← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

وإنْ كانت تَصرُّفاتُه بغَيرِ مُعاوَضةٍ -كهِبةٍ وصَدَقةٍ وعِتقٍ- تَعيَّنَ على الوَليِّ رَدُّه؛ لِإتْلافِه لِمالِه. وكذلك يَتعيَّنُ على الوَليِّ رَدُّ إقرارِ المَحجورِ عليه بدَيْنٍ أو إتلافٍ لِمالٍ. ويَجوزُ لِلمُميِّزِ الراشِدِ رَدُّ تَصرُّفِ نَفْسِه قبلَ رُشدِه إنْ رَشَدَ حيث تَرَكَه وَليُّه؛ لِعَدَمِ عِلْمِه بتَصرُّفِه، أو لِسَهوِه أو لِلإعراضِ عن ذلك لِغَيرِ مَصلَحةٍ، أو لَم يَكُنْ له وَليٌّ. وسَواءٌ كان تَصرُّفُه بما يَجوزُ لِلوَليِّ رَدُّه -كالمُعاوَضةِ- أو بما يَجبُ عليه رَدُّه، كالعِتقِ والهِبةِ. ولو حَنَثَ بعدَ رُشدِه، كما لو حَلَف حال صِغَرِه أنَّه إنْ فَعَل كذا فزَوجَتُه طالِقٌ أو عَبدُه حُرٌّ ففَعَله بعدَ رُشدِه فله رَدُّه، فلا يَلزَمُه طَلاقٌ ولا عِتقٌ، وله إمضاؤُه؛ نَظَرًا لِوُقوعِ السَّبَبِ في حالةِ عَدَمِ الاعتِبارِ؛ إذِ الصَّبيُّ لا تَنعقِدُ عليه يَمينٌ؛ لأنَّ الوازِعَ الدِّينيَّ مَنفيٌّ … ولِرَفعِ القَلَمِ عنه. وكذا لو وَقَع تَصرُّفُه حالَ صِباهُ صَوابًا فلَه رَدُّه بعدَ رُشدِه وإمضاؤُه حيثُ تَرَكَه وَليُّه. ضَمانُ الصَّغيرِ ما أفسَدَه: ويَضمَنُ الصَّبيُّ -ولو غيرَ مُمَيِّزٍ- ما أفسَدَه مِنْ مالِ غَيرِه في الذِّمَّةِ، فتُؤخَذُ قيمةُ ما أفسَدَه مِنْ مالِه الحاضِرِ إنْ كان، وإلا اتُّبِعَ بها في ذِمَّتِه إلى وُجودِ مالٍ إنْ لَم يُؤمَنِ الصَّبيُّ على ما أتلَفَه.

стр. 4342

وإنَّما يَضمَنُ الصَّبيُّ ما أتلَفَه -مُمَيِّزًا كان أو غيرَ مُمَيِّزٍ-؛ لأنَّ ضَمانَ المُتلَفاتِ يُنظَرُ فيه إلى الجِنايةِ على مالِ الغَيرِ، والصَّبيُّ -وإنْ لَم يَكُنْ مُمَيِّزًا- يَصحُّ أنْ يَتَّصِفَ بما يُوجِبُ غُرمَه، وهو جِنايَتُه على المالِ، ولأنَّ الضَّمانَ مِنْ بابِ خِطابِ الوَضعِ الذي لا يُشترَطُ فيه التَّكليفُ، بل ولا التَّمييزُ، ولأنَّ الذِّمَّةَ ثابِتةٌ لِلجَميعِ: المُمَيِّزِ وغَيرِه. وإنْ أُمِّنَ الصَّبيُّ عليه فتلِف فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ مَنْ أمِّنَه قد سَلَّطَه على إتلافِه؛ ولأنَّه مَحجورٌ عليه، ولو ضمِن المَحجورُ لَبَطَلتْ فائِدةُ الحَجرِ، فإنْ كان الذي أمِّنَه هو رَبَّ المالِ فقد ضاعَ هَدَرًا، وإنْ كان غَيرَه فعلى الذي ائتَمَنَه الضَّمانُ؛ لِتَفريطِه. وكثيرًا ما يَقَعُ أنَّ الإنسانَ قد يُرسِلُ مع صَبيٍّ شَيئًا لِيُوصِّلَه إلى أهلِ مَحَلٍّ، فيَضيعُ مِنَ الصَّبيِّ أو يَتلَفُ، فلا ضَمانَ على الصَّبيِّ، وإنَّما الضَّمانُ على مَنْ أرسَلَه به، فإنْ كان المُرسَلُ رَبَّ المالِ فهَدَرٌ. والمَجنونُ والصَّبيُّ غيرُ المُمَيِّزِ إذا أتلَفا مالًا أو حَصَل منهما جِنايةٌ -ولو على نَفْسَيْهما- فإنَّهما يَضمَنانِ المالَ في ذِمَّتِهما، والدِّيةُ على عاقِلَتَيْهما إنْ بَلَغتِ الثُّلُثَ، وإلا فعليهما في مالَيْهما حيثُ وُجِدَ؛ لِتَعلُّقِهما بالذِّمَّةِ (١).

стр. 4343

وقال الشافِعيَّةُ: لا يَصحُّ تَصرُّفُ الصَّبيِّ بحالِ أذِنَ له الوَليُّ أو لَم يَأذَنْ؛ لأنَّ عَدَمَ صِحَّةِ التَّصرُّفِ هو فائِدةُ الحَجرِ (١). وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ بَيعُ المُمَيِّزِ والسَّفيهِ ما لَم يأذَنْ وَليُّهما، فإنْ أذِنَ صَحَّ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] معناه: اختَبِروهم لِتَعلَموا رُشدَهم، وإنَّما يَتحقَّقُ بتَفويضِ البَيعِ والشِّراءِ إليهما، ويَحرُمُ الإذْنُ بلا مَصلَحةٍ، ويَنفُذُ تَصَرُّفُهما في الشَّيءِ اليَسيرِ بلا إذْنٍ. والرِّوايةُ الأُخرى عندَ الحَنابِلةِ: لا يَصحُّ بَيعُ الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ، أشبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ؛ ولأنَّه مما يَخفَى، فضَبَطَه الشارِعُ بحَدٍّ، وهو البُلوغُ، والسَّفيهُ مَحجورٌ عليه لِسُوءِ تَصرُّفِه وتَبذيرِه، فإذا أذِنَ له وَليُّه فقد أذِنَ فيما لا مَصلَحةَ فيه، ولا يَصحُّ بغَيرِ إذْنِه؛ لِما ذَكَرنا إلا في الشَّيءِ اليَسيرِ؛ لأنَّ الحِكمةَ في الحَجْرِ عليهما خَوفُ ضَياعِ مالَيْهما بتَصَرُّفَيْهما، وذلك مَفقودٌ في اليَسيرِ، يُؤيِّدُه أنَّ أبا الدَّرداءِ اشتَرى مِنْ صَبيٍّ عُصفورًا وأطلَقَه (٢).

стр. 4344

هل يُعتبَرُ لِزَوالِ الحَجْرِ عن الصَّبيِّ إذا بَلَغَ حُكمُ الحاكِمِ أو لا؟ اختَلَف الفُقهاءُ في الصَّبيِّ إذا بَلَغ رَشيدًا، هل يَنفَكُّ عنه الحَجْرُ؟ أم لا بُدَّ مِنْ حُكمِ الحاكِمِ؟ فقال المالِكيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ: لا يَزولُ إلا بحاكِمٍ؛ لأنَّه مَوضِعُ اجتِهادٍ ونَظَرٍ، فإنَّه يَحتاجُ في مَعرِفةِ البُلوغِ والرُّشدِ إلى اجتِهادٍ، فيُوقَفُ ذلك على حُكمِ الحاكِمِ، كزَوالِ الحَجْرِ عن السَّفيهِ. وقال الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ: لا يُعتَبَرُ في زَوالِ الحَجْرِ عن الصَّبيِّ إذا بَلَغ رَشيدًا حُكمُ حاكِمٍ؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بدَفعِ أموالِهم عندَ البُلوغِ وإيناسِ الرُّشدِ، فاشتِراطُ حُكمِ الحاكِمِ زيادةٌ تَمنَعُ الدَّفعَ عندَ وُجوبِ ذلك بدونِ حُكمِ الحاكِمِ وهذا خِلافُ النَّصِّ؛ ولأنَّه حَجْرٌ بغَيرِ حُكمِ حاكِمٍ يَزولُ بغَيرِ حُكمِه، كالحَجْرِ على المَجنونِ، وبهذا فارَقَ السَّفيهَ (١). إذا بَلَغ الصَّبيُّ غيرَ رَشيدٍ لَم يُسلَّمْ مالُه إليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّبيَّ إذا بَلَغَ غيرَ رَشيدٍ -على الخِلافِ السابِقِ في تَعريفِ الرُّشدِ- لا يُدفَعُ إليه مالُه، ويَدومُ الحَجْرُ عليه؛ لِمَفهومِ قَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].

стр. 4345

إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَستمِرُّ الحَجْرُ عليه دائِمًا إلى أنْ يَرشُدَ ولو صارَ شَيخًا كَبيرًا؟ أم إلى بُلوغِه خَمسًا وعِشرينَ سَنةً؟ فقال جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: يَستَمِرُّ الحَجْرُ عليه إلى أنْ يَحصُلَ منه الرُّشدُ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فهذه آيةٌ مُحكَمةٌ لَم يَنسَخْها شَيءٌ، فلا يَجوزُ دَفعُ المالِ إليه قبلَ إيناسِ الرُّشدِ منه. ألَا تَرى أنَّ عندَ البُلوغِ إذا لَم يُؤنَسْ منه الرُّشدُ لا يُدفَعُ المالُ إليه بهذه الآيةِ، فكذلك إذا بَلَغَ خَمسًا وعِشرينَ؟ لأنَّ السَّفَهَ يَستَحكِمُ بمُطاوَلةِ المُدَّةِ، ولأنَّ السَّفَهَ في حُكمِ مَنعِ المالِ منه بمَنزِلةِ الجُنونِ والعَتَه، وذلك يَمنَعُ دَفْعَ المالِ إليه بعدَ خَمسٍ وعِشرينَ سَنةً، كما قَبلَها، فكذلك السَّفَهُ. والمَعنى الجامِعُ بَينَهما أنَّ العِلَّةَ التي لِأجلِها مُنِعَ اليَتيمُ مِنْ مالِه هي خَوفُ التَّلَفِ عليه بغِرارَتِه وسَفَهِه، فما دامَتِ العِلَّةُ مُستَمرَّةً لا يَرتَفِعُ الحُكمُ، وإذا زالَتِ العِلَّةُ زالَ الحُكمُ؛ فهذا هو المَعنى في قَولِ اللهِ : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]]. ولأنَّ اللهَ علَّق الدَّفعَ على شَرطَيْنِ، هُما: البُلوغُ والرُّشدُ، والحُكمُ المُعلَّقُ على شَرطَيْنِ لا يَثبُتُ بدونِهما.

стр. 4346

وقال الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀: إذا بَلَغَ سَفيهًا ليس بمَحجورٍ عن التَّصرُّفاتِ أصلًا، وحالُه وحالُ الرَّشيدِ في التَّصرُّفاتِ سَواءٌ، لا يَختَلِفانِ إلا في وَجهٍ واحِدٍ، وهو أنَّ الصَّبيَّ إذا بَلَغ سَفيهًا يُمنَعُ عنه مالُه إلى خَمسٍ وعِشرينَ سَنةً، وإذا بَلَغ رَشيدًا يُدفَعُ إليه مالُه. فأمَّا في التَّصرُّفاتِ فلا يَختَلِفانِ حتى لو تَصرَّفَ بَعدَما بَلَغ سَفيهًا ومُنِعَ عنه مالُه نَفَذ تَصرُّفُه كما يَنفُذُ بعدَ أنْ دُفِعَ المالُ إليه؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وها قد بَلَغ أشُدَّهُ ويَصلُحُ أنْ يَكونَ جَدًّا؛ ولأنَّه حُرٌّ بالِغٌ عاقِلٌ مُكلَّفٌ لا يُحجَرُ عليه كالرَّشيدِ، ولأنَّ مَنْعَ المالِ عنه بطَريقِ التأديبِ، ولا تَأديبَ بعدَ هذه المُدِّةِ في الأغلَبِ، ألَا تَرى أنَّه قد يَصيرُ جَدًّا في هذه السِّنِّ؟ ومُحالٌ أنْ يَكونَ جَدًّا ولَم يَبلُغْ أشُدَّه. وقال اللهُ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٢]، مَعناه: أنْ يَكبَروا ويَلزَمَكم دَفعُ المالِ إليهم، وقال اللهُ : ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] والمُرادُ البالِغونَ، فهذا تَنصيصٌ على وُجوبِ دَفعِ المالِ إليه بعدَ البُلوغِ، إلا أنَّه قام الدَّليلُ على مَنعِ المالِ منه بعدَ البُلوغِ إذا لَم يُؤنَسْ رُشدُه، وهو ما تَلاه، فإنَّ اللهَ قال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] وحَرفُ الفاءِ لِلوَصلِ والتَّعقيبِ، فيَكونُ بينَ أنَّ دَفْعَ المالِ إليه عُقَيبَ البُلوغِ بشَرطِ إيناسِ الرُّشدِ، وما يَقرُبُ مِنَ البُلوغِ

стр. 4347

في معنى حالةِ البُلوغِ، فأمَّا إذا كان بعدَ عن ذلك فوُجوبُ دَفْعِ المالِ إليه مُطلَقٌ بما تَلَوْنا، غيرُ مُعلَّقٍ بشَرطٍ، ومُدَّةُ البُلوغِ بالسِّنِّ ثَمانيَ عَشرةَ سَنةً، فقَدَّرْنا مُدَّةَ القرُبِ منه بسَبعِ سِنينَ اعتِبارًا بمُدَّةِ التَّمييزِ في الابتِداءِ على ما أشارَ إليه النَّبيُّ ﷺ في قَولِه: «مُرُوهُمْ بالصَّلاةِ إذَا بَلَغوا سَبعًا»، ثم قد بَيَّنَّا أنَّ أثَرَ الصِّبا يَبقى بعدَ البُلوغِ إلى أنْ يَمضيَ عليه زَمانٌ، وبَقاءُ أثَرِ الصِّبا كبَقاءِ عَينِه في مَنعِ المالِ منه، ولا يَبقى أثَرُ الصِّبا بَعدَما بَلَغ خَمسًا وعِشرينَ سَنةً؛ لِتَطاوُلِ الزَّمانِ به مُنذُ بَلَغ، ولِهذا قال أبو حَنيفةَ -كما سيأتي في الحَجْرِ على الحُرِّ السَّفيهِ- لو بَلَغ رَشيدًا، ثم صارَ سَفيهًا لَم يُمنَعْ منه المالُ؛ لأنَّ هذا ليس بأثَرِ الصِّبا، فلا يُعتبَرُ في مَنعِ المالِ منه، أو كان مَنعُ المالِ على سَبيلِ التَّأديبِ له، والاشتِغالُ بالتأديبِ يَكونُ ما لَم يَنقطِعْ رَجاءُ التَّأديبِ، فإذا بَلَغ خَمسًا وعِشرينَ سَنةً ولَم يُؤنَسْ رُشدُه فقد انقَطَع رَجاءُ التَّأديبِ؛ لأنَّه يُتوهَّمُ أنْ يَصيرَ جَدًّا؛ لأنَّ البُلوغَ بالإنزالِ بعدَ اثنَتَيْ عَشرةَ سَنةً يَتحقَّقُ. وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: حُكمُ مَنْ بَلَغَ سَفيهًا حُكمُ الصَّبيِّ العاقِلِ، وحُكمُ البالِغِ المَعتوهِ، فهُم سَواءٌ، فلا يَنفُذُ بَيعُه وشِراؤُه وإجارَتُه وهِبَتُه وصَدَقتُه وما أشبَهَ ذلك مِنَ التَّصرُّفاتِ التي تَحتمِلُ النَّقضَ والفَسخَ. وأمَّا فيما سِوى ذلك فحُكمُه وحُكمُ البالِغِ العاقِلِ الرَّشيدِ سَواءٌ، فيَجوزُ طَلاقُه ونِكاحُه وإعتاقُه وتَدبيرُه واستيلادُه، وتَجِبُ عليه نَفَقةُ زَوجاتِه

стр. 4348

وأقارِبِه والزَّكاةُ في مالِه، وحَجَّةُ الإسلامِ، ويُنفِقُ على زَوجاتِه وأقارِبِه ويُؤدِّي الزَّكاةَ مِنْ مالِه، ولا يُمنَعُ مِنْ حَجَّةِ الإسلامِ ولا مِنَ العُمرةِ ولا مِنَ القرابينِ وسَوقِ البَدَنةِ، لكنْ يُسلِّمُ القاضي النَّفَقةَ والكِراءَ والهَدْيَ على يَدِ أمينٍ لِيُنفِقَ عليه في الطَّريقِ ولا وِلايةَ عليه لِأبيه وجَدِّه ووَصيِّهما، ويَجوزُ إقرارُه على نَفْسِه بالحُدودِ والقِصاصِ، وتَجوزُ وَصاياه بالقُربِ في مَرَضِ مَوتِه مِنْ ثُلُثِ مالِه، وغَيرُ ذلك مِنَ التَّصرُّفاتِ التي تَصحُّ مِنَ العاقِلِ البالِغِ الرَّشيدِ؛ إلا أنَّه إذا تَزوَّجَ امرأةً بأكثَرَ مِنْ مَهرِ مِثلِها فالزِّيادةُ باطِلةٌ. فأمَّا فيما سِوى ذلك فلا يَختَلِفانِ. ولو باعَ السَّفيهُ أو اشتَرَى نَظَر القاضي في ذلك، فما كان خيرًا أجازَ، وما كان فيه مَضَرَّةٌ رَدَّه (١). وستأتي المَسألةُ مُفصَّلةً في حُكمِ الحَجْرِ على السَّفيهِ إنْ شاءَ اللهُ .

стр. 4349

عَلاماتُ البُلوغِ: البُلوغُ في اللُّغةِ: الوُصُولُ. وَفِي الاصْطِلَاحِ: انتِهاءُ حَدِّ الصِّغَرِ. ويَحدُثُ البُلوغُ إمَّا بالعَلاماتِ والأماراتِ الطَّبيعيَّةِ، وإمَّا بالسِّنِّ، ومِن هذه العَلاماتِ ما هو مُتَّفَقٌ عليه، ومنها ما هو مُختلَفٌ فيه. وهناك بَعضُ العَلاماتِ يَشتَرِكُ فيها الغُلامُ والجاريةُ، وعَلاماتٌ تَختَصُّ بالغُلامِ، وعَلاماتٌ تَختَصُّ بالجاريةِ. يَحصُلُ بُلوغُ الصَّبيِّ بما يَلي: ١ - إنزالُ المَنيِّ: وهو الماءُ الدَّافِقُ الذي يَخرُجُ منه الوَلَدُ، فكَيفما خرَج في يَقَظةٍ أو مَنامٍ بجِماعٍ أو احتِلامٍ أو غيرِ ذلك حَصَل به البُلوغُ، وحُكِمَ ببُلوغِه باتِّفاقِ فُقهاءِ المَذاهِبِ الأربَعةِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، فأمَرَهم بالاستِئذانِ بعدَ الاحتِلامِ، فدَلَّ على أنَّه بُلوغٌ. ولقَولِه : ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثٍ: عن الصَّبيِّ حتى يَحتَلِمَ … » (١). ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ لِمُعاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حالِمٍ دِينارًا» (٢).

стр. 4350

ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا يُتْمَ بعدَ احْتِلَامٍ» (١). ورَوى عَطيَّةُ القُرَظيُّ قال: «عُرِضْنا على رَسولِ اللهِ ﷺ زَمَنَ قُرَيظةَ، فمَن كان مُحتَلِمًا أو نَبَتتْ عانَتُه قُتِلَ» (٢)، فلو لَم يَكُنْ بالِغًا لَما قُتِلَ. وأقَلُّ زَمانِ الاحتِلامِ في الغِلمانِ عَشرُ سِنينَ، وفي الجَواري تِسعُ سِنينَ. وقال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الفَرائِضَ والأحكامَ تَجِبُ على المُحتَلِمِ العاقِلِ (٣). وقال ابنُ بَطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الاحتِلامَ في الرِّجالِ، والحَيضَ في النِّساءِ هو البُلوغُ الذي تَلزَمُ به العِباداتُ والحُدودُ والاستِئذانُ وغَيرُه، وأنَّ مَنْ بَلَغ الحُلُمَ فأُونِسَ منه الرُّشدُ جازَتْ شَهادَتُه ولَزِمَتْه الفَرائِضُ وأحكامُ الشَّريعةِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «غُسلُ الجُمُعةِ واجِبٌ على كُلِّ مُحتَلِمٍ»، فعلَّق الغُسلَ بالاحتِلامِ (٤). وقال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الاحتِلامَ في الرِّجالِ والنِّساءِ يَلزَمُ به العِباداتُ والحُدودُ وسائِرُ الأحكامِ، وهو إنزالُ

стр. 4351

الماءِ الدَّافِقِ، سَواءٌ أكان بجِماعٍ أم بغَيرِه، وسَواءٌ أكان في اليَقَظةِ أم في المَنامِ، وأجمَعوا على أنَّه لا أثَرَ لِلجِماعِ في المَنامِ إلا مع الإنزالِ (١). ٢ - الحَيضُ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ على أنَّ الحَيضَ عَلَمٌ على بُلوغِ المَرأةِ، وذلك لِما رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لِأسماءَ بِنتِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵄: «يا أَسمَاءُ، إنَّ المَرْأَةَ إذا بَلَغَتِ الْمَحيضَ لَم تَصْلُحْ أنْ يُرى منها إلَّا هذا وهَذَا»، وأَشَارَ إلى وَجْههِ وكَفَّيْهِ (٢)، فعلَّق وُجوبَ السَّترِ بالمَحيضِ وذلك تَكليفٌ، فدَلَّ على أنَّه بُلوغٌ يَتعلَّقُ به التَّكليفُ؛ لأنَّه جَعَلها بالحَيضِ عَورةً يَحرُمُ النَّظَرُ إليها، فدَلَّ على أنَّها بالحَيضِ صارَتْ بالِغةً. ولأنَّه يَكونُ في أوانِ الحَبَلِ عادةً، فيُجعَلُ ذلك عَلامةَ البُلوغِ.

стр. 4352

وقال النَّبيُّ ﷺ : «لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةَ حائِضٍ إلا بخِمارٍ» (١). يَعني بَلَغتْ وَقتَ الحَيضِ، لا أنَّه أراد كَونَها في وَقتِ الحَيضِ؛ لأنَّ الحائِضَ لا تَصحُّ منها الصَّلاةُ بحالٍ. قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الفَرائِضَ تَجِبُ على المَرأةِ بظُهورِ الحَيضِ فيها (٢). وقال ابنُ بَطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلَماءُ على أنَّ الاحتِلامَ في الرِّجالِ والحَيضَ في النِّساءِ هو البُلوغُ الذي تَلزَمُ به العِباداتُ والحُدودُ والاستِئذانُ وغَيرُه (٣). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا الحَيضُ فهو عَلَمٌ على البُلوغِ، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٤). ٣ - الحَملُ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ على أنَّ المَرأةَ إذا حَبَلتْ فَقد بَلَغتْ، وهو دَليلٌ على تَقدُّمِ البُلوغِ، وليس ببُلوغٍ في نَفْسِه، فإذا حَمَلتِ المَرأةُ عَلِمْنا أنَّها قد خرَج منها المَنيُّ، وإنَّما كان كذلك لأنَّ الوَلَد مَخلوقٌ مِنْ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرأةِ، قال اللهُ : ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)

стр. 4353

خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧]، يَعني مِنْ أصلابِ الرِّجالِ وتَرائِبِ النِّساءِ، قيلَ في التَّفسيرِ: يَخرُجُ ماءُ الرَّجُلِ مِنْ صُلبِه، وماءُ المَرأةِ مِنْ صَدرِها، ولقَولِه : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] يَعني: أخلاطٍ، فإذا كان الوَلَدُ مَخلوقًا مِنْ ماءَيْهما دَلَّ الحَملُ على تَقدُّمِ إنزالِهما، فصارَ دَليلًا على تَقدُّمِ بُلوغِهما (١). ٤ - إنباتُ العانةِ وإنْ لَم يَكُنْ إنزالٌ: اختَلَف الفُقهاءُ فيما إذا لَم يَحصُلِ البُلوغُ بواحِدةٍ مِنَ الثَّلاثةِ الماضيةِ (الإنزالِ أو الحَيضِ أو الحَملِ) إلا أنَّه نَبَت شَعرٌ خَشِنٌ لِلعانةِ لِلغُلامِ أو الجاريةِ، هل يَحصُلُ بذلك البُلوغُ ويُحكَمُ ببُلوغِه أم لا؟ فذهَب أبو يُوسُفَ في قَولٍ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ -سيأتي تَفصيلُ مَذهبِهم فيه- إلى أنَّ الإنباتَ -وهو الشَّعرُ القَويُّ الذي يَحتاجُ في أخْذِه إلى المُوسى- لا الزَّغَبَ (٢) الأصفَرَ حَولَ الذَّكَرِ وحَولَ الفَرجِ عَلامةٌ على بُلوغِ الصَّبيِّ والجاريةِ، مُسلِمًا كان أو كافِرًا؛ لأنَّ سَعدَ بنَ مُعاذٍ لمَّا حَكَمَ في بَني قُرَيظةَ بقَتلِهم وسَبْيِ ذَراريِّهم أمَرَ أنْ يُكشَفَ عن مُؤتَزَرِهم، فمَن أنبَتَ فهو مِنَ المُقاتِلةِ، ومَن لَم يُنبِتْ فهو مِنَ الذُّريَّةِ. ورَوَى عَطيَّةُ القُرَظيُّ قال: «كُنْتُ مِنْ سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَكَانُوا يَنْظُرُونَ

стр. 4354

فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَم يُنْبِتْ لَم يُقْتَلْ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَم يُنْبِتْ» (١). وكتَب عُمَرُ ﵁ إلى عامِلِه «ألَّا تأخُذَ الجِزيةَ إلا ممَّن جَرَتْ عليه المَواسي»، ورَوى مُحمدُ بنُ يَحيى بنِ حِبَّانَ أنَّ غُلامًا مِنَ الأنصارِ شَبَّبَ بامرأةٍ في شِعرِه، فرُفِعَ إلى عُمرَ ﵁ فلَم يَجِدْه أنبَتَ، فقال: «لو أنبَتَّ الشَّعرَ لَحَدَدتُكَ»؛ ولأنَّه خارِجٌ يُلازِمُه البُلوغُ في الأغلَبِ، ويَستَوي فيه الذَّكَرُ والأُنثى، فكان عَلَمًا على البُلوغِ كالاحتِلامِ. ولأنَّ الخارِجَ ضَربانِ: مُتَّصِلٌ ومُنفصِلٌ، فلَمَّا كان مِنَ المُنفَصِلِ ما يَثبُتُ به البُلوغُ كان كذلك المُتَّصِلُ، وما كان بُلوغًا في حَقِّ المُشرِكينَ كان بُلوغًا في حَقِّ المُسلِمينَ، كالاحتِلامِ والسِّنِّ. وذهَب الحَنفيَّةُ في المَذهبِ عندَهم -بخِلافِ رِوايةِ أبي يُوسُفَ السابِقةِ- وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن الإمامِ مالِكٍ وابنِ القاسِمِ إلى أنَّه لا اعتبارَ بنَباتِ شَعرِ العانةِ على البُلوغِ، لا في حَقِّ المُسلِمِ ولا في حَقِّ الكافِرِ؛ لأنَّه نَباتُ شَعرٍ فأشبَهَ نَباتَ شَعرِ سائِرِ البَدَنِ. وقال الشافِعيَّةُ: إذا نَبَت شَعرُ العانةِ لِلكافِرِ حُكِمَ ببُلوغِه، وهل هو بُلوغٌ فيه أو دِلالةٌ على البُلوغِ؟ فيه قَولانِ:

стр. 4355

أحَدُهما: هو بُلوغٌ في نَفْسِه؛ لأنَّ ما حُكِمَ به بالبُلوغِ كان بُلوغًا في نَفْسِه كالاحتِلامِ. والآخَرُ: ليس ببُلوغٍ في نَفْسِه، وإنَّما هو دِلالةٌ على البُلوغِ؛ لأنَّ العادةَ جَرَتْ أنَّه لا يَظهَرُ إلا في وَقتِ البُلوغِ. واختَلَفوا هل إنباتُ شَعرِ العانةِ في حَقِّ المُسلِمِ يَكونُ بُلوغًا أو لا؟ فالأصَحُّ أنَّه ليس بُلوغًا في حَقِّ المُسلِمِ؛ لأنَّه يُمكِنُ الرُّجوعُ إلى مَعرِفةِ سِنِّ المُسلِمِ؛ لأنَّه مَولودٌ بينَ المُسلِمينَ، ولا يُمكِنُ ذلك في سِنِّ الكافِرِ؛ فلذلك جُعِلَ الإنباتُ عَلَمًا على بُلوغِه، ولأنَّ الإنباتَ قد يُستَدعَى بالدَّواءِ قبلَ أوانِه، فالمُسلِمُ قد يُتَّهَمُ بأنَّه قد يُعالِجُ نَفْسَه لِلإنباتِ؛ لأنَّه يَستَفيدُ بذلك زَوالَ الحَجْرِ عنه وكمالَ تَصرُّفِه وقَبولَ شَهادَتِه، والكافِرُ لا يُتَّهَمُ بذلك؛ لأنَّه لا يَستَفيدُ بذلك إلا وُجوبَ القَتلِ ووُجوبَ ضَربِ الجِزيةِ. ومُقابِلُ الأصَحِّ أنَّه بُلوغٌ في حَقِّ المُسلِمِ. وأمَّا شَعرُ الإبِطِ واللِّحيةِ والشَّارِبِ فليس شَيءٌ مِنْ ذلك بُلوغًا؛ لأنَّه قد يَتقدَّمُ على البُلوغِ، وقد يَتأخَّرُ عنه، فلا يَكونُ عَلامةً عليه؛ لأنَّ المُرادَ بالعَلامةِ ما يَحصُلُ البُلوغُ عندَها مِنْ غيرِ تأخيرٍ عنها (١). ٥ - البُلوغُ بالسِّنِّ: اختَلَف الفُقهاءُ فيما إذا لَم يُوجَدْ عَلامةٌ مِنَ العَلاماتِ السابِقةِ، هل يَثبُتُ البُلوغُ بالسِّنِّ أم لا؟ وما السِّنُّ المُعتبَرةُ في هذا؟

стр. 4356

فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسُفَ ومُحمدٌ مِنَ الحَنفيَّة -وهي رِوايةٌ عن أبي حَنيفةَ- وابنُ وَهبٍ مِنَ المالِكيَّةِ إلى أنَّ الغُلامَ أو الجاريةَ إذا بَلَغ أحَدٌ منهما سِنَّ خَمسَ عَشرةَ سَنةً ولَم يَحصُلْ له إحدى العَلاماتِ السابِقةِ حُكِمَ ببُلوغِه لقَولِ ابنِ عُمرَ ﵄: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فالظاهِرُ أنَّ عَدَم الإجازةِ لِعَدَمِ البُلوغِ؛ ولأنَّه المُعتادُ الغالِبُ؛ فإنَّ العَلاماتِ تَظهَرُ في هذه المُدَّةِ في الأغلَبِ، فجَعَلوا المُدَّةَ عَلامةً في حَقِّ مَنْ لَم يَظهَرْ له العَلامةُ. ولأنَّ السِّنَّ مَعنًى يَحصُلُ به البُلوغُ يَشتَرِكُ فيه الغُلامُ والجاريةُ، فاستَوَيا فيه كالإنزالِ. وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه إذا لَم يُوجَدْ واحِدٌ مِنَ الأشياءِ المَذكورةِ السابِقةِ حتى يَتِمَّ له ثَمانيَ عَشرةَ سَنةً في حَقِّ الصَّبيِّ -وكذا الجاريةُ عندَ المالِكيَّةِ- فعندَئِذٍ يُحكَمُ ببُلوغِه؛ لقَولِ اللهِ : ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وأشُدُّ الصَّبيِّ ثَمانيَ عَشرةَ سَنةً، كذا قال ابنُ عبَّاسٍ، وهو أقَلُّ ما قيلَ في الأشُدِّ، فيُبنى الحُكمُ عليه لِلتَّيقُّنِ به. وأمَّا الجاريةُ فعندَ أبي حَنيفةَ حتى يَتِمَّ لها سَبعَ عَشرةَ سَنةً؛ لأنَّ الإناثَ نُشوؤهُنَّ وإدراكُهُنَّ أسرَعُ مِنْ إدراكِ الذُّكورِ، فنَقَصنَ عنه سَنةً. فمَن لَم يُوجَدْ فيه عَلامةٌ مِنْ هذه العَلاماتِ السابِقةِ فهو صَبيٌّ (١).

стр. 4357

٢ - الحَجْرُ على المَجنونِ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ الجُنونَ سَبَبٌ مِنْ أسبابِ الحَجْرِ، فالمَجنونُ مَحجورٌ عليه إذا كان مُطْبِقًا، وسَواءٌ كان الجُنونُ أصلِيًّا أو طارِئًا. والمَجنونُ في أحكامِ الحَجْرِ كالصَّبيِّ، سَواءٌ كان مَسلوبَ العَقلِ أصلًا، بحيث لا يُفيقُ في الأغلَبِ، أو كان مَجنونًا بالصَّرَعِ، أو كان مَجنونًا بالوَسواسِ، وهو الذي يُخيَّلُ إليه أنَّه فَعَلَ وهو لَم يَفعَلْ، ولا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ الجُنونُ في الأحوالِ الثَّلاثةِ مُطْبِقًا أو مُتقطِّعًا، فلا يَصحُّ تَصرُّفُه بحالٍ عندَ الجُمهورِ -كما سيأتي- خِلافًا لِلحَنفيَّةِ فيما إذا كان جُنونُه مُتقطِّعًا. والدَّليلُ على الحَجْرِ على المَجنونِ: قَولُ اللهِ : ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ووَجْهُ الدِّلالةِ مِنَ الآيةِ أنَّ العَرَبَ تُطلِقُ السَّفيهَ على ضَعيفِ العَقلِ تارةً وعلى ضَعيفِ البَدَنِ تارةً أُخرى، وكذلك يُطلَقُ الضَّعيفُ على ضَعيفِ العَقلِ وعلى ضَعيفِ البَدَنِ، والمَجنونُ ضَعيفٌ، فيَكونُ مَسلوبَ العِبارةِ يُحجَرُ عليه. قال المازوريُّ ﵀: لا خِلافَ بَينَهم في كَونِه إذا بَلَغَ مَجنونًا لا يُدفَعُ إليه مالُه؛ لِمُشارَكتِه الصَّغيرَ في عِلَّةِ المَنعِ مِنَ الدَّفعِ، بلِ المَجنونُ أوْلى بالمَنعِ مِنَ المُراهِقِ؛ لِكَونِه عُدِمَ العَقلَ بالكُلِّيَّةِ، ولَحِقَ بالبَهائِمِ (١).

стр. 4358

وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا اشتِراطُ البُلوغِ وكَمالِ العَقلِ في ذلك فلأنَّهما جَميعًا مُشتَرَطانِ في صِحَّةِ الرُّشدِ وكَمالِه؛ إذْ لا يَصحُّ رُشدٌ مِنْ صَبيٍّ لِضَعفِ تَمْيِيزِه بوُجوهِ مَنافِعِه، ولا مِنْ مَجنونٍ لِسُقوط تَمْيِيزِه وذَهابِ رَأْيِه، فوَجَب الاحتياطُ لِلأموالِ وقَطعُ مادةِ الضَّرَرِ عنها بأنْ يُمنَعَ مِنَ التَّصرُّفِ فيها مَنْ ليس بأهلِ التَّصرُّفِ فيها، ويُحجَرَ عليه فيها ويُحالَ بَينَه وبَينَها؛ خَشيةَ الإضاعةِ لها؛ امتِثالًا لِأمْرِ اللهِ فيها (١). وقال ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على وُجوبَ الحَجْرِ على مَنْ لَم يَبلُغْ، وعلى مَنْ هو مَجنونٌ مَعتوهٌ أو مُطبِقٌ لا عَقلَ له، وأنَّ كلَّ ما أنفَذَ مَنْ ذَكَرْنا في حالِ فَقْدِ عَقلِه أو قبلَ بُلوغِه مِنْ هِبةٍ أو عِتقٍ أو بَيعٍ أو صَدَقةٍ باطِلٌ (٢). وقال القُرطبيُّ ﵀: فأمَّا الصَّغيرُ والمَجنونُ فلا خِلافَ في الحَجْرِ عليهما (٣). إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قالوا: المَجنونُ إذا كان يُفيقُ ويَعقِلُ في حالِ إفاقَتِه فتَصرُّفُه في حالِ إفاقَتِه جائِزٌ. وقيلَ: إنْ كان لِإفاقَتِه وَقتٌ مَعلومٌ فعَقَد في ذلك الوَقتِ فالحُكمُ فيه النَّفاذُ كالعاقِلِ، وإنْ لَم يَكُنْ لإفاقَتِه وَقتٌ مَعلومٌ فعَقَد في حالِ الإفاقةِ فالحُكمُ فيه أنَّه مَوقوفٌ على إجازةِ الوَليِّ كالصَّبيِّ.

стр. 4359

وأمَّا المَعتوهُ ففيه ثَلاثةُ أقوالٍ عندَ الحَنفيَّةِ: قَولٌ بأنَّه كالصَّبيِّ العاقِلِ في تَصرُّفاتِه، وفي رَفعِ التَّكليفِ عنه. والقَولُ الثاني: كالعاقِلِ. والثالِثُ: كالمَجنونِ. والمَعتوهُ هو ناقِصُ العَقلِ، وقيلَ: هو المَدهوشُ مِنْ غيرِ جُنونٍ، واختَلَفوا في تَفسيرِه اختِلافًا كَثيرًا، وأحسَنُ ما قيلَ فيه هو: مَنْ كان قَليلَ الفَهْمِ مُختَلِطَ الكَلامِ فاسِدَ التَّدبيرِ؛ إلا أنَّه لا يَضرِبُ ولا يَشتُمُ كما يَفعَلُ المَجنونُ (١). متى يَنفَكُّ الحَجْرُ عن المَجنونِ: قال جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: المَجنونُ إذا أفاقَ راشِدًا انفَكَّ الحَجْرُ عنه ويُدفَعُ إليه مالُه، ويَجوزُ تَصرُّفُه بعدَ ذلك.

стр. 4360

وقد أطلَقَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ فقالوا: يَنفَكُّ الحَجْرُ عنه بالإفاقةِ فَقَطْ، ولَم يَذكُروا الرُّشدَ، وإطلاقُ الشافِعيَّةِ يَقتَضي ذلك، كما نَبَّهَ الدَّميريُّ مِنَ الشافِعيَّةِ على ذلك فقال: ويَرتَفِعُ -أي: الحَجْرُ- بالإفاقةِ -أي: بمُجرَّدِها- مِنْ غيرِ فَكٍّ، وهذا لا خِلافَ فيه، واعتبارُ صاحِبِ التَّنبيهِ أنْ يُفيقَ رَشيدًا مَحمولٌ على مَنْ لَم يَبلُغْ رَشيدًا فجُنَّ، أمَّا مَنْ جُنَّ بعدَ رُشدِه فلا (١). أما أبو حَنيفةَ فعندَه لا يُحجَرُ على السَّفيهِ، فإذا أفاقَ المَجنونُ انفَكَّ الحَجْرُ عنه ودُفِعَ إليه مالُه إنْ بَلَغ خَمسًا وعِشرينَ سَنةً، كما سيأتي في الحَجْرِ على السَّفيهِ والخِلافِ فيه. أمَّا الحَنابِلةُ فقالوا: ومتى عَقَلَ المَجنونُ ورَشَدَ انفَكَّ الحَجْرُ عنه ودُفِعَ إليه مالُه، ولا يَنفَكُّ قبلَ ذلك بحالٍ، فاشتَرَطوا الرُّشدَ مع الإفاقةِ. وفصَّل المالِكيَّةُ فقالوا -وهو قَولُ صاحِبِ التَّنبيهِ مِنَ الشافِعيَّةِ كما تَقدَّم-: إذا كان الجُنونُ طارِئًا بعدَ البُلوغِ انفَكَّ الحَجْرُ عنه بإفاقَتِه؛ لأنَّه كان على الرُّشدِ. وإنْ كان الجُنونُ قبلَ البُلوغِ لا يَنفَكُّ عنه إلا بعدَ إثباتِ الرُّشدِ، وكذا لو كان بَلَغ سَفيهًا ثم جُنَّ لا يَنفَكُّ بالإفاقةِ فَقَطْ (٢).

стр. 4361

هل يُحتاجُ إلى حُكمِ حاكِمٍ في فَكِّ الحَجْرِ عن المَجنونِ؟ ذهَب جَماهيرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّه لا يُعتبَرُ في زَوالِ الحَجْرِ عن المَجنونِ حُكمُ الحاكِمِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُعتبَرُ في زَوالِ الحَجْرِ عن المَجنونِ إذا عَقَل حُكمُ حاكِمٍ بغَيرِ خِلافٍ (١). وقال الدُّسوقيُّ ﵀: بمُجرَّدِ الإفاقةِ إذا أفاقَ رَشيدًا فإنَّ الحَجْرَ يَنفَكُّ عنه ولا يَحتاجُ لِحُكمِ الحاكِمِ بفَكِّه (٢). وقال الشافِعيَّةُ: ويَستمِرُّ ذلك الحَجْرُ إلى إفاقتِه، فيَرتَفِعُ بمُجَرَّدِها مِنْ غيرِ فَكِّ قاضٍ بلا خِلافٍ (٣). تَصرُّفاتُ المَجنونِ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ على أنَّ المَجنونَ مَحجورٌ عليه في تَصرُّفاتِه، وأنَّه لا يَنفُذُ شَيءٌ مِنْ تَصرُّفاتِه حالَ جُنونِه مِنْ هِبةٍ أو عِتقٍ أو بَيعٍ أو صَدَقةٍ، وأنَّ ذلك باطِلٌ وإنْ أجازَه الوَليُّ بعدَ ذلك؛ لأنَّ صِحَّةَ العِبارةِ بالتَّمييزِ، وهو لا تَمييزَ له.

стр. 4362

قال ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على وُجوبَ الحَجْرِ على مَنْ لَم يَبلُغْ، وعلى مَنْ هو مَجنونٌ مَعتوهٌ أو مُطبِقٌ لا عَقلَ له، وأنَّ كلَّ ما أنفَذَ مَنْ ذَكَرْنا في حالِ فَقْدِ عَقلِه أو قبلَ بُلوغِه مِنْ هِبةٍ أو عِتقٍ أو بَيعٍ أو صَدَقةٍ باطِلٌ، واختَلَفوا في ابتياعِه ما لا بُدَّ له منه مِنْ قُوتِه ولِباسِه (١). وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَصحُّ بَيعُ المَجنونِ (٢). ضَمانُ ما يُتلِفُه المَجنونُ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ المَجنونَ لو أتلَفَ شَيئًا مِنْ مالٍ مُقوَّمٍ أو نَفْسٍ حالَ جُنونهِ وَجَب عليه الضَّمانُ. قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: إذا أتلَفَ النائِمُ بيَدِه أوغَيرِها مِنْ أعضائِه شَيئًا في حالِ نَومِه يَجبُ ضَمانُه بالاتِّفاقِ، وليس ذلك تَكليفًا لِلنائِمِ؛ لأنَّ غَرامةَ المُتلَفاتِ لا يُشترَطُ لها التَّكليفُ بالإجماعِ، بل لو أتلَفَ الصَّبيُّ أو المَجنونُ أو الغافِلُ وغَيرُهم ممن لا تَكليفَ عليه شَيئًا وَجَب ضَمانُه بالاتِّفاقِ، ودَليلُه مِنَ القُرآنِ قَولُ اللهِ : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، فرَتَّبَ على القَتلِ خَطَأً الدِّيةَ والكَفَّارةَ، مع أنَّه غيرُ آثِمٍ بالإجماعِ (٣).

стр. 4363

٣ - الحَجْرُ على الرَّقيقِ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ العَبدَ غيرَ المَأذونِ له مَحجورٌ عليه، وأنَّه لا مِلْكَ له إلا ما مَلَكَه سَيِّدُه في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، ولا يَصحُّ تَصرُّفُه إلا بإذْنِ سَيِّدِه. والدَّليلُ على أنَّه مَحجورٌ عليه: قَولُ اللهِ : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [النحل: ٧٥] ومَعلومٌ أنَّه لَم يَرِدْ به نَفيُ القُدرةِ؛ لأنَّ الرِّقَّ والحُرِّيَّةَ لا تَختَلِفُ بهما القُدرةُ، فدَلَّ على أنَّ مُرادَه نَفيُ حُكمِ أقوالِه وعُقودِه وتَصرُّفِه ومِلكِه، ألَا تَرى أنَّه جَعَل ذلك مَثَلًا لِلأصنامِ التي كانت تَعبُدُها العَرَبُ على وَجهِ المُبالَغةِ في نَفيِ المِلكْ والتَّصرُّفِ وبُطلانِ أحكامِ أقوالِه فيما يَتعلَّقُ بحُقوقِ العِبادِ؟ وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: فوَصَف اللهُ العَبدَ بالعَجزِ وعَدَمِ القُدرةِ، وجَعَله بخِلافِ الحُرِّ في بَسطِ يَدِه بالإنفاقِ فيما رُزِقَ مِنَ المالِ، فدَلَّ ذلك على أنَّ أمرَ العَبيدِ في الأموالِ مُخالِفٌ لِأمْرِ الأحرارِ، وأنَّ مِلكَهم لِأموالِهم ناقِصٌ عن مِلكِ الأحرارِ، وأنَّ لِساداتِهم التَحجيرَ عليهم في أموالِهم بحَقِّ مِلكِ رِقابِهم، فلا يَجوزُ لِلعبدِ في مالِه صُنعٌ إلا بأمرِ سَيِّدِه، وهو له مِلكٌ حتى يَنتَزِعَه منه (١). ولأنَّه لمَّا تَعلَّقَ حَقُّ السَّيدِ بمالِ العَبدِ كان له حَقُّ الحَجْرِ عليه.

стр. 4364

وقال القُرطُبيُّ ﵀: وأمَّا العَبد فلا خِلافَ فيه (١)، أي: في الحَجْرِ عليه. وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ الأسبابَ المُوجِبةَ لِلحَجرِ الصِّغَرُ والرِّقُّ والجُنونُ (٢). ٤ - الحَجْرُ على السَّفيهِ البالِغِ العاقِلِ: اختَلَف الفُقهاءُ فيما إذا بَلَغ الإنسانُ رَشيدًا ثم دُفِعَ إليه مالُه ثم حَدَث له تَبذيرٌ وسَفَهٌ مُفسِدٌ لِمالِه مُتلِفٌ له فيما لا يَعودُ عليه بمَحمدةٍ في الدُّنيا ولا بأجرٍ في الآخِرةِ، هل يُحجَرُ عليه أم لا؟ فذهَب جَماهيرُ أهلِ العِلمِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصاحبانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ إلى أنَّه يُحجَرُ عليه إنْ عاد إلى السَّفَهِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهو تَنصيصٌ على إثباتِ الوِلايةِ على السَّفيهِ وأنَّه مَولًى عليه، ولا يَكونُ ذلك إلا بعدَ الحَجْرِ عليه. ولقَولِه : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥]، الآيةَ، والمُرادُ بالسُّفهاءِ البالِغونَ العُقلاءُ؛ لأنَّ السَّفَهَ صِفةُ قيامٍ لا تَتوَجَّهُ إلا على مُكلَّفٍ، فدَلَّتْ هذه الآيةُ على استِحقاقِ الحَجْرِ بالسَّفَهِ مِنْ وَجهَيْنِ:

стр. 4365

أحَدُهما: قَولُه : ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، أي: جعَل اللهُ لكم القيامَ عليها. والآخَرُ: قَولُه : ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، ولا يَجوزُ أنْ يَتولَّى ذلك غيرُ الوَليِّ. وقَولُه : ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ يَعني أموالَهم، وإنَّما أضافَ ذلك إلى الأولياءِ لِتَصرُّفِهم فيه، ألَا تَرى أنَّه أمَرَ بالإنفاقِ عليهم منها؟ ولا يَجبُ الإنفاقُ مِنْ غيرِ أموالِهم، وقد قال : ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأثبَتَ الوِلايةَ على السَّفيهِ وفَرَّقَ بَينَه وبَينَ المَجنونِ والصَّغيرِ. ورُويَ عن أنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ في عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، كَانَ يُبَايِعُ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ احْجُرْ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللهِ ﷺ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي لا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ، قَالَ: «إِذَا بِعْتَ فَقُلْ: لا خِلَابَةَ» (١). فدَلَّ هذا الحَديثُ على استِحقاقِ الحَجْرِ على البالِغِ مِنْ وَجهَيْنِ: أحَدُهما: أنَّه حَجَرَ عليه حَجْرَ مِثلِه، بأنْ أثبَتَ له الخيارَ في عُقودِه، ولَم يَجعَلْها مُنبَرِمةً. والآخَرُ: سُؤالُهم الحَجْرَ عليه وإمساكُ النَّبيِّ ﷺ عن الإنكارِ.

стр. 4366

ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خُذوا على أيدي سُفَهائِكم» (١)، ولا يُمكِنُ الأخْذُ على أيديهم إلا بالحَجرِ عليهم. ورُويَ أنَّه حَجَرَ على مُعاذٍ لِأجْلِ غُرَمائِه، فكانَ الحَجْرُ على السَّفيهِ لِحَقِّ نَفْسِه أوْلى، ولأنَّه إجماعُ الصَّحابةِ. فعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ أَتَى الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَقَالَ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينِ عُثْمَانَ، يَعْنِى فَيَسْأَلَهُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيَّ فِيهِ، فقَالَ الزُّبَيْرُ ﵁: أَنَا شَرِيكُكَ في الْبَيْعِ، وَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَه، فقَالَ عُثْمَانُ ﵁: «كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ في بَيعٍ شَرِيكٍ فِيهِ الزُّبَيْرُ؟» (٢). وكان مَعروفًا بالإمساكِ والاستِصلاحِ، فصارَتْ شَرِكَتُه شُبهةً تَنفي استِحقاقَ الحَجْرِ، فكان ذلك منهم ومِن بَقيَّةِ الصَّحابةِ في إمساكِهم إجماعًا مُنعَقِدًا على استِحقاقِ الحَجْرِ على البالِغِ؛ لأنَّ عليًّا ﵁ لا يَطلُبُ الحَجْرَ إلا وهو يَراه، ولو كان الحَجْرُ باطِلًا لَقال الزُّبَيرُ ﵁: لا يُحجَرُ على بالِغٍ حُرٍّ، وكذلك عُثمانُ، بل كُلُّهم يَعرِفونَ الحَجرَ. وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ -هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّهَا- أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حُدِّثَتْ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ:

стр. 4367

وَاللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَتْ: هُوَ للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَلَّا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا، فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ، فَقَالَتْ: لا وَاللَّهِ لا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا، وَلَا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ -وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ- وَقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ لَمَا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ، فَإِنَّهَا لا يَحِلُّ لهَا أَنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي، فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ادْخُلُوا. قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعَمُ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ ﵂ وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلَّا مَا كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولَانِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنْ الْهِجْرَةِ؛ فَإنَّه لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ ليَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا نَذْرَهَا وَتَبْكِي وَتَقُولُ: إِنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بعدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا» (١). فدَلَّ على أنَّ الحَجْرَ على البالِغِ مَشهورٌ فيهم، وإنْ كان ابنُ الزبَيرِ وُهِمَ في مُوجِبِه؛ لأنَّ مَنْ صَرَفَ مالَه في القُرَبِ لَم يَستحِقَّ به الحَجْرَ.

стр. 4368

ولأنَّ عَدَمَ التَّدبيرِ ووُجودَ التَّبذيرِ يُوجِبُ ثُبوتَ الحَجْرِ، كالصَّغيرِ، ولأنَّ ما يُستَدامُ به الحَجْرُ لاستِدامَتِه وَجَب إذا طَرَأ أنْ يَبتَدئَ الحَجْرُ به، كالجُنونِ. ولأنَّ هذا سَفيهٌ فيُحجَرُ عليه، كما لو بَلَغَ سَفيهًا؛ فإنَّ العِلةَ التي اقتَضَتِ الحَجْرَ عليه إذا بَلَغ سَفيها سَفَهُه، وهو مَوجودٌ، ولأنَّ السَّفَهَ لو قارَنَ البُلوغَ منَع دَفْعَ ماله إليه، فإذا حَدَث أوجَبَ انتِزاعَ المالِ كالمَجنونِ، وفارَقَ الرَّشيدَ؛ فإنَّ رُشدَه لو قارَنَ البُلوغَ لَم يَمنَعْ دَفْعَ مالِه إليه. وذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه إذا بَلَغَ رَشيدًا ثم صارَ سَفيهًا لَم يُمنَعْ منه المالُ، فلا يُحجَرُ على الحُرِّ البالِغِ العاقِلِ السَّفيهِ عندَه، وتَصرُّفُه في مالِه جائِزٌ، وإنْ كان مُبذِّرًا مُفسِدًا يُتلِفُ مالَه فيما لا غَرَضَ له فيه ولا مَصلَحةَ، سَواءٌ كان يُبذِّرُ مالَه في الخَيرِ أو في الشَّرِّ. وإنَّما لَم يُحجَرْ عليه عندَ أبي حَنيفةَ لأنَّه مُخاطَبٌ عاقِلٌ، ولأنَّ في سَلبِ ولايَتِه إهدارًا لِآدَميَّتِه، وإلحاقًا له بالبَهائِمِ، وذلك أشَدُّ عليه مِنَ التَّبذيرِ وإضاعةِ المالِ، وهذا مما يَعرِفُه ذَوو العُقولِ والنُّفوسِ الأبيَّةِ، ولا يَجوزُ تَحمُّلُ الضَّرَرِ الأعلى لِدَفعِ الضَّرَرِ الأدنى، حتى لو كان في الحَجْرِ عليه دَفعَ الضَّرَرِ العامِّ جازَ كالحَجرِ على الطَّبيبِ الجاهِلِ والمُفتي الماجِنِ والمُكاري المُفلِسِ؛ لِعُمومِ الضَّرَرِ مِنَ الأوَّلِ في الأبدانِ، ومِنَ الثاني في الأديانِ، ومِنَ الثالِثِ في الأموالِ؛ فإنَّ هؤلاء يُحجَرُ عليهم فيما يُروَى عن أبي حَنيفةَ؛ إذ هو دَفعُ الأعلى بالأدْنى.

стр. 4369

والمُفتي الماجِنُ: هو الذي يُعلِّمُ الناسَ حِيَلًا باطِلةً، كارتِدادِ المَرأةِ لِتُفارِقَ زَوجَها، أو الرَّجُلِ لِيُسقِطَ الزَّكاةَ ولا يُبالي أنْ يُحلِّلَ حَرامًا أو يُحرِّمَ حَلالًا. والطَّبيبُ الجاهِلُ: هو الذي يَسقي الناسَ دَواءً مُهلِكًا. والمُكاري المُفلِسُ: هو الذي يُكري إبِلًا، وليست له إبِلٌ ولا مالٌ يَشتَريها به، وإذا جاء أوانُ الخُروجِ يُخفِي نَفْسَه (١). تَعريفُ السَّفَهِ المُوجِبِ لِلحَجْرِ عندَ الفُقهاءِ: قال الحَنفيَّةُ: هو تَبذيرُ المالِ وتَضييعُه على خِلافِ مُقتَضى الشَّرعِ أو العَقلِ، ولو في الخَيرِ، كأنْ يَصرِفَه في بِناءِ المَساجِدِ ونَحوِ ذلك، كالتَّبذيرِ والإسرافِ في النَّفَقةِ، وأنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفاتٍ لا لِغَرَضٍ، أو لِغَرَضٍ لا يَعُدُّه العُقلاءُ مِنْ أهلِ الدِّيانةِ غَرَضًا كدَفعِ المالِ إلى المُغنِّينَ واللَّعابينَ، وشِراءِ الحَمامةِ الطَّيَّارةِ بثَمَنٍ غالٍ، والغَبنِ في التَّجاراتِ مِنْ غيرِ مَحمَدةٍ.

стр. 4370

وأصلُ المُسامَحاتِ في التَّصرُّفاتِ والبِرِّ والإحسانِ مَشروعٌ، إلا أنَّ الإسرافَ حَرامٌ، كالإسرافِ في الطَّعامِ والشَّرابِ، قال اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] (١). وقال المالِكيَّةُ: السَّفَهُ الذي هو أحَدُ أسبابِ الحَجْرِ: هو التَّبذيرُ، أي صَرفُ المالِ في غيرِ ما يُرادُ له شَرعًا، كخَمرٍ وقِمارٍ، أو بصَرْفِه في مُعامَلةٍ مِنْ بَيعٍ أو شِراءٍ بغَبنٍ فاحِشٍ خارِجٍ عن العادةِ بلا مَصلَحةٍ تَترَتَّبُ عليه بأنْ يَكونَ شأنُه ذلك مِنْ غيرِ مُبالاةٍ، أو أنْ يَكونَ صَرْفُه في شَهواتٍ نَفْسانيَّةٍ على خِلافِ عادةِ مِثلِه في مَأكَلِه ومَشرَبِه ومَلبَسِه ومَركَبِه ونَحوِ ذلك، أو بإتلافِه هَدَرًا، كأنْ يَطرَحَه على الأرضِ أو يَرميَه في بَحرٍ أو مِرحاضٍ، كما يَقَعُ لِكَثيرٍ مِنَ السُّفَهاءِ يَطرَحونَ الأطعِمةَ والأشرِبةَ فيما ذُكِرَ، ولا يَتصدَّقونَ بها (٢). وقال الشافِعيَّةُ: التَّبذيرُ صَرفُ المالِ في غيرِ مَصارِفِه المَعروفةِ، عندَ العُقلاءِ، قال أهلُ اللُّغةِ: التَّبذيرُ تَفريقُ المالِ إسرافًا، ورَجُلٌ مُبذِّرٌ وتِبذارةٌ. والسَّفيهُ الذي يُحجَرُ عليه هو الذي يُضيِّعُ مالَه باحتِمالِ غَبنٍ فاحِشٍ في المُعامَلةِ ونَحوِها، وهو ما لا يُحتمَلُ في الأغلَبِ، بخِلافِ اليَسيرِ، كبَيعِ ما يُساوي عَشَرةً بتِسعةٍ، ومَحَلُّ ذلك إذا كان جاهِلًا بحالِ المُعامَلةِ -أما إذا كان عالِمًا بالمُعامَلةِ فأعطى أكثَرَ مِنْ ثَمَنِها، فإنَّ الزائِدَ صَدَقةٌ خَفيَّةٌ مَحمودةٌ، أي: إنْ كان التَّعامُلُ مع مُحتاجٍ وإلا فهِبةٌ.

стр. 4371

ومِنَ السَّفَهِ أنْ يَرميَ مالَه، وإنْ قَليلًا في بَحرٍ أو نارٍ أو نَحوِ ذلك، أو يُنفِقَ أموالَه في مُحرَّمٍ؛ لِما فيه مِنْ قِلَّةِ الدِّينِ، ولا يُؤمَنُ على مالِه إلا ذو عَقلٍ ودِينٍ. والأصَّحُّ عندَهم أنَّ صَرْفَ المالِ في الصَّدَقةِ ووُجوهِ الخَيرِ والمَطاعِمِ والمَلابِسِ التي لا تَليقُ بحالِه ليس بتَبذيرٍ. أمَّا في الأُولى -وهي الصَّرفُ في الصَّدَقةِ ووُجوهِ الخَيرِ، كبِناءِ المَساجِدِ والمَدارِسِ وفي الرِّقابِ- فلأنَّ له في الصَّرفِ في الخَيرِ عِوَضًا، وهو الثَّوابُ؛ فإنَّه لا سَرَفَ في الخَيرِ، كما لا خَيرَ في السَّرَفِ، وحَقيقةُ السَّرَفِ: ما لا يُكسِبُ حَمدًا في العاجِلِ ولا أجْرًا في الآجِلِ، ومُقابِلُ الأصَحِّ في هذا النَّوعِ أنَّه يَكونُ مُبذِّرًا إنْ بَلَغَ مُفرِطًا في الإنفاقِ، فإنْ عَرَضَ له ذلك بعدَ البُلوغِ مُقتصِدًا فلا. وأمَّا في الأخرى -وهي الصَّرفُ في المَطاعِمِ والمَلابِسِ- فلأنَّ المالَ يُتَّخَذُ لِيُنتفَعَ به ويُلتَذَّ به. ومُقابِلُ الأصَحِّ في هذا النَّوعِ يَكونُ تَبذيرًا عادةً، وهو اختيارُ إمامِ الحَرمَيْنِ والغَزاليِّ والرافِعيِّ وغَيرِهم (١). وقال الحَنابِلةُ: السَّفيهُ الذي يُحجَرُ عليه هو الذي يُغبَنُ غَبنًا فاحِشًا، ويَصرِفُ مالَه فيما لا فائِدةَ فيه؛ كحَرقِ نَفطٍ يَشتَريه لِلتَّفرُّجِ عليه ونَحوِ ذلك.

стр. 4372

أو يَصرِفُه في مُحرَّمٍ، كقِمارٍ وغِناءٍ وشراءِ المُحرَّماتِ؛ كالخَمرِ وآلاتِ اللَّهوِ؛ لأنَّ العُرفَ يَعُدُّ مَنْ صَرَفَ مالَه في ذلك سَفيهًا مُبذِّرًا، وقد يُعَدُّ الشَّخصُ سَفيهًا بصَرفِه مالَه في المُباحِ، ففي الحَرامِ أوْلَى. بخِلافِ صَرفِه في بابِ بِرٍّ، كصَدَقةٍ وغَزوٍ وحَجٍّ، أو صَرفِه في مَطعَمٍ ومَشرَبٍ ومَلبَسٍ ومَنكَحٍ لا يَليقُ به، فليس بتَبذيرٍ، إذ لا إسرافَ في الخَيرِ. قال في «الاختياراتِ»: الإسرافُ ما صَرَفه في المُحرَّماتِ أو كان صَرفُه في المُباحِ يَضُرُّ بعيالِه، أو كان وَحدَه ولَم يَثِقْ بإيمانِه، أو أسرَفَ في مُباحٍ قَدْرًا زائِدًا على المَصلَحةِ. انتَهى. والفَرقُ بينَ الإسرافِ والتَّبذيرِ أنَّ الإسرافَ صَرفُ الشَّيءِ فيما يَنبَغي زائِدًا على ما يَنبَغي، والتَّبذيرُ صَرفُ الشَّيءِ فيما لا يَنبَغي (١). هل يُشترَطُ حُكمُ الحاكِمِ لِلحَجرِ على السَّفيهِ؟ اختَلَف الفُقهاءُ فيما لو بَلَغ الإنسانُ رَشيدًا ودُفِعَ إليه مالُه ثم عاد لِلسَّفَهِ والتَّبذيرِ، هل يُحجَرُ عليه بالسَّفَهِ نَفْسِه؟ أم لا بُدَّ مِنْ حُكمِ القاضي؟ فذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ وأبو يُوسُفَ مِنَ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ السَّفيهَ لا يَحجُرُ عليه إلا القاضي، لا غَيرُه مِنْ أبٍ أو جَدٍّ؛ لأنَّ وِلايَتَهم زالَتْ بفَكِّ الحَجْرِ الأوَّلِ عنه؛ ولأنَّه في مَحَلِّ

стр. 4373

الاجتِهادِ، وإنَّ عَلِيًّا ﵁ سألَ عُثمانَ ﵁ أنْ يَحجُرَ على عَبدِ اللهِ بنِ جَعفَرَ ﵄، فدَلَّ على أنَّه لا يَصيرُ مَحجورًا عليه إلا بالحاكِمِ. ولأنَّ الحَجْرَ بالتَّبذيرِ مُختلَفٌ فيه افتَقَرَ إلى الحاكِمِ كمُدَّةِ العُنَّةِ، لا تَثبُتُ إلا بالحاكِمِ؛ لِمَوضِعِ الاختِلافِ فيه. وإذا حُجِرَ عليه لَم يَنظُرْ في مالِه إلا الحاكِمُ؛ لأنَّه حَجْرٌ ثَبَت بالحاكِمِ فكانَ هو الناظِرَ، كالحَجْرِ على المُفلِسِ. ويُستحَبُّ لِلقاضي أنْ يَشهَدَ على حَجْرِ السَّفيهِ، وإنْ رأى النِّداءَ عليه لِيُتجَنَّبَ في المُعامَلةِ فَعَل، ويأمُرُ مُناديًا: ألَا إنَّ الحاكِمَ حَجَرَ على فُلانٍ؛ لِئلَّا يَغتَرَّ الناسُ بمُعامَلَتِه. قال الشافِعيَّةُ: فإنْ لَم يَحجُرْ عليه القاضي أثِمَ، ونَفَذَ تَصرُّفُه، ويُسمَّى السَّفيهُ المُهمِلَ. وقال مُحمدُ بنُ الحَسنِ ﵀ -وهو وَجهٌ لِلشافِعيَّةِ-: يَصيرُ بذلك مَحجورًا عليه، ولا يُشترَطُ حُكمُ القاضي. وفي قَولٍ لِلشافِعيَّةِ: وإذا فَكَّ الوَصيُّ حَجْرَه بعدَ رُشدِه وسَلَّمَ إليه مالَه ثم بَذَّرَ فيه فإنَّه يُحجَرُ عليه ثانيةً ولا يُشترَطُ القاضي، فيَعودُ الحَجْرُ عليه بالأبِ والجَدِّ والوَصيِّ، كما يَعودُ بالقاضي. قال في «الجَوهرةِ النَّيرةِ»: وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: يُحجَرُ على السَّفيهِ ويُمنَعُ مِنَ التَّصرُّفِ في مالِه، ثم اختَلَفا فيما بَينَهما، فقال أبو يُوسُفَ: لا

стр. 4374

يَصيرُ مَحجورًا عليه إلا بحَجْرِ الحاكِمِ ولا يَصيرُ مُطلَقًا بعدَ الحَجْرِ حتى يُطلِقَه الحاكِمُ. وقال مُحمدٌ: فَسادُه في مالِه يَحجُرُه، وصَلاحُه فيه يُطلِقُه، يَعني أنَّه يَنحَجِرُ بالسَّفهِ نَفْسِه، ويَذهَبُ عنه الحَجْرُ بالإصلاحِ في مالِه نَفْسِه. وفائِدةُ الخِلافِ فيما باعَه قبلَ حَجْرِ القاضي عندَ أبي يُوسُفَ: يَجوزُ، وعندَ مُحمدٍ: لا يَجوزُ، ثم إذا صارَ مَحجورًا عليه عِندَهما يَصيرُ حُكمُه حُكمَ الصَّبيِّ الذي لَم يَبلُغْ إلا في أشياءَ مَعدودةٍ (١). هل يُشترَطُ حُكمُ الحاكِمِ لِفَكِّ الحَجْرِ عن السَّفيهِ؟ اختَلَف الفُقهاءُ في السَّفيهِ إذا رَشَدَ وزال سَفَهُه هل يَنفَكُّ الحَجْرُ عنه بمُجرَّدِ الرُّشدِ أو لا بُدَّ مِنْ حُكمِ الحاكِمِ؟ فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ -كُلُّهم في المَذهبِ- وأبو يُوسُفَ إلى أنَّ السَّفيهَ إذا عاد رَشيدًا لا يُرفَعُ الحَجْرُ عنه إلا بحُكمِ الحاكِمِ له،

стр. 4375

كما لا يَثبُتُ الحَجْرُ عليه إلا به؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه يَفتَقِرُ إلى حاكِمٍ، وكذلك فَكُّه؛ لأنَّه حَجْرٌ ثَبَتَ بحُكمِه؛ فلَم يَزُلْ إلا به. ولأنَّ الرُّشدَ يَحتاجُ إلى تأمُّلٍ واجتِهادٍ في مَعرِفتِه وزَوالِ تَبذيرِه، فكانَ كابتِداءِ الحَجْرِ عليه، وفارَقَ الصَّبيَّ والمَجنونَ فإنَّ الحَجْرَ عليهما بغَيرِ حُكمِ حاكِمٍ؛ فيَزولُ بغَيرِ حُكمِه. وذهَب مُحمدُ بنُ الحَسنِ مِنَ الحَنفيَّةِ وبَعضُ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ إلى أنَّ الحَجْرَ يَنفَكُّ بزَوالِ السَّفَهِ، فيَذهَبُ عنه الحَجْرُ بالإصلاحِ نَفْسِه في مالِه، ولا يُشترَطُ حُكمُ الحاكِمِ؛ لأننا لو وَقَفْنا تَصرُّفَ الناسِ على الحاكِمِ كان أكثَرُ الناسِ مَحجورًا عليهم. قال القَرافيُّ ﵀: قال مالِكٌ ﵀: ولا يَتوَلَّى الحَجْرَ إلا القاضي، دونَ صاحِبِ الشُّرطةِ؛ لأنَّه أمرٌ مُختلَفٌ فيه؛ فيَحتاجُ إلى اجتِهادٍ في الاختبارِ، ومَن أرادَ الحَجْرَ على وَلَدِه أتى به الإمامُ لِيَحجُرَ عليه ويُشهِرَه في الأسواقِ والجامِعِ، ويُشهِدَ على ذلك، فمَن عامَله بعدَ ذلك فهو مَردودٌ، قال بَعضُ البَغداديِّينَ: ولا يَزولُ الحَجْرُ عن مَحجورٍ عليه بحُكمٍ أو بغَيرِ حُكمٍ إلا بحُكمِ حاكِمٍ؛ لِلحاجةِ لِلاختِبارِ وتَحقُّقِ إبطالِ سَبَبِ الحَجرِ. وفي الجَواهِرِ: يَزولُ الحَجْرُ عن المُبذِّرِ إذا عُرِفَ منه زَوالُ ذلك (١).

стр. 4376

حُكمُ تَصرُّفاتِ السَّفيهِ: السَّفيهُ إمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفاتٍ لها عَلاقةٌ بالمالِ؛ كالبَيعِ والشِّراءِ والهِبةِ والعِتقِ، فلا يَجوزُ تَصرُّفُه عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ إلا بإذْنِ وَليِّه على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ -كما سيأتي-، وإمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفاتٍ ليس لها عَلاقةٌ بالمالِ؛ كالطَّلاقِ والظِّهارِ والإيلاءِ والإقرارِ بحَدٍّ أو قِصاصٍ، فيَصحُّ منه هذا عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وجُملَتُه أنَّ المَحجورَ عليه لِفَلَسٍ أو سَفَهٍ إذا أقَرَّ بما يُوجِبُ حَدًّا أو قِصاصًا؛ كالزِّنا والسَّرِقةِ والشُّربِ والقَذفِ والقَتلِ العَمدِ أو قَطعِ اليَدِ وما أشبَهَها، فإنَّ ذلك مَقبولٌ ويَلزَمُه حُكمُ ذلك في الحالِ، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا. قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ إقرارَ المَحجورِ عليه على نَفْسِه جائِزٌ إذا كان إقرارُه بزِنًا أو سَرِقةٍ أو شُربِ خَمرٍ أو قَذفٍ أو قَتلٍ، وأنَّ الحُدودَ تُقامُ عليه، وهذا قَولُ الشَّافِعيِّ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ، ولا أحفَظُ عن غَيرِهم خِلافًا لقَولِهم (١). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وذلك لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ في حَقِّ نَفْسِه، والحَجرُ إنَّما تَعلَّقَ بمالِه، فقُبِلَ إقرارُه على نَفْسِه بما لا يَتعلَّقُ بالمالِ، وإنْ طَلَّقَ زَوجَتَه نَفَذَ طَلاقُه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليس بتَصرُّفٍ في المالِ، ولا يَجري مَجراه، فلا يَمنَعُ منه؛ كالإقرارِ بالحَدِّ والقِصاصِ، ودَليلُ

стр. 4377

أنَّه لا يَجري مَجرى المالِ أنَّه يَصحُّ مِنَ العَبدِ بغَيرِ إذْنِ سَيِّدِه مع مَنْعِه مِنَ التَّصرُّفِ في المالِ، ولا يُملَكُ بالمِيراثِ، ولأنَّه مُكلَّفٌ طَلَّقَ امرأتَه مُختارًا فوَقَعَ طَلاقُه كالعَبدِ والمُكاتَبِ (١). وإليكَ بَيانَ ذلك مُفصَّلًا عندَ كلِّ مَذهبٍ: قال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: حُكمُ تَصرُّفاتِ السَّفيهِ هو نَفْسُه حُكمُ تَصرُّفاتِ الصَّبيِّ الذي لَم يَبلُغْ -التي سبَق ذِكْرُها في تَصرُّفاتِ الصَّبيِّ- إلا في أشياءَ مَعدودةٍ، فإنَّ حُكمَه فيها كحُكمِ البالِغِ العاقِلِ، وهي أنَّه إذا تَزوَّجَ امرأةً جازَ نِكاحُه، وإنْ سَمَّى لَها مَهرًا جازَ منه مِقدارُ مَهرِ مِثلِها وبطَل الفَضلُ، وله أنْ يَتزوَّجَ أربَعًا مُجتَمِعاتٍ ومُتفَرِّقاتٍ؛ لأنَّه لا يُؤثِّرُ فيه الهَزلُ؛ ولأنَّه مِنْ حَوائِجِه الأصليَّةِ. وإنْ أعتَقَ جازَ عِتْقُه، ولكِنْ يَسعى العَبدُ في قيمَتِه. ويَصحُّ تَدبيرُه واستيلادُه وطَلاقُه، ويَجبُ في مالِه الزَّكاةُ، ويَجبُ عليه الحَجُّ إذا كان قادِرًا على الزادِ والراحِلةِ وتُنفَّذُ وَصيَّتُه في الثُّلُثِ، ويَجوزُ إقرارُه على نَفْسِه بما يُوجِبُ العُقوبةَ، كما إذا أقَرَّ بوُجوبِ القِصاصِ في النَّفسِ وفيما دونَها. وأمَّا بَيعُه وشِراؤُه وهِبَتُه وصَدَقتُه وإقرارُه بالمالِ وإجارَتُه فلا تَجوزُ منه، كما لا تَجوزُ مِنَ الصَّبيِّ والمَجنونِ.

стр. 4378

فإنْ كان في بَيعِه مَصلَحةٌ أجازَه الحاكِمُ؛ لأنَّ رُكنَ التَّصرُّفِ قد وُجِدَ، والتَّوقُّفُ كان لِلنَّظَرِ له، وقد نَصَّبَ الحاكِمُ ناظِرًا له يَتحَرَّى المَصلَحةَ فيه، كما في الصَّبيِّ الذي يَعقِلُ البَيعَ والشِّراءَ ويَقصِدُه. ولو باعَ قبلَ حَجرِ القاضي جازَ عندَ أبي يُوسُفَ ﵀؛ لأنَّه لا بُدَّ مِنْ حَجرِ القاضي عندَه؛ لأنَّ الحَجْرَ دائِرٌ بينَ الضَّرَرِ والنَّظَرِ، والحَجْرٍ لِنَظَرِه؛ فلا بُدَّ مِنْ فِعلِ القاضي. وعندَ مُحمدٍ ﵀: لا يَجوزُ؛ لأنَّه يَبلُغُ مَحجورًا عندَه؛ إذِ العِلَّةُ هي السَّفَهُ، بمَنزِلةِ الصِّبا، وعلى هذا الخِلافِ كذلك إذا بَلَغَ رَشيدًا ثم صارَ سَفيهًا. وتُخرَجُ الزَّكاةُ مِنْ مالِ السَّفيهِ؛ لأنَّها وَجَبتْ بإيجابِ اللهِ ؛ كالصَّلاةِ والصَّومِ، وتُخرَجُ بإذْنِه، وقيلَ في السائِمةِ: بغَيرِ إذْنِه. وقال في «الهِدايةِ»: يَدفَعُ القاضي قَدْرَ الزَّكاةِ إليه لِيُفرِّقَها إلى مَصرِفِها؛ لأنَّها عِبادةٌ ولا بُدَّ فيها مِنْ نيَّتِه، ولكِنْ يَبعَثُ معه أمينًا كي لا يَصرِفَه في غيرِ وَجهِه. ويُنفِقُ على أولادِه وزَوجَتِه ومَن تَجِبُ عليه نَفَقتُه مِنْ ذَوي أرحامِه؛ لأنَّ هذه حُقوقٌ واجِبةٌ عليه، ولأنَّ السَّفَهَ لا يُبطِلُ حُقوقَ الناسِ، ويَدفَعُ القاضي النَّفَقةَ إلى أمينِه؛ لأنَّها ليستْ بعِبادةٍ، فلا يَحتاجُ إلى نيَّتِه، وهذا بخِلافِ ما إذا حلَف أو نَذَرَ أو ظاهَرَ، حيث لا يَلزَمُه المالُ فيُكفِّرُ عن يَمينِه وظِهارِه بالصَّومِ؛ لأنَّه مما وجَب بفِعلِه، فلو فَتَحنا هذا البابَ لنَفِدَتْ أموالُه بهذا الطَّريقِ، ولا كذلك ما يَجبُ ابتداءً بغَيرِ فِعلِه.

стр. 4379

ويُصدَّقُ المَحجورُ عليه في إقرارِه بالوَلَدِ والوالِدِ، ولا يُصدَّقُ في غَيرِهما مِنَ القَرابةِ، إلا ببيِّنةٍ، ويُقبَلُ إقرارُه بالزَّوجيَّةِ؛ لأنَّه لو ابتَدَأ التَّزويجَ يَصحُّ، فكذا يَجوزُ أنْ يُقِرَّ به. فإن أراد حَجَّةَ الإسلامِ لَم يُمنَعْ منها؛ لأنَّها واجِبةٌ عليه بإيجابِ اللهِ مِنْ غيرِ صُنعِه، وإنْ أرادَ أنْ يَعتمِرَ عُمرةً واحِدةً لَم يُمنَعْ منها استِحسانًا. ولا يُمنَعُ مِنَ القِرانِ؛ لأنَّه لا يُمَنعُ مِنْ إفرادِ السَّفَرِ لكلِّ واحِدٍ منهما، فلا يُمنَعُ مِنَ الجَمعِ بَينَهما. ولا يُسلِّمُ القاضي النَّفَقةَ إليه كي لا يُتلِفَها في غيرِ هذا الوَجهِ. ويُسلِّمُها إلى ثِقةٍ مِنَ الحاجِّ يُنفِقُها عليه في طَريقِ الحَجِّ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ منه إتلافُ ما يُدفَعُ إليه، فيَحتاطُ الحاكِمُ في ذلك بدَفعِها إلى ثِقةٍ يَقومُ بذلك، فإنْ أفسَدَ هذا المَحجورُ الحَجَّ بأنْ جامَعَ قبلَ الوُقوفِ فعليه القَضاءُ ويَدفَعُ القاضي نَفَقةَ الرُّجوعِ؛ لأنَّ القَضاءَ يَتوَجَّهُ عليه، فصارَ كالابتِداءِ ولا يَلزَمُه الكَفَّارةُ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على أدائِها في حال الحَجْرِ، فيَتأخَّرُ عنه الوُجوبُ إلى وَقتِ الإمكانِ، وذلك بعدَ زَوالِ الحَجْرِ، كالعَبدِ والمُعسِرِ. وأمَّا العُمرةُ فإذا أفسَدَها لا يَلزَمُه قَضاؤُها إلا بعدَ زَوالِ الحَجرِ؛ لأنَّه ارتَكَبها وهو لا يَقدِرُ على أدائِها، وإنَّما جَوَّزْناها لاختِلافِ العُلماءِ في وُجوبِها. فإنْ أُحصِرَ في حَجَّتِه فإنَّه يَنبَغي للذي أُعطِيَ نَفَقتَه أنْ يَبعَثَ بهَدْيٍ فيُحِلَّ به؛ لأنَّ الإحصارَ ليس مِنْ فِعلِه، وقد احتاج إلى تَخليصِ نَفْسِه كما لو مَرِضَ

стр. 4380

فاحتاجَ إلى الدَّواءِ، وإنِ اصطادَ في إحرامِه أو حَلَقَ مِنْ أذًى، أو صَنَعَ شَيئًا مِنْ ذلك لَزِمه، وكان فَرضُه الصَّومَ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن أداءِ المالِ كالمُعسِرِ. وإنْ ظاهَرَ صَحَّ ظِهارُه؛ لأنَّه لا يُمكِنُ فَسخُه ويَجزيه الصَّومُ؛ لأنَّه مَمنوعٌ مِنْ مالِه؛ ولأنَّه لو أُعتِقَ عن ظِهارِه سَعَى المُعتِقُ في قيمَتِه ولا يُجزئُه العِتقُ، فإنْ صامَ شَهرًا ثم صارَ مُصلِحًا لَم يُجزِه إلا العِتقُ؛ لأنَّه زالَ المَعنى العارِضُ، فصارَ كالمُعسِرِ إذا صامَ شَهرًا ثم وَجَدَ ما يُعتِقُ، وهذا التَّفريعُ كلُّه إنَّما هو على قَولِهما، فأمَّا عندَ أبي حَنيفةَ فهو كغَيرِ المَحجورِ. فإنْ مَرِضَ فأوصى بوَصايا مِنَ القُرَبِ وأبوابِ الخَيرِ جازَ ذلك في ثُلُثِ مالِه؛ لأنَّ الوَصيَّةَ مَأمورٌ بها مِنْ قِبَلِ اللهِ ، فلا يُمنَعُ منها، ولأنَّها تَقرُّبٌ إلى اللهِ ، فكان له في ذلك مَصلَحةٌ. والفَرقُ بينَ القُرَبِ وأبوابِ الخَيرِ أنَّ القُربةَ هي ما تَصيرُ عِبادةً بواسِطةٍ كبِناءِ السِّقايةِ والمَساجِدِ والقَناطِرِ والرِّباطاتِ. وأبوابُ الخَيرِ عامَّةٌ تَتناوَلُ القُربةَ وغَيرَها، كالكَفالةِ والضَّمانِ، فكأنَّ أبوابَ الخَيرِ أعَمُّ مِنَ القُرَبِ. وقيلَ: القُربةُ هي الوَسيلةُ إلى العِبادةِ، وأبوابُ الخَيرِ تَتَناوَلُ العِبادةَ والوَسيلةَ (١).
следующие страницы →