِعٌ منه، فلا تَكونُ مَقبوضةً أبدًا إلا بأنْ يَحضُرَها المُرتَهَنُ أو وَكيلُه لا حائِلَ دونها، ولو جاءتْ عليه في هذه المَسائِلِ مُدَّةٌ يُمكِنُه فيها أنْ يَبعَثَ رَسولًا إلى الرَّهنِ حيثُ كان يَقبِضُه، فادَّعى المُرتَهَنُ أنَّه قبَضه كان مَقبوضًا؛ لأنَّه يَقبِضُ له وهو غائِبٌ عنه (١).

стр. 4238

ما يَبطُلُ به عَقدُ الرَّهنِ قبلَ القَبضِ: تَقدَّم فيما سبَق أنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ الحَنفيَّةَ والشافِعيَّةَ والحَنبَليَّةَ خِلافًا لِلمالِكيَّةِ يَرَوْنَ أنَّ لِلراهِنِ الرُّجوعَ في الرَّهنِ ما لَم يَقبِضْه المُرتَهَنُ؛ لأنَّه لا يَتِمُّ ويَلزَمُ عندَهم إلا بالقَبضِ، فعلى هذا يَجوزُ له الرُّجوعُ في الرَّهنِ. وهناك بَعضُ الأشياءِ إذا وُجِدتْ قبلَ القَبضِ تُبطِلُ الرَّهنَ، منها ما يلي: ١ - تَصرُّف الراهِنِ في المَرهونِ قبلَ القَبضِ: قال جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إذا تَصرَّفَ الراهِنُ في المَرهونِ قبلَ القَبضِ بما يُزيلُ المِلكَ بهِبةٍ أو بَيعٍ أو إجارةٍ -خِلافًا لِلحَنابِلةِ- أو عِتقٍ أو جعَله صَداقًا أو رهَنه ثانيًا بطَل الرَّهنُ الأوَّلُ، سَواءٌ قبَض الهِبةَ والمَبيعَ والرَّهنَ الثانيَ أو لَم يَقبِضْه؛ لأنَّه أخرَجَ المَرهونَ عن إمكانِ استِيفاءِ الدَّينِ مِنْ ثَمَنِه، أو فَعَل ما يَدلُّ على قَصدِه ذلك، وذلك لأنَّ عَقدَ الرَّهنِ عندَهم لا يَلزَمُ ولا يَتِمُّ إلا بالقَبضِ، فما لَم يَقبِضْه المُرتَهَنُ يَجوزُ لِلراهِنِ أنْ يَتصرَّفَ فيه ويَكونَ تَصرُّفُه هذا قبلَ القَبضِ رُجوعًا عن الرَّهنِ ومُبطِلًا له، وسَواءٌ كان هذا بإذْنِ المُرتَهَنِ أو لا، وسَواءٌ كان مَشروطًا في عَقدِ الرَّهنِ أو لا، إلا أنَّه إذا كانَ مَشروطًا في العَقدِ ثَبَت لِلمُرتَهَنِ الخيارُ في الإمضاءِ بلا رَهنٍ أو الفَسخِ. واستَثنَى الحَنبليَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ عَقدَ الإجارةِ؛ فإنَّها لا تُبطِلُ الرَّهنَ؛ لأنَّ هذا التَّصرُّفَ لا يَمنَعُ البَيعَ، فلا يَمنَعُ صِحَّةَ الرَّهنِ؛ ولأنَّه لا يَمنَعُ ابتِداءَ الرَّهنِ، فلا يَقطَعُ استِدامَتَه، كاستِخدامِه.

стр. 4239

وقال الشافِعيَّةُ: إنْ كان الدَّينُ حالًّا أو مُؤجَّلًا لكنَّه يَحِلُّ قبلَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ تَبطُلُ الإجارةُ. وإنْ كان الأجَلُ يَحِلُّ بعدَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ أو معها صَحَّتْ قَطعًا. وقيلَ: هذا الحُكمُ مَبنيٌّ على جَوازِ بَيعِ المُستأجِرِ، فعلى القَولِ بالجَوازِ لا يَنفَسِخُ الرَّهنُ، وعلى القَولِ بعَدَمِ جَوازِ بَيعِ المُستأجِرِ فإنْ كانتْ مُدَّةُ الإجارةِ تَنقَضي قبلَ حُلولِ الدَّينِ أو معها لَم يَنفسِخِ الرَّهنُ، وإنْ كان الدَّينُ يَحِلُّ قبلَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ انفَسَخ الرَّهنُ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فهُم يَرَوْنَ -كما تَقدَّم- أنَّ الرَّهنَ يَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ بالإيجابِ والقَبولِ، وأنَّ الراهِنَ يَجبُ عليه تَسليمُ المَرهونِ المُعيَّنِ لِلمُرتَهَنِ، إلا أنَّهم قالوا: إنَّ الراهِنَ إذا باعَ الرَّهنَ قبلَ أنْ يَقبِضَه المُرتَهَنُ لا يَخلو مِنْ حالتَيْنِ: الأُولى: أنْ يُفرِّطَ المُرتَهَنُ في طَلَبِ الرَّهنِ المُعيَّنِ ولا يَحوزَه ويَتَراخى في قَبضِه حتى يَبيعَه راهِنُه، فإنَّ البَيعَ يَمضي لكنَّه لا يَجوزُ ابتِداءً؛ لأنَّ تَركَه إياه حتى يَبيعَه كتَسليمٍ منه بذلك، ولا يَلزَمُه رَهنُ غَيرِه لِلمُرتَهَنِ. الحالة الأُخرى: ألَّا يُفرِّطَ المُرتَهَنُ في قَبضِ الرَّهنِ المُعيَّنِ، بل يَجِدُّ في طَلَبِه، وإنَّما الراهِنُ عاجَلَه وباعَه قبلَ الحيازةِ ففيه قَولانِ أو تأويلانِ:

стр. 4240

الأوَّلُ: يَمضي هذا البَيعُ ويَبقى الثَّمَنُ رَهنًا، وهو لابنِ أبي زَيدٍ. والآخَرُ: لا يَمضي البَيعُ ويَبقى رَهنًا على حالِه ويَرُدُّ المُرتَهَنُ البَيعُ إنْ أرادَ ذلك ما لَم يَفُتْ بيَدِ مُشتَريه، فإنْ فاتَ يَبقى الثَّمَنُ رَهنًا يأخُذُه المُرتَهَنُ مِنَ المُشتَري ويُبقيه رَهنًا، وهو لابنِ القَصَّارِ. وفيه قَولٌ آخَرُ لابنِ رُشدٍ ﵀: أنَّ البَيعَ يَنفُذُ ولا يَكونُ الثَّمَنُ رَهنًا بالبَيعِ، وليس له رَدُّ البَيعِ وإنَّما له فَسخُ البَيعِ عن نَفْسِه؛ لأنَّه إنَّما دَخَل على ذلك الرَّهنِ بعَينِه، فيَكونُ له الخيارُ بينَ فَسخِ البَيعِ وبَينَ إمضائِه بلا رَهنٍ. ومَحَلُّ الخِلافِ في الرَّهنِ المُشترَطِ في صُلبِ العَقدِ سَواءٌ كان في عَقدِ بَيعٍ، أو قَرضٍ، وأمَّا إذا كان الرَّهنُ مُتطوَّعًا به بعدَ العَقدِ وباعَه الراهِنُ قبلَ أنْ يَقبِضَه المُرتَهَنُ مَضى بَيعُه كبَيعِ الهِبةِ قبلَ القَبضِ، وهي لا تَبطُلُ ببَيعِها قبلَ عِلمِ المَوهوبِ -وهل يَكونُ الثَّمَنُ ثَمَنَه رَهنًا أو يَكونُ لِلراهِنِ، ولا يَكونُ رَهنًا؟ فيه خِلافٌ- وإنْ باعَها بعدَ عِلمِه فالثَّمَنُ لِلمُعطي، ورُوِيتْ بفَتحِ الطاءِ وكَسرِها (١). ٢ - تَعيُّبُ المَرهونِ: نَصَّ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه إذا تَعيَّبَ المَرهونُ قبلَ القَبضِ -كما لو انهَدَمتِ الدارُ المَرهونةُ- لَم يَنفسِخْ عَقدُ الرَّهنِ؛ لأنَّ مالِيَّتَها لَم تَذهَبْ بالكُلِّيَّةِ، ويَثبُتُ لِلمُرتَهَنِ الخيارُ إنْ كان الرَّهنُ مَشروطًا في بَيعٍ بينَ إمضاءِ البَيعِ وبَينَ فَسخِه؛ لِما طَرَأ عليه مِنَ النَّقصِ قبلَ قَبضِه.

стр. 4241

وليس له طلبُ أرشِ العَيبِ؛ لأنَّه لو تلِف المَرهونُ قبلَ القَبضِ لَم يَكُنْ له طلبُ بَدَلِه، فبَعضُه أوْلى. وإنْ لَم يَكُنْ له خيارٌ فما سَقَط مِنَ الدارِ مِنْ خَشَبٍ وطُوبٍ رُهِنَ بحالِه يُباعُ عندَ حُلولِ الحَقِّ، ويُستَوفَى منه إنْ تَعذَّرَ استِيفاؤُه مِنَ الرَّهنِ؛ لأنَّ العَقدَ وَرَد على جَميعِ الأعيانِ، ومنها الانتِقاضُ، وما دَخَل في العَقدِ سيُقَرُّ بالقَبضِ. وإنْ كان التَّلَفُ بعدَ القَبضِ فلا خيارَ له؛ لأنَّ العَيبَ الحادِثَ بعدَ القَبضِ ليس بأكثَرَ مِنْ تَلَفِ الرَّهنِ بعدَ القَبضِ، ولو تلِف بعدَ القَبضِ لَم يَكُنْ له خيارٌ. فأوْلى ألَّا يَكونَ له بالعَيبِ خيارٌ، وإذا لَم يَكُنْ له خيارٌ فما بَقيَ مِنَ الدارِ ما سَقَط مِنْ خَشَب وطُوبٍ رُهِنَ بحالِه يُباعُ عندَ حُلولِ الحَقِّ ويُستَوفَى منه إنْ تَعذَّرَ استِيفاؤُه مِنَ الرَّهنِ. وإذا تلِف المَرهونُ بالكُلِّيَّةِ قبلَ القَبضِ يَبطُلُ الرَّهنُ، فإنْ كان مَشروطًا في عَقدِ البَيعِ فهو بالخيارِ بينَ الإمضاءِ والفَسخِ. وقال الشافِعيَّةُ: وإذا قبَض المُرتَهَنُ الرَّهنَ ثم وَجَدَ به عَيبًا كان مَوجودًا في يَدِ الراهِنِ نُظِرَ: فإنْ كان الرَّهنُ غيرَ مَشروطٍ في عَقدِ البَيعِ فلا خيارَ لِلمُرتَهَنِ في فَسخِ البَيعِ؛ لأنَّ الراهِنَ مُتطوِّعٌ بالرَّهنِ. وإنْ كان الرَّهنُ مَشروطًا في عَقدِ البَيعِ ثَبَتَ لِلبائِعِ الخيارُ في فَسخِ البَيعِ؛ لأنَّه لَم يُسلَّمْ له الشَّرطُ.

стр. 4242

وإنْ لَم يَعلَمْ بالعَيبِ حتى هَلَك الرَّهنُ عندَه أو حَدَث عندَه به عَيبٌ لَم يَثبُتْ له الخيارُ؛ لأنَّه لا يُمكِنُه رَدُّ الرَّهنِ كما أخَذَه، ولا يَثبُتُ له أرشُ العَيبِ، كما يَثبُتُ لِلمُشتَري أرشُ العَيبِ، والفَرقُ بَينَهما أنَّ المَبيعَ يُجبَرُ البائِعُ على إقباضِه، فأُجبِرَ على دَفْعِ الأرشِ، والراهِنَ لا يُجبَرُ على إقباضِ الرَّهنِ، فلَم يُجبَرْ على دَفعِ الأرشِ، ولأنَّ المَبيعَ لو تلِف جَميعُه في يَدِ البائِعِ قبلَ التَّسليمِ لَوَجَب عليه ضَمانُه بالثَّمَنِ، وههنا لو تلِف الرَّهنُ في يَدِ الراهِنِ قبلَ التَّسليمِ لَم يَجِبْ عليه بَدَلُه، فلَم يَجِبْ عليه بَدَلُ جُزءٍ منه، ولِأنَّا لو قُلْنا: لا أرشَ لِلمُشتَري لَأسقَطْنا حَقَّه، وههنا لا يَسقُطُ حَقُّ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ حَقَّهُ في ذِمَّةِ الراهِنِ. قال الشَّيخُ أبو حامِدٍ ﵀: فلو باعه شيئًا بشَرطِ أنْ يَرهَنَه عَبدَيْنِ، فرهَنهما عِندَه وأقبَضَه أحَدَهما دونَ الآخَرِ وتلِف عندَ المُرتَهَنِ وامتَنَع الراهِنُ مِنْ إقباضِ الثاني أو تلِف في يَدِ الراهِنِ لَم يَكُنْ لِلمُرتَهَنِ الخيارُ في فَسخِ البَيعِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ رَدُّ العَبدِ الذي قُبِضَ، فيَمضي البَيعُ بلا رَهنٍ (١). رَهنُ المَبيعِ قبلَ قَبضِه: اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ المَبيعِ، هل يَجوزُ لِلإنسانِ أنْ يَرهَنَه قبلَ قَبضِه؟ أم لا يَصحُّ إلا بعدَ القَبضِ؟ فقال الحَنفيَّةُ في الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ: لا يَجوزُ رَهنُ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، وهو باطِلٌ؛ لأنَّه لا يَصحُّ بَيعُه، وما لا يَصحُّ بَيعُه لا يَصحُّ رَهنُه؛ لأنَّ

стр. 4243

المَبيعَ قبلَ القَبضِ مَضمونٌ بثَمَنِ المَبيعِ، وحيث إنَّه لا يُمكِنُ لِلشَّيءِ الواحِدِ أنْ يَكونَ مَضمونًا بضَمانَيْنِ مُختلِفيْنِ فلا يَصحُّ جَعلُه مَضمونًا بالرَّهنِ أيضًا؛ لأنَّ اجتِماعَ الضَّمانَيْنِ المُختلِفَيْنِ مُحالٌ. وبَيانُ اختِلافِ الضَّمانَيْنِ أنَّ حُكمَ الرَّهنِ ثابِتٌ في المَبيعِ بعدَ القَبضِ، ومَضمونٌ بالأقَلِّ مِنَ القيمةِ والدَّينِ، وأمَّا قبلَ القَبضِ فالمَبيعُ مَضمونٌ بجَميعِ الثَّمَنِ، وإنْ كان الثَّمَنُ المَذكورُ أكثَرَ مِنْ قيمةِ المَبيعِ. وعليه في هذه الصُّورةِ لو كان الرَّهنُ جائِزًا قبلَ القَبضِ لَوَجَب أنْ يَكونَ مَضمونًا بجَميعِ الثَّمَنِ، وبالأقَلِّ مِنَ القيمةِ وثَمَنِ المَبيعِ، وعلى هذا الوَجهِ إذا أعطى المُشتَري لِلبائِعِ مالًا مع المَبيعِ كي يَكونَ رَهنًا مُقابِلَ ثَمَنِ المَبيعِ حالَ كَونِه لَم يَقبِضِ المَبيعَ بَعدُ، يَكونُ المالُ فَقَطْ مَرهونًا بحِصَّتِه، والمَبيعُ لا يَكونُ مَرهونًا. ولِهذا السَّبَبِ أيضًا إذا رهَن شَخصٌ المالَ الذي اشتَراه عندَ البائِعِ قبلَ أنْ يَقبِضَه وهَلَك المالُ بيَدِ البائِعِ يَنفسِخُ البَيعُ، ولا يَلزَمُ المُشتَريَ شَيءٌ، وبتَعبيرٍ آخَرَ لا يُمكِنُ البائِعَ أنْ يُطالِبَ المُشتَريَ بزيادةِ قيمةِ المَبيعِ فيما لو كانت قيمةُ المالِ أدْنى مِنْ ثَمَنِ المَبيعِ. ولذلك أيضًا إذا اشتَرى شَيئًا مما يَفسُدُ بالمُكثِ -كاللَّحمِ والحَليبِ- ورَهَنه مُقابِلَ ثَمَنِه عندَ البائِعِ قبلَ أنْ يَقبِضَه، وذهَب في حالِ سَبيلِه، يَعني إذا أهمَلَ أخْذَ المَبيعِ وإعطاءَ ثَمَنِه، يُمكِنُ لِلبائِعِ أنْ يَبيعَه لِخِلافِه، وبإمكانِ الآخَرِ أنْ يَشتريَه أيضًا، مع عِلمِه بحالِه، فلا يُطالِبَ كُلٌّ مِنَ البائِعِ والمُشتَري الآخَرَ بشَيءٍ.

стр. 4244

وقال مُحمدُ بنُ الحَسنِ ﵀: يَجوزُ رَهنُ المَبيعِ قبلَ القَبضِ فيما يُنقَلُ ويُحوَّلُ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: إذا اشتَرَط البائِعُ أنْ يَكونَ ثَمَنُ المَبيعِ مُؤجَّلًا على أنْ يَبقى المَبيعُ في يَدِه رَهنًا، فإنَّ ذلك مما اضطَرَبَ فيه المَذهبُ، ففي المُوازيةِ عن مالِكٍ: ذلك لا يَجوزُ، يُفسَخُ المَبيعُ المُشترَطُ فيه هذا إذا كان الاشتِراطُ بَقاءَ المَبيعِ في يَدِ البائِعِ رَهنًا، وأمَّا إنْ كان الشَّرطُ خُروجَه عن يَدِ البائِعِ إلى يَدِ أمينٍ اتَّفَقا عليه فإنَّ ذلك جائِزٌ. وقال ابنُ المَوَّازِ ﵀: لا يَجبُ ذلك، وظاهِرُ ما أشارَ إليه أنَّه كَرِه ذلك. ولو اشتَرَط وَقفَ الرَّهنِ في يَدِ أمينٍ غيرِ البائِعِ جازَ ذلك، إذا كان المَبيعُ يُؤمَنُ تَغيُّرُه -كالعَقارِ-، ويُمنَعُ إذا كان يُسْرِعُ إليه التَّغيُّرُ -كالحَيوانِ-، وأمَّا اشتِراطُ وَضعِه على يَدٍ أمينٍ فيَجوزُ في العَقارِ والحَيوانِ. ولابنِ الجَلَّابِ مَنعُ ذلك في الحَيَوانِ خاصَّةً، ولَم يُقيِّدْ باشتِراطِ ذلك في يَدِ البائِعِ، أو في يَدِ أمينٍ، وابنُ القَصَّارِ أجازَ ذلك على الإطلاقِ في جِنسِ البَيعِ، وفيمَن يُوضَعُ على يَدَيْه. ونُلخِّصُ في هذا الذي نَقَلناه على التَّفصيل أنَّ اشتِراطَ وَضعِ المَبيعِ على يَدِ أجنبيٍّ غيرِ البائِعِ جائِزٌ عندَ الأكثَرينَ في المَشهورِ.

стр. 4245

وأمَّا إذا اشتُرِطَ بَقاؤُه رَهنًا في يَدِ البائِعِ ففيه ثَلاثةُ أقوالٍ: يَرى الإمامُ مالِكٌ مَنْعَ ذلك على الإطلاقِ. وابنُ القَصَّارِ أجازَ على الإطلاقِ. وأصبَغُ أجازَ ذلك في العَقارِ وما يُؤمَنُ عليه التَّغيُّرُ، ومنَعه في الحَيوانِ. وقيلَ: إنَّ هذا الخِلافَ إذا لَم يُشترَطْ في رَهنِ المَبيعِ أجَلٌ بَعيدٌ، وأمَّا لو اشتُرِطَ فيه أجَلٌ بَعيدٌ فإنَّه يُمنَعُ قَولًا واحِدًا. وبَعضُهم أطلَقَ الخِلافَ مِنْ غيرِ تَعرُّضٍ لِذِكرِ قُرْبِ أجَلِ الرَّهنِ أو بَعدَه (١). وقال الشافِعيَّةُ: إنْ رهَن مَبيعًا لَم يَقبِضْه فإنْ رهَنه قبلَ أنْ يَنقُدَ ثَمَنَه لَم يَصحَّ الرَّهنُ؛ لأنَّه مَحبوسٌ بالثَّمَنِ، فلا يَملِكُ رَهنَه، كالمَرهونِ. وإنْ رَهَنه بعدَ نَقدِ الثَّمَنِ ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّه عَقدٌ يَفتَقِرُ إلى القَبضِ؛ فلَم يَصحَّ في المَبيعِ قبلَ القَبضِ، كالبَيعِ. والآخَرُ: يَصحُّ، وهو المَذهبُ؛ لأنَّ الرَّهنَ لا يَقتَضي الضَّمانَ، فجازَ فيما لَم يَدخُلْ في ضَمانِه، بخِلافِ البَيعِ (٢). قال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَجوزُ رَهنُ المَبيعِ قبلَ قَبضِه غيرَ المَكيلِ والمَوزونِ والمَذروعِ والمَعدودِ وما بِيعَ بصِفةٍ أو رُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ قبلَ

стр. 4246

قَبضِه؛ لأنَّه لا يَصحُّ بَيعُه إذَنْ، فلَم يَصحَّ رَهنُه على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ. سَواءٌ كان الرَّهنُ على ثَمَنِه -بأنْ قال له: «بِعتُكَ هذا العَبدَ بكذا على أنْ تَرهَنَنيه على ثَمَنِه»، فقال: «اشتَرَيتُه ورَهَنتُكَ»، صَحَّ الشِّراءُ والرَّهنُ؛ لأنَّ ثَمَنَه في الذِّمَّة دَينٌ، والمَبيعُ مِلكٌ لِلمُشتَري، فجازَ رَهنُه به كغَيرِه مِنَ الدُّيونِ. أو كان على غيرِ ثَمَنِه، فيَصحُّ أيضًا، وسَواءٌ كان عندَ بائِعِه أو غَيرِه؛ لأنَّه يَصحُّ بَيعُه، بخِلافِ المَكيلِ ونَحوِه؛ فإنَّه لا يَصحُّ بَيعُه قبلَ قَبضِه، فكذلك رَهنُه. وأمَّا المَكيلُ والمَوزونُ وما يُلحَقُ بهما مِنَ المَعدودِ والمَذروعِ قبلَ قَبضِه فأجازَ رَهنَه جَماعةٌ مِنَ الحَنابِلةِ، منهم القاضي وابنُ عَقيلٍ وابنُ تَيميَّةَ وغَيرُهم. وفي القَولِ الآخَرِ لِلحَنابِلةِ في حُكمِ رَهنِ المَبيعِ قبلَ قَبضِه: قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا تَبايَعا بشَرطِ أنْ يَكونَ المَبيعُ رَهنًا على ثَمَنِه لَم يَصحَّ، قاله ابنُ حامِدٍ، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المَبيعَ حين شُرِطَ رَهنُه لَم يَكُنْ مِلكًا له، وسَواءٌ شرَط أنَّه يَقبِضُه ثم يَرهَنُه، أو شَرَط رَهنَه قبلَ قَبضِه، ورُويَ عن أحمدَ أنَّه قال: إذا حَبَس المَبيعَ ببَقيَّةِ الثَّمنِ فهو غاصِبٌ ولا يَكونُ رَهنًا، إلا أنْ يَكونَ شَرطًا عليه في البَيعِ نَفْسِه، وهذا يَدلُّ على صِحَّةِ الشَّرطِ؛ لأنَّه يَجوزُ بَيعُه، فجازَ رَهنُه، وقال القاضي: مَعنى هذه الرِّوايةِ أنَّه شرَط عليه في البيعِ نَفْسِه رَهنًا غيرَ المَبيعِ فيَكونُ له حَبسُ المَبيعِ حتى يَقبِضَ الرَّهنَ، وإنْ لَم يَفِ به فُسِخَ البَيعُ.

стр. 4247

فأمَّا شَرطُ رَهنِ المَبيعِ بعَينِه على ثَمَنِه فلا يَصحُّ؛ لِوُجوهٍ: منها: أنَّه غيرُ مَملوكٍ له. ومنها: أنَّ البَيعَ يَقتَضي إيفاءَ الثَّمَنِ مِنْ غيرِ المَبيعِ، والرَّهنَ يَقتَضي الوَفاءَ منه. ومنها: أنَّ البَيعَ يَقتَضي تَسليمَ المَبيعِ أوَّلًا، ورَهنَ المَبيعِ يَقتَضي ألَّا يُسَلِّمَه حتى يَقبِضَ الثَّمَنَ. ومنها: أنَّ البَيعَ يَقتَضي أنْ يَكونَ إمساكُ المَبيعِ مَضمونًا، والرَّهنَ يَقتَضي ألَّا يَكونَ مَضمونًا، وهذا يُوجِبُ تَناقُضَ أحكامِهما. وظاهِرُ الرِّوايةِ صِحَّةُ رَهنِه. وقَولُهم: إنَّه غيرُ مَملوكٍ، قال: إنَّما شُرِطَ رَهنُه بعدَ هَلَكِه. وقَولهُم: «البَيعُ يَقتَضي إيفاءَ الثَّمَنِ مِنْ غيرِ المَبيعِ»، غيرُ صَحيحٍ، إنَّما يَقتَضي وَفاءَ الثَّمَنِ مُطلَقًا، ولو تَعذَّرَ وَفاءُ الثَّمَنِ مِنْ غيرِ المَبيعِ لاستُوفيَ مِنْ ثَمَنِه. وقَولُهم: «البَيعُ يَقتَضي تَسليمَ المَبيعِ قُبَيلَ تَسليمِ الثَّمَنِ»، مَمنوعٌ، وإنْ سُلِّمَ فلا يَمتنِعُ أنْ يَثبُتَ بالشَّرطِ خِلافُه، كما أنَّ مُقتَضى البَيعِ حُلولُ الثَّمَنِ ووُجوبُ تَسليمِه في الحالِ، ولو شُرِطَ التأجيلُ جازَ، وكذلك مُقتَضى البَيعِ ثُبوتُ المِلكِ في المَبيعِ، والتَّمكينُ مِنَ التَّصرُّفِ فيه، ويَنتَفي بشَرطِ الخيارِ، وهذا هو الجَوابُ عن الوَجهَيْنِ الثالِثِ والرابِعِ. فأمَّا إنْ لَم يُشترَطْ ذلك في البَيعِ، لكنْ رَهَنه عندَه بعدَ البَيعِ، فإنْ كان بعدَ

стр. 4248

لُزومِ البَيعِ فالأوْلى صِحَّتُه؛ لأنَّه يَصحُّ رَهنُه عندَ غَيرِه، فصَحَّ عندَه كغَيرِه؛ ولأنَّه يَصحُّ رَهنُه على غيرِ ثَمَنِه صَحَّ رَهنُه على ثَمَنِه، وإنْ كان قبلَ لُزومِ البَيعِ انبَنى على جَوازِ التَّصرُّفِ في المَبيعِ، ففي كلِّ مَوضِعٍ جازَ التَّصرُّفُ فيه جازَ رَهنُه، وما لا فلا؛ لأنَّه نَوعُ تَصرُّفٍ، فأشبَهَ بَيعَه (١). رَهنُ المَبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ: يَصحُّ رَهنُ المَبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه آيِلٌ إلى اللُّزومِ. لكنَّ المَبيعَ في مُدَّةِ الخيارِ لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ الخيارُ لِلبائِعِ ولِلمُشتَري، أو أنْ يَكونَ الخيارُ لِلبائِعِ، أو أنْ يَكونَ الخيارُ لِلمُشتَري وَحدَه: فإنْ كان الخيارُ لِلبائِعِ والمُشتَري، أو لِلبائِعِ وَحدَه، يَجوزُ لِلبائِعِ أنْ يَرهَنَه ويَكونَ ذلك اختيارًا مِنَ البائِعِ لِفَسخِ البَيعِ. ولا يَجوزُ لِلمُشتَري أنْ يَرهَنَه إلا بإذْنِ البائِعِ، إذا كان الخيارُ لَهما أو لِلبائِعِ، فإنْ أذِنَ صَحَّ، ويَكونُ بذلك إمضاءً لِلبَيعِ. وإنْ كان الخيارُ لِلمُشتَري وَحدَه صَحَّ عندَ الشافِعيَّةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ، ويَكونُ بذلك اختيارًا منه لإمضاءِ البَيعِ وإبطالِ الخيارِ، وكذلك بَيعُه وتَصرُّفاتُه، ولا يَصحُّ لِلبائِعِ في هذه الحالةِ رَهنُ المَبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ؛ لأنَّ

стр. 4249

البَيعَ لَازِمٌ مِنْ جِهَتِه، والخيارَ ثابِتٌ لِغَيرِه، إلا أنْ يأذَنَ المُشتَري لِلبائِعِ برَهنِه في مُدَّةِ الخيارِ، فيَكونَ حينَئذٍ إخبارًا مِنَ المُشتَري بفَسخِ البَيعِ وإبطالِ الخيارِ. قال الماوَرديُّ ﵀: جُملةُ الخيارِ المُستحَقِّ في المَبيعِ على ثَلاثةِ أضرُبٍ، هي: خيارُ مَجلسٍ وخيارُ شَرطٍ وخيارُ عَيبٍ. فأمَّا الضَّربُ الأوَّلُ -وهو: خيارُ المَجلِسِ- فهو مُستحَقٌّ لِلبائِعِ والمُشتَري، فإنْ رَهَنه البائِعُ صَحَّ رَهنُه، وكان فَسخًا لِلبَيعِ، وإنْ رَهَنه المُشتَري لَم يَجُزْ إلا أنْ يَكونَ رهَنه عن إذْنِ البائِعِ، فيَصحُّ رَهنُ المُشتَري؛ لأنَّ إذْنَ البائِعِ إمضاءٌ، ورَهنَ المُشتَري إمضاءٌ، وإذا اتَّفقَ المُتبايِعانِ على الإمضاءِ في خيارِ المَجلِسِ تم البَيعُ وسَقَط الخيارُ، فأمَّا أنْ يَرهَنَه المُشتَري مِنْ غيرِ إذْنِ البائِعِ فلا يَجوزُ، وإنَّما جازَ رَهنُ البائِعِ بغَيرِ إذْنِ المُشتَري ولَم يَجُزْ رَهنُ المُشتَري بغَيرِ إذْنِ البائِعِ لأنَّ رَهنَ البائِعِ فَسخٌ، ورَهنَ المُشتَري إمضاءٌ، والخيارَ مَوضوعٌ لِلفَسخِ دونَ الإمضاءِ، ألَا تَرى أنَّه لو فَسَخَ أحَدُهما وأمضى الآخَرُ حُكِمَ بالفَسخِ دونَ الإمضاءِ؟ وأمَّا الضَّربُ الثاني -وهو: خيارُ الشَّرطِ- فهو على ثَلاثةِ أضرُبٍ: أحَدُها: أنْ يَكونَ لِلبائِعِ دونَ المُشتَري. والثاني: أنْ يَكونَ لِلمُشتَري دونَ البائِعِ. والثالِثُ: أنْ يَكونَ لهما جَميعًا، فإنْ كان الخيارُ مَشروطًا لِلبائِعِ دونَ المُشتَري، فإنْ رهَنه البائِعُ صَحَّ رَهنُه وكان فَسخًا لِلبَيعِ، وإنْ رهَنه المُشتَري لَم يَجُزْ وكان رَهنًا باطِلًا؛ وذلك لِحَقِّ البائِعِ مِنَ الخيارِ، إلا أنْ يَكونَ

стр. 4250

المُشتَري قد رَهَنه بأمرِ البائِعِ، فيَصحَّ الرَّهنُ، ويَكونَ إذْنُ البائِعِ اختيارًا لِإمضاءِ البَيعِ وقَطعِ الخيارِ، وإنْ كان الخيارُ مَشروطًا لِلمُشتَري دونَ البائِعِ فإنْ رهَنه المُشتَري صَحَّ رَهنُه وكان اختيارًا منه لِإمضاءِ البَيعِ وقَطعِ الخيارِ، وإنْ رهَنه البائِعُ لَم يَجُزْ، وكان رَهنُه باطِلًا؛ لأنَّه لَازِمٌ مِنْ جِهَتِه، وإنْ كان الخيارُ ثابِتًا لِغَيرِه إلا أنْ يَرهَنَه البائِعُ بإذْنِ المُشتَري، فيَصحَّ رَهنُه ويَنفَسِخَ البَيعُ ويَكونَ إذْنُ المُشتَري اختيارًا لِفَسخِ البَيعِ. وإنْ كان الخيارُ مَشروطًا لَهما جَميعًا فإنْ رَهَنه البائِعُ صَحَّ رَهنُه وكان فَسخًا لِلبَيعِ. وإنْ رَهَنه المُشتَري لَم يَجُزْ إلا أنْ يَكونَ بإذْنِ البائِعِ فيَصحَّ رَهنُه ويَكونَ إذْنُ البائِعِ اختيارًا لِإمضاءِ البَيعِ. وإنَّما صَحَّ رَهنُ البائِعِ دونَ المُشتَري وإنْ كان الخيارُ لَهما لِما ذَكَرنا مِنْ أنَّ رَهنَ البائِعِ فَسخٌ، ورَهنَ المُشتَري إمضاءٌ. فلو كان لِلبائِعِ خيارُ يَومٍ، ولِلمُشتَري خيارُ يَومَيْنِ فإنْ رَهَنه البائِعُ في اليَومِ الأوَّلِ جازَ، وإنْ رَهَنه المُشتَري لَم يَجُزْ، وإنْ رَهَنه المُشتَري في اليَومِ الثاني جازَ، وإنْ رَهَنه البائِعُ لَم يَجُزْ. وأمَّا الضَّربُ الثالِثُ -وهو خيارُ العَيبِ- فهو مُستحَقٌّ لِلمُشتَري دونَ البائِعِ. فإنْ رَهَنه المُشتَري صَحَّ رَهنُه، وكان رِضًا بالعَيبِ ومانِعًا مِنَ الرَّدِّ والرُّجوعِ بالأرشِ، وإنْ رهَنه البائِعُ لَم يَجُزْ؛ لأنَّه لَازِمٌ مِنْ جِهَتِه، وإنْ ثَبَتَ فيه خيارٌ لِغَيرِه، فلو رَدَّ على البائِعِ بالعَيبِ بعدَ أنْ رَهَنه لَم يَصحَّ رَهنُه إلا

стр. 4251

باستِئنافِ عَقدٍ صَحيحٍ، كما لو رَهَنه المُشتَري في خيارِ البائِعِ كان رَهنًا باطِلًا، وإنْ تَمَّ مِلكُه عليه، فلو لَم يَعلَمِ المُشتَري بالعَيبِ حتى رَهَنه ثم عَلِمَ به صَحَّ رَهنُه، ولَم يَكُنْ له رَدُّه ما كان باقيًا، وفيما يَستحِقُّه بالعَيبِ وَجهانِ مَضَيا في البُيوعِ، أحَدُهما: يَستحِقُّ الأرشَ في الحالِ، والآخَرُ: يَنتَظِرُ ما يَكونُ مِنْ حالِه في الرَّهنِ، فإنْ بِيعَ فيه رجَع بالأرشِ، وإنْ فَكَّهُ مِنَ الرَّهنِ رَدَّه بالعَيبِ (١). يَدُ المُرتَهَنِ على الرَّهنِ: اختَلَف الفُقهاءُ في يَدِ المُرتَهَنِ هل هي يَدُ ضَمانٍ أم يَدُ أمانةٍ؟ أي: إذا هَلَك المَرهونُ في يَدِ المُرتَهَنِ بدونِ تَعَدٍّ منه ولا تَفريطٍ هل يَضمَنُه ويَسقُطُ مِنَ الدَّينِ المَرهونِ بمِقدارِ الهالِكِ أم لا يَضمَنُه؟ بَعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ المَرهونَ إذا تلِف عندَ المُرتَهَنِ بجِنايَتِه أو تَفريطٍ في حِفظِه فإنَّه يَضمَنُه. فذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ يَدَ المُرتَهَنِ يَدُ أمانةٍ بالنَّظَرِ إلى عَينِ المالِ المَرهونِ، لكنَّها مع ذلك تُعَدُّ يَدَ استِيفاءٍ بالنِّسبةِ لِما يُعادِلُ الدَّينَ مِنْ مالِيَّةِ الرَّهنِ، بمَعنى أنَّ ما يُساوي الدَّينَ مِنْ مالِيَّةِ الرَّهنِ تُعَدُّ يَدُ المُرتَهَنِ فيه يَدَ استِيفاءٍ، فإذا امتَنَع رَدُّ المَرهونِ بسَبَبٍ مِنَ الأسبابِ كان المُرتَهَنُ مُستوفِيًّا مِنْ دَينِه هذا المِقدارَ واحتُسِبَ مِنْ ضَمانِه نَتيجةً لذلك.

стр. 4252

وأمَّا ما زاد مِنْ قيمةِ المَرهونِ على الدَّينِ فهو أمانةٌ يَهلِكُ هَلاكَ الأماناتِ، فلا يُضمَنُ إلا بالتَّعدِّي أو التَّقصيرِ. يَعني أنَّ الرَّهنَ يَهلِكُ بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه ومِنَ الدَّينِ، فإنْ كان مُساويًا لِلدَّينِ أو أكثَرَ سَقَطَ الدَّينُ، وإنْ كانتْ زيادةَ أمانةٍ تَهلِكُ على صاحِبِها -وهو الراهِنُ- وإنْ كانتْ أقَلَّ مِنَ الدَّينِ هَلَكتْ بقيمَتِها ورَجَع المُرتَهَنُ على الراهِنِ بما بَقيَ له مِنْ دَينِه، وإنْ لَم تُعرَفْ قيمةُ المَرهونِ. بَيانُه: إذا رهَن ثَوبًا قيمَتُه عَشَرةٌ بعَشَرةٍ فهَلَك عندَ المُرتَهَنِ سَقَط دَينُه، وإنْ كانت قيمةُ الثَّوبِ خَمسةً يَرجِعُ المُرتَهَنُ على الراهِنِ بخَمسةٍ أُخرى، وإنْ كانتْ قيمَتُه خَمسةَ عَشَرَ فالفَضلُ أمانةٌ. ومِثلُ المَرهونِ في ذلك المَبيعُ مَبيعًا بالوَفاءِ (١) في يَدِ المُشتَري، فهو مَضمونٌ

стр. 4253

عليه ضَمانَ الرَّهنِ، أي أنَّه إذا هَلَك في يَدِه يَضمَنُ مِنْ قيمَتِه بمِقدارِ الثَّمَنِ المَدفوعِ، كما يَضمَنُ المُرتَهَنُ ما يُعادِلُ مِقدارَ الدَّينِ إذا هَلَك الشَّيءُ المَرهونُ. واستَدَلَّ الحَنفيَّةُ لِمَذهبِهم بقَولِ اللهِ : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فعَطَفَ بذِكرِ الأمانةِ على الرَّهنِ، فذلك يَدلُّ على أنَّ الرَّهنَ ليس بأمانةٍ، وإذا لَم يَكُنْ أمانةً كان مَضمونًا؛ إذْ لو كان الرَّهنُ أمانةً لَما عَطَفَ عليه الأمانةَ؛ لأنَّ الشَّيءَ لا يُعطَفُ على نَفْسِه، وإنَّما يُعطَفُ على غَيرِه. وبما رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الرَّهنُ بما فيه» (١)، أي: يَهلِكُ بالدَّينِ الذي رُهِنَ فيه مِنَ الدُّيونِ.

стр. 4254

وبما رُويَ عن عَطاءٍ أنَّ رَجُلًا رهَن فَرَسًا فنَفَق -أي: مات- عندَ المُرتَهَنِ، فجاء إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبَرَه بذلك، فقال له: «ذهَب حَقُّكَ» (١)، ففي هذَيْنِ الحَديثَيْنِ دِلالةٌ على أنَّ المُرتَهَنَ تَحمَّلَ تَبِعةَ الهَلاكِ

стр. 4255

حيثُ سَقَطَ دَينُه في مُقابِلِ هَلاكِ المَرهونِ، وهو ما يَدلُّ على أنَّ يَدَ المُرتَهَنِ يَدُ ضَمانٍ بالنِّسبةِ إلى ما يُعادِلُ قَدْرَ الدَّينِ. ووَجْهُ الدّلالةِ أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُقالَ ذهَب حَقُّكَ في الحَبسِ؛ لأنَّ هذا مما لا يُشكِلُ، ولأنَّ ذِكرَ الحَقِّ مُنَكَّرًا في أوَّلِ الحَديثِ، ثم إعادَتَه مُعَرَّفًا يَكونُ المُرادُ بالمُعرَّفِ ما هو المُرادُ بالمُنكَّرِ، قال الله : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]. ولأنَّ السَّلَفَ مِنَ الصَّحابةِ والتابِعينَ اتَّفَقوا على ضَمانِ الرَّهنِ، إلا أنَّهم اختَلَفوا في كيفيةِ ضَمانِه (١). وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وهو مَذهبُ المالِكيَّةِ في الجُملةِ إلى أنَّ يَدَ المُرتَهَنِ يَدُ أمانةٍ، فإذا هَلَك المَرهونُ لا يَضمَنُه إلا بالتَّعدِّي أو بالتَّقصيرِ في الحِفظِ. واستَدَلُّوا بما رَوَى أبو هُرَيرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يَغلَقُ الرَّهنُ ممَّن رَهَنه -أي: لا يُؤخَذُ منه قَسرًا-، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه» (٢)،

стр. 4256

ووَجهُ الاستِدلالِ به أنَّه ﷺ جعَل غُرمَه -وهو هَلاكُه- على الراهِنِ، وذلك مُقتَضى الأمانةِ. فجَميعُ ما كان رَهنًا غيرُ مَضمونٍ على المُرتَهَنِ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «الرَّهنُ مِنْ صاحِبِه الذي رهَنه»، فما كان منه مِنْ شَيءٍ فضَمانُه منه لا مِنْ غَيرِه، ثم زاد فأكَّدَ له فقال: «له غُنمُه وعليه غُرمُه»، وغُنمُه سَلامَتُه وزيادَتُه، وغُرمُه عَطَبُه ونَقصُه، فلا يَجوزُ فيه إلا أنْ يَكونَ ضَمانُه مِنْ مالِكِه لا مِنْ مُرتَهَنِه. ثم إنَّ المَرهونَ يُعَدُّ وَثيقةً بالدَّينِ، فلا يَجوزُ أنْ يَسقُطَ الدَّينُ بهَلاكِه اعتبارًا بهَلاكِ الصَّكِّ؛ إذْ إنَّ ذلك يَتنافَى مع جَعلِه وَثيقةً، وكذلك المَرهونُ في يَدِ المُرتَهَنِ برِضا الراهِنِ فيُعَدُّ أمينًا، كالوَديعةِ بالنِّسبةِ لِلمُودِعِ. وقالوا أيضًا: ولو أننا ضَمَّناه لامتَنَع الناس مِنْ فِعلِه؛ خَوفًا مِنَ الضَّمانِ، ولتَعطَّلتِ المُدايناتُ، وفيه ضَرَرٌ عَظيمٌ. قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو لَم يَكُنْ في الرَّهنِ خَبَرٌ يُتَّبَعُ ما جازَ في القياسِ إلا أنْ يَكونَ غيرُ مَضمونٍ؛ لأنَّ صاحِبَه دَفَعه غيرَ مَغلوبٍ عليه،

стр. 4257

وسَلَّطَ المُرتَهَنَ على حَبْسِه، ولَم يَكُنْ له إخراجُه مِنْ يَدِه حتى يُوفِّيَه حَقَّه فيه، فلا وَجهَ لأنْ يَضمَنَ مِنْ قِبَلِ أنَّه إنَّما يُضمَنُ ما تَعَدَّى الحابِسُ بحَبسِه مِنْ غَصبٍ أو بَيعٍ عليه تَسليمُه فلا يُسلِمُه، أو عاريةٍ مَلَكَ الانتِفاعَ بها دونَ مالِكِها فيَضمَنُها، كما يَضمَنُ السَّلَفَ، والرَّهنُ ليس في شَيءٍ مِنْ هذه المَعاني، فإذا رَهَن الرَّجُلُ الرَّجُلَ شَيئًا فقَبَضه المُرتَهَنُ فهَلَك الرَّهنُ في يَدِ القابِضِ فلا ضَمانَ عليه، والحَقُّ ثابِتٌ كما كان قبلَ الرَّهنِ. ولا يَضمَنُ المُرتَهَنُ ولا المَوضوعُ على يَدِه الرَّهنُ مِنَ الرَّهنِ شَيئًا إلا فيما يَضمنانِ فيه الوَديعةَ والأماناتِ مِنَ التَّعدِّي، فإنْ تَعَدَّيا فيه فهُما ضامنانِ، وما لَم يَتعَدَّيا فالرَّهنُ بمَنزِلةِ الأمانةِ، فإذا دَفَعَ الراهِنُ إلى المُرتَهَنِ الرَّهنَ ثم سألَه الراهِنُ أنْ يَرُدَّه إليه فامتَنَعَ المُرتَهَنُ فهَلَك الرَّهنُ في يَدَيْه لَم يَضمَنْ شَيئًا؛ لأنَّ ذلك كان له، وإذا قَضى الراهِنُ المُرتَهَنَ الحَقَّ أو أحالَه به على غَيرِه ورَضيَ المُرتَهَنُ بالحَوالةِ أو أبرأه المُرتَهَنُ منه بأيِّ وَجهٍ كان مِنَ البَراءةِ ثم سألَه الرَّهنَ فحَبَسَه عنه وهو يُمكِنُه أنْ يُؤدِّيَه إليه فهَلَك الرَّهنُ في يَدِ المُرتَهَنِ فالمُرتَهَنُ ضامِنٌ لِقيمةِ الرَّهنِ بالِغةً ما بَلَغتْ، إلا أنْ يَكونَ الرَّهنُ كَيلًا أو وَزنًا يُوجَدُ مِثلُه فيَضمَنَ مِثلَ ما هَلَكَ في يَدِه؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بالحَبسِ (١). وقال الشافِعيُّ أيضًا ﵀: ولو شُرِطَ على المُرتَهَنِ أنَّه ضامِنٌ لِلرَّهنِ ودَفْعِه فالرَّهنُ فاسِدٌ وغَيرُ مَضمونٍ (٢).

стр. 4258

قال الماوَرديُّ ﵀: وذلك لقَولِه ﷺ : «كُلُّ شَرطٍ ليس في كِتابِ اللهِ فهو باطِلٌ ولو كان مِئةَ شَرطٍ، شَرطُ اللهِ أحَقُّ وعَقدُه أوثَقُ»، ولأنَّ لِلعُقودِ أُصولًا مُقدَّرةً، وأحكامَها مُعتَبَرةٌ لا تُغيِّرُها الشُّروطُ عن أحكامِها في شَرطِ سُقوطِ الضَّمانِ وإيجابِه، كالودائِعِ والشَّرِكةِ لمَّا كانتْ غيرَ مَضمونةٍ كالعُقودِ، لا تُعتبَرُ مَضمونةً بالشُّروطِ والقُروضِ والعَواري، لمَّا كانتْ مَضمونةً بالعَقدِ لَم يَسقُطِ الضَّمانُ بالشَّرطِ، كذلك الرَّهنُ، فإذا ثَبَتَ أنَّ اشتِراطَ ضَمانِ الرَّهنِ فاسِدٌ وَجَب اعتِبارُه، فإنْ كان مَشروطًا في عَقدِ الرَّهنِ صَحَّ الرَّهنُ وبطَل الشَّرطُ ولَم يَكُنْ بُطلانُه قادِحًا في صِحَّةِ الرَّهنِ، وإنْ كان مَشروطًا في عَقدِ الرَّهنِ فهذا مِنَ الشُّروطِ الناقِضةِ؛ لأنَّه شَرطٌ مِنْ جِهةِ الراهِنِ يَنفي بَعضَ أحكامِ الرَّهنِ، فكان الرَّهنُ باشتِراطِه فيه باطِلًا قَولًا واحِدًا، وهل يَبطُلُ البَيعُ المَشروطُ فيه أو لا؟ على قَولَيْنِ: أحَدُهما: يَبطُلُ، والآخَرُ: لا يَبطُلُ لكنْ يَكونُ البائِعُ بالخيارِ بينَ فَسخِ البَيعِ وإمضائِه بلا رَهنٍ (١). إلا أنَّ المالِكيَّةَ فَرَّقوا في الضَّمانِ بينَ ما يُغابُ عليه وما لا يُغابُ عليه: فإذا كان المَرهونُ مما يُغابُ عليه -أي: مما يُمكِنُ تَغييبُه وإخفاؤُه- كالحُلِيِّ والثِّيابِ والسِّلاحِ ونَحوِ ذلك، وكان بيَدِ المُرتَهَنِ لا بيَدِ أمينٍ آخَرَ، ولَم تَقُمْ بَيِّنةٌ على هَلاكِه أو احتِراقِه أو سَرِقَتِه بلا تَعَدٍّ ولا إهمالٍ ضمِنه، إلا أنْ يُقيمَ البَيِّنةَ على أنَّه تلِف أو هَلَكَ بغَيرِ سَبَبِه فلا ضَمانَ عليه حينَئذٍ؛ لأنَّ الضَّمانَ هنا ضَمانُ تُهمةٍ يَنتَفي بإقامةِ البَيِّنةِ.

стр. 4259

أمَّا إذا كان المَرهونُ مما لا يُغابُ عليه -كالعَقارِ والدُّورِ والحَيوانِ-، أو كان الرَّهنُ بيَدِ أمينٍ، أو قامَتْ بَيِّنةٌ على تَلَفِه بلا تَعَدٍّ ولا إهمالٍ مِنَ المُرتَهَنِ فلا يَضمَنُه المُرتَهَنُ عندَ هَلاكِه إلا إذا قامَتِ البَيِّنةُ على كَذِبِه. والدَّليلُ على التَّفرِقةِ بينَ ما يُغابُ عليه فيَضمَنُه المُرتَهَنُ وبَينَ غَيرِه مما لا يَضمَنُه أنَّ الرَّهنَ أخَذَ شَبَهًا مِنَ المَضمونِ وشَبَهًا مِنَ الأمانةِ، فلَم يَكُنْ له حُكمُ أحَدِهما على التَّجريدِ، ويُبيِّنُ ذلك أنَّ الأمانةَ المَحضةَ ما لا نَفعَ فيها لِقابِضِها، بل النَّفعُ كلُّه لِلمالِكِ -كالوَديعةِ-، وأنَّ المَضمونَ المَحضَ ما يَكونُ النَّفعُ فيه كلُّه لِقابِضِه -كالمُشتَري-، أو بتَعَدِّي جِنايةٍ، كالغَصبِ، ومَسألَتُنا عاريةٌ مِنْ كلِّ ذلك، فلَم يَكُنْ له حُكمُ أحَدِهما على التَّجريدٍ، فيَجِبُ الفَصلُ بَينَهما، وإذا وجَب ذلك لَم يَبقَ إلا ما قُلناه. ويَضمَنُه المُرتَهَنُ بالشُّروطِ المَذكورةِ، ولو شرَط في عَقدِ الرَّهنِ أنَّه لا ضَمانَ عليه، ولا يُفيدُه شَيئًا -عندَ ابنِ القاسِمِ-؛ لأنَّ التُّهمةَ قائِمةٌ مع عَدَمِ البَيِّنةِ، خِلافًا لِأشهَبَ القائِلِ بعَدَمِ الضَّمانِ عندَ الشَّرطِ (١).

стр. 4260

اعتبارُ قيمةِ الرَّهنِ المَضمونِ: قال الحَنفيَّةُ: إنَّ قيمةَ المَرهونِ إذا هَلَك تُعتبَرُ يَومَ القَبضِ؛ لأنَّه يَومَئِذٍ دَخَلَ في ضَمانِه، وفيه يَثبُتُ الاستِيفاءُ يَدًا، ثم يَتقرَّرُ بالهَلاكِ؛ لأنَّ القَبضَ السابِقَ مَضمونٌ عليه؛ لأنَّه قَبضُ استِيفاءٍ، إلا أنَّه يَتقرَّرُ عندَ الهَلاكِ. وأمَّا إذا استَهلَكَه المُرتَهَنُ أو أجنبيٌّ تُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ الاستِهلاكِ؛ لِوُرودِه على العَينِ المُودَعةِ، وتَكونُ القيمةُ رَهنًا عندَه. وإنِ استَهلَكَه أجنبيٌّ فالمُرتَهَنُ هو الخَصمُ في تَضمينِه، ويأخُذُ القيمةَ فتَكونُ رَهنًا في يَدِه، والواجِبُ على هذا المُستَهلِكِ قيمَتُه يَومَ هَلَك، فإنْ كانتْ قيمَتُه يَومَ استَهلَكَه خَمسَمِئةٍ، ويَومَ الرَّهنِ ألْفًا، غُرِّمَ خَمسَمِئةٍ، وكانت رَهنًا، ويَسقُطُ مِنَ الدَّينِ خَمسُمِئةٍ ويَكونُ الحُكمُ في الخَمسِمِئةِ الزائِدةِ كأنَّها هَلَكتْ بآفةٍ سَماويَّةٍ، والمُعتبَرُ في ضَمانِ القيمةِ هو يَومُ القَبضِ لا يَومُ الهَلاكِ؛ لأنَّ القَبضَ السابِقَ مَضمونٌ عليه؛ لأنَّه قَبضُ استِيفاءٍ، إلا أنَّه يَتقرَّرُ عليه عندَ الهَلاكِ. فإذا ضمِن الأجنبيُّ القيمةَ، وكان الدَّينُ مُؤجَّلًا، كانت القيمةُ رَهنًا مَكانَه، وإنْ كان حالًّا، وكان الضَّمانُ مِنْ جِنسِ حَقِّه اقتُضيَ منه فإنْ بَقيَ شَيءٌ كان للراهِنِ، وإنْ لَم يَكُنْ مِنْ جِنسِ حَقِّه طالَبَ بدَيْنِه، أو باعَ القيمةَ (١). وقال المالِكيَّةُ: الرَّهنُ إذا ضاعَ أو تلِف عندَ المُرتَهَنِ فاختَلَفا في قيمَتِه

стр. 4261

لِلشَّهادةِ على الدَّينِ أو لِيُغَرَّمَها المُرتَهَنُ، حيثُ يَتوَجَّهُ عليه الغُرمُ، فإنَّهما يَتواصَفانه، ثم يُدعى له المُقوِّمونَ، فإنِ اتَّفَقا على الصِّفةِ فإنَّ أهلَ الخِبرةِ يُقوِّمونها ويُقضى بقَولِهم، وهو مِنْ بابِ الشَّهادةِ، فلا بُدَّ مِنَ التَّعدُّدِ، لا مِنْ بابِ الإخبارِ. فإنِ اختَلَفا -أي: الراهِنُ والمُرتَهَنُ- في الدَّينِ، أو في صِفةِ الرَّهنِ فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ، ولو ادَّعى شَيئًا يَسيرًا؛ لأنَّه غارَمٌ، وقال أشهَبُ: إلا أنْ يَتبيَّنَ كَذِبُه لِقِلَّةِ ما ذُكِرَ جِدًّا. فإنْ هَلَك أو ضاعَ عندَ المُرتَهَنِ وجَهِلَ الراهِنُ، والمُرتَهَنُ صِفَتَه وقيمَتَه بأنْ قال كلٌّ: «لا أعلَمُ قيمَتَه الآنَ، ولا صِفتَه»، فإنَّه لا شَيءَ لِواحِدٍ منهما قبلَ صاحِبِه؛ لأنَّ كلًّا لا يَدري هل يَفضُلُ له شَيءٌ عندَ صاحِبِه أو لا. وإذا كان الرَّهنُ مَوجودًا واختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في قَدْرِ الدَّينِ فإنَّ قيمَتَه تُعتبَرُ يَومَ الحُكمِ؛ لِتَكونَ شاهِدةً لأيِّهما، لا يَومَ الارتِهانِ؛ لأنَّ الشاهِدَ إنَّما تُعتبَرُ شَهادَتُه يَومَ الحُكمِ بها، فكذلك الرَّهنُ. وفي اعتبارِ القيمةِ -إذا تلِف الرَّهنُ واختَلَفا في قَدْرِ الدَّينِ- ثَلاثةُ أقوالٍ، كلُّها مَرويَّةٌ عن ابنِ القاسِمِ: الأوَّلُ: تُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ التَّلَفِ؛ لأنَّ قيمةَ الرَّهنِ إنَّما تُعتبَرُ يَومَ الضَّياعِ؛ لأنَّ عَينَه كانتْ أوَّلًا شاهِدةً. الثاني: تُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ القَبضِ؛ لأنَّ القيمةَ كالشاهِدِ يَضَعُ خَطَّهُ ويَموتُ فيُرجَعُ لِخَطِّه فيُقضى بشَهادَتِه يَومَ وَضعِها.

стр. 4262

الثالِثُ: تُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ عَقدِ الرَّهنِ، قال الباجيُّ: وهو أقرَبُ؛ لأنَّ الناسَ إنَّما يَرهَنونَ ما يُساوي الدَّينَ المَرهونَ فيه في الأغلَبِ (١). وَضعُ الرَّهنِ على يَدِ عَدلٍ: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهِبِ الأربعةِ على أنَّ الذي يَقبِضُ الرَّهنَ هو المُرتَهَنُ أو نائِبُه. واتَّفقوا أيضًا على جَوازِ وَضعِ الرَّهنِ على يَدِ عَدلٍ ثالِثٍ غيرِ الراهِنِ والمُرتَهَنِ، ويُوضَعُ الرَّهنُ عندَ العَدلِ، سَواءٌ أكان ذلك بعدَ عَقدِ الرَّهنِ وقَبضِ المُرتَهَنِ لِلمَرهونِ أم اشتَرَطاه في صُلبِ العَقدِ وقَبلَ القَبضِ له؛ لأنَّ المُرتَهَنَ قد يَطلُبُ رَهنًا بدَيْنِه ولا يَطمَئِنُّ الراهِنُ إلى وَضعِه في يَدِه، فيَتَّفِقانِ على وَضعِه عندَ إنسانٍ يَثِقانِ به ويَرضَيانِه لِعَدالَتِه وحُسْنِ سِيرَتِه وأمانَتِه وحِرصِه على رِعايةِ مَصالِحِ الناسِ. فالعَدلُ: هو الثِّقةُ الأمينُ الذي يَرضى به كُلٌّ مِنَ الراهِنِ والمُرتَهَنِ لِيَضَعا عندَه العَينَ المَرهونةَ، وسُمِّيَ بذلك لِعَدالَتِه عندَ الراهِنِ والمُرتَهَنِ، وليس عَدلًا في حَقيقةِ الأمرِ، كما هو الحالُ في الراوي والشاهِدِ؛ لأنَّه قد يَكونُ فاسِقًا أو كافِرًا. فإذا قبَض العَدلُ العَينَ المَرهونةَ صَحَّ قَبضُه وتَمَّ عَقدُ الرَّهنِ ويَقومُ قَبضُه مَقامَ قَبضِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ يَدَه كيَدِ المُرتَهَنِ، سَواءٌ كان واحِدًا أو أكثَرَ

стр. 4263

إذا تَراضَيا بهذا؛ لقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ قَبضِ المُرتَهَنِ والعَدلِ، ولأنَّ قَبضَ العَدلِ برِضا المُرتَهَنِ قَبْضُ المُرتَهَنِ مَعْنًى. ويُعَدُّ العَدلُ وَكيلًا -نائِبًا- عن الراهِنِ والمُرتَهَنِ جَميعًا: أمَّا الراهِنُ فلِقيامِه على حِفظِ المَرهونِ باختيارِ الراهِنِ وثِقَتِه به واطمِئنانِه إلى أمانَتِه، وأمَّا المُرتَهَنُ فلقَبضِه المَرهونَ برِضاه. وبما أنَّ العَدلَ وَكيلٌ عن الراهِنِ والمُرتَهَنِ يُشترَطُ فيه ما يُشترَطُ في الوَكيلِ مِنَ الأهليةِ لِلتَّصرُّفِ (١). اختِلافُ الراهِنِ والمُرتَهَنِ في التَّعديلِ: وإذا طلَب المُرتَهَنُ أنْ يُوضَعَ الرَّهنُ على يَدِه لِحَقِّ وَثيقَتِه وأبَى الراهِنُ لَم يُجبَرِ الراهِنُ على وَضعِه في يَدِ المُرتَهَنِ لِأجْلِ مِلكِه، كما لا يُجبَرُ المُرتَهَنُ على وَضعِ الرَّهنِ في يَدِ الراهِنِ لِأجْلِ استِيثاقِه، وأمَرَهما الحاكِمُ باختيارِ عَدلٍ يُوضَعُ على يَدِه، فإنِ اتَّفَقا على اختيارِ عَدلٍ وإلا اختارَ الحاكِمُ لهما عَدلًا ووَضَعَه على يَدِه، فلو تَعَدَّى المُرتَهَنُ فأخَذَ الرَّهنَ مِنْ يَدِ الراهِنِ صارَ ضامِنًا له، فإنْ رَدَّه على الراهِنِ سَقَط عنه الضَّمانُ ولَم يَبطُلِ الرَّهنُ،

стр. 4264

ولو كان الرَّهنُ على يَدِ عَدلٍ فأخَذَه المُرتَهَنُ مِنْ يَدِه لَزِمه ضَمانُه، كما لو رَدَّه إلى يَدِ الراهِنِ، فإنْ رَدَّه على العَدلِ سَقَطَ عنه الضَّمانُ، كما لو رَدَّه إلى يَدِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ العَدلَ وَكيلُ الراهِنِ. إذا رَضيَ الراهِنُ بتَركِ الرَّهنِ في يَدِ المُرتَهَنِ ثم سألَ إخراجَه مِنْ يَدِه إلى غَيرِه فإنْ تَغيَّرَ حالُ المُرتَهَنِ وَجَب إخراجُه مِنْ يَدِه ووَضعُه على يَدِ عَدلٍ يَرضيانِ به أو يَرضاه الحاكِمُ لهما إنِ اختَلَفا، وإنْ لَم يَتغيَّرْ حالُ المُرتَهَنِ وَجَب إقرارُه في يَدِه، كما يَجبُ إقرارُه في يَدِ العَدلِ لو لَم يَتغيَّرْ حالُه (١). وَضعُ الرَّهنِ في يَدِ عَدلَيْنِ: قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ جُعِلَ الرَّهنُ في يَدِ عَدلَيْنِ جازَ، ولهما إمساكُه، ولا يَجوزُ لِأحَدِهما الانفِرادُ بحِفظِه، وإنْ سَلَّمَه أحَدُهما إلى الآخَرِ فعليه ضَمانُ النِّصفِ؛ لأنَّه القَدرُ الذي تَعَدَّى فيه، وهذا أحَدُ الوَجهَيْنِ لِأصحابِ الشافِعيِّ. وفي الآخَرِ إذا رَضيَ أحَدُهما بإمساكِ الآخَرِ جازَ، وبهذا قال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ. وقال أبو حَنيفةَ: إنْ كان مما يَنقَسِمُ اقتَسَماه، وإلا فلكُلِّ واحِدٍ منهما إمساكُ جَميعِه؛ لأنَّ اجتِماعَهما على حِفظِه يَشُقُّ عليهما، فحُمِلَ الأمرُ على أنَّ لكلِّ واحِدٍ منهما الحِفظَ.

стр. 4265

ولنا: أنَّ المُتَراهِنَيْنِ لَم يَرضَيا إلا بحِفظِهما، فلَم يَجُزْ لِأحَدِهما الانفِرادُ بذلك، كالوَصيَّيْنِ، لا يَنفَرِدُ أحَدُهما بالتَّصرُّفِ، وقَولُهم: «إنَّ الاجتِماعَ على الحِفظِ يَشُقُّ»، ليس كذلك، فإنَّه يُمكِنُ جَعلُه في مَخزَنٍ لكلِّ واحِدٍ منهما عليه قُفلٌ. وقال أيضًا: ولو أرادَ العَدلُ رَدَّه عليهما فله ذلك، وعليهما قَبولُه، وبهذا قال الشافِعيُّ؛ لأنَّه أمينٌ مُتطوِّعٌ بالحِفظِ، فلا يَلزَمُه المُقامُ عليه، فإنِ امتَنَعا أجبَرَهما الحاكِمُ عليه، فإنْ تَغيَّبا نَصَّبَ الحاكِمُ أمينًا بقَبضِه لهما؛ لأنَّ لِلحاكِمِ وِلايةً على المُمتَنِعِ مِنَ الحَقِّ الذي عليه، ولو دَفَعه إلى الأمينِ مِنْ غيرِ امتِناعِهما ضمِن وضمِن الحاكِمُ؛ لأنَّه لا وِلايةَ له على غيرِ المُمتَنِعِ، وكذا لو تَرَكَه العَدلُ عندَ آخَرَ مع وُجودِهما ضمِن وضمِن القابِضُ، وإنِ امتَنَعا ولَم يَجِدْ حاكِمًا فتَرَكه عندَ عَدلٍ آخَرَ لَم يَضمَنْ، وإنِ امتَنَع أحَدُهما لَم يَكُنْ له دَفْعُه إلى الآخَرِ، فإنْ فَعَلَ ضمِن والفَرقُ بَينَهما أنَّ أحَدَهما يُمسِكُه لِنَفْسِه، والعَدلَ يُمسِكُه لَهما، هذا فيما إذا كانا حاضِرَيْنِ، فأمَّا إنْ كانا غائبَيْنِ نُظِرَ، فإنْ كان لِلعَدلِ عُذرٌ مِنْ مَرَضٍ أو سَفَرٍ أو نَحو ذلك رَفَعه إلى الحاكِمِ فقبَضه منه أو نَصَبَ له عَدلًا يَقبِضُه لَهما، فإنْ لَم يَجِدْ حاكِمًا أودَعَه عندَ نَفْسِه، وليس له دَفعُه إلى ثِقةٍ يُودِعُه عندَه مع وُجودِ الحاكِمِ، فإنْ فَعَل ضمِن، فإنْ لَم يَكُنْ له عُذرٌ وكانت الغَيبةُ بَعيدةً إلى مَسافةِ القَصرِ قبَضه الحاكِمُ منه، فإنْ لَم يَجِدْ حاكِمًا دَفَعَه إلى عَدلٍ، وإنْ كانتِ الغَيبةُ دونَ مَسافةِ القَصرِ فهو كما لو كانا حاضرَيْنِ؛ لأنَّ ما دونَ مَسافةِ القَصرِ في حُكمِ الإقامةِ، وإنْ كان أحَدُهما حاضِرًا والآخَرُ غائِبًا فحُكمُهما حُكمُ الغائبَيْنِ،

стр. 4266

وليس له دَفعُه إلى الحاضِرِ منهما، وفي جَميعِ هذه الأقسامِ متى دَفَعه إلى أحَدِهما لَزِمَه رَدُّه إلى يَدِه، وإنْ لَم يَفعَلْ فعليه ضَمانُ حَقِّ الآخَرِ (١). ويَتعَلَّقُ بوَضعِ المَرهونِ على يَدِ العَدلِ أحكامٌ، هي: ١ - اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربعةِ على أنَّه ليس لِلعَدلِ أنْ يَدفَعَ العَينَ المَرهونةَ إلى الراهِنِ أو المُرتَهَنِ بلا إذْنِ الآخَرِ؛ لأنَّ كلًّا منهما لَم يَرضَ بوَضعِه في يَدِ صاحِبِه أوَّلًا، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما قد تَعلَّقَ حَقُّه بالمَرهونِ: فحَقُّ الراهِنِ حِفظُ مِلْكِه في يَدِ مَنْ ائتَمَنه، وحَقُّ المُرتَهَنِ التَّوثُّقُ مِنْ أجَلِ استِيفاءِ الدَّيْنِ، فليس له أنْ يُبطِلَ حَقَّ واحِدٍ منهما بدَفعِه إلى الآخَرِ بغَيرِ إذْنِه، فإذا أذِنَ في ذلك جازَ. فإذا دَفَعه إلى أحَدِهما بدُونِ إذْنِ الآخَرِ كان مُتعدِّيًا وصارَ ضامِنًا لِلعَينِ المَرهونةِ؛ لِتَعلُّقِ حَقِّهما به؛ لأنَّه مُودَعُ الراهِنِ في حَقِّ العَينِ ومُودَعُ المُرتَهَنِ في حَقِّ الماليَّةِ، وكِلاهما أجنبيٌّ عن صاحِبِه، والمُودَعُ يُضمَنُ بالدَّفعِ إلى الأجنبيِّ (٢). ٢ - إذا هَلَكتِ العَينُ المَرهونةُ في يَدِ العَدلِ بلا تَعَدٍّ ولا تَقصيرٍ لَم

стр. 4267

يَضمَنِ اتِّفاقًا؛ لأنَّه أمينٌ، فهو كالوَكيلِ، فإذا تَعدَّى أو قَصَّرَ ضمِن كالمُرتَهَنِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل يَكونُ مِنْ ضَمانِ الراهِنِ؟ أم مِنْ ضَمانِ المُرتَهَنِ؟ فقال الحَنفيَّةُ: يَهلِكُ مِنْ ضَمانِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ يَدَ العَدلِ في حَقِّ الماليَّةِ يَدُ المُرتَهَنِ؛ لِقيامِه مَقامَه، وهي يَدُ ضَمانٍ، فإذا هَلَك هَلَك في ضَمانِ المُرتَهَنِ (١). وقال جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إذا تلِف الرَّهنُ بيَدِ العَدلِ يَكونُ مِنْ ضَمانِ الراهِنِ؛ لأنَّه وَكيلُ الراهِنِ، وهو أمينٌ له في قَبضِه، فإذا تلِف كان مِنْ ضَمانِ مُوكِّلِه كسائِرِ الأُمناءِ. وعَلَّلَه المالِكيَّةُ بأنَّ الراهِنَ لَم يَرضَ بأمانةِ المُرتَهَنِ لمَّا جَعَله على يَدِ غَيرِه، وكان ذلك رِضًا بألَّا يَدخُلَ في ضَمانِه (٢). ٣ - ليس لِلعَدلِ أنْ يَبيعَ العَينَ المَرهونةَ عندَ حُلولِ أجَلِ الدَّيْنِ وتَعذُّرِ وَفائِه؛ لأنَّهما جَعَلا له حَقَّ الإمساكِ لا التَّصرُّفِ إلا إذا سَلَّطاه على ذلك أو شَرَطًا في العَقدِ أنْ يَبيعَه العَدلُ، وعِندَها يَجوزُ له بَيعُه، ولا يَجبُ عليه

стр. 4268

مُراجَعةُ الراهِنِ؛ لأنَّ الأَصلَ بَقاءُ الإذْنِ الأوَّلِ؛ لأنَّ الإذْنَ قد وُجِدَ مَرَّةً فيَكفي كما في الوَكالةِ في سائِرِ الحُقوقِ. ٤ - عَزلُ العَدلِ: العَدلُ إمَّا أنْ يَعزِلَ نَفْسَه وإمَّا أنْ يَعزِلَه الراهِنُ أو المُرتَهَنُ: أ- إذا عَزَلَ العَدلُ نَفْسَه وَرَدَّ المَرهونَ إلى العاقدَيْنِ الراهِنِ والمُرتَهَنِ انتَهَتْ وَكالَتُه عندَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه أمينٌ بالحِفظِ، ولأنَّ الوَكالةَ في حَقِّه عَقدٌ جائِزٌ، يَجوزُ له الرُّجوعُ عنها متى شاءَ ولا يَلزَمُه الاستِمرارُ عليها، فإنْ رَفَضا رَفَعَ أمرَه إلى القاضي فيأمُرُهما بأخْذِ المَرهونِ. وهذا إذا لَم يَكُنْ مُوكَّلًا ببَيعِ الرَّهنِ، فإنْ كان مُوكَّلًا ببَيعِ الرَّهنِ فقد اختَلَف الفُقهاءُ فيه: فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ العَدلَ يَخرُجُ عن وَكالةِ بَيعِ المَرهونِ بعَزلِ نَفْسِه، سَواءٌ أكانتِ الوَكالةُ مَشروطةً في عَقدِ الرَّهنِ أم بَعدَه؛ لأنَّ العَدلَ وَكيلٌ مُنفَصِلٌ، فلا يُجبَرُ على المُضيِّ في الوَكالةِ. وقال الحَنفيَّةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ: لو كانتِ الوَكالةُ مَشروطةً في عَقدِ الرَّهنِ فعَزَلَ العَدلُ المُوكِّلَ ببَيعِ الرَّهنِ نَفْسَه بحَضرةِ المُرتَهَنِ إنْ رَضيَ بالعَزلِ صَحَّ، وإلا فلا؛ لِتَعلُّقِ حَقِّه به. وإنْ كان التَّوكيلُ بالبَيعِ بعدَ تَمامِ العَقدِ لا يُجبِرُ العَدلَ على البَيعِ؛ لأنَّ رِضا المُرتَهَنِ على الرَّهنِ قد تَمَّ بدُونِه، هذا وهو تَوكيلٌ مُستأنَفٌ ليس في ضِمنِ عَقدٍ لَازِمٍ.

стр. 4269

وقال أبو يُوسُفَ والمالِكيَّةُ: لا يُخرِجُ العَدلُ المُوكِّلَ ببَيعِ الرَّهنِ بعَزلِ نَفْسِه. ب- أمَّا إذا عَزَلَ الراهِنُ أو المُرتَهَنُ العَدلَ عن البَيعِ فقد اختَلَف الفُقهاءُ فيه، هل يَصحُّ هذا العَزلُ أم لا؟ فقد نَصَّ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ على أنَّ الراهِنَ إذا وَكَّلَ العَدلَ أو المُرتَهَنَ ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ لا يَنعَزِلُ بالعَزلِ. قال الحَنفيَّةُ: إذا وَكَّلَ الراهِنُ المُرتَهَنَ أو العَدلَ أو غَيرَهما ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ فالوَكالةُ جائِزةٌ؛ لأنَّه تَوكيلُ بَيعِ مالِه، فإنْ شرَط الوَكالةَ في عَقدِ الرَّهنِ فليس لِلراهِنِ عَزلُه عنها، فإنْ عَزَلَه لَم يَنعزِلْ؛ لأنَّ الوَكالةَ لمَّا شُرِطتْ في عَقدِ الرَّهنِ صارَتْ وَصفًا مِنْ أوصافِه وحَقًّا مِنْ حُقوقِه، ألَا تَرى أنَّها لِزيادةِ الوَثيقةِ فتَلزَمُ بلُزومِ أصلِه؟ ولأنَّه تَعلَّقَ به حَقُّ المُرتَهَنِ، وفي العَزلِ إبطالُ حَقِّه، وصارَ كالوَكالةِ بالخُصومةِ بطَلَبِ المُدَّعي، ولو وَكَّلَه بالبَيعِ مُطلَقْا حتى مَلَكَ البَيعَ بالنَّقدِ والنَّسيئةِ ثم نَهاه عن البَيعِ بالنَّسيئةِ لَم يَعمَلْ نَهيُه؛ لأنَّه لَازِمٌ بأصلِه، فكذا بوَصفِه، وكذا لا يَنعزِلُ بالعَزلِ الحُكميِّ كمَوتِ المُوكِّلِ وارتِدادِه ولُحوقِه بدارِ الحَربِ؛ لأنَّ الرَّهنَ لا يَبطُلُ بمَوتِه، ولو بطَل إنَّما كان يَبطُلُ لِحَقِّ الوَرَثةِ، وحَقُّ المُرتَهَنِ مُقدَّمٌ عليه، كما يَتقدَّمُ على حَقِّ الراهِنِ بخِلافِ الوَكالةِ المُفرَدةِ حيثُ تَبطُلُ بالمَوتِ ويَنعَزِلُ بعَزلِ المُوكِّلِ لِما عُرِفَ في مَوضِعِه، وهذه الوَكالةُ تُخالِفُ المُفردةَ مِنْ وُجوهٍ: منها ما ذَكَرنا.

стр. 4270

ومنها: أنَّ الوَكيلَ هنا إذا امتَنَع مِنَ البَيعِ يُجبَرُ عليه بخِلافِ الوَكالةِ المُفردةِ. ومنها: أنَّ هذا يَبيعُ الوَلَدَ والأرشَ بخِلافِ المُفردةِ. ومنها: أنَّه إذا باعَ بخِلافِ جِنسِ الدَّينِ كان له أنْ يَصرِفَه إلى جِنسِ الدَّينِ بخِلافِ المُفرَدةِ. ومنها: أنَّ الرَّهنَ إذا كان عَبدًا وقَتَلَه عَبدٌ خَطَأً فدَفَعَ القاتِلُ بالجِنايةِ كان لِهذا الوَكيلِ أنْ يَبيعَه بخِلافِ المُفردةِ. ولا يَنعزِلُ العَدلُ بعَزلِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّه لَم يُوكِّلْه، فكانَ أجنَبيًّا عنه بالنِّسبةِ إلى الوَكالةِ، وهو إذا عَزَلَه المُوكِّلُ لا يَنعَزِلُ، فبعَزلِ غَيرِه أوْلى ألَّا يَنعزِلَ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فيَرَوْنَ أنَّه ليس لِلراهِنِ عَزلُ وَكيلِه الذي هو المُرتَهَنُ؛ لِتعلُّقِ الحَقِّ في هذه الوَكالةِ. قال العَلَّامةُ العَدَويُّ ﵀ في «حاشيَتِه على الخِرشيِّ»: ثم إنَّ المُرتَهَنَ إذا وَكَّلَ على البَيعِ فليس لِلراهِنِ عَزلُه كالأمينِ. اه. ونَقَلَ المَوَّاقُ عن ابنِ رُشدٍ أنَّه قال: لو طاعَ الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ بعدَ البَيعِ وقَبلَ حُلولِ الأجَلِ، بأنْ

стр. 4271

رهَنه رَهنًا ووَكَّلَه على بَيعِه عندَ حُلولِ الأجَلِ دونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ جازَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه مَعروفٌ منه، ولو شرَط المُرتَهَنُ على الراهِنِ في عَقدِ البَيعِ أنَّه مُوكَّلٌ على بَيعِه دونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ فقيلَ: إنَّ ذلك جائِزٌ لَازِمٌ، وقاله القاضي إسماعيلُ وابنُ القَصَّارِ وعَبدُ الوَهَّابِ وأشهَبُ، وكرِه ذلك في «المُدَوَّنةِ». اه. انظُرِ: الحَطَّابَ (١). وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الراهِنَ إذا عَزَلَ العَدلَ قبلَ البَيعِ صَحَّ عَزلُه ولَم يَملِكِ البَيعَ عندَئِذٍ، وكذلك لِلعَدلِ أنْ يَعزِلَ نَفْسَه عن ذلك ويَترُكَ أمرَ البَيعِ لَهما؛ لأنَّ الوَكالةَ عَقدٌ جائِزٌ، فلَم يَلزَمِ المُقامُ عليها كسائِرِ الوَكالاتِ. فأمَّا إنْ عَزَلَه المُرتَهَنُ لا يَنعَزِلُ عندَ الحَنبَليَّةِ والشافِعيَّةِ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ؛ لأنَّ العَدلَ وَكيلُ الراهِنِ؛ إذِ الرَّهنُ مِلكُه، ولو انفَرَد بتَوكيلِه صَحَّ، فلَم يَنعزِلْ بعَزلِ غَيرِه، لكنْ لا يَجوزُ بَيعُه بغَيرِ إذْنِه، وهكذا لو لَم يَعزِلاه فحَلَّ الحَقُّ لَم يَبِعْه حتى يَستأذِنَ المُرتَهَنَ؛ لأنَّ البَيعَ لِحَقِّه فلَم يَجُزْ حتى يأذَنَ فيه، ولا يَحتاجُ إلى تَجديدِ إذْنٍ مِنَ الراهِنِ. والوَجهُ الآخَرُ لِلشافِعيَّةِ: يَنعَزِلُ إذا عَزَلَه المُرتَهَنُ، كما لو عَزَلَه الراهِنُ؛ لأنَّه يَتصرَّفُ لهما.

стр. 4272

وفي وَجهٍ لِلحَنابِلةِ: لا يَصحُّ عَزلُه؛ لأنَّه يَفتَحُ بابَ الحِيلةِ لِلراهِنِ؛ فإنَّه يُشترَطُ ذلك لِلمُرتَهَنِ لِيُجيبَه إليه، ثم يَعزِلَه (١). ٥ - تَلَفُ الثَّمنِ بعدَ البَيعِ في يَدِ العَدلِ: وإذا باعَ العَدلُ الرَّهنَ بإذْنِهما وقبَض الثَّمَنَ فتلِف في يَدِه مِنْ غيرِ تَعَدٍّ فلا ضَمانَ عليه باتِّفاقِ المَذاهِبِ الأربعةِ؛ لأنَّه أمينٌ، فهو كالوَكيلِ. ويَكونُ مِنْ ضَمانِ الراهِنِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه وَكيلُ الراهِنِ في البَيعِ، والثَّمَنُ مِلكُه، وهو أمينٌ له في قَبضِه، فإذا تلِف كان مِنْ ضَمانِ مُوكِّلِه كسائِرِ الأُمناءِ. ولأنَّ الرَّهنَ غيرُ مَضمونٍ على مُرتَهَنِه عندَهما، ثم مِنَ الدَّليلِ أنَّ يَدَ العَدلِ كيَدِ الراهِنِ، لأنَّ جَوازَ بَيعِه وتَصرُّفِه مَوقوفٌ على إذْنِ الراهِنِ، ثم ثَبَتَ أنَّ الراهِنَ إذا باع الرَّهنَ كان ثَمَنُه مِنْ ضَمانِ الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لِبَقاءِ الرَّهنِ على مِلكِه، فوَجَب إذا باعه العَدلُ أنْ يَكونَ ثَمَنُه مِنْ ضَمانِ الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لِبَقاءِ الرَّهنِ على مِلكِه، وتَحريرُه أنَّه مَبيعٌ في الرَّهنِ أنْ يَكونَ ثَمَنُه مِنْ ضَمانِ الراهِنِ، أصلُه: إذا باعَه الراهِنُ، ولأنَّه ثَمَنُ مَبيعٍ فوَجَبَ أنْ يَكونَ مِنْ ضَمانِ المالِكِ كالوَكيلِ. وقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ: يَكونُ مِنْ ضَمانِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ يَدَه كيَدِ

стр. 4273

المُرتَهَنِ عندَ الحَنفيَّةِ، وهي يَدُ ضَمانٍ؛ لأنَّه بَدَلٌ مِنَ الرَّهنِ، فكان هَلاكُه كهَلاكِ الرَّهنِ. وعَلَّلَه المالِكيَّةُ بأنَّ العَدلَ أمينٌ لَهما جَميعًا، لِلراهِنِ بحِفظِ الرَّهنِ، ولِلمُرتَهَنِ بحَقِّ التَّوثقِ، وهو بَيعُه وتَوفيةُ المُرتَهَنِ دَينَه، فإذا باعه فقد باعه في حَقِّ أمانَتِه لِلمُرتَهَنِ، فوَجَب إذا تلِف الثَّمَنُ أنْ يَتلَفَ منه؛ لأنَّ الثَّمَنَ مِلكُه؛ لأنَّ ببَيعِه قد خَرَج مِنْ مِلكِ الراهِنِ وبَرِئتْ ذِمَّتُه. وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: وإنِ ادَّعى التَّلَفَ فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه؛ لأنَّه أمينٌ، ويَتعذَّرُ عليه إقامةُ البَيِّنةِ على ذلك، وإنْ كُلِّفَ البَيِّنةَ شَقَّ عليه ورُبَّما أدى إلى ألَّا يَدخُلَ الناسُ في الأماناتِ. فإنْ خالَفاه في قَبضِ الثَّمَنِ قالا: ما قَبَضه مِنَ المُشتَري وادَّعى أنَّه قبَض الثَّمَنَ مِنَ المُشتَري فيه وَجهانِ عندَ الحَنابِلةِ: أحَدُهما: القَولُ قَولُه؛ لأنَّه أمينٌ، والآخَرُ: لا يُقبَلُ؛ لأنَّ هذا إبراءٌ لِلمُشتَري مِنَ الثَّمَنِ، فلا يُقبَلُ قَولُه فيه، كما لو أبرأه مِنْ غيرِ الثَّمَنِ. ٦ - إذا خرَج المَبيعُ مُستَحقًّا بعدَ تَلَفِ الثَّمَنِ في يَدِ العَدلِ: وإذا باعَ العَدلُ الرَّهنَ وقبَض الثَّمَنَ في يَدِه ثم خرَج المَبيعُ مُستَحقًّا فلا عُهدةَ على العَدلِ عندَ الجُمهورِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ إلا أنَّهم اختَلَفوا فيمَن تَكونُ عليه: فقال المالِكيَّةُ: يأخُذُ المُستحِقُّ ما استَحَقَّه، ويَرجِعُ المُشتَري على مَنْ بِيعَ له، وهو المُرتَهَنُ، ويأخُذُ الثَّمَنَ منه ويَعودُ دَينُه في ذِمَّةِ الراهِنِ كما كان.

стр. 4274

وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إنْ خرَج المَبيعُ مُستَحقًّا فالعُهدةُ على الراهِنِ دونَ العَدلِ، قال الحَنابِلةُ: هذا إذا كان قد أعلَمَ المُشتَريَ بأنَّه وَكيلٌ، وكذلك كلُّ وَكيلٍ باعَ مالَ غَيرِه. فإنْ عَلِمَ المُشتَري بعدَ تَلَفِ الثَّمَنِ في يَدِ العَدلِ رَجَع على الراهِنِ ولا شَيءَ على العَدلِ. فأمَّا إنْ خرَج مُستَحقًّا بَعدَما دَفَع الثَّمَنَ إلى المُرتَهَنِ رَجَع المُشتَري على المُرتَهَنِ؛ لأنَّ عَينَ مالِه صارَتْ إلى المُرتَهَنِ بغَيرِ حَقٍّ، فكان رُجوعُه عليه كما لو قبَضه منه. فأمَّا إنْ كان المُشتَري رَدَّه بعَيبٍ لَم يَرجِعْ على المُرتَهَنِ؛ لأنَّه قبَض الثَّمَنَ بحَقٍّ، ولا على العَدلِ؛ لأنَّه أمينٌ ووَكيلٌ، وإنَّما يَرجِعُ على الراهِنِ. وإنْ كان العَدلُ حينَ باعَه لَم يُعلِمِ المُشتَريَ أنَّه وَكيلٌ، كان لِلمُشتَري الرُّجوعُ عليه، ويَرجِعُ هو على الراهِنِ إنْ أقَرَّ بذلك أو قامَتْ به بَيِّنةٌ. وقال الشافِعيَّةُ: لو تلِف ثَمَنُه في يَدِ العَدلِ بدونِ تَفريطٍ، ثم استَحَقَّ المَرهونُ المَبيعَ فإنْ شاءَ المُشتَري رَجَع على العَدلِ لِوَضعِ يَدِه عليه، وإنْ شاءَ رجَع على الراهِنِ لِإلجائِه المُشتَريَ شَرعًا إلى التَّسليمِ لِلعَدلِ بحُكمِ تَوكيلِه، والقَرارُ على الراهِنِ، فيَرجِعُ العَدلُ بعدَ غُرمِه عليه. والمُرادُ بالتَّلَفِ في يَدِ العَدلِ أنْ يَكونَ ذلك بغَيرِ تَفريطٍ، فإنْ فَرَّطَ اقتَصَرَ الضَّمانُ على العَدلِ.

стр. 4275

وقال الحَنفيَّةُ: العُهدةُ تَكونُ على الوَكيلِ فيُغرَّمُ العَدلُ الثَّمَنَ مِنْ مالِه ثم يَرجِعُ على مالِكِه وهو الراهِنُ (١). ٧ - حِفظُ المَرهونِ: لِلعَدلِ ولِلمُرتَهَنِ أنْ يَحفَظَ كلٌّ منهما الرَّهنَ بنَفْسِه وزَوجَتِه ووَلَدِه الكَبيرِ الذي في عيالِه وخادِمِه الحُرِّ الذي في عيالِه؛ لأنَّ عَينَه أمانةٌ في يَدِه، فصارَ كالوَديعةِ، وإنْ حَفِظَه بغَيرِ مَنْ في عيالِه أو أودَعَه ضمِن؛ لأنَّ يَدَه ليستْ كأيديهم، فصارَ بالدَّفعِ مُتعدِّيًا. ٨ - بَيعُ العَدلِ بثَمَنِ المِثلِ: إذا أذِنَ الراهِنُ والمُرتَهَنُ في بَيعِ الرَّهنِ اختَلَف العُلماءُ: هل يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ أم لا؟ فقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: مَتى قَدَّرا له -أي: العَدلِ- ثَمَنًا لَم يَجُزْ له بَيعُه بدُونِه، وإنْ أطلَقا فله بَيعُه بثَمَنِ مِثلِه أو بزيادةٍ عليه، فإنْ أطلَقا فباعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ مما يَتغابَنُ الناسُ به صَحَّ ولا ضَمانَ عليه؛ لِأنَّهم يَتسامَحونَ فيه، ولأنَّ ذلك لا يُضبَطُ في الأغلَبِ. وإنْ كان النَّقصُ مما لا يَتغابَنُ الناسُ به، أو باعَ بأنقَصَ مما قَرَّرا له صَحَّ البَيعُ وضمِن النَّقصَ كلَّه في أحَدِ القَولَيْنِ لِلحَنابِلةِ.
следующие страницы →