← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

فصل في اختِلافِ الراهِنِ والمُرتَهَنِ قد يَتَّفِقُ الراهِنُ والمُرتَهَنُ على الرَّهنِ لكنْ يَختَلِفانِ في قَدْرِه أو وَصْفِه أو قَضائِه أو هَلاكِه أو غيرِ ذلك، وإليكَ بَيانُ هذا الخِلافِ. ١ - إذا اختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في قَدْرِ الدَّينِ أو الحَقِّ الذي فيه الرَّهنُ ولَم يَكُنْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ بأنْ قال الراهِنُ: «رَهَنتُكَ سَيَّارَتي -مَثَلًا- مُقابِلَ ألْفٍ»، وقال: المُرتَهَنُ: «بل رَهَنتَني سَيارَتَكَ مُقابِلَ ألْفَيْنِ»، فالقَولُ قَولُ الراهِنِ مع يَمينِه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ المُرتَهَنَ مُدَّعٍ لِلفَضلِ الذي يَدَّعيه، وقال النَّبيُّ ﷺ : «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على المُدَّعَى عليه»، ولو أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُرتَهَنِ. وقال المالِكيَّةُ: إذا اختَلَف المُتراهِنانِ في قَدْرِ الحَقِّ فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ إلى قيمةِ الرَّهنِ وما زادَ على قيمةِ الرَّهنِ فالقَولُ قَولُ الراهِنِ؛ لأنَّ العُرفَ أصلٌ يُرجَعُ إليه في التَّخاصُمِ إذا لَم يَكُنْ هناك ما هو أوْلى منه، والعُرفُ جارٍ بأنَّ الناسَ لا يَرهَنونَ إلا ما يُساوي دُيونَهم أو يُقارِبُها، فمَنِ ادَّعى خِلافَ ذلك فقد خرَج عن العُرفِ، ولا يَلزَمُ عليه البَيِّنةُ؛ لأنَّها أوْلى إذا

стр. 4307

كان الرَّهنُ على يَدِ عَدلٍ؛ لأنَّ الراهِنَ لَم يَرضَ بأمانةِ المُرتَهَنِ فيه، فلَم يَكُنِ الرَّهنُ شاهِدًا له (١). ٢ - إذا اختَلَفا في قَدْرِ الرَّهنِ: نحوَ أنْ يَقولَ الراهِنُ: «رَهَنتُكَ هذا العَبدَ»، ويَقولَ المُرتَهَنُ: «بل هذَيْنِ العَبدَيْنِ»، قال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: القَولُ قَولُ الراهِنِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الرَّهنِ إلا فيما أقَرَّ به، ولأنَّ كلَّ مَنْ كان القَولُ قَولَه إذا اختَلَفا في أصلِه كان القَولُ قَولَه إذا اختَلَفا في قَدْرِه، كالزَّوجِ في الطَّلاقِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اختَلَفا في قَدْرِ الرَّهنِ فقال: «رَهَنتُكَ هذا العَبدَ»، فقال: «بل رَهَنتَني إيَّاه والعَبدَ الآخَرَ»، فالقَولُ قَولُ الراهِنِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا (٢). وقال الحَنفيَّةُ: يَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على دَعوى صاحِبِه؛ لأنَّهما اختَلَفا في قَدْرِ المَعقودِ عليه، وأنَّه يُوجِبُ التَّحالُفَ، كما في البَيعِ، ولو أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُرتَهَنِ؛ لأنَّها تُثبِتُ زيادةَ ضَمانٍ (٣).

стр. 4308

٣ - إذا اختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في تَلَفِ العَينِ المَرهونةِ: إذا اختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في تَلَفِ العَينِ المَرهونةِ فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ مع يَمينِه عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ يَدَه يَدُ أمانةٍ، ويَتعذَّرُ عليه إقامةُ البَيِّنةِ على التَّلَفِ، فقُبِلَ قَولُه فيه كالمُودَعِ (١). وقال المالِكيَّةُ: القَولُ قَولُ الراهِنِ فيما يَغيبُ عليه، إلا أنْ يُقيمَ المُرتَهَنُ بَيِّنةً على ضَياعِه مِنْ غيرِ تَفريطٍ، وحَلَف المُرتَهَنُ مُطلَقًا في ضَمانِه وعَدَمِ ضَمانِه، لقد ضاعَ أو تلِف بلا تَفريطٍ منه، وأنَّه لَم يَعلَمْ مَوضِعَه؛ لاحتِمالِ أنَّه فَرَّطَ أو لَم يُفرِّطْ، ولكنَّه يَعلَمُ مَوضِعَه. وإنْ كان مما لا يُغابُ عليه، كالحَيَوانِ والسَّيارةِ، فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ. وقال الحَنفيَّةُ: القَولُ قَولُ الراهِنِ، سَواءٌ كانَ الرَّهنُ مِنَ الأموالِ الظاهِرةِ أو الباطِنةِ، ويَكونُ الرَّهنُ مَضمونًا بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه ومِنَ الدَّينِ (٢). وقال الكاسانيُّ ﵀: ولو ادَّعى الراهِنُ هَلاكَ الرَّهنِ فقال المُرتَهَنُ: «لَم يَهلِكْ»، فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ مع يَمينِه؛ لأنَّ الرَّهنَ كان قائِمًا والأصلُ في الثابِتِ بَقاؤُه، فالمُرتَهَنُ يَستَصحِبُ حالةَ القيامِ، والراهِنُ يَدَّعِي زَوالَ تلك الحالةِ، والقَولُ قَولُ مَنْ يَدَّعي الأصلَ؛ لأنَّ الظاهِرَ شاهِدٌ له، ولأنَّ الراهِنَ بدَعوى الهَلاكِ يَدَّعي على المُرتَهَنِ استِيفاءَ الدَّينِ، وهو مُنكِرٌ، فكان

стр. 4309

القَولُ قَولَه مع يَمينِه، ويَحلِفُ على البَتاتِ؛ لأنَّه يَحلِفُ على فِعلِ نَفْسِه، وهو القَبضُ السابِقُ؛ لأنَّ المُرتَهَنَ لا يَصيرُ مُستَوفيًا بالهَلاكِ؛ لأنَّه لا صُنعَ له فيه، بل بالقَبضِ السابِقِ، وذلك فِعلُه بخِلافِ ما إذا كان الرَّهنُ عندَ عَدلٍ فغابَ بالرَّهنِ فاختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في هَلاكِ الرَّهنِ، فهناك يَحلِفُ المُرتَهَنُ على العِلمِ، لا على البَتاتِ؛ لأنَّ ذلك تَحليفٌ على فِعلِ غَيرِه، وهو قَبضُ العَدلِ، فتَعذَّرَ التَّحليفُ على البَتاتِ، فيَحلِفُ على العِلمِ، كما لو ادَّعى الراهِنُ أنَّه وَفَّى الدَّينَ وَكيلَ المُرتَهَنِ، والمُرتَهَنُ يُنْكِرُ أنَّه يَحلِفُ على العِلمِ؛ لِما ذَكَرْنا، كذا هذا (١). ٤ - إذا اختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في رَدِّ الرَّهنِ: إذا ادَّعى المُرتَهَنُ رَدَّ العَينِ المَرهونةِ على الراهِنِ؛ لا يُقبَلُ قَولُه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّه قبَض العَينَ لِمَنفَعةِ نَفْسِه، فلَم يُقبَلْ قَولُه في الرَّدِّ كالمُستأجِرِ. وفي وَجْهٍ لِلحَنابِلةِ أنَّه يُقبَلُ قَولُ المُرتَهَنِ (٢). ٥ - اختِلافُ الراهِنِ والمُرتَهَنِ في الرَّهنِ: إذا كانتْ في يَدِ إنسانٍ سَيارةٌ -مَثَلًا- وله دَينٌ على آخَرَ، فقال: «هذه رَهنٌ بالدَّينِ»، وقال المالِكُ: «بل هي عاريةٌ، أو إجارةٌ، أو غَصبٌ، أو

стр. 4310

وَديعةٌ، ودَينُكَ الذي علَيَّ بلا رَهنٍ»، فالقَولُ قَولُ المالِكُ مع يَمينِه على نَفْيِ الرَّهنيةِ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ في الأصَحِّ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ إذْنِه في القَبضِ عن الرَّهنِ. قال المالِكيَّةُ: والقَولُ عندَ تَنازُعِ المُتَراهنَيْنِ -كأنْ يَقولَ رَبُّ السِّلعةِ لِلمُرتَهَنِ: «هي عندَكَ أمانةٌ أو عاريةٌ، ودَينُكَ بلا رَهنٍ»، وقال الآخَرُ: «بل هي رَهنٌ»، وقد يَدَّعي المُرتَهَنُ نَفْيَ الرَّهنِ ورَبُّ السِّلعةِ يَدَّعي الرَّهنيةَ، كما إذا كانت مما يُغابُ عليه وضاعَتْ منه، فيَدَّعي رَبُّها أنَّها رَهنٌ؛ لِيُضمِّنَه القيمةَ أو المِثلَ لِمُدَّعي نَفْيِ الرَّهنيةِ منهما؛ لِتَمسُّكِه بالأصلِ، ومَنِ ادَّعى الرَّهنيةَ فقد أثبَتَ وَصفًا زائِدًا، فعَليه البَيانُ. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ: يُصدَّقُ المُرتَهَنُ؛ لاتِّفاقِهما على قَبضٍ مَأْذونٍ فيه، والراهِنُ يُريدُ صَرفَه إلى جِهةٍ أُخرى، وهو خِلافُ الظاهِرِ لِتَقدُّمِ العَقدِ المُحوِجِ إلى القَبضِ (١). ٦ - الاختِلافُ فيما إذا كان عليه دَينانِ أحَدُهما برَهنٍ والآخَرُ بغَيرِ رَهنٍ، فقَضى عن أحَدِهما: وصُورةُ هذه المَسألةِ في رَجُلٍ عليه لِرَجُلٍ ألْفانِ، أحَدُهما برَهنٍ والآخَرُ بغَيرِ رَهنٍ، فقَضاه مِنَ الألفَيْنِ ألْفًا، فإنْ جعَلها قَضاءً في الألْفِ التي فيها

стр. 4311

الرَّهنُ كانت كذلك، وخَرَج الرَّهنُ مِنْ وَثيقةِ المُرتَهَنِ، وإنْ جعَلها قَضاءً مِنَ الألْفِ التي ليس فيها الرَّهنُ كانت كذلك، وكان الرَّهنُ على حالِه في الألْفِ الأُخرى وَثيقةً لِلمُرتَهَنِ. فلو دَفَع الألْفَ قَضاءً مِنْ إحدى الألفَيْنِ ثم اختَلَفا فقال الدافِعُ القاضي (الراهِنُ): «دَفَعتُها قَضاءً مِنَ الألْفِ التي برَهنٍ»، وقال المُرتَهَنُ: «بل دَفَعتَها مِنَ الألْفِ التي بلا رَهنٍ»، فالقَولُ قَولُ الراهِنِ القاضي مع يَمينِه عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه بالدَّفعِ مُزيلٌ لِمِلكِه، فوَجَب أنْ يَكونَ القَولُ قَولَه في صِفةِ إزالةِ مِلكِه، كسائِرِ الأملاكِ. وسَواءٌ اختَلَفا في نِيَّةِ الراهِنِ بذلك أو في لَفْظِه؛ لأنَّه أعلَمُ بنِيَّتِه وصِفةِ دَفْعِه؛ ولأنَّه يَقولُ: «إنَّ الدَّينَ المُتبَقِّيَ بلا رَهنٍ»، والقَولُ قَولُه في أصْلِ الرَّهنِ، فكذلك في صِفَتِه. فإنْ دَفَعَها مُطلَقةً مِنْ غيرِ أنْ يُعَيِّنَها في أيِّ الألفَيْنِ فقد اختَلَف العُلماءُ في هذا: فقال الشافِعيَّةُ في أحَدِ الوَجهَيْنِ والحَنابِلةُ: له صَرفُها إلى أيِّهما شاءَ، كما لو كان له مالٌ حاضِرٌ ومالٌ غائِبٌ فأدَّى قَدْرَ زَكاةِ أحَدِهما كان له أنْ يُعيِّنَ عن أيِّ المالَيْنِ شاءَ، وكما لو طَلَّقَ إحدى امرأتَيْه مِنْ غيرِ تَعيينٍ كان له أنْ يُعيِّنَ الطَّلاقَ في أيِّهما شاءَ، فعلى هذا إنْ شاءَ أنْ يَجعَلَها قَضاءً مِنَ الألْفِ التي فيها الرَّهنُ كان ذلك له، وإنْ شاءَ أنْ يَجعَلَها قَضاءً مِنَ الألْفِ التي ليس فيها الرَّهْنُ فذلك له.

стр. 4312

وفي الوَجهِ الآخَرِ: أنَّها تَكونُ قَضاءً في الألفَيْنِ مَعًا فيَكونُ نِصفُها قَضاءً مِنَ الألْفِ التي فيها الرَّهنُ، والنِّصفُ الآخَرُ قَضاءً مِنَ الألْفِ التي ليس فيها الرَّهنُ؛ لأنَّهما تَساوَيا في القَضاءِ، فتَساوَيا في وُقوعِه عنهما، فلَم تَكُنْ إحدى الألفَيْنِ أوْلى مِنَ الأُخرى (١). وظاهِرُ المَذهبِ: سَواءٌ حَلَّ الدَّينانِ أو حَلَّ أحَدُهما أو لَم يَحُلَّا، اتَّحَدَ أجَلُهما أو اختَلَف تَقارَبَ أو تَباعَدَ. وقال اللَّخميُّ ﵀: وهذا إذا حَلَّ الدَّينانِ أو لَم يَحُلَّا وكان أجَلُهما سَواءً أو مُتقارِبًا، وإنْ حَلَّ أحَدُهما دونَ الآخَرِ كان القَولُ قَولَ مَنِ ادَّعى الأجَلَ القَريبَ. وإنْ لَم يَحُلَّا وكان أجَلُهما سَواءً أو مُتقارِبًا حَلَفا وقُسِمتْ بَينَهما، وإنْ تَبايَنَ الأجَلانِ كان القَولُ قَولَ مَنِ ادَّعى أقرَبَهما أجَلًا مع يَمينِه. قال الدُّسوقيُّ ﵀: تَفصيلُ اللَّخميِّ ضَعيفٌ … وقيلَ: إنَّه هو المَذهبُ (٢). وقد عَلِمتَ مما قُلناه أنَّ مَوضوعَ المَسألةِ أنَّ الراهِنَ قد حَصَل منه بَيانٌ عندَ الدَّفعِ، وأنَّ الراهِنَ والمُرتَهَنَ إنَّما اختَلَفا في الذي بَينَه عندَ القَضاءِ هل دَينُ الرَّهنِ أو دَينُ غَيرِه. وأمَّا مُجرَّدُ النِّيَّةِ فإنَّه يُوزَّعُ المَقبوضُ على قَدْرِ الدَّينَيْنِ مِنْ غيرِ حَلِفٍ.

стр. 4313

فلو ادَّعى أحَدُهما بَيانَ المَدفوعِ عنه، وادَّعى الآخَرُ إبهامَه، نَقَل مُحمدٌ عن أشهَبَ وعَبدِ المَلِكِ أنَّ القَولَ لِمُدَّعي الإبهامِ، لأنَّه الأصلُ. وقال ابنُ يُونُسَ على قَولِ ابنِ القاسِمِ: لِمُدَّعي البَيانِ ثَلاثةُ أرباعِ الحَقِّ؛ لأنَّ المَدفوعَ يُقسَّمُ بينَ البَيانِ والإبهامِ، والنِّصفَ الآخَرَ فيه التَّنازُعُ فيَتشَطَّرُ (١).

стр. 4314

كتاب الحَجْرِ

стр. 4315

كتاب الحَجْرِ تَعريفُ الحَجْرِ: الحَجْرُ في اللُّغةِ: المَنعُ والتَّضييقُ، ومنه سُمِّيَ الحَرامُ «حِجرًا»، قال تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ [الفرقان: ٢٢]، أي: حَرامًا مُحَرَّمًا، ويُسَمَّى العَقلُ «حِجْرًا»، قال اللهُ تَعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ [الفجر: ٥]، أي: عَقْلٍ، سُمِّيَ حِجْرًا لأنَّه يَمنَعُ صاحِبَه مِنَ ارتِكابِ ما يَقبُحُ وتَضُرُّ عاقِبَتُه. ومنه سُمِّيَ الحَجَرُ حَجَرًا؛ لِصَلابَتِه؛ لأنَّه يَمنَعُ الغَيرَ من أنْ يُؤثِّرَ فيه، ومنه سُمِّيَ الحَطيمُ حِجْرًا؛ لأنَّه منَع مِنْ الْبَيْتِ (الكَعبةِ). وأمَّا الحَجْرُ في الشَّرعِ فقد تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِه:

стр. 4316

فعرَّفه الحَنفيَّةُ بعِدَّةِ عِباراتٍ مُختَلِفةٍ: فقالوا: هو عِبَارَةٌ عن المَنعِ مِنَ التَّصرُّفاتِ على وَجْهٍ يَقُومُ الغَيرُ فيه مَقامَ الْمَحجُورِ عليه (١). أو: هو عِبارةٌ عن مَنعٍ مَخصوصٍ بشَخصٍ مَخصوصٍ عن تَصرُّفٍ مَخصوصٍ أو عن نَفاذِه. وتَفصيلُه: أنَّه مَنْعُ الصَّغيرِ والمَجنونِ مِنْ أصلِ التَّصرُّفِ القَوليِّ إنْ كان ضَرَرًا مَحضًا، وعن وَصفِ نَفاذِه إنْ كان دائِرًا بينَ الضَّرَرِ والنَّفعِ (٢). وقيلَ: هو مَنعٌ مِنْ نَفاذِ تَصرُّفٍ قَوليٍّ -لا فِعليٍّ-، فإنَّ عَقْدَ المَحجورِ يَنعَقِدُ مَوقوفًا، فلا يَنفُذُ إلا بإجازةِ مَنْ له الحَقُّ في الإجازةِ، وإنَّما كان الحَجْرُ مِنَ التَّصرُّفاتِ القَوليَّةِ لا الحِسِّيَّةِ؛ لأنَّ تلك التَّصرُّفاتِ هي التي يُتصوَّرُ الحَجْرُ فيها بالمَنعِ مِنْ نَفاذِها؛ لأنَّ الحَجْرَ في الأُمورِ القَوليَّةِ دونَ الحِسِّيَّةِ، ونَفاذَ القَولِ حُكميٌّ؛ لأنَّه يُرَدُّ ويُقبَلُ، بخِلافِ نَفاذِ الفِعلِ؛ فإنَّه حِسِّيٌّ لا يُرَدُّ إذا وَقَع، فلا يُتصوَّرُ الحَجْرُ فيه؛ لأنَّ الفِعلَ بعدَ وُقوعِه لا يُمكِنُ رَدُّه، فلا يُتصوَّرُ الحَجْرُ عنه، فلو أتلَفَ صَبيٌّ ومَجنونٌ مالَ الغَيرِ يَجبُ الضَّمانُ (٣). قال ابنُ عابدينَ ﵀ -نَقْلًا عن بَعضِ الحَنفيَّةِ- ما مُفادُه: الحَجْرُ على مَراتِبَ: أقوى، وهو المَنْعُ عن أصلِ التَّصرُّفِ بعَدَمِ انعِقادِه (البُطلانُ)

стр. 4317

كتَصرُّفِ المَجنونِ. ومُتوسِّطٌ، وهو المَنعُ عن وَصْفِه، وهو النَّفاذُ، كتَصرُّفِ المُمَيِّزِ، وضَعيفٌ، وهو المَنعُ عن وَصفِ وَصفِه، وهو كَونُ النَّفاذِ حالًّا. قال ابنُ عابدينَ ﵀: وقد أُدخِلَ في التَّعريفِ المَنعُ عن الفِعلِ، ويَظهَرُ لي أنَّ هذا هو التَّحقيقُ؛ فإنَّه إنْ جُعِلَ الحَجْرُ هو المَنعَ مِنْ ثُبوتِ حُكمِ التَّصرُّفِ فما وَجْهُ تَقييدِه بالقَوليِّ، ونَفْيِ الفِعليِّ مع أنَّ لكلٍّ حُكمًا؟ وأمَّا ما عَلَّلَ به (صاحِبُ الدُّرِّ) مِنْ قَولِه: لأنَّ الفِعلَ بعدَ وُقوعِه لا يُمكِنُ رَدُّه، نَقولُ: الكَلامُ في مَنعِ حُكمِه لا في مَنْعِ ذاتِه، ومِثلُه: القَولُ لا يُمكِنُ رَدُّه بذاتِه بعدَ وُقوعِه، بل برَدِّ حُكمِه. فإنْ قُلتَ: قُيِدَّ بالقَوليِّ؛ لأنَّ الأفعالَ لا يُحجَرُ عنها كلِّها فإنَّ ما يُوجِبُ الضَّمانَ منها يُؤاخَذُ بها. قُلتُ: وكذلك القَولُ بَعضُه غيرُ مَحجورٍ عنه؛ كالذي تَمحَّضَ نَفعًا، كقَبولِ الهِبةِ والهَديَّةِ والصَّدَقةِ، إلا أنْ يُفرَقَ بالقِلَّةِ والكَثرةِ، فليُتأمَّلْ (١). وعرَّف المالِكيَّةُ الحَجْرَ بعِدَّةِ تَعريفاتٍ: قال في الذَّخيرةِ: المَنعُ مِنَ التَّصرُّفِ. وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: المَنعُ مِنَ التَّصرُّفِ في المالِ. وقال في «التَّوضيحِ»: مَنْعُ المالِكِ التَّصرُّفَ في مالِه لِمَنفَعةِ نَفْسِه أو غَيرِه. وقال ابنُ عَرَفةَ ﵀: الحَجْرُ صِفةٌ حُكميَّةٌ تُوجِبُ مَنْعَ مَوصوفِها مِنْ نُفوذِ تَصرُّفِه فيما زادَ على قُوَّتِه أو تَبرُّعِه بزائدٍ على ثُلُثِ مالِه.

стр. 4318

فدَخَل بالأوَّلِ: الحَجْرُ على الصَّبيِّ والمَجنونِ والسَّفيهِ والمُفلِسِ والرَّقيقِ ونَحوِهم، فإنَّ هؤلاء يُمنَعونَ مِنَ التَّصرُّفِ فيما زادَ على قُوَّتِهم؛ فإذا باعَ أحَدٌ منهم شَيئًا أو اشتَراه أو تَبرَّعَ به وَقَع تَصرُّفُه هذا مَوقوفًا، ولا يَنفُذُ إلا بإذْنِ الوَليِّ، كما تَقدَّم في البَيعِ. ودَخَل بالثاني: وهو قَولُنا: «كما يُوجِبُ مَنعَه في نُفوذِ تَصرُّفِه في تَبرُّعِه بزائِدٍ على ثُلُثِ مالِه»: الحَجْرُ على المَريضِ والزَّوجةِ؛ فإنَّهما لا يُمنَعانِ مِنَ التَّصرُّفِ في البَيعِ والشِّراءِ ولا ما دونَ ثُلُثِ مالِهما، وإنَّما يُمنَعانِ مِنَ التَّبرُّعِ بشَرطِ أنْ يَكونَ زائِدًا على ثُلُثِ مالِهما، فيَصحُّ لِلمَريضِ أنْ يَتبرَّعَ بثُلُثِ مالِه لِغَيرِه، كما يَصحُّ لِلزَّوجةِ ذلك، أمَّا ما زادَ على ثُلُثِ مالِهما فإنَّه لا يَصحُّ لَهما التَّبرُّعُ به (١). وقال الشافِعيَّةُ: الحَجْرُ هو المَنعُ مِنَ التَّصرُّفاتِ الماليَّةِ (٢)، وإنَّما قُيِّدَ بالمالِ لأنَّ السَّفيهَ يَصحُّ طَلاقُه بخِلافِ الصَّبيِّ والمَجنونِ؛ لِسَلبِ عِبارَتِهما (٣). وقيلَ: مَنعٌ مِنْ تَصرُّفٍ خاصٍّ بسَبَبٍ خاصٍّ.

стр. 4319

وهي أوْلى؛ لأنَّ اللَّامَ في التَّصرُّفاتِ الواقِعةِ في التَّعريفِ الأوَّلِ ظاهِرةٌ في الاستِغراقِ، وهو لا يَتحقَّقُ إلا في المَجنونِ دونَ الصَّبيِّ والسَّفيهِ، فإنَّ كلًّا منهما يَصحُّ منه بَعضُ التَّصرُّفاتِ الماليَّةِ، فالسَّفيهُ يَصحُّ منه التَّدبيرُ والوَصيَّةُ، والصَّبيُّ يَصحُّ منه إيصالُ الهَديَّةِ، وإذْنُه في دُخولِ الدارِ، ونَحوِ ذلك (١). وقال الحَنابِلةُ: الحَجْرُ هو مَنْعُ الإنسانِ مِنَ التَّصرُّفِ في مالِه، سَواءٌ كانَ المَنْعُ مِنْ قِبَلِ الشَّرعِ، كالصَّغيرِ والمَجنونِ والسَّفيهِ، أو مِنْ قِبَلِ الحاكِمِ كمَنْعِه المُشتَريَ مِنَ التَّصرُّفِ في مالِه حتى يَقضيَ الثَّمَنَ الحالَّ (٢). مَشروعيَّةُ الحَجرِ: ثَبَتتْ مَشروعيَّةُ الحَجْرِ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تَعالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فَسَّرَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ السَّفيهَ بالمُبذِّرِ، والضَّعيفَ بالصَّبيِّ أو الكَبيرِ المُختَلِّ، والذي لا يَستَطيعُ أنْ يُمِلَّ بالمَغلوبِ على عَقلِه، فأخبَرَ اللهُ تَعالَى بأنَّ هؤلاء يَنوبُ عنهم أولياؤُهم، فدَلَّ على ثُبوتِ الحَجْرِ عليهم (٣). وقَولُه : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ

стр. 4320

فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، فنَهَى اللهُ في الآيةِ عن إعطاءِ السُّفهاءِ أموالَهم؛ لأنَّ في إعطائِهم إيَّاها تَعريضًا لِضَياعِها، فدَلَّتِ الآيةُ على مَنعِهم مِنَ التَّصرُّفِ في أموالِهم، وهو مَعنى الحَجْرِ عليهم، وأُضيفتِ الأموالُ إلى الأولياءِ لأنَّهم القائِمونُ عليها، المُدبِّرونَ لها، وقالَ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فأمَرَ اللهُ باختبارِ اليَتامى في حِفظِ أموالِهم بأنْ يُدفَعَ لهم شَيءٌ مِنْ أموالِهم لِمَعرِفةِ خِبرَتِهم في التَّصرُّفاتِ، فإنْ آنسنا منهم الرُّشدَ قبلَ البُلوغِ سُلِّموا أموالَهم، فدَلَّ النَّصُّ على مَنعِ دَفعِ أموالِهم إليهم قبلَ الرُّشدِ، وحَجرِهم عنها حتى لا يَتصَرَّفوا فيها. وإذا ثَبَت الحَجْرُ على هذَيْنِ ثَبَت على المَجنونِ بطَريقِ التَّنبيهِ. وأمَّا السُّنَّةُ: فعَن كَعبِ بنِ مالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَالَهُ وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ (١). وقد أجمَعَ العُلماءُ على جَوازِ الحَجْرِ على الصَّغيرِ والمَجنونِ. مَحاسِنُ الحَجرِ: ومِن مَحاسِنِ الحَجْرِ أنَّ فيه شَفَقةً على خَلقِ اللهِ ، وهي أحَدُ طَرَفيِ الدِّيانةِ، والآخَرُ التَّعظيمُ لِأمْرِ اللهِ ، وتَحقيقُ ذلك أنَّ اللهَ خَلَق الوَرى وفَرَّقَ بَينَهم في النُّهَى (العُقولِ)، فجعَل

стр. 4321

بَعضَهم أُولِي النُّهَى والرَّأيِ؛ ومنهم أعلامُ الهُدى ومَصابيحُ الدُّجَى، وجَعَل بَعضَهم مُبتَلًى بأساليبِ الرَّدَى فيما يَرجِعُ إلى المُعامَلاتِ، كالمَجنونِ -الذي هو عَديمُ العَقلِ- والمَعتوهِ -الذي هو ناقِصُ العَقلِ- والرقيقِ والصَّغيرِ، فأثبَتَ الحَجْرَ عليهم عن التَّصرُّفاتِ نَظَرًا مِنَ الشَّرعِ لهم، ورَكَّبَ اللهُ في البَشَرِ العَقلَ والهَوى، ورَكَّبَ في المَلائِكةِ العَقلَ دونَ الهَوى، ورَكَّبَ في البَهائِمِ الهَوى دونَ العَقلِ، فمَن غَلَب عَقلُه على هَواه كان مِنْ أفضَلِ الخَلقِ، ومن غَلَب هَواه على عَقلِه كان أرْدَى مِنَ البَهائِمِ (١). أنواعُ الحَجرِ: الحَجْرُ نَوعانِ: النَّوعُ الأوَّلُ: الحَجْرُ لِحَقِّ الغَيرِ، كالحَجْرِ على المُفلِسِ لِحَقِّ الغُرَماءِ، وعلى الراهِنِ لِحَقِّ المُرتَهَنِ. وعلى المَريضِ مَرَضَ المَوتِ المَخوفِ فيما زادَ على الثُّلُثِ مِنْ مالِه، لِحَقِّ الوَرَثةِ. وعلى القِنِّ والمُكاتَبِ، لِحَقِّ السَّيِّدِ. وعلى المُرتَدِّ، لِحَقِّ المُسلِمينَ؛ لأنَّ تَرِكَتَه فَيْءٌ، ورُبَّما تَصرَّفَ فيها تَصرُّفًا يَقصِدُ به إتلافَها لِيُفَوِّتَها عليهم. والنَّوعُ الآخَرُ: الحَجْرُ لِحَظِّ نَفْسِه، كالحَجْرِ على صَغيرٍ ومَجنونٍ وسَفيهٍ لقَولِ اللهِ : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] الآية.

стр. 4322

وقَولِه : ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ أي: مُبذِّرًا، ولو كان كَبيرًا ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي: صغيرًا أو كبيًرا مُختَلًّا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ أي: مَجنونًا ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأخبَرَ بأنَّ هؤلاء تَنوبُ عنهم الأولياءُ. وقالَ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، فدَلَّ على أنَّه لا يُسلَّمُ إليهم قبلَ الرُّشدِ، ولأنَّ إطلاقَهم في التَّصرُّفِ يُفضي إلى ضياعِ أموالِهم، وفيه ضَرَرٌ عليهم (١).

стр. 4323

فصل في الأسبابِ المُوجِبةِ لِلحَجرِ الأسبابُ المُوجِبةُ لِلحَجرِ كَثيرةٌ، وتَختَلِفُ مِنْ مَذهبٍ لِآخَرَ، منها ما هو مُتَّفَقٌ عليه؛ كالصِّغَرِ والرِّقِّ والجُنونِ، ومنها ما هو مُختَلَفٌ فيه، كالسَّفَهِ والتَّبذيرِ والفَلَسِ وغَيرِها، وأنا أذكُرُ كلًّا منها على هذا التَّرتيبِ: أوَّلاً: الأسبابُ المُوجِبُة لِلحَجرِ لِمَصلَحةِ الشَّخصِ نَفْسِه: ١ - الحَجْرُ على الصَّغيرِ: الصِّغَرُ وَصفٌ في الإنسانِ مِنْ حينِ وِلادَتِه إلى أنْ يَبلُغَ الحُلُمَ، وإنَّما كان الصِّبا مِنْ أسبابِ الحَجْرِ لِظاهِرِ القُرآنِ والإجماعِ، ولِعَدَمِ تَكامُلِ قُوى الإنسانِ البَشريَّةِ. أمَّا القُرآنُ: فقَولُ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. وقد أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ الصَّغيرَ الذي لَم يَبلُغِ الحُلُمَ مَحجورٌ عليه بحُكمِ الشَّرعِ حتى يَبلُغَ، ثم يَستَمِرُّ الحَجْرُ عليه إلى أنْ يَرشُدَ. قال ابنُ بَزِيزةَ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ جِنسَ الحَجْرِ مَشروعٌ،

стр. 4324

أمَّا على الأيتامِ الذين لَم يَبلُغوا الحُلُمَ فبالاتِّفاقِ؛ لأنَّه نَصُّ القُرآنِ (١). وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ مِنَ الأسبابِ المُوجِبةِ لِلحَجرِ الصِّغَرَ (٢). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ الحَجْرِ على الأيتامِ الذين لَم يَبلُغوا الحُلُمَ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] الآيةَ (٣). وقال ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ وُجوبَ الحَجْرِ على مَنْ لَم يَبلُغْ، وعلى مَنْ هو مَجنونٌ مَعتوهٌ أو مُطبِقٌ لا عَقلَ له، وأنَّ كلَّ ما أنفَذَ مَنْ ذَكَرنا -في حالِ فَقدِ عَقلِه أو قبلَ بُلوغِه مِنْ هِبةٍ أو عِتقٍ أو بَيعٍ أو صَدَقةٍ- باطِلٌ، واختَلَفوا لابتِياعِه لِما لا بُدَّ له منه مِنْ قُوتِه ولِباسِه (٤). فَكُّ الحَجْرِ عن الصَّبيِّ والصَّبيَّةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّبيَّ إذا بَلَغ رَشيدًا فقد انفَكَّ الحَجْرُ عنه، ووَجَب دَفعُ مالِه إليه. قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وقد اتَّفَقوا على أنَّ مالَ اليَتيمِ يَجبُ دَفعُه إليه إذا بَلَغ النِّكاحَ وآنَسوا منه الرُّشدَ (٥)؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى

стр. 4325

حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، ولأنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لِعَجزِه عن التَّصرُّفِ في مالِه على وَجْهِ المَصلَحةِ؛ حِفظًا لِما له عليه، وبهذَيْنِ المَعنيَيْنِ يَقدِرُ على التَّصرُّفِ ويَحفَظُ مالَه فيَزولُ الحَجْرُ لِزَوالِ سَبَبِه (١). إلا أنَّهم اختَلَفوا في الأُنثى إذا بَلَغتْ رَشيدةً، هل يَزولُ عنها الحَجْرُ؟ أم لا يَنفَكُّ إلا بعدَ الزَّواجِ؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَنفَكُّ عنها الحَجْرُ ببُلوغِها رَشيدةً، كالصَّبيِّ؛ لِعُمومِ قَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، ولأنَّها يَتيمةٌ بَلَغتْ وآنَسوا منها الرُّشدَ، فيُدفَعُ إليها مالُها كالرَّجُلِ. ولأنَّها بالِغةٌ رَشيدةٌ جازَ لها التَّصرُّفُ في مالِها، كالتي دَخَل بها الزَّوجُ. وقال الإمامُ أحمدُ ﵀ في رِوايةٍ: لا يُدفَعُ إلى الجاريةِ مالُها بعدَ بُلوغِها حتى تَتزوَّجَ وتَلِدَ، أو يَمضيَ عليها سَنةٌ في بَيتِ الزَّوجِ؛ لِما رُويَ عن شُرَيحٍ أنَّه قال: عَهِدَ إليَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ ألَّا أُجيزَ لِجارِيةٍ عَطيَّةً حتى تَحُولَ في بَيتِ زَوجِها حَولًا أو تَلِدَ وَلَدًا (٢). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وعلى هذه الرِّوايةِ إذا لَم تَتزَوَّجْ أصلًا احتُمِلَ

стр. 4326

أنْ يَدومَ الحَجْرُ عليها؛ عَمَلًا بعُمومِ حَديثِ عُمرَ ﵁؛ ولأنَّه لَم يُوجَدْ شَرطُ دَفْعِ مالِها إليها، فلَم يَجُزْ دَفعُه إليها، كما لو لَم تَرشُدْ، وقال القاضي: عندي أنَّه يُدفَعُ إليها مالُها إذا عَنَّسَتْ وبَرَزتْ لِلرِّجالِ، يَعني كَبِرتْ (١). وقال المالِكيَّةُ: ولا يَنفَكُّ الحَجْرُ عن الصَّغيرةِ وإنْ بَلَغتْ حتى تَتزَوَّجَ ويَدخُلَ بها زَوجُها وتَكونَ حافِظةً لِمالِها. فيُزادُ في خُروجِ الأُنثى البِكرِ مِنْ حِجرِ الأولياءِ الثَّلاثةِ -الأبِ والوَصيِّ ومُقدِّمِ القاضي- شَرطانِ: ١ - دُخولُ الزَّوجِ بها. ٢ - شَهادةُ العُدولِ على صَلاحِ حالِها، وإنَّما احتِيجَ لِلإشهادِ لأنَّ شأنَ النِّساءِ الإسرافُ، فمَدارُ الرُّشدِ على صَوْنِ المالِ فَقَطْ، دونَ صَونِ الدِّينِ، وعلى هذا فذاتُ الأبِ لا يَنفَكُّ الحَجْرِ عنها إلا بأُمورٍ أربَعةٍ: بُلوغُها وحُسنُ تَصرُّفِها وشَهادةُ العُدولِ بذلك ودُخولُ الزَّوجِ بها؛ لأنَّ إيناسَ الرُّشدِ لا يُتصوَّرُ مِنَ المَرأةِ إلا بعدَ اختِبارِ الرِّجالِ، وأمَّا ذاتُ الوَصيِّ والمُقدِّمِ فلا يَنفَكُّ الحَجْرُ عنها إلا بأُمورٍ خَمسةٍ: هذه الأربَعةُ وفَكُّ الوَصيِّ أو المُقدِّمِ، فإنْ لَم يَفُكَّا الحَجْرَ عنها كان تَصرُّفُها مَردودًا، ولو عَنَّسَتْ أو دَخَلَ بها الزَّوجُ وطالَتْ إقامَتُها عِندَه. قال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: ولا يَنفَكُّ الحَجْرُ عن الصَّغيرةِ وإنْ بَلَغتْ حتى تَتزوَّجَ ويَدخُلَ بها زَوجُها وتَكونَ حافِظةً لِمالِها.

стр. 4327

وقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: يَنفَكُّ عنها الحَجْرُ بالبُلوغِ نَفْسِه مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى تَزويجٍ. فدَليلُنا أنَّ كلَّ حالٍ جازَ لِلأبِ إنكاحُها فيها بغَيرِ إذْنِها كان الحَجْرُ على المالِ مُستَدامًا فيها كالصَّغيرةِ، ولأنَّ البِنتَ لا تَخبُرُ مَصلَحَتَها ولا تَعرِفُ المُعامَلاتِ، ولا تَعرِفُ مَعانيَها ومَصالِحَ المالِ بالبُلوغِ نَفْسِه دونَ التَّزويجِ؛ لأنَّها إذا زُوِّجتْ ودُخِلَ بها عَرَفتْ حينَئذٍ الأُمورَ وخَبَرتْها، فحينَئذٍ يَنفَكُّ الحَجْرُ عنها (١). وقال أيضًا: لأنَّها بالبُلوغِ لَم تَخبُرِ الرِّجالَ ولا عَرَفتِ المُعامَلاتِ، ولا تَقِفُ على إصلاحِ المالِ ووُجوهِ الغَبنِ، فكان الحَجْرُ عليها مُستَصحَبًا، حتى إذا دَخَل بها الزَّوجُ وعَرَفتِ الرِّجالَ وما يُرادُ منها، وبَرَز وَجهُها وعَرَفتِ المُعامَلاتِ وعُلِمَ منها ضَبطُها لِمالِها فُكَّ حَجرُها، وهذا هو الفَرقُ بَينَها وبَينَ الغُلامِ (٢). وقال القَرافيُّ ﵀: إنَّ مَقصودَ الرُّشدِ مَعرِفةُ المَصالِحِ، وقَبلَ اختيارِ الأزواجِ يَكونُ الجَهلُ والنَّقصُ في المَعرِفةِ حاصلَيْنِ، وعن شُرَيحٍ ﵁ قال: «كتَب إلَيَّ عُمَرُ ﵁ ألَّا أُجيزَ لِلجارِيةِ عَطيَّةً حتى تَحُولَ في بَيتِ زَوجِها وتَلِدَ وَلَدًا»، ولأنَّ الإجبارَ لِلأبِ باقٍ، وهو حَجْرٌ فيَعُمُّ … ؛ لأنَّ قَولَ اللهِ : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦٥] مَعناه إصلاحُ

стр. 4328

المالِ إجماعًا، ونحن نَمنَعُ تَحقُّقَه قبلَ الغايةِ المَذكورةِ (١). ما المَقصودُ بالرُّشدِ: اختَلَف الفُقهاءُ بالمَقصودِ بالرُّشدِ في قَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] هل هو صَلاحُ المالِ فَقَط؟ أم صَلاحُ المالِ والدِّينِ مَعًا؟ فذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرُّشدَ هو صَلاحُ الدِّينِ والمالِ جَميعًا، فلا يَفعَلُ مُحرَّمًا يُبطِلُ العَدالةَ مِنْ كَبيرةٍ أو إصرارٍ على صَغيرةٍ؛ لأنَّ الفاسِقَ غيرُ رَشيدٍ، ولأنَّ إفسادَه لِدِينِه يَمنَعُ الثِّقةَ به في حِفظِ مالِه، كما يَمنَعُ قَبولَ قَولِه وثُبوتَ الوِلايةِ على غَيرِه، وإنْ لَم يُعرَفْ منه كَذِبٌ ولا تَبذيرٌ. ولا يُبذِّرُ بأنْ يُضيِّعَ المالَ باحتِمالِ غَبنٍ فاحِشٍ في المُعامَلةِ، أو رَمْيِه في بَحْرٍ أو إنفاقِه في مُحرَّمٍ، والأصَحُّ أنَّ صَرفَه في الصَّدَقةِ ووُجوهِ الخَيرِ والمَطاعِمِ والمَلابِسِ التي لا تَليقُ بحالِه ليس بتَبذيرٍ (٢). وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في وَجْهٍ إلى أنَّ الرُّشدَ هو الصَّلاحُ في المالِ فَقَطْ؛ لِلآيةِ السَّابِقةِ؛ لأنَّها إثباتٌ في

стр. 4329

نَكِرةٍ، ومَن كان مُصلِحًا لِمالِه فقد وُجِدَ منه رُشدٌ، ولأنَّ العَدالةَ لا تُعتبَرُ في الرُّشدِ في الدَّوامِ، فلا تُعتبَرُ في الابتِداءِ، كالزُّهدِ في الدُّنيا، ولأنَّ هذا مُصلِحٌ لِمالِه فأشبَهَ العَدلَ، يُحقِّقُه أنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لِحِفظِ مالِه عليه، فالمُؤثِّرُ فيه ما أثَّرَ في تَضييعِ المالِ أو حِفظِه. ولو كان الرُّشدُ صَلاحَ الدِّينِ فالحَجْرُ على الكافِرِ أوْلى مِنَ الحَجْرِ على الفاسِقِ. ثم إنْ كان الفاسِقُ يُنْفِقُ أموالَه في المعاصي -كشِراءِ الخَمرِ وآلاتِ اللَّهوِ- أو يَتوصَّلُ به إلى الفَسادِ، فهو غيرُ رَشيدٍ لِتبَذيرِه لِمالِه وتَضييعِه إيَّاه في غيرِ فائِدةٍ على الخِلافِ في ذلك، وإنْ كان فِسقُه لِغَيرِ ذلك كالكَذِبِ ومَنعِ الزَّكاةِ وإضاعةِ الصَّلاةِ مع حِفظِه لِمالِه دُفِعَ مالُه إليه؛ لأنَّ المَقصودَ بالحَجرِ حِفظُ المالِ، ومالُه مَحفوظٌ بدونِ الحَجْرِ، ولذلك لو طَرَأ الفِسقُ عليه بعدَ دَفعِ مالِه إليه لَم يُنزَعْ. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقامَ الحُدودَ ثم لَم يَحجُرْ على من أقامَها عليه في مالِه وكذا أقامَها أبو بَكرٍ وعُمَرُ وعُثمانُ ﵃، ولَم يُنقَلْ أنَّهم حَجَروا على مَنْ أقاموا ذلك عليه. ولأنَّ وازِعَ المالِ طَبيعيٌّ، ووازِعَ الدِّينِ شَرعيٌّ، والطَّبيعيَّ أقوى بدَليلِ قَبولِ إقرارِ الفاسِقِ الفاجِرِ؛ لأنَّ وازِعَه طَبيعيٌّ، ورَدِّ شَهادَتِه؛ لأنَّ الوازِعَ فيها شَرعيٌّ، اشتُرِطَتِ العَدالةُ فيها دونَ الإقرارِ (١).

стр. 4330

وَقتُ اختِبارِ الصَّبيِّ هل يَكونُ قبلَ البُلوغِ أو بَعدَه؟ اختَلَف الفُقهاءُ في وَقتِ الاختبارِ، هل يَكونُ قبلَ البُلوغِ أم بَعدَه؟ فذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الاختبارَ إنَّما يَكونُ بعدَ بُلوغِ اليَتيمِ الحُلُمَ؛ لأنَّ الآيةَ قد تَضمَّنتِ المَنع مِنْ أنْ يُدفَعَ لِلصَّغيرِ شَيءٌ مِنْ مالِه، وأنَّ الاختبارَ هو الذي يُثمِرُ العِلمَ بالرُّشدِ بما يَكونُ بالتَّصرُّفِ في المالِ، فإذا منَع الشَّرعُ مِنْ دَفعِه إليه انحَسَم طَريقُ العِلمِ المُؤدِّي إلى العِلمِ بالرُّشدِ، فوَجَب مِنْ أجْلِ هذا أنْ يَكونَ الاختبارُ بعدَ البُلوغِ. وأيضًا فإنَّ قَولَ اللهِ : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] ومعناه عَلِمتُم، وإنْ كانَ فِعلًا ماضِيًا فهو إذا وُضِعَ بعدَ حَرفِ الشَّرطِ كان للاستِقبالِ، فاقتَضى هذا كَونَ دَفعِ المالِ بعَمَلٍ يَحصُلُ في الاستِقبالِ، والعِلمُ لا يَحصُلُ إلا باختِبارٍ، فاقتَضى هذا أنَّ الاختِبارَ إنَّما يَكونُ بعدَ البُلوغِ. وذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبَعضُ المالِكيَّةِ إلى أنَّ الاختبارَ يَكونُ قبلَ البُلوغِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٥]، فجعَل الاختبارَ قبلَ بُلوغِ النِّكاحِ، وهو الاحتِلامُ، واليَتيمُ إنَّما يَقَعُ على غيرِ البالِغِ، ولا يُتْمَ بعدَ احتِلامٍ.

стр. 4331

والمُرادُ بالقَبْليَّةِ الزَّمَنُ القَريبُ لِلبُلوغِ بحيثُ يَظهَرُ رُشدُه لِيُسلَّمَ إليه المالُ. وجُعِلَ قَبلَه «حتى» كالغايةِ لِهذا الاختبارِ، فإنْ أثَّرَ هذا الاختبارُ قبلَ البُلوغِ بوُقوعٍ عامٍّ في النَّفْسِ برُشدِ اليَتيمِ دُفِعَ إليه مالُه عُقَيبَ البُلوغِ على الفَورِ، ويَكونُ قَولُ اللهِ : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، الفاءُ فيه لِلتَّعقيبِ، والمُرادُ: فإنْ عَلِمتُم منهم بذلك الاختبارِ المُتقدِّمِ رُشدًا فادفَعوا إليهم أموالَهم على البِدارِ والفَورِ. ولأن اليَتيمَ إذا بَلَغَ يُمكِنُ أنْ يَكونَ في مَعلومِ اللهِ قد بَلَغ رَشيدًا، والرَّشيدُ لا يَحِلُّ إمساكُ مالِه عنه، فإذا كان الاختبارُ بعدَ البُلوغِ خِفْنا أنْ نَقَع في مُحرَّمٍ، فكان الاحتياطُ الهُروبَ عنه، ولا يَحصُلُ ذلك إلا بالاختبارِ قبلَ البُلوغِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ووَقتُ الاختبارِ قَبل البُلوغِ في إحدى الرِّوايتَيْنِ؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، فظاهِرُ الآيةِ أنَّ ابتِلاءَهم قبلَ البُلوغِ لِوَجهَيْنِ: أحَدُهما: سَمَّاهُم يَتامى، وإنَّما يَكونونَ يَتامى قبلَ البُلوغِ. والآخَرُ: أنَّه مَدَّ اختبارَهم إلى البُلوغِ بلَفظةِ ﴿حَتَّى﴾ [النساء: ٦]، فدَلَّ على أنَّ الاختبارَ قَبلَه، ولأنَّ تأخيرَ الاختبارِ إلى البُلوغِ مُؤدٍّ إلى الحَجْرِ على البالِغِ الرَّشيدِ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَمتَدُّ إلى أنْ يُختبَرَ ويُعلَمَ رُشدُه، واختبارُه قبلَ

стр. 4332

البُلوغِ يَمنَعُ ذلك، فكان أوْلى، لكنْ لا يُختبَرُ إلا المُراهِقُ المُميِّزُ الذي يَعرِفُ البَيعَ والشِّراءَ والمَصلَحةَ مِنَ المَفسَدةِ، ومتى أذِنَ له وَليُّه فتَصرَّفَ صَحَّ تَصرُّفُه. وقد أومَأَ الإمامُ أحمدُ في مَوضِعٍ إلى أنَّ اختبارَه بعدَ البُلوغِ؛ لأنَّ تَصرُّفَه قبلَ ذلك تَصرُّفُ مَنْ لَم يُوجَدْ فيه مَظِنَّةُ العَقلِ (١). كَيفيَّةُ الاختبارِ: قال المالِكيَّةُ: صِفةُ الاختبارِ: النُّكتةُ المُعوَّلُ عليها على الجُملةِ التَّأمُّلُ والاجتِهادُ في طَريقٍ يَطَّلِعُ بها الوَصيُّ على اليَتيمِ على باطِنِ أمْرِه ومُنتَهى مَيْزِه في إمساكِ المالِ وضَبطِه والمَعرِفةِ بتَنميَتِه، والمُعتمَدُ في ذلك قَرائِنُ الأحوالِ، ورُبَّما اتَّفقَ منها ما لا يُضبَطُ بلَفظٍ أو كِتابةٍ، لكنْ يَعلَمُها على التَّفصيلِ أنْ يَكونَ اليَتيمُ إذا نَهَضَ على السَّنَنِ الذي يَحتاجُ فيه إلى مَنْ يُغذِّيه ويَحفَظُ عليه طَعامَه، وصارَ مُستقِلًّا بنَفْسِه في تَغذيَتِه وتَدبيرِ طَعامِه ومَنامِه فإنَّه يُدفَعُ إليه دَنانيرُ أو دَراهِمُ بمِقدارِ ما يَشتَري به غَداءَه أو عَشاءَه، ويَكونُ ذلك عليه حتى يُعرَفَ منه أنَّه سَلَك في ذلك مَسلَكَ العُقَلاءِ الرُّشَداءِ، فإذا ثَبَت هذا الوَصفُ له نَقَلَ عنه شَيئًا فشَيئًا، ويَدفَعُ إليه مِنْ مالِه شَيئًا يَسيرًا فَوقَ

стр. 4333

مِقدارِ ما يُنفِقُه في قُوتِه، ويُكلَّفُ البَيعَ والشِّراءَ في أُمورٍ لا يُستَغنى عنها، فإذا استَقَرَّ في النَّفْسِ أيضًا في حالِه أنَّه سَلَك مَسلَكَ الرُّشدِ نُقِلَ إلى أنْ يَدفَعَ إليه شَيئًا يَسيرًا يَتَّجِرُ به، فإنْ صانَه وأنْماه زادَه الوَصيُّ مالًا آخَرَ، حتى يَتحقَّقَ أنَّه إنْ أخَذَ مالَه كلَّهُ صانَه وأنْماه، فإذا تَحقَّقَ دَفَعه إليه. والغَرَضُ حُصولُ عِلمٍ يُستَفادُ مِنْ قَرائِنِ الأحوالِ، ولا يُضبَطُ جَميعُها بلَفظٍ ولا خَطٍّ (١). وقال الشافِعيَّةُ: يُختَبَرُ رُشدُ الصَّبيِّ في الدِّينِ والمالِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]، أي: اختَبِروهم، وسَواءٌ في ذلك الذَّكَرُ والأُنثى والمُسلِمُ والكافِرُ. أمَّا اختبارُه في الدِّينِ فبمُشاهَدةِ حالِه في العِباداتِ وتَجنُّبِ المَحظوراتِ وتَوقِّي الشُّبُهاتِ ومُخالَطةِ أهلِ الخَيرِ والدِّياناتِ. وصَلاحُ الكافِرِ في دِينِه بما هو صَلاحٌ عِندَهم. والمُخاطَبُ بالاختبارِ: كلُّ مَنْ يَلي أمرَه مِنْ عَصَبةٍ أو حاكِمٍ أو وَصيٍّ. وأمَّا اختِبارُه في المالِ فإنَّه يَختَلِفُ باختِلافِ المَراتِبِ، فيُختَبَرُ وَلَدُ التاجِرِ بالمُماكَسةِ في البَيعِ والشِّراءِ، وهي طلبُ النُّقصانِ عما طَلَبه البائِعُ، وطَلَبُ الزِّيادةِ على ما يَبذُلُه المُشتَري.

стр. 4334

وإذا اختُبِرَ في نَوعٍ مِنَ التِّجارةِ كَفى، ولا يَحتاجُ إلى الاختِبارِ في جَميعِها. ووَلَدُ السُّوقةِ كوَلَدِ التاجِرِ. ويُختَبَرُ وَلَدُ الزَّارِعِ بالزِّراعةِ والنَّفَقةِ على القُوَّامِ بها، أي: بإعطائِهم الأُجرةَ، وهُم الذين استُؤجِروا لِلقيامِ بمَصالِحِ الزَّرعِ، كالحَرثِ والحَصدِ والحِفظِ. ويُختَبَرُ المُحتَرِفُ بما يَتعلَّقُ بحِرفَتِه، أي حِرفةِ أبيه وأقارِبِه، فيُختَبَرُ وَلَدُ الخَيَّاطِ -مَثَلًا- بتَقديرِ الأُجرةِ، ووَلَدِ الأميرِ ونَحوِه بأنْ يُعطَى شَيئًا مِنْ مالِه لِيُنفِقَه في مُدَّةِ شَهرٍ في خُبزٍ ولَحمٍ وماءٍ ونَحوِ ذلك. ويُختَبَرُ مَنْ لا حِرفةَ لِأبيه بالنَّفَقةِ على العيالِ؛ لأنَّه لا يَخلو مَنْ له وَلَدٌ مِنْ ذلك في الأغلَبِ. وتُختَبَرُ المَرأةُ بما يَتعلَّقُ بالغَزْلِ والقُطنِ مِنْ حِفظٍ وغَيرِه. وهذا فيمَن يَليقُ بها الغَزلُ والقُطنُ، أمَّا بَناتُ المُلوكِ ونَحوِهنَّ فلا يُختَبَرْنَ بذلك بل بما تَعمَلُه مَثيلاتُهُنَّ. ومِنَ الاختِبارِ صَونُ الأطعِمةِ عن الهِرَّةِ ونَحوِها؛ كالفأرةِ والدَّجاجةِ؛ لأنَّه بذلك يَتبيَّنُ الضَّبطُ وحِفظُ المالِ وعَدَمُ الانخِداعِ، وذلك قِوامُ الرُّشدِ. والخُنْثَى يُختَبَرُ بما يُختَبَرُ به الذَّكَرُ والأُنْثَى جَميعًا؛ لِيَحصُلَ العِلمُ بالرُّشدِ.

стр. 4335

ويُشترَطُ تَكرُّرُ الاختِبارِ مَرَّتَيْنِ أو أكثَرَ بحيث يَغلِبُ على الظَّنِّ رُشدُه، فلا يَكفي مَرَّةٌ؛ لأنَّه قد يُصيبُ فيها، اتِّفاقًا (١). وقال الحَنابِلةُ: وإنَّما يُعرَفُ رُشدُه باختِبارِه؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، يَعني اختَبِروهم، كقَولِه : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، أي: يَختبِرَكم. واختِبارُه بتَفويضِ التَّصرُّفاتِ التي يَتصرَّفُ فيها أمثالُه، فإنْ كان مِنْ أولادِ التُّجَّارِ فَوَّضَ إليه البَيعَ والشِّراءَ، فإذا تَكرَّرتْ منه ولَم يُغبَنْ ولَم يُضيِّعْ ما في يَدَيْه فهو رَشيدٌ. وإنْ كان مِنْ أولادِ الدَّهاقينِ والكُبَراءِ الذين يُصانُ أمثالُهم عن الأسواقِ رُفِعتْ إليه نَفَقةٌ مُدَّةً لِيُنفِقَها في مَصالِحِه، فإنْ كان قَيِّمًا بذلك يَصرِفُها في مَواقِعِها ويَستَوفي على وَكيلِه ويَستَقصي عليه فهو رَشيدٌ. والمَرأةُ يُفوَّضُ إليها ما يُفوَّضُ إلى رَبَّةِ البَيتِ مِنَ استِئجارِ الغَزَّالاتِ وتَوكيلِها في شِراءِ الكَتَّانِ وأشباهِ ذلك، فإنْ وُجِدتْ ضابِطةً لِما في يَدَيْها مُستَوفيةً مِنْ وَكيلِها فهي رَشيدةٌ (٢). تَصرُّفاتُ الصَّبيِّ قبلَ البُلوغِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على بُطلانِ تِصرُّفاتِ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ مِنْ بَيعٍ وشِراءٍ وغَيرِ ذلك؛ لأنَّ عِبارَتَه مُلغاةٌ لا اعتِدادَ بها شَرعًا، فلا تَصحُّ بها عِبادةٌ

стр. 4336

ولا تَجِبُ بها عُقوبةٌ ولا يَنعقِدُ معها بَيعٌ أو شِراءٌ، ويَستمِرُّ هكذا حتى يَبلُغَ سِنَّ التَّمييزِ. ثم اختَلَفوا في تَصرُّفاتِ الصَّبيِّ المُميِّزِ قبلَ البُلوغِ، هل تَصحُّ منه أم لا؟ فقالوا: التَّصرُّفاتُ الضَّارةُ بالصَّبيِّ كَتَبرُّعِه بمالِه وإقراضِه لا تَصحُّ مُطلَقًا، سَواءٌ أذِنَ الوَليُّ أو لا. والتَّصرُّفاتُ النافِعةُ كقَبولِه الهِبةَ تَصحُّ منه، وإنْ لَم يأذَنِ الوَلِيُّ. وأمَّا التَّصرُّفاتُ الدائِرةُ بينَ النَّفعِ والضَّررِ كالبَيعِ والشِّراءِ فاختَلَفوا فيها: فقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ: تَصحُّ منه، وتَتوقَّفُ على إذْنِ الوَليِّ، فإنْ أذِنَ مَضَتْ، وإلا فلا، وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا تَصحُّ منه إلا بإذْنِ الوَليِّ، فإنْ أذِنَ صَحَّ. وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: لا تَصحُّ تَصرُّفاتُ الصَّبيِّ مُطلَقًا، سَواءٌ أذِنَ الوَليُّ أو لَم يأْذَنْ. واتَّفَقوا على أنَّه إذا أتلَفَ شَيئًا ضمِنه، وهذا في الجُملةِ، وتَفصيلُه على ما يَلي: قال الحَنفيَّةُ: الصَّبيُّ إمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفًا فيه ضَرَرٌ بَيِّنٌ؛ كالطَّلاقِ والعِتاقِ وتَبرُّعِه بشَيءٍ مِنْ مالِه وإقراضِه، فهذا لا يَصحُّ منه، ولا يَنفُذُ، وإنْ أذِنَ فيه الوَليُّ، وإمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفًا نافِعًا، كقَبولِ الهِبةِ والصَّدَقةِ، فهذا يَصحُّ منه ويَنفُذُ، وإنْ لَم يَأْذَنْ فيه الوَليُّ. وإمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفًا دائِرًا بينَ النَّفعِ والضَّرَرِ كالبَيعِ والشِّراءِ، فهذا

стр. 4337

يَتوقَّفُ على إذْنِ الوَليِّ؛ لاحتِمالِ كَونِ الصَّفقةِ رابِحةً أو خاسِرةً، فلا يُنافي أنَّه قد تَكونُ الصَّفقةُ بَيِّنةَ الرِّبحِ، فتَكونُ مِنَ القِسمِ الثاني؛ لأنَّ البَيعَ والشِّراءَ في ذاتِه مُحتَمِلٌ للأمرَيْنِ، وهذا القِسمُ يَنعقِدُ مَوقوفًا على إجازةِ الوَليِّ، وليس لِلوَليِّ أنْ يُجيزَه إذا كان فيه غَبنٌ فاحِشٌ، كما سيأتي على التَّفصيلِ الآتي، قالوا: لا يَجوزُ تَصرُّفُ الصَّبيِّ الذي يَعقِلُ إلا بإذْنِ وَليِّه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الوَليَّ ما أجازَ ذلك إلا لِمَصلَحةٍ راجِحةٍ نَظَرًا له، وإلا لَما أجازَ. أمَّا الصَّبيُّ غيرُ العاقِلِ فلا يَجوزُ، ولو أذِنُ له وَليُّه؛ لِعَدَمِ الأهليَّةِ. وتَفسيرُ العاقِلِ هو: أنْ يَعلَمَ أنَّ المَبيعَ سالِبٌ، والشِّراءَ جالِبٌ، ويَعلَمَ أنَّه لا يَجتَمِعُ الثَّمَنُ والمُثمَّنُ في مِلكٍ واحِدٍ، ومِن عَلامةِ كَونِه غيرَ عاقِلٍ إذا أعطَى الحَلوانيَّ فُلوسًا فأخَذَ الحَلوى وجَعَل يَبكي ويَقولُ: «أعطِني فُلوسي»، فهذا عَلامةُ كَونِه غيرَ عاقِلٍ، وإنْ أخَذَ الحَلوى وذهَب ولَم يَستَرِدَّ الفُلوسَ فهو عاقِلٌ. والمُرادُ مِنْ عَدَمِ الجَوازِ عَدَمُ النَّفاذِ إلا بإذْنِ وَليِّه، لا عَدَمُ الانعِقادِ. وإذا باعَ شَيئًا أو اشتَراه وهو يَعقِلُ العَقدَ ويَقصِدُه -أي: ليس هازِلًا ولا خاطئًا، فإنَّ بَيعَ الهازِلِ لا يَصحُّ وإنْ أجازَهُ الوَليُّ- فالوَليُّ بالخيارِ، إنْ شاءَ فَسَخَه، وإنْ شاءَ أجازَه، إذا كان فيه مَصلَحةٌ، ولَم يَكُنِ الغَبنُ فاحِشًا، فإنَّ الغَبنَ الفاحِشَ لا يَجوزُ، وإنْ أجازَه الوَليُّ، بخِلافِ الغَبنِ اليَسيرِ. والصَّبيُّ الذي لا يَعقِلُ والمَأذونُ الذي لا يَعقِلُ البَيعَ والشِّراءَ مَحجورٌ

стр. 4338

عليهما في الأقوالِ دونَ الأفعالِ؛ لأنَّ الأفعالَ لا مَرَدَّ لها؛ لِوُجودِها حِسًّا ومُشاهَدةً، بخِلافِ الأقوالِ؛ لأنَّ اعتبارَها بالشَّرعِ والقَصدِ مِنْ شَرطِه، إلا إذا كان فِعلًا يَتعلَّقُ به حُكمٌ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ -كالحُدودِ والقِصاصِ- فيُجعَلُ عَدَمُ القَصدِ في ذلك شُبهةً في حَقِّ الصَّبيِّ والمَجنونِ، وإنَّما لَم تُوجِبْ هذه المَعاني الحَجْرَ في الأفعالِ لأنَّ الأفعالَ تَصحُّ منهم، كما تَصحُّ مِنْ غَيرِهم. أمَّا إذا كان الصَّبيُّ المَأْذونُ يَعقِلُ البَيعَ والشِّراءَ فإنَّه يُؤاخَذُ بأقوالِه في الأموالِ، كما يُؤاخَذُ في الأفعالِ، حتى لو أقَرَّ بأنَّ لِفُلانٍ عليه مِئةَ دِرهَمٍ لَزِمَه. والصَّبيُّ الذي لا يَعقِلُ غيرُ المَأذونِ له والمَجنونُ لا تَصحُّ منهما عُقودُهما ولا إقرارُهما، لا بمالٍ ولا بحَدٍّ مِنَ الحُدودِ؛ لأنَّه لا قَولَ لَهما؛ لأنَّ اعتبارَ الأقوالِ في الشَّرعِ مَنوطٌ بالأهليَّةِ، وهي مَعدومةٌ فيهما، ولِرُجحانِ جانِبِ الضَّرَرِ نَظَرًا إلى سَفَهِهما وقِلَّةِ مُبالاتِهما وعَدَمِ قَصدِهما المَصالِحَ. أمَّا النَّفعُ المَحضُ فيَصحُّ منهما مُباشَرتُه، مِثلَ قَبولِ الهِبةِ والصَّدَقةِ، وكذا إذا آجَرَ الصَّبيُّ نَفْسَه ومَضى على ذلك العَمَلُ وَجَبتِ الأُجرةُ. وتَصحُّ عِبارةُ الصَّبيِّ في مالِ غَيرِه وطَلاقِ غَيرِه وعِتاقِ غَيرِه إذا كان وَكيلًا. ولا يَقَعُ طَلاقُهما ولا عِتاقُهما؛ لأنَّ الطَّلاقَ والعِتاقَ إسقاطُ حَقٍّ، فلا يَصحُّ مِنَ الصَّبيِّ والمَجنونِ، كالهِبةِ والبَراءةِ، ولا وُقوفَ لِلصَّبيِّ على المَصلَحةِ في الطَّلاقِ بحالٍ؛ لِعَدَمِ الشَّهوةِ، ولا وُقوفَ لِلوَليِّ على عَدَمِ التَّوافُقِ لِاحتِمالِ وُجودِ التَّوافُقِ على اعتِبارِ بُلوغِه حَدَّ الشَّهَوةِ، فلِهذا لا

стр. 4339

يَتوقَّفانِ على إجازَتِه ولا يَنفُذانِ بمُباشَرَتِه بخِلافِ سائِرِ العُقودِ، ويَعني بالطَّلاقِ طَلاقَ امرأتِه، أمَّا إذا وَكَّلَ الرَّجُلُ صَبيًّا بطَلاقِ امرأتِه فطَلَّقَها طُلِّقتِ امرأةُ المُوكِّلِ، ويَعني بالعِتاقِ أيضًا إذا كان بالقَولِ، أمَّا إذا مَلَك ذا رَحِمٍ مَحرَمٍ منه عُتِقَ عليه. إتلافُ الصَّبيِّ والمَجنونِ: وإنْ أتلَفَ الصَّبيُّ والمَجنونُ شَيئًا لَزِمَهما ضَمانُه؛ لأنَّ الأفعالَ تَصحُّ منهما، ولإحياءِ حَقِّ المُتلَفِ عليه، والضَّمانُ يَجبُ بغَيرِ قَصدٍ، كما في مالٍ يُتلَفُ بانقِلابِ النائِمِ عليه والحائِطِ المائِلِ بعدَ الإشهادِ، ولأنَّ الإتلافَ مُوجِبٌ حِسًّا، وهو سَبَبُ الضَّمانِ، فلا يُرَدُّ إلا في الحُدودِ والقِصاصِ، فيُجعَلُ عَدَمُ القَصدِ شُبهةً ويَنقَلِبُ القَتلُ في العَمدِ إلى الدِّيةِ. ويُستَثنى مِنْ هذه القاعِدةِ أُمورٌ أربَعةٌ: ١ - إذا أقرَضَ شَخصٌ مالًا لِواحِدٍ مِنْ هؤلاء فأكَلَه لا يَكونُ عليه ضَمانُه. ٢ - إذا أودَعَ شَخصٌ عندَ واحِدٍ مِنْ هؤلاء شَيئًا فأضاعَه أو أتَلَفَه فقد ضاعَ على صاحِبِه ولا ضَمانَ على المُودِعِ عندَه، بخِلافِ ما إذا أودَعَها عندَ الأبِ أو الوَصيِّ فأتلَفَها واحِدٌ مِنْ هؤلاء المَحجورِ عليهم؛ فإنَّه يَكونُ مُلزَمًا بها. ٣ - إذا أعار شَخصٌ أحَدَ هؤلاء شَيئًا فأضاعَه فإنَّه يَضيعُ على صاحِبِه ولا يَكونُ مَسؤُولًا عنه.

стр. 4340

٤ - إذا باع شَخصٌ لِواحِدٍ مِنْ هؤلاء شَيئًا فأضاعَه فقد ضاعَ على صاحِبِه ولا يَكونُ المَحجورُ عليه مَسؤُولًا عنه. ومَحَلُّ كَونِ المَحجورِ عليه لا يَضمَنُ في المَسائِلِ الأربَعةِ إذا لَم يأذَنِ الوَليُّ، أمَّا إذا حَصَلتِ الوَديعةُ أو القَرضُ أو الإعارةُ أو البَيعُ بإذْنِ الوَليِّ فأهلَكَه المَحجورُ عليه فإنَّه يَكونُ مُلزَمًا به وعليه ضَمانُه (١). وقال المالِكيَّةُ: تَصرُّفاتُ الصَّبيِّ إمَّا أنْ تَكونَ بمُعاوَضةٍ ماليَّةٍ؛ كالبَيعِ والشِّراءِ وهِبةِ الثَّوابِ. وإمَّا أنْ تَكونَ بغَيرِ مُعاوَضةٍ كهِبَتِه لِبَعضِ مالِه وصَدَقةٍ. فإنْ كان الصَّبيُّ تَصرَّفَ بمُعاوَضةٍ ماليَّةٍ، كبَيعٍ وشِراءٍ وهِبةِ ثَوابٍ بغَيرِ إذْنِ وَليِّه فالوَليُّ مُخيَّرٌ بينَ الإجازةِ والرَّدِّ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فجَعَل النَّظَرَ في الإقرارِ والرَّدِّ لِلوَليِّ حَسَب مَصلَحةِ المَحجورِ، ولأنَّ الرَّدَّ والقَبولَ مِنْ وُجوهِ وِلايةِ الوَليِّ على المَحجورِ في تَصرُّفاتِه، فكان له إذا رأى ما يَنقُصُ مالَه أو يُعرِّضُه لِلغَبنِ في المُعاوَضةِ أنْ يَرُدَّ تَصرُّفَه.

стр. 4341

وإنْ كانت تَصرُّفاتُه بغَيرِ مُعاوَضةٍ -كهِبةٍ وصَدَقةٍ وعِتقٍ- تَعيَّنَ على الوَليِّ رَدُّه؛ لِإتْلافِه لِمالِه. وكذلك يَتعيَّنُ على الوَليِّ رَدُّ إقرارِ المَحجورِ عليه بدَيْنٍ أو إتلافٍ لِمالٍ. ويَجوزُ لِلمُميِّزِ الراشِدِ رَدُّ تَصرُّفِ نَفْسِه قبلَ رُشدِه إنْ رَشَدَ حيث تَرَكَه وَليُّه؛ لِعَدَمِ عِلْمِه بتَصرُّفِه، أو لِسَهوِه أو لِلإعراضِ عن ذلك لِغَيرِ مَصلَحةٍ، أو لَم يَكُنْ له وَليٌّ. وسَواءٌ كان تَصرُّفُه بما يَجوزُ لِلوَليِّ رَدُّه -كالمُعاوَضةِ- أو بما يَجبُ عليه رَدُّه، كالعِتقِ والهِبةِ. ولو حَنَثَ بعدَ رُشدِه، كما لو حَلَف حال صِغَرِه أنَّه إنْ فَعَل كذا فزَوجَتُه طالِقٌ أو عَبدُه حُرٌّ ففَعَله بعدَ رُشدِه فله رَدُّه، فلا يَلزَمُه طَلاقٌ ولا عِتقٌ، وله إمضاؤُه؛ نَظَرًا لِوُقوعِ السَّبَبِ في حالةِ عَدَمِ الاعتِبارِ؛ إذِ الصَّبيُّ لا تَنعقِدُ عليه يَمينٌ؛ لأنَّ الوازِعَ الدِّينيَّ مَنفيٌّ … ولِرَفعِ القَلَمِ عنه. وكذا لو وَقَع تَصرُّفُه حالَ صِباهُ صَوابًا فلَه رَدُّه بعدَ رُشدِه وإمضاؤُه حيثُ تَرَكَه وَليُّه. ضَمانُ الصَّغيرِ ما أفسَدَه: ويَضمَنُ الصَّبيُّ -ولو غيرَ مُمَيِّزٍ- ما أفسَدَه مِنْ مالِ غَيرِه في الذِّمَّةِ، فتُؤخَذُ قيمةُ ما أفسَدَه مِنْ مالِه الحاضِرِ إنْ كان، وإلا اتُّبِعَ بها في ذِمَّتِه إلى وُجودِ مالٍ إنْ لَم يُؤمَنِ الصَّبيُّ على ما أتلَفَه.

стр. 4342

وإنَّما يَضمَنُ الصَّبيُّ ما أتلَفَه -مُمَيِّزًا كان أو غيرَ مُمَيِّزٍ-؛ لأنَّ ضَمانَ المُتلَفاتِ يُنظَرُ فيه إلى الجِنايةِ على مالِ الغَيرِ، والصَّبيُّ -وإنْ لَم يَكُنْ مُمَيِّزًا- يَصحُّ أنْ يَتَّصِفَ بما يُوجِبُ غُرمَه، وهو جِنايَتُه على المالِ، ولأنَّ الضَّمانَ مِنْ بابِ خِطابِ الوَضعِ الذي لا يُشترَطُ فيه التَّكليفُ، بل ولا التَّمييزُ، ولأنَّ الذِّمَّةَ ثابِتةٌ لِلجَميعِ: المُمَيِّزِ وغَيرِه. وإنْ أُمِّنَ الصَّبيُّ عليه فتلِف فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ مَنْ أمِّنَه قد سَلَّطَه على إتلافِه؛ ولأنَّه مَحجورٌ عليه، ولو ضمِن المَحجورُ لَبَطَلتْ فائِدةُ الحَجرِ، فإنْ كان الذي أمِّنَه هو رَبَّ المالِ فقد ضاعَ هَدَرًا، وإنْ كان غَيرَه فعلى الذي ائتَمَنَه الضَّمانُ؛ لِتَفريطِه. وكثيرًا ما يَقَعُ أنَّ الإنسانَ قد يُرسِلُ مع صَبيٍّ شَيئًا لِيُوصِّلَه إلى أهلِ مَحَلٍّ، فيَضيعُ مِنَ الصَّبيِّ أو يَتلَفُ، فلا ضَمانَ على الصَّبيِّ، وإنَّما الضَّمانُ على مَنْ أرسَلَه به، فإنْ كان المُرسَلُ رَبَّ المالِ فهَدَرٌ. والمَجنونُ والصَّبيُّ غيرُ المُمَيِّزِ إذا أتلَفا مالًا أو حَصَل منهما جِنايةٌ -ولو على نَفْسَيْهما- فإنَّهما يَضمَنانِ المالَ في ذِمَّتِهما، والدِّيةُ على عاقِلَتَيْهما إنْ بَلَغتِ الثُّلُثَ، وإلا فعليهما في مالَيْهما حيثُ وُجِدَ؛ لِتَعلُّقِهما بالذِّمَّةِ (١).

стр. 4343

وقال الشافِعيَّةُ: لا يَصحُّ تَصرُّفُ الصَّبيِّ بحالِ أذِنَ له الوَليُّ أو لَم يَأذَنْ؛ لأنَّ عَدَمَ صِحَّةِ التَّصرُّفِ هو فائِدةُ الحَجرِ (١). وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ بَيعُ المُمَيِّزِ والسَّفيهِ ما لَم يأذَنْ وَليُّهما، فإنْ أذِنَ صَحَّ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] معناه: اختَبِروهم لِتَعلَموا رُشدَهم، وإنَّما يَتحقَّقُ بتَفويضِ البَيعِ والشِّراءِ إليهما، ويَحرُمُ الإذْنُ بلا مَصلَحةٍ، ويَنفُذُ تَصَرُّفُهما في الشَّيءِ اليَسيرِ بلا إذْنٍ. والرِّوايةُ الأُخرى عندَ الحَنابِلةِ: لا يَصحُّ بَيعُ الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ، أشبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ؛ ولأنَّه مما يَخفَى، فضَبَطَه الشارِعُ بحَدٍّ، وهو البُلوغُ، والسَّفيهُ مَحجورٌ عليه لِسُوءِ تَصرُّفِه وتَبذيرِه، فإذا أذِنَ له وَليُّه فقد أذِنَ فيما لا مَصلَحةَ فيه، ولا يَصحُّ بغَيرِ إذْنِه؛ لِما ذَكَرنا إلا في الشَّيءِ اليَسيرِ؛ لأنَّ الحِكمةَ في الحَجْرِ عليهما خَوفُ ضَياعِ مالَيْهما بتَصَرُّفَيْهما، وذلك مَفقودٌ في اليَسيرِ، يُؤيِّدُه أنَّ أبا الدَّرداءِ اشتَرى مِنْ صَبيٍّ عُصفورًا وأطلَقَه (٢).

стр. 4344

هل يُعتبَرُ لِزَوالِ الحَجْرِ عن الصَّبيِّ إذا بَلَغَ حُكمُ الحاكِمِ أو لا؟ اختَلَف الفُقهاءُ في الصَّبيِّ إذا بَلَغ رَشيدًا، هل يَنفَكُّ عنه الحَجْرُ؟ أم لا بُدَّ مِنْ حُكمِ الحاكِمِ؟ فقال المالِكيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ: لا يَزولُ إلا بحاكِمٍ؛ لأنَّه مَوضِعُ اجتِهادٍ ونَظَرٍ، فإنَّه يَحتاجُ في مَعرِفةِ البُلوغِ والرُّشدِ إلى اجتِهادٍ، فيُوقَفُ ذلك على حُكمِ الحاكِمِ، كزَوالِ الحَجْرِ عن السَّفيهِ. وقال الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ: لا يُعتَبَرُ في زَوالِ الحَجْرِ عن الصَّبيِّ إذا بَلَغ رَشيدًا حُكمُ حاكِمٍ؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بدَفعِ أموالِهم عندَ البُلوغِ وإيناسِ الرُّشدِ، فاشتِراطُ حُكمِ الحاكِمِ زيادةٌ تَمنَعُ الدَّفعَ عندَ وُجوبِ ذلك بدونِ حُكمِ الحاكِمِ وهذا خِلافُ النَّصِّ؛ ولأنَّه حَجْرٌ بغَيرِ حُكمِ حاكِمٍ يَزولُ بغَيرِ حُكمِه، كالحَجْرِ على المَجنونِ، وبهذا فارَقَ السَّفيهَ (١). إذا بَلَغ الصَّبيُّ غيرَ رَشيدٍ لَم يُسلَّمْ مالُه إليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّبيَّ إذا بَلَغَ غيرَ رَشيدٍ -على الخِلافِ السابِقِ في تَعريفِ الرُّشدِ- لا يُدفَعُ إليه مالُه، ويَدومُ الحَجْرُ عليه؛ لِمَفهومِ قَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].

стр. 4345

إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَستمِرُّ الحَجْرُ عليه دائِمًا إلى أنْ يَرشُدَ ولو صارَ شَيخًا كَبيرًا؟ أم إلى بُلوغِه خَمسًا وعِشرينَ سَنةً؟ فقال جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: يَستَمِرُّ الحَجْرُ عليه إلى أنْ يَحصُلَ منه الرُّشدُ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فهذه آيةٌ مُحكَمةٌ لَم يَنسَخْها شَيءٌ، فلا يَجوزُ دَفعُ المالِ إليه قبلَ إيناسِ الرُّشدِ منه. ألَا تَرى أنَّ عندَ البُلوغِ إذا لَم يُؤنَسْ منه الرُّشدُ لا يُدفَعُ المالُ إليه بهذه الآيةِ، فكذلك إذا بَلَغَ خَمسًا وعِشرينَ؟ لأنَّ السَّفَهَ يَستَحكِمُ بمُطاوَلةِ المُدَّةِ، ولأنَّ السَّفَهَ في حُكمِ مَنعِ المالِ منه بمَنزِلةِ الجُنونِ والعَتَه، وذلك يَمنَعُ دَفْعَ المالِ إليه بعدَ خَمسٍ وعِشرينَ سَنةً، كما قَبلَها، فكذلك السَّفَهُ. والمَعنى الجامِعُ بَينَهما أنَّ العِلَّةَ التي لِأجلِها مُنِعَ اليَتيمُ مِنْ مالِه هي خَوفُ التَّلَفِ عليه بغِرارَتِه وسَفَهِه، فما دامَتِ العِلَّةُ مُستَمرَّةً لا يَرتَفِعُ الحُكمُ، وإذا زالَتِ العِلَّةُ زالَ الحُكمُ؛ فهذا هو المَعنى في قَولِ اللهِ : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]]. ولأنَّ اللهَ علَّق الدَّفعَ على شَرطَيْنِ، هُما: البُلوغُ والرُّشدُ، والحُكمُ المُعلَّقُ على شَرطَيْنِ لا يَثبُتُ بدونِهما.
следующие страницы →