حُكمُ تَصرُّفاتِ السَّفيهِ:
السَّفيهُ إمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفاتٍ لها عَلاقةٌ بالمالِ؛ كالبَيعِ والشِّراءِ والهِبةِ والعِتقِ، فلا يَجوزُ تَصرُّفُه عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ إلا بإذْنِ وَليِّه على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ -كما سيأتي-، وإمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفاتٍ ليس لها عَلاقةٌ بالمالِ؛ كالطَّلاقِ والظِّهارِ والإيلاءِ والإقرارِ بحَدٍّ أو قِصاصٍ، فيَصحُّ منه هذا عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وجُملَتُه أنَّ المَحجورَ عليه لِفَلَسٍ أو سَفَهٍ إذا أقَرَّ بما يُوجِبُ حَدًّا أو قِصاصًا؛ كالزِّنا والسَّرِقةِ والشُّربِ والقَذفِ والقَتلِ العَمدِ أو قَطعِ اليَدِ وما أشبَهَها، فإنَّ ذلك مَقبولٌ ويَلزَمُه حُكمُ ذلك في الحالِ، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا.
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ إقرارَ المَحجورِ عليه على نَفْسِه جائِزٌ إذا كان إقرارُه بزِنًا أو سَرِقةٍ أو شُربِ خَمرٍ أو قَذفٍ أو قَتلٍ، وأنَّ الحُدودَ تُقامُ عليه، وهذا قَولُ الشَّافِعيِّ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ، ولا أحفَظُ عن غَيرِهم خِلافًا لقَولِهم (١).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وذلك لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ في حَقِّ نَفْسِه، والحَجرُ إنَّما تَعلَّقَ بمالِه، فقُبِلَ إقرارُه على نَفْسِه بما لا يَتعلَّقُ بالمالِ، وإنْ طَلَّقَ زَوجَتَه نَفَذَ طَلاقُه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليس بتَصرُّفٍ في المالِ، ولا يَجري مَجراه، فلا يَمنَعُ منه؛ كالإقرارِ بالحَدِّ والقِصاصِ، ودَليلُ
стр. 4377
أنَّه لا يَجري مَجرى المالِ أنَّه يَصحُّ مِنَ العَبدِ بغَيرِ إذْنِ سَيِّدِه مع مَنْعِه مِنَ التَّصرُّفِ في المالِ، ولا يُملَكُ بالمِيراثِ، ولأنَّه مُكلَّفٌ طَلَّقَ امرأتَه مُختارًا فوَقَعَ طَلاقُه كالعَبدِ والمُكاتَبِ (١).
وإليكَ بَيانَ ذلك مُفصَّلًا عندَ كلِّ مَذهبٍ:
قال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: حُكمُ تَصرُّفاتِ السَّفيهِ هو نَفْسُه حُكمُ تَصرُّفاتِ الصَّبيِّ الذي لَم يَبلُغْ -التي سبَق ذِكْرُها في تَصرُّفاتِ الصَّبيِّ- إلا في أشياءَ مَعدودةٍ، فإنَّ حُكمَه فيها كحُكمِ البالِغِ العاقِلِ، وهي أنَّه إذا تَزوَّجَ امرأةً جازَ نِكاحُه، وإنْ سَمَّى لَها مَهرًا جازَ منه مِقدارُ مَهرِ مِثلِها وبطَل الفَضلُ، وله أنْ يَتزوَّجَ أربَعًا مُجتَمِعاتٍ ومُتفَرِّقاتٍ؛ لأنَّه لا يُؤثِّرُ فيه الهَزلُ؛ ولأنَّه مِنْ حَوائِجِه الأصليَّةِ.
وإنْ أعتَقَ جازَ عِتْقُه، ولكِنْ يَسعى العَبدُ في قيمَتِه.
ويَصحُّ تَدبيرُه واستيلادُه وطَلاقُه، ويَجبُ في مالِه الزَّكاةُ، ويَجبُ عليه الحَجُّ إذا كان قادِرًا على الزادِ والراحِلةِ وتُنفَّذُ وَصيَّتُه في الثُّلُثِ، ويَجوزُ إقرارُه على نَفْسِه بما يُوجِبُ العُقوبةَ، كما إذا أقَرَّ بوُجوبِ القِصاصِ في النَّفسِ وفيما دونَها.
وأمَّا بَيعُه وشِراؤُه وهِبَتُه وصَدَقتُه وإقرارُه بالمالِ وإجارَتُه فلا تَجوزُ منه، كما لا تَجوزُ مِنَ الصَّبيِّ والمَجنونِ.
стр. 4378
فإنْ كان في بَيعِه مَصلَحةٌ أجازَه الحاكِمُ؛ لأنَّ رُكنَ التَّصرُّفِ قد وُجِدَ، والتَّوقُّفُ كان لِلنَّظَرِ له، وقد نَصَّبَ الحاكِمُ ناظِرًا له يَتحَرَّى المَصلَحةَ فيه، كما في الصَّبيِّ الذي يَعقِلُ البَيعَ والشِّراءَ ويَقصِدُه.
ولو باعَ قبلَ حَجرِ القاضي جازَ عندَ أبي يُوسُفَ ﵀؛ لأنَّه لا بُدَّ مِنْ حَجرِ القاضي عندَه؛ لأنَّ الحَجْرَ دائِرٌ بينَ الضَّرَرِ والنَّظَرِ، والحَجْرٍ لِنَظَرِه؛ فلا بُدَّ مِنْ فِعلِ القاضي.
وعندَ مُحمدٍ ﵀: لا يَجوزُ؛ لأنَّه يَبلُغُ مَحجورًا عندَه؛ إذِ العِلَّةُ هي السَّفَهُ، بمَنزِلةِ الصِّبا، وعلى هذا الخِلافِ كذلك إذا بَلَغَ رَشيدًا ثم صارَ سَفيهًا.
وتُخرَجُ الزَّكاةُ مِنْ مالِ السَّفيهِ؛ لأنَّها وَجَبتْ بإيجابِ اللهِ ؛ كالصَّلاةِ والصَّومِ، وتُخرَجُ بإذْنِه، وقيلَ في السائِمةِ: بغَيرِ إذْنِه.
وقال في «الهِدايةِ»: يَدفَعُ القاضي قَدْرَ الزَّكاةِ إليه لِيُفرِّقَها إلى مَصرِفِها؛ لأنَّها عِبادةٌ ولا بُدَّ فيها مِنْ نيَّتِه، ولكِنْ يَبعَثُ معه أمينًا كي لا يَصرِفَه في غيرِ وَجهِه.
ويُنفِقُ على أولادِه وزَوجَتِه ومَن تَجِبُ عليه نَفَقتُه مِنْ ذَوي أرحامِه؛ لأنَّ هذه حُقوقٌ واجِبةٌ عليه، ولأنَّ السَّفَهَ لا يُبطِلُ حُقوقَ الناسِ، ويَدفَعُ القاضي النَّفَقةَ إلى أمينِه؛ لأنَّها ليستْ بعِبادةٍ، فلا يَحتاجُ إلى نيَّتِه، وهذا بخِلافِ ما إذا حلَف أو نَذَرَ أو ظاهَرَ، حيث لا يَلزَمُه المالُ فيُكفِّرُ عن يَمينِه وظِهارِه بالصَّومِ؛ لأنَّه مما وجَب بفِعلِه، فلو فَتَحنا هذا البابَ لنَفِدَتْ أموالُه بهذا الطَّريقِ، ولا كذلك ما يَجبُ ابتداءً بغَيرِ فِعلِه.
стр. 4379
ويُصدَّقُ المَحجورُ عليه في إقرارِه بالوَلَدِ والوالِدِ، ولا يُصدَّقُ في غَيرِهما مِنَ القَرابةِ، إلا ببيِّنةٍ، ويُقبَلُ إقرارُه بالزَّوجيَّةِ؛ لأنَّه لو ابتَدَأ التَّزويجَ يَصحُّ، فكذا يَجوزُ أنْ يُقِرَّ به.
فإن أراد حَجَّةَ الإسلامِ لَم يُمنَعْ منها؛ لأنَّها واجِبةٌ عليه بإيجابِ اللهِ مِنْ غيرِ صُنعِه، وإنْ أرادَ أنْ يَعتمِرَ عُمرةً واحِدةً لَم يُمنَعْ منها استِحسانًا.
ولا يُمنَعُ مِنَ القِرانِ؛ لأنَّه لا يُمَنعُ مِنْ إفرادِ السَّفَرِ لكلِّ واحِدٍ منهما، فلا يُمنَعُ مِنَ الجَمعِ بَينَهما.
ولا يُسلِّمُ القاضي النَّفَقةَ إليه كي لا يُتلِفَها في غيرِ هذا الوَجهِ.
ويُسلِّمُها إلى ثِقةٍ مِنَ الحاجِّ يُنفِقُها عليه في طَريقِ الحَجِّ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ منه إتلافُ ما يُدفَعُ إليه، فيَحتاطُ الحاكِمُ في ذلك بدَفعِها إلى ثِقةٍ يَقومُ بذلك، فإنْ أفسَدَ هذا المَحجورُ الحَجَّ بأنْ جامَعَ قبلَ الوُقوفِ فعليه القَضاءُ ويَدفَعُ القاضي نَفَقةَ الرُّجوعِ؛ لأنَّ القَضاءَ يَتوَجَّهُ عليه، فصارَ كالابتِداءِ ولا يَلزَمُه الكَفَّارةُ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على أدائِها في حال الحَجْرِ، فيَتأخَّرُ عنه الوُجوبُ إلى وَقتِ الإمكانِ، وذلك بعدَ زَوالِ الحَجْرِ، كالعَبدِ والمُعسِرِ.
وأمَّا العُمرةُ فإذا أفسَدَها لا يَلزَمُه قَضاؤُها إلا بعدَ زَوالِ الحَجرِ؛ لأنَّه ارتَكَبها وهو لا يَقدِرُ على أدائِها، وإنَّما جَوَّزْناها لاختِلافِ العُلماءِ في وُجوبِها.
فإنْ أُحصِرَ في حَجَّتِه فإنَّه يَنبَغي للذي أُعطِيَ نَفَقتَه أنْ يَبعَثَ بهَدْيٍ فيُحِلَّ به؛ لأنَّ الإحصارَ ليس مِنْ فِعلِه، وقد احتاج إلى تَخليصِ نَفْسِه كما لو مَرِضَ
стр. 4380
فاحتاجَ إلى الدَّواءِ، وإنِ اصطادَ في إحرامِه أو حَلَقَ مِنْ أذًى، أو صَنَعَ شَيئًا مِنْ ذلك لَزِمه، وكان فَرضُه الصَّومَ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن أداءِ المالِ كالمُعسِرِ.
وإنْ ظاهَرَ صَحَّ ظِهارُه؛ لأنَّه لا يُمكِنُ فَسخُه ويَجزيه الصَّومُ؛ لأنَّه مَمنوعٌ مِنْ مالِه؛ ولأنَّه لو أُعتِقَ عن ظِهارِه سَعَى المُعتِقُ في قيمَتِه ولا يُجزئُه العِتقُ، فإنْ صامَ شَهرًا ثم صارَ مُصلِحًا لَم يُجزِه إلا العِتقُ؛ لأنَّه زالَ المَعنى العارِضُ، فصارَ كالمُعسِرِ إذا صامَ شَهرًا ثم وَجَدَ ما يُعتِقُ، وهذا التَّفريعُ كلُّه إنَّما هو على قَولِهما، فأمَّا عندَ أبي حَنيفةَ فهو كغَيرِ المَحجورِ.
فإنْ مَرِضَ فأوصى بوَصايا مِنَ القُرَبِ وأبوابِ الخَيرِ جازَ ذلك في ثُلُثِ مالِه؛ لأنَّ الوَصيَّةَ مَأمورٌ بها مِنْ قِبَلِ اللهِ ، فلا يُمنَعُ منها، ولأنَّها تَقرُّبٌ إلى اللهِ ، فكان له في ذلك مَصلَحةٌ.
والفَرقُ بينَ القُرَبِ وأبوابِ الخَيرِ أنَّ القُربةَ هي ما تَصيرُ عِبادةً بواسِطةٍ كبِناءِ السِّقايةِ والمَساجِدِ والقَناطِرِ والرِّباطاتِ.
وأبوابُ الخَيرِ عامَّةٌ تَتناوَلُ القُربةَ وغَيرَها، كالكَفالةِ والضَّمانِ، فكأنَّ أبوابَ الخَيرِ أعَمُّ مِنَ القُرَبِ.
وقيلَ: القُربةُ هي الوَسيلةُ إلى العِبادةِ، وأبوابُ الخَيرِ تَتَناوَلُ العِبادةَ والوَسيلةَ (١).
стр. 4381
وقال المالِكيَّةُ: تُرَدُّ تَصرُّفاتُ السَّفيهِ في حالةِ الحياةِ؛ صَونًا لِمالِه على مَصالِحِه؛ لِئلَّا يَضيعَ مالُه بتَصرُّفاتٍ رَديئةٍ، وتَنفُذُ تَصرُّفاتُه في الوَصايا عندَ المَوتِ؛ صَونًا لِمالِه على مَصالِحِه؛ فإنَّا لو رَدَدْنا وَصاياه لَأخَذَ مالَه وارِثُه ولَم يَحصُلْ له مِنْ مالِه مَصلَحةٌ، فصَونُ مالِه على مَصالِحِه وَصفٌ واحِدٌ ناسَبَ الضِّدَّيْنِ المُتَنافيَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما رَدُّ تَصرُّفاتِه حالَ الحياةِ، وتَنفيذُ تَصرُّفاتِه عندَ المَماتِ، وتَرتُّبًا عليه في الشَّريعةِ.
قال ابنُ العَربيِّ ﵀: فإنْ تَصرَّفَ السَّفيهُ المَحجورُ دونَ وَليٍّ فإنَّ التَّصرُّفَ فاسِدٌ إجماعًا، مَفسوخٌ أبَدًا، لا يُوجِبُ حُكمًا ولا يُؤثِّرُ شَيئًا.
وإنْ تَصرَّفَ سَفيهٌ لا حَجْرَ عليه اختَلَف عُلماؤُنا فيه، فابنُ القاسِمِ يُجوِّزُ فِعلَه، وعامَّةُ أصحابِنا يُسقِطونَه.
والذي أراه مِنْ ذلك أنَّه إنْ تَصرَّفَ بسَدادٍ نَفَذَ، وإنْ تَصرَّفَ بغَيرِ سَدادٍ بطَل (١).
وقال أيضًا: قال عُلماؤُنا: لمَّا لَم يَكُنْ لهم عَمَلٌ في أموالِهم وقُبِضتْ عنها أيديهم لَم يَكُنْ لهم فيها قَولٌ، ولا نَفَذَ لهم فيها عَقدٌ ولا عَهدٌ، فلا يَجوزُ فيها بَيعُهم ولا نَذرُهم؛ لأنَّ العِلَّةَ التي لِأجْلِها قُبِضتْ أيديهم عنها الصِّيانةُ لها عن تَبذيرِهم، والحِفظُ لها إلى وَقتِ مَعرِفَتِهم وتَبصُّرِهم، فلو جازَ لهم فيها بَيعٌ أو هِبةٌ أو عَهدٌ لَبَطلَتْ فائِدةُ المَنعِ لهم عنها وسَقَط مَقصودُ حِفظِها عليهم.
стр. 4382
فأمَّا ما كان في أيديهم مِنْ زَوجةٍ أو أُمِّ وَلَدٍ تَمكَّنوا منهما فكَلامُهم نافِذٌ فيهما، ويَنفُذُ طَلاقُ الزَّوجةِ وعِتقُ أُمِّ الوَلَدِ عليهم؛ لأنَّهم تَمكَّنوا مِنْ ذلك فِعلًا، فيَنفُذُ القَولُ فيهما شَرعًا، وهذه نُكتةٌ بَديعةٌ في الحُجَّةِ لِإنفاذِ الطَّلاقِ والعِتقِ (١).
فالسَّفيهُ مِثلُ الصَّبيِّ المُميِّزِ في جَميعِ ما تَقدَّم في تَصرُّفاتِ الصَّبيِّ إلا فيما يلي:
١ - في طَلاقِه؛ فإنَّه يَلزَمُه، بخِلافِ الصَّبيِّ، فلا يَلزَمُه، ولِلوَليِّ رَدُّه وله هو إنْ رَشَدَ كما تَقدَّم.
٢ - في استِلحاقِ نَسَبٍ ونَفْيِه.
٣ - في قِصاصٍ ثَبَت عليه بالبَيِّنةِ، فيَلزَمُه ويُقتَصُّ منه، بخِلافِ الصَّبيِّ؛ فالدِّيةُ على ما تَقدَّم كالمَجنونِ، وإنَّما يَلزَمُه قِصاصٌ ثَبَت عليه، فيُقتَصُّ منه؛ لأنَّ قَصدَه يَصحُّ، ولأنَّ القِصاصَ مِنْ حُقوقِ اللهِ التي تَلزَمُ جَميعَ المُكلَّفينَ، والسَّفيهُ البالِغُ يَلزَمُه جَميعُ حُقوقِ اللهِ التي أوجَبَها اللهُ على عِبادِه في بَدَنِه ومالِه مِنَ الحُدودِ والقِصاصِ والطَّلاقِ، ولأنَّ السَّفَهَ أثَرٌ في تَصرُّفِه بالمالِ، فلَم يُمنَعْ مِنْ حُقوقِ اللهِ ، أصلُه المَرَضُ.
стр. 4383
٤ - في عَفوٍ عن قِصاصٍ ثَبَت له على جانٍ عليه، أو على وَليِّه، فإنَّه يَلزَمُه ولا يُرَدُّ.
وأمَّا الخَطَأُ والعَمدُ الذي يَتعيَّنُ فيه المالُ -كالجائِفةِ- فليس له العَفوُ؛ لأنَّه مِنَ المالِ، بخِلافِ الصَّبيِّ فليس له عَفوٌ مُطلَقًا.
وإنَّما لَم يَجُزْ عَفوُ المَحجورِ عن الخَطَأِ والعَمدِ اللذَيْنِ يَتعيَّنُ فيهما المالُ -كالجائِفةِ-؛ لأنَّه مِنَ المالِ، وهو مَمنوعٌ مِنَ التَّصرُّفِ فيه بحُكمِ الحَجرِ.
٥ - في إقرارٍ بمُوجِبِ عُقوبةٍ، كأنْ يَقولَ: أنا جَنَيتُ على زَيدٍ أو قَذَفتُه، فيَلزَمَه الحَدُّ؛ لأنَّ العاقِلَ لا يُتَّهَمُ في أنْ يُقِرَّ بباطِلٍ يُؤدِّي إلى قَتلِه ويُتَّهَمُ في أنْ يُقِرَّ بمالٍ يُؤدِّي إلى إتلافِ مالِه لِغَرَضٍ له في ذلك لا يَقَعُ في مِثلِه العُقلاءُ الرُّشَداءُ.
والسِّرُّ أنْ الوازِعَ الطَّبيعيَّ يَمنَعُ مِنَ الإقرارِ بالقِصاصِ والحُدودِ، ويَحُثُّ على اللَّذَّاتِ والشَّهَواتِ، فلذلك حُمِلَ إقرارُه في الأبدانِ على تَحقُّقِ السَّبَبِ الشَّرعيِّ دونَ المالِ.
بخِلافِ المَجنونِ في الجَميعِ، فلا يَلزَمُه شَيءٌ مِنْ ذلك، كالصَّبيِّ والدِّيةِ إنْ بَلَغتِ الثُّلُثَ فأكثَرَ على عاقِلَتِهما، وإلا فعليهما، كالمالِ، كما تَقدَّم.
التَّصرُّفاتُ قبلَ الحَجْرِ:
وتَصرُّفُ الذَّكَرِ السَّفيهِ المُحقَّقِ السَّفَهِ قبلَ الحَجْرِ عليه -بأنْ كان مُهمَلًا لا وَليَّ له- لَازِمٌ لا يُرَدُّ على المُعتمَدِ، ولو تَصرَّفَ بغَيرِ عِوَضٍ كعِتقٍ؛ لأنَّ عِلَّةَ الرَّدِّ الحَجْرُ عليه، وهو مَفقودٌ.
стр. 4384
وهذا بخِلافِ تَصرُّفِ الصَّبيِّ؛ فإنَّه غيرُ ماضٍ، وله رَدُّه، وبخِلافِ الأُنثى المُهمَلةِ، فتَصرُّفُها مَردودٌ، ولو تَزوَّجتْ، إلا أنْ يَدخُلَ بها زَوجٌ ويَطولَ مُكثُها معه، كسَبعٍ مِنَ السِّنينَ فأكثَرَ، وتَتصرَّفُ بعدَ ذلك فيَمضي ولا يُرَدُّ.
وتَصرُّفه بعدَ الحَجْرِ عليه مَردودٌ، ولو حَسُنَ تَصرُّفُه، ما لَم يَحصُلِ الفَكُّ عنه مِنْ وَصيٍّ أو حاكِمٍ أو مُقدِّمٍ؛ لِوُجودِ عِلَّةِ الحَجْرِ عليه.
وقال ابنُ القاسِمِ ﵀ وبَعضُ المالِكيَّةِ: يَرُدُّ تَصرُّفَه؛ لأنَّ العِلَّةَ السَّفَهُ، وهو مَوجودٌ.
قال المازوريُّ ﵀: وأشياخي المُحقِّقونَ يَختارونَ الرَّدَّ لِأفعالِه، ويَرَوْنَ أنَّ السَّفَهَ عِلَّةٌ في الرَّدِّ، وليس الحُكمُ بالحَجْرِ عِلَّةَ الرَّدِّ؛ لِكَونِ الحَجْرِ تَنْحيةً عن السَّفَهِ، ولِكَونِ السَّفَهِ أشَدَّه وأوجَبَه، وليس الحُكمُ بالحَجْرِ هو الذي أثبَتَ الحَجْرَ وأوجَبَه، بل السَّفَهُ عِلَّةٌ، والحُكمُ مَعلولٌ، فلا يَنقلِبُ الأمرُ فيَصيرُ المَعلولُ عِلَّةً والعِلَّةُ مَعلولًا.
وكأنَّ مَنْ ذهَب إلى خِلافِ هذا رأى أنَّ ثُبوتَ السَّفَهِ يَحتاجُ إلى اجتِهادٍ وكَشفٍ وبَحثٍ، وهو أيضًا مِمَّا اختَلَفَ المَذهبُ في حَقيقَتِه على حَسَبِ ما قَدَّمْناه فيما سَلَف، وما كان مُختَلَفًا فيه ويَفتَقِرُ ثُبوتُه إلى اجتِهادٍ لَم يُقضَ به ويَثبُتْ حُصولُه إلا بحُكمِ حاكِمٍ، لا سيَّما أنَّ في رَدِّ أفعالِه إضرارًا بمُعامِليه؛ لأنَّهم يَرَوْنَ رَجُلًا يَتصرَّفُ في مالِه ولا يُنكَرُ ذلك عليه أحَدٌ، فيُعامِلونَه، فلو رَدَدْنا أفعالَه أضرَرْنا بمُعامِليه، وهم لَم يُقصِّروا في الاجتِهادِ ولَم يُفرِّطوا، بخِلافِ مُعامَلَتِهم لِصَغيرٍ لَم يَبلُغْ، أو مَجنونٍ، فإنَّ مُعامَلَتَهم له تُرَدُّ؛ لِكَونِهم
стр. 4385
هُمْ المُتلِفينَ لِمالِهم والمُفرِّطينَ في مُعامَلَتِه، فإنَّ السَّبَبَ المُوجِبَ لرَدِّ أفعالِه ظاهِرٌ بَيِّنٌ لا يَحتاجُ إلى اجتِهادٍ ولا حُكومةِ حاكِمٍ؛ فالصِّغَرُ والجُنونُ أمرانِ مُشاهَدانِ، بخِلافِ السَّفَهِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَصحُّ مِنَ المَحجورِ عليه لِسَفَهٍ بَيعٌ ولو بغِبطةٍ، ولا شِراءٌ ولو في الذِّمَّةِ، ولا إعتاقٌ ولا هِبةٌ منه لِشَيءٍ مِنْ مالِه؛ لأنَّ تَصحيحَ ذلك يُؤدِّي إلى إبطالِ مَعنى الحَجْرِ.
أمَّا الهِبةُ له فالأصَحُّ صِحَّتُها؛ لأنَّه ليس بتَفويتٍ، بل تَحصيلٌ.
ولا يَصحُّ قَبولُ الوَصيَّةِ في المُعتمَدِ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ ماليٌّ، وجَزَمَ الماوَرديُّ والرُّويانيُّ والجُرجانيُّ بالصِّحَّةِ لِقَبولِ الهِبةِ.
والفَرقُ بَينَهما أنَّ قَبولَ الوَصيَّةِ تَملُّكٌ، بخِلافِ قَبولِ الهِبةِ، وأنَّ قَبولَ الهِبةِ أيضًا يُشترَطُ فيه الفَورُ، ورُبَّما يَكونُ الوَليُّ غائبًا فتَفوتُ، بخِلافِ الوَصيَّةِ.
قال الماوَرديُّ ﵀: وإذا صَحَّحْنا قَبولَ ذلك لا يَجوزُ تَسليمُ المَوهوبِ والمُوصى به إليه، فإنْ سَلَّمَهما إليه ضمِن المُوصى به دونَ المَوهوبِ؛ لأنَّه مِلكُ المُوصى به بقَبولِه بخِلافِ المَوهوبِ.
ولا يَصحُّ منه كلُّ ما ذُكِرَ إلا إذا أذِنَ له وَليُّه به في أحَدِ الوَجهَيْنِ، كما يَصحُّ النِّكاحُ إذا أُذِنَ له فيه، وفي الوَجْهِ الآخَرِ: لا يَصحُّ؛ لأنَّ البَيعَ والشِّراءَ
стр. 4386
يَختَلِفُ حُكمُهما ساعةً فساعةً؛ لأنَّه قد يَزيدُ سِعرُ الأسواقِ ويَنقُصُ، فافتَقَرَ إلى عَقدِ الوَليِّ، ولأنَّ البَيعَ والشِّراءَ يَتضمَّنُ المالَ لا غَيرُ، وهو مَحجورٌ عليه في المالِ، بخِلافِ النِّكاحِ.
ولا يَصحُّ منه نِكاحٌ يَقبَلُه لِنَفْسِه بغَيرِ إذْنِ وَليِّه؛ لأنَّ النِّكاحَ يَتطلَّبُ وُجوبَ المالِ؛ فلَم يَصحَّ بغَيرِ إذْنِ الوَليِّ، وإنِ احتاجَ لِلنِّكاحِ فالوَليُّ بالخيارِ، إنْ شاءَ زَوَّجَهَ بنَفْسِه وتَولَّى العَقدَ، وإنْ شاءَ أذِنَ له لِيَعقِدَ بنَفْسِه؛ لأنَّه عاقِلٌ مُكلَّفٌ، وإنَّما حُجِرَ عليه لِحِفظِ مالِه، بخِلافِ الصَّبيِّ.
وأمَّا قَبولُ النِّكاحِ بالوَكالةِ فيَصحُّ، وأمَّا الإيجابُ فلا يَصحُّ مُطلَقًا، لا أصالةً، ولا وَكالةً، أذِنَ الوَليُّ أو لا.
فلو اشتَرى أو اقتَرَض مِنْ رَشيدٍ وقَبَض بإذْنِه أو أقبَضَه وتلِف المأخوذُ في يَدِه قبلَ المُطالَبةِ له برَدِّه، أو أتلَفَه، فلا ضَمانَ في الحالِ، ولا بعدَ فَكِّ الحَجْرِ، سواءٌ عَلِمَ حالَه مَنْ عامَلَه أو جَهِلَ؛ لأنَّ مَنْ عامَله سَلَّطَه على إتلافِه بإقباضِه إياه، وكان مِنْ حَقِّه أنْ يَبحَثَ عنه قبلَ مُعامَلَتِه.
وهل لا يَضمَنُ ظاهِرًا وباطِنًا أو أنَّه يَضمَنُ بعدَ انفِكاكِ الحَجْرِ عنه على قَولَيْنِ.
أمَّا لو قبَضه مِنْ غيرِ رَشيدٍ أو مِنْ رَشيدٍ بغيَرِ إذْنِه وإقباضِه أو تلِف بعدَ المُطالَبةِ فإنَّه يَضمَنُه.
وكذا لو نَكَحَ بلا إذْنٍ ووَطِئَ لَم يَلزَمْه شَيءٌ.
стр. 4387
ولو بَقيَتِ العَينُ في يَدِه حتى صارَ رَشيدًا وتَمكَّنَ مِنْ رَدِّها ثم تَلِفتْ ولَم يَردَّها ضمِنها، كما لو استَقَلَّ بإتلافِها.
ويَصحُّ بإذْنِ الوَليِّ نِكاحُه، لا التَّصرُّفُ الماليُّ في الأصَحِّ؛ لأنَّ عبارَتَه مَسلوبةٌ، كما لو أذِنَ لِصَبيٍّ، والآخَرُ: يَصحُّ كالنِّكاحِ.
وفَرَّقَ الأوَّلُ بأنَّ المَقصودَ بالحَجرِ عليه حِفظُ المالِ دونَ النِّكاحِ.
ومَحَلُّ الوَجهَيْنِ إذا عَيَّنَ له الوَليُّ قَدْرَ الثَّمَنِ، وإلَّا لَم يَصحَّ جَزمًا، ومَحَلُّهما أيضًا فيما إذا كان بعِوَضٍ كالبَيعِ، فإنْ كان خالِيًا عنه -كعِتقٍ وهِبةٍ- لَم يَصحَّ جَزمًا.
ويُستَثنى مِنْ ذلك بَعضُ المَسائِلِ:
منها: لو وَجَب عليه قِصاصٌ فصالَحَ بغَيرِ إذْنِ وَليِّه على الدِّيةِ أو أكثَرَ فليس لِلوَليِّ مَنعُه.
ومنها: عَقدُ الجِزيةِ؛ فإنَّه يَصحُّ منه مُباشَرَتُه بدينارٍ، وإنْ لَم يأذَنْ له الوَليُّ، ولا يَصحُّ منه ولا مِنَ الوَليِّ بزيادةٍ عليه، وفَرقٌ بَينَه وبَينَ المُصالَحةِ على أكثَرِ مِنَ الدِّيةِ بأنَّ صيانةَ الرُّوحِ عن القِصاصِ قد لا تَحصُلُ إلا بزِيادةٍ عليه، بخِلافِ عَقدِ الذِّمَّةِ، فإنَّ الإمامَ يَجبُ عليه العَقدُ عندَ إعطاءِ الدِّينارِ، وعَقدُ الهُدنةِ كالجِزيةِ.
ومنها: لو وَجَب له قِصاصٌ، فإنَّ له العَفوَ على مالٍ، وكذا مَجَّانًا على المَذهبِ.
стр. 4388
ومنها: لو سَمِعَ قائِلًا يَقولُ: مَنْ رَدَّ علَيَّ عَبدي فله كذا، فرَدَّه، استَحَقَّ الجُعلَ؛ لأنَّ الصَّبيَّ يَستحِقُّه، فالبالِغُ السَّفيهُ أوْلَى.
ومنها: لو قبَض دَيْنَه بإذْنِ وَليِّه اعتُدَّ به في أرجَحِ الوَجهَيْنِ.
ومنها: لو وَقَع في أسْرٍ ففَدَى نَفْسَه بمالٍ فإنَّه يَصحُّ، كما يَصحُّ منه عَقدُ الجِزيةِ.
ومنها: لو فَتَحْنا بَلَدًا لِلسُّفهاءِ على أنْ تَكونَ الأرضُ لنا ويُؤدُّونَ خَراجَها فإنَّه يَصحُّ كالجِزيةِ.
ومنها: لو أجَّرَ نَفْسَه بما لَه التَّبرُّعُ به مِنْ مَنافِعِه، وهو ما ليس عَمَلُه مَقصودًا في كَسْبِه، فإنَّه يَصحُّ.
ومنها: لو انتَهى الأمرُ في المَطاعِمِ إلى الضَّرورةِ تَجوزُ تَصرُّفاتُه.
ولا يَصحُّ إقرارُه بالنِّكاحِ، كما لا يَصحُّ نَشؤُه.
ولا بدَيْنٍ في مُعامَلةٍ أُسنِدَ وُجوبُه إلى ما قبلَ الحَجْرِ، أو إلى ما بَعدَه، كالصَّبيِّ، ولا يُقبَلُ إقرارُه بعَينٍ في يَدِه في حالِ الحَجْرِ، وكذا بإتلافِ المالِ أو جِنايةٍ تُوجِبُ المالَ في الأظهَرِ، كدَينِ المُعامَلةِ.
ورأي آخَرُ: يُقبَلُ؛ لأنَّه إذا باشَرَ الإتلافَ يَضمَنُ، فإذا أقَرَّ به قُبِلَ.
ويَصحُّ إقرارُه بالحَدِّ والقِصاصِ لِعَدَمِ تَعلُّقِهما بالمالِ، ولِبُعدِ التُّهمةِ، ولو كان الحَدُّ سَرِقةً قُطِعَ، ولا يَلزَمُه المالُ، ولو عَفا مُستحِقُّ القِصاصِ بعدَ إقرارِه على مالٍ ثَبَت لأنَّه تَعلَّقَ باختيارِ غَيرِه، لا بإقرارِه.
стр. 4389
ويَصحُّ طَلاقُه ورَجعَتُه وخُلعُه زَوجَتَه بمِثلِ المَهرِ وبدونِه.
ويَصحُّ ظِهارُه وإيلاؤُه وإيلادُه ونَفيُه النَّسَبَ لِما وَلَدتْه زَوجَتُه بلِعانٍ، ولِما وَلَدتْه أَمَتُه بحَلِفٍ لأنَّ هذه الأُمورَ ما عدا الخُلعَ لا تَعلُّقَ لها بالمالِ الذي حُجِرَ لِأجْلِه.
وأمَّا الخُلعُ فلأنَّه إذا صَحَّ طَلاقُه مَجَّانًا فبعِوَضٍ أوْلَى، إلا أنَّ المالَ يُسلَّمُ إلى وَليِّه، فإنْ سَلَّمَتْه إليه فتلِف في يَدِه أو أتلَفَه وَجَب عليها ضَمانُه، ولو أذِنَ وَليُّ السَّفيهِ لِلمَرأةِ بتَسليمِ المالِ إلى السَّفيهِ فسَلَّمتْه إليه لا تَبرَأُ في المَذهبِ؛ لأنَّه ليس مِنْ أهلِ القَبضِ.
ويَصحُّ استِلحاقُه النَّسَبَ ويُنفَقُ عليه مِنْ بَيتِ المالِ.
وحُكمُه في العِبادةِ الواجِبةِ مُطلَقًا والمَندوبةِ البَدنيَّةِ كالرَّشيدِ؛ لاجتِماعِ الشَّرائِطِ فيه.
أمَّا المَندوبةُ الماليَّةُ -كصَدَقةِ التَّطوُّعِ- فليس هو فيها كالرَّشيدِ، لكنْ لا يُفرِّقُ الزَّكاةَ بنَفْسِه؛ لأنَّه وِلايةٌ وتَصرُّفٌ ماليٌّ، إلا إنْ أذِنَ له الوَليُّ وعَيَّنَ له المَدفوعَ إليه صَحَّ صَرفُه، كنَظيرِه في الصَّبيِّ المُميِّزِ، وكما يَجوزُ لِلأجنبيِّ تَوكيلُه فيه، ولا بُدَّ أنْ يَكونَ ذلك بحَضرةِ الوَليِّ، أو مَنْ يَنوبُ عنه؛ لأنَّه قد يَتلَفُ المالُ إذا خَلا به أو يَدَّعي صَرفَه كاذِبًا، وكالزَّكاةِ في ذلك الكَفَّارةُ ونَحوُها.
ويَصحُّ نَذْرُه في الذِّمَّةِ بالمالِ، لا بعَينِ مالِه، والمُرادُ بصِحَّةِ نَذْرِه فيما ذُكِرَ ثُبوتُه في الذِّمَّةِ إلى ما بعدَ الحَجرِ.
стр. 4390
وإذا أحرَمَ حالَ الحَجْرِ بحَجِّ فَرضٍ أصليٍّ أو قَضاءٍ أو مَنذورٍ قبلَ الحَجْرِ، وكذا بَعدَه، أعطَى الوَليُّ كفايَتَه لِثِقةٍ يُنْفِقُ عليه في طَريقِه، ولو بأُجرةٍ، أو يَخرُجُ الوَليُّ معه خَوفًا مِنْ تَفريطِه فيه.
ولو أفسَدَ حَجَّهُ المَفروضَ بالجِماعِ في حالِ سَفَهِه لَزِمَه المُضيُّ فيه والقَضاءُ، ويُعطيه الوَليُّ نَفَقةَ القَضاءِ.
وإنْ أحرَمَ حالَ الحَجْرِ بتَطوُّعٍ مِنْ حَجٍّ أو عُمرةٍ أو بنَذرٍ بعدَ الحَجْرِ وسَلَكنا به مَسلَكَ جائِزِ الشَّرعِ، وهو الرأيُ المَرجوحُ، وزادَتْ مُؤنةُ سَفَرِه لِإتمامِ النُّسُكِ، أو إتيانِه عن نَفَقَتِه المَعهودةِ في الحَضَرِ فلِلوليِّ مَنعُه مِنَ الإتمامِ أو الإتيانِ به صيانةً لِمالِه.
والمَذهبُ أنَّه كمُحصَرٍ، فيتحَلَّلُ؛ لأنَّه مَمنوعٌ مِنَ المُضيِّ، ويَتحلَّلُ بالصَّومِ لأنَّه مَمنوعٌ مِنَ المالِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ تَزوُّجُ السَّفيهِ إنْ لَم يَكُنْ مُحتاجًا إليه إلا بإذْنِ وَليِّه؛ لأنَّه تَصرُّفٌ يَجبُ به مالٌ، فلَم يَصحَّ بغَيرِ إذْنِ وَليِّه، كالشِّراءِ.
فإنْ كان مُحتاجًا إلى التَّزويجِ صَحَّ بمَهرِ المِثلِ بغَيرِ إذْنِ وَليِّه؛ لأنَّه إذْنُ مَصلَحةٍ مَحضةٍ، والنِّكاحُ لَم يُشرَعْ لِقَصدِ المالِ، وسَواءٌ احتاجَه لِمُتعةٍ أو خِدمةٍ.
стр. 4391
وإنْ عَضَلَه الوَليُّ بالزَّواجِ فمنَعه منه استَقَلَّ السَّفيهُ به، كما لو لَم يَمنَعْه؛ لِما تَقدَّم.
فلو عَلِمَ الوَليُّ أنَّ السَّفيهَ يُطلِّقُ إذا زَوَّجَهَ اشتَرى له أَمَةً يَتسَرَّى بها، ولا يَنفُذُ عِتقُه فيها؛ لأنَّه تَبرُّعٌ أشبَهَ هِبَتَه ووَقْفَه.
ويُنفَقُ عليه مِنْ مالِه ويُكسَى مِنْ مالِه بالمَعروفِ، ويَتولَّى ذلك وَليُّه.
فإنْ أفسَدَ السَّفيهُ نَفَقَتَه وكِسوَتَه فَعَل الوَليُّ به كما في الصَّبيِّ والمَجنونِ، فيَدفَعُ النَّفَقةَ إليه يَومًا بيَومٍ.
فإنْ أفسَدَها أطعَمَه مُعايَنةً ويَستُرُ عَورَتَه فَقَطْ في بَيتٍ إنْ لَم يُمكِنْ تَحيَّلَ عليه بتَهديدٍ ونَحوِه، وإذا خَرَج لِلناسِ ألبَسَه ثِيابَه.
ويَصحُّ تَدبيرُه ووَصيَّتُه؛ لأنَّه لا ضَرَر عليه فيهما؛ لأنَّ ذلك مَحضُ مَصلَحَتِه؛ لأنَّه تَقرُّبٌ إلى اللهِ بمالِه بعدَ استغنائِه عنه.
ولا يَصحُّ عِتقُه ولا هِبتُه ولا وَقفُه؛ لأنَّه تَبرُّعٌ وليس مِنْ أهلِه، لكنْ إنْ كان الوَقفُ مُعلَّقًا بمَوتِه فالظاهِرُ صِحَّتُه؛ لأنَّه وَصيَّةٌ.
ولِلسَّفيهِ المُطالَبةُ بالقِصاصِ؛ لأنَّه يَستقِلُّ بما لا يَتعلَّقُ بالمالِ مَقصودُه، وله العَفوُ عن القِصاصِ على مالٍ، ولا يَصحُّ عَفوُه عن القِصاصِ على غيرِ مالٍ في أحَدِ القولَيْنِ، وفي القَولِ الآخَرِ يَصحُّ.
ويَصحُّ استِيلادُه الأَمَةَ المَملوكةَ له وتُعتَقُ الأَمَةُ المُستَولَدةُ له بمَوتِه.
وإنْ أقَرَّ السَّفيهُ بحَدِّ زِنًا أو شُربٍ أو قَذفٍ، أو طَلَّقَ زَوجَتَه أو خَلَعَها بمالٍ، صَحَّ الإقرارُ والطَّلاقُ والخُلعُ؛ لأنَّ مَقصودَها لا يَتعلَّقُ بالمالِ.
стр. 4392
ويَلزَمُه حُكمُه، أي حُكمُ الإقرارِ والطَّلاقِ والخُلعِ في الحالِ؛ لأنَّه غيرُ مُتهَمٍّ في نَفْسِه، والحَجْرُ إنَّما يَتعلَّقُ بمالِه.
وإنْ قبَض السَّفيهُ عِوَضَ الخُلعِ أو الطَّلاقِ لَم يَصحَّ قَبضُه؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في مالٍ، فلو أتلَفَه أو تلِف بيَدِه لَم يَضمَنِ السَّفيهُ، ولَم تُبرَأِ المَرأةُ بدَفعِها إليه عِوَضَ الخُلعِ أو الطَّلاقِ، كالصَّغيرِ؛ لِعَدَمِ أهليَّتِه لِلقَبضِ.
ويَصحُّ ظِهارُه وإيلاؤُه ولِعانُه ونَفيُ النَّسَبِ باللِّعانِ.
وإنْ أقَرَّ السَّفيهُ بما يُوجِبُ القِصاصَ في نَفْسٍ أو طَرفٍ ونَحوِه وطَلَبَ المُقِرُّ له إقامَتَه كان لِرَبِّه استِيفاؤُه في الحالِ، فإنْ عَفا رَبُّه عنه على مالٍ صَحَّ العَفوُ، والصَّوابُ أنَّه لا يَجبُ المالُ الذي عَفا عنه في الحالِ؛ لأنَّ السَّفيهَ والمُقِرَّ له قد يَتواطآنِ على ذلك، بل يَجبُ إذا انفَكَّ الحَجْرُ عنه وسَقَطَ القِصاصُ لِلعَفوِ.
وإنْ أقَرَّ السَّفيهُ بنَسَبِ وَلَدٍ أو نَحوِه صَحَّ إقرارُه ولَزِمَتْه أحكامُه مِنَ النَّفَقةِ وغَيرِها، كالسُّكنى والإرثِ، كنَفَقةِ الزَّوجةِ والخادِمِ.
ولا يُفرِّقُ السَّفيهُ زَكاةَ مالِه بنَفْسِه، بل يُفرِّقُها وَليُّه كسائِرِ تَصرُّفاتِه الماليَّةِ.
ولا تَصحُّ شَرِكةُ السَّفيهِ ولا حَوالَتُه ولا الحَوالةُ عليه ولا ضَمانُه لِغَيرِه ولا كَفالَتُه ببَدَنِ إنسانٍ؛ لأنَّ ذلك تَصرُّفٌ ماليٌّ فلَم يَصحَّ منه، كالبَيعِ والشِّراءِ.
ويَصحُّ مِنَ السَّفيهِ نَذْرُ كلِّ عبادةُ بدنيَّةٍ مِنْ حَجٍّ وغَيرِه كصَومٍ وصَلاةٍ؛ لأنَّه غيرُ مَحجورٍ عليه في بَدَنِه، لا نَذْرُ عِبادةٍ ماليَّةٍ كصَدَقةٍ وأُضحيَّةٍ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في مالٍ وكُفرٌ بالصِّيامِ.
стр. 4393
وإنْ أحرَمَ السَّفيهُ بحَجِّ فَرضٍ صَحَّ إحرامُه به كسائِرِ عِباداتِه، والنَّفَقةُ مِنْ مالِه تُدفَعُ إلى ثِقةٍ يُنْفِقُ عليه في الطَّريقِ حتى يَعودَ.
وإنْ كان الحَجُّ الذي أحرَمَ به تَطوُّعًا وكانت نَفَقتُه في السَّفَرِ كنَفَقتِه في الحَضَرِ، أو كانت نَفَقتُه في السَّفَرِ أزيَدَ، لكنْ يَكتَسِبُ السَّفيهُ الزائِدَ في سَفَرِه لَم يَمنَعْه وَليُّه مِنْ إتمامِ الحَجِّ؛ لأنَّه وَجَب بالشُّروعِ، ودَفَعَ النَّفَقةَ إلى ثِقةٍ يُنْفِقُ عليه، كما تَقدَّم في الفَرضِ.
وإلَّا بأنْ كانت نَفَقةُ السَّفَرِ أزيَدَ ولَم يَكتَسِبْها فلِوليِّه تَحليلُه مِنَ الإحرامِ بحَجِّ النَّفلِ؛ لِما عليه مِنَ الضَّرَرِ فيه، ويَتحلَّلُ السَّفيهُ بالصِّيامِ، أي: صيامِ عَشَرةِ أيَّامٍ كالمُعسِرِ إذا أُحصِرَ.
وإنْ لَزِمتِ السَّفيهَ كَفَّارةُ يَمينٍ أو لَزِمتْه كَفَّارةٌ غَيرُها، كقَتلٍ وظِهارٍ، كَفَّرَ بالصَّومِ؛ لأنَّ المالَ يَضُرُّه، وإنْ أعتَقَ أو أطعَمَ أو كَسَى لَم يُجزِئْه، ولَم يَنفُذْ عِتقُه ونَحوُه؛ لأنَّه تَصرُّفٌ ماليٌّ فلَم يَصحَّ منه.
فإنْ فُكَّ عنه الحَجْرُ قبلَ تَكفيرِه كَفَّرَ بما يُكفِّرُ به الرَّشيدُ، لا إنْ فُكَّ حَجْرُه بعدَ التَّكفيرِ، فلا يُعيدُ الكَفَّارةَ؛ لأنَّه فَعَل ما كان واجبًا عليه، كمَن صَلَّى بالتَّيمُّمِ ثم وَجَد الماءَ.
وإنْ أقَرَّ السَّفيهُ بمالٍ صَحَّ إقرارُه في المَذهبِ، ولَم يَلزَمْه ما أقَرَّ به في حالِ حَجْرِه، بل يُتبَعُ به بَعدَه؛ لأنَّه مُكلَّفٌ أقَرَّ بما لا يَلزَمُه في الحالِ، فلَزِمَه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالعَبدِ يُقِرُّ بدَيْنٍ، والرَّاهِنُ على الرَّهنِ والمُفلِسُ على المالِ.
стр. 4394
لكنْ إنْ عَلِمَ الوَليُّ صِحَّةَ ما أقَرَّ به السَّفيهُ، كدَينِ جِنايةٍ ونَحوِه لَزِمَه أداؤُه.
وفي قَولٍ: السَّفيهُ إذا أقَرَّ بمالٍ -كالدَّينِ- أو بما يُوجِبُه -كَجِنايةِ الخَطَأِ وشِبهِ العَمدِ وإتلافِ المالِ وغَصبِه وسَرِقَتِه- لَم يُقبَلْ إقرارُه به؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه لِحِفظِه، فلَم يَصحَّ إقرارُه بالمالِ، كالصَّبيِّ والمَجنونِ، ولأنَّا لو قَبِلْنا إقرارَه في مالِه لَزالَ مَعنى الحَجْرِ؛ لأنَّه يَتصرَّفُ في مالِه ثم يُقِرُّ به فيأخُذُه المُقِرُّ له؛ ولأنَّه أقَرَّ بما هو مَمنوعٌ مِنَ التَّصرُّفِ فيه، كإقرارِ الراهِنِ على الرَّهنِ، والمُفلِسِ على المالِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ ألَّا يَصحَّ إقرارُه ولا يُؤخَذَ به في الحُكمِ بحالٍ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه؛ لِعَدَمِ رُشدِه، فلَم يَلزَمْه حُكمُ إقرارِه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالصَّبيِّ والمَجنونِ، ولأنَّ المَنعَ مِنْ نُفوذِ إقرارِه في الحالِ إنَّما ثَبَت لِحِفظِ مالِه عليه ودَفْعِ الضَّرَرِ عنه، فلو نَفَذَ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ لَم يُفِدْ إلا تأخيرَ الضَّرَرِ عليه إلى أكمَلِ حالَتَيْه، وفارَقَ المَحجورَ عليه لِحَقِّ غَيرِه؛ فإنَّ المانِعَ تَعلُّقُ حَقِّ الغَيرِ بمالِه، فيَزولُ المانِعُ بزَوالِ الحَقِّ عن مالِه، فيَثبُتُ مُقتَضى إقرارِه.
وفي مَسألتِنا انتَفى الحُكمُ لِخَلَلٍ في الإقرارِ، فلَم يَثبُتْ كَونُه سَبَبًا، وبزَوالِ الحَجْرِ لَم يَكمُلِ السَّبَبُ، فلا يَثبُتُ الحُكمُ مع اختِلالِ السَّبَبِ، كما لَم يَثبُتْ قبلَ فَكِّ الحَجْرِ، ولأنَّ الحَجْرَ لِحَقِّ الغَيرِ لَم يَمنَعْ تَصرُّفَهم في ذِمَمِهم، فأمكَنَ تَصحيحُ إقرارِهم في ذِمَمِهم على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بغَيرِهم، بأنْ يَلزَمَهم بعدَ زَوالِ حَقِّ غَيرِه، والحَجْرُ ههنا لِحِفظِ نَفْسِه؛ مِنْ أجْلِ ضَعفِ عَقلِه وسُوءِ تَصرُّفِه، ولا يَندَفِعُ الضَّرَرُ إلا بإبطالِ إقرارِه بالكُلِّيَّةِ، كالصَّبيِّ والمَجنونِ.
стр. 4395
وأمَّا صِحَّتُّه فيما بَينَه وبَينَ اللهِ فإنْ عَلِمَ صِحَّةَ ما أقَرَّ به -كدَينٍ لَزِمَه مِنْ جِنايةٍ، أو دَينٍ لَزِمَه قبلَ الحَجْرِ عليه- فعليه أداؤُه؛ لأنَّه عَلِمَ أنَّ عليه حَقًّا فلَزِمَه أداؤُه، كما لو لَم يَكُنْ يُقِرُّ به، وإنْ عَلِمَ فَسادَ إقرارِه، مِثلَ أنْ عُلِمَ أنَّه أقَرَّ بدَينٍ ولا دَينَ عليه، أو بجِنايةٍ لَم تُوجَدْ منه، أو أقَرَّ بما لا يَلزَمُه، مِثلَ إنْ أتلَفَ مالَ مَنْ دَفَعه إليه بقَرضٍ، أو بَيعٍ لَم يَلزَمْه أداؤُه؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّه لا دَينَ عليه، لَم يَلزَمْه شَيءٌ، كما لو لَم يُقِرَّ به.
وإذا أذِنَ وَليُّ السَّفيهِ له في البَيعِ والشِّراءِ فهل يَصحُّ منه؟ على وَجهَيْنِ:
أحَدُهما: يَصحُّ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فمِلكُه بالإذْنِ كالنِّكاحِ؛ ولأنَّه عاقِلٌ مَحجورٌ عليه، فصَحَّ تَصرُّفُه بالإذْنِ فيه، كالصَّبيِّ، يُحقِّقُ هذا أنَّ الحَجْرَ على الصَّبيِّ أعلى مِنَ الحَجْرِ عليه، ثم يَصحُّ تَصرُّفُه بالإذْنِ، فههنا أوْلَى، ولِأنَّا لو مَنَعْنا تَصرُّفَه بالإذْنِ لَم يَكُنْ لنا طَريقٌ إلى مَعرِفةِ رُشدِه واختِبارِه.
والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه لِتَبذيرِه وسُوءِ تَصرُّفِه، فإذا أذِنَ له فقد أذِنَ فيما لا مَصلَحةَ فيه، فلَم يَصحَّ، كما لو أذِنَ في بَيعِ ما يُساوي عَشَرةً بخَمسةٍ.
وحُكمُ تَصرُّفِ وَليِّ السَّفيهِ كحُكمِ تَصرُّفِ وَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ؛ لأنَّ وِلايَتَه على السَّفيهِ لِحَظِّه، أشبَهَ وَليَّ الصَّبيِّ (١).
стр. 4396
فصل فيمَن يَلي الصَّغيرَ والَمجنونَ والسَّفيهَ وما يَجوزُ لهم فِعلُه وما لا يَجوزُ
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ وَليَّ الصَّبيِّ والمَجنونِ والسَّفيهِ المَحجورِ عليه هو الأبُ، ثم اختَلَفوا بعدَ ذلك فيمَن يَلي عليه بعدَ الأبِ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ، وكذا اختَلَفوا فيما يَجوزُ لِلوَليِّ فِعلُه في مالِ المَحجورِ عليه، وهو على التفصيلِ التالي.
قال الحَنفيَّةُ: وَليُّ الصَّغيرِ في هذا البابِ:
أوَّلًا: أبوه.
ثانيًا: الوَصيُّ الذي اختاره أبوه ونَصَّبَه في حالِ حَياتِه إذا ماتَ أبوه.
ثالِثًا: الوَصيُّ الذي نَصَّبَه الوَصيُّ المُختارُ في حالِ حَياتِه إذا ماتَ.
رابِعًا: جَدُّه الصَّحيحُ وإنْ عَلا، أي: أبو أبي الصَّغيرِ، أو أبو أبي الأبِ.
خامِسًا: الوَصيُّ الذي اختارَه هذا الجَدُّ ونَصَّبَه في حالِ حَياتِه.
سادِسًا: الوَصيُّ الذي نَصَّبَه هذا الوَصيُّ.
سابِعًا: الوالي: والمُرادُ بالوَالي مَنْ إليه تَقليدُ القُضاةِ، بخِلافِ صاحِبِ الشُّرطةِ؛ لأنَّه ليس إليه تَقليدُ القُضاةِ.
стр. 4397
ثامِنًا: القاضي، أو الوَصيُّ الذي نَصَّبَه القاضي.
وحاصِلُ ذلك أنَّه لا وِلايةَ لِلجَدِّ مع وُجودِ وَصيِّ الأبِ، ولا وِلايةَ لِلوالي أو القاضي مع وُجودِ الجَدِّ أو وَصيِّه، وبعدَ ذلك لا تَرتيبَ، فيَصحُّ أنْ يَكونَ الوَليُّ: الواليَ أو القاضيَ أو الوَصيَّ الذي يُقيمُه القاضي، فأيُّهم تَصرَّفَ تَصحُّ تَصرُّفاتُه.
وأمَّا الأقارِبُ -كالإخوانِ والأعمامِ وغَيرِهم- فإذْنُهم غيرُ جائِزٍ إذا لَم يَكونوا أوصياءَ.
وأمَّا ما عدا الأُصولِ مِنَ العَصَبةِ فلا وِلايةَ لهم على المالِ، فلا وِلايةَ لِلأمِّ في بابِ المالِ، فإذا أوصَتِ الأُمُّ على وَلَدِها الصَّغيرِ قبلَ مَوتِها ثم ماتَتْ لا يَكونُ لذلك الوَليِّ حَقُّ التَّصرُّفِ في تَرِكةِ الأُمِّ مع وُجودِ الأبِ أو وَصيِّه أو وَصيِّ وَصيِّه أو الجَدِّ أو وَصيِّه بأيِّ حالٍ، نَعَمْ إذا لَم يُوجَدْ أحَدٌ مِنَ الأولياءِ المَذكورينَ فإنَّ لِوَصيِّ الأُمِّ أنْ يَحفَظَ تَرِكةَ الأُمِّ ويَبيعَ المَنقولاتِ؛ لأنَّ في بَيعِها حِفظًا لها.
ولا يَصحُّ أنْ يُتصرَّفَ في شَيءٍ مِنْ مالِ الصَّبيِّ غيرِ ذلك، سَواءٌ كان وارِثًا له عن أُمِّه أو غَيرِها.
وكذلك لا يَكونُ لِأحَدٍ مِنْ بَقيَّةِ العَصَباتِ -كالعَمِّ والأخِ وغَيرِهما في بابِ الأموالِ- وِلايةٌ على الصَّغيرِ، فليس لِلأخِ والعَمِ وغَيرِهما أنْ يَتصرَّفوا في مالِ الصَّغيرِ مع وُجودِ أحَدِ الأولياءِ المَذكورينَ على التَّرتيبِ المَذكورِ؛ لِأنَّهم ليس لهم أنْ يَتصَرَّفوا في مالِه تِجارةً، فكذا لا يَملِكونَ الإذْنَ له فيها،
стр. 4398
والأوَّلونَ يَملِكونَ التَّصرُّفَ في مالِه، فكذا يَملِكونَ الإذْنَ له في التِّجارةِ.
أمَّا الوِلايةُ في النِّكاحِ فإنَّها تَثبُتُ بأربَعةِ أُمورٍ، هي: القَرابةُ والوَلاءُ والإمامةُ والمِلكُ، وتَرتيبُ الأولياءِ هكذا:
الابنُ، ثم ابنُ الابنِ وإنْ سَفَلَ، ثم الأبُ، ثم الجَدُّ أبو الأبِ وإنْ عَلا، ثم الأخُ الشَّقيقُ، ثم الأخُ لِأبٍ، ثم ابنُ الأخِ الشَّقيقِ، ثم ابنُ الأخِ لِأبٍ، وإنْ سَفَلوا، ثم العَمُّ الشَّقيقُ، ثم العَمُّ لِأبٍ، ثم ابنُ العَمِّ الشَّقيقِ، ثم ابنُ العَمِّ لِأبٍ وإنْ سَفَلوا، ثم عَمُّ الأبِ الشَّقيقُ، ثم عَمُّ الأبِ لِأبٍ، ثم بَنوهما، على هذا التَّرتيبِ.
ثم عَمُّ الجَدِّ لِأبٍ وأُمٍّ، ثم عَمُّ الجَدِّ لِأبٍ، ثم بَنوهُما على هذا التَّرتيبِ، ثم مَنْ يَكونُ أبعَدَ العَصَباتِ إلى المَرأةِ، وهو ابنُ عَمٍّ بَعيدٍ، فكلُّ هؤلاء لَهم وِلايةُ النِّكاحِ على التَّرتيبِ المَذكورِ، ولَهم إجبارُ البِنتِ والذَّكرِ على الزَّواجِ في حالِ صِغَرِهما، لا في حالِ كِبَرِهما.
وعندَ فَقْدِ العَصَباتِ تَكونُ الوِلايةُ لِمَنْ يَرِثُ مِنْ ذَوي الأرحامِ.
تَزويجُ غيرِ العَصَباتِ:
يَجوزُ لِغَيرِ العَصَباتِ مِنَ الأقاربِ التَّزويجُ عندَ عَدَمِ العَصَباتِ، وسَواءٌ في ذلك الذَّكَرُ والأُنثى، كالأُمِّ والخالِ والخالةِ والأُختِ وكلِّ ذي رَحِمٍ، لَهم كلِّهم تَزويجُ مَنْ لَم يَحتلِمْ، وأوْلَاهم الأُمُّ ثم الجَدَّةُ ثم الأُختُ لِأبَوَيْنِ ثم الأُختُ لِأبٍ ثم الأُختُ لِأُمٍّ ثم أولادُهم.
ثم إذا لَم يُوجَدِ العَصَباتُ وذَوو الأرحامِ زَوَّجَها القاضي.
стр. 4399
ووِلايةُ الأبِ والجَدِّ على الصَّغيرِ في نَفْسَيْهما ومالَيْهما ثابِتةٌ لا تَزولُ إلا بثُبوتِ رُشدِ الصَّبيِّ بعدَ بُلوغِه، فإذا بَلَغَ الصَّبيُّ ثم تَبيَّنَ أنَّه مَجنونٌ أو مَعتوهٌ استَمَرَّتْ وِلايةُ الأبِ والجَدِّ بدُونِ انقِطاعٍ (١).
وقال المالِكيَّةُ: الوَليُّ الذي يَنْظُرُ في أمرِ المَحجورِ عليه -صَبيًّا أو سَفيهًا لَم يَطرَأْ عليه السَّفَهُ بعدَ رُشدِه، أو مَجنونًا- هو الأبُ الرَّشيدُ، لا الجَدُّ ولا الأخُ والعَمُّ، إلا بإيصاءٍ مِنَ الأبِ، فغَيرُ الأبِ مِنَ الأقارِبِ لا نَظَرَ له على المَحجورِ عليه إلا بإيصاءٍ مِنَ الأبِ أو الحاكِمِ.
وأمَّا مَنْ طَرَأ عليه السَّفَهُ بعدَ رُشدِه فوَليُّه الحاكِمُ وكذلك المَجنونُ، أي حُكمُه حُكمُ السَّفيهِ إنْ طَرَأ عليه الجُنونُ بعدَ الرُّشدِ فوَليُّه الحاكِمُ وإلا فالأبُ أو وَصيُّه.
ولِلأبِ البَيعُ لِمالِ وَلَدِه المَحجورِ عليه مُطلَقًا، رِيعًا أو غَيرَه، وتَصرُّفُه مَحمولٌ على المَصلَحةِ، فلا يُتعَقَّبُ بحالٍ؛ لأنَّه ممَّن لا تُدرِكُه ظِنَّةٌ في خاصةِ وِلايَتِه عليه، وإنْ لَم يُبيِّنِ السَّبَبَ؛ لأنَّه إذا كان مَحمولًا على وَجْهِ النَّظَرِ لا يَحتاجُ إلى ذِكرِ السَّبَبِ الذي يَقَعُ ذلك لِأجْلِه، وهذا لا يُنافي أنَّه لا بُدَّ مِنْ وُجودِ سَبَبٍ حامِلٍ له على البَيعِ؛ إذْ لا يَحِلُّ لِلأبِ أنْ يَبيعَ بدُونِ سَبَبٍ أصلًا.
ثم يَلي الأبَ -إنْ لَم يَكُنْ مَوجودًا- وَصيُّ الأبِ، وكذلك وَصيُّ وَصيِّه وإنْ بَعُدَ؛ لأنَّه كالوَكيلِ المُفوَّضِ إليه.
стр. 4400
ولا يَبيعُ الوَصيُّ العَقارَ الذي لِمَحجورِه إلا لِسَبَبٍ يَقتَضي بَيعَه، وبَيِّنةٍ لِلتُّهمةِ، بأنْ يَشهَدَ العُدولُ أنَّه إنَّما باعَه لِكذا، أمَّا الذِّكْرُ باللِّسانِ دونَ بَيِّنةٍ فلا يَظهَرُ له كَبيرُ فائِدةٍ؛ إذْ ما مِنْ وَصيٍّ يُريدُ تَفويتَ رِيعَ اليَتيمِ إلا ذَكَرَ بلِسانِه ما شاءَ مِنَ الأسبابِ، وذلك مُتَأتٍّ لكلِّ أحَدٍ بلا كُلفةٍ أصلًا.
وليس لِلوَصيِّ أنْ يَهَبَ شَيئًا مِنْ مالِ مَحجورِه لِلثَّوابِ بخِلافِ الأبِ؛ لأنَّ هِبةَ الثَّوابِ إذا فاتَتْ بيَدِ المَوهوبِ لَم يَلزَمْه إلا القيمةُ، والوَصيُّ كالحاكِمِ فليس له البَيعُ بالقيمةِ إلا لِضَرورةٍ، بخِلافِ الأبِ.
ثم الحاكِمُ يَليهما عندَ فَقدِهما، أي: الأبِ ووَصيِّه، فإنْ لَم يَكُنْ له أبٌ ولا وَصيٌّ فالحاكِمُ حينَئذٍ هو الناظِرُ في أحوالِه، أو يُقيمُ مَنْ يَنْظُرُ له في ذلك، وكذا لِمَنْ طَرَأ عليه الجُنونُ أو السَّفَهُ بعدَ رُشدِه، ولا يَكونُ الرُّشدُ إلا بعدَ البُلوغِ؛ لأنَّ الرُّشدَ بُلُوغٌ وحُسْنُ تَصرُّفٍ.
ويَجوزُ لِلحاكِمِ أنْ يَبيعَ مالَ اليَتيمِ بالشُّروطِ التاليةِ:
الشَّرطُ الأوَّلُ: أنْ تَدعوَ إليه الضَّرورةُ، كالنَّفَقةِ ووَفاءِ الدَّينِ ونَحوِهما، وإلا لَم يَجُزِ البَيعُ؛ لأنَّه تَفويتٌ لِغَيرِ مَصلَحةٍ.
الشَّرطُ الثاني: ثُبوتُ يُتْمِ المَحجورِ عليه؛ لِاحتِمالِ وُجودِ أبيه.
الشَّرطُ الثالِثُ: ثُبوتُ إهمالِه، أي: خُلُوُّه عن وَصيٍّ أو مُقدِّمٍ.
الشَّرطُ الرابِعُ: ثُبوتُ مِلكِ اليَتيمِ لِما يُرادُ بَيعُه؛ لِاحتِمالِ أنْ يَبيعَ ما ليس له، ومِثلُه السَّفيهُ والمَجنونُ، فلا يَبيعُ لَهما الحاكِمُ إلا بتلك الشُّروطِ.
стр. 4401
الشَّرطُ الخامِسُ: ثُبوتُ أنَّه الأوْلَى بالبَيعِ مِنْ غَيرِه، فإذا لَم يَكُنْ هو الأوْلَى بالبَيعِ مِنْ غَيرِه مُنِعَ؛ لأنَّه تَفويتٌ لِغَيرِ مَصلَحةٍ.
الشَّرطُ السادِسُ: التَّسوُّقُ بالمَبيعِ بإظهارِه لِلبَيعِ والمُناداةِ عليه المَرَّةَ بعدَ المَرَّةِ؛ لِحُصولِ الرَّغبةِ فيه، وعَدَمِ إلْفَاءِ -أي: عَدَمِ وُجودِ- زائِدٍ على الثَّمَنِ الذي أُعطِيَ فيه.
الشَّرطُ السابِعُ: ثُبوتُ السَّدادِ في الثَّمَنِ المُعطَى فيه بأنْ يَكونَ ثَمَنَ المِثلِ فأكثَرَ، وأنْ يَكونَ الثَّمَنُ عَينًا وحالًّا، لا عَرَضًا، ولا مُؤجَّلًا.
الشَّرطُ الثامِنُ: التَّصريحُ بأسماءِ الشُّهودِ في وَثيقةِ البَيعِ بأنْ يَكتُبَ في السِّجِلِّ: ثَبَتَ عِندي بشَهادةِ فُلانٍ وفُلانٍ يُتمُه … إلى آخِرِ الشُّروطِ.
وإلا نُقِضَ حُكمُه، خَشيةَ أنْ يُقالَ بعدَ ذلك: ما بِيعَ ليس هو ما شُهِدَ بأنَّه مِلكُ اليَتيمِ.
وأمَّا الحاضِنُ -أي: الكافِلُ- الذي يَكفُلُ اليَتيمَ -ذَكَرًا كان أو أُنثى، قَريبًا كان أو أجنَبيًّا- كجَدٍّ وأخٍ وعَمٍّ وأُمٍّ فليس له تَصرُّفٌ ببَيعٍ ونَحوِه، ويُنقَضُ فِعلُهم.
ويَجوزُ إمضاءُ اليَسيرِ مِنْ تَصرُّفِ الحاضِنِ ونَحوِه في مالِ اليَتيمِ، وهو الذي تَتوقَّفُ عليه ضَرورةُ المَعاشِ مِنْ أكلٍ أو كِسوةٍ، فلا يُنقَضُ ما باعَه، ولا يُتبَعُ به المُتصَرِّفُ، والظاهِرُ أنَّه يَختَلِفُ باختِلافِ العُرفِ، فلا يُحَدُّ بعَشَرةِ دَنانيرَ أو أكثَرَ.
ولا يَبيعُه إلا بشُروطٍ، وهي: مَعرِفةُ الحَضانةِ، وصِغَرُ المَحضونِ،
стр. 4402
والحاجةُ المُوجِبةُ لِلبَيعِ، ويَسارةُ المَبيعِ، وأنَّه أحَقُّ ما يُباعُ، ومَعرِفةُ السَّدادِ في الثَّمَنِ، فيَشهَدُ بهذه الشُّروطِ بَيِّنةٌ مُعتَبَرةٌ شَرعًا.
وإذا أُقيمَ على المُبتاعِ فيما باعَه الكافِلُ فعليه أنْ يُثبِتَ هذه الشُّروطَ وأنَّه أنفَقَ الثَّمَنَ عليه، وأدخَلَه في مَصالِحِه، فإذا اختَلَّ شَرطٌ منها فلِلمَحضونِ إذا كَبِرَ الخيارُ في رَدِّ البَيعِ وإمضائِه.
واستَحسَنَ كَثيرٌ مِنَ المُتأخِّرينَ أنَّ العُرفَ الجاريَ بينَ الناسِ -كأهلِ البَوادي والأريافِ وغَيرِهم- بمَوتِ الواحِدِ منهم، ولا يُوصي على أولادِه اعتمادًا على أخٍ أو جَدٍّ أو عَمٍّ لَهم يُعرَفُ بالشَّفَقةِ عليهم، يَنْزِلُ مَنزِلةَ التَّصريحِ والنَّصِّ بإيصائِه عليهم، وله البَيعُ في القَليلِ والكَثيرِ بشُروطِه السابِقةِ فيَمضي ولا يُنقَضُ، وليس لِلوَلَدِ بعدَ كِبَرِه كَلامٌ، وهي مَسألةٌ نافِعةٌ كَثيرةُ الوُقوعِ، ولا سيَّما في هذه الأزمِنةِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: وَليُّ الصَّغيرِ أبوه بالإجماعِ، إذا كان أمينًا، وليس لِلحاكِمِ مَنْعُه مِنْ ذلك، ثم جَدُّه أبو الأبِ وإنْ عَلا، كوِلايةِ النِّكاحِ، وتَكفي عدالَتُهما الظاهِرةُ لِوُفورِ شَفَقَتِهما، فإنْ فَسَقا نَزَع القاضي المالَ منهما.
وهل يَنعزِلانِ بالفِسقِ؟ وَجهانِ: أحَدُهما يَنْزِعُ القاضي المالَ منهما، فإذا عادا إلى الصَّلاحِ عادتْ وِلايَتُهما وأمانَتُهما على الأصَحِّ.
стр. 4403
ولا يُعتبَرُ إسلامُهما إلا أنْ يَكونَ الوَلَدُ مُسلِمًا، فإنَّ الكافِرَ يَلي وَلَدَه الكافِرَ، لكنْ لو تَرافَعوا إلينا لَم نُقِرَّهم، ونَلي نحن أمرَهم، بخِلافِ وِلايةِ النِّكاحِ؛ لأنَّ المَقصودَ بوِلايةِ المالِ الأمانةُ، وهي في المُسلِمينَ أقوى، والمَقصودُ بوِلايةِ النِّكاحِ المُوالاةُ، وهي في الكافِرِ أقوى.
ثم وَصيُّهما، أي: وَصيُّ مَنْ تأخَّرَ مَوتُه منهما؛ لأنَّه يَقومُ مَقامَه، وشَرطُه العَدالةُ.
ثم القاضي أو أمينُه؛ لقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهَا» (١).
ولو كان اليَتيمُ ببَلَدٍ ومالُه في آخَرَ فالوَليُّ قاضي بَلَدِ المالِ؛ لأنَّ الوِلايةَ عليه تَرتَبِطُ بمالِه كمالِ الغائِبينَ، لكنَّ مَحَلَّه في تَصرُّفِه فيه بالحِفظِ والتَّعهُّدِ بما يَقتَضيه الحالُ مع الغِبطةِ اللائِقةِ إذا أشرَفَ على التَّلَفِ.
أمَّا تَصرُّفُه فيه بالتِّجارةِ والاستِنْماءِ، فالوِلايةُ عليه لِقاضي بَلَدِ اليَتيمِ؛ لأنَّه وَليُّه في النِّكاحِ، فكذا في المالِ.
وعلى هذا فلِقاضي بَلَدِه العَدلِ الأمينِ أنْ يَطلُبَ مِنْ قاضي بَلَدِ مالِه إحضارَه إليه عندَ أمْنِ الطَّريقِ؛ لِظُهورِ المَصلَحةِ له فيه، ولِيَتَّجِرَ له فيه، أو يَشتريَ له به عَقارًا، ويَجبُ على قاضي بَلَدِ المالِ إسعافُه بذلك.
وحُكمُ المَجنونِ حُكمُ الصَّبيِّ في تَرتيبِ الأولياءِ، وكذا مَنْ بَلَغ سَفيهًا.
стр. 4404
وإذا لَم يُوجَدْ أحَدٌ مِنَ الأولياءِ المَذكورينَ فعلى المُسلِمينَ النَّظَرُ في حالِ مَحجورِهم وتَولِّي حِفظِ مالِه.
ولا تَلي الأُمُّ في الأصَحِّ كوِلايةِ النِّكاحِ.
وفي الرَّأيِ الآخَرِ: تَلي بعدَ الأبِ والجَدِّ، وتُقدَّمُ على وَصيِّهما لِكَمالِ شَفَقَتِها.
وكذا لا وِلايةَ لِسائِرِ العَصَباتِ، كالأخِ والعَمِّ، نَعَمْ لهم الإنفاقُ مِنْ مالِ الطِّفلِ في تأديبِه وتَعليمِه، وإنْ لَم يَكُنْ لهم عليه وِلايةٌ؛ لأنَّه قَليلٌ، فسُومِحَ به، ومِثلُه المَجنونُ والسَّفيهُ.
تَصرُّفُ الوَليِّ في مالِ مَحجورِه:
يَجِبُ على الوَليِّ أنْ يَتصرَّفَ له بالمَصلَحةِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقَولِه : ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فيَكسوه كِسوةً تَليقُ به مِنْ يَسارِه وإعسارِه، ويَصرِفُ أُجرةَ مُعلِّمِه القُرآنَ الذي يُؤدِّي به فَرائِضَ الصَّلاةِ، ولو عَلَّمَه جَميعَ القُرآنِ أو حِرْفةً، ففي الأُجرةِ وَجهانِ: أصَحُّهما: في مالِ الصَّبيِّ؛ لِما فيه مِنْ مَصلَحَتِه، كأُجرةِ الحَلَّاقِ والحَجَّامِ والطَّبيبِ.
وإذا كان يَخرِقُ الكِسوةَ هَدَّدَه، فإنْ لَم يَرتَدِعِ اقتَصَرَ في البَيتِ على إزارٍ، وإذا خرَج كَساه وجَعَل عليه رَقيبًا.
والتَّصرُّفُ الذي لا خَيرَ فيه ولا شَرَّ مَمنوعٌ منه؛ إذ لا مَصلَحةَ فيه.
стр. 4405
ويَجبُ على الوَليِّ حِفظُ مالِ الصَّبيِّ عن أسبابِ التَّلَفِ واستِنْماؤُه قَدْرَ ما تَأكُلُه المُؤَنُ مِنْ نَفَقةٍ وغَيرِها، إنْ أمكَنَ، ولا تَلزَمُه المُبالَغةُ.
ولو خافَ الوَليُّ استِيلاءَ ظالِمٍ على مالِ اليَتيمِ فله بَذْلُ بَعضِهِ؛ لِتَخليصِه وُجوبًا، ويُستَأنَسُ له بخَرقِ السَّيِّدِ الخَضِرِ السَّفينةَ.
وإذا كان لِلصَّبيِّ أو السَّفيهِ كَسبٌ، أي: يَليقُ به، أجبَرَه الوَليُّ على الاكتِسابِ لِيَرتَفِقَ به في ذلك.
ونُدِبَ أنْ يَشتَريَ له العَقارَ، بل هو أوْلى مِنَ التِّجارةِ إذا حَصَلَ مِنْ رِيعِه الكِفايةُ، هذا إنْ لَم يَخَفْ جَوْرًا مِنْ سُلطانٍ أو غَيرِه أو خَرابًا لِلعقارِ، ولَم يَجِدْ به ثِقْلَ خَراجٍ، فإنْ كان لا يَحصُلُ مِنْ رِيعِه قَدْرَ الكِفايةِ فالتِّجارةُ أوْلَى عندَ إمكانِها، وشَرطٌ فيمَن يَشتَري منه العَقارَ أنْ يَكونَ ثِقةً؛ لِيُؤمَنَ منه بَيعُ ما لا يَملِكُه، وكذا يَنبَغي في غيرِ العَقارِ مما يُخشَى عاقِبَتُه.
ولا يَشتَري عَقارًا نَفيسًا لا يُحتَفَلُ بمَغلِه بالنِّسبةِ إلى ثَمَنِه كدارٍ عَظيمةٍ لا يَحتاجُ إليها الصَّبيُّ ولا يُوجَدُ لها مُكتَرٍ.
وله أنْ يُسافِرَ بمالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ وَقتَ الأمْنِ والتَّسفيرِ به مع ثِقةٍ، ولو بلا ضَرورةٍ مِنْ نَحوِ حَريقٍ أو نَهبٍ؛ لأنَّ المَصلَحةَ قد تَقتَضي ذلك، لا في نَحوِ بَحرٍ، وإنْ غَلَبتِ السَّلامةُ؛ لأنَّه مَظِنَّةُ عَدَمِها.
ويَبني دُورَه ومَساكِنَه بالطِّينِ والآجُرِّ، أي: الطُّوبِ المَحروقِ؛ لأنَّ الطِّينَ قَليلُ المُؤنةِ، ويُنتَفَعُ به بعدَ النَّقضِ، والآجُرَّ يَبقَى.
لا باللَّبِنِ، أي: الطُّوبِ الذي لَم يُحرَقْ، أو الجِصِّ، أي: الجِبسِ؛ لأنَّ
стр. 4406
اللَّبِنَ قَليلُ البَقاءِ ويَتكسَّرُ عندَ النَّقضِ، والجِبسَ كَثيرُ المُؤَنِ ولا تَبقى مَنفَعتُه عندَ النَّقضِ، بل يُلصَقُ بالطُّوبِ فيُفسِدُه.
وهذا في البِلادِ التي يَعِزُّ فيها وُجودُ الحِجارةِ؛ فإنْ كان في بَلَدٍ تُوجَدُ فيه الحِجارةُ كانتْ أوْلَى مِنَ الآجُرِّ؛ لأنَّها أكثَرُ بَقاءً وأقَلُّ مُؤنةً.
والمَجنونُ والسَّفيهُ؛ كالصَّبيِّ فيما ذُكِرَ.
وما ذُكِرَ مِنَ اقتِصارِ البِناءِ بالطِّينِ والآجُرِّ نَصَّ عليه الشافِعيُّ وجَرى عليه الجُمهورُ.
واختارَ كَثيرٌ مِنَ الأصحابِ جَوازَ البِناءِ على عادةِ البَلَدِ كيف كان، واختارَه الرُّويانيُّ واستَحسَنَه الشاشيُّ والشِّربينيُّ، وقال: والقَلبُ إليه أمْيَلُ.
ولا يَشتَري له ما يُسرِعُ فَسادُه وإنْ كانَ مُربِحًا.
ولا يَبيعُ عَقارَه؛ لأنَّ العَقارَ أسلَمُ وأنفَعُ ممَّا عَداه إلا لِحاجةٍ، كنَفَقةٍ وكِسوةٍ، بأنَّه لَم تَفِ غَلَّةُ العَقارِ بهما، ولَم يَجِدْ مَنْ يُقرِضُه، أو لَم يَرَ المَصلَحةَ في الاقتِراضِ، أو خافَ خَرابَه.
وكذا لو كان اليَتيمُ ببَلَدٍ وعَقارُه في آخَرَ ويَحتاجُ إلى مُؤنةٍ في تَوجيهِ مَنْ يَجمَعُ الغَلةَ فيَبيعُه ويَشتَري ببَلَدِ اليَتيمِ أو يَبني فيه مِثلَه.
وكالعَقارِ فيما ذُكِرَ آنيةُ القِنيةِ مِنْ نُحاسٍ وغَيرِه، وكذا ما عَداها لا يُباعُ أيضًا إلا لِغِبطةٍ أو حاجةٍ، لكنْ يَجوزُ لِحاجةٍ يَسيرةٍ ورِبحٍ قَليلٍ لَائِقٍ بخِلافِهما.
ويَجوزُ بَيعُ أموالِ التِّجارةِ مِنْ غيرِ تَقييدٍ بشَيءٍ، بل لو رأى البَيعَ بأقَلَّ مِنْ رَأْسِ المالِ لِيَشتَري بالثَّمَنِ ما هو مَظِنَّةٌ لِلرِّبحِ جازَ.
стр. 4407
ولو طلَب مالَه بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثلِه وجَب بَيعُه، إنْ لَم يَحتَجْ إليه، ولَم يَكُنْ عَقارًا يَحصُلُ له منه كِفايَتُه.
ولو تَرَكَ الوَليُّ عِمارةَ عَقارٍ مَحجورِه حتى خَرِبَ -مع القُدرةِ- أثِمَ، وهل يَضمَنُ؟ وَجهانِ، أوجَهُهما عَدَمُ الضَّمانِ.
ولو امتَنَع مِنْ بَيعِ مالِه لِتَوقُّعِ زِيادةٍ فتلِف المالُ فلا ضَمانَ.
ولا يَجوزُ لِغَيرِ القاضي مِنَ الأولياءِ أنْ يُقرِضَ مِنْ مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ شَيئًا إلا لِضَرورةٍ، كحَريقٍ أو نَهبٍ أو أنْ يُريدَ سَفَرًا يُخافُ عليه فيه، أمَّا القاضي فله ذلك مُطلَقًا؛ لِكَثرةِ أشغالِه، ولا يُقرِضُه إلا لِمَليءٍ أمينٍ، ويأخُذُ رَهنًا إنْ رأى في ذلك مَصلَحةً، وإلا تَرَكَه ولا يُودِعُه أمينًا إلا عندَ عَدَمِ التَّمكُّنِ مِنْ إقراضِه.
وله بَيعُ مالِه بعَرضٍ ونَسيئةٍ لِلمَصلَحةِ التي يَراها فيهما، كأنْ يَكونَ في الأوَّلِ رِبحٌ، وفي الآخَرِ زيادةٌ لَائِقةٌ، أو خافَ عليه مِنْ نَهبٍ أو إغارةٍ، وإذا باعَ نَسيئةً أشهَدَ على البَيعِ وُجوبًا، وارتَهَن به -أي: بالثَّمَنِ رَهنًا وافيًا به، ويُشترَطُ أنْ يَكونَ المُشتَري مُوسِرًا ثِقةً، والأجَلُ قَصيرًا عُرفًا؛ احتياطًا لِلمَحجورِ عليه، فإذا لَم يَفعَلْ ذلك ضمِن وبَطَل البَيعُ على الأصَحِّ، ولا يُجزِئُ فيه الكَفيلُ عن الارتِهانِ، نَعَمْ لا يَلزَمُ الأبَ والجَدَّ الارتِهانُ مِنْ نَفْسَيْهما له، والدَّينُ عليهما بأنْ باعا مالَه لِنَفْسَيْهما نَسيئةً؛ لأنَّهما أمينان في حَقِّه، ويَحكُمُ القاضي بصِحَّةِ بَيعِهما مالَ وَلَدِهما إذا رَفَعاه إليه، وإنْ لَم يُثبِتا أنَّ بَيعَهما وَقَع بالمَصلَحةِ؛ لأنَّهما غيرُ مُتَّهَميْنِ في حَقِّ وَلَدِهما.
стр. 4408
ولا يَبيعُ الوَصيُّ مالَ الطِّفلِ أو المَجنونِ لِنَفْسِه، ولا مالَ نَفْسِه له، ولا يَقتَصُّ له وَليٌّ -ولو أبًا-، ولا يَعفُو عن القِصاصِ، نَعَمْ له العَفوُ على الأرشِ في حَقِّ المَجنونِ الفَقيرِ بخِلافِ الصَّبيِّ؛ لأنَّ الصِّبا له غايةٌ تُنتَظَرُ، بخِلافِ الجُنونِ.
ولا يُطلِّقُ زَوجَتَه ولو بعِوَضٍ لِخَبَرِ: «إنَّما الطَّلاقُ لِمَنْ أخَذَ بالساقِ».
ولا يَصرِفُ مالَه في المُسابَقةِ، ولا يَشتَري له إلا مِنْ ثِقةٍ.
ويأخُذُ له بالشُّفعةِ، أو يَترُكُ بحَسَبِ المَصلَحةِ التي رآها في ذلك؛ لأنَّه مَأْمورٌ بفِعلِها، فيَجِبُ الأخْذُ إذا كانَتِ المَصلَحةُ فيه، ويَحرُمُ إذا كانتِ المَصلَحةُ في تَركِه، فلو استَوَتِ المَصلَحةُ في الأخْذِ والتَّركِ، فهل يَحرُمُ الأخْذُ أو يَجبُ أو يَتخَيَّرُ؟ فيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ.
ويُزكِّي مالَه وُجوبًا؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَه.
ويُنفِقُ عليه بالمَعروفِ في طَعامٍ وكِسوةٍ وغَيرِهما ممَّا لا بُدَّ منه بما يَليقُ به في إعسارِه ويَسارِه، فإنْ قَتَّرَ أثِمَ، وإنْ أسرَفَ أثِمَ وضمِن، ويَخرُجُ عنه أرشُ الجِنايةِ، وإنْ لَم يُطلَبْ ذلك منه.
ويُنفِقُ على قَريبِه؛ لِسُقوطِها بمُضيِّ الزَّمانِ.
أُجرةُ الوَليِّ:
ولا أُجرةَ لِلوَليِّ ولا نَفَقةَ في مالِ مَحجورِه، فإنْ كان فَقيرًا وشُغِلَ بسَبَبِه عن الاكتِسابِ أخَذَ الأقَلَّ مِنَ الأُجرةِ والنَّفَقةِ بالمَعروفِ، قال اللهُ :
стр. 4409
﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وكالأكلِ غَيرُه مِنْ بَقيَّةِ المُؤَنِ، وإنَّما خُصَّ بالذِّكرِ لأنَّه أعَمُّ وُجوهِ الانتِفاعِ.
وله أنْ يَستَقِلَّ بالأخْذِ مِنْ غيرِ مُراجَعةِ الحاكِمِ.
ولو نَقَصَ أجْرُ الأبِ أو الجَدِّ أو الأُمِّ إذا كانت وَصيَّةً عن نَفَقتِه وكان كلٌّ منهم فَقيرًا تَمَّمَها مِنْ مالِ مَحجورِه؛ لأنَّها إذا وَجَبتْ بلا عَمَلٍ فمعه أوْلَى.
وإذا أخَذَ لِفَقرٍ به ثم أيسَرَ لا يَجبُ عليه رَدُّ البَدَلِ على الأظهَرِ.
هذا كلُّه في الوَليِّ غيرِ الحاكِمِ، أما هو فليس له ذلك؛ لِعَدَمِ اختِصاصِ وِلايَتِه بالمَحجورِ عليه، بخِلافِ غَيرِه، حتى أمينِه.
ولِلوَليِّ خَلطُ مالِه بمالِ الصَّبيِّ ومُواكَلَتُه؛ لِلارتِفاقِ إذا كان لِلصَّبيِّ فيه حَظٌّ، قال اللهُ : ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وإلا امتَنَعَ، قال : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
ويُسَنُّ لِلمُسافِرينَ خَلطُ أزوادِهم، وإنْ تَفاوَتوا في الأكلِ لِأخبارٍ صَحيحةٍ وَرَدتْ فيه.
ولا يَجبُ على الوَليِّ أنْ يَشتَريَ لِمُولِّيه إلا بعدَ استِغنائِه عن الشِّراءِ لِنَفْسِه، فإذا لَم يَستَغْنِ عنه قَدَّمَ نَفْسَه.
وإنْ تَضجَّرَ الأبُ -وإنْ عَلا- فله الرَّفعُ إلى القاضي لِيُنصِّبَ قَيِّمًا بأُجرةٍ مِنْ مالِ مَحجورِه، وله أنْ يُنصِّبَ غَيرَه بها بنَفْسِه.
فإذا ادَّعى الصَّغيرُ بعدَ بُلوغِه على الأبِ والجَدِّ بَيعًا لِمالِه -ولو عَقارًا-
стр. 4410
بلا مَصلَحةٍ صُدِّقا باليَمينِ؛ لأنَّهما لا يُتَّهَمانِ؛ لِوُفورِ شَفَقَتِهما، وكذا الأُمُّ إذا كانتْ وَصيَّةً وكذا مَنْ في مَعناها، كأُمَّهاتِها.
وإنِ ادَّعاه على الوَصيِّ والأمينِ -أي: مَنصوبِ القاضي- صُدِّقَ هو بيَمينِه لِلتُّهمةِ في حَقِّهما، وقيلَ: يُصدَّقُ الوَليُّ مُطلَقًا؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الخيانةِ، وقيلَ: لا يُصدَّقُ مُطلَقًا، بل لا بُدَّ مِنْ بَيِّنةٍ، وقيلَ: يُصدَّقُ الأبُ والجَدُّ مُطلَقًا وغَيرُهما في غيرِ العَقارِ؛ لأنَّ العَقارَ يُحتاطُ فيه ما لا يُحتاطُ في غَيرِه.
وإذا قُلنا: لا يُقبَلُ قَولُ الوَصيِّ والأمينِ فمَحَلُّه في غيرِ أموالِ التِّجارةِ، أمَّا فيها فالظاهِرُ قَبولُ قَولِهما؛ لِعُسرِ الإشهادِ عليهما فيها، ودَعواه على المُشتَري مِنَ الوَليِّ كدَعواه على الوَليِّ، فيُقبَلُ قَولُه عليه إنِ اشتَرى مِنْ غيرِ الأبِ والجَدِّ، لا إنِ اشتَرى منهما.
ولو أقامَ مَنْ لَم يُقبَلْ قَولُه -مِنَ الوَليِّ والمَحجورِ عليه- بَيِّنةً بما ادَّعاه حُكِمَ له بها، ولو بعدَ الحَلِفِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: لا يُنظَرُ في مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ ما داما في الحَجْرِ، إلا الأبَ أو وَصيَّه بَعدَه أو الحاكِمَ عندَ عَدَمِهما.
فتَثبُتُ الوِلايةُ على الصَّغيرِ والمَجنونِ -ذَكَرًا أو أُنثى- لِأبٍ؛ لأنَّها
стр. 4411
وِلايةٌ، فقُدِّمَ فيها الأبُ، كوِلايةِ النِّكاحِ، ولِكَمالِ شَفَقَتِه، ويُشترَطُ في الأبِ أنْ يَكونَ رَشيدًا عاقِلًا حُرًّا عَدلًا -ولو ظاهِرًا-؛ لأنَّ تَفويضَ الوِلايةِ إلى غيرِ مَنْ هذه صِفاتُه تَضييعٌ لِلمالِ، ولأنَّ غيرَ الرَّشيدِ الحُرِّ العاقِلِ قد يَحتاجُ إلى وَليٍّ، فلا يَكونُ وَليًّا على غَيرِه.
ولو كان الأبُ كافِرًا فله الوِلايةُ على وَلَدِه الكافِرِ لِمُساوَاتِه، وإنَّما تَثبُتُ الوِلايةُ لِكافِرٍ، بشَرطِ أنْ يَكونَ عَدلًا في دِينِه، مُمتَثِلًا لِما يَعتَقدونَه واجِبًا، مُنتَهيًا عمَّا يُحرِّمونَه، مُراعيًا لِلمُروءةِ.
ثم تَثبُتُ الوِلايةُ على صَغيرٍ ومَجنونٍ بعدَ الأبِ لِوَصيِّه العَدلِ، ولو كان بجُعلٍ، وثَمَّ مُتبرِّعٌ بالوِلايةِ؛ لأنَّه نائِبُ الأبِ، أشبَهَ وَكيلَه في الحياةِ.
ثم إنْ لَم يَكُنْ أبٌ ولا وَصيُّه، أو كان الأبُ مَوجودًا وفُقِدَ شَيءٌ مِنَ الصِّفاتِ المُعتَبَرةِ فيه ثَبَتتِ الوِلايةُ عليهما لحاكِمٍ كذلك، أي: بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ؛ لأنَّ الوِلايةَ انقَطَعتْ مِنْ جِهةِ الأبِ، فتَكونُ لِلحاكِمِ؛ لأنَّه وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له.
قال ابنُ مُفلِحٍ والبُهوتيُّ والرُّحيبانيُّ ﵏: وقال الإمامُ أحمدُ -جَوابًا عن سُؤالٍ رُفِعَ إليه فيمَن عندَه مالٌ تُطالِبُه الوَرَثةُ فيَخافُ مِنْ أمْرِه، تَرَى أنْ يُخبِرَ الحاكِمَ ويَرفَعَ إليه؟ -: أمَّا حُكَّامُنا اليَومَ هؤلاء فلا أرى أنْ يَتقدَّمَ إلى أحَدٍ منهم، ولا يَدفَعَ إليه شَيئًا، وهذا في زَمانِه.
فكيف بحُكَّامِنا اليومَ، قال الرُّحيبانيُّ: ويُتَّجَهُ، وهو -أي: ما قالَه الإمامُ- الصَّحيحُ الذي لا رَيبَ فيه، وكَلامُ الأصحابِ مَحمولٌ على حاكِمٍ أهلٍ إنْ وُجِدَ وهو أندَرُ مِنَ الكِبريتِ الأحمَرِ.
стр. 4412
فلو لَم يُوصِ الأبُ إلى أحَدٍ بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ، أو كان الأبُ مَوجودًا غيرَ مُتَّصِفٍ بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ، أقامَ الحاكِمُ أمينًا في النَّظَرِ لِليَتيمِ والمَجنونِ لانتِقالِ الوِلايةِ إليه.
فإذا لَم يُوجَدْ حاكِمٌ بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ فأمينٌ يَقومُ باليَتيمِ.
سألَ الأثْرَمُ الإمامَ عن رَجُلٍ ماتَ وله وَرَثةٌ صِغارٌ، كيف يَصنَعُ؟ فقال: إذا لَم يَكُنْ لهم وَصيٌّ ولَهم أُمٌّ مُشفِقةٌ تُدفَعُ إليها.
والجَدُّ لا وِلايةَ له؛ لأنَّه لا يُدلي بنَفْسِه، وإنَّما يُدلي بالأبِ، فهو كالأخِ.
والأُمُّ وسائِرُ العَصَباتِ لا وِلايةَ لَهم؛ لأنَّ المالَ مَحَلُّ الخيانةِ، ومَن عَدا المَذكورينَ أوَّلًا قاصِرٌ عنهم غيرُ مَأْمونٍ على المالِ.
وأمَّا السَّفيهُ فإنْ كان مَحجورًا عليه صَغيرًا، واستُديمَ الحَجْرُ عليه لِسَفَهِه فالوَليُّ فيه مَنْ ذَكَرناه، وإنْ جُدِّدَ الحَجْرُ عليه بعدَ بُلوغِه لَم يَنظُرْ في مالِه إلا الحاكِمُ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَفتَقِرُ إلى حُكمِ حاكِمٍ؛ فيَفتَقِرُ زَوالُه إلى ذلك، فكذلك النَّظَرُ في مالِه.
ولا يَجوزُ لِوَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ أنْ يَتصرَّفَ في مالِهما إلا على وَجْهِ الحَظِّ لَهما؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، والمَجنونُ في مَعناه.
فإنْ تَبرَّعَ بهِبةٍ أو صَدَقةٍ أو حابَى بأنِ اشتَرَى بزيادةٍ أو باعَ بنُقصانٍ أو زادَ على النَّفَقةِ عليهما بالمَعروفِ أو زادَ على النَّفَقةِ على مَنْ تَلزَمُهما مُؤنَتُه مِنْ زَوجةٍ ونَحوِها بالمَعروفِ ضمِن؛ لأنَّه مُفرِّطٌ، كتَصرُّفِه في مالِ غَيرِهما.
стр. 4413
فيَضمَنُ القَدْرَ الزائِدَ على الواجِبِ، لا مُطلَقًا.
ولِوَليِّهما الإنفاقُ عليهما مِنْ مالِهما بغَيرِ إذْنِ حاكِمٍ، كإنفاقِه على لَقيطٍ بغَيرِ إذْنِ حاكِمٍ؛ لِوِلايَتِه.
ولو أفسَدَ طِفلٌ أو مَجنونٌ نَفَقتَه دَفَعها الوَليُّ إليه يَومًا بيَومٍ؛ دَفعًا لِلمَفسَدةِ.
وعُلِمَ أنَّ مَنْ لَم يُفسِدْها يَجوزُ أنْ يُعجِّلَ له ما جَرَتْ به عادةُ أهلِ بَلَدِه، فإنْ أفسَدَها المَولَى عليه بإتلافِها، أو دَفَعَها لِغَيرِه أطعَمَه الوَليُّ مُعايَنةً، أي: حالَ كَونِه مُعايِنًا له، وإلا كان مُفرِّطًا.
ولو أفسَدَ كِسوَتَه سَتَرَ عَورَتَه فَقَطْ في بَيتٍ، إنْ لَم يُمكِنِ التَّحيُّلُ على إبقائِها عليه، ولو بتَهديدٍ وزَجرٍ وصياحٍ عليه.
ومتى أراه الوَليُّ الناسَ ألبَسَه ثِيابَه، فإذا عاد إلى البَيتِ نَزَعَ الثِّيابَ عنه وسَتَرَ عَورَتَه فَقَطْ، ويُقيَّدُ المَجنونُ بالحَديدِ لِخَوفٍ، وكذا يَنبَغي لو خِيفَ منه.
ولا يَصحُّ أنْ يَرتَهِنَ الوَليُّ مِنْ مالِهما لِنَفْسِه أو يَشتَريَ الوَليُّ مِنْ مالِهما شَيئًا لِنَفْسِه أو يَبيعَهما شَيئًا مِنْ نَفْسِه؛ لأنَّه مَظِنَّةُ التُّهمةِ.
إلا الأبَ؛ لأنَّ التُّهمةَ بينَ الوَلَدِ ووالِدِه مَنفيَّةٌ؛ إذْ مِنْ طَبعِ الوالِدِ الشَّفَقةُ عليه والمَيلُ إليه وتَركُ حَظِّ نَفْسِه لِحَظِّه، وبهذا فارَقَ الوَصيَّ والحاكِمَ.
ويَجبُ على وَليِّهما إخراجُ زَكاةِ مالِهما مِنْ مالِهما، وإخراجُ فُطرَتِهما مِنْ مالِهما، وكذا فُطرةُ مَنْ تَلزَمُهما مُؤنَتُه.
стр. 4414
ولا يَصحُّ إقرارُ الوَليِّ عليهما بمالٍ ولا إتلافٍ ونَحوِه؛ لأنَّه إقرارٌ على الغَيرِ.
وأمَّا تَصرُّفاتُه النافِذةُ منه -كالبَيعِ والإجارةِ وغَيرِهما- فيَصحُّ إقرارُه بها، كالوَكيلِ.
ولا يَصحُّ أنْ يأذَنَ لهما في حِفظِ مالِهما؛ لِعَدَمِ حُصولِ المَقصودِ.
ويُستَحبُّ إكرامُ اليَتيمِ وإدخالُ السُّرورِ عليه ودَفعُ الإهانةِ عنه، فجَبرُ قَلبِه مِنْ أعظَمِ مَصالِحِه.
ولِوَليِّهما السَّفَرُ بمالِهما لِتِجارةٍ وغَيرِها، بأنْ عَرَضَ له سَفَرٌ في مَواضِعَ آمنةٍ؛ لأنَّه أحَظُّ لَهما؛ ولأنَّه عادةُ البالِغينَ في أموالِهم.
ولا يَدفَعُ الوَليُّ مالَهما إلا إلى الأُمَناءِ؛ لأنَّه لا حَظَّ لَهما في دَفْعِه لِغَيرِ أمينٍ.
ولا يُغرِّرُ الوَليُّ بمالِهما بأنْ يُعرِّضَه لِما هو مُتردِّدٌ بينَ السَّلامةِ وعَدَمِها؛ لِعَدَمِ الحَظِّ لَهما.
ولِلوَليِّ المُضارَبةُ بالمالِ بنَفْسِه، ولا أُجرةَ له في نَظيرِ اتِّجارِه به، والرِّبحُ كلُّه لِلمَولَى عليه؛ لأنَّه نَماءُ مالِه.
والتِّجارةُ بمالِهما أوْلَى مِنْ تَرْكِها.
ولِوَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ دَفْعُ مالِهما مُضارَبةً إلى أمينٍ يَتَّجِرُ فيه بجُزءٍ مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّ عائِشةَ ﵂ أبضَعَتْ مالَ مُحمدِ بنِ أبي بَكرٍ ﵁، ولأنَّ الوَليَّ نائِبٌ عن مَحجورِه في كلِّ ما فيه مَصلَحَتُه.
стр. 4415
ولِلوَليِّ إبضاعُه، وهو دَفعُه إلى مَنْ يَتَّجِرُ به، والرِّبحُ كلُّه لِلمَولى عليه.
ولِلوَليِّ أيضًا بَيعُه نَسيئًا لِمَليءٍ، وله قَرْضُه لِمَصلَحةٍ فيهما، بأنْ يَكونَ الثَّمَنُ المُؤجَّلُ أكثَرَ مما يُباعُ به حالًّا، كحاجةِ سَفَرٍ أو خَوفٍ على المالِ أو غَيرِهما، فيَجوزُ حينَئذٍ، ولو بلا رَهنٍ ولا كَفيلٍ به وبهما، وأي بالرَّهنِ والكَفيلِ وأو بأحَدِهما أوْلَى مِنْ تَرْكِه؛ لأنَّه الاحتياطُ.
فإنْ تلِف المالُ -أي: ضاعَ- بسَبَبِ تَرْكِ الرَّهنِ والكَفيلِ لَم يَضمَنِ الوَليُّ؛ لأنَّ الظاهِرَ السَّلامةُ.
ومَعنى الحَظِّ في قَرضِ مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ أنْ يَكونَ لِلصَّبيِّ أو المَجنونِ مالٌ في بَلَدٍ فيُريدُ الوَليُّ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ فيُقرِضُه الوَليُّ رَجُلًا في ذلك البَلَدِ لِيَقتَضيَه بَدَلَه في بَلَدِه، يَقصِدُ الوَليُّ به حِفظَه مِنَ المُخاطَرةِ في نَقْلِه، أو يَخافُ عليه الهَلاكَ مِنْ نَهبٍ أو غَرَقٍ أو غَيرِهما، أو يَكونُ المالُ مما يَتلَفُ بتَطاوُلِ مُدَّتِه، أو يَكونُ حَديثُه خَيرًا مِنْ قَديمِه، كالحِنطةِ ونَحوِها، فيُقرِضُه الوَليُّ؛ خَوفًا مِنَ السُّوسِ، أو خَوفًا مِنْ أنْ تَنقُصَ قيمَتُه، ولِأشباهِ ذلك.
وإنْ لَم يَكُنْ في قَرضِه حَظٌّ لَم يَجُزْ لِوَليِّه قَرضُه؛ لأنَّه يُشبِهُ التَّبرُّعَ.
وإنْ أرادَ الوَليُّ أنْ يُودِعَ مالَ الصَّغيرِ أو المَجنونِ فقَرْضُه لِثِقةٍ أوْلَى مِنْ إيداعِه؛ لأنَّه أحفَظُ له، وإنْ أودَعَه الوَليُّ مع إمكانِ قَرضِه جازَ له ذلك ولا ضَمانَ على الوَليِّ إنْ تلِف؛ لِعَدَمِ تَفريطِه.