← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجبُ مَسحُ جَميعِ ظاهِرِ الخُفِّ ويُندبُ مَسحُ أسفَلِه، وإذا ترَكَ مَسحَ أعلاه دونَ أسفَلِه بطَلَت صَلاتُه، وإنْ مسَحَ أعلاه دونَ أسفَلِه لم تَبطُلْ صَلاتُه، إلا أنَّه يُستحبُّ له أنْ يُعيدَ الصَّلاةَ في الوَقتِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ المَسحَ الواجِبَ هو ما يَصدُقُ عليه مُسمَّى مَسحٍ في مَحلِّ الفَرضِ كمَسحِ الرأسِ، فيَكفي بيَدِه وعُودٍ ونَحوِهما؛ لأنَّ المَسحَ ورَدَ مُطلقًا ولم يَصحَّ في تَقديرِه شَيءٌ فتَعيَّنَ الاكتِفاءُ بما يَنطلِقُ عليه الاسمُ. ومَحلُّ الفَرضِ هو مَسحُ ظاهِرِ الخُفِّ فلا يُجزئُ مَسحُ أسفَلِه ولا عَقِبِه ولا جَوانِبِه إلا أنَّ السُّنةَ أنْ يُعمِّمَ المَسحَ على ظاهِرِ الخُفِّ وباطِنِه خُطوطًا بأنْ يَضعَ يَدَه اليُسرى تحتَ العَقِبِ واليُمنى على ظَهرِ الأَصابعِ ثم يُمِرَّ إلى ساقِه، أي: إلى آخِرِه (٢). ويَرى الحَنابِلةُ: أنَّ المُجزئَ في المَسحِ عندَهم أنْ يَمسحَ أكثَرَ مُقدَّمِ ظاهِرِه خُطوطًا بالأَصابعِ، ولا يُسنُّ مَسحُ أكثَرَ من ذلك من باطِنِ الخُفِّ أو جَوانِبِه أو عَقبِه أو ساقِه، ولا يُسنُّ عندَهم مَسحُ أسفَلِه (٣).

стр. 457

والسَّببُ في اختِلافِهم في استِحبابِ مَسحِ أسفَلِ الخُفِّ كما هو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ، وفي عَدمِ استِحبابِه كما هو مَذهبُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ؛ تَعارُضُ الآثارِ الوارِدةِ في ذلك، وتَشبيهُ المَسحِ بالغُسلِ، وذلك أنَّ في ذلك أثَرَين مُتعارِضَين. أحدُهما: حَديثُ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ وفيه: «أنَّه ﷺ مسَحَ أعلى الخُفِّ وأسفَلَه» (١). والآخَرُ: حَديثُ عليٍّ ﵁: «لو كانَ الدِّينُ بالرأيِ لكانَ أسفَلُ الخُفِّ أَولى بالمَسحِ من أعلاه، وقد رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَمسحُ على ظاهِرِ الخُفَّينِ» (٢). فمَن ذهَبَ مَذهبَ الجَمعِ بينَ الحَديثَينِ، حمَلَ حَديثَ المُغيرةِ على الاستِحبابِ، وحَديثَ عليٍّ على الوُجوبِ. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وهي طَريقةٌ حَسنةٌ، ومَن ذهَبَ مَذهبَ التَّرجيحِ أخَذَ إمَّا بحَديثِ علِيٍّ، وإمَّا بحَديثِ المُغيرةِ، فمَن رجَّحَ حَديثَ المُغيرةِ على حَديثِ عليٍّ رجَّحَه من قِبَلِ القياسِ، أعني قياسَ المَسحِ على

стр. 458

الغَسلِ، ومَن رجَّحَ حَديثَ عليٍّ رجَّحَه مِنْ قِبَلِ مُخالَفةِ القياسِ أو مِنْ جِهةِ السَّندِ (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ باطِنَه ليسَ بمَحلٍّ لفَرضِ المَسحِ، فلم يَكنْ مَحلًّا لمَسنونِه كساقِه، ولأنَّ مَسحَه غيرُ واجِبٍ، لا يَكادُ يَسلَمُ من مُباشرةِ أذًى فيه، تَتنجَّسُ يَدُه به، فكانَ تَركُه أَولى (٢). وقالَ الإمامُ الطَّحطاويُّ: فعلى العاقِلِ اتِّباعُ الشَّرعِ تَعبُّدًا وتَسليمًا لعَجزِه عن إِدراكِ الحِكمِ الإِلهيةِ، وقد قالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ: لو قُلتُ بالرأيِ لأوجَبتُ الغُسلَ بالبَولِ؛ لأنَّه نَجسٌ مُتَّفقٌ عليه، والوُضوءَ بالمَنيِّ؛ لأنَّه نَجسٌ مُختلَفٌ فيه، ولأَعطَيتُ الذَّكرَ في الإرثِ نِصفَ الأُنثى؛ لكَونِها أضعَفَ منه (٣).

стр. 459

نَواقِضُ المَسحِ على الخُفَّينِ: يَنتقضُ المَسحُ على الخُفَّينِ في الأَحوالِ الآتيةِ: نَواقِضُ المَسحِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ كلَّ ما يَنقضُ الوُضوءَ -كالنَّواقضِ السابِقةِ التي ذكَرتُها- يَنقضُ المَسحَ على الخُفَّينِ؛ لأنَّ المَسحَ بَدلٌ عن بعضِ الوُضوءِ، والبَدلُ يَنقضُه ناقِضُ الأصلِ، فإذا انتَقضَ وُضوءُ مَنْ مسَحَ على الخُفَّينِ تَوضَّأ من جَديدٍ ومسَحَ على خُفَّيه إنْ كانَت مُدةُ المَسحِ باقيةً وإلا خلَعَ خُفَّيه وغسَلَ رِجلَيه كما سيأتي (١). ١ - وُجودُ مُوجِبٍ للغُسلِ كالجَنابةِ والحَيضِ والنِّفاسِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه إذا وُجدَ أحدُ هذه المُوجِباتِ -الجَنابةِ والحَيضِ والنِّفاسِ- انتَقضَ المَسحُ على الخُفَّينِ ووجَبَ نَزعُهما وغَسلُ جَميعِ البَدنِ، لمَا رَواه صَفوانُ بنُ عَسالٍ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَأمرُنا إذا كُنَّا سَفرًا ألَّا نَنزِعَ خِفافَنا ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليَهنَّ إلا مِنْ جَنابةٍ» (٢). ٢ - نَزعُ الخُفَّينِ أو أحدِهما ؛ نَزعُ أحدِ الخُفَّينِ كنَزعِهما؛ لأنَّ الانتِقاضَ لا يَتجزَّأُ وإلا لزِمَ الجَمعُ بينَ الغَسلِ والمَسحِ. وكذلك الحُكمُ لو أخرَجَ أكثَرَ القَدمِ إلى خارِجِ الخُفِّ؛ فإنَّه يَنتقضُ المَسحُ، وذلك لمُفارقةِ مَحلِّ

стр. 460

المَسحِ -القَدَمين- مَكانَه، والأكثَرُ له حُكمُ الكلِّ من بابِ التَّغليبِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل يَجبُ عليه إعادةُ الوُضوءِ كامِلًا إذا نزَعَ الخُفَّينِ أو أحدَهما أو يَكفيه غَسلُ قَدَمَيه فقط؟ فذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِ إعادةِ الوُضوءِ كلِّه؛ لأنَّ الوُضوءَ بطَلَ في بعضِ الأَعضاءِ فبطَلَ في جَميعِها، كما لو أحدَثَ، ولأنَّ المَسحَ أُقيمَ مَقامَ الغَسلِ، فإذا أَزالَ المَمسوحَ بطَلَت الطَّهارةُ في القَدَمَين فتَبطُلُ في جَميعِها لكَونِها لا تَتبعَّضُ كما لو نزَعَ أحدَ الخُفَّينِ؛ فإنَّه يُبطلُ الطَّهارةَ في القَدَمَين جَميعًا (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الراجِحِ عندَهم وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَكفيه غَسلُ القَدمَينِ فقط، إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا رَأى أنَّه إنْ أخَّرَ ذلك استأنَفَ الوُضوءَ على رأيِه في وُجوبِ المُوالاةِ (٢). وذهَبَ الإمامُ النَّوويُّ من الشافِعيةِ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ -رحمهما الله- إلى أنَّ من نزَعَ خُفَّيه وهو على طَهارةٍ لا يَجبُ عليه وُضوءٌ ولا غَسلُ قَدمَيه. قالَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀: ولا يَنتقضُ وُضوءُ الماسِحِ على الخُفِّ والعِمامةِ

стр. 461

بنَزعِهما، ولا بانقِضاءِ المُدةِ، ولا يَجبُ عليه مَسحُ رأسِه ولا غَسلُ قَدمَيه، وهذا مَذهبُ الحَسنِ البَصريِّ، كإِزالةِ الشَّعرِ المَمسوحِ على الصَّحيحِ من مَذهبِ أحمدَ وقَولِ الجُمهورِ (١)، لمَا أخرَجَه الطَّحاويُّ (٢) والبَيهَقيُّ (٣) عن أبي ظَبيانَ أنَّه رَأى علِيًّا ﵁ بالَ قائِمًا ثم دَعا بماءٍ فتَوضَّأ ومسَحَ على نَعلَيه ثم دخَلَ المَسجدَ فخلَعَ نَعلَيه ثم صلَّى، زادَ البَيهَقيُّ: فأمَّ الناسَ (٤)، وهُما صَحيحانِ (٥). ٣ - مُضيُّ المُدةِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وابنُ عبدِ البَرِّ من المالِكيةِ إلى أنَّه إذا مَضَت مُدةُ المَسحِ -وهي يَومٌ ولَيلةٌ في حَقِّ المُقيمِ وثَلاثةُ أيامٍ بلَياليهِنَّ للمُسافرِ- انتَقضَ المَسحُ على الخُفَّينِ؛ لحَديثِ عليِّ ابنِ أبي طالِبٍ ﵁ أنَّه قالَ: «جعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليَهُنَّ للمُسافِرِ ويَومًا ولَيلةً للمُقيمِ» (٦)، ولأنَّ الحُكمَ المُؤقَّتَ إلى غايةٍ يَنتَهي عندَ وُجودِ الغايةِ، فإذا انقَضَت المُدةُ يَتوضَّأُ ويُصلِّي إنْ كانَ مُحدِثًا، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وهو الاحتِياطُ عِندي؛ لأنَّ المَسحَ ثبَتَ بالتَّواتُرِ واتَّفَق عليه جَماعةُ أهلِ السُّنةِ واطمَأنَّت النَّفسُ إلى ذلك، فلمَّا قالَ أكثَرُهم: إنَّه لا يَجوزُ المَسحُ للمُقيمِ أكثَرَ من يَومٍ ولَيلةٍ -خَمسِ صَلواتٍ- ولا يَجوزُ للمُسافرِ أكثَرَ من خَمسَ

стр. 462

عَشرةَ صَلاةً -ثَلاثةِ أيامٍ ولَياليها- وجَبَ على العالِمِ أنْ يُؤديَ صَلاتَه بيَقينٍ، واليَقينُ الغَسلُ حتى يُجمِعوا على المَسحِ ويَتَّفقَ جُمهورُهم على ذلك (١). إلا أنَّهم اختَلَفوا فيما إذا انقَضَت المُدةُ وكانَ على طَهارةٍ هل يَجبُ عليه أنْ يُعيدَ الوُضوءَ كلَّه أو يَكفيه غَسلُ قَدمَيه فقط؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَكفيه أنْ يَغسلَ قَدمَيه فقط لا غيرُ، ويُصليَ. وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ إلى أنَّه يَجبُ عليه إعادةُ الوُضوءِ كلِّه إذا انتُقضَت مُدةُ المَسحِ التي يَنتقضُ فيها الوُضوءُ لانتِقاضِه في القَدمَينِ؛ لأنَّ الحَدثَ لا يَتبعَّضُ (٢). أمَّا الإمامُ مالِكٌ: فإنَّه لا يَرى بُطلانَ المَسحِ بانقِضاءِ المُدةِ؛ لأنَّه لا يَرى التَّوقيتَ أصلًا (٣)، وقد سبَقَ الكَلامُ على هذا. وإلى قَولِ مالِكٍ مالَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀؛ فإنَّه قالَ: ولا يَنتقضُ وُضوءُ الماسِحِ على الخُفِّ والعِمامةِ بنَزعِهما ولا بانقِضاءِ المُدةِ ولا يَجبُ عليه مَسحُ رأسِه ولا غَسلُ قَدمَيه (٤).

стр. 463

المَسحُ على الجَوربَينِ: الجَورَبُ هو ما يَلبسُه الإِنسانُ في قَدمَيه سَواءٌ كانَ مَصنوعًا من الصُّوفِ أو القُطنِ أو الكَتَّانِ أو نَحوِ ذلك، وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ المَسحِ عليه. فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ إلى عَدمِ جَوازِ المَسحِ على الجَوربَينِ إلا بشَرطَين: ١ - أنْ يَكونَ الجَورَبانِ مُجلَّدينِ -والمُجلَّدُ هو الذي وُضعَ الجِلدُ أَعلاه وأسفَلَه-؛ لأنَّهما يَقومانِ مَقامَ الخُفِّ في هذه الحالةِ. ٢ - أنْ يَكونَ الجَورَبانِ مُنعَّلينِ، أي: لهما نَعلٌ، وهو الجِلدةُ أسفَلَه. وفي الحالَتينِ لا يَصلُ الماءُ إلى القَدمِ؛ لأنَّ الجِلدَ لا يَشفُّ الماءَ. أمَّا بدونِ هذَين الشَّرطَينِ فلا يَجوزُ المَسحُ عليهما؛ لأنَّهما لا يُمكنُ مُتابعةُ المَشيِ عليهما كالرَّقيقَينِ؛ فإنَّهما إنْ كانا رَقيقَينِ يَشِفانِ الماءَ، لا يَجوزُ المَسحُ عليهما بالإِجماعِ، كما يَقولُ الإمامُ الكاسانِيُّ. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا المَسحُ على الجَورَبينِ؛ فإنْ كانا مُجلَّدينِ أو مُنعَّلينِ يَجزيه بلا خِلافٍ عندَ أَصحابِنا، وإنْ لم يَكونا مُجلَّدينِ ولا مُنعَّلينِ؛ فإنْ كانا رَقيقَينِ يَشِفانِ الماءَ لا يَجوزُ المَسحُ عليهما بالإِجماعِ، وإنْ كانا ثَخينَين لا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ، ويَجوزُ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ. ورُويَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه رجَعَ إلى قَولِهما في آخِرِ عُمرِه، وذلك أنَّه مسَحَ على جَورَبَيه في مَرضِه، ثم قالَ لعُوادِه: فَعَلت ما كُنْتُ أمنَعُ الناسَ عنه، فاستَدلُّوا به على رُجوعِه.

стр. 464

وعندَ الشافِعيِّ لا يَجوزُ المَسحُ على الجَواربِ، وإنْ كانَت مُنعَّلةً إلا إذا كانَت مُجلَّدةً إلى الكَعبَينِ. احتَجَّ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ بحَديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنَّ النَّبيَّ تَوضَّأ ومسَحَ على الجَورَبينِ»، ولأنَّ الجَوازَ في الخُفِّ لدَفعِ الحَرجِ لمَا يَلحقُه من المَشقةِ بالنَّزعِ، وهذا المَعنى مَوجودٌ في الجَورَبِ بخِلافِ اللِّفافةِ والمُكعَّبِ؛ لأنَّه لا مَشقةَ في نَزعِهما. ولأبي حَنيفةَ أنَّ جَوازَ المَسحِ على الخُفَّينِ ثبَتَ نَصًّا بخِلافِ القياسِ، فكلُّ ما كانَ في مَعنى الخُفِّ في إِمكانِ المَشيِ عليه وإمكانِ قَطعِ السَّفرِ به يَلحقُ به، وما لا فلا، ومَعلومٌ أنَّ غيرَ المُجلَّدِ والمُنعَّلِ من الجَواربِ لا يُشاركُ الخُفَّ في هذا المَعنى، فتَعذَّر الإِلحاقُ على أنَّ شَرعَ المَسحِ إنْ ثبَتَ للتَّرفيهِ فالحاجةُ إلى التَّرفيهِ فيما يَغلِبُ لُبسُه، ولُبسُ الجَواربِ مما لا يَغلِبُ، فلا حاجةَ فيها إلى التَّرفيهِ فبَقيَ أصلُ الواجِبِ بالكِتابِ، وهو غَسلُ الرِّجلَينِ. وأمَّا الحَديثُ فيَحتملُ أنَّهما كانا مُجلَّدينِ أو مُنعَّلينِ، وبه نَقولُ، ولا عُمومَ له؛ لأنَّه حِكايةُ حالٍ، ألَا تَرى أنَّه لم يَتناولِ الرَّقيقَ من الجَواربِ؟ وأمَّا الخُفُّ المُتَّخذُ من اللُّبدِ فلم يَذكُرْه في ظاهِرِ الرِّوايةِ، وقيلَ: إنَّه على التَّفصيلِ والاختِلافِ الذي ذَكَرنا، وقيلَ: إنْ كانَ يُطيقُ السَّفرَ جازَ المَسحُ عليه، وإلا فلا، وهذا هو الأصَحُّ (١).

стр. 465

وذهَبَ الإمامُ أحمدُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ وقيلَ: إنَّ أبا حَنيفةَ ﵀ رجَعَ إلى قَولِهما في آخِرِ عُمرِه إلى أنَّه يَجوزُ المَسحُ على الجَوربِ، لكنْ بشَرطَين: الأولُ: أنْ يَكونَ صَفيقًا -ثَخينًا - لا يَبدو منه شَيءٌ من القَدمِ، فلا يَصفُ جِلدَ البَشرةِ. الثاني: أنْ يُمكنَ مُتابعةُ المَشيِ فيه، وأنْ يَثبتَ بنَفسِه من غيرِ شَدٍّ بالعُرَى ونَحوِها. وعنِ الإمامِ أحمدَ أيضًا قالَ: يَمسحُ عليه إنْ ثبَتَ في القَدمِ، وفي مَوضعٍ قالَ: إنْ كانَ يَمشي فيه فلا يَنثَني، فلا بأسَ بالمَسحِ عليه؛ فإنَّه إذا انثَنى ظهَرَ مَوضعُ الوُضوءِ. واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه المُغيرةُ بنُ شُعبةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسَحَ على الجَورَبينِ والنَّعلَين» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّ النَّعلَين لم يَكونا عليهما؛ لأنَّهما لو كانا كذلك لم يَذكرِ النَّعلَينِ؛ فإنَّه لا يُقالُ: مسَحتُ على الخُفِّ ونَعلِه.

стр. 466

ولأنَّ الجَوازَ في الخُفِّ لدَفعِ الحَرجِ لمَا يَلحقُه من المَشقةِ بالنَّزعِ، وهذا المَعنى مَوجودٌ في الجَوربِ. ولأنَّ الصَّحابةَ ﵃ مَسَحوا على الجَواربِ، قالَ الإمامُ أحمدُ: يُذكرُ المَسحُ على الجَورَبينِ عن سَبعةٍ أو ثَمانيةٍ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: ويُروَى إِباحةُ المَسحِ على الجَوربَينِ عن تِسعةٍ من أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، عليٍّ وعَمارٍ وابنِ مَسعودٍ وأنَسٍ وابنِ عُمرَ والبَراءِ وبِلالٍ وابنِ أبي أوْفَى وسَهلِ بنِ سَعدٍ، ولم يَظهرْ في عَصرِهم مُخالِفٌ، فكانَ إِجماعًا. ولأنَّه ساتِرٌ لمَحلِّ الفَرضِ يَثبُتُ في القَدمِ فجازَ المَسحُ عليه كالنَّعلِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقَولُهم: لا يُمكنُ مُتابَعةُ المَشيِ فيه، قُلنا: لا يَجوزُ المَسحُ عليه إلا أنْ يَكونَ ممَّا يَثبتُ بنَفسِه، ويُمكنُ مُتابعةُ المَشيِ فيه، وأمَّا الرَّقيقُ فليسَ بساتِرٍ. وقد سُئلَ أحمدُ عن جَوربِ الخِرقِ يُمسحُ عليه؟ فكرِهَ الخِرَقَ، ولعلَّ أحمدَ كرِهَها لأنَّ الغالِبَ عليها الخِفةُ وأنَّها لا تَثبتُ بأنفُسِها؛ فإنْ كانَت مِثلَ جَوربِ الصُّوفِ في الصَّفاقةِ والثُّبوتِ فلا فَرقَ، وقد قالَ أحمدُ في مَوضعٍ: لا يُجزئُه المَسحُ على الجَوربِ، حتى يَكونَ جَوربًا صَفيقًا يَقومُ قائِمًا في رِجلِه لا يَنكسِرُ مِثلَ الخُفَّينِ، إنَّما مسَحَ القَومُ على الجَوربَينِ؛ لأنَّهم كانَ عندَهم بمَنزِلةِ الخُفِّ في رِجلِ الرَّجلِ، يَذهبُ فيه الرَّجلُ ويَجيءُ (١).

стр. 467

قالَ المِرداويُّ في «الإنصاف»: الجَوربُ إذا كان خَفيفًا يَصفُ القَدمَ أو يَسقطُ منه إذا مَشى لم يَجزِ المَسحُ عليه بلا نِزاعٍ (١). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: يَجوزُ المَسحُ على الجَورَبينِ إذا كانَ يَمشي فيهما، سَواءٌ كانَت مُجلَّدةً أو لم تَكنْ في أصَحِّ قَولَيِ العُلماءِ، ففي السُّننِ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسَحَ على جَوربَيه ونَعلَيه» (٢). وهذا الحَديثُ إذا لم يَثبتْ، فالقياسُ يَقتَضي ذلك؛ فإنَّ الفَرقَ بينَ الجَوربَينِ والنَّعلَين إنَّما هو كَونُ هذا من صُوفٍ وهذا من جِلدٍ، ومَعلومٌ أنَّ مِثلَ هذا الفَرقِ غيرُ مُؤثِّرٍ في الشَّريعةِ، فلا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ جُلودًا أو قُطنًا أو كَتَّانًا أو صُوفًا، كما لم يُفرَّقْ بينَ سَوادِ اللِّباسِ في الإحرامِ وبَياضِه ومَحظورِه ومُباحِه، وغايَتُه أنَّ الجِلدَ أبقَى من الصُّوفِ: فهذا لا تَأثيرَ له، كما لا تَأثيرَ لكَونِ الجِلدِ قَويًّا، بل يَجوزُ المَسحُ على ما يَبقى وما لا يَبقى. وأيضًا فمن المَعلومِ أنَّ الحاجةَ إلى المَسحِ على هذا كالحاجةِ إلى المَسحِ على هذا سَواءٌ، ومع التَّساوي في الحِكمةِ والحاجةِ يَكونُ التَّفريقُ بينَهما تَفريقًا بينَ المُتماثِلَين، وهذا خِلافُ العَدلِ والاعتِبارِ الصَّحيحِ الذي جاءَ به الكِتابُ والسُّنةُ، وما أنزَلَ اللهُ به كُتُبَه وأرسَلَ به رُسلَه، ومن فرَّقَ بكَونِ هذا يَنفذُ الماءُ منه وهذا لا يَنفذُ منه، فقد ذكَرَ فَرقًا طَرديًّا عَديمَ التأثيرِ.

стр. 468

ولو قالَ قائِلٌ: يَصلُ الماءُ إلى الصُّوفِ أكثَرَ من الجِلدِ يَكونُ المَسحُ عليه أَولى للصُوقِ الطَّهورِ به أكثَرَ، كان هذا الوَصفُ أَولى بالاعتِبارِ من ذلك الوَصفِ وأقرَبَ إلى الأَوصافِ المُؤثِّرةِ، وذلك أقرَبُ إلى الأَوصافِ الطَّرديةِ، وكِلاهما باطِلٌ وخُروقُ الطَّعنِ لا تَمنعُ جَوازَ المَسحِ. ولو لم تَستُرِ الجَواربُ إلا بالشَّدِّ، جازَ المَسحُ عليها على الصَّحيحِ (١). وقالَ أيضًا: وجَوربُ الخِرقِ كجَوربِ الصُّوفِ إذا كانَ صَفيقًا حيثُ يُمشَى في مِثلِه عادةً، وإنْ كانَ رَقيقًا يَتخرَّقُ في اليَومَين أو الثَّلاثةِ أو لا يَثبتُ بنَفسِه لم يُمسَحْ عليه؛ لأنَّ في مِثلِه لا يُمشَى عادةً ولا يُحتاجُ إلى المَسحِ عليه (٢). وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: المَسحُ على الجَوربَينِ قالَ به عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ والحَسنُ وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ كذلك قالا إذا كانا صَفيقَين، وبه قالَ النَّخعيُّ وسَعيدُ بنُ جُبَيرٍ والأعمَشُ وسُفيانُ الثَّوريُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ وابنُ المُبارَكِ وزُفرُ وأحمدُ وإِسحاقُ. قالَ أحمدُ: قد فعَلَه سَبعةٌ أو ثَمانيةٌ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ وقالَ إِسحاقُ: مَضَت السُّنةُ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ ومَن بعدَهم من التابِعين في المَسحِ على الجَورَبينِ لا اختِلافَ بينَهم في ذلك، وقالَ أبو ثَورٍ: يَمسحُ عليهما إذا كان يَمشي فيهما، وكذلك قالَ يَعقوبُ ومُحمدٌ إذا

стр. 469

كانا ثَخينَينِ لا يَشفَّانِ، واحتَجَّ بعضُ مَنْ رَأى المَسحَ على الجَوربَينِ بحَديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسَحَ على جَوربَيه ونَعلَيه»، وأنكَرَت طائِفةٌ المَسحَ على الجَوربَينِ وكرِهَته، وممَّن كرِهَ ذلك ولم يَرَه مالِكُ بنُ أنَسٍ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ والنُّعمانُ، وهذا مَذهبُ عَطاءٍ، وهو آخِرُ قَولَيه، وبه قالَ مُجاهدٌ وعَمرُو بنُ دِينارٍ والحَسنُ بنُ مُسلمٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلَفوا في المَسحِ على الجَوربَينِ. وسَببُ اختِلافِهم هو صِحةُ الآثارِ الوارِدةِ عنه ﷺ أنَّه مسَحَ على الجَوربَينِ والنَّعلَينِ، وأيضًا هل يُقاسُ على الخُفِّ غيرُه أو هي عِبادةٌ لا يُقاسُ عليها، ولا يُتعدَّى بها مَحلُّها، فمَن لم يَصحَّ عندَه الحَديثُ أو لم يَبلُغْه ولم يَرَ القياسَ على الخُفِّ قصَرَ المَسحَ عليه، ومَن صَحَّ عندَه الأثَرُ وجَوازُ القياسِ على الخُفِّ أجازَ المَسحَ على الجَوربَينِ (٢). حُكمُ المَسحِ على اللَّفائِفِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ المَسحُ على اللَّفائفِ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ: ولا يَجوزُ المَسحُ على اللَّفائفِ والخِرقِ، نَصَّ عليه أحمدُ، وقيلَ له: إنَّ أهلَ الجَبلِ يَلُفُّون على أرجُلِهم لَفائفَ إلى نِصفِ الساقِ، قالَ: لا يُجزئُه المَسحُ على ذلك إلا أنْ يَكونَ جَوربًا، وذلك لأنَّ

стр. 470

اللِّفافةَ لا تَثبتُ بنَفسِها إنَّما تَثبتُ بشَدِّها ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا (١). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ: يَجوزُ المَسحُ على اللَّفائفِ في أحدِ الوَجهَينِ، حَكاه ابنُ تَميمٍ وغيرُه، وهو أنْ يَلُفَّ على الرِّجلِ لَفائفَ من البَردِ أو خَوفًا من الحَفاءِ أو من جِراحٍ بها، ونَحوِ ذلك، وهي بالمَسحِ أَولى من الخُفِّ والجَوربِ؛ فإنَّ تلك اللَّفائفَ إنَّما تُستعملُ للحاجةِ في العادةِ، وفي نَزعِها ضَررٌ إمَّا بإصابةِ البَردِ أو التَّأذِّي بالحَفاءِ، وإمَّا التَّأذِّي بالجُرحِ، فإذا جازَ المَسحُ على الخُفَّينِ والجَوربَينِ فعلى اللَّفائفِ بطَريقِ الأَولى. ومَن ادَّعى في شَيءٍ من ذلك إِجماعًا فليسَ معه إلا عَدمُ العِلمِ ولا يُمكنُه أنْ يَنقُلَ المَنعَ عن عَشرةٍ من العُلماءِ المَشهورين فَضلًا على الإِجماعِ، والنِّزاعُ في ذلك مَعروفٌ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وذلك أنَّ أصلَ المَسحِ على الخُفَّينِ خَفيَ على كَثيرٍ من السَّلفِ والخَلفِ حتى إنَّ طائِفةً من الصَّحابةِ أنكَروه، وإنَّ طائِفةً من فُقهاءِ أهلِ المَدينةِ وأهلِ البَيتِ أنكَروه مُطلقًا، وهو رِوايةٌ عن مالِكٍ، والمَشهورُ عنه جَوازُه في السَّفرِ دونَ الحَضرِ (٢). متى يَبدأُ حِسابُ مُدةِ المَسحِ على الخُفَّينِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في أيِّ وَقتٍ تُحسبُ مُدةُ المَسحِ على الخُفَّينِ هل من وَقتِ الحَدثِ أو من وَقتِ المَسحِ بعدَ الحَدثِ، أي: بعدَ أولِ وُضوءٍ له بعدَ الحَدثِ؟

стр. 471

ذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ في أصَحِّ الرِوايَتينِ عنه أنَّ ابتِداءَ مُدةِ المَسحِ تَبدأُ من وَقتِ الحَدثِ لا من وَقتِ المَسحِ، فلو أحدَثَ ولم يَمسَحْ حتى مَضى من بَعدِ الحَدثِ يَومٌ ولَيلةٌ أو ثَلاثةُ أيامٍ إنْ كانَ مُسافرًا انقَضَت المُدةُ، ولم يَجزِ المَسحُ بعدَ ذلك حتى يَستأنفَ لُبسًا على طَهارةٍ، وما لم يُحدِثْ لا تُحسَبِ المُدةُ، فلو بَقيَ بعدَ اللُّبسِ يَومًا على طَهارةِ اللُّبسِ ثم أحدَثَ استَباحَ بعدَ الحَدثِ يَومًا ولَيلةً إنْ كانَ حاضِرًا وثَلاثةَ أيامٍ ولَياليَها إنْ كانَ مُسافرًا. قالَ الشافِعيُّ: إذا لبِسَ الرَّجلُ خُفَّيه وهو طاهِرٌ للصَّلاةِ صلَّى فيهما، فإذا أحدَثَ عرَفَ الوَقتَ الذي أحدَثَ فيه، وإنْ لم يَمسحْ إلا بعدَه؛ فإنْ كان مُقيمًا مسَحَ على خُفَّيه إلى الوَقتِ الذي أحدَثَ فيه من غَدِه وذلك يَومٌ ولَيلةٌ لا يَزيدُ عليه، وإنْ كانَ مُسافرًا مسَحَ ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليَهنَّ إلى أنْ يَقطعَ المَسحَ في الوَقتِ الذي ابتَدأَ المَسحَ فيه في اليَومِ الثالِثِ لا يَزيدُ على ذلك. وإذا تَوضَّأ ولبِسَ خُفَّيه ثم أحدَثَ قبلَ زَوالِ الشَّمسِ فمسَحَ لصَلواتِ الظُّهرِ والعَصرِ والمَغربِ والعِشاءِ والصُّبحِ صلَّى بالمَسحِ الأولِ ما لم يَنتقضْ وُضوؤُه؛ فإنِ انتَقضَ فله أنْ يَمسحَ أيضًا حتى الساعةِ التي أحدَثَ فيها من غَدِه، وذلك يَومٌ ولَيلةٌ، فإذا جاءَ الوَقتُ الذي مسَحَ فيه فقد انتَقضَ المَسحُ، وإنْ لم يُحدِثْ، وكانَ عليه أنْ يَنزِعَ خُفَّيه، فإذا فعَلَ وتَوضَّأ كانَ على وُضوئِه، ومتى لبِسَ خُفَّيه فأحدَثَ مسَحَ إلى مِثلِ الساعةِ التي أحدَثَ فيها ثم يَنتقضُ مَسحُه في الساعةِ التي أحدَثَ فيها، وإنْ لم يُحدِثْ.

стр. 472

ثم قالَ: ويَصنعُ هكذا في السَّفرِ في ثَلاثةِ أيامٍ ولَياليهِنَّ يَمسحُ في اليَومِ الثالِثِ إلى مِثلِ الساعةِ التي أحدَثَ فيها (١). وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ ابتِداءَ المُدةِ من حينِ يَمسحُ بعدَ الحَدثِ، قالَ النَّوويُّ: وهو المُختارُ الراجِحُ دَليلًا، واختارَه ابنُ المُنذرِ، وهو قَولٌ عندَ الحَنفيةِ (٢). حُكمُ من تَوضَّأ ثم أحدَثَ ومسَحَ خُفَّيه في الحَضرِ ثم سافَرَ قبلَ تَمامِ يَومٍ ولَيلةٍ؟ ذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ أحدَثَ ومسَحَ على خُفَّيه في الحَضرِ ثم سافَرَ قبلَ تَمامِ يَومٍ ولَيلةٍ له أنْ يَمسحَ مَسْحَ مُسافرٍ فيَستكملَ ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليَهنَّ يَحتسِبُ في ذلك ما مسَحَ وهو مُقيمٌ؛ لقَولِه ﷺ : «يَمسحُ المُسافرُ ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليَهُنَّ» وهذا مُسافرٌ، ولأنَّه سافَرَ قبلَ مُدةِ المَسحِ، فأشبَهَ مَنْ سافَرَ قبلَ المَسحِ، وكما لو دخَلَ وَقتُ الصَّلاةِ وهو مُقيمٌ ثم سافَرَ فهنالك يُصلِّي صَلاةَ المُسافِرين (٣).

стр. 473

وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُتمُّ يَومًا ولَيلةً من حينِ أحدَثَ لا يَزيدُ على ذلك، ثم يَستأنفُ الوُضوءَ؛ لأنَّها عِبادةٌ اجتَمعَ فيها الحَضرُ والسَّفرُ فيَغلبُ حُكمُ الحَضرِ كما لو أحرَمَ بالصَّلاةِ في سَفينةٍ في البَلدِ فسارَت وفارَقَت البَلدَ وهو في الصَّلاةِ؛ فإنَّه يُتمُّها صَلاةَ حاضِرٍ بإِجماعِ المُسلِمينَ. والخَبَرُ يَقتَضي أنْ يَمسحَ المُسافرُ ثَلاثًا في سَفرِه، وهذا يَتناولُ مَنْ ابتَدأَ المَسحَ في سَفرِه (١). أمَّا إذا لبِسَ الخُفَّ في الحَضرِ وسافَرَ قبلَ الحَدثِ قالَ الإمامُ النَّوويُّ: يَمسحُ مَسحَ مُسافرٍ بالإِجماعِ (٢). وقالَ النَّوويُّ أيضًا: من لبِسَ -الخُفَّ- وأحدَثَ في الحَضرِ ثم سافَرَ قبلَ خُروجِ وَقتِ الصَّلاةِ يَمسحُ مَسحَ مُسافرٍ أيضًا عندَنا وعندَ جَميعِ العُلماءِ (٣). حُكمُ مَنْ مسَحَ مُسافرًا ثم أَقامَ: قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ ممَّن يَقولُ بالتَّحديدِ في المَسحِ على الخُفَّينِ على أنَّ من مسَحَ ثم قدِمَ الحَضرَ

стр. 474

خلَعَ خُفَّيه إنْ كانَ مسَحَ يَومًا ولَيلةً مُسافرًا ثم قدِمَ فأَقامَ أنَّ له ما للمُقيمِ، وإنْ كان مسَحَ في السَّفرِ أقَلَّ من يَومٍ ولَيلةٍ مسَحَ بعدَ قُدومِه تَمامَ يَومٍ ولَيلةٍ، هذا قَولُ سُفيانَ الثَّوريِّ والشافِعيِّ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ وأَصحابِ الرأيِ (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّه صارَ مُقيمًا لم يَجزْ له أنْ يَمسحَ مَسحَ المُسافرِ كمَحلِّ الوِفاقِ، ولأنَّ المَسحَ عِبادةٌ يَختلفُ حُكمُها بالحَضرِ والسَّفرِ فإذا ابتدَأَها في السَّفرِ ثم حضَرَ في أثنائِها غلَّبَ حُكمَ الحَضرِ كالصَّلاةِ، فعلى هذا لو مسَحَ أكثَرَ من يَومٍ ولَيلةٍ ثم دخَلَ في الصَّلاةِ فنَوى الإِقامةَ في أثنائِها بطَلَت صَلاتُه؛ لأنَّه قد بطَلَ المَسحُ فبطَلَت طَهارتُه، فبطَلَت صَلاتُه لبُطلانِها، ولو تلَبَّس بالصَّلاةِ في سَفينةٍ فدخَلَت البَلدَ في أثنائِها بطَلَت صَلاتُه كذلك (٢). إذا شَكَّ المُسافرُ هل ابتَدَأ المَسحَ في السَّفرِ أو الحَضرِ: ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لو شَكَّ المُسافرُ هل ابتَدَأ المَسحَ في الحَضرِ أو في السَّفرِ أخَذَ بالحَضرِ، ويَقتصرُ على يَومٍ ولَيلةٍ، كما لو شَكَّ الماسِحُ في السَّفرِ أو في الحَضرِ في انقِضاءِ المُدةِ؛ فإنَّه يَجبُ الأخذُ بانقِضائِها (٣).

стр. 475

فصل في المَسحِ على الجَبيرةِ الجَبيرةُ لُغةً: العِيدانُ التي تُشدُّ على العَظمِ لتَجبُرَه على استِواءٍ، وجَمعُها جَبائِرُ، وهي من: جبَرتُ العَظمَ جَبرًا، من بابِ قتَلَ، أي: أصلَحتُه فجُبِرَ هو أيضًا، جَبرًا وجُبورًا، أي: أُصلِحَ، فيُستعملُ لازِمًا ومُتعدِّيًا. وجبَّرتُ اليَدَ: وضَعتُ عليها الجَبيرةَ، وجبَّرَ العَظمَ: جبَرَه، والمُجبِّرُ الذي يُجبِّرُ العِظامَ المَكسورةَ (١). وفي الاصطِلاحِ: لا يَخرجُ المَعنى الاصطِلاحيُّ عن المَعنى اللُّغويِّ، إلا أنَّ المالِكيةَ فَسَّروا الجَبيرةَ بمَعنًى أعَمَّ فقالوا: الجَبيرةُ ما يُداوي الجُرحَ سَواءٌ أكانَ أعوادًا، أم لَزقةً، أم غيرَ ذلك (٢). ويأخُذُ حُكمَ الجَبيرةِ اللُّصوقُ واللُّزوقُ -ما يُلصقُ على الجُرحِ للدَّواءِ- وهي الخِرقةُ، قالَ في المِصباحِ: ثم أُطلقَ على الخِرقةِ ونَحوِها إذا شُدَّت على العُضوِ للتَّداوي (٣).

стр. 476

قالَ الحِصنيُّ في «كِفايةِ الأخيارِ»: واعلَمْ: أنَّ الجِراحةَ قد تَحتاجُ إلى أنْ يُلزَقَ عليها خِرقةٌ أو قُطنةٌ ونَحوُهما، فلها حُكمُ الجَبيرةِ (١). ويأخُذُ أيضًا حُكمَ الجَبيرةِ العِصابةُ -بكَسرِ العَينِ- اسمُ ما يُشدُّ به من: عصَبَ رأسَه عصَبَه تَعصيبًا: شَدَّه، وكلُّ ما عُصِّب به كَسرٌ أو قُرحٌ من خِرقةٍ أو غيرِها فهو عِصابٌ له، وتَعصَّبَ بالشَّيءِ تَقنَّعَ به. والعَمائمُ يُقالُ لها: العَصائِبُ، والعِصابةُ: العِمامةُ، وعلى هذا تَكونُ العِصابةُ أعَمَّ من الجَبيرةِ. وقالَ المالِكيةُ: العِصابةُ: هي التي تُربطُ فوقَ الجَبيرةِ (٢). ويَأخذُ حُكمَ الجَبيرةِ أيضًا: ما يُوضعُ في الجُروحِ من دَواءٍ يَمنعُ وُصولَ الماءِ، كدُهنٍ أو غيرِه. حُكمُ المَسحِ على الجَبيرةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على مَشروعيةِ المَسحِ على الجَبائرِ في حالةِ العُذرِ نِيابةً عن الغُسلِ أو المَسحِ الأصليِّ في الوُضوءِ أو الغُسلِ أو التَّيممِ، واستَدلُّوا على ذلك بما رُويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «كُسرَ زَندي يَومَ أُحدٍ فسقَطَ اللِّواءُ من يَدي، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : اجعَلوها في يَسارِه؛ فإنَّه صاحِبُ لِوائي في الدُّنيا والآخِرةِ، فقُلتُ يا رَسولَ اللهِ: ما أصنَعُ

стр. 477

بالجَبائرِ؟ فقالَ: امسَحْ عليها» (١). لكنْ قالَ النَّوويُّ فيه: إنَّه حَديثٌ مُتَّفقٌ على ضَعفِه وتَوهينِه. وبما رَواه جابِرٌ ﵁ قالَ: «خرَجنا في سَفرٍ فأصابَ رَجلًا منا حَجرٌ فشَجَّه في رأسِه، ثم احتَلمَ، فسألَ أَصحابَه، فقالَ: هل تَجدونَ لي رُخصةً في التَّيممِ؟ فقالوا: ما نَجدُ لك رُخصةً وأنتَ تَقدرُ على الماءِ، فاغتَسلَ فماتَ، فلَمَّا قدِمْنا على النَّبيِّ ﷺ أُخبرَ بذلك فقالَ: قَتَلوه قتَلَهم اللهُ، ألَا سألوا إذْ لم يَعلَموا؛ فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، (إنَّما كانَ يَكفيه أنْ يَتيمَّمَ ويَعصِرَ أو يَعصِبَ على جُرحِه خِرقةً ثم يَمسحَ عليها ويَغسلَ سائِرَ جَسدِه)» (٢)، ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى المَسحِ على الجَبائرِ؛ لأنَّ في نَزعِها حَرجًا وضَررًا (٣). شُروطُ المَسحِ على الجَبيرةِ: وضَعَ العُلماءُ شُروطًا لجَوازِ المَسحِ على الجَبيرةِ، وهي ما يَلي: أ- أنْ يَكونَ غَسلُ العُضوِ المُنكسِرِ أو المَجروحِ ممَّا يَضرُّ به، وكذلك لو كانَ المَسحُ على عَينِ الجِراحةِ ممَّا يَضرُّ بها، أو كانَ يُخشَى حُدوثُ الضَّررِ بنَزعِ الجَبيرةِ. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا شَرائطُ جَوازِه -أي: المَسحِ- فهي أنْ يَكونَ الغُسلُ ممَّا يَضرُّ بالعُضوِ المُنكسِرِ والجُرحِ والقُرحِ، أو لا يَضرُّه الغَسلُ لكنَّه يُخافُ الضَّررُ من جِهةٍ أُخرى بنَزعِ الجَبائرِ؛ فإنْ كانَ لا يَضرُّه

стр. 478

ولا يُخافُ لا يَجوزُ، ولا يَسقطُ الغَسلُ: لأنَّ المَسحَ لمَكانِ العُذرِ ولا عُذرَ. ثم قالَ: ومِن شُروطِ جَوازِ المَسحِ على الجَبيرةِ أيضًا أنْ يَكونَ المَسحُ على عَينِ الجِراحةِ ممَّا يَضرُّ بها؛ فإنْ كانَ لا يَضرُّ بها لا يَجوزُ المَسحُ إلا على نَفسِ الجِراحةِ، ولا يَجوزُ على الجَبيرةِ، كذا ذكَرَه الحَسنُ بنُ زِيادٍ؛ لأنَّ الجَوازَ على الجَبيرةِ للعُذرِ، ولا عُذرَ (١). ب- ألَّا يَكونَ غَسلُ الأَعضاءِ الصَّحيحةِ يَضرُّ بالأَعضاءِ الجَريحةِ؛ فإنْ كانَ يَضرُّ بها ففَرضُه التَّيممُ (٢). ج- قالَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ: إنْ كانَت الأَعضاءُ الصَّحيحةُ قَليلةً جِدًّا كيَدٍ واحِدةٍ، أو رِجلٍ واحِدةٍ، ففَرضُه التَّيممُ؛ إذِ التَّافِهُ لا حُكمَ له (٣). د- أنْ تُوضَعَ الجَبيرةُ على طَهارةٍ مائِيةٍ: اشترَطَ الشافِعيةُ في المَذهبِ عندَهم والإمامُ أحمدُ في إحدَى الرِوايَتينِ عنه أنْ تَكونَ الجَبيرةُ مَوضوعةً على طَهارةٍ مائِيةٍ؛ لأنَّه حائِلٌ يَمسحُ عليه، فكانَ من شَرطِ المَسحِ عليه تَقديمُ الطَّهارةِ كسائِرِ المَمسوحاتِ؛ فإنْ

стр. 479

وضَعَها على غيرِ طَهارةٍ وجَبَ نَزعُها واستِئنافُ الوَضعِ على طُهرٍ إنْ أمكَنَ ذلك من غيرِ ضَررٍ؛ فإنْ خافَ الضَّررَ من نَزعِها لم يَنزِعْها، ويَصحُّ مَسحُه عليها ويَجبُ القَضاءُ عندَ البُرءِ لفَواتِ شَرطِ وَضعِها على طُهرٍ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ شاذٍّ عندَهم وهو الرِّوايةُ الثانيةُ عن الإمامِ أحمدَ إلى أنَّه لا يُشترطُ تَقديمُ الطَّهارةِ على شَدِّ الجَبيرةِ فلو وضَعَها وهو مُحدِثٌ ثم تَوضَّأ جازَ له أنْ يَمسحَ عليها. قالَ الخَلَّالُ ﵀: رَوى حَربٌ وإِسحاقُ والمَرُّوذيُّ في ذلك سُهولةً عن أحمدَ، واحتَجَّ بقَولِ ابنِ عُمرَ؛ لأنَّ هذا ممَّا لا يَنضبطُ ويَغلُظُ على الناسِ جِدًّا فلا بأسَ به. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُقوِّي هذا حَديثُ جابِرٍ في الذي أصابَته الشَّجةُ؛ فإنَّه قالَ: «إنَّما كانَ يُجزئُه أنْ يَعصِبَ على جُرحِه خِرقةً ويَمسحَ عليها» (٢)، ولم يَذكُرِ الطَّهارةَ، وكذلك أمَرَ عليًّا أنْ يَمسحَ على الجَبائرِ ولم يَشتَرطْ طَهارةً (٣)، ولأنَّ المَسحَ عليها جازَ دَفعًا لمَشقةِ نَزعِها، ونَزعُها يَشقُّ إذا لبِسَها على غيرِ طَهارةٍ كمَشقتِه إذا لبِسَها على طَهارةٍ (٤).

стр. 480

كَيفيةُ تَطهيرِ واضِعِ الجَبيرةِ: إذا أرادَ واضِعُ الجَبيرةِ الطَّهارةَ فليَفعلْ ما يَأتي: ١ - يَجبُ أنْ يَغسلَ الصَّحيحَ من أَعضائِه؛ لأنَّ كَسرَ العُضوِ لا يَزيدُ على فَقدِه ولو فقَدَه وجَبَ غَسلُ الباقي قَطعًا. ٢ - أنْ يَمسحَ على الجَبيرةِ وهذا باتِّفاقٍ إلا قَولًا حَكاه الرافِعيُّ عن حِكايةِ الحَناطيِّ أنَّه يَكفيه التَّيممُ ولا يَمسحُ الجَبيرةَ بالماءِ، ونقَلَه صاحِبُ العُدةِ أيضًا واختارَه القاضِي أبو الطَّيبِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: والمَذهبُ الأولُ، أي يَمسحُ على الجَبيرةِ. ويَجبُ استِيعابُ الجَبيرةِ بالمَسحِ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ وهو مُقابِلُ الأصَحِّ عندَ الحَنفيةِ. وفي الأصَحِّ عندَ الحَنفيةِ لا يُشترطُ الاستِيعابُ، قالَ في «الدُّر المُختار»: (ولا يُشترطُ) في مَسحِها استِيعابٌ وتَكرارٌ في الأصَحِّ (فيَكفي مَسحُ أكثرِها) مَرةً، به يُفتَى. وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو ترَكَ المَسحَ على بعضِ الجَبائرِ ومسَحَ على الأكثَرِ جازَ، وإلا فلا، بخِلافِ مَسحِ الرأسِ، والمَسحُ على الخُفَّينِ؛ فإنَّه لا يُشترطُ فيهما الأكثَرُ؛ لأنَّه ورَدَ الشَّرعُ بالتَّقديرِ هناك، فلا تُشترطُ الزِّيادةُ على المُقدَّرِ، وههنا لا تَقديرَ من الشَّرعِ، بل ورَدَ بالمَسحِ على الجَبائرِ، فظاهِرُه يَقتَضي الاستِيعابَ، إلا أنَّ ذلك لا يَخلو من ضَربِ حَرجٍ، فأُقيمَ الأكثَرُ مَقامَ الجَميعِ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 481

أمَّا الشافِعيةُ فقد قالَ النَّوويُّ في «المَجموع»: وهل يَجبُ استِيعابُ الجَبيرةِ بالمَسحِ كالوَجهِ في التَّيممِ أو يَكفي مَسحُ ما يُطلَقُ عليه الاسمُ كالرأسِ والخُفِّ؟ فيه وَجهان مَشهوران: أصَحُّهما عندَ الأَصحابِ يَجبُ الاستِيعابُ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ وأحمدَ. هذا إذا كانَت الجَبيرةُ مَوضوعةً على قَدرِ الجِراحةِ فقط، فإنْ كانَت زائِدةً على قَدرِ الجِراحةِ فعندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ يَمسحُ على الزائِدِ تَبعًا إنْ كان غَسلُ ما تحتَ الزائِدِ يَضرُّ. وعندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ: يَمسحُ من الجَبيرةِ على كلِّ ما حاذَى مَحلَّ الحاجةِ ولا يَجبُ المَسحُ على الزائِدِ بَدلًا مما تحتَها. قالَ الشافِعيةُ: يَجبُ غَسلُ ما يُمكنُ غَسلُه حتى ما تحتَ أطرافِ الجَبيرةِ من الصَّحيحِ، بأنْ يَضعَ خِرقةً مَبلولةً ويَعصِرَها لتَغسلَ تلك المَواضِعَ بالمُتقاطِرِ ويَكفي المَسحُ على الجَبيرةِ مَرةً واحِدةً، وإنْ كانَت في مَحلٍّ يُغسلُ ثَلاثًا. وفي مُقابلِ الأصَحِّ عندَ الحَنفيةِ: أنَّه يُسنُّ تَكرارُ المَسحِ؛ لأنَّه بَدلٌ من الغَسلِ، والغَسلُ يُسنُّ تَكرارُه، فكَذا بَدلُه، وهذا إذا لم تَكنْ على الرأسِ. ٣ - وزادَ الشافِعيةُ في المَشهورِ عندَهم التَّيممَ مع الغَسلِ والمَسحِ، أي أنَّه يَجبُ عليه أنْ يَتيممَ بعدَ أنْ يَغسلَ الصَّحيحَ من أَعضائِه وبعدَ أنْ يَمسحَ على الجَبيرةِ.

стр. 482

قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا التَّيممُ مع غَسلِ الصَّحيحِ ومَسحِ الجَبيرةِ بالماءِ ففيه طَريقانِ أصَحُّهما وأشهَرُهما والتي قطَعَ الجُمهورُ بها أنَّ فيه قَولَينِ: أصَحُّهما عندَ الجُمهورِ وُجوبُه، وهو نَصُّه في «الأُم» والبُويطيُّ والكَبيرُ، والثاني: لا يَجبُ، وهو نَصُّه في القَديمِ وظاهِرُ نَصِّه في «المُختصَر»، وصحَّحَهَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ والجُرجانِيُّ والرُّويانِيُّ في «الحِلية». قالَ العَبدريُّ: وبهذا قالَ أحمدُ وسائِرُ الفُقهاءِ. والطَّريقُ الثاني: حَكاه الخُراسانِيونَ وصحَّحَه المُتولِّي منهم أنَّه إنْ كانَ ما تحتَ الجَبيرةِ عَليلًا لا يُمكنُ غَسلُه لو كان ظاهِرًا وجَبَ التَّيممُ كالجَريحِ، وإنْ أمكَنَ غَسلُه لو ظهَرَ لم يَجبِ التَّيممُ، كلابِسِ الخُفِّ، والمَذهبُ الوُجوبُ، قالَ في المُهذبِ: لحَديثِ جابِرٍ ﵁: «أنَّ رَجلًا أصابَه حَجرٌ فشَجَّه في رأسِه ثم احتلَمَ فسألَ أَصحابَه هل تَجِدونَ رُخصةً لي في التَّيممِ؟ قالوا: ما نَجدُ لك رُخصةً وأنتَ تَقدرُ على الماءِ فاغتسَلَ فماتَ فقالَ النَّبيُّ ﷺ إنَّما كانَ يَكفيه أنْ يَتيممَ ويَعصِبَ على رأسِه خِرقةً يَمسحُ عليها ويَغسلُ سائرَ جَسدِه». قالَ الشِّيرازيُّ: ولأنَّه يُشبهُ الجَريحَ: لأنَّه يَتركُ غَسلَ العُضوِ لخَوفِ الضَّررِ، ويُشبهُ لابِسَ الخُفِّ؛ لأنَّه لا يُخافُ الضَّررُ من غَسلِ العُضوِ وإنَّما يُخافُ المَشقةُ من نَزعِ الحائِلِ، كلابِسِ الخُفِّ، فلمَّا اشتَبَها وجَبَ عليه الجَمعُ بينَ المَسحِ والتَّيممِ. وقد ذكَرَ الحَنابِلةُ لوُجوبِ التَّيممِ مع الغَسلِ والمَسحِ حالَتينِ:

стр. 483

الحالةُ الأُولى: ما إذا وضَعَ الجَبيرةَ على غيرِ طَهارةٍ وخافَ من نَزعِها على القَولِ بأنَّ الطَّهارةَ شَرطٌ للمَسحِ على الجَبيرةِ. والثانيةُ: واضِعُ الجَبيرةِ إذا جاوَزَ بها مَوضعَ الحاجةِ وخافَ من نَزعِها؛ فإنَّه يَغسلُ الصَّحيحَ ويَمسحُ على الجَبيرةِ ويَتيممُ لمَا زادَ على قَدرِ الحاجةِ؛ لأنَّه مَوضعٌ يُخافُ الضَّررُ باستِعمالِ الماءِ فيه، فيَتيمَّمُ له كالجُرحِ نَفسِه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ ما على مَوضعِ الحاجةِ يَقتَضي المَسحَ، ولأنَّ الزائِدَ يَقتَضي التَّيممَ. ٤ - إنْ كانَت العِصابةُ بالرأسِ، فإنْ كانَ بَقيَ من الرأسِ قَدرُ ما يَكفي المَسحَ عليه مسَحَ عليه، وإلا فعَلى العِصابةِ، وهذا على قَولِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ؛ لأنَّ الفَرضَ عندَهم هو مَسحُ بعضِ الرأسِ، أمَّا مَنْ يَقولُ إنَّ الفَرضَ مَسحُ جَميعِ الرأسِ كالمالِكيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ فإنَّه يَمسحُ على العِصابةِ وعلى ما بَقيَ من الرأسِ، وهذا في الوُضوءِ، أمَّا في الغُسلِ؛ فإنَّه يَمسحُ على العِصابةِ ويَغسلُ الباقيَ (١).

стр. 484

ما يَنقضُ المَسحَ على الجَبيرةِ: أ- يَنقضُ المَسحَ على الجَبيرةِ سُقوطُها أو نَزعُها لبُرءِ الكَسرِ أو الجُرحِ، وعلى ذلك إذا كان مُحدِثًا وأرادَ الصَّلاةَ تَوضَّأ وغسَلَ مَوضعَ الجَبيرةِ إنْ كانَت الجِراحةُ على أَعضاءِ الوُضوءِ، وهذا باتِّفاقٍ. وإنْ لم يَكنْ مُحدِثًا فعندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ يَغسلُ مَوضعَ الجَبيرةِ لا غيرُ، قالَ الكاسانِيُّ: لأنَّه قَدِرَ على الأصلِ فبطَلَ حُكمُ البَدلِ فيه، فوجَبَ غَسلُه لا غيرُ؛ لأنَّ حُكمَ الغَسلِ -وهو الطَّهارةُ- في سائِرِ الأَعضاءِ قائِمٌ لانعِدامِ ما يَرفعُها، وهو الحَدثُ، فلا يَجبُ غَسلُها (١). وعندَ الشافِعيةِ يُغسلُ مَوضعُ الجَبائرِ وما بعدَه مُراعاةً للتَّرتيبِ؛ فإنْ كانَت الجَبيرةُ على اليَدِ غسَلَ اليَدَ ثم مسَحَ رأسَه ويَغسلُ رِجلَه. وعندَ الحَنابِلةِ يَبطُلُ وُضوؤُه ويَستأنفُ الوُضوءَ من جَديدٍ. أمَّا بالنِّسبةِ للغَسلِ إنْ كانَ قد مسَحَ عليها في غُسلٍ يَعمُّ البَدنَ فيَكفي بعدَ سُقوطِها وهو غيرُ مُحدِثٍ غَسلُ مَوضعِها فقط، ولا يَحتاجُ إلى إعادةِ غُسلٍ ولا وُضوءٍ؛ لأنَّ التَّرتيبَ والمُوالاةَ ساقِطان في الطَّهارةِ الكُبرى (٢). ب- إذا سقَطَت الجَبيرةُ عن غيرِ بُرءٍ؛ فإنَّها تُبطلُ الطَّهارةَ عندَ الحَنابِلةِ، وفي قَولٍ عندَ الشافِعيةِ، وعلى ذلك يَجبُ استِئنافُ الوُضوءِ أو استِكمالُ الغُسلِ.

стр. 485

وعندَ المالِكيةِ -وهو الأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ- يَنتقِضُ مَسحُ الجَبيرةِ فقط، فإذا سقَطَت لا عن بُرءٍ أعادَها إلى مَوضعِها ولا يَجبُ عليه إعادةُ المَسحِ، وهذا كلُّه فيما إذا كانَ في خارِجِ الصَّلاةِ، فإنْ كانَ في الصَّلاةِ وسقَطَت الجَبيرةُ عن بُرءٍ بطَلَت الصَّلاةُ باتِّفاقٍ، وإنْ سقَطَت لا عن بُرءٍ بطَلَت الصَّلاةُ عندَ الجُمهورِ، وعندَ الحَنفيةِ لا تَبطلُ ويَمضي عليها ولا يَستقبلُ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا كانَ سُقوطُها في الصَّلاةِ بطَلَت الصَّلاةُ وأعادَ الجَبيرةَ مَحلَّها وأعادَ المَسحَ عليها إنْ لم يُطِلْ ثم ابتَدَأ صَلاتَه؛ فإنْ طالَ نِسيانًا بَنى بنِيةٍ وإلا ابتَدَأ طَهارتَه. ولا يُبطلُ الصَّلاةَ سُقوطُ الجَبيرةِ من تحتِ العِصابةِ مع بَقاءِ العِصابةِ المَمسوحِ عليها فوقَ الجُرحِ (٢). الفَرقُ بينَ المَسحِ على الجَبيرةِ والمَسحِ على الخُفِّ: يُفارقُ المَسحُ على الجَبيرةِ المَسحَ على الخُفِّ من وُجوهٍ كَثيرةٍ، منها (٣): أ- لا يَجوزُ المَسحُ على الجَبيرةِ إلا عندَ الضَّررِ بنَزعِها، والخُفُّ بخِلافِ ذلك، فيَجوزُ المَسحُ عليه ولو لم يَكنْ هناك ضَررٌ.

стр. 486

ب- المَسحُ على الجَبيرةِ مُؤقَّتٌ بالبُرءِ لا بالأيامِ، والمَسحُ على الخُفِّ مُؤقَّتٌ عندَ الجُمهورِ -خِلافًا للمالِكيةِ كما سبَقَ- بيَومٍ ولَيلةٍ للمُقيمِ وثَلاثةِ أيامٍ ولَياليها للمُسافرِ. ج- يُمسحُ على الجَبيرةِ في الطَّهارةِ الكُبرى والطَّهارةِ الصُّغرى: لأنَّ الضَّررَ يَلحقُ بنَزعِها بخِلافِ الخُفِّ؛ فإنَّه يَجبُ نَزعُه في الطَّهارةِ الكُبرى. د- يُجمعُ في الجَبيرةِ بينَ مَسحٍ على جَبيرةِ رِجلٍ أو يَدٍ وغَسلِ الأُخرى بخِلافِ المَسحِ على الخُفِّ. هـ- يَجبُ استِيعابُ الجَبيرةِ بالمَسحِ عندَ المالِكيةِ والحَنابِلةِ وهو الأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ وهو مُقابِلُ الأصَحِّ عندَ الحَنفيةِ كما سبَقَ بخِلافِ الخُفِّ كما سبَقَ فلا يُشترطُ فيه استِيعابُ المَسحِ. و- لا يُشترطُ تَقدُّمُ الطَّهارةِ على وَضعِ الجَبيرةِ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ بخِلافِ الخُفِّ؛ فإنَّه يُشترطُ لُبسُه على طَهارةٍ اتِّفاقًا. ز- يَنتقضُ المَسحُ على الجَبيرةِ بسُقوطِها أو نَزعِها عن بُرءٍ باتِّفاقٍ، وكذلك سُقوطُها لا عن بُرءٍ عندَ الجُمهورِ غيرِ الحَنفيةِ، أمَّا الخُفُّ فيَبطلُ المَسحُ عليه مُطلقًا. ح- لو كان على عُضوَيه جَبيرَتان فرفَعَ إحداهُما لا يَلزمُه رَفعُ الأُخرى بخِلافِ الخُفَّينِ؛ لأنَّ لُبسَهما جَميعًا شَرطٌ بخِلافِ الجَبيرَتينِ. ط- يُتركُ المَسحُ على الجَبيرةِ إنْ ضَرَّ بخِلافِ الخُفِّ فيَجوزُ المَسحُ عليه في جَميعِ الأَحوالِ.

стр. 487

باب في الغُسلِ تَعريفُ الغُسلِ: الغُسلُ في الاصطِلاحِ: استِعمالُ ماءٍ طَهورٍ في جَميعِ البَدنِ على وَجهٍ مَخصوصٍ بشُروطٍ وأَركانٍ (١). الحُكمُ التَّكليفيُّ: الغُسلُ مَشروعٌ بالكِتابِ والسُّنةِ. أمَّا بالكِتابِ: فقَولُه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقَولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: إذا اغتسَلْن. وأمَّا بالسُّنةِ: فقَولُه ﷺ : «إذا جلَسَ بينَ شُعبِها الأربَعِ ومَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغُسلُ» (٢)، وفي لَفظٍ: «إذا جلَسَ بينَ شُعبِها الأربَعِ ثم جهَدَها فقد وجَبَ عليه الغُسلُ» (٣)، والغُسلُ قد يَكونُ واجِبًا كغُسلِ الجَنابةِ والحائِضِ، وقد يَكونُ سُنةً كغُسلِ العِيدَين والجُمُعةِ (٤).

стр. 488

مُوجِباتُ الغُسلِ: ١ - خُروجُ المَنيِّ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ خُروجَ المَنيِّ بشَهوةٍ يُوجبُ الغُسلَ، وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك النَّوويُّ وابنُ جَريرٍ والطَّبريُّ وابنُ هُبيرةَ، ولا فَرقَ في ذلك بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ، ولا فَرقَ بينَ خُروجِه بجِماعٍ أو باحتِلامٍ أو باستِمناءٍ أو بنَظرٍ، لمَا رَواه أبو سَعيدٍ الخُدريُّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّما الماءُ من الماءِ» (١). أي: يَجبُ الغُسلُ بالماءِ من إنزالِ الماءِ الدافِقِ وهو المَنيُّ. وفي حَديثِ أُمِّ سُليمٍ ﵂ قالَت: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ اللهَ لا يَستَحْيِي من الحَقِّ، هل على المَرأةِ من غُسلٍ إذا هي احتَلَمت؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : نَعَمْ، إذا رأتِ الماءَ» (٢). أمَّا إذا خرَجَ المَنيُّ بغيرِ شَهوةٍ فقد ذهَبَ الأئِمةُ الثَّلاثةُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأحمدُ إلى أنَّه لا يُوجبُ الغُسلَ. وقالَ الشافِعيُّ: يُوجبُ الغُسلَ سَواءٌ خرَجَ بشَهوةٍ أو لا (٣).

стр. 489

٢ - خُروجُ المَنيِّ بعدَ الغُسلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا اغتَسلَ الجُنبُ ثم خرَجَ منه مَنيٌّ بعدَ ذلك هل يَجبُ عليه أنْ يُعيدَ الغُسلَ مَرةً ثانيةً أو لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إنْ خرَجَ المَنيُّ بعدَ البَولِ فلا غُسلَ عليه؛ لأنَّه بَقيةُ المَنيِّ الذي اغتسَلَ عنه، وإنْ خرَجَ المَنيُّ قبلَ البَولِ وجَبَ الغُسلُ؛ لأنَّه بَقيةُ ماءٍ خرَجَ بالدَّفقِ والشَّهوةِ فوجَبَ الغُسلُ. وذهَبَ الشافِعيةُ والإِمامانِ مالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ عنهما إلى أنَّه يَجبُ عليه الغُسلُ على الإطلاقِ بانتِقالَ المَنيِّ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الماءُ من الماءِ» (١)، ولم يُفرِّقْ، ولأنَّه نَوعُ حَدثٍ، فنقَضَ مُطلقًا؛ ولأنَّ الخُروجَ يَصلحُ مُوجِبًا للغُسلِ، وهذه الرِّوايةُ عن أحمدَ اختارَها ابنُ قُدامةَ. وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه لا غُسلَ عليه مُطلقًا؛ لأنَّه جَنابةٌ واحِدةٌ فلم يَجبْ به غُسلانِ كما لو خرَجَ دُفعةً واحِدةً. قالَ الخَلَّالُ: تَواترَت الرِّواياتُ عن أبي عبدِ اللهِ: أنَّه ليسَ عليه إلا الوُضوءُ بالَ أو لم يَبُلْ، فعلى هذا استقَرَّ قَولُه (٢).

стр. 490

٣ - رُؤيةُ المَنيِّ من غيرِ تَذكُّرِ الاحتِلامِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإِنسانَ إذا انتَبَه مِنْ نَومِه فرأى مَنيًّا ولم يَذكرِ احتِلامًا أنَّه يَجبُ عليه الغُسلُ، أمَّا إذا رَأى أنَّه قد احتلَمَ ولم يَجِدْ مَنيًّا فلا غُسلَ عليه. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا رَأى في مَنامِه أنَّه قد احتلَمَ أو جامَعَ ولم يَجدْ بَللًا لا غُسلَ عليه (١). ودَليلُ ذلك ما رَوت عائِشةُ ﵂ قالَت: «سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن الرَّجلِ يَجدُ البَللَ ولا يَذكرُ احتِلامًا، قالَ: يَغتسلُ، وعن الرَّجلِ يَرى أنَّه قد احتَلمَ ولا يَجدُ البَللَ قالَ: لا غُسلَ عليه» (٢). ولمَا رَوته أمُّ سَلمةَ أنَّ أمَّ سُلَيمٍ قالَت: «يا رَسولَ اللهِ: هل على المَرأةِ من غُسلٍ إذا هي احتَلمَت؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : نَعَمْ، إذا رأتِ الماءَ» (٣)، وهذا يَدلُّ على أنَّه لا غُسلَ عليها إلا إنْ رأتِ الماءَ (٤). ٤ - انتِقالُ المَنيِّ: ذهَبَ الإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه لو أحَسَّ بانتِقالِ المَنيِّ عندَ الشَّهوةِ فأمسَكَ ذكَرَه فلم يَخرجْ أنَّ عليه الغُسلَ لوُجودِ الشَّهوةِ بانتِقالِه، أشبَهَ ما لو ظهَرَ، وأنكَرَ الإمامُ أحمدُ أنْ يَكونَ الماءُ يَرجعُ.

стр. 491

وذهَبَ الأئِمةُ الثَّلاثةُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا أحَسَّ بانتِقالِ المَنيِّ عندَ الشَّهوةِ فأمسَكَ ذكَرَه فلم يَخرجْ فلا غُسلَ عليه. قالَ ابنُ قُدامةَ: وهو قَولُ أكثَرِ الفُقهاءِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لو قبَّلَ امرأةً فأحَسَّ بانتِقالِ المَنيِّ ونُزولِه، فأمسَكَ ذكَرَه فلم يَخرجْ منه في الحالِ شَيءٌ ولا علِمَ خُروجَه بعدَ ذلك فلا غُسلَ عليه عندَنا، وبه قالَ العُلماءُ كافَّةً إلا أحمدَ؛ فإنَّه قالَ في أشهَرِ الرِوايَتينِ عنه: يَجبُ الغُسلُ، قالَ: ولا يُتصوَّرُ رُجوعُ المَنيِّ، دَليلُنا: قَولُه ﷺ : «إنَّما الماءُ من الماءِ» ولأنَّ العُلماءَ مُجمِعون على أنَّ من أحَسَّ بالحَدثِ كالقَرقرةِ والرِّيحِ ولم يَخرجْ منه شَيءٌ لا وُضوءَ عليه، فكَذا هنا (٢). ٥ - التِقاءُ الخِتانَين: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مِنْ مُوجِباتِ الغُسلِ التِقاءَ الخِتانَينِ، وذلك لمَا رَوَت عائِشةُ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا جلَسَ بينَ شُعبِها الأربَعِ ومَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغُسلُ» (٣). ولمَا رَواه أبو هُرَيرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا جلَسَ بينَ

стр. 492

شُعبِها الأربَعِ ثم جهَدَها فقد وجَبَ عليه الغُسلُ» وفي رِوايةٍ: «وإنْ لم يُنزِلْ» (١). قالَ النَّوويُّ ﵀: إنَّ إِيجابَ الغُسلِ لا يَتوقَّفُ على نُزولِ المَنيِّ، بل متى غابَت الحَشفةُ في الفَرجِ وجَبَ الغُسلُ على الرَّجلِ والمَرأةِ، وهذا لا خِلافَ فيه اليَومَ، وقد كانَ فيه خِلافٌ لبَعضِ الصَّحابةِ ومَن بعدَهم، ثم انعَقَد الإِجماعُ على ما ذكَرناه. والتِقاءُ الخِتانَين يَحصلُ بتَغييبِ الحَشفةِ من صَحيحِ الذَّكرِ في الفَرجِ، ذلك أنَّ خِتانَ الرَّجلِ هو الجِلدُ الذي يَبقى بعدَ الخِتانِ، وأنَّ خِتانَ المَرأةِ جِلدةٌ كعُرفِ الدِّيكِ فوقَ الفَرجِ، فيُقطعُ منها في الخِتانِ، فإذا غابَتِ الحَشفةُ في الفَرجِ حاذَى خِتانُه خِتانَها، وإذا تَحاذَى فقد التَقَيا، وليسَ المُرادُ بالتِقاءِ الخِتانَين التِصاقَهما وضَمَّ أحدِهما إلى الآخَرِ؛ فإنَّه لو وَضعَ مَوضعَ خِتانِه على مَوضعِ خِتانِها ولم يُدخِلْه في مَدخلِ الذَّكرِ لم يَجبِ الغُسلُ بالإِجماعِ، والحَشفةُ هي رأسُ الذَّكرِ. ولا بدَّ أيضًا لإِيجابِ الغُسلِ من تَغييبِ الحَشفةِ كلِّها في الفَرجِ؛ فإنْ غيَّبَ بَعضَها فلا غُسلَ عليه باتِّفاقٍ (٢). وقالَ في شَرحِ مُسلمٍ: قَولُه: «ومَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغُسلُ» قالَ العُلماءُ: مَعناه غَيَّبتَ ذكَرَك في فَرجِها، وليسَ المُرادُ حَقيقةَ المَسِّ، وذلك أنَّ خِتانَ المَرأةِ في أعلى الفَرجِ ولا يَمسُّه الذَّكرُ في الجِماعِ.

стр. 493

وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّه لو وضَعَ ذكَرَه على خِتانِها ولم يُولِجْه لم يَجبِ الغُسلُ لا عليه ولا عليها، فدَلَّ على أنَّ المُرادَ ما ذكَرْناه والمُرادُ بالمُماسَّةِ المُحاذاةُ، وكذلك الرِّوايةُ الأُخرى إذا التَقَى الخِتانانِ أي تَحاذَيا (١). ٦ - إذا أولَجَ في فَرجِ بَهيمةٍ: ذهَبَ الأئِمةُ الثَّلاثةُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ إلى أنَّ مَنْ عَصى اللهَ تَعالى وأولَجَ في فَرجِ بَهيمةٍ فإنَّ عليه الغُسلَ وإنْ لم يُنزِلْ. وقالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ: لا يَجبُ عليه الغُسلُ حتى يُنزلَ (٢). ٧ - الحَيضُ والنِّفاسُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الحَيضَ والنِّفاسَ من مُوجِباتِ الغُسلِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ الغُسلِ بسَببِ الحَيضِ وسَببِ النِّفاسِ، وممَّن نقَلَ الإِجماعَ فيهما ابنُ المُنذرِ وابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ وآخَرون (٣).

стр. 494

لقَولِه تَعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: إذا اغتسَلنَ، ووَجهُ الدِّلالةِ من الآيةِ أنَّه يَلزمُها تَمكينُ الزَّوجِ من الوَطءِ، ولا يَجوزُ ذلك إلا بالغُسلِ، وما لا يَتمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ. وعن عائِشةَ أنَّ أَسماءَ سألَت النَّبيَّ ﷺ عن غُسلِ المَحيضِ فقالَ: «تَأخذُ إِحداكُنَّ ماءَها وسِدرتَها فتَطَّهَّرُ فتُحسِنُ الطُّهورَ ثم تَصبُّ على رأسِها فتَدلُكُه دَلكًا شَديدًا حتى تَبلغَ شُؤونَ رأسِها، ثم تَصبُّ عليها الماءَ ثم تَأخذُ فِرصةً مُمسَّكةً فتَطَّهرُ بها، فقالَت أَسماءُ: وكيف تَطَّهرُ بها؟ فقالَ: سُبحانَ اللهِ، تَطهَّرينَ بها، فقالَت عائِشةُ كأنَّها تُخفي ذلك: تَتَّبِعين أثَرَ الدَّمِ، وسألَتْه عن غُسلِ الجَنابةِ فقالَ: تأخُذُ ماءً فتَطَّهَّرُ فتُحسِنُ الطُّهورَ أو تَبلغُ الطُّهورَ ثم تَصبُّ على رأسِها فتَدلُكُه حتى تَبلغَ شُؤونَ رَأسِها ثم تُفيضُ عليها الماءَ، فقالَت عائِشةُ: نِعْمَ النِّساءُ نِساءُ الأَنصارِ لم يَكنْ يَمنَعُهنَّ الحَياءُ أنْ يَتفَقَّهنَ في الدِّينِ» (١). ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ لفاطِمةَ بِنتِ أبي حُبَيشٍ: «إذا أقبَلَت الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ، وإذا أدبَرَت فاغسِلي عنكِ الدَّمَ وصَلِّي» (٢)، وفي رِوايةٍ عن عائِشةَ ﵂: «أنَّ فاطِمةَ بِنتَ أبي حُبيشٍ كانَت تُستَحاضُ فسألَت النَّبيَّ

стр. 495

ﷺ فقالَ: ذلك عِرقٌ، وليست بالحَيضةِ، فإذا أقبَلَت الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ، وإذا أدبَرَت فاغتَسِلي وصَلِّي» (١). وأمَّا دَمُ النِّفاسِ فإنَّه يُوجبُ الغُسلَ كذلك؛ لأنَّه حَيضٌ مُجتمِعٌ، ولأنَّه يَحرمُ الصَّومُ والوَطءُ ويَسقطُ فَرضُ الصَّلاةِ فأوجَبَ الغُسلَ كالحَيضِ. وأيضًا الإِجماعُ الذي نقَلَه ابنُ المُنذرِ وابنُ جَريرٍ وابنُ هُبيرةَ وغيرُهم (٢). ٨ - إِسلامُ الكافِرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الكافِرِ إذا أسلَمَ هل يَجبُ عليه الغُسلُ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ على الكافِرِ الذي أسلَمَ أنْ يَغتسلَ بل يُستحبُّ له ذلك إلا أنْ يَكونَ جُنُبًا فيَجبَ عليه الغُسلُ. قالوا: لأنَّ العَددَ الكَثيرَ والجَمَّ الغَفيرَ أسلَموا ولم يأمُرْهم النَّبيُّ ﷺ بالغُسلِ ولو أمَرَهم لنُقلَ إلينا بالتَّواترِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا بعَثَ مُعاذًا إلى اليَمنِ قالَ له: «ادْعُوهم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه؛ فإنْ هُمْ أطاعوك لذلك فأعلِمْهم أنَّ اللهَ افترَضَ عليهم خَمسَ صَلواتٍ في اليَومِ واللَّيلةِ … » الحَديثُ. قالوا: ولو كانَ الغُسلُ واجِبًا لأمَرَهم به؛ لأنَّه أوَّلُ واجِباتِ الإِسلامِ.
следующие страницы →