← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

رهَنه رَهنًا ووَكَّلَه على بَيعِه عندَ حُلولِ الأجَلِ دونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ جازَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه مَعروفٌ منه، ولو شرَط المُرتَهَنُ على الراهِنِ في عَقدِ البَيعِ أنَّه مُوكَّلٌ على بَيعِه دونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ فقيلَ: إنَّ ذلك جائِزٌ لَازِمٌ، وقاله القاضي إسماعيلُ وابنُ القَصَّارِ وعَبدُ الوَهَّابِ وأشهَبُ، وكرِه ذلك في «المُدَوَّنةِ». اه. انظُرِ: الحَطَّابَ (١). وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الراهِنَ إذا عَزَلَ العَدلَ قبلَ البَيعِ صَحَّ عَزلُه ولَم يَملِكِ البَيعَ عندَئِذٍ، وكذلك لِلعَدلِ أنْ يَعزِلَ نَفْسَه عن ذلك ويَترُكَ أمرَ البَيعِ لَهما؛ لأنَّ الوَكالةَ عَقدٌ جائِزٌ، فلَم يَلزَمِ المُقامُ عليها كسائِرِ الوَكالاتِ. فأمَّا إنْ عَزَلَه المُرتَهَنُ لا يَنعَزِلُ عندَ الحَنبَليَّةِ والشافِعيَّةِ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ؛ لأنَّ العَدلَ وَكيلُ الراهِنِ؛ إذِ الرَّهنُ مِلكُه، ولو انفَرَد بتَوكيلِه صَحَّ، فلَم يَنعزِلْ بعَزلِ غَيرِه، لكنْ لا يَجوزُ بَيعُه بغَيرِ إذْنِه، وهكذا لو لَم يَعزِلاه فحَلَّ الحَقُّ لَم يَبِعْه حتى يَستأذِنَ المُرتَهَنَ؛ لأنَّ البَيعَ لِحَقِّه فلَم يَجُزْ حتى يأذَنَ فيه، ولا يَحتاجُ إلى تَجديدِ إذْنٍ مِنَ الراهِنِ. والوَجهُ الآخَرُ لِلشافِعيَّةِ: يَنعَزِلُ إذا عَزَلَه المُرتَهَنُ، كما لو عَزَلَه الراهِنُ؛ لأنَّه يَتصرَّفُ لهما.

стр. 4272

وفي وَجهٍ لِلحَنابِلةِ: لا يَصحُّ عَزلُه؛ لأنَّه يَفتَحُ بابَ الحِيلةِ لِلراهِنِ؛ فإنَّه يُشترَطُ ذلك لِلمُرتَهَنِ لِيُجيبَه إليه، ثم يَعزِلَه (١). ٥ - تَلَفُ الثَّمنِ بعدَ البَيعِ في يَدِ العَدلِ: وإذا باعَ العَدلُ الرَّهنَ بإذْنِهما وقبَض الثَّمَنَ فتلِف في يَدِه مِنْ غيرِ تَعَدٍّ فلا ضَمانَ عليه باتِّفاقِ المَذاهِبِ الأربعةِ؛ لأنَّه أمينٌ، فهو كالوَكيلِ. ويَكونُ مِنْ ضَمانِ الراهِنِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه وَكيلُ الراهِنِ في البَيعِ، والثَّمَنُ مِلكُه، وهو أمينٌ له في قَبضِه، فإذا تلِف كان مِنْ ضَمانِ مُوكِّلِه كسائِرِ الأُمناءِ. ولأنَّ الرَّهنَ غيرُ مَضمونٍ على مُرتَهَنِه عندَهما، ثم مِنَ الدَّليلِ أنَّ يَدَ العَدلِ كيَدِ الراهِنِ، لأنَّ جَوازَ بَيعِه وتَصرُّفِه مَوقوفٌ على إذْنِ الراهِنِ، ثم ثَبَتَ أنَّ الراهِنَ إذا باع الرَّهنَ كان ثَمَنُه مِنْ ضَمانِ الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لِبَقاءِ الرَّهنِ على مِلكِه، فوَجَب إذا باعه العَدلُ أنْ يَكونَ ثَمَنُه مِنْ ضَمانِ الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لِبَقاءِ الرَّهنِ على مِلكِه، وتَحريرُه أنَّه مَبيعٌ في الرَّهنِ أنْ يَكونَ ثَمَنُه مِنْ ضَمانِ الراهِنِ، أصلُه: إذا باعَه الراهِنُ، ولأنَّه ثَمَنُ مَبيعٍ فوَجَبَ أنْ يَكونَ مِنْ ضَمانِ المالِكِ كالوَكيلِ. وقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ: يَكونُ مِنْ ضَمانِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ يَدَه كيَدِ

стр. 4273

المُرتَهَنِ عندَ الحَنفيَّةِ، وهي يَدُ ضَمانٍ؛ لأنَّه بَدَلٌ مِنَ الرَّهنِ، فكان هَلاكُه كهَلاكِ الرَّهنِ. وعَلَّلَه المالِكيَّةُ بأنَّ العَدلَ أمينٌ لَهما جَميعًا، لِلراهِنِ بحِفظِ الرَّهنِ، ولِلمُرتَهَنِ بحَقِّ التَّوثقِ، وهو بَيعُه وتَوفيةُ المُرتَهَنِ دَينَه، فإذا باعه فقد باعه في حَقِّ أمانَتِه لِلمُرتَهَنِ، فوَجَب إذا تلِف الثَّمَنُ أنْ يَتلَفَ منه؛ لأنَّ الثَّمَنَ مِلكُه؛ لأنَّ ببَيعِه قد خَرَج مِنْ مِلكِ الراهِنِ وبَرِئتْ ذِمَّتُه. وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: وإنِ ادَّعى التَّلَفَ فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه؛ لأنَّه أمينٌ، ويَتعذَّرُ عليه إقامةُ البَيِّنةِ على ذلك، وإنْ كُلِّفَ البَيِّنةَ شَقَّ عليه ورُبَّما أدى إلى ألَّا يَدخُلَ الناسُ في الأماناتِ. فإنْ خالَفاه في قَبضِ الثَّمَنِ قالا: ما قَبَضه مِنَ المُشتَري وادَّعى أنَّه قبَض الثَّمَنَ مِنَ المُشتَري فيه وَجهانِ عندَ الحَنابِلةِ: أحَدُهما: القَولُ قَولُه؛ لأنَّه أمينٌ، والآخَرُ: لا يُقبَلُ؛ لأنَّ هذا إبراءٌ لِلمُشتَري مِنَ الثَّمَنِ، فلا يُقبَلُ قَولُه فيه، كما لو أبرأه مِنْ غيرِ الثَّمَنِ. ٦ - إذا خرَج المَبيعُ مُستَحقًّا بعدَ تَلَفِ الثَّمَنِ في يَدِ العَدلِ: وإذا باعَ العَدلُ الرَّهنَ وقبَض الثَّمَنَ في يَدِه ثم خرَج المَبيعُ مُستَحقًّا فلا عُهدةَ على العَدلِ عندَ الجُمهورِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ إلا أنَّهم اختَلَفوا فيمَن تَكونُ عليه: فقال المالِكيَّةُ: يأخُذُ المُستحِقُّ ما استَحَقَّه، ويَرجِعُ المُشتَري على مَنْ بِيعَ له، وهو المُرتَهَنُ، ويأخُذُ الثَّمَنَ منه ويَعودُ دَينُه في ذِمَّةِ الراهِنِ كما كان.

стр. 4274

وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إنْ خرَج المَبيعُ مُستَحقًّا فالعُهدةُ على الراهِنِ دونَ العَدلِ، قال الحَنابِلةُ: هذا إذا كان قد أعلَمَ المُشتَريَ بأنَّه وَكيلٌ، وكذلك كلُّ وَكيلٍ باعَ مالَ غَيرِه. فإنْ عَلِمَ المُشتَري بعدَ تَلَفِ الثَّمَنِ في يَدِ العَدلِ رَجَع على الراهِنِ ولا شَيءَ على العَدلِ. فأمَّا إنْ خرَج مُستَحقًّا بَعدَما دَفَع الثَّمَنَ إلى المُرتَهَنِ رَجَع المُشتَري على المُرتَهَنِ؛ لأنَّ عَينَ مالِه صارَتْ إلى المُرتَهَنِ بغَيرِ حَقٍّ، فكان رُجوعُه عليه كما لو قبَضه منه. فأمَّا إنْ كان المُشتَري رَدَّه بعَيبٍ لَم يَرجِعْ على المُرتَهَنِ؛ لأنَّه قبَض الثَّمَنَ بحَقٍّ، ولا على العَدلِ؛ لأنَّه أمينٌ ووَكيلٌ، وإنَّما يَرجِعُ على الراهِنِ. وإنْ كان العَدلُ حينَ باعَه لَم يُعلِمِ المُشتَريَ أنَّه وَكيلٌ، كان لِلمُشتَري الرُّجوعُ عليه، ويَرجِعُ هو على الراهِنِ إنْ أقَرَّ بذلك أو قامَتْ به بَيِّنةٌ. وقال الشافِعيَّةُ: لو تلِف ثَمَنُه في يَدِ العَدلِ بدونِ تَفريطٍ، ثم استَحَقَّ المَرهونُ المَبيعَ فإنْ شاءَ المُشتَري رَجَع على العَدلِ لِوَضعِ يَدِه عليه، وإنْ شاءَ رجَع على الراهِنِ لِإلجائِه المُشتَريَ شَرعًا إلى التَّسليمِ لِلعَدلِ بحُكمِ تَوكيلِه، والقَرارُ على الراهِنِ، فيَرجِعُ العَدلُ بعدَ غُرمِه عليه. والمُرادُ بالتَّلَفِ في يَدِ العَدلِ أنْ يَكونَ ذلك بغَيرِ تَفريطٍ، فإنْ فَرَّطَ اقتَصَرَ الضَّمانُ على العَدلِ.

стр. 4275

وقال الحَنفيَّةُ: العُهدةُ تَكونُ على الوَكيلِ فيُغرَّمُ العَدلُ الثَّمَنَ مِنْ مالِه ثم يَرجِعُ على مالِكِه وهو الراهِنُ (١). ٧ - حِفظُ المَرهونِ: لِلعَدلِ ولِلمُرتَهَنِ أنْ يَحفَظَ كلٌّ منهما الرَّهنَ بنَفْسِه وزَوجَتِه ووَلَدِه الكَبيرِ الذي في عيالِه وخادِمِه الحُرِّ الذي في عيالِه؛ لأنَّ عَينَه أمانةٌ في يَدِه، فصارَ كالوَديعةِ، وإنْ حَفِظَه بغَيرِ مَنْ في عيالِه أو أودَعَه ضمِن؛ لأنَّ يَدَه ليستْ كأيديهم، فصارَ بالدَّفعِ مُتعدِّيًا. ٨ - بَيعُ العَدلِ بثَمَنِ المِثلِ: إذا أذِنَ الراهِنُ والمُرتَهَنُ في بَيعِ الرَّهنِ اختَلَف العُلماءُ: هل يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ أم لا؟ فقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: مَتى قَدَّرا له -أي: العَدلِ- ثَمَنًا لَم يَجُزْ له بَيعُه بدُونِه، وإنْ أطلَقا فله بَيعُه بثَمَنِ مِثلِه أو بزيادةٍ عليه، فإنْ أطلَقا فباعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ مما يَتغابَنُ الناسُ به صَحَّ ولا ضَمانَ عليه؛ لِأنَّهم يَتسامَحونَ فيه، ولأنَّ ذلك لا يُضبَطُ في الأغلَبِ. وإنْ كان النَّقصُ مما لا يَتغابَنُ الناسُ به، أو باعَ بأنقَصَ مما قَرَّرا له صَحَّ البَيعُ وضمِن النَّقصَ كلَّه في أحَدِ القَولَيْنِ لِلحَنابِلةِ.

стр. 4276

وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في القَولِ الثاني: لا يَصحُّ البَيعُ؛ لأنَّه بَيعٌ لَم يُؤذَنْ له فيه، فأشبَهَ ما لو خالَفَ في النَّقدِ. وقال الشافِعيَّةُ: لو باعَ بثَمَنِ المِثلِ وزادَ راغِبٌ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ - خيارِ المَجلِس أو خيارِ الشَّرطِ- فليَفسَخِ البَيعَ ولْيَبِعْه له، فإذا لَم يَفعَلْ فوَجهانِ: أحَدُهما: لا يَنفسِخُ البَيعُ؛ لأنَّ الزِّيادةَ غيرُ مَوثوقٍ بها. وأصَحُّهما: الانفِساخُ؛ لأنَّ المَجلِسَ كحالِ العَقدِ، فعلى هذا لو بدا لِلراغِبِ قبلَ التَّمكُّنِ مِنْ بَيعِه فالبَيعُ الأوَّلُ بحالِه، وإنْ كان بَعدَه بطَل ولا بُدَّ مِنْ عَقدٍ جَديدٍ مِنْ غيرِ افتِقارٍ إلى إذْنٍ جَديدٍ إنْ كان الخيارُ لَهما أو لِلبائِعِ؛ لِعَدَمِ انتِقالِ المِلكِ؛ وإلا فلا بُدَّ مِنْ إذْنٍ جَديدٍ (١). وأمَّا الحَنفيَّةُ فاختَلَفوا فقالوا: إنْ كان العَدلُ مُسلَّطًا على البَيعِ وإيفاءِ الدَّينِ منه، فيَجوزُ بَيعُه عندَ أبي حَنيفةَ بما عَزَّ وهانَ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ أو غَيرِها وبأيَّ ثَمَنٍ كان كالوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ، فإنْ باعه بجِنسِ الدَّينِ فإنَّه يَقضي ثَمَنَه عن الدَّينِ، وإنْ باعَه بخِلافِ جِنسِه فإنَّه يَبيعُه أيضًا بجِنسِ الدَّينِ ويُوفِّي الدَّينَ؛ لأنَّه مُسلَّطٌ على ذلك. وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: يَبيعُه بالنَّقدِ أو أقَلَّ بقَدرِ ما يُتغابَنُ فيه، فإنْ

стр. 4277

باعَه بجِنسِ الدَّينِ قَضى به الدَّينَ، وإنْ باعَه بخِلافِ جِنسِه صَرَفَه بجِنسِ الدَّينِ وقَضى الدَّينَ (١). الانتِفاعُ بالرَّهنِ: الانتِفاعُ إمَّا أنْ يَكونَ مِنَ الراهِنِ وإمَّا أنْ يَكونَ مِنَ المُرتَهَنِ، وقد اختَلَف الفُقهاءُ في كلٍّ منهما: أولًا: انتِفاعُ الراهِنِ بالرَّهنِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلراهِنِ الانتِفاعُ بالعَينِ المَرهونةِ باستِخدامٍ ولا وَطءٍ ولا سُكنى ولا غيرِ ذلك، ولا يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه بإجارةٍ أو إعارةٍ ولا غَيرِهما بغَيرِ رِضا المُرتَهَنِ؛ لأنَّ حَقَّ الحَبسِ ثابِتٌ لِلمُرتَهَنِ على سَبيلِ الدَّوامِ، وهذا يَمنَعُ الاستِردادَ والانتِفاعَ. إذا ثَبَت هذا فإنَّ المُتراهنَيْنِ إذا لَم يَتَّفِقا على الانتِفاعِ بها لَم يَجُزْ الانتِفاعُ بها، وكانتْ مَنافِعُها مُعطَّلةً. فإنْ كانتْ دارًا أُغلِقتْ، وإنْ كان عَبدًا أو غَيرَه تَعطَّلتْ مَنافِعُه حتى يُفَكَّ الرَّهنُ. وإنِ اتَّفَقا على إجارةِ الرَّهنِ أو إعارتِه قال الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في وَجهٍ: إنْ أجَّرَه بإذْنِ المُرتَهَنِ صَحَّ وخرَج مِنَ الرَّهنِ ولا يَعودُ رَهنًا.

стр. 4278

وقال المالِكيَّةُ: يَبطُلُ الرَّهنُ بإذْنِ المُرتَهَنِ لِلراهِنِ في سُكنى لِدارٍ مَرهونةٍ أو في إجارةٍ لِذاتٍ مَرهونةٍ، والبُطلانُ يَحصُلُ ولو لَم يَفعَلِ الراهِنُ ما ذُكِرَ. وقال الحَنابِلةُ في الوَجهِ الآخَرِ: إنِ اتَّفَقا على إجارةِ الرَّهنِ أو إعارَتِه جازَ ذلك، ولا يَخرُجُ مِنَ الرَّهنِ؛ لأنَّ مَقصودَ الرَّهنِ الاستِيثاقُ بالدَّينِ واستيفاؤُه مِنْ ثَمَنِه عندَ تَعذُّرِ استِيفائِه مِنْ ذِمَّةِ الرَّهنِ، وهذا لا يُنافي الانتِفاعَ به ولا إجارَتَه ولا إعارَتَه فجازَ اجتِماعُهما كانتِفاعِ المُرتَهَنِ به؛ ولأنَّ تَعطيلَ مَنفَعَتِه تَضييعٌ لِلمالِ، وقد نَهى النَّبيُّ ﷺ عن إضاعةِ المالِ؛ ولأنَّه عَينٌ تَعلَّقَ بها حَقُّ الوَثيقةِ فلَم يَمنَعْ إجارَتَها، كالعَبدِ إذا ضُمِنَ بإذْنِ سَيِّدِه، ولا نُسلِّمُ أنَّ مُقتَضى الرَّهنِ الحَبسُ، وإنَّما مُقتَضاه تَعلَّقَ الحَقُّ به على وَجهٍ تَحصُلُ به الوَثيقةُ، وذلك غيرُ مُنافٍ لِلانتِفاعِ به. ولو سَلَّمنا بأنْ مُقتَضاه الحَبسُ لا يَمنَعُ أنْ يَكونَ المُستأجِرُ نائِبًا عنه في إمساكِه وحَبسِه، ومُستَوفيًا لِمَنفَعَتِه لِنَفْسِه. وقال الشافِعيَّةُ: يَجوزُ لِلراهِنِ أنْ يَنتفِعَ بالرَّهنِ ما لَم يَضُرَّ بالمُرتَهَنِ، فله كلُّ انتِفاعٍ لا يَنقُصُه، كالرُّكوبِ والاستِخدامِ والسُّكنَى؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الرَّهنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، وعَلَى الذي يَرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (١)، فجعَل رَسولُ اللهِ ﷺ الرَّهنَ مَركوبًا ومَحلوبًا، ولا يَخلو أنْ يَكونَ ذلك لِلراهِنِ أو لِلمُرتَهَنِ، فلَم يَجُزْ أنْ يُجعَلَ ذلك لِلمُرتَهَنِ؛ لِأمرَيْنِ:

стр. 4279

أحَدُهما: إجماعُهم على أنَّ المُرتَهَنَ لا يَستحِقُّ ذلك. والآخَرُ: أنَّه جعَل على الراكِبِ والشارِبِ نَفَقةَ الرَّهنِ، والنَّفَقةُ واجِبةٌ على الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ، فثَبَتَ بهذَيْنِ جَوازُ ذلك لِلراهِنِ. ولا يَجوزُ البِناءُ والغِراسُ؛ لأنَّه يَنقُصُ قيمةَ الأرضِ المَرهونةِ، ولو كان الدَّينُ مُؤجَّلًا، ولَم يَلتزِمْ قَلعَهما عندَ فَراغِ الأجلِ؛ لِنَقصِ القيمةِ بذلك، فإنِ التَزَمَ ذلك جازَ له إذا لَم يُحدِثْ قَلعُه نَقصًا في الأرضِ، ولا تَطولُ مُدَّتُه بحيثُ تَضُرُّ بالمُرتَهَنِ، وله زِراعةُ ما يُدرِكُه قبلَ حُلولِ الدَّينِ أو معه إنْ لَم يَنقُصِ الزَّرعُ قيمةَ الأرضِ؛ إذْ لا ضَرَرَ على المُرتَهَنِ، وإذا حَلَّ الدَّينُ قبلَ إدراكِه لِعارِضٍ تُرِكَ إلى الإدراكِ، فإنْ كانتْ قِيمَتُها تَنْقُصُ بذلك الزَّرعِ أو كان الزَّرعُ مما يُدرَكُ بعدَ الحُلولِ أو فِعلِ البِناءِ والغِراسِ لَم يُقلَعْ ما ذُكِرَ قبلَ حُلولِ الأجَلِ لاحتِمالِ قَضاءِ الدَّينِ مِنْ غيرِ الأرضِ، وبَعدَه يُقلَعُ إنْ لَم تَفِ الأرضُ -أي: قيمَتُها- بالدَّينِ، وزادَتْ به -أي: القَلعِ-، ولَم يأذَنِ الراهِنُ في بَيعِه مع الأرضِ، ولَم يُحجَرْ عليه بفَلَسٍ عُلِّقَ حَقُّ المُرتَهَنِ بأرضٍ فارِغةٍ، أمَّا إذا وَفَّتْ قيمةُ الأرضِ بالدَّينِ، أو لَم تَزِدْ بالقَلعِ، أو أذِنَ الراهِنُ فيما ذُكِرَ أو حُجِرَ عليه فلا يُقلَعُ، بل يُباعُ مع الأرضِ في الأخيرتَيْنِ، ويُوزَّعُ الثَّمنُ عليهما، ويُحسَبُ النَّقصُ في الثالِثةِ على الزَّرعِ أو البِناءِ أو الغِراسِ إنْ كانت قيمةُ الأرضِ فيها بَيضاءَ أكثَرَ مِنْ قيمَتِها مع ما فيها (١).

стр. 4280

ثانيًا: انتِفاعُ المُرتَهَنِ بالرَّهنِ: اختَلَف الفُقهاءُ في انتِفاعِ المُرتَهَنِ بالرَّهنِ، هل يَجوزُ أو لا؟ فقال جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يَجوزُ لِلمُرتَهَنِ أنْ يَنتفِعَ بالرَّهنِ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ، حتى لو كان الرَّهنُ دابَّةً، فليس له أنْ يَركَبَها، وإنْ كان ثَوبًا فليس له أنْ يَلبَسَه، وإنْ كان دارًا فليس له أنْ يَسكُنَها، وإنْ كان مُصحَفًا فليس له أنْ يَقرأَ فيه؛ لأنَّ عَقدَ الرَّهنِ يُفيدُ مِلكَ الحَبسِ، لا مِلكَ الانتِفاعِ، ولا يَحِقُّ له إجارَتُه ولا إعارَتُه، أي: ليس لِلمُرتَهَنِ الانتِفاعُ بإجارةٍ أو بإعارةٍ، إذا لَم يَكُنْ له الانتِفاعُ بنَفْسِه، فلا يَكونُ مالِكًا لِتَسليطِ الغَيرِ عليه إلا بإذْنِ الراهِنِ. فإنْ أذِنَ جازَ له أنْ يَفعَلَ ما أذِنَ له فيه، وإنْ فَعَلَ مِنْ غيرِ إذْنٍ صارَ ضامِنًا. قال المالِكيَّةُ: انتِفاعُ المُرتَهَنِ بالرَّهنِ لا يَجوزُ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ، ويَجوزُ بإذْنِه إذا كان ذلك شَرطًا في أصلِ البَيعِ في الدُّورِ والأرضينَ باتِّفاقٍ، وفي

стр. 4281

الحَيوانِ والثِّيابِ على اختِلافٍ، ولا يَجوزُ ذلك بعدَ عَقدِ البَيعِ ولا في السَّلَفِ بحالٍ. وقالوا أيضًا: يَجوزُ لِلمُرتَهَنِ شَرطُ مَنفَعةٍ في الرَّهنِ، كسُكنى أو رُكوبٍ أو خِدمةٍ بشَرطَيْنِ: ١ - إنْ عُيِّنتْ بزَمَنٍ أو عَمَلٍ؛ لِلخُروجِ مِنَ الجَهالةِ في الإجارةِ في دَينِ بَيعٍ فَقَطْ، لا في قَرضٍ، فلا يَجوزُ؛ لأنَّه في البَيعِ بَيعٌ وإجارةٌ، وهو جائِزٌ، وفي القَرضِ سَلَفٌ جَرَّ نَفعًا، وهو لا يَجوزُ. ٢ - وعلى أنْ تُحسَبَ مِنَ الدَّينِ مُطلَقًا. وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَجوزُ لِلمُرتَهَنِ رُكوبُ الرَّهنِ وحَلبُه بقَدْرِ نَفَقَتِه بلا إذْنِ الراهِنِ، ولو حاضِرًا مُتحَرِّيًا العَدلَ في ذلك؛ لِما رَوى البُخاريُّ وغَيرُه عن أبي هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الرَّهنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، وعَلَى الذي يَرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (١). ولأنَّ الحَيوانَ نَفَقتُه واجِبةٌ، ولِلمُرتَهَنِ فيه حَقٌّ، وقد أمكَنَه استِيفاءُ حَقِّه جازَ كما يَجوزُ لِلمَرأةِ أخْذُ مُؤنَتِها مِنْ مالِ زَوجِها عندَ عَدَمِ الإنفاقِ عليها، لا يُقالُ مِنْ مَنافِعِه مع بَقاءِ عَينِه، المُرادُ به أنَّ الراهِنَ يُنْفِقُ ويَنتفِعُ؛ لأنَّه مَدفوعٌ بما رُوِيَ إذا كانتِ الدَّابَّةُ مَرهونةً فعلى المُرتَهَنِ عَلَفُها، فجَعَل المُرتَهَنَ هو المُنفِقَ، فيَكونُ هو المُنتفِعَ، وقَولُه: (بنَفَقَتِه)، أي: بسَبَبِها؛ إذْ

стр. 4282

الانتِفاعُ عِوَضُ النَّفَقةِ، وذلك إنَّما يَتأتَّى مِنَ المُرتَهَنِ، أمَّا الراهِنُ فإنفاقُه وانتِفاعُه ليسا بسَبَبِ الرُّكوبِ، ولو تُرِكتْ لَذهَبتْ مَجَّانًا، وكذا اللَّبَنُ لو تُرِكَ لَفَسَد، وبَيعُه أوَّلًا فأوَّلًا مُتعذِّرٌ، والحَيوانُ لا بُدَّ له مِنْ نَفَقةٍ، فقد يَتعذَّرُ مِنَ المالِكِ، وبَيعُ بَعضِ الرَّهنِ فيها قد يُفوِّتُ الحَقَّ بالكُلِّيَّةِ، وهذا فيما إذا أنفَقَ مُحتسِبًا بالرُّجوعِ، فإنْ كان مُتبرِّعًا لَم يَنتفِعْ، رِوايةً واحِدةً. وأمَّا غيرُ ذلك -وهو مما لا يَحتاجُ إلى مُؤنةٍ، كالدارِ والمَتاعِ- فلا يَجوزُ لِلمُرتَهَنِ الانتِفاعُ بشَيءٍ منه بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ؛ لأنَّ نَماءَ الرَّهنِ يَسلُكُ به مَسلَكَه. وله الانتِفاعُ بالرَّهنِ مَجَّانًا بإذْنِ الراهِنِ؛ لِطِيبِ نَفْسِ رَبِّه به ما لَم يَكُنِ الدَّينُ قَرضًا، فإنْ كان الدَّينُ قَرضًا حَرُمَ الانتِفاعُ؛ لِجَرِّ النَّفعِ. قال أحمدُ ﵀: أكرَهُ قَرضَ الدُّورِ، وهو الرِّبا المَحضُ، يَعني: إذا كانتِ الدارُ رَهنًا في قَرضٍ يَنتفِعُ بها المُرتَهَنُ. لكنْ يَصيرُ مَضمونًا عليه بالانتِفاعِ به مَجَّانًا؛ لِصَيرورَتِه عاريةً. ومُؤنةُ الرَّهنِ وأُجرةُ مَخزَنِه وأُجرةُ رَدِّه مِنْ إباقِه على مالِكِه (١). الرَّهنُ مَحبوسٌ بجَميعِ المالِ إلى أنْ يُقضى جَميعُ الدَّينِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الراهِنَ إذا قَضى بَعضَ الدَّينِ الذي الرَّهنُ مَحبوسٌ فيه، أو سَقَط بَعضُه بهِبةٍ أو صَدَقةٍ أو نَحوِ ذلك، فإنَّ جَميعَ الرَّهنِ

стр. 4283

يَكونُ رَهنًا بالبَقيَّةِ، فإذا قَضاه بَعضَ الحَقِّ كان الرَّهنُ بحالِه على ما بَقيَ؛ لأنَّ حَقَّ الوَثيقةِ يَتعلَّقُ بالرَّهنِ جَميعُه، فيَصيرُ مَحبوسًا بكُلِّ الحَقِّ وبكلِّ جُزءٍ منه لا يَنفَكُّ منه شَيءٌ حتى يُقضى جَميعُ الدَّينِ، سَواءٌ كان مما يُمكِنُ قِسمَتُه أو لا؛ لأنَّ الرَّهنَ وَثيقةٌ بحَقٍّ، فلا يَزولُ إلا بزَوالِ جَميعِه، كالضَّمانِ والشَّهادةِ. قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ مَنْ رهَن شَيئًا بمالٍ فأدى بَعضَ المالِ وأرادَ إخراجَ بَعضِ الرَّهنِ أنَّ ذلك ليس له، ولا يَخرُجُ شَيءٌ حتى يُوَفِّيَه آخِرَ حَقِّه أو يُبرِئَه مِنْ ذلك، كذلك قال مالِكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ (١). وقال الكاسانيُّ ﵀: يَتعلَّقُ بحالِ قيامِ المَرهونِ مِلكُ حَبسِ المَرهونِ على سَبيلِ الدَّوامِ إلى وَقتِ الفِكاكِ أو مِلكِ العَينِ في حَقِّ الحَبسِ على سَبيلِ الدَّوامِ إلى وَقتِ الفِكاكِ، وكَونُ المُرتَهَنِ أحَقَّ بحَبسِ المَرهونِ على سَبيلِ اللُّزومِ إلى وَقتِ الفِكاكِ، والعباراتُ مُتَّفِقةُ المَعاني في مُتعارَفِ الفُقهاءِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أخبَرَ اللهُ بكَونِ الرَّهنِ مَقبوضًا، وإخبارُه لا يَحتمِلُ الخَلَلَ، فاقتَضى أنْ يَكونَ المَرهونُ مَقبوضًا ما دامَ مَرهونًا، ولو

стр. 4284

لَم يَثبُتْ مِلكُ الحَبسِ على الدَّوامِ لَم يَكُنْ مَحبوسًا على الدَّوامِ، فلَم يَكُنْ مَرهونًا، ولأنَّ الرَّهنَ في اللُّغةِ عبارةٌ عن الحَبسِ، قال الله : ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١]، أي: حَبيسٌ، فيَقتَضي أنْ يَكونَ المَرهونُ مَحبوسًا ما دامَ مَرهونًا، ولأنَّ اللهَ لمَّا سَمَّى العَينَ التي وَرَد العَقدُ عليها رَهنًا، وأنَّه يُنبِئُ عن الحَبسِ لُغةً، كان ما دَلَّ عليه اللَّفظُ لُغةً حُكمًا له شَرعًا؛ لأنَّ لِلأسماءِ الشَّرعيَّةِ دِلالاتٍ على أحكامِها، كلَفظِ الطَّلاقِ والعِتاقِ والحَوالةِ والكَفالةِ ونَحوِها، ولأنَّ الرَّهنَ شُرِعَ وَثيقةً بالدَّينِ، يَلزَمُ أنْ يَكونَ حُكمُه ما يَقَعُ به التَّوثيقُ لِلدَّينِ، كالكَفالةِ، وإنَّما يَحصُلُ التَّوثيقُ إذا كان يَملِكُ حَبسَه على الدَّوامِ؛ لأنَّه يَمنَعُه مِنَ الانتِفاعِ، فيَحمِلُه ذلك على قَضاءِ الدَّينِ في أسرَعِ الأوقاتِ، وكذا يَقَعُ الأمْنُ مِنْ هَلاكِ حَقِّه بالجُحودِ والإنكارِ على ما عُرِفَ (١). الزِّيادةُ في الرَّهنِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ لِلراهِنِ أنْ يَزيدَ المُرتَهَنَ مع رَهنِه رَهنًا آخَرَ، مِثلَ أنْ يَرهَنَ ثَوبًا بعَشَرةٍ يُساوِي عَشَرةً ثم زادَ الراهِنُ ثَوبًا آخَرَ فيَكونَ مع الأوَّلِ رَهنًا بالعَشَرةِ. قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ لِلراهِنِ أنْ يَزيدَ المُرتَهَنَ مع رَهنِه رَهنًا آخَرَ (٢).

стр. 4285

الزِّيادةُ في الدَّينِ في الرَّهنِ: اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الزِّيادةِ في الدَّينِ، وصُورَتُه أنْ يَزيدَ دَينًا على الدَّينِ الأوَّلِ على أنْ يَكونَ الرَّهنُ الأوَّلُ رَهنًا بالدَّينَيْنِ، بأنْ يَقولَ الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ: زِدْني مالًا يَكونُ الرَّهنُ الذي عِنْدَكَ رَهنًا به وبالدَّينِ الأوَّلِ. وصُورةُ المَسألةِ: أنْ يَرهَنَ عندَه عَبدًا يُساوي ألفَيْنِ بألْفٍ، ثم استَقرَضَ منه ألْفًا أُخرى على أنْ يَكونَ العَبدُ رَهنًا بهما جَميعًا، فلو هَلَك يَهلِكُ بالألْفِ الأُولى، لا بالألْفَيْنِ، ويَبقى الدَّينُ الثاني بلا رَهنٍ، ولو قَضاه ألْفًا وقال: «إنَّما قَضَيتُها عن الأُولى»، فله أنْ يَسترِدَّ العَبدَ (١). فقال أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيُّ في الجَديدِ والحَنابِلةُ: لا تَجوزُ الزِّيادةُ في الدَّينِ، يَعني أنَّه بعدَ أنْ يَرهَنَ مالًا مُقابِلَ دَينٍ ويَجري تَسليمُه لا يَجوزُ الزِّيادةُ في الدَّينِ بمُقابَلةِ ذلك الرَّهنِ، ولا يَكونُ الرَّهنُ السابِقُ مُقابِلًا للدَّينِ الذي زِيدَ؛ لأنَّ الزِّيادةَ في الدَّينِ تُوجِبُ الشُّيوعَ في الرَّهنِ، وتُفضي إلى أنْ يَكونَ بَعضُ المَرهونِ رَهنًا مُقابِلَ الدَّينِ الأوَّلِ، وبَعضُه مُقابِل الدَّينِ الثاني وهذا ليس مَشروعًا. ولأنَّها عَينٌ مَرهونةٌ لَم يَجُزْ رَهنُها بدَينٍ آخَرَ، كما لو رَهَنها عندَ غيرِ المُرتَهَنِ. ولأنَّه لو جازَ أنْ يَرتَهِنَه بحَقٍّ آخَرَ لَجازَ أنْ يَكونَ رَهنًا عندَ شَخصٍ آخَرَ، فلَمَّا لَم يَجُزْ أنْ يَكونَ رَهنًا عندَ شَخصٍ آخَرَ لَم يَجُزْ أنْ يَرتَهِنَه بحَقٍّ آخَرَ.

стр. 4286

ولأنَّ الرَّهنَ وكلَّ جُزءٍ منه مَرهونٌ بالحَقِّ وبكُلِّ جُزءٍ منه بدَليلِ أنَّه لو قَضاه الحَقَّ إلا جُزءًا منه كان الرَّهنُ كلُّه مَرهونًا في الجُزءِ المُتبَقِّي منه، فلَم يَجُزْ أنْ يَصيرَ مَرهونًا بحَقٍّ آخَرَ؛ لاشتِغالِه بالحَقِّ الأوَّلِ، كمَن أجَّرَ دارًا سَنةً لَم يَجُزْ أنْ يُؤاجِرَها مَرةً أُخرى؛ لاشتِغالِها بالعَقدِ الأوَّلِ، ولأنَّ الرَّهنَ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ مُتقدِّمًا على الحَقِّ، فلو جازَ إدخالُ حَقٍّ آخَرَ على الرَّهنِ لَصارَ الرَّهنُ مُتقدِّمًا على الحَقِّ، ولأنَّ الرَّهنَ يَتبَعُ البَيعَ؛ لاقتِرانِه به، واشتِراطِه فيه، يَجري عليه حُكمُه، فلَمَّا لَم يَجُزْ إذا ابتاعَ شَيئًا أنْ يَبتاعَه مَرَّةً أُخرى مع بَقاءِ العَقدِ الأوَّلِ، لَم يَجُزْ إذا ارتَهَنَ شَيئًا أنْ يَرتَهِنَه مَرَّةً أُخرى مع بَقاءِ العَقدِ الأوَّلِ. وقال المالِكيَّةُ وأبو يُوسُفَ والشافِعُّي في القَديمِ: يَجوزُ ذلك؛ لأنَّه لو زادَه رَهنًا جازَ، ولأنَّ الضَّمانَ وَثيقةٌ، كما أنَّ الرَّهنَ وَثيقةٌ، ثم ثَبَتَ أنَّه لو ضمِن له ألْفًا فصارَتْ ذِمَّتُه مَرهونةً بها جازَ أنْ يَضمَنَ له ألْفًا أُخرى، فتَصيرَ ذِمَّتُه مَرهونةً بألفَيْنِ، كذلك إذا رَهَنه عَبدًا بألْفٍ جازَ أنْ يَرهَنَه بألْفٍ أُخرى فيَصيرَ العَبدُ مَرهونًا بألفَيْنِ. ووَجْهُ قَولِ أبي يُوسُفَ: أنَّ الدَّينَ مع الرَّهنِ يَتحاذَيانِ مُحاذاةَ المَبيعِ مع الثَّمَنِ حتى يَكونَ المَرهونُ مُحبوسًا بالدَّينِ مَضمونًا به؛ كالمَبيعِ بالثَّمَنِ عن الزِّيادةِ في الرَّهنِ، يُجعَلُ مُلحَقًا بأصلِ العَقدِ، فكذلك الزِّيادةُ في الدَّينِ، كما في البَيعِ، فإنَّ الزِّيادةَ في الثَّمَنِ والمَبيعِ ثَبتَتْ على سَبيلِ الالتِحاقِ بأصْلِ العَقدِ، وهنا مِثلُه، وكما أنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إلى الزِّيادةِ في الرَّهنِ فقد تَكونُ ماسَّةً إلى الزِّيادةِ في الدَّينِ، بأنْ يَكونَ في ماليَّةِ الرَّهنِ فَضلًا على الدَّينِ،

стр. 4287

ويَحتاجَ الراهِنُ إلى مالٍ آخَرَ فيأخُذَه مِنَ المُرتَهَنِ لِيَكونَ الرَّهنُ رَهنًا بهما. ووَجهُ قَولِ المالِكيَّةِ: عُمومُ قَولِ اللهِ : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فعَمَّ كلَّ دَينٍ يَجوزُ أخْذُ الرَّهنِ به، وكلَّ رَهنٍ يَجوزُ ارتِهانُه بكُلِّ دَينٍ، ولأنَّه وَثيقةٌ بالحَقِّ، فإذا اشتَغَلَ بحَقٍّ جازَ أنْ يَشتَغِلَ بحَقٍّ آخَرَ، مع بَقاءِ اشتِغالِه بالحَقِّ الأوَّلِ كالضَّمينِ؛ ولأنَّه زِيادةٌ في التَّراهُنِ في حَقِّ المُتراهنَيْنِ، فأشبَهَ الزِّيادةَ في الرَّهنِ، ولأنَّها زيادةٌ في حَقِّ تَوثيقِه على أنْ تَكونَ الوَثيقةُ بتَعلُّقِه بهما، جازَ ذلك، أصلُه زيادةٌ في الحَقِّ في الضَّمينِ، ولأنَّه حَقٌّ تَعلَّقَ بعَينٍ يُستَوفى مِنْ ثَمَنِها جازَ أنْ يُزاحِمَه في التَّعلُّقِ بها حَقٌّ آخَرُ، أصْلُه أرشُ الجِنايةِ؛ ولأنَّ مَنعَ ذلك لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ لِحَقِّ الراهِنِ أو المُرتَهَنِ، أو لِعَقدِ المُرتَهَنِ، ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ لِحَقِّ الراهِنِ؛ لأنَّ حَقَّه كان في استِرجاعِه عندَ أداءِ الدَّينِ الأوَّلِ، فإذا علَّقه بدَينٍ آخَرَ فقد اختارَ إسقاطَ حَقِّه وبَقيَ تَعلُّقُ التَّوثُّقِ به، وذلك إليه، أو لِحَقِّ المُرتَهَنِ؛ لأنَّه لا ضَرورةَ عليه فيه، ولا لِمَعنًى يَعودُ إلى عَقدُ الرَّهنِ، فوَجَب جَوازُه (١).

стр. 4288

وهذا بعدَ اتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّه لا يَجوزُ وَضعُ الرَّهنِ بدَينٍ آخَرَ عندَ شَخصٍ آخَرَ. نَماءُ الرَّهنِ: اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ نَماءِ الرَّهنِ المُنفَصِلِ، مِثلَ الثَّمَرةِ في الشَّجَرِ المَرهونِ، ومِثلَ الغَلَّةِ، كأُجرةِ الدارِ، ومِثلَ الوَلَدِ، هل يَدخُلُ في الرَّهنِ أو لا؟ قال الحَنفيَّةُ: نَماءُ الرَّهنِ نَوعانِ: نَوعٌ لا يَدخُلُ في الرَّهنِ: وهو ما لا يَكونُ مُتولَّدًا مِنَ العَينِ، ولا يَكونُ بَدَلًا عن جُزءٍ مِنْ أجزاءِ العَينِ، وذلك مِثلَ الكَسبِ، كأُجرةِ الدارِ والهِبةِ والصَّدَقةِ وأشباهِها؛ فإنَّها غيرُ داخِلةٍ في الرَّهنِ، وتَكونُ لِلراهِنِ ولا تُرهَنُ معه؛ لأنَّها ليستْ مِنْ الرَّهنِ نَفْسِه، فلا تَدخُلُ تَحتَ عَقدِه. فإنْ آجَرَ المُرتَهَنُ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ: كانتِ الأُجرةُ لِلمُرتَهَنِ وعليه أنْ يَتصدَّقَ بها؛ لأنَّها حَصَلتْ له مِنْ وَجهٍ مَحظورٍ. ونَوعٌ يَدخُلُ في الرَّهنِ: وهو ما يَكونُ مُتولَّدًا مِنَ العَينِ، كالوَلَدِ والثَّمَرةِ والصُّوفِ والوَبَرِ، أو يَكونُ بَدَلًا عن جُزءٍ مِنْ أجزاءِ العَينِ كالأرشِ والعَقرِ، ومَعنى دُخولِ هذا النَّوعِ مِنَ النَّماءِ تَحتَ الرَّهنِ أنَّه يُحبَسُ كما يُحبَسُ الأصلُ. وإنْ هَلَك النَّماءُ في يَدِ المُرتَهَنِ يَهلِكُ بلا شَيءٍ، فلا يَسقُطُ به شَيءٌ مِنَ الدَّينِ؛ لأنَّه تَبَعٌ لِأصْلِه، والأتْباعُ لا قِسطَ لها مِمَّا يُقابِلُ أصْلَها؛ لأنَّها لا تَدخُلُ تَحتَ العَقدِ على سَبيلِ القَصدِ؛ لأنَّ اللَّفظَ لا يَتناوَلُها.

стр. 4289

وإنْ هَلَك الأصلُ وبَقيَ النَّماءُ افتَكَّهُ الراهِنُ بحِصَّتِه يَقسِمُ الدَّينَ على قيمةِ الرَّهنِ يَومَ القَبضِ؛ لأنَّه مَضمونٌ بالقَبضِ كما تَقدَّم، وعلى قيمةِ النَّماءِ يَومَ الفِكاكِ؛ لأنَّه إنَّما صارَ مَضمونًا به، ولو هَلَك قَبلَه هَلَك مَجَّانًا، والتَّبَعُ يُقابِلُه شَيءٌ إذا صارَ مَقصودًا كوَلَدِ المَبيعِ؛ فإنَّه يَكونُ له حِصَّةٌ مِنَ الثَّمَنِ إذا صارَ مَقصودًا بالقَبضِ، والزِّيادةُ هنا صارَتْ مَقصودةً بالفِكاكِ، فيَخصُّه شَيءٌ مِنَ الدَّينِ. فما أصابَ الأصلَ سَقَطَ مِنَ الدَّينِ بقَدْرِه؛ لأنَّه يُقابِلُه الأصلُ مَقصودًا، وما أصابَه النَّماءُ افتَكَّهُ الراهِنُ به. كما لو كان الدَّينُ عَشَرةً وقيمةُ الأصلِ يَومَ القَبضِ عَشَرةً وقيمةُ النَّماءِ يَومَ الفِكاكِ خَمسةً، فثُلُثا العَشَرةِ حِصَّةُ الأصلِ، فيَسقُطُ، وثُلُثُ العَشَرةِ حِصَّةُ النَّماءِ، فيُفَكُّ به (١). وأمَّا المالِكيَّةُ ففَرَّقوا فقالوا: ما كان مِنْ نَماءِ الرَّهنِ المُنفصِلِ على خِلقَتِه وصُورَتِه، فإنَّه داخِلٌ في الرَّهنِ كوَلَدِ الجاريةِ مع الجاريةِ، وكذا سائِرُ الحَيَوانِ. وأمَّا ما لَم يَكُنْ على خِلقَتِه فإنَّه لا يَدخُلُ في الرَّهنِ، سَواءٌ أكانَ مُتولَّدًا

стр. 4290

عنه -كثَمَرِ النَّخلِ والصُّوفِ واللَّبنِ- أم غيرَ مُتولَّدٍ، كأُجرةِ العَقارِ والدَّوابِّ وما أشبَهَ ذلك. وذلك أنَّ الوَلَدَ حُكمُه حُكمُ أُمِّه في البَيعِ، أي: هو تابِعٌ لها، والفَرقُ بينَ الثَّمَرِ والوَلَدِ في ذلك السُّنَّةُ المُفرِقةُ في ذلك، وذلك أنَّ الثَّمَرَ لا يَتبَعُ بَيعَ الأصلِ إلا بالشَّرطِ، ووَلَدَ الجاريةِ يَتبَعُ بغَيرِ شَرطٍ (١). وذهَب الشافِعيَّةُ إلى أنَّ نَماءَ الرَّهنِ المُنفصِلِ لا يَدخُلُ شَيءٌ منه في الرَّهنِ، أي: الذي يَحدُثُ منه في يَدِ المُرتَهَنِ، ويَكونُ لِلْراهِنِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» (٢)، ووَجهُ الدَّليلِ مِنْ ذلك أنَّه لَم يُرِدْ بقَولِه: (مَركوبٌ ومَحلوبٌ) أنْ يَركَبَه الراهِنُ ويَحلُبَه؛ لأنَّه قد يَكونُ غيرَ مَقبوضٍ، وذلك مُناقِضٌ لِكَونِه رَهنًا، فإنَّ الرَّهنَ مِنْ شَرطِه القَبضُ، ولا يَصحُّ أنْ يَكونَ مَعناه أنَّ المُرتَهَنَ يَحلُبُه ويَركَبُه، فلَم يَبْقَ إلا أنْ يَكونَ المَعنى في ذلك أنَّ أُجرةَ ظَهرِه لِرَبِّه، ونَفَقَتَه عليه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَغْلَقُ الرَّهنُ، الرَّهنُ لِمَنْ رهَنهُ، له غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (٣)، فجَعَل غُنمَ الرَّهنِ مِلكًا لِلراهِنِ على الإطلاقِ، ودُخولُه في الرَّهنِ يَمنَعُ مِنْ إطلاقِه؛ ولأنَّها عَينٌ مِنْ أعيانِ مِلكِ الراهِنِ لَم يُعقَدْ عليها عَقدُ رَهنٍ، فلَم تَكُنْ رَهنًا كسائِرِ مالِه.

стр. 4291

ولأنَّه نَماءٌ زائِدٌ على ما رَضيَه رَهنًا وجَب ألَّا يَكونَ له إلا بشَرطٍ زائِدٍ. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ فَرَّقَ في الحَديثِ بينَ الرَّهنِ وبَينَ غُنمِه، ومَعلومٌ أنَّ الرَّهنَ على مِلكِ راهِنِه، فعُلِمَ أنَّ ما أضافَه إليه مِنْ غُنمِه مُخالِفٌ لِما لَم يُضِفْه إليه مِنْ رَهنِه، ولا وَجهَ يَختلِفان فيه إلا خُروجُه مِنَ الرَّهنِ وعَدَمُ دُخولِه فيه؛ ولأنَّه نَماءٌ مُنفصِلٌ مِنَ الرَّهنِ وَجَب أنْ يَكونَ خارِجًا مِنَ الرَّهنِ كالكَسبِ، ولأنَّ النَّماءَ عَينٌ يَصحُّ أنْ تُفرَدَ بالعَقدِ، فلَم يَجُزْ أنْ تَدخُلَ في الرَّهنِ إلا بعَقدٍ كالأُمِّ، ولأنَّ الرَّهنَ وَثيقةٌ في الحَقِّ، وجَب ألَّا يَسريَ حُكمُه لِلوَلَدِ كالشَّهادةِ والضَّمانِ، ولأنَّها عَينٌ مُحتَبَسةٌ لاستِيفاءِ الحَقِّ منها مِنْ غيرِ زَوالِ مِلكِ مالِكِها وَجَب ألَّا يَتبَعَها وَلَدُها كالعَينِ التي آجَرَها، ولأنَّ حَقَّ الجِنايةِ آكَدُ ثُبوتًا مِنْ حَقِّ الرَّهنِ؛ لأنَّ حَقَّ الجِنايةِ يَطرَأُ على الرَّهنِ، وحَقَّ الرَّهنِ لا يَطرَأُ على الجِنايةِ، ثم كان حَقُّ الجِنايةِ مع تَأكُّدِه لا يَسري على وَلَدِ الجانيةِ، فحَقُّ الرَّهنِ مع ضَعفِه أوْلى ألَّا يَسريَ إلى وَلَدِ المَرهونةِ، وتَحريرُ عِلَّتِه أنَّه حَقٌّ تَعلَّقَ بالرَّقَبةِ لاستِيفائِه منها، فوَجَبَ ألَّا يَسريَ إلى وَلَدِها كالجِنايةِ (١). وقال الحَنابِلةُ: جَميعُ ذلك يَدخُلُ في الرَّهنِ، وتَكونُ رَهنًا في يَدِ مَنْ في يَدِه الرَّهنُ كالأصلِ، وإذا احتيجَ إلى بَيعِه في وَفاءِ الدَّينِ بِيعَ مع الأصلِ، سَواءٌ في ذلك المُتَّصِلُ -كالسَّمنِ والتَّعلُّمِ- والمُنفصِلُ -كالكَسبِ والأُجرةِ

стр. 4292

والوَلَدِ والثَّمَرةِ واللَّبَنِ والصُّوفِ والشَّعرِ-؛ لأنَّ الفُروعَ تابِعةٌ لِلأُصولِ، فوَجَب لها حُكمُ الأصلِ، ولذلك حُكمُ الوَلَدِ تابِعٌ لِحُكمِ أُمِّه في التَّدبيرِ والكِتابةِ. ولأنَّه حُكمٌ يَثبُتُ في العَينِ بعَقدِ المالِكِ فيَدخُلُ فيه النَّماءِ والمَنافِعِ، كالمِلكِ بالبَيعِ وغَيرِه، ولأنَّ النَّماءَ نَماءٌ حادِثٌ مِنْ عَينِ الرَّهنِ فيَدخُلُ فيه كالمُتَّصِلِ؛ ولأنَّه حَقٌّ مُستقِرٌّ في الأُمِّ ثَبَت برِضا المالِكِ فيَسري إلى الوَلَدِ كالتَّدبيرِ والاستِيلادِ (١). بَيعُ الرَّهنِ أو التَّصرُّفُ فيه مِنَ الراهِنِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الراهِنَ مَمنوعٌ مِنْ بَيعِ الرَّهنِ أو هِبَتِه أو صَدَقَتِه أو وَقْفِه أو جَعلِه عِوَضًا في عَقدٍ أو غيرِ ذلك مع غيرِ المُرتَهَنِ بغَيرِ إذْنِه، وإنْ كان المَرهونُ مَملوكًا له بعدَ عَقدِ الرَّهنِ؛ لِتَعلُّقِ حَقِّ المُرتَهَنِ بالمَملوكِ، وهو حَقُّ حَبسِ المَرهونِ وَثيقةً بالدَّينِ إلى أنْ يُوَفَّى -عندَ الحَنفيَّةِ- وتَعيُّنُه لِلبَيعِ وَثيقةٌ بالدَّينِ عندَ تَعذُّرِ وَفائِه مِنْ غيرِ المَرهونِ عندَ الجُمهورِ، وفي إجازةِ تَصرُّفِ الراهِنِ في المَرهونِ إبطالٌ لِهذا الحَقِّ وتَفويتٌ لِلوَثيقةِ على المُرتَهَنِ. قال الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الراهِنَ مَمنوعٌ

стр. 4293

مِنْ بَيعِ الرَّهنِ وهِبَتِه وصَدَقَتِه وإخراجِه مِنْ يَدِ مُرتَهَنِه حتى يُبرَأَ مِنْ حَقِّ المُرتَهَنِ (١). وقال أيضًا: وأجمَعوا على إبطالِ بَيعِ الرَّهنِ بغَيرِ أمرِ المُرتَهَنِ (٢). فإذا تَصرَّفَ الراهِنُ في المَرهونِ بغَيرِ إذْنِ المُرتَهَنِ ببَيعٍ أو غَيرِه كان تَصرُّفُه مَوقوفًا على إجازةِ المُرتَهَنِ عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ، فإنْ أجازَه نَفَذَ وإلا بطَل، وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: لا يَصحُّ بَيعُ المَرهونِ بعدَ الإقباضِ وقَبلَ الانفِكاكِ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن تَسليمِه شَرعًا؛ لِما فيه مِنْ تَفويتِ حَقِّ المُرتَهَنِ (٣). المُرتَهَنُ يَستحِقُّ بَيعَ المَرهونِ عندَ الحاجةِ: الرَّهنُ عبارةٌ عن وَثيقةٍ بالدَّينِ، والهَدَفُ المَقصودُ مِنَ الرَّهنِ هو الحُصولُ على الدَّينِ مِنْ ثَمَنِ المَرهونِ إذا لَم يُوَفِّ الراهِنُ المَدينُ بالدَّينِ عندَ حُلولِ أجَلِ الدَّينِ عن طَريقِ بَيعِ المَرهونِ وأخْذِ الدَّينِ منه. فإنْ حَلَّ أجَلُ الدَّينِ طالَبَ المُرتَهَنُ الراهِنَ بوَفاءِ الدَّينِ، فإنِ استَجابَ ووَفَّى فبها ونِعمَتْ، وسَلَّمَ المَرهونُ لِلراهِنِ؛ لأنَّه مِلكُه ولا يُشترَطُ أنْ يُوفِّيَ مِنَ المَرهونِ، فإنْ وَفَّى الدَّينَ مِنْ أيِّ شَيءٍ آخَرَ صَحَّ، وأخَذَ رَهنَه، وإنْ لَم يَستَجِبْ لِسَدادِ الدَّينِ لِمَطْلٍ أو إعسارٍ رَفَعَ أمرَه إلى القاضي، ويَطلُبُ القاضي

стр. 4294

أوَّلًا مِنَ الراهِنِ الحاضِرِ بَيعَ المَرهونِ، فإنِ امتَثَلَ تَمَّ المَقصودُ، وإنِ امتَنَعَ باعَه القاضي عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ وصاحبَيْ أبي حَنيفةَ بدونِ حاجةٍ إلى إجبارِه بحَبسٍ أو ضَربٍ أو تَهديدٍ، ويُسلِّمُ ما يَستحِقُّه المُرتَهَنُ مِنْ دَينِه. وقال أبو حَنيفةَ ﵀: ليس لِلقاضي أنْ يَبيعَ الرَّهنَ بيَدِ المُرتَهَنِ مِنْ غيرِ رِضا الراهِنِ، لكنَّه يَحبِسُ الراهِنَ حتى يَبيعَه بنَفْسِه. وإذا وُجِدَ في مالِ المَدينِ الراهِنِ مالٌ مِنْ جِنسِ الدَّينِ وَفَّى الدَّينَ منه، ولا حاجةَ حينَئذٍ إلى البَيعِ جَبرًا. قال الكاسانيُّ ﵀: وليس لِلقاضي أنْ يَبيعَ الرَّهنَ بدَينِ المُرتَهَنِ مِنْ غيرِ رِضا الراهِنِ، لكنَّه يَحبِسُ الراهِنَ حتى يَبيعَه بنَفْسِه، عندَ أبي حَنيفةَ عليه الرَّحمةُ. وعندَهما: له أنْ يَبيعَه عليه، وهي مَسألةُ الحَجرِ على الحُرِّ (١). قال المالِكيَّةُ: إذا امتَنَع الراهِنُ مِنْ بَيعِ الدَّينِ وهو مُعسِرٌ فليس له مالٌ غَيرُه يَقضي منه، أو امتَنَع مِنَ الوَفاءِ وهو مُوسِرٌ رَفَعَ المُرتَهَنُ الأمرَ لِلحاكِمِ بعدَ امتِناعِ الراهِنِ وأجبَرَه على بَيعِه لِيَدفَعَ الحَقَّ لِرَبِّه، فإنِ امتَنَع باعَه عليه بعدَ أنْ يَثبُتَ عندَه الدَّينُ والرَّهنُ ولا يُحبَسُ ولا يُضرَبُ ولا يُهدَّدُ، ومِثلُ ذلك إذا كان الراهِنُ غائبًا، أو مَيِّتًا إلا أنَّه في الغائِبِ والمَيِّتِ يَحلِفُ يَمينَ الاستِظهارِ (٢).

стр. 4295

وقال الشافِعيَّةُ: المُرتَهَنُ يَستحِقُّ بَيعَ المَرهونِ عندَ الحاجةِ إليه بأنْ حَلَّ الدَّينَ ولَم يُوَفِّ، أو أشرَفَ الرَّهنُ على الفَسادِ قبلَ الحُلولِ لِوَفاءِ الدَّينِ إنْ لَم يُوَفِّ مِنْ غَيرِه، ويَتقدَّمُ المُرتَهَنُ بعدَ بَيعِه بثَمَنه على سائِرِ الغُرَماءِ؛ لأنَّ ذلك فائِدةُ الرَّهنِ وإنَّما يَبيعُه الراهِنُ أو وَكيلُه بإذْنِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ له فيه حَقًّا، ووَكيلُ المُرتَهَنِ كالمُرتَهَنِ، فإنْ لَم يأذَنِ المُرتَهَنُ وأرادَ الراهِنُ بَيعَه قال له القاضي: ائذَنْ في بَيعِه وخُذْ حَقَّكَ مِنْ ثَمَنِه أو أبرِئْه دَفعًا لِضَرَرِ الراهِنِ. وإنْ طَلَب المُرتَهَنُ بَيعَه وأبى الراهِنُ ولَم يَقضِ الدَّينَ أجبَرَه القاضي على قَضائِه أو البَيعِ، وذلك بالحَبسِ ثم بالتَّعزيرِ، إمَّا بنَفْسِه أو وَكيلِه، فإنْ أصَرَّ الراهِنُ أو المُرتَهَنُ على الامتِناعِ أو أقامَ المُرتَهَنُ حُجَّةً بالدَّينِ الحالِّ في غَيبةِ الراهِنِ باعَه الحاكِمُ عليه، ووَفَّى الدَّينَ مِنْ ثَمَنِه دَفعًا لِضَرَرِ الآخَرِ. ولو كان الراهِنُ غائِبًا أثبَتَ الحالَ عندَ الحاكِمِ لِيَبيعَه. فإنْ كان لِلغائِبِ نَقدٌ حاضِرٌ مِنْ جِنسِ الدَّينِ وطَلَبَه المُرتَهَنُ وَفَّاه منه وأخَذَ المَرهونَ، فإنْ لَم يَكُنْ له نَقدٌ حاضِرٌ وكان بَيعُ المَرهونِ أروَجَ وطَلَبَه المُرتَهَنُ باعَه دونَ غَيرِه، ولو باعَه الراهِنُ عندَ العَجزِ عن استِئذانِ المُرتَهَنِ والحاكِمُ صَحَّ. ولو لَم يَجِدِ المُرتَهَنُ عندَ غَيبةِ الراهِنِ بَيِّنةً أو لَم يَكُنْ ثَمَّ حاكِمٌ في البَلَدِ فلَه بَيعُه بنَفْسِه، كمَن ظَفِرَ بغَيرِ جِنسِ حَقِّه مِنْ مالِ المَدينِ وهو جاحِدٌ ولا بَيِّنةَ (١).

стр. 4296

وقال الحَنابِلةُ: إذا حَلَّ الحَقُّ لَزِمَ الراهِنَ الإيفاءُ؛ لأنَّه دَينٌ حالٌّ فلَزِمَ إيفاؤُه، كالذي لا رَهنَ به، فإنْ لَم يُوَفِّ وكان قد أذِنَ لِلمُرتَهَنِ أو لِلعَدلِ في بَيعِ الرَّهنِ باعه ووَفَّى الحَقَّ مِنْ ثَمَنِه، وما بَقيَ مِنْ ثَمَنِه فلِمالِكِه، وإنْ بَقيَ مِنَ الدَّينِ شَيءٌ فعلى الراهِنِ. وإنْ لَم يَكُنْ أذِنَ لَهما في بَيعِه أو كان قد أذِنَ لهما ثم عَزَلَهما طُولِبَ بالوَفاءِ وبَيعِ الرَّهنِ، فإنْ فَعَلَ وإلا فَعَلَ الحاكِمُ ما يَرى مِنْ حَبسِه وتَعزيرِه لِيَبيعَه، أو باعه الحاكِمُ بنَفْسِه أو أمينُه؛ لأنَّه حَقٌّ تَعيَّنَ عليه، فإذا امتَنَع مِنْ أدائِه قام الحاكِمُ مَقامَه في أدائِه كالإيفاءِ مِنْ جِنسِ الدَّينِ، وإنْ وَفَّى الدَّينَ مِنْ غيرِ الرَّهنِ انفَكَّ الرَّهنُ. والمُرتَهَنُ أحَقُّ بثَمَنِ الرَّهنِ مِنْ جَميعِ الغُرَماءِ حتى يَستوفيَ حَقَّه حَيًّا كان الراهِنُ أو مَيِّتًا، فإذا ضاقَ مالُ الراهِنِ عن دُيونِه وطالَبَ الغُرماءُ بدُيونِهم أو حُجِرَ عليه لِفَلَسِه وأُريدَ قِسمةُ مالِه بينَ غُرَمائِه فأوَّلُ مَنْ يُقدَّمُ مَنْ له أرشُ جِنايةٍ يَتعلَّقُ برَقَبةِ بَعضِ عَبيدِ المُفلِسِ، ثم مَنْ له رَهنٌ؛ فإنَّه يُخَصُّ بثَمَنِه عن سائِرِ الغُرماءِ؛ لأنَّ حَقَّهُ مُتعلِّقٌ بعَينِ الرَّهنِ وذِمَّةِ الراهِنِ معًا، وسائِرُهم يَتعلَّقُ حَقُّه بالذِّمَّةِ دونَ العَينِ، فكان حَقُّه أقوى، وهذا مِنْ أكثَرِ فَوائِدِ الرَّهنِ، وهو تَقديمُه بحَقِّه عندَ فَرضِ مُزاحَمةِ الغُرَماءِ، قال ابنُ قُدامةَ: ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ وغَيرِهم،

стр. 4297

فيُباعُ الرَّهنُ، فإنْ كان ثَمَنُه وَفقَ حَقِّه أخَذَه، وإنْ كان فيه فَضلٌ عن دَينِه رَدَّ البَقيَّةَ على الغُرَماءِ، وإنْ بَقيَ مِنْ دَينِه شَيءٌ أُخِذَ ثَمَنُه وضُرِبَ مع الغُرَماءِ ببَقيَّةِ دَينِه، ثم مِنْ بَعدِ ذلك مَنْ وَجَد عَينَ مالِه فهو أحَقُّ به، ثم يُقسَّمُ البَقيَّةُ بينَ الغُرَماءِ على قَدْرِ دُيونِهم … ولا فَرقَ في استِحقاقِ ثَمَنِ الرَّهنِ والاختِصاصِ به بينَ كَونِ الرَّهنِ حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّ تَقديمَ حَقِّه مِنْ حيثُ كان حَقُّه مُتعلِّقًا بعَينِ المالِ، وهذا المَعنى لا يَختلِفُ بالحياةِ والمَوتِ، فكذلك ما ثَبَت به كأرشِ الجِنايةِ (١). النَّفَقةُ على الرَّهنِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ نَفَقةَ الرَّهنِ إذا لَم تَكُنْ مَركوبًا ولا مَحلوبًا على الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَهُ غُنْمُهُ -أَيْ مَنَافِعُهُ- وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ-أَيْ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ» (٢)؛ ولأنَّه مِلكُه تَكونُ على مالِكِه. قال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ نَفَقةَ الرَّهنِ على الراهِنِ، لا على المُرتَهَنِ، وأنَّه ليس لِلمُرتَهَنِ استِعمالُ الرَّهنِ (٣). وقال الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ نَفَقةَ الرَّهنِ على الراهِنِ.

стр. 4298

وأجمَعوا أيضًا على أنَّه إذا أنفَقَ المُرتَهَنُ على الرَّهنِ بإذْنِ الحاكِمِ أو غَيرِه مع غَيبةِ الراهِنِ أو امتِناعِه كان دَينًا لِلمُنفِقِ على الراهِنِ (١). وإنَّما اختَلَفوا فيما لو أنفَقَ المُرتَهَنُ على الرَّهنِ بدونِ إذْنِ الحاكِمِ ولَم يَكُنْ مُتبرِّعًا، هل يَرجِعُ على الراهِنِ أم لا؟ على تَفصيلٍ في هذا في كلِّ مَذهبٍ. قال الحَنفيَّةُ: نَفَقةُ الرَّهنِ على الراهِنِ، لا على المُرتَهَنِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَهُ غُنْمُهُ -أَيْ مَنَافِعُهُ- وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ -أَيْ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ» (٢)؛ ولأنَّه مِلكُه تَكونُ على مالِكِه. والأصلُ أنَّ ما كان مِنْ حُقوقِ المِلكِ فهو على الراهِنِ؛ لأنَّ المِلكَ له، وما كان مِنْ حُقوقِ اليَدِ فهو على المُرتَهَنِ؛ لأنَّ اليَدَ له، فإذا عُرِفَ هذا نَقولُ: الرَّهنُ إذا كان دابَّةً فالعَلَفُ وأُجرةُ الراعي على الراهِنِ؛ لأنَّ الرَّعيَ يَحتاجُ إليه لِزيادةِ الحَيَوانِ ونَمائِه، فصارَ كنَفَقتِه، وإنْ كان بُستانًا فسَقْيُه وتَلقيحُ نَخلِه وجِذاذُه والقيامُ بمَصالِحِه عليه، سَواءٌ كان في قيمةِ الرَّهنِ فَضلٌ على الدَّينِ أو لَم يَكُنْ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ مِنْ حُقوقِ المِلكِ، ومُؤناتَ المِلكِ تَكونُ على المالِكِ، والمِلكَ لِلراهِنِ، فكانت المُؤنةُ عليه والخَراجُ على الراهِنِ؛ لأنَّه مُؤنةُ المِلكِ. ولو كان في الرَّهنِ نَماءٌ فأرادَ الراهِنُ أنْ يَجعَلَ النَّفَقةَ التي ذَكَرنا أنَّها

стр. 4299

عليه في نَماءِ الرَّهنِ فليس له ذلك؛ لأنَّ زَوائِدَ المَرهونِ مَرهونةٌ تَبَعًا لِلأصلِ، فلا يَملِكُ الإنفاقَ منها، كما لا يَملِكُ الإنفاقَ مِنَ الأصلِ. فإنْ أنفَقَ المُرتَهَنُ على الرَّهنِ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ والراهِنُ غائِبٌ فهو مُتطوِّعٌ. فإنْ أمَرَه القاضي بذلك فهو دَينٌ على الراهِنِ؛ لأنَّ القاضيَ له وِلايةٌ على الغائِبِ، ولا يُصدَّقُ المُرتَهَنُ على النَّفَقةِ إلا ببَيِّنةٍ أو بتَصديقِ الراهِنِ. وأُجرةُ البَيتِ الذي يُحفَظُ فيه الرَّهنُ على المُرتَهَنِ، وكذلك أُجرةُ الحُفَّاظِ؛ لأنَّ الرَّهنَ في ضَمانِه، حتى لو شَرَط الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ أجرًا على حِفظِه فحَفِظَ، لا يَستحِقُّ شَيئًا مِنَ الأجرِ؛ لأنَّ حِفظَ الرَّهنِ عليه، فلا يَستحِقُّ الأجرَ بإتيانِ ما هو واجِبٌ عليه بخِلافِ المُودِعِ إذا شَرَط لِلمُودَعِ أجرًا على حِفظِ الوَديعةِ أنَّ له الأجرَ؛ لأنَّ حِفظَ الوَديعةِ ليس بواجِبٍ عليه، فجازَ شَرطُ الأجرِ، وأُجرةُ الحافِظِ عليه؛ لأنَّها مُؤنةُ الحِفظِ، ولأنَّ الحِفظَ عليه. ورُويَ عن أبي يُوسُفَ ﵀ أنَّ كِراءَ المَأْوَى على الراهِنِ، وجعَله بمَنزِلةِ النَّفَقةِ (١). وقال المالِكيَّةُ: الرَّهنُ إذا احتاجَ إلى نَفَقةٍ فأنفَقَ المُرتَهَنُ عليه نَفَقةً فإنَّه يَرجِعُ بها في ذِمَّةِ الراهِنِ، لا في عَينِ الرَّهنِ، حَيوانًا كان أو عَقارًا، وسَواءٌ أذِنَ الراهِنُ له في الإنفاقِ على الرَّهنِ أو لا؛ لأنَّه قام عنه بواجِبٍ، وسَواءٌ كان

стр. 4300

الراهِنُ حاضِرًا أو غائِبًا، مَليئًا أو مُعدِمًا، ولو زادَتِ النَّفَقةُ على قيمةِ الرَّهنِ؛ لأنَّه مالِكٌ له وله غَلَّتُه؛ ولأنَّ مَنْ له الغَلَّةُ عليه النَّفَقةُ كالبَيعِ الفاسِدِ، فالنَّفَقةُ على الرَّهنِ كالسَّلَفِ. إلا أنْ يُصرِّحَ الراهِنُ بأنَّه رَهنٌ بها، فإنْ صرَّح بأنْ قال الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ: «أنفِقْ على الرَّهنِ وهو رَهنٌ في النَّفَقةِ، أو بما أنفَقتَ»، أو: «على ما أنفَقتَ»، كان رَهنًا بها يُقدَّمُ على الغُرماءِ بنَفَقتِه في ذلك الرَّهنِ قَطعًا، وله حَبسُه بنَفَقتِه وبما رَهَنه فيه. ومَن ارتَهَن نَخلًا ببِئرِها، أو زَرعًا أخضَرَ ببِئرِه فانهارَتِ البِئرُ وأبى الراهِنُ أنْ يُصلِحَها، فأصلَحَ المُرتَهَنُ البِئرَ وأنفَقَ عليها لِخَوفِ هَلاكِ الزَّرعِ والنَّخلِ والشَّجَرِ فلا رُجوعَ له بما أنفَقَ على الراهِنِ، ولكنْ يَكونُ له ذلك في ثَمَنِ النَّخلِ أو الزَّرعِ قبلَ دَينِه؛ لأنَّه إذا لَم يُنفِقْ على ذلك هَلَك الرَّهنُ، فلَحِقَه الضَّرَرُ، فإنْ ساوى ما ذُكِرَ النَّفَقةَ أخَذَها المُرتَهَنُ، وإنْ قَصُرَ ذلك عن نَفَقتِه لَم يَتبَعِ الراهِنَ بالزائِدِ وضاعَ عليه، وكان أُسوةَ الغُرماءِ بدَينِه، وإنْ زادَ على نَفَقتِه بُدِئَ بها في دَيْنِه، فإنْ زاد شَيءٌ كان لِلراهِنِ (١). وقال الشافِعيَّةُ: إذا رهَنه ثَمَرةً فعلى الراهِنِ سَقيُها وصَلاحُها وجِدادُها وَتشميسُها، وكلُّ ما احتاجَتِ الثَّمَرةُ إليه مِنْ نَفَقةِ سَقيٍ أو مُؤنةِ حِفظٍ فهي

стр. 4301

واجِبةٌ على الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لِقوَلِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ مِنْ راهِنِه الذي رهَنه، له غُنمُه وعليه غُرمُه»، ولأنَّ نَفَقةَ الرَّهنِ - لو كان دابَّةً- واجبةٌ على الراهِنِ، فكذلك الثَّمَرةُ. فإنِ اكتَرى المُرتَهَنُ مَنزِلًا مِنْ مالِه لِإحرازِ الرَّهنِ فيه فلا يَخلو حالُ الراهِنِ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ يَكونَ حاضِرًا أو غائبًا، فإنْ كان الراهِنُ حاضرًا لَم يَخْلُ حالُ المُرتَهَنِ في دَفعِ الكِراءِ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ يَدفَعَه بإذْنِ الراهِنِ، أو بغَيرِ إذْنِه، فإنْ دَفَعه بغَيرِ إذْنِه كان مُتطوِّعًا به، وليس له الرُّجوعُ، وإنْ دَفَعه بإذْنِه فعلى ضَربَيْنِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ بشَرطِ الرُّجوعِ بما يَدفَعُ، فله أنْ يَرجِعَ به على الراهِنِ. والآخَرُ: أنْ يَكونَ بغَيرِ شَرطِ الرُّجوعِ، ففي رُجوعِه على الراهِنِ وَجهانِ. فأمَّا إنْ كان الراهِنُ غائبًا فإنْ دَفَع المُرتَهَنُ الكِراءَ بإذْنِ الحاكِمِ فله الرُّجوعُ به، وإنْ كان بغَيرِ إذْنِه فإنْ كان الحاكِمُ مَوجودًا والمُرتَهَنُ قادرًا على استِئذانِه فلا رُجوعَ لِلمُرتَهَنِ بالكِراءِ، وإنْ كان الحاكِمُ غيرَ مَوجودٍ ففي رُجوعِه على الراهِنِ بالكِراءِ وَجهان (١). وقال الحَنابِلةُ: مُؤنةُ الرَّهنِ مِنْ طَعامِه وكِسوَتِه ومَسكَنِه وحِفظِه وحِرزِه ومَخزَنِه وغَيرِ ذلك على الراهِنِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الرَّهنُ مِنْ راهِنِه، له غُنمُه وعليه غُرمُه»، ولأنَّه نَوعُ إنفاقٍ، فكان على الراهِنِ كالطَّعامِ،

стр. 4302

ولأنَّ الرَّهنَ مِلكٌ لِلراهِنِ كان عليه مَسكَنُه وحِفظُه كغَيرِ الرَّهنِ. وإنِ احتيجَ إلى مُداواتِه لِمَرَضٍ أو جُرحٍ فذلك على الراهِنِ. وإنْ كان الرَّهنُ ثَمَرةً فاحتاجَتْ إلى سَقيٍ وتَسويةٍ وجِذاذٍ فذلك على الراهِنِ. وإنْ كان الرَّهنُ ماشيةً تَحتاجُ إلى إطراقِ الفَحلِ لَم يُجبَرِ الراهِنُ عليه؛ لأنَّه ليس عليه ما يَتضَمَّنُ زيادةً في الرَّهنِ، وليس ذلك مما يَحتاجُ إليه لِبَقائِها، ولا يُمنَعُ مِنْ ذلك؛ لِكَونِها زيادةً لَهما لا ضَرَرَ على المُرتَهَنِ فيها. وإنِ احتاجَتْ إلى رَعيٍ فعلى الراهِنِ أنْ يُقيمَ لها راعيًا؛ لأنَّ ذلك يَجري مَجرى عَلَفِها، وإنْ أرادَ الراهِنُ السَّفَرَ بها لِيَرعاها في مَكانٍ آخَرَ، وكان لها في مَكانِها مَرعًى تَتماسَكُ به، فلِلمُرتَهَنِ مَنعُه مِنْ ذلك؛ لأنَّ في السَّفَرِ بها إخراجَها عن نَظَرِه ويَدِه. فإنْ كان الرَّهنُ نَخلًا فاحتاجَ إلى تأبيرٍ فهو على الراهِنِ، وليس لِلمُرتَهَنِ مَنعُه؛ لأنَّ فيه مَصلَحةً بغَيرِ مَضَرَّةٍ، وما يَسقُطُ مِنْ لِيفٍ أو سَعفٍ أو عَراجينَ فهو مِنَ الرَّهنِ؛ لأنَّه مِنْ أجزائِه أو مِنْ نَمائِه. وكلُّ زيادةٍ تَلزَمُ الراهِنَ إذا امتَنَعَ أجبَرَه الحاكِمُ عليها؛ وإنْ لَم يَفعَلِ اكتَرى له الحاكِمُ مِنْ مالِه، فإنْ لَم يَكُنْ له مالٌ اكتَرى مِنَ الرَّهنِ، فإنْ بَذَلَها المُرتَهَنُ مُتطوِّعًا لَم يَرجِعْ بشَيءٍ. وإنْ أنفَقَ بإذْنِ الراهِنِ أو إذْنِ الحاكِمِ عندَ تَعذُّرِ إذْنِ الراهِنِ مُحتَسِبًا رَجَع به، وإنْ تَعذَّرَ إذْنُهما أشهَدَ على أنَّه أنفَقَ لِيَرجِعَ بالنَّفَقةِ، وله الرُّجوعُ بها.

стр. 4303

وإنْ أنفَقَ المُرتَهَنُ على الرَّهنِ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ مع إمكانِ استِئذانِه فهو مُتبرِّعٌ، ولو نَوَى الرُّجوعَ لأنَّه مُفرِّطٌ، حيث لَم يَستأذِنِ المالِكُ؛ إذِ الرُّجوعُ فيه مَعنى المُعاوَضةِ، فافتَقَر إلى الإذْنِ والرِّضا كسائِرِ المُعاوَضاتِ. وإنْ عَجَز المُرتَهَنُ عن استِئذانِ الراهِنِ لِنَحوِ غَيبةٍ رَجَع المُرتَهَنُ عليه إذا نَوَى الرُّجوعَ؛ لأنَّه قامَ عنه بواجِبٍ، وهو مُحتاجٌ إليه لِحُرمةِ حَقِّه، ويَرجِعُ بالأقَلِّ مما أنفَقَه، وبنَفَقةِ مِثلِه، فإنْ كانتْ نَفَقةُ مِثلِه خَمسةً وأنفَقَ أربعةً رَجَع بالأربعةِ؛ لأنَّها التي أنفَقَها، وإنْ كانتْ بالعَكسِ رَجَع أيضًا بالأربعةِ لأنَّ الزائدَ على نَفَقةِ المِثلِ تَبرُّعٌ. فإنْ لَم يُنوِّهْ فهو مُتبرِّعٌ لا رُجوعَ له. وإنْ أنفَقَ مِنْ غيرِ استِئذانِ الحاكِمِ مع إمكانِه، أو مِنْ غيرِ إشهادٍ بالرُّجوعِ عندَ تَعذُّرِ استِئذانِه لِيَرجِعَ به رَجَع في أصَحِّ الرِّوايتَيْنِ. ومِثلُ حُكمِ النَّفَقةِ على الرَّهنِ حُكمُ النَّفَقةِ على وَديعةٍ وعاريةٍ وجِمالٍ ونَحوِها، كبِغالٍ وحَميرٍ إذا هَرَب صاحِبُها وتَرَكها في يَدِ مُكتَرٍ وأنفَقَ عليها، فإنْ كان بنِيَّةِ الرُّجوعِ رَجَع وإلَّا فلا. وإنِ انهَدَّتِ الدارُ المَرهونةُ فعَمَرَها المُرتَهَنُ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ لَم يَرجِعِ المُرتَهَنُ بما أنفَقَه في عِمارَتِها، ولو نَوى الرُّجوعَ؛ لأنَّه ليس بواجِبٍ على الراهِنِ بخِلافِ نَفَقةِ الحَيَوانِ. وكذا مُستأجِرٌ ومُستَعيرٌ ووَديعٌ (١).

стр. 4304

تَسليمُ المَرهونِ عندَ قَضاءِ الدَّينِ: يَجِبُ على المُرتَهَنِ عندَ قَضاءِ دَينِه مِنَ الراهِنِ أنْ يُسلِّمَ المَرهونَ لِلراهِنِ، وذلك بعدَ قَضاءِ الدَّينِ، يَقضي الدَّينَ أوَّلًا ثم يُسلِّمُ الرَّهنَ؛ لأنَّ الرَّهنَ وَثيقةٌ، وفي تَقديمِ تَسليمِه إبطالُ الوَثيقةِ؛ ولأنَّه لو سَلَّمَ الرَّهنَ أوَّلًا فمِنَ الجائِزِ أنْ يَموتَ الراهِنُ قبلَ قَضاءِ الدَّينِ فيَصيرَ المُرتَهَنُ كواحِدٍ مِنَ الغُرَماءِ فيَبطُلَ حَقُّه، فلَزِمَ تَقديمُ قَضاءِ الدَّينِ على تَسليمِ الرَّهنِ. قال الكاسانيُّ ﵀: إلا أنَّ المُرتَهَنَ إذا طَلَب الدَّينَ يُؤمَرُ بإحضارِ الرَّهنِ أوَّلًا، ويُقالُ له: «أحضِرِ الرَّهنَ»، إذا كان قادِرًا على الإحضارِ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ زائِدٍ. ثم يُخاطَبُ الراهِنُ بقَضاءِ الدَّينِ؛ لأنَّه لو خُوطِبَ بقَضائِه مِنْ غيرِ إحضارِ الرَّهنِ، ومِنَ الجائِزِ أنَّ الرَّهنَ قد هَلَك وصارَ المُرتَهَنُ مُستَوفيًا دَينَه مِنَ الرَّهنِ فيُؤدِّي إلى الاستيفاءِ مَرَّتَيْنِ. وكذلك المُشتَري يُؤمَرُ بتَسليمِ الثَّمَنِ أوَّلًا إذا كان دَينًا، ثم يُؤمَرُ البائِعُ بتَسليمِ المَبيعِ لِما ذَكَرْنا في كِتابِ البُيوعِ؛ إلا أنَّ البائِعَ إذا طالَبَه بتَسليمِ الثَّمَنِ يُقالُ له: «أحضِرِ المَبيعَ»؛ لِجَوازِ أنَّ المَبيعَ قد هَلَك، وسَواءٌ كان الرَّهنُ قائِمًا في يَدِ المُرتَهَنِ أو كان في يَدِه بَدَلُه بعدَ أنْ كان البَدَلُ مِنْ خِلافِ جِنسِ الدَّينِ. نَحوَ ما إذا كان المُرتَهَنُ مُسلَّطًا على بَيعِ الرَّهنِ فباعَه بخِلافِ جِنسِ الدَّينِ، أو قُتِلَ الرَّهنُ خَطَأً وقُضيَ بالدِّيةِ مِنْ خِلافِ جِنسِ الدَّينِ، فطالَبَه

стр. 4305

المُرتَهَنُ بدَينِه كان لِلراهِنِ ألَّا يَدفَعَ حتى يُحضِرَه المُرتَهَنُ؛ لأنَّ البَدَلَ قائِمٌ مَقامَ المُبدَلِ، فكان المُبدَلُ قائِمًا، ولو كان قائمًا كان له أنْ يَمنَعَ ما لَم يُحضِرْه المُرتَهَنُ، فكذلك إذا قامَ البَدَلُ مَقامَه. ولو كان الرَّهنُ على يَدَيْ عَدلٍ، وجَعَلا لِلعَدلِ أنْ يَضَعَه عندَ مَنْ أحَبَّ، وقد وَضَعَه عندَ رَجُلٍ فطَلَبَ المُرتَهَنُ دَينَه يُجبَرُ الراهِنُ على قَضاءِ الدَّينِ، ولا يُكلَّفُ المُرتَهَنُ بإحضارِ الرهنِ؛ لأنَّ قَضاءَ الدَّينِ واجِبٌ على الراهِنِ على سَبيلِ التَّضييقِ، إلا أنَّه رُخِّصَ له التأخيرُ إلى غايةِ إحضارِ الدَّينِ عندَ القُدرةِ على الإحضارِ، وهنا لا قُدرةَ لِلمُرتَهَنِ على إحضارِه؛ لأنَّ لِلعَدلِ أنْ يَمنَعَه عنه، ولو أُخِذَ مِنْ يَدِه جَبرًا كان غاصِبًا. وإلى هذا المَعنى أشارَ مُحمدٌ في الكِتابِ، فقال: كيف يُؤمَرُ بإحضارِ شَيءٍ لو أخَذَه كان غاصِبًا، وإذا سَقَط التَّكليفُ بالإحضارِ زالَتِ الرُّخصةُ، ويُخاطَبُ بقَضاءِ الدَّينِ. وكذلك إذا وَضَعا الرَّهنَ على يَدِ عَدلٍ فغابَ بالرَّهنِ ولا يُدرَى أين هو، لا يُكلَّفُ المُرتَهَنُ بإحضارِ الرَّهنِ، ويُجبَرُ الراهِنُ على قَضاءِ الدَّينِ؛ لِما ذَكَرْنا (١).

стр. 4306

فصل في اختِلافِ الراهِنِ والمُرتَهَنِ قد يَتَّفِقُ الراهِنُ والمُرتَهَنُ على الرَّهنِ لكنْ يَختَلِفانِ في قَدْرِه أو وَصْفِه أو قَضائِه أو هَلاكِه أو غيرِ ذلك، وإليكَ بَيانُ هذا الخِلافِ. ١ - إذا اختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في قَدْرِ الدَّينِ أو الحَقِّ الذي فيه الرَّهنُ ولَم يَكُنْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ بأنْ قال الراهِنُ: «رَهَنتُكَ سَيَّارَتي -مَثَلًا- مُقابِلَ ألْفٍ»، وقال: المُرتَهَنُ: «بل رَهَنتَني سَيارَتَكَ مُقابِلَ ألْفَيْنِ»، فالقَولُ قَولُ الراهِنِ مع يَمينِه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ المُرتَهَنَ مُدَّعٍ لِلفَضلِ الذي يَدَّعيه، وقال النَّبيُّ ﷺ : «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على المُدَّعَى عليه»، ولو أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُرتَهَنِ. وقال المالِكيَّةُ: إذا اختَلَف المُتراهِنانِ في قَدْرِ الحَقِّ فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ إلى قيمةِ الرَّهنِ وما زادَ على قيمةِ الرَّهنِ فالقَولُ قَولُ الراهِنِ؛ لأنَّ العُرفَ أصلٌ يُرجَعُ إليه في التَّخاصُمِ إذا لَم يَكُنْ هناك ما هو أوْلى منه، والعُرفُ جارٍ بأنَّ الناسَ لا يَرهَنونَ إلا ما يُساوي دُيونَهم أو يُقارِبُها، فمَنِ ادَّعى خِلافَ ذلك فقد خرَج عن العُرفِ، ولا يَلزَمُ عليه البَيِّنةُ؛ لأنَّها أوْلى إذا

стр. 4307

كان الرَّهنُ على يَدِ عَدلٍ؛ لأنَّ الراهِنَ لَم يَرضَ بأمانةِ المُرتَهَنِ فيه، فلَم يَكُنِ الرَّهنُ شاهِدًا له (١). ٢ - إذا اختَلَفا في قَدْرِ الرَّهنِ: نحوَ أنْ يَقولَ الراهِنُ: «رَهَنتُكَ هذا العَبدَ»، ويَقولَ المُرتَهَنُ: «بل هذَيْنِ العَبدَيْنِ»، قال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: القَولُ قَولُ الراهِنِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الرَّهنِ إلا فيما أقَرَّ به، ولأنَّ كلَّ مَنْ كان القَولُ قَولَه إذا اختَلَفا في أصلِه كان القَولُ قَولَه إذا اختَلَفا في قَدْرِه، كالزَّوجِ في الطَّلاقِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اختَلَفا في قَدْرِ الرَّهنِ فقال: «رَهَنتُكَ هذا العَبدَ»، فقال: «بل رَهَنتَني إيَّاه والعَبدَ الآخَرَ»، فالقَولُ قَولُ الراهِنِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا (٢). وقال الحَنفيَّةُ: يَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على دَعوى صاحِبِه؛ لأنَّهما اختَلَفا في قَدْرِ المَعقودِ عليه، وأنَّه يُوجِبُ التَّحالُفَ، كما في البَيعِ، ولو أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُرتَهَنِ؛ لأنَّها تُثبِتُ زيادةَ ضَمانٍ (٣).

стр. 4308

٣ - إذا اختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في تَلَفِ العَينِ المَرهونةِ: إذا اختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في تَلَفِ العَينِ المَرهونةِ فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ مع يَمينِه عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ يَدَه يَدُ أمانةٍ، ويَتعذَّرُ عليه إقامةُ البَيِّنةِ على التَّلَفِ، فقُبِلَ قَولُه فيه كالمُودَعِ (١). وقال المالِكيَّةُ: القَولُ قَولُ الراهِنِ فيما يَغيبُ عليه، إلا أنْ يُقيمَ المُرتَهَنُ بَيِّنةً على ضَياعِه مِنْ غيرِ تَفريطٍ، وحَلَف المُرتَهَنُ مُطلَقًا في ضَمانِه وعَدَمِ ضَمانِه، لقد ضاعَ أو تلِف بلا تَفريطٍ منه، وأنَّه لَم يَعلَمْ مَوضِعَه؛ لاحتِمالِ أنَّه فَرَّطَ أو لَم يُفرِّطْ، ولكنَّه يَعلَمُ مَوضِعَه. وإنْ كان مما لا يُغابُ عليه، كالحَيَوانِ والسَّيارةِ، فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ. وقال الحَنفيَّةُ: القَولُ قَولُ الراهِنِ، سَواءٌ كانَ الرَّهنُ مِنَ الأموالِ الظاهِرةِ أو الباطِنةِ، ويَكونُ الرَّهنُ مَضمونًا بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه ومِنَ الدَّينِ (٢). وقال الكاسانيُّ ﵀: ولو ادَّعى الراهِنُ هَلاكَ الرَّهنِ فقال المُرتَهَنُ: «لَم يَهلِكْ»، فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ مع يَمينِه؛ لأنَّ الرَّهنَ كان قائِمًا والأصلُ في الثابِتِ بَقاؤُه، فالمُرتَهَنُ يَستَصحِبُ حالةَ القيامِ، والراهِنُ يَدَّعِي زَوالَ تلك الحالةِ، والقَولُ قَولُ مَنْ يَدَّعي الأصلَ؛ لأنَّ الظاهِرَ شاهِدٌ له، ولأنَّ الراهِنَ بدَعوى الهَلاكِ يَدَّعي على المُرتَهَنِ استِيفاءَ الدَّينِ، وهو مُنكِرٌ، فكان

стр. 4309

القَولُ قَولَه مع يَمينِه، ويَحلِفُ على البَتاتِ؛ لأنَّه يَحلِفُ على فِعلِ نَفْسِه، وهو القَبضُ السابِقُ؛ لأنَّ المُرتَهَنَ لا يَصيرُ مُستَوفيًا بالهَلاكِ؛ لأنَّه لا صُنعَ له فيه، بل بالقَبضِ السابِقِ، وذلك فِعلُه بخِلافِ ما إذا كان الرَّهنُ عندَ عَدلٍ فغابَ بالرَّهنِ فاختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في هَلاكِ الرَّهنِ، فهناك يَحلِفُ المُرتَهَنُ على العِلمِ، لا على البَتاتِ؛ لأنَّ ذلك تَحليفٌ على فِعلِ غَيرِه، وهو قَبضُ العَدلِ، فتَعذَّرَ التَّحليفُ على البَتاتِ، فيَحلِفُ على العِلمِ، كما لو ادَّعى الراهِنُ أنَّه وَفَّى الدَّينَ وَكيلَ المُرتَهَنِ، والمُرتَهَنُ يُنْكِرُ أنَّه يَحلِفُ على العِلمِ؛ لِما ذَكَرْنا، كذا هذا (١). ٤ - إذا اختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في رَدِّ الرَّهنِ: إذا ادَّعى المُرتَهَنُ رَدَّ العَينِ المَرهونةِ على الراهِنِ؛ لا يُقبَلُ قَولُه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّه قبَض العَينَ لِمَنفَعةِ نَفْسِه، فلَم يُقبَلْ قَولُه في الرَّدِّ كالمُستأجِرِ. وفي وَجْهٍ لِلحَنابِلةِ أنَّه يُقبَلُ قَولُ المُرتَهَنِ (٢). ٥ - اختِلافُ الراهِنِ والمُرتَهَنِ في الرَّهنِ: إذا كانتْ في يَدِ إنسانٍ سَيارةٌ -مَثَلًا- وله دَينٌ على آخَرَ، فقال: «هذه رَهنٌ بالدَّينِ»، وقال المالِكُ: «بل هي عاريةٌ، أو إجارةٌ، أو غَصبٌ، أو

стр. 4310

وَديعةٌ، ودَينُكَ الذي علَيَّ بلا رَهنٍ»، فالقَولُ قَولُ المالِكُ مع يَمينِه على نَفْيِ الرَّهنيةِ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ في الأصَحِّ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ إذْنِه في القَبضِ عن الرَّهنِ. قال المالِكيَّةُ: والقَولُ عندَ تَنازُعِ المُتَراهنَيْنِ -كأنْ يَقولَ رَبُّ السِّلعةِ لِلمُرتَهَنِ: «هي عندَكَ أمانةٌ أو عاريةٌ، ودَينُكَ بلا رَهنٍ»، وقال الآخَرُ: «بل هي رَهنٌ»، وقد يَدَّعي المُرتَهَنُ نَفْيَ الرَّهنِ ورَبُّ السِّلعةِ يَدَّعي الرَّهنيةَ، كما إذا كانت مما يُغابُ عليه وضاعَتْ منه، فيَدَّعي رَبُّها أنَّها رَهنٌ؛ لِيُضمِّنَه القيمةَ أو المِثلَ لِمُدَّعي نَفْيِ الرَّهنيةِ منهما؛ لِتَمسُّكِه بالأصلِ، ومَنِ ادَّعى الرَّهنيةَ فقد أثبَتَ وَصفًا زائِدًا، فعَليه البَيانُ. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ: يُصدَّقُ المُرتَهَنُ؛ لاتِّفاقِهما على قَبضٍ مَأْذونٍ فيه، والراهِنُ يُريدُ صَرفَه إلى جِهةٍ أُخرى، وهو خِلافُ الظاهِرِ لِتَقدُّمِ العَقدِ المُحوِجِ إلى القَبضِ (١). ٦ - الاختِلافُ فيما إذا كان عليه دَينانِ أحَدُهما برَهنٍ والآخَرُ بغَيرِ رَهنٍ، فقَضى عن أحَدِهما: وصُورةُ هذه المَسألةِ في رَجُلٍ عليه لِرَجُلٍ ألْفانِ، أحَدُهما برَهنٍ والآخَرُ بغَيرِ رَهنٍ، فقَضاه مِنَ الألفَيْنِ ألْفًا، فإنْ جعَلها قَضاءً في الألْفِ التي فيها
следующие страницы →