وِلايةٌ، فقُدِّمَ فيها الأبُ، كوِلايةِ النِّكاحِ، ولِكَمالِ شَفَقَتِه، ويُشترَطُ في الأبِ أنْ يَكونَ رَشيدًا عاقِلًا حُرًّا عَدلًا -ولو ظاهِرًا-؛ لأنَّ تَفويضَ الوِلايةِ إلى غيرِ مَنْ هذه صِفاتُه تَضييعٌ لِلمالِ، ولأنَّ غيرَ الرَّشيدِ الحُرِّ العاقِلِ قد يَحتاجُ إلى وَليٍّ، فلا يَكونُ وَليًّا على غَيرِه.
ولو كان الأبُ كافِرًا فله الوِلايةُ على وَلَدِه الكافِرِ لِمُساوَاتِه، وإنَّما تَثبُتُ الوِلايةُ لِكافِرٍ، بشَرطِ أنْ يَكونَ عَدلًا في دِينِه، مُمتَثِلًا لِما يَعتَقدونَه واجِبًا، مُنتَهيًا عمَّا يُحرِّمونَه، مُراعيًا لِلمُروءةِ.
ثم تَثبُتُ الوِلايةُ على صَغيرٍ ومَجنونٍ بعدَ الأبِ لِوَصيِّه العَدلِ، ولو كان بجُعلٍ، وثَمَّ مُتبرِّعٌ بالوِلايةِ؛ لأنَّه نائِبُ الأبِ، أشبَهَ وَكيلَه في الحياةِ.
ثم إنْ لَم يَكُنْ أبٌ ولا وَصيُّه، أو كان الأبُ مَوجودًا وفُقِدَ شَيءٌ مِنَ الصِّفاتِ المُعتَبَرةِ فيه ثَبَتتِ الوِلايةُ عليهما لحاكِمٍ كذلك، أي: بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ؛ لأنَّ الوِلايةَ انقَطَعتْ مِنْ جِهةِ الأبِ، فتَكونُ لِلحاكِمِ؛ لأنَّه وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له.
قال ابنُ مُفلِحٍ والبُهوتيُّ والرُّحيبانيُّ ﵏: وقال الإمامُ أحمدُ -جَوابًا عن سُؤالٍ رُفِعَ إليه فيمَن عندَه مالٌ تُطالِبُه الوَرَثةُ فيَخافُ مِنْ أمْرِه، تَرَى أنْ يُخبِرَ الحاكِمَ ويَرفَعَ إليه؟ -: أمَّا حُكَّامُنا اليَومَ هؤلاء فلا أرى أنْ يَتقدَّمَ إلى أحَدٍ منهم، ولا يَدفَعَ إليه شَيئًا، وهذا في زَمانِه.
فكيف بحُكَّامِنا اليومَ، قال الرُّحيبانيُّ: ويُتَّجَهُ، وهو -أي: ما قالَه الإمامُ- الصَّحيحُ الذي لا رَيبَ فيه، وكَلامُ الأصحابِ مَحمولٌ على حاكِمٍ أهلٍ إنْ وُجِدَ وهو أندَرُ مِنَ الكِبريتِ الأحمَرِ.
стр. 4412
فلو لَم يُوصِ الأبُ إلى أحَدٍ بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ، أو كان الأبُ مَوجودًا غيرَ مُتَّصِفٍ بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ، أقامَ الحاكِمُ أمينًا في النَّظَرِ لِليَتيمِ والمَجنونِ لانتِقالِ الوِلايةِ إليه.
فإذا لَم يُوجَدْ حاكِمٌ بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ فأمينٌ يَقومُ باليَتيمِ.
سألَ الأثْرَمُ الإمامَ عن رَجُلٍ ماتَ وله وَرَثةٌ صِغارٌ، كيف يَصنَعُ؟ فقال: إذا لَم يَكُنْ لهم وَصيٌّ ولَهم أُمٌّ مُشفِقةٌ تُدفَعُ إليها.
والجَدُّ لا وِلايةَ له؛ لأنَّه لا يُدلي بنَفْسِه، وإنَّما يُدلي بالأبِ، فهو كالأخِ.
والأُمُّ وسائِرُ العَصَباتِ لا وِلايةَ لَهم؛ لأنَّ المالَ مَحَلُّ الخيانةِ، ومَن عَدا المَذكورينَ أوَّلًا قاصِرٌ عنهم غيرُ مَأْمونٍ على المالِ.
وأمَّا السَّفيهُ فإنْ كان مَحجورًا عليه صَغيرًا، واستُديمَ الحَجْرُ عليه لِسَفَهِه فالوَليُّ فيه مَنْ ذَكَرناه، وإنْ جُدِّدَ الحَجْرُ عليه بعدَ بُلوغِه لَم يَنظُرْ في مالِه إلا الحاكِمُ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَفتَقِرُ إلى حُكمِ حاكِمٍ؛ فيَفتَقِرُ زَوالُه إلى ذلك، فكذلك النَّظَرُ في مالِه.
ولا يَجوزُ لِوَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ أنْ يَتصرَّفَ في مالِهما إلا على وَجْهِ الحَظِّ لَهما؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، والمَجنونُ في مَعناه.
فإنْ تَبرَّعَ بهِبةٍ أو صَدَقةٍ أو حابَى بأنِ اشتَرَى بزيادةٍ أو باعَ بنُقصانٍ أو زادَ على النَّفَقةِ عليهما بالمَعروفِ أو زادَ على النَّفَقةِ على مَنْ تَلزَمُهما مُؤنَتُه مِنْ زَوجةٍ ونَحوِها بالمَعروفِ ضمِن؛ لأنَّه مُفرِّطٌ، كتَصرُّفِه في مالِ غَيرِهما.
стр. 4413
فيَضمَنُ القَدْرَ الزائِدَ على الواجِبِ، لا مُطلَقًا.
ولِوَليِّهما الإنفاقُ عليهما مِنْ مالِهما بغَيرِ إذْنِ حاكِمٍ، كإنفاقِه على لَقيطٍ بغَيرِ إذْنِ حاكِمٍ؛ لِوِلايَتِه.
ولو أفسَدَ طِفلٌ أو مَجنونٌ نَفَقتَه دَفَعها الوَليُّ إليه يَومًا بيَومٍ؛ دَفعًا لِلمَفسَدةِ.
وعُلِمَ أنَّ مَنْ لَم يُفسِدْها يَجوزُ أنْ يُعجِّلَ له ما جَرَتْ به عادةُ أهلِ بَلَدِه، فإنْ أفسَدَها المَولَى عليه بإتلافِها، أو دَفَعَها لِغَيرِه أطعَمَه الوَليُّ مُعايَنةً، أي: حالَ كَونِه مُعايِنًا له، وإلا كان مُفرِّطًا.
ولو أفسَدَ كِسوَتَه سَتَرَ عَورَتَه فَقَطْ في بَيتٍ، إنْ لَم يُمكِنِ التَّحيُّلُ على إبقائِها عليه، ولو بتَهديدٍ وزَجرٍ وصياحٍ عليه.
ومتى أراه الوَليُّ الناسَ ألبَسَه ثِيابَه، فإذا عاد إلى البَيتِ نَزَعَ الثِّيابَ عنه وسَتَرَ عَورَتَه فَقَطْ، ويُقيَّدُ المَجنونُ بالحَديدِ لِخَوفٍ، وكذا يَنبَغي لو خِيفَ منه.
ولا يَصحُّ أنْ يَرتَهِنَ الوَليُّ مِنْ مالِهما لِنَفْسِه أو يَشتَريَ الوَليُّ مِنْ مالِهما شَيئًا لِنَفْسِه أو يَبيعَهما شَيئًا مِنْ نَفْسِه؛ لأنَّه مَظِنَّةُ التُّهمةِ.
إلا الأبَ؛ لأنَّ التُّهمةَ بينَ الوَلَدِ ووالِدِه مَنفيَّةٌ؛ إذْ مِنْ طَبعِ الوالِدِ الشَّفَقةُ عليه والمَيلُ إليه وتَركُ حَظِّ نَفْسِه لِحَظِّه، وبهذا فارَقَ الوَصيَّ والحاكِمَ.
ويَجبُ على وَليِّهما إخراجُ زَكاةِ مالِهما مِنْ مالِهما، وإخراجُ فُطرَتِهما مِنْ مالِهما، وكذا فُطرةُ مَنْ تَلزَمُهما مُؤنَتُه.
стр. 4414
ولا يَصحُّ إقرارُ الوَليِّ عليهما بمالٍ ولا إتلافٍ ونَحوِه؛ لأنَّه إقرارٌ على الغَيرِ.
وأمَّا تَصرُّفاتُه النافِذةُ منه -كالبَيعِ والإجارةِ وغَيرِهما- فيَصحُّ إقرارُه بها، كالوَكيلِ.
ولا يَصحُّ أنْ يأذَنَ لهما في حِفظِ مالِهما؛ لِعَدَمِ حُصولِ المَقصودِ.
ويُستَحبُّ إكرامُ اليَتيمِ وإدخالُ السُّرورِ عليه ودَفعُ الإهانةِ عنه، فجَبرُ قَلبِه مِنْ أعظَمِ مَصالِحِه.
ولِوَليِّهما السَّفَرُ بمالِهما لِتِجارةٍ وغَيرِها، بأنْ عَرَضَ له سَفَرٌ في مَواضِعَ آمنةٍ؛ لأنَّه أحَظُّ لَهما؛ ولأنَّه عادةُ البالِغينَ في أموالِهم.
ولا يَدفَعُ الوَليُّ مالَهما إلا إلى الأُمَناءِ؛ لأنَّه لا حَظَّ لَهما في دَفْعِه لِغَيرِ أمينٍ.
ولا يُغرِّرُ الوَليُّ بمالِهما بأنْ يُعرِّضَه لِما هو مُتردِّدٌ بينَ السَّلامةِ وعَدَمِها؛ لِعَدَمِ الحَظِّ لَهما.
ولِلوَليِّ المُضارَبةُ بالمالِ بنَفْسِه، ولا أُجرةَ له في نَظيرِ اتِّجارِه به، والرِّبحُ كلُّه لِلمَولَى عليه؛ لأنَّه نَماءُ مالِه.
والتِّجارةُ بمالِهما أوْلَى مِنْ تَرْكِها.
ولِوَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ دَفْعُ مالِهما مُضارَبةً إلى أمينٍ يَتَّجِرُ فيه بجُزءٍ مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّ عائِشةَ ﵂ أبضَعَتْ مالَ مُحمدِ بنِ أبي بَكرٍ ﵁، ولأنَّ الوَليَّ نائِبٌ عن مَحجورِه في كلِّ ما فيه مَصلَحَتُه.
стр. 4415
ولِلوَليِّ إبضاعُه، وهو دَفعُه إلى مَنْ يَتَّجِرُ به، والرِّبحُ كلُّه لِلمَولى عليه.
ولِلوَليِّ أيضًا بَيعُه نَسيئًا لِمَليءٍ، وله قَرْضُه لِمَصلَحةٍ فيهما، بأنْ يَكونَ الثَّمَنُ المُؤجَّلُ أكثَرَ مما يُباعُ به حالًّا، كحاجةِ سَفَرٍ أو خَوفٍ على المالِ أو غَيرِهما، فيَجوزُ حينَئذٍ، ولو بلا رَهنٍ ولا كَفيلٍ به وبهما، وأي بالرَّهنِ والكَفيلِ وأو بأحَدِهما أوْلَى مِنْ تَرْكِه؛ لأنَّه الاحتياطُ.
فإنْ تلِف المالُ -أي: ضاعَ- بسَبَبِ تَرْكِ الرَّهنِ والكَفيلِ لَم يَضمَنِ الوَليُّ؛ لأنَّ الظاهِرَ السَّلامةُ.
ومَعنى الحَظِّ في قَرضِ مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ أنْ يَكونَ لِلصَّبيِّ أو المَجنونِ مالٌ في بَلَدٍ فيُريدُ الوَليُّ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ فيُقرِضُه الوَليُّ رَجُلًا في ذلك البَلَدِ لِيَقتَضيَه بَدَلَه في بَلَدِه، يَقصِدُ الوَليُّ به حِفظَه مِنَ المُخاطَرةِ في نَقْلِه، أو يَخافُ عليه الهَلاكَ مِنْ نَهبٍ أو غَرَقٍ أو غَيرِهما، أو يَكونُ المالُ مما يَتلَفُ بتَطاوُلِ مُدَّتِه، أو يَكونُ حَديثُه خَيرًا مِنْ قَديمِه، كالحِنطةِ ونَحوِها، فيُقرِضُه الوَليُّ؛ خَوفًا مِنَ السُّوسِ، أو خَوفًا مِنْ أنْ تَنقُصَ قيمَتُه، ولِأشباهِ ذلك.
وإنْ لَم يَكُنْ في قَرضِه حَظٌّ لَم يَجُزْ لِوَليِّه قَرضُه؛ لأنَّه يُشبِهُ التَّبرُّعَ.
وإنْ أرادَ الوَليُّ أنْ يُودِعَ مالَ الصَّغيرِ أو المَجنونِ فقَرْضُه لِثِقةٍ أوْلَى مِنْ إيداعِه؛ لأنَّه أحفَظُ له، وإنْ أودَعَه الوَليُّ مع إمكانِ قَرضِه جازَ له ذلك ولا ضَمانَ على الوَليِّ إنْ تلِف؛ لِعَدَمِ تَفريطِه.
стр. 4416
وكلُّ مَوضِعٍ قُلْنا فيه: لِلوَليِّ قَرضُه، بأنْ رأى فيه المَصلَحةَ لا يَجوزُ قَرضُه إلا لِمَليءٍ أمينٍ؛ لِئَلَّا يُعرِّضَه لِلتَّلَفِ، وكذا بَيعُه نَساءً.
ولا يُقرِضُه الوَليُّ لِمَودَّةٍ ومُكافأةٍ نَصًّا؛ لأنَّه لا حَظَّ لِلمَولَى عليه في ذلك، ولا يَقتَرِضُ وَصيٌّ ولا حاكِمٌ منه شَيئًا لِنَفْسِه، كما لا يَشتَري مِنْ نَفْسِه ولا يَبيعُ لَها؛ لِلتُّهمةِ، وظاهِرُه أنَّ الأبَ له ذلك؛ لِعَدَمِ التُّهمةِ.
ولِلوَليِّ هِبَتُه بعِوَضٍ قَدْرِ قيمَتِه فأكثَرَ، أمَّا بدُونِها فمُحاباةٌ على قياسِ ما سَبَقَ.
ولِلوَليِّ رَهنُه عندَ ثِقةٍ لِحاجةٍ، ولِلأبِ أنْ يَرتَهِنَ مالَهما لِنَفْسِه، ولا يَجوزُ ذلك لِوَليٍّ غَيرِه.
ولِوَليِّهما -أي: الصَّغيرِ والمَجنونِ- سَواءٌ كان أبًا أو غَيرَه شِراءُ العَقارِ لَهما مِنْ مالِهما لِيُستَغَلَّ مع بَقاءِ الأصلِ لَهما.
وله أيضًا بِناؤُه لَهما بما جَرَتْ عادةُ أهلِ بَلَدِه به.
وإنْ كان شِراءُ العَقارِ أحَظَّ مِنَ البِناءِ، وهو مُمكِنٌ، تَعيَّنَ تَقديمُه على البِناءِ؛ لِكَونِه أحَظَّ.
ولِلوَليِّ شِراءُ الأُضحيَّةِ لِيَتيمٍ له مالٌ كَثيرٌ مِنْ مالِ اليَتيمِ؛ لأنَّه يَومُ سُرورٍ وفَرَحٍ؛ لِيَحصُلَ بذلك جَبْرُ قَلبِه، إلحاقًا بمَن له أبٌ، كالثِّيابِ الحَسنةِ، مع استِحبابِ التَّوسِعةِ في هذا اليَومِ.
стр. 4417
وتَحرُمُ صَدَقةُ الوَليِّ بشَيءٍ مِنَ الأُضحيَّةِ.
ومتى كان خَلطُ قُوتِ اليَتيمِ بقُوتِ وَليِّه أرفَقَ به وألْيَنَ لِعَيشِه في الخُبزِ، وأمْكَنَ في حُصولِ الأُدُمِ فهو أوْلى؛ طَلَبًا لِلرِّفقِ، قال اللهُ : ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وإنْ كان إفرادُ اليَتيمِ أرفَقَ به أفرَدَه الوَليُّ؛ مُراعاةً لِلمَصلَحةِ.
ويَجوزُ لِلوَليِّ تَركُ اليَتيمِ في المَكتَبِ لِيَتعلَّمَ ما يَنفَعُه، وله أيضًا تَعليمُه الخَطَّ والرِّمايةَ والأدَبَ وما يَنفَعُه، وله أداءُ الأُجرةِ عنه مِنْ مالِه؛ لأنَّ ذلك مِنْ مَصالِحِه، فأشبَهَ ثَمَنَ مَأكولِه.
وله أنْ يُسلِّمَه في صِناعةٍ إذا كانتْ مَصلَحةً، وله أيضًا مُداواتُه لِمَصلَحةٍ، وحَملُه لِيَشهَدَ الجَماعةَ بأُجرةٍ فيهما، أي: في المُداواةِ والحَملِ بلا إذْنِ حاكِمٍ إذا رأى الوَليُّ المَصلَحةَ في ذلك كلِّه.
ولِلوَليِّ بَيعُ عَقارِ الصَّغيرِ والمَجنونِ لِمَصلَحةٍ، ولو لَم يَحصُلْ زيادةٌ على ثَمَنِ مِثلِه، وأنواعُ المَصلَحةِ كَثيرةٌ، إمَّا لِاحتياجِ الصَّغيرِ والمَجنونِ إلى نَفَقةٍ، أو كِسوةٍ أو قَضاءِ دَينٍ عليهما، أو ما لا بُدَّ منه لِلصَّغيرِ والمَجنونِ، وليس له ما تَندَفِعُ به حاجَتُه، أو أنْ يَخافَ على العَقارِ الهَلاكَ بغَرَقٍ أو خَرابٍ ونَحوِهما، أو يَكونَ في بَيعِ العَقارِ غِبطةٌ، وهي أنْ يَبذُلَ فيه زيادةً كَثيرةً على ثَمَنِ مِثلِه ولا يَتقيَّدَ بالثُّلُثِ، أو يَكونَ العَقارُ في مَكانٍ لا يُنتفَعُ به؛ لِكَونِه لا غَلَّةَ فيه؛ لِخَرابِ مَحَلَّتِه مَثَلًا، أو كانَ نَفعُه قَليلًا، فيَبيعَه ويَشتَريَ له
стр. 4418
عَقارًا في مَكانٍ يَكثُرُ نَفعُه، أو أنْ يرى الوَليُّ شَيئًا يُباعُ -في شِرائِه غِبطةٌ- ولا يُمكِنَه شِراؤُه إلا ببَيعِ عَقارِه.
وقد تَكونُ دارُه في مَكانٍ يَتضرَّرُ الغُلامُ بالمُقامِ فيه؛ لِسُوءِ الجِوارِ أو غَيرِه، فيَبيعُها ويَشتَري له بثَمَنِها دارًا يَصلُحُ له المُقامُ بها، وأشباهُ هذا لا تَنحَصِرُ، فالمُعتَبَرُ أنْ يَراه مَصلَحةً.
وحاصِلُه أنَّه لا يُباعُ إلا بثَمَنِ المِثلِ، فلو نَقَصَ منه لَم يَصحَّ، وقيل: إذا باعَ الوَليُّ بدُونِ القيمةِ صَحَّ البَيعُ على المَذهبِ ويَضمَنُ النَّقصَ كالوَكيلِ.
ولِلوَليِّ أنْ يأذَنَ لِلصَّغيرةِ أنْ تَلعَبَ بألعابٍ غيرِ مُصوَّرةٍ، أي: بلا رَأْسٍ، وله شِراؤُها لِمَحجورَتِه مِنْ مالِها نَصًّا؛ لأنَّه لا مَحظورَ فيه، بل فيه مَصلَحةُ التَّمرُّنِ على ما يُطلَبُ منها.
وشِراؤُه إيَّاها مِنْ مالِه أوْلَى؛ لِيُوفِّرَ لها مالَها، وتَقدَّم في سَترِ العَورةِ بَعضُه، ولِوَليِّها أيضًا تَجهيزُها إذا زَوَّجَها بما يَليقُ بها مِنْ ثيابٍ وحُلِيٍّ وفَرشٍ على العادةِ؛ لأنَّه مِنْ مَصالِحِها.
وإنْ لَم يُمكِنِ الوَليَّ تَخليصُ حَقِّ مُولِّيه مِنْ دَينٍ أو عَينٍ إلا برَفْعِه إلى والٍ يَظلِمُه فله رَفعُه، أي: مَنْ عليه الحَقُّ، لأنَّه هو الذي جَرَّ الظُّلمَ إلى نَفْسِه، كما لو لَم يُمكِنْ رَدُّ المَغصوبِ إلا بكُلفةٍ عَظيمةٍ، فإنَّ لِلمالِكِ تَكليفَ الغاصِبِ ذلك، والمُؤنةُ على الغاصِبِ؛ لأنَّه المُتسبِّبُ فيُؤخَذُ منه أنَّ الإنسانَ إنْ لَم يُمكِنْه أخْذُ حَقِّه إلا برَفعِ مَنْ هو عليه لِوالٍ يَظلِمُه جازَ له رَفعُه.
стр. 4419
ولِلوَليِّ المُحتاجِ -غَيرِ الحاكِمِ وأمينِه- أنْ يأكُلَ مِنْ مالِ المُوَلَّى عليه الأقَلَّ مِنْ أُجرةِ مِثلِه، أو قَدْرَ كِفايَتِه، ولو لَم يُقدِّرْه حاكِمٌ ولا يَلزَمْه عِوَضُه إذا أيسَرَ، وإنْ كان غَنيًّا لَم يَجُزْ له ذلك، إذا لَم يَكُنْ أبًا، فإنْ فَرَضَ لِلوَليِّ الحاكِمُ شَيئًا جازَ له أخْذُه مَجَّانًا، ولو مع غِناه، ولا يَقرَأُ في مُصحَفِ اليَتيمِ إنْ كان يُخلِقُه.
ويَأكُلُ ناظِرُ وَقفٍ بمَعروفٍ نَصًّا، إذا لَم يَشتَرِطِ الواقِفُ له شَيئًا، ولو لَم يَكُنْ مُحتاجًا.
والوَكيلُ في الصَّدَقةِ لا يَأكُلُ منها شَيئًا لِأجْلِ العَمَلِ.
ومتى زال الحَجْرُ عن الصَّغيرِ أو المَجنونِ أو السَّفيهِ فادَّعى أحَدُهم على الوَليِّ تَعدِّيًا في مالِه، أو ادَّعى ما يُوجِبُ ضَمانًا -مِنْ نَحوِ تَفريطٍ أو مُحاباةٍ أو تَبرُّعٍ ونَحوِها- بلا بَيِّنةٍ فقَولُ الوَليِّ؛ لأنَّه أمينٌ كالمُودَعِ، حتى في قَدْرِ نَفَقةٍ عليه وقَدْرِ كِسوةٍ أو قَدْرِ نَفَقةٍ وكِسوةٍ على مالِ المَحجورِ مِنْ رَقيقٍ وبَهائِمَ، وكذا يُقبَلُ قَولُه في قَدْرِ النَّفَقةِ على مَنْ تَلزَمُه نَفَقتُه مِنْ زَوجةٍ وقَريبٍ، أو قَدْرِ نَفَقةٍ على عَقارِه إنْ أنفَقَ عليه في عِمارةٍ بالمَعروفِ مِنْ مالِ الوَليِّ لِيَرجِعَ على المَحجورِ عليه، وظاهِرُه لا تُقبَلُ دَعواه اقتِراضًا عليه؛ لأنَّه خِلافُ الظاهِرِ.
ما لَم يُعلَمْ كَذِبُه -أي: الوَليِّ، بأنْ كَذَّبَ الحِسُّ دَعواه، أو تُخالِفُه العادةُ والعُرفُ- لا يُقبَلْ قَولُه؛ لِمُخالَفَتِه الظاهِرَ.
стр. 4420
لكنْ لو قال الوَصيُّ: أنفَقتُ عليكَ ثَلاثَ سِنينَ، وقال اليَتيمُ: بل ماتَ أبي مُنذُ سَنتَيْنِ وأنفَقتَ علَيَّ مِنْ أوانِ مَوتِه، فقَولُ اليَتيمِ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصَلَ مُوافَقَتُه.
ويُقبَلُ قَولُ وَليٍّ أيضًا في وُجودِ ضَرورةٍ وغِبطةٍ ومَصلَحةٍ اقتَضَتْ بَيعَ عَقارِ المَحجورِ.
ويُقبَلُ قَولُ وَليٍّ أيضًا في تَلَفِ مالِ المَحجورِ أو بَعضِه؛ لأنَّه أمينٌ.
وحيث قُلنا: القَولُ قَولُ وَليٍّ، فإنَّه يَحِلُف؛ لِاحتِمالِ قَولِ اليَتيمِ، غيرَ حاكِمٍ فلا يَحلِفُ مُطلَقًا؛ لِعَدَمِ التُّهمةِ.
ويُقبَلُ قَولُ الوَليِّ في دَفْعِ المالِ إليه بعدَ بُلوغِه ورُشدِه وعَقلِه، إنْ كان الوَليُّ مُتبرِّعًا؛ لأنَّه أمينٌ، أشبَهَ المُودَعَ، وإلا يَكُنِ الوَليُّ مُتبرِّعًا، بل بأُجرةٍ، فلا يُقبَلُ قَولُه في دَفْعِه المالَ إليه، بل قَولُ اليَتيمِ؛ لأنَّ الوَليَّ قبَض المالَ لِحَظِّه، فلَم تُقبَلْ دَعواه الرَّدَّ كالمُرتَهَنِ والمُستَعيرِ (١).
٥ - الحَجْرُ على الفاسِقِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في الفاسِقِ غيرِ المُبذِّرِ لِمالِه الحافِظِ له غيرِ المُضيِّعِ له، هل يُحجَرُ عليه أم لا؟
стр. 4421
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الفاسِقَ الذي يَكذِبُ ويَمنَعُ الزَّكاةَ ويُضيِّعُ الصَّلاةَ مع حِفظِه لِمالِه لا يُحجَرُ عليه، ويُدفَعُ إليه مالُه؛ لأنَّ المَقصودَ بالحَجرِ حِفظُ المالِ، ومالُه مَحفوظٌ بدونِ الحَجْرِ، فلا حاجةَ إليه، ولذلك لو طَرَأ الفِسقُ بعدَ دَفْعِ مالِه إليه لَم يُنزَعْ منه، ولقَولِ الله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] وقد أُونِسَ منه نَوعُ رُشدٍ، وهو إصلاحُ المالِ، فيَتناوَلُه النَّصُّ؛ ولأنَّ الحَجْرَ لِلفَسادِ في المالِ، لا في الدِّينِ؛ ألَا تَرى أنَّه لا يُحجَرُ على الذِّمِّيِّ، والكُفرُ أعظَمُ مِنَ الفِسقِ؟ ولأنَّ الأوَّلِينَ لَم يَحجُروا على الفَسَقةِ، ولأنَّ الفِسقَ لا يَتحقَّقُ به إتلافُ المالِ، ولا عَدَمُ إتلافِه، أي: لا تَلازُمَ بينَ الفِسقِ وإتلافِ المالِ.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقامَ الحُدودَ ثم لَم يَحجُرْ على مَنْ أقامَها عليه في مالِه، وكذا أقامَها أبو بَكرٍ وعُمَرُ وعُثمانُ ﵃ ولَم يُنقَلْ أنَّهم حَجَروا على مَنْ أقاموا ذلك عليه، ولأنَّ وازِعَ المالِ طَبيعيٌّ، ووازِعَ الدِّينِ شَرعيٌّ، والطَّبيعيُّ أقوى، بدَليلِ قَبولِ إقرارِ الفاسِقِ الفاجِرِ -لأنَّ وازِعَه طَبيعيٌّ-، ورَدِّ شَهادَتِه -لأنَّ الوازِعَ فيها شَرعيٌّ-، فاشتُرِطتِ العَدالةُ فيها دونَ الإقرارِ.
فعلى هذا يُدفَعُ إليه مالُه، وإنْ كان مُفسِدًا لدِينِه، كمَن يَترُكُ الصَّلاةَ ويَمنَعُ الزَّكاةَ، وكنَحوِ ذلك.
стр. 4422
وذهَب الشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ -وهو قَولُ ابنِ سُرَيجٍ- والحَنابِلةُ في قَولٍ -وهو قَولُ ابنِ عَقيلٍ- إلى أنَّ الفاسِقَ يُحجَرُ عليه، وإنْ كان مُصلِحًا لِمالِه؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأثبَتَ الوِلايةَ على السَّفيهِ، وهذا سَفيهٌ، ولأنَّه مَعنًى لو قارَنَ البُلوغَ لَمَنَع مِنْ فَكِّ الحَجْرِ عنه، فإذا طَرَأ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه اقتَضى إعادةَ الحَجْرِ عليه، كالتَّبذيرِ.
والفاسِقُ هو: مَنْ يَفعَلُ مُحرَّمًا يُبطِلُ العَدالةَ، مِنْ كَبيرةٍ أو إصرارٍ على صَغيرةٍ، لأنَّ الفاسِقَ غيرُ رَشيدٍ، ولأنَّ إفسادَه لِدِينِه يَمنَعُ الثِّقةَ به في حِفظِ مالِه، كما يُمنَعُ قَبولُ قَولِه وثُبوتُ الوِلايةِ على غَيرِه، وإنْ لَم يُعرَفْ منه كَذِبٌ ولا تَبذيرٌ.
أمَّا الفاسِقُ الذي يُنْفِقُ أموالَه في المَعاصي -كشِراءِ الخَمرِ وآلاتِ اللَّهوِ- أو يَتوصَّلُ به إلى الفَسادِ فهو غيرُ رَشيدٍ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ ويُحجَرُ عليه لِتَبذيرِه لِمالِه وتَضييعِه إيَّاه في غيرِ فائِدةٍ (١).
стр. 4423
قال المالِكيَّةُ: ولو كان رَجُلًا عاقِلًا مُبذِّرًا لِمالِه يَستَعينُ بذلك على الفُسوقِ وشُربِ الخَمرِ فإنَّه يُحجَرُ عليه، وإنْ كان يُنَمِّيه بمِثلِ ذلك، وذلك لِحَقِّ اللهِ ؛ لأنَّ تَغييرَ المُنكَرِ فَرضٌ، فإذا كان لا يَنزَجِرُ هذا مع بَقاءِ المالِ في يَدِه إلا بالحَجرِ حُجِرَ عليه، وقال مالِكٌ في «المُدوَّنةِ» في الذين تُحجَرُ عليهم أموالُهم: هُمْ الذين يُبذِّرونَه في الفُسوقِ والشَّرابِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: لو كان الفاسِقُ يُنْفِقُ مالَه في المعاصي -كشِراءِ الخَمرِ وآلاتِ اللَّهوِ- أو يَتوَصَّلُ به إلى الفَسادِ فهو غيرُ رَشيدٍ لِتَبذيرِه لِمالِه وتَضييعِه إيَّاه في غيرِ فائِدةٍ، فيُحجَرُ عليه.
وإنْ كان فِسقُه لِغَيرِ ذلك -كالكَذِبِ ومَنعِ الزَّكاةِ وإضاعةِ الصَّلاةِ، مع حِفظِه لِمالِه- دُفِعَ إليه؛ لأنَّ المَقصودَ بالحَجرِ حِفظُ المالِ، ومالُه مَحفوظٌ بدونِ الحَجْرِ، فلا حاجةَ إليه، ولذلك لو طَرَأ الفِسقُ بعدَ دَفعِ مالِه إليه لَم يُنزَعْ منه (٢).
٦ - الحَجْرُ على الشَّحيحِ:
اختَلَف فُقهاءُ الشافِعيَّةِ في الشَّحيحِ الذي يَبخَلُ على نَفْسِه في النَّفَقةِ، فلا يَأكُلُ حَسَبَ كِفايَتِه، ولا يَلبَسُ بقَدْرِ حالِه شُحًّا على نَفْسِه وبُخلًا وحُبًّا لِلمالِ وجَمعًا، هل يُحجَرُ عليه أو لا؟
стр. 4424
فيه وَجهانِ: أصَحُّهما: لا يُحجَرُ عليه؛ لأنَّ الحَجْرَ يُفيدُ جَمْعَ المالِ وإمساكَه، لا إنفاقَه، وليس كلُّ مَنهيٍّ عنه يُوجِبُ الحَجْرَ.
وقال أبو العَبَّاسِ بنُ سُرَيجٍ وأبو سَعيدٍ الإصْطَخْريُّ -وهو قَولُ الحَنابِلةِ- (١): يُحجَرُ عليه بالشُّحِّ والتَّقصيرِ، كما يُوجَبُ بالسَّرَفِ والتَّبذيرِ؛ لأنَّ اللهَ قد نَهى عنهما، فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩].
فعلى هذا لَم يَمنَعْ مِنْ عُقودِه ولا كَفَّهُ عن التَّصرُّفِ في مالِه، ولكنْ يُنْفِقُ عليه جَبرًا بالمَعروفِ مِنْ مالِه، إلا أنْ يَخافَ عليه إخفاءَ مالِه؛ لِعِظَمِ شُحِّه، فيُمنَعُ مِنَ التَّصرُّفِ فيه (٢).
٧ - الحَجْرُ على الشَّيخِ الكَبيرِ:
نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ الشَّيخَ الكَبيرَ الذي اختَلَّ عَقلُه يُحجَرُ عليه، يَعني: إذا كَبِرَ واختَلَّ عَقلُه حُجِرَ عليه، بمَنزِلةِ المَجنونِ؛ لأنَّه يَعجِزُ بذلك عن التَّصرُّفِ في مالِه على وَجهِ المَصلَحةِ وعن حِفظِه، فأشبَهَ الصَّبيَّ والسَّفيهَ (٣).
стр. 4425
ثانيًا: الأسبابُ المُوجِبةُ لِلحَجرِ لِمَصلَحةِ الغَيرِ:
١ - الحَجْرُ على المَدينِ المُفلِسِ:
المُفلِسُ هو: مَنْ لا مالَ له، ولا ما يَدفَعُ به حاجَتَه.
وعندَ الفُقهاءِ هو: مَنْ دَيْنُه أكثَرُ مِنْ مالِه، وخَرْجُه أكثَرُ مِنْ دَخْلِه، أو هو اسمٌ لِمَنْ عليه دُيونٌ لا يَفي مالُه بها.
ويَجوزُ أنْ يَكونَ سُمِّيَ بذلك لِما يَؤولُ إليه مِنْ عَدَمِ مالِه بعدَ وَفاءِ دَينِه؛ لأنَّ مالَه مُستحَقُّ الصَّرفِ في جِهةِ دَيْنِه، فكأنَّه مَعدومٌ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ سُمِّيَ بذلك لأنَّه يُمنَعُ مِنَ التَّصرُّفِ في مالِه إلا الشَّيءَ التافِهَ.
حُكمُ الحَجْرِ على المُفلِسِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في الحَجْرِ على المُفلِسِ فيما إذا كان عليه دُيونٌ أكثَرُ مِنَ المالِ الذي يَمتَلِكُه، هل يُحجَرُ عليه إذا طَلَب غُرماؤُه ذلك أم لا؟
فقال الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀: لا يُحجَرُ على المَدينِ المُفلِسِ بسَبَبِ الدَّينِ، فإذا لَم يُحجَرْ عليه جازَ تَصرُّفُه وإقرارُه؛ لأنَّه بالِغٌ عاقِلٌ.
وإذا وَجَبتِ الدُّيونُ على رَجُلٍ وطَلَبَ غُرَماؤُه حَبْسَه والحَجْرَ عليه لَم أحجُرْ عليه، وإنْ كان له مالٌ لَم يَتصرَّفْ فيه الحاكِمُ في حالِ حياةِ المَدينِ، أمَّا إذا ماتَ وعليه دُيونٌ قد ثَبَتتْ عندَ القاضي بالبَيِّنةِ، أو بإقرارِه، فإنَّ القاضيَ يَبيعُ جَميعَ أموالِه مَنقولةً كانتْ أو عَقارًا، ويَقضي بها دُيونَه، ويَكونُ عُهدةُ ما باعَ على الغُرماءِ دونَ القاضي وأمينِه، وكذا إذا باعَ القاضي التَّرِكةَ
стр. 4426
لِأجْلِ المُوصى له، تَكونُ العُهدةُ عليه دونَ القاضي، أو باعَ لِأجْلِ الصَّغيرِ تُجعَلُ العُهدةُ على الصَّغيرِ وكذا أمينُ القاضي.
ولكنْ يَحبِسُه أبدًا حتى يَبيعَه في دَينِه إيفاءً لِحَقِّ الغُرَماءِ، ودَفعًا لِظُلمِه، ويَبيعُ العُروضَ ثم العَقارَ.
فإنْ كان دَينُه دَراهِمَ وله دَراهِمُ قَضاها القاضي بغَيرِ أمْرِه، وهذا بالإجماعِ؛ لأنَّ مَنْ له الدَّينُ إذا وَجَدَ جِنسَ حَقِّه جازَ له أخْذُه بغَيرِ رِضاه، فدَفْعُ القاضي أوْلَى.
وإنْ كان دَينُه دَراهِمَ وله دَنانيرُ، أو على ضِدِّ ذلك باعَها القاضي في دَينِه استِحسانًا؛ لأنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ قد أُجريتْ في بَعضِ الأحكامِ مَجرى الجِنسِ الواحِدِ، والقياسُ ألَّا يَبيعَه، كما في العُروضِ، ولِهذا لَم يَكُنْ لِصاحِبِ الدَّينِ أنْ يأخُذَه جَبرًا.
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو يُوسُفَ ومحمدٌ -والفَتوى على قَولِهما- إلى أنَّ المُفلِسَ يُحجَرُ عليه إذا طلَب الغُرَماءُ ذلك، وقد أحاطَتْ به الدُّيونُ، وأنَّ هذا مُستحَقٌّ على الحاكِمِ وله مَنعُه مِنَ التَّصرُّفِ حتى لا يَضُرَّ بالغُرَماءِ، وله أنْ يَبيعَ أموالَه إذا امتَنَع المُفلِسُ عن بَيعِها ويُقسِّمَها بينَ غُرَمائِه بالحِصَصِ على قَدْرِ دُيونِهم؛ لِحَديثِ كَعبِ بنِ مالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَالَهُ وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ (١).
стр. 4427
وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قال: أُصِيبَ رَجُلٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ» (١)، وفي إذْنِه ﷺ لَهم بأخْذِ مالِه مَنعٌ مِنَ التَّصرُّفِ فيه (٢).
إلا أنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ الذين قالوا بالحَجرِ على المُفلِسِ اختَلَفوا في بَعضِ التَّفاصيلِ، منها:
هل يُحجَرُ عليه إنْ كان دَينُه مُساوِيًا لِلمالِ الذي معه أم لا؟
وكذا: هل يَحجُرُ عليه الحاكِمُ أم الغُرماءُ؟
стр. 4428
وكذا حَبسُه إنْ كان مُعسِرًا، وما القَدْرُ الذي يُترَكُ له لِيُنفِقَ منه على نَفْسِه ومَن يَمُونُه؟
وما الأشياءُ التي تُباعُ في الدَّينِ؟
وغَيرُها مِنَ المَسائِلِ، وأنا أذكُرُ هنا كلَّ مَذهبٍ على حِدَةٍ بالتَّفصيلِ.
قال الصاحِبانِ أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ -والفَتوى على قَولِهما عندَ الحَنفيَّةِ-: إذا طلَب غُرماءُ المُفلِسِ الحَجْرَ عليه حَجَرَ القاضي عليه ومَنَعه مِنَ التَّصرُّفِ والبَيعِ والإقرارِ، حتى لا يَضُرَّ بالغُرَماءِ، يَعني: إذا كان بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، أمَّا بثَمَنِ المِثلِ فلا يَمنَعُه.
وباعَ مالَه إنِ امتَنَع مِنْ بَيعِه، ويَبيعُ في الدَّينِ العُروضَ أوَّلًا، ثم العَقارَ، ويَترُكُ عليه دُسَتًا مِنْ ثِيابِ بَدَنِه ويُباعُ البَقيَّةُ.
وكذا إذا كان له مَسكَنٌ ويُمكِنُ أنْ يَجتَزِئَ بدون ذلك، فإنَّه يَبيعُ ذلك المَسكَنَ ويَصرِفُ بَعضَ ثَمَنِه إلى قَضاءِ الدَّينِ، ويَشتَري بالبَقيَّةِ مَسكَنًا يَبيتُ فيه، وقَسَّمَه بينَ غُرَمائِه بالحِصَصِ على قَدْرِ دُيونِهم.
فإنْ أقَرَّ في حالِ الحَجْرِ بإقرارٍ لَزِمَه ذلك بعدَ قَضاءِ الدَّينِ؛ لأنَّه قد تَعلَّقَ بهذا المالِ حَقُّ الأوَّلينَ، فلا يَتمَكَّنُ مِنْ إبطالِ حَقِّهم بالإقرارِ لِغَيرِهم، بخِلافِ الاستِهلاكِ؛ لأنَّه مُشاهَدٌ لا مَرَدَّ له، وإنِ استَفادَ مالًا بعدَ الحَجْرِ نَفَذَ إقرارُه فيه؛ لأنَّ حَقَّهم لَم يَتعلَّقْ به.
ويُنفَقُ على المُفلِسِ المَحجورِ عليه مِنْ مالِه، وعلى زَوجَتِه وأولادِه الصِّغارِ وذوي أرحامِه ممَّن يَجبُ نَفَقتُه عليه؛ لأنَّ حاجَتَه الأصليَّةَ مُقدَّمةٌ
стр. 4429
على حَقِّ الغُرَماءِ؛ ولأنَّه حَقٌّ ثابِتٌ لِغَيرِه، فلا يُبطِلُه الحَجْرُ، ولِهذا لو تَزوَّجَ امرأةً كانت في مِقدارِ مَهرِ مِثلِها أُسوةً لِلغُرَماءِ.
فإنْ لَم يُعرَفْ لِلمُفلِسِ مالٌ وطَلَب غُرَماؤُه حَبْسَه، وهو يَقولُ: لا مالَ لي، حَبَسَه الحاكِمُ في كلِّ دَينٍ التَزَمَه، بَدَلًا مِنْ مالٍ حَصَل في يَدِه كثَمَنِ المَبيعِ، وبَدَلِ القَرضِ، وفي كلِّ دَينٍ التَزَمه بعَقدٍ، كالكَفالةِ والمَهرِ المُعجَّلِ دونَ المُؤجَّلِ، فإنَّ القَولَ في المُؤجَّلِ قَولُه بالإجماعِ.
أمَّا إذا كان الدَّينُ بَدَلًا مِنْ مالٍ حَصَل في يَدِه لَم يُصدَّقْ على الإعسارِ؛ لأنَّا قد عَرَفنا غِناه به، فدَعواه الإعسارَ دَعوى زَوالِ ما في يَدِه، وهو مَعنًى حادِثٌ، فلا يَصدُقُ، وكذا إذا كان التَزَمَه بعَقدٍ، كالمَهرِ المُعجَّلِ، لا يُصدَّقُ في دَعوى الإعسارِ فيه؛ لأنَّه قد يُريدُ بدَعواه أنْ يَسقُطَ ما التَزَمه فلا يُقبَلُ.
وما سِوى ذلك فالقَولُ قَولُه في الإعسارِ؛ لأنَّ الأصلَ الفَقرُ.
ولم يَحبِسْه فيما سِوى ذلك، كعِوَضِ المَغصوبِ وأرشِ الجِناياتِ، إذا قال: أنا فَقيرٌ؛ لأنَّ الأصلَ الفَقرُ، فمَنِ ادَّعى الغِنى يَدَّعي مَعنًى حادِثًا، فلا يُقبَلُ إلا ببَيِّنةٍ، إلا أنْ يُقيمَ غَريمُه بَيِّنةً أنَّ له مالًا، فحينَئذٍ يَحبِسُه؛ لأنَّ البَيِّنةَ أوْلَى مِنْ دَعواه الفَقرَ.
ثم المَحبوسُ في الدَّينِ لا يَخرُجُ لِمَجيءِ شَهرِ رَمَضانَ ولا لِلعِيدَيْنِ ولا لِلجُمُعةِ ولا لِصَلاةٍ مَكتوبةٍ ولا لِحَجَّةِ فَريضةٍ ولا لِحُضورِ جِنازةِ بَعضِ أهلِه، ولو أعطى كَفيلًا بنَفْسِه، وعن مُحمدٍ: إذا ماتَ له والِدٌ أو وَلَدٌ لا يَخرُجُ إلا ألَّا يُوجَدَ مَنْ يُغسِّلُه ويُكفِّنُه، فيَخرُجُ حينَئذٍ، وأمَّا إذا كان هناك مَنْ
стр. 4430
يَقومُ بذلك فلا يَخرُجُ، وقيلَ: يَخرُجُ بكَفيلٍ لِجِنازةِ الوالِدَيْنِ والأجدادِ والجَدَّاتِ والأولادِ، وفي غَيرِهم لا يَخرُجُ، وعليه الفَتوى.
مَكانُ الحَبسِ:
يَنبَغي أنْ يُحبَسَ في مَوضِعٍ خَشِنٍ لا يُبسَطُ له فيه فِراشٌ ولا وِطاءٌ، وألَّا يَدخُلَ عليه أحَدٌ يَستأنِسُ به؛ لأنَّ الحَبسَ إنَّما شُرِعَ لِيَضجَرَ فيُسارِعَ بالقَضاءِ، وإذا مَرِضَ وأضناه المَرَضُ إنْ كان له خادِمٌ لا يَخرُجُ، لِيزدادَ ضَجَرًا فيُسارِعَ بالقَضاءِ، ولا يَخرُجُ لِلمُداواةِ ويُداوَى في السِّجنِ، وإنْ لَم يَكُنْ له خادِمٌ وخُشيَ عليه المَوتُ فإنَّه يَخرُجُ؛ لأنَّه إذا خُشيَ على نَفْسِه المَوتُ مِنَ الجُوعِ كان له أنْ يَدفَعَه بمالِ الغَيرِ، فكيف يَجوزُ إهلاكُه لِأجْلِ مالِ الغَيرِ، وإنِ احتاجَ إلى الجِماعِ فلا بَأْسَ أنْ تَدخُلَ عليه امرأتُه أو جاريَتُه فيَطأَها حيث لا يَطَّلِعُ عليه أحَدٌ.
ولا يُمنَعُ مِنْ دُخولِ أهلِه وجِيرانِه عليه؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى ذلك لِيُشاوِرَهم في قَضاءِ الدَّينِ، ولا يُمكَّنونَ أنْ يَمكُثوا معه طَويلًا.
والمُحتَرِفُ لا يُمَكَّنُ في الحَبسِ مِنَ الاشتِغالِ بحِرفَتِه؛ لِيَضجَرَ فيُسارِعَ بالقَضاءِ، ويُحبَسُ الرَّجُلُ في نَفَقةِ زَوجَتِه، ولا يُحبَسُ والِدٌ في دَينِ وَلَدِه، ويُحبَسُ إذا امتَنَعَ مِنَ الإنفاقِ عليه، ولا يُحبَسُ المُكاتَبُ لِمَولاه بدَينِ الكِتابةِ؛ لأنَّه لا يَصيرُ ظالِمًا بذلك، والحَبسُ جَزاءُ الظُّلمِ، ولو كان المَدينُ صَغيرًا وله وَليٌّ يَجوزُ له قَضاءُ دُيونِه، ولو كان لِلصَّغيرِ مالٌ حَبَسَ القاضي وَليَّه إذا امتَنَع عن قَضاءِ دُيونِه.
стр. 4431
فإذا حَبَسَه القاضي شَهرَيْنِ أو ثَلاثةً سألَ عن حالِه، فإنْ لَم يَنكَشِفْ له مالٌ أخلَى سَبيلَه، فإذا لَم يَتبيَّنْ لِلحاكِمِ أنَّ له مالًا، بأنْ قامَتِ البَيِّنةُ أو سألَ جيرانَه العارِفينَ به، فلَم يُوجَدْ له شَيءٌ أخرَجَه، ولا يُقبَلُ قَولُ البَيِّنةِ بأنَّه لا مالَ له قبلَ حَبسِه؛ لأنَّ البَيِّنةَ لا تَطَّلِعُ على إعسارِه ولا يَسارِه، لِجَوازِ أنْ يَكونَ له مالٌ مَخبوءٌ لا يُطَّلَعُ عليه، فلا بُدَّ مِنْ سَجنِه لِيَضجَرَ بذلك.
وكذلك إذا أقامَ البَيِّنةَ أنَّه لا مالَ له، فيُخلَى سَبيلُه؛ لِوُجوبِ النَّظرةِ إلى المَيسَرةِ.
وكَيفيَّةُ الشَّهادةِ: أنْ يَقولَ الشاهِدُ: إنَّه مُفلِسٌ مُعدِمٌ لا نَعلَمُ له مالًا سوى كِسوَتِه التي عليه.
فإنْ لَم يَظهَرْ له مالٌ بعدَ مُضيِّ المُدَّةِ أخلى سَبيلَه؛ لأنَّه استَحَقَّ النَّظرةَ إلى المَيسَرةِ، فيَكونُ حَبسُه بعدَ ذلك ظُلمًا.
ولا يَحولُ بَينَه وبَينَ غُرَمائِه بعدَ خُروجِه مِنَ السِّجنِ، ويُلازِمونَه ولا يَمنَعونَه مِنَ التَّصرُّفِ والسَّفَرِ، ويَدورونَ معه حيث دارَ، ولا يَحبِسونَه في مَوضِعٍ واحِدٍ، وإنْ دَخَل بَيتَه لِحاجةٍ لا يَتبَعونَه، بل يَنتَظِرونَه حتى يَخرُجَ، وإنْ كان الدَّينُ لِرَجُلٍ على امرأةٍ لا يُلازِمُها؛ لِما فيه مِنَ الخَلوةِ بالأجنبيَّةِ، ولكنْ يَبعَثُ امرأةً أمينةً تُلازِمُها.
ويَأخذونَ ما زادَ على نَفَقَتِه ونَفَقةِ عِيالِه، فيُقَسَّمُ بَينَهم بالحِصَصِ.
ولو اختارَ المَطلوبُ الحَبسَ والطالِبُ المُلازَمةَ فالخيارُ إلى الطالِبِ؛ لأنَّه أبلَغُ في حُصولِ المَقصودِ؛ لِاختيارِه الأضيَقَ عليه، إلا إذا عَلِمَ القاضي
стр. 4432
بأنَّه يَدخُلُ عليه بالمُلازَمةِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ بألَّا يُمكِّنَه مِنْ دُخولِ دارِه، فحينَئذٍ يَحبِسُه دَفعًا لِلضَّرَرِ عنه.
وإذا فَلَّسَه الحاكِمُ حالَ بَينَه وبَينَ غُرَمائِهِ؛ لأنَّ القَضاءَ بالإفلاسِ يَصحُّ، فتَثبُتُ العُسرةُ فيَستحِقُّ الإنظارَ إلى المَيسَرةِ إلا أنْ يُقيموا البَيِّنةَ أنَّه قد حَصَلَ له مالٌ (١).
وقال المالِكيَّةُ: مَنْ أحاطَ المَدينَ بمالِه له ثَلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: قبلَ التَّفليسِ: وهي مَنعُه وعَدَمُ جَوازِ التَّصرُّفِ في مالِه بغَيرِ عِوَضٍ فيما لا يَلزَمُه مما لَم تَجْرِ العادةُ بفِعلِه مِنْ هِبةٍ وصَدَقةٍ وعِتقٍ وما أشبَهَ ذلك، كخِدمةٍ وإقرارٍ بدَينٍ لِمَنْ يُتَّهَمُ عليه، ويَجوزُ بَيعُه وشِراؤُه.
الحالةُ الثانيةُ: تَفليسٌ عامٌّ: وهو قيامُ الغُرَماءِ عليه، ولهم سَجنُه ومَنعُه حتى مِنَ البَيعِ والشِّراءِ والأخْذِ والعَطاءِ.
الحالةُ الثالِثةُ: تَفليسٌ خاصٌّ، وهو خَلعُ مالِه لِغُرَمائِه.
والتَّفليسُ الأعَمُّ: قيامُ ذي دَيْنٍ حَلَّ أجَلُه، أو كان حالًّا أصالةً على مَدينٍ له، لَيسَ لِلمَدينِ مِنَ المالِ ما يَفي بالدَّينِ بأنْ كان ما معه أقَلَّ مِنَ الدَّينِ، وكذا إذا كان مُساويًّا له، وأمَّا لو كان معه أكثَرُ مِنَ الدَّينِ فليس له مَنعُه إلا أنْ يَتبَرَّعَ بما يَنقُصُ مالَه عن الدَّينِ فله مَنعُه، أي: مَنعُ مَنْ أحاطَ الدَّينُ بمالِه ممَّا:
стр. 4433
١ - مِنْ بَيعِه وشِرائِه وأخْذِه وعَطائِه وهِبَتِه وصَدَقتِه، فيُمنَعُ مِنَ التَّصرُّفِ في مالِه الذي في يَدِه، لا في ذِمَّتِه، فلا يُمنَعُ، كما إذا التَزَمَ عَطيَّةً بشَيءٍ في ذِمَّتِه؛ لأنَّ ذلك لَم يَدخُلْ بسَبَبِه نَقصٌ على الغُرَماءِ، وأمَّا تَصرُّفاتُه غيرُ الماليَّةِ فجائِزةٌ، كخُلعِه وطَلاقِه وقِصاصِه وعَفوِه.
٢ - مِنْ إعطاءِ كلِّ ما بَيدِه مِنَ المالِ لِبَعضٍ مِنَ الغُرَماءِ دونَ بَعضٍ، أو إعطاءِ بَعضِه قبلَ حُلولِ الأجَلِ.
٣ - مِنْ إقرارِه لِمُتَّهَمٍ عليه مِنْ وَلَدٍ ونَحوِه وزَوجةٍ يَميلُ إليها وصَديقٍ مُلاطِفٍ، ويُرَدُّ إقرارُه بذلك بخِلافِ غيرِ المُتَّهَمِ عليه فإنَّه جائِزٌ.
٤ - مِنْ حَجَّةِ الضَّرورةِ؛ لأنَّ مالَه الآنَ لِلغُرَماءِ، فحَجُّ التَّطوُّعِ أوْلَى بالمَنعِ.
٥ - مِنْ سَفَرٍ لِتِجارةٍ أو غَيرِها إنْ حَلَّ دَينُه أو كان يَحُلُّ بغَيبَتِه.
الحُكمُ بخَلعِ مالِ المُفلِسِ لِغُرَمائِه:
لِلغَريمِ رَفعُ مَنْ أحاطَ الدَّينُ بمالِه لِلحاكِمِ فيَحكُمُ بعدَ إثباتِ إحاطةِ الدَّينِ بمالِه بخَلعِ مالِه لِغُرَمائِه، حَضَرَ المَدينُ أو غابَ، ولا يَتوقَّفُ الحُكمُ على حُضورِه، فيَقتَسمونَه بالمُحاصَّةِ، وهذا هو التَّفليسُ الأخَصُّ.
ومَحَلُّ حُكمِ الحاكِمِ بما ذُكِرَ إذا تَوافَرَتْ هذه الشُّروطُ:
١ - إنْ حَلَّ الدَّينُ الذي هو عليه بعدَ ثُبوتِه كلًّا أو بَعضًا، فلا يُفلِسُ مَنْ لَم يَحُلَّ عليه شَيءٌ.
٢ - طلبُ تَفليسِه مِنْ بَعضِ أربابِ الدُّيونِ.
стр. 4434
٣ - زادَ الدَّينُ الحالُّ على مالِه الذي بيَدِه، لا إنْ كان مالُه أكثَرَ، أو كان مُساوِيًا له، أو لَم يَزِدِ الحالُ على ما بيَدِه، بأنْ كان أقَلَّ، لكِنْ بَقيَ مِنْ مالِه ما لا يَفي بالمُؤجَّلِ مِنَ الدَّينِ الذي عليه فيُفلِسُ، ولو كان عليه مِئتانِ، مِئةٌ حالَّةٌ ومِئةٌ مُؤجَّلةٌ، ومعه مِئةٌ وخمَسونَ، فالخَمسونَ المُتبقِّيةُ لا تَفي بالمُؤجَّلِ فيُفلِسُ.
٤ - إنْ أَلدَّ -بفَتحِ الهَمزةِ وتَشديدِ المُهمَلةِ، أي: ماطَلَ- بعدَ حُلولِ الأجَلِ ولَم يَدفَعْ ما عليه، فإنْ دَفَع لهم جَميعَ ما بيَدِه ولَم يُتَّهَمْ بإخفاءِ شَيءٍ لَم يُفلِسْ بالمَعنى الخاصِّ.
ما يَترتَّبُ على الحَجْرِ على المُفلِسِ:
يَترتَّبُ على هذا الحَجْرِ أُمورٌ خَمسةٌ: مَنعُه مِنَ التَّصرُّفِ الماليِّ، وحُلولٌ لِلمُؤجَّلِ عليه، وبَيعُ ما معه مِنَ العُروضِ بحَضرَتِه، وحَبسُه، ورُجوعُ الإنسانِ في عَينِ شَيئِه.
تَقسيمُ ما تم تَحصيلُه على الدائنينَ:
يُقسَّمُ ما تم تَحصيلُه إذا لَم يَفِ بنِسبةِ كلِّ دَينٍ لِمَجموعِ ما عليه، ويأخُذُ كلُّ غَريمٍ بتلك النِّسبةِ، فإذا كان لِغَريمٍ عِشرونَ، ولِآخَرَ ثَلاثونَ، ولِآخَرَ خَمسونَ، فمَجموعُ ما عليه مِئةٌ، نِسبةُ العِشرينَ لها الخُمُسُ، فيأخُذُ رَبُّها خُمُسَ ما حُصِّلَ، ونِسبةُ الثلاثينَ خُمُسٌ وعُشرٌ، ونِسبةُ الخَمسينَ النِّصفُ، فإذا كان مالُ المُفلِسِ عِشرينَ أخَذَ صاحِبُ العِشرينَ خُمُسَها أربَعةً وأخَذَ صاحِبُ الثلاثينَ سِتَّةً وأخَذَ صاحِبُ الخَمسينَ عَشَرةً.
стр. 4435
إذا حَدَثَ لِلمُفلِسِ مالٌ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عليه:
إذا انفَكَّ حَجْرُه يُحجَرُ عليه أيضًا كما حُجِرَ عليه أوَّلًا إنْ حَدَث له مالٌ بعدَ الحَجْرِ الأوَّلِ؛ كمِيراثٍ وهِبةٍ وصَدَقةٍ ووَصيَّةٍ ودِيةٍ وغَيرِ ذلك؛ لأنَّ الحَجْرَ الأوَّلَ كان في مالٍ مَخصوصٍ وانفَكَّ حَجرُه، فيَتصرَّفُ فيما حَدَث إلى أنْ يُحجَرَ عليه فيه.
ظُهورُ دُيونٍ على المُفلِسِ أو المَيِّتِ:
المُفلِسُ أو المَيِّتُ إذا اقتَسَمَ الغُرَماءُ مالَه ثم طَرَأ عليهم غَريمٌ أو شَخصٌ استُحِقَّتِ السِّلعةُ مِنْ يَدِه، والحالُ أنَّهم لَم يَعلَموا بذلك الغَريمِ ولَم يَكُنِ المَيِّتُ مَشهورًا بالدَّينِ، فإنَّه يَرجِعُ على كلِّ واحِدٍ مِنَ الغُرَماءِ بالحِصَّةِ التي تَنوبُه لو كان حاضِرًا، ولا يأخُذُ أحَدٌ عن أحَدٍ.
فلو كان مالُ المُفلِسِ عَشَرةً وعليه لِثَلاثةٍ، لِكُلِّ واحِدٍ عَشَرةٌ، أحَدُهم غائِبٌ لَم يَكُنْ معهما عِلمٌ به اقتَسَم الحاضِرانِ مالَه، فأخَذَ كلُّ واحِدٍ منهما خَمسةً، ثم قُدِّمَ الغائِبُ؛ فإنَّه يُرجَعُ على كلِّ واحِدٍ منهما بواحِدٍ وثُلُثَيْنِ.
استِردادُ الدائِنِ عَينَ مالِه مِنَ التَّفليسةِ:
لِرَبِّ الدَّينِ أخْذُ عَينِ مالِه الذي باعَه لِلمُفلِسِ قبلَ فَلَسِه -عَرضًا أو مِثليًّا أو حَيَوانًا- المَحوزِ عن الغَريمِ في الفَلَسِ، حيث ثَبَتَ ببَيِّنةٍ أو إقرارٍ مِنَ المُفلِسِ قبلَ فَلَسِه، لا في المَوتِ، فليس له أخْذُ عَينِ مالِه إنْ وَجَده؛ لِخَرابِ ذِمَّةِ المَيِّتِ، بل يَكونُ في ثَمَنِه أُسوةٌ لِلغُرَماءِ.
ومَحَلُّ أخْذِ عَينِ مالِه إنْ لَم يَفْدِه الغُرَماءُ بدَفعِ ثَمَنِه لِلغَريمِ ولو بمالِهم،
стр. 4436
فأوْلَى بمالِ المُفلِسِ، فإنْ فَدَوْه فليس له أخْذُه، ولَم يَنتَقِلْ عن أصلِه بناقِلٍ؛ كأنْ يَنتقِلَ الحَبُّ بطَحنِ حِنطةٍ مَثَلًا، فليس له أخْذُه بعدَ النَّقلِ.
حُكمُ الحاكِمِ ودُخولُ غيرِ الغُرَماءِ معهم:
وإذا قَسَّمَ الغَريمُ مالَه وحَلَفَ أنَّه لَم يَكتُمْ شَيئًا، أو وافَقَه الغُرَماءُ على ذلك، لا يَحتاجُ إلى حُكمِ حاكِمٍ.
ولو مَكَّنَ الغَريمُ أصحابَ الدُّيونِ مما بيَدِه فباعوه واقتَسَموا ثَمَنَه وبَقيَتْ لَهم بَقيَّةٌ مِنْ دُيونِهم ثم تَدايَنَ هذا الغَريمُ مِنْ قَومٍ آخَرينَ فليس لهم -أي الأوَّلينَ- دُخولٌ في أثمانِ ما أخَذَه مِنَ الآخَرينَ إلا أنْ يَتبَقَّى عن دَينِ الآخَرينَ فَضلٌ، فإنَّهم يَتحاصَصُونَ فيه، وكذلك أيضًا تَفليسُ الحاكِمِ إذا رَفَعوا الأمرَ إليه ففَلَّسَ الغَريمَ وقَسَّمَ بَينَهم ما بيَدِه، ثم تدايَنَ مِنْ غَيرِهم فليس لِلأوَّلينَ دُخولٌ معه.
إلا أنْ يَتجدَّدَ له مالٌ مِنْ غيرِ أصلِ مالِ الآخَرينَ، فإنَّ الجَميعَ يَتحاصَصُونَ فيه مِثلَ أنْ يَرِثَ مالًا أو يُوهَبَ له، أو يُتَصدَّقَ به عليه، أو نَحوِ ذلك، أو يُجنَى عليه، أو على وَليِّه فيأخُذَ أرشَ الجِنايةِ.
وبَيعُ الحاكِمِ مالَه بحَضرَتِه بالخيارِ ثلاثةُ أيامٍ، فإنْ باعَ الحاكِمُ مِنْ غيرِ استِيناءٍ خُيِّرَ المُفلِسُ في إمضاءِ البَيعِ ورَدِّه، ولا يَضمَنُ الحاكِمُ الزِّيادةَ التي في سِلَعِ المُفلِسِ حيث باعَ بغَيرِ الاستِيناءِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ غيرُ مُحقَّقةٍ، والذِّمَّةُ لا تَلزَمُ إلا بأمْرٍ مُحقَّقٍ.
بخِلافِ الوَرَثةِ؛ فإنَّ الحاكِمَ لا يُقسِّمُ عليهم حتى يُكلِّفَهم ببَيِّنةٍ تَشهَدُ
стр. 4437
بحَصرِهم ومَوتِ مُورِّثِهم ورُتبَتِهم مِنَ المَيِّتِ، وذلك لأنَّ عَدَدَهم مَعلومٌ بالجيرانِ، وأهلِ البَلَدِ، فلا كُلفةَ في الإثباتِ عليهم.
واستُؤنِيَ به وُجوبًا، وحاصِلُه أنَّ المَيِّتَ إذا كان مَعروفًا بالدَّينِ فإنَّ الحاكِمَ لا يُعجِّلُ قَسْمَ مالِه بينَ الغُرَماءِ، بل يَستَأْني وُجوبًا بقَدْرِ ما يَراه؛ لِاحتِمالِ ظُهورِ غَريمٍ آخَرَ فتَجتمِعُ الغُرَماءُ.
ما لا يُلزَمُ به الغَريمُ:
١ - لا يُلزَمُ بتَكسُّبٍ لِيَدفَعَ ذلك في دَينِه، ولو عامَلَه الغُرَماءُ على التَّكسُّبِ وشَرَطوا عليه ذلك إذا أفلَسَ، لا يُعمَلُ بذلك الشَّرطِ، وسَواءٌ كان صانِعًا أو تاجِرًا، وفي قَولٍ لِبَعضِهم: يُجبَرُ على ذلك إنْ كان صانِعًا.
٢ - لا يُلزَمُ بتَسلُّفٍ؛ لأنَّه استِدانةٌ أُخرى، ولا يَلزَمُه قَبولُ هَديَّةٍ ولا صَدَقةٍ ولا وَصيَّةٍ.
٣ - لا يَلزَمُه الأخْذُ بالشُّفعةِ، وإنْ كان له فيها فَضلٌ؛ إذْ هو ابتِداءُ تَمليكٍ ولا يَلزَمُ؛ لأنَّها مُعامَلةٌ أُخرى، ولو ماتَ المُفلِسُ عن شُفعةٍ فهي لِلوَرَثةِ، لا لِلغُرَماءِ.
٤ - لا يَلزَمُه العَفوُ عن القِصاصِ لِيأخُذَ الدِّيةَ.
٥ - لا يَلزَمُه انتِزاعُ ما وَهَبَه لِوَلَدِه (١).
стр. 4438
وقال الشافِعيَّةُ: مَنْ عليه دُيونٌ لِآدميٍّ لَازِمةٌ حالَّةٌ زائِدةٌ على مالِه يُحجَرُ عليه وُجوبًا في مالِه بسُؤالِ الغُرَماءِ، ولو بنُوَّابِهم، كأوليائِهم؛ لأنَّ الحَجْرَ لَحِقَهم؛ لأنَّ الحَجْرَ على مُعاذٍ ﵁ كان بسُؤالِ الغُرَماءِ، فلا حَجْرَ بدَيْنِ اللهِ ، وإنْ كان فَوريًّا، ولا بدَيْنٍ غيرِ لَازِمٍ، كنُجومِ كِتابةٍ؛ لِتَمكُّنِ المَدينِ مِنْ إسقاطِه.
ولا حَجْرَ بالمُؤجَّلِ؛ لأنَّه لا يُطالَبُ به في الحالِ.
ولا يَحجُرُ على المُفلِسِ إلا الحاكِمُ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى نَظَرٍ واجتِهادٍ، وأمَّا أصلُ الحَجْرِ فلأنَّ فيه مَصلَحةً لِلغُرَماءِ، فقد يَختَصُّ بَعضُهم بالوَفاءِ فيَضُرُّ الباقينَ، وقد يَتصرَّفُ فيه فيَضيعُ حَقُّ الجَميعِ.
ويَجبُ على الحاكِمِ الحَجْرُ إذا وُجِدتْ شُروطُه، أي: سَواءٌ أكانَ بسُؤالِ الغُرَماءِ أو المُفلِسِ.
والمُرادُ بمالِه مالُه العَينيُّ المُتمَكِّنُ مِنَ الأداءِ منه، أمَّا ما لا يَتمكَّنُ مِنَ الأداءِ منه -كمَغصوبٍ وغائِبٍ- فغَيرُ مُعتبَرٍ.
أمَّا المَنافِعُ فإنْ كان مُتمَكِّنًا مِنْ تَحصيلِ أُجرَتِها اعتُبِرتْ، وإلَّا فلا.
وأمَّا الدَّينُ فإنْ كان حالًّا على مَليءٍ مُقِرٍّ، أو عليه بَيِّنةٌ، اعتُبِرَ وإلا فلا.
وإذا حُجِرَ بحالٍّ لَم يَحِلَّ المُؤجَّلُ في الأظهَرِ؛ لأنَّ الأجَلَ مَقصودٌ له، فلا يَفوتُ عليه.
ومُقابِلُ الأظهَرِ: يَحِلُّ؛ لأنَّ الحَجْرَ يُوجِبُ تَعلُّقَ الدَّينِ بالمالِ فسَقَطَ الأجَلُ كالمَوتِ.
стр. 4439
ولو جُنَّ المَدينُ لَم يَحِلَّ دَينُه.
ولا يَحِلُّ إلا بالمَوتِ أو الرِّدَّةِ المُتَّصِلةِ به، أو استِرقاقِ الحَربيِّ.
ولو كانتِ الدُّيونُ بقَدْرِ المالِ فإنْ كان كَسوبًا يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِه فلا حَجْرَ؛ لِعَدَمِ الحاجةِ إليه، بل يُلزِمُه الحاكِمُ بقَضاءِ الدُّيونِ، فإنِ امتَنَع باعَ عليه أو أكرَهَه عليه.
وإنْ لَم يَكُنْ كَسوبًا وكانت نَفَقتُه مِنْ مالِه فكذا لا حَجْرَ عليه في الأصَحِّ؛ لِتَمكُّنِهم مِنَ المُطالَبةِ في الحالِ.
والرَّأيُ الآخَرُ: يُحجَرُ عليه؛ كَيْلَا يَضيعَ مالُه في النَّفَقةِ.
ولا يُحجَرُ بغَيرِ طَلَبٍ مِنَ الغُرَماءِ، ولو بنُوَّابِهم؛ لأنَّه لِمَصلَحَتِهم، وهُم ناظِرونَ لأنْفُسِهم، فإنْ كان الدَّينُ لِمَحجورٍ عليه ولَم يَسألْ وَليُّه فللحاكِمِ الحَجْرُ مِنْ غيرِ سُؤالٍ؛ لأنَّه ناظِرٌ في مَصلَحَتِه.
ولا يُحجَرُ لِدَينِ الغائِبِ؛ إذْ ليس لِلحاكِمِ استِيفاءُ مالِ الغائبينَ مِنَ الذِّمَمِ، وإنَّما له حِفظُ أعيانِ أموالِهم، ومَحَلُّه إذا كان المَدينُ ثِقةً مَليئًا، وإلا لَزِمَ الحاكِمَ قَبضُه قَطعًا.
فلو طلَب بَعضُهم الحَجْرَ ودَينُه قَدْرٌ يُحجَرُ به بأنْ زادَ على مالِه، حُجِرَ؛ لِوُجودِ شَرطِ الحَجْرِ، ثم لا يَختَصُّ أثَرُ الحَجْرِ بالمُلتَمِسِ، بل يَعُمُّهم.
وإلَّا بأنَّه لَم يَزِدِ الدَّينُ على مالِه فلا حَجْرَ؛ لأنَّ دَينَه يُمكِنُ وَفاؤُه بكَمالِه، فلا ضَرورةَ إلى طَلَبِ الحَجرِ.
وقيل: المُعتبَرُ أنْ يَزيدَ دَينُ الجَميعِ على مالِه، لا المُلتَمِسِ فَقَطْ.
стр. 4440
ويُحجَرُ بطَلَبِ المُفلِسِ، ولو بوَكيلِه في الأصَحِّ؛ لأنَّ له فيه غَرَضًا ظاهِرًا، وهو صَرفُ مالِه إلى دُيونِه، ورُويَ أنَّ الحَجْرَ على مُعاذٍ ﵁ كان بالتِماسٍ منه.
وصُورَتُه أنَّه يَثبُتُ الدَّينُ بدَعوى الغُرَماءِ والبَيِّنةِ أو الإقرارِ أو عِلمِ القاضي وطَلَبِ المَدينِ الحَجْرَ دونَ الغُرَماءِ، وإلا لَم يَكُنْ له طَلَبُه.
ومُقابِلُ الأصَحِّ: لا يُحجَرُ؛ لأنَّ الحَقَّ لَهم في ذلك، والحَجْرُ يُنافي الحُرِّيَّةَ والرُّشدَ؛ وإنَّما حُجِرَ بطَلَبِ الغُرَماءِ لِلضَّرورةِ؛ فإنَّهم لا يَتمَكَّنونَ مِنْ تَحصيلِ مَقصودِهم إلا بالحَجْرِ؛ خَشيةَ الضَّياعِ، بخِلافِه فإنَّ غَرَضَه الوَفاءُ، وهو مُتمكِّنٌ منه ببَيعِ أموالِه وقَسْمِها على غُرَمائهِ.
فإذا حُجِرَ عليه بطَلَبٍ أو بدونِه تَعلَّقَ حَقُّ الغُرَماءِ بمالِه؛ كالرَّهنِ -عَينًا كان أو دَينًا أو مَنفَعةً- حتى لا يَنفُذَ تَصرُّفُه فيه بما يَضُرُّهم، ولا تُزاحِمَهم فيه الدُّيونُ الحادِثةُ.
وخرَج بحَقِّ الغُرماءِ حَقُّ اللهِ ، كزَكاةٍ ونَذْرٍ وكَفَّارةٍ، فلا تَتعلَّقُ بمالِ المُفلِسِ.
ويُشهِدُ الحاكِمُ نَدبًا -وقيلَ: وُجوبًا- على حَجْرِه، وأشهَرُه بالنِّداءِ عليه لِيُحذَرَ مِنْ مُعامَلَتِه، فيَأمُرُ مُناديًا يُنادي في البَلَدِ أنَّ الحاكِمَ حَجَرَ على فُلانِ بنِ فُلانٍ.
ولو تَصرَّفَ تَصرُّفًا مالِيًّا مُفوِّتًا في الحياةِ -كأنْ باعَ أو اشتَرى بالعَينِ أو وَهَبَ أو أعتَقَ أو أجَّرَ أو وَقَفَ أو كاتَبَ- ففي قَولٍ: يُوقَفُ تَصرُّفُه
стр. 4441
المَذكورُ، فإنْ بَقيَ ذلك عن الدَّينِ لِارتِفاعِ القيمةِ أو إبراءِ الغُرَماءِ أو بَعضِهم نَفَذَ، أي: بانَ أنَّه كان نافِذًا، وإلا بأنَّه لَم يَبْقَ أُلْغِيَ، أي: بانَ أنَّه كان مُلْغًى.
والأظهَرُ بُطلانُه في الحالِ؛ لِتَعلُّقِ حَقِّهم به كالمَرهونِ؛ ولأنَّه مَحجورٌ عليه بحُكمِ الحاكِمِ، فلا يَصحُّ تَصرُّفُه على مُراغمةِ مَقصودِ الحَجْرِ كالسَّفيهِ.
فلو باعَ مالَه كلَّه أو بَعضَه لِغَريمِه بدَيْنِه لِغُرَمائِه بدَيْنِهم مِنْ غيرِ إذْنِ القاضي بطَل البَيعُ في الأصَحِّ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَثبُتُ على العُمومِ، ومِنَ الجائِزِ أنْ يَكونَ له غَريمٌ آخَرُ.
والرَّأيُ الآخَرُ: يَصحُّ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ غَيرِهم، وبالقياسِ على بَيعِ المَرهونِ مِنَ المُرتَهَنِ.
وأمَّا إذا باعَه ببَعضِ دَينِهم أو بعَينٍ فإنَّه كالبَيعِ مِنْ أجنَبيٍّ؛ لأنَّه لا يَتضمَّنُ ارتِفاعَ الحَجْرِ عنه، بخِلافِ ما إذا باعَ بكُلِّ الدَّينِ؛ فإنَّه يَسقُطُ، ولو باعَه لِأجنبيٍّ بإذْنِ الغُرَماءِ لَم يَصحَّ في الأصَحِّ.
وخرَج بالتَّصرُّفِ الماليِّ التَّصرُّفُ في الذِّمَّةِ، فلو تَصرَّفَ في ذِمَّتِه -كأنْ باعَ سَلَمًا طَعامًا أو غَيرَه، أو اشتَرى شَيئًا بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ أو باعَ فيها لا بلَفظِ السَّلَمِ أو اقتَرَض أو استأجَرَ- فالصَّحيحُ صِحَّتُه، ويَثبُتُ المَبيعُ والثَّمَنُ ونَحوُهما في ذِمَّتِه؛ إذْ لا ضَرَرَ على الغُرَماءِ فيه.
والرَّأيُ الآخَرُ: لا يَصحُّ؛ كالسَّفيهِ.
ويَصحُّ نِكاحُه وطَلاقُه وخُلعُه ورَجعَتُه واستِيفاؤُه القِصاصَ وإسقاطُه ولو مَجَّانًا؛ إذْ لا يَتعلَّقُ بهذه الأشياءِ مالٌ، ويَصحُّ استِلحاقُه النَّسَبَ ونَفيُه باللِّعانِ.
стр. 4442
ولو أقَرَّ بعَينٍ أو دَينٍ وَجَب قبلَ الحَجْرِ بمُعامَلةٍ أو إتلافٍ أو نَحوِ ذلك فالأظهَرُ قَبولُه في حَقِّ الغُرَماءِ، كما لو ثَبَتَ بالبَيِّنةِ، وكإقرارِ المَريضِ بدَينٍ يُزاحِمُ غُرَماءَ الصِّحَّةِ، ولِعَدَمِ التُّهمةِ الظاهِرةِ، وعلى هذا لو طَلَب الغُرَماءُ تَحليفَه على ذلك لَم يَحلِفْ على الأصَحِّ؛ لأنَّه لو امتَنَعَ لَم يُفِدِ امتِناعُه شَيئًا؛ إذْ لا يُقبَلُ رُجوعُه على الصَّحيحِ.
وفي مُقابِلِ الأظهَرِ: لا يُقبَلُ إقرارُه في حَقِّهم؛ لِئلَّا تَضُرَّهم المُزاحَمةُ؛ ولأنَّه رُبَّما واطَأَ المُقَرَّ له.
قال الرُّويانيُّ ﵀: والاختيارُ في زَمانِنا الفَتوى به؛ لأنَّا نَرى مُفلِسينَ يُقِرُّونَ لِلظَّلَمةِ حتى يَمنَعوا أصحابَ الحُقوقِ مِنْ مُطالَبَتِهم وحَبسِهم.
قال الشِّربينيُّ: وهذا في زَمانِه، فما بالُكَ بزَمانِنا.
وإنْ أُسنِدَ وُجوبُه إلى ما بعدَ الحَجْرِ إسنادًا مُقيَّدًا بمُعامَلةٍ، أو إسنادًا مُطلَقًا بأنْ لَم يُقيِّدْه بمُعامَلةٍ ولا بغَيرِها لَم يُقبَلْ في حَقِّهم، لا يُزاحِمُهم، بل يُطالِبُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ، أمَّا في الأُولى فلتَقصيرٍ مَنْ عامَلَه، وأمَّا في الأُخرى فلِتَنزيلِ الإقرارِ على أقلِّ المَراتِبِ، وهو دَينُ المُعامَلةِ.
وإنْ قال عن جِنايةٍ بعدَ الحَجْرِ قُبِلَ في المَذهبِ، فيُزاحِمُهم المَجنيُّ عليه؛ لِعَدَمِ تَقصيرِه، والرأي الآخَرُ أنَّه كما لو قال عن مُعامَلةٍ.
وله أنْ يَرُدَّ بالعَيبِ أو الإقالةِ ما كان اشتَراه قبلَ الحَجْرِ، إنْ كانتِ الغِبطةُ في الرَّدِّ.
وصُورةُ الغِبطةِ فيه أنْ يَبيعَه المالِكُ مِنَ المُفلِسِ وهو جاهِلٌ بفَلَسِه،
стр. 4443
والقَدْرُ الذي يأخُذُه بالمُضارَبةِ أكثَرُ مِنْ قيمَتِه، أمَّا العالِمُ فلا يُتصَوَّرُ فيه الغِبطةُ؛ لِعَدَمِ ضَرَرِ الغُرَماءِ بمُزاحَمَتِه.
أمَّا إذا كانتِ الغِبطةُ في الإبقاءِ فلا رَدَّ له؛ لِمَا فيه مِنْ تَفويتِ المالِ بلا غَرَضٍ.
والأصَحُّ: تَعدِّي الحَجْرِ إلى ما حَدَثَ بَعدَه بالاصطيادِ والهِبةِ والوَصيِّةِ والشِّراءِ في الذِّمَّة إنْ صَحَّحناه -أي: الشِّراءَ- وهو الراجِحُ؛ لأنَّ مَقصودَ الحَجْرِ وُصولُ الحُقوقِ إلى أهلِها، وذلك لا يَختَصُّ بالمَوجودِ.
والرَّأيُ الآخَرُ: لا يَتعَدَّى إلى ما ذُكِرَ، كما أنَّ حَجْرَ الراهِنِ على نَفْسِه في العَينِ المَرهونةِ لا يَتعدَّى إلى غَيرِها.
والأصَحُّ: أنَّه ليس لِبائِعِه -أي: المُفلِسِ- في الذِّمَّةِ أنْ يَفسَخَ ويَتعلَّقَ بعَينِ مَتاعِه إنْ عُلِمَ الحالُ؛ لِتَقصيرِه، وإنْ جُهِلَ فله ذلك؛ لِعَدَمِ تَقصيرِه؛ لأنَّ الإفلاسَ كالعَيبِ، فيُفرَّقُ فيه بينَ العِلمِ والجَهلِ.
والرَّأيُ الثاني: له ذلك؛ لِتَعذُّرِ الوُصولِ إلى عَينِ الثَّمَنِ.
والثالِثُ: ليس له ذلك مُطلَقًا، وهو مُقصِّرٌ في الجَهلِ بتَركِ البَحثِ، وعلى التَّعلُّقِ له أنْ يُزاحِمَ الغُرَماءَ بثَمَنِه.
والأصَحُّ: أنَّه إذا لَم يُمكِنِ التَّعلُّقُ بعَينِ مَتاعِه لا يُزاحِمُ الغُرَماءَ بالثَّمَنِ؛ لأنَّه دَينٌ حادِثٌ بعدَ الحَجْرِ برِضا مُستَحِقِّه، فلا يُزاحِمُ الغُرَماءَ الأوَّلينَ، بل إنْ بَقيَ شَيءٌ عن دَينِهم أخَذَه وإلا انتَظَرَ اليَسارَ.
والرَّأيُ الآخَرُ: يُزاحِمُ به؛ لأنَّه في مُقابَلةِ مِلكٍ جَديدٍ رادَّ به المالَ.
стр. 4444
تَنبيهٌ: يَجري الخِلافُ في كلِّ دَينٍ يَحدُثُ بعدَ الحَجْرِ برِضا مُستَحِقِّه بمُعاوَضةٍ، أمَّا الإتلافُ وأرشُ الجِنايةِ فيُزاحِمُ في الأصلِ؛ لأنَّه لَم يُقصِّرْ فلا يُكلَّفُ الانتِظارَ.
ما يُفعَلُ في مالِ المَحجورِ عليه بالفَلَسِ مِنْ بَيعٍ وقِسمةٍ وغَيرِهما:
يُبادِرُ القاضي نَدبًا بعدَ الحَجْرِ على المُفلِسِ ببَيعِ مالِه وقَسْمِ ثَمَنِه بينَ الغُرَماءِ على نِسبةِ دُيونِهم؛ لِئَلَّا يَطولَ زَمَنُ الحَجْرِ عليه، ومُبادَرةً لِبَراءةِ ذِمَّتِه وإيصالِ الحَقِّ لِذَويه، ولا يُفرِّطُ في الاستِعجالِ؛ لِئَلَّا يَطمَعَ فيه بثَمَنٍ بَخسٍ.
ويُقدَّمُ في البَيعِ ما يُخافُ فَسادُه، ثم الحَيَوانُ لِحاجَتِه إلى النَّفَقةِ؛ ولأنَّه مُعرَّضٌ لِلتَّلَفِ، ثم المَنقولُ؛ لأنَّه يُخشَى ضَياعُه بسَرِقةٍ ونَحوِها، ويُقدَّمُ المَلبوسُ على النُّحاسِ ونَحوِه، ثم العَقارُ، ويُقدَّمُ البِناءُ على الأرضِ.
وقد تَقتَضي المَصلَحةُ تَقديمَ بَيعِ العَقارِ أو غَيرِه إذا خِيفَ عليه مِنْ ظالِمٍ أو نَحوِه، فالأحسَنُ تَفويضُ الأمْرِ إلى اجتِهادِ الحاكِمِ، وعليه بَذْلُ الوُسعِ فيما يَراه الأصلَحَ.
البَيعُ بحَضرةِ المُفلِسِ والغُرَماءِ:
وَليَبِعْ نَدبًا بحَضرةِ المُفلِسِ أو وَكيلِه وغُرَمائِه أو وَكيلِهم؛ لأنَّ ذلك أنْفَى لِلتُّهمةِ وأطيَبُ لِلقُلوبِ، ولأنَّ المُفلِسَ يُبيِّنُ ما في مالِه مِنْ عَيبٍ، فلا يُرَدُّ، ومِن صِفةٍ مَطلوبةٍ فيُرغَبُ فيه؛ ولأنَّه أعرَفُ بثَمَنِ مالِه، فلا يَلحَقُه غَبنٌ، ولأنَّ الغُرَماءَ قد يَزيدونَ في السِّلعةِ.
стр. 4445
وما قبَضه الحاكِمُ مِنْ ثَمَنِ أموالِ المُفلِسِ قَسَّمَه نَدبًا على التَّدريجِ بينَ الغُرَماءِ؛ لِتُبرَأَ منه ذِمَّتُه، ويَصِلَ إليه المُستَحِقُّ، فإنْ طلَب الغُرماءُ القِسمةَ وَجَبتْ.
إلا أنْ يُعسِرَ لِقِلَّتِه وكَثرةِ الدُّيونِ فيُؤخِّرَه لِيَجتَمِعَ ما يَسهُلُ قِسمَتُه؛ دَفعًا لِلمَشقَّةِ، فيُقرِضُه أمينًا مُوسِرًا يَرتَضيه الغُرَماءُ، فإنْ فُقِدَ أودَعَه ثِقةً يَرتَضيه الغُرَماءُ ولا يَضَعُه عندَ نَفْسِه؛ لِما فيه مِنَ التُّهمةِ.
ولو اختَلَفتِ الغُرَماءُ فيمَن يُقرِضُه أو يُودِعُ عندَه، أو عَيَّنوا غيرَ ثِقةٍ، فمَن رآه القاضي مِنَ العُدولِ أوْلى.
فإنْ تلِف عندَ المُودَعِ مِنْ غيرِ تَقصيرٍ فمِن ضَمانِ المُفلِسِ.
ولا يُكلَّفُ الغُرماءُ الإثباتَ بأنَّه لا غَريمَ غَيرُهم عندَ القِسمةِ؛ لأنَّ الحَجْرَ يُشتَهَرُ، فلو كان ثَمَّ غَريمٌ لَظَهَرَ.
إذا ظَهَرَ غَريمٌ آخَرُ بعدَ القِسمةِ:
لو قَسَّمَ فظَهَر غَريمٌ يَجبُ إدخالُه في القِسمةِ، ويُشارِكُ بالحِصَّةِ، ولَم تَنقَضِ القِسمةُ؛ لأنَّ المَقصودَ يَحصُلُ بذلك، فلو قُسِّمَ مالُه وهو خَمسةَ عَشَر على غَريمَيْنِ لِأحَدِهما عِشرونَ ولِلآخَرِ عَشَرةٌ، فأخَذَ الأوَّلُ عَشَرةً والآخَرُ خَمسةً ثم ظَهَر غَريمٌ له ثَلاثونَ رَجَع على كلٍّ منهما بنِصفِ ما أخَذَه.
فإنْ أتلَفَ أحَدُهما ما أخَذَه وكان مُعسِرًا جُعِلَ ما أخَذَه كالمَعدومِ، وشارَكَ مَنْ ظَهَر الآخَرَ، وكان ما أخَذَه كأنَّه كلُّ المالِ، فلو كان المُتلِفُ آخِذًا الخَمسةَ استَرَدَّ الحاكِمُ مِنْ آخِذِ العَشَرةِ ثَلاثةَ أخماسِها لِمَنْ ظَهَرَ، ثم
стр. 4446
إذا أيسَرَ المُتلِفُ أخَذَ منه الآخرانِ نِصفَ ما أخَذَه وقَسَماه بَينَهما بنِسبةِ دَينِهما، وقِسْ على ذلك.
وأمَّا إذا ظَهَر الغَريمُ بعدَ القِسمةِ فإنَّه لا يُضارِبُ إلا إذا كان سَبَبُه مُتقدِّمًا، كما إذا أجَّرَ دارًا وقبَض أُجرَتَها ثم انهَدَمتْ بعدَ القِسمةِ فإنَّه يُضارِبُ على الصَّحيحِ.
النَّفَقةُ على المُفلِسِ وعلى مَنْ تَجِبُ عليه نَفَقتُه:
ويُنفِقُ الحاكِمُ مِنْ مالِ المُفلِسِ عليه، وعلى مَنْ عليه نَفَقتُه مِنْ زَوجةٍ وقَريبٍ وأُمِّ وَلَدٍ وخادِمٍ حتى يُقسَّمَ مالُه، إلا أنْ يَستَغنيَ المُفلِسُ بكَسْبٍ لَائِقٍ به، فلا يُنفِقَ الحاكِمُ عليه ولا عليهم مِنْ مالِه، بل مِنْ كَسْبِه، فإنْ لَم يُوَفِّ أكمَلَ مِنْ مالِه، أو بَقيَ منه شَيءٌ أُضيفَ إلى المالِ، أمَّا غيرُ اللَّائِقِ فكالعَدَمِ.
ما يُباعُ مِنْ مالِ المُفلِسِ:
ويُباعُ مَسكَنُه وخادِمُه ومَركوبُه، وتُباعُ البُسُطُ والفُرُشُ، ويُسامَحُ في حَصيرٍ ولُبَّدٍ قَليلَيِ القيمةِ، ويُترَكُ له ثَوبٌ يَليقُ به.
ويُترَكُ له قُوتُ يَومِ القِسمةِ، وسُكناه لِمَنْ عليه نَفَقتُه؛ لأنَّه مُوسِرٌ في أوَّلِه، بخِلافِ ما بَعدَه.
وليس عليه بعدَ القِسمةِ ما يلي:
١ - أنْ يَكتَسِبَ أو يُؤجِّرَ نَفْسَه لِبَقيةِ الدَّينِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، أمَرَ بانتِظارِه ولَم يأمُرْ
стр. 4447
باكتِسابِه، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ في خَبَرِ مُعاذٍ: «لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ».
٢ - تَرْكُ القِصاصِ الواجِبِ له بجِنايةٍ عليه أو على غَيرِه -كرَقيقِه- بالأرشِ؛ لأنَّه في مَعنى الكَسبِ.
نَعَمْ إنْ وجَب الدَّينُ بسَبَبٍ عَصَى به -كإتلافِ مالِ الغَيرِ عَمدًا- وَجَب عليه الاكتِسابُ؛ لأنَّ التَّوبةَ مِنْ ذلك واجِبةٌ، وهي مُتوقِّفةٌ في حُقوقِ الآدَميِّينَ على الرَّدِّ.
ادِّعاءُ الغَريمِ الإعسارَ:
وإذا ادَّعى المَدينُ أنَّه مُعسِرٌ أو قَسَمَ مالَه بينَ غُرَمائِه وزَعَم أنَّه لا يَملِكُ غَيرَه وأنكَروا ما زَعَمَه، فإنْ لَزِمَه الدَّينُ في مُعامَلةِ مالٍ -كشِراءٍ أو قَرضٍ- فعليه البَيِّنةُ بإعسارِه في الصُّورةِ الأُولى، وبأنَّه لا يَملِكُ غَيرَه في الصُّورةِ الأُخرى لأنَّ الأصلَ بَقاءُ ما وَقَعتْ عليه المُعامَلةُ.
وإلَّا بأنْ لَزِمَه الدَّينُ لا في مُعامَلةِ مالٍ فيُصدَّقُ بيَمينِه في الأصَحِّ، سَواءٌ لَزِمَه باختِيارِه -كضَمانٍ وصَداقٍ- أو بغير اختيارِه -كأرشِ جِنايةٍ وغَرامةِ مُتلَفٍ-؛ لأنَّ الأصلَ العَدَمُ.
وهذا فيمَن لَم يُعرَفْ له مالٌ قبلَ ذلك، فإنْ كان قد عُرِفَ له مالٌ قبلَ ذلك حُبِسَ إلى أنْ يُقيمَ البَيِّنةَ على إعسارِه.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ لا يُصدَّقُ إلا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ مِنْ حالِ الحُرِّ أنَّه يَملِكُ شَيئًا.
стр. 4448
وفي قَولٍ ثالِثٍ: إنْ لَزِمَه الدَّينُ باختيارِه لَم يُصدَّقْ إلا ببَيِّنةٍ، أو بغَيرِ اختيارِه صُدِّقَ بيَمينِه.
وتُقبَلُ بَيِّنةُ الإعسارِ في الحالِ، ولْيَقُلْ -أي: الشاهِدُ، وهو اثنانِ-: هو مُعسِرٌ، ولا يُمحَّضُ النَّفيُ، كقَولِه: لا يَملِكُ شَيئًا؛ لأنَّه لا يُمكِنُه الاطِّلاعُ عليه.
وإذا ثَبَتَ إعسارُه عندَ القاضي لَم يَجُزْ حَبْسُه، ولا مُلازَمَتُه، بل يُمهَلُ حتى يُوسِرَ؛ لِلآيةِ بخِلافِ مَنْ لَم يَثبُتْ إعسارُه، فيَجوزُ حَبسُه ومُلازَمتُه.
والغَريبُ العاجِزُ عن بَيِّنةِ الإعسارِ يُوكِّلُ القاضي به وُجوبًا مَنْ يَبحَثُ عن حالِه، فإذا غلَب على ظَنِّه إعسارُه شَهِدَ به؛ لِئلَّا يُخلَّدَ في الحَبسِ.
ولا يأثَمُ المَحبوسُ المُعسِرُ بتَركِ الجُمُعةِ؛ لأنَّه مَعذورٌ، ولِلقاضي مَنعُ المَحبوسِ منها إنِ اقتَضَتْه المَصلَحةُ، ومِنَ الاستِمتاعِ بالزَّوجةِ ومُحادَثةِ الأصدقاءِ، لا مِنْ دُخولِها لِحاجةٍ -كحَمَلِ طَعامٍ-، وله مَنعُه مِنْ شَمِّ الرَّياحينِ لِلتَّرَفُّهِ إلا لِحاجةٍ، كمَرَضٍ، لا مَنعُه مِنْ عَمَلِ صَنعةٍ في الحَبسِ، وإنْ كان مُماطِلًا.
ونَفَقتُه واجِبةٌ على نَفْسِه، وعليه أُجرةُ الحَبسِ؛ لأنَّها أُجرةُ المَكانِ.
ولو حُبِستِ امرأةٌ في دَينٍ لَم يَأذَنْ فيه الزَّوجُ سَقَطتْ نَفَقتُها مُدَّةَ الحَبسِ، ولو ثَبَتَ الدَّينُ ببَيِّنةٍ -كما لو وُطِئتْ بشُبهةٍ واعتَدَّتْ- فإنَّها تَسقُطُ، وإنْ كانَتْ مَعذورةً.
ومَن ثَبَت إعسارُه أُخرِجَ ولو بغَيرِ إذْنِ الغَريمِ؛ لِزَوالِ المُقتَضى.
стр. 4449
رُجوعُ المُعامِلِ لِلمُفلِسِ عليه بما عامَلَه به ولَم يَقبِضْ عَوَضَه:
مَنْ باعَ ولَم يَقبِضِ الثَّمَنَ حتى حُجِرَ على المُشتَري بالفَلَسِ والمَبيعُ باقٍ عِندَه بالشُّروطِ الآتيةِ فلِلبائِعِ فَسخُ البَيعِ واستِردادُ المَبيعِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَدرَكَ مالَهُ بِعَينِهِ عندَ رَجُلٍ قد أَفلَسَ، أو إِنسَانٍ قد أَفلَسَ فهُوَ أحَقُّ بهِ مِنْ غَيرِهِ» (١).
ولا يَحتاجُ في الفَسخِ إلى حُكمِ حاكِمٍ بل يَفسَخُه بنَفْسِه على الأصَحِّ، ولو حَكَمَ حاكِمٌ بمَنعِ الفَسخِ لَم يُنقَضْ.
والأصَحُّ: أنْ خيارَه -أي الفَسخَ على الفَورِ- كخيارِ العَيبِ بجامِعِ دَفعِ الضَّرَرِ، ولو ادَّعى الجَهلَ بالفَوريَّةِ كان كالرَّدِّ بالعَيبِ، بل أوْلَى؛ لأنَّ هذا يَخفَى على أغلَبِ الناسِ، بخِلافِ ذلك.
والأصَحُّ: أنَّه لا يَحصُلُ الفَسخُ بالبَيعِ والهِبةِ ونَحوِ ذلك، وتُلْغَى هذه التَّصرُّفاتُ، كما لا يَحصُلُ بها في الهِبةِ لِلوَلَدِ.
والرَّأيُ الآخَرُ: يَحصُلُ كالبائِعِ في زَمَنِ الخيارِ.
ويَحصُلُ الفَسخُ ب: «فَسَختُ البَيعَ»، و: «نَقَضتُه»، و: «رَفَعتُه»، وكذا بقَولِه: «رَدَدتُ الثَّمَنَ»، أو: «فَسَختُ البَيعَ فيه»، في الأصَحِّ.
وله الرُّجوعُ في عَينِ مالِه بالفَسخِ في سائِرِ المُعاوَضاتِ التي كالبَيعِ، وهي المَحضةُ، كالإجارةِ والقَرضِ والسَّلَمِ؛ لِعُمومِ الحَديثِ السابِقِ، فإذا أجَّرَه دارًا بأُجرةٍ حالَّةٍ لَم يَقبِضْها حتى حُجِرَ عليه فله الرُّجوعُ في الدارِ
стр. 4450
بالفَسخِ، تَنزيلًا لِلمَنفَعةِ مَنزِلةَ العَينِ في البَيعِ، أو سَلَّمَه الدَّراهِمَ قَرضًا، أو رأسَ مالِ سَلَمٍ حالٍّ أو مُؤجَّلٍ فحَلَّ ثم حُجِرَ عليه والدَّراهِمُ باقيةٌ بالشُّروطِ الآتيةِ فله الرُّجوعُ فيها بالفَسخِ.
وخرَج بالمُعاوَضةِ غَيرُها -كالهِبةِ- وبالمَحضةِ غَيرُها -كالنِّكاحِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ؛ لأنَّها ليسَتْ في مَعنى المَنصوصِ عليه؛ لانتِفاءِ العِوَضِ في الهِبةِ ونَحوِها، ولِتَعذُّرِ استِيفائِه في البَقيِّة.
ولِلرُّجوعِ في البَيعِ شُروطٌ، منها:
١ - كَونُ الثَّمَنِ حالًّا عندَ الرُّجوعِ، فلا يَصحُّ رُجوعٌ حالَ وُجودِ الأجَلِ؛ لأنَّ المُؤجَّلَ لا يُطالَبُ به.
٢ - أنْ يَتعذَّرَ حُصولُ الثَّمَنِ بالإفلاسِ، فلو انتَفَى الإفلاسُ وامتَنَع مِنْ دَفعِ الثَّمَنِ مع يَسارِه أو هَرَبَ أو ماتَ مَليئًا وامتَنَع الوارِثُ مِنَ التَّسليمِ فلا فَسخَ في الأصَحِّ؛ لأنَّ التَّوصُّلَ إلى أخْذِه بالحاكِمِ مُمكِنٌ فإنْ فُرِضَ عَجزٌ فنادِرٌ لا عِبرةَ به.
٣ - كَونُ المَبيعِ أو نَحوِه باقيًا في مِلكِ المُشتَري، لِلخَبَرِ السابِقِ، فلو فاتَ مِلكُه عنه فلا رُجوعَ؛ لِخُروجِه عن مِلكِه.
٤ - ألَّا يَتعلَّقَ بالمَبيعِ حَقٌّ لَازِمٌ، كرَهنٍ وجِنايةٍ تُوجِبُ مالًا مُعلَّقًا بالرَّقَبةِ، فلو زالَ التَّعلُّقُ جازَ الرُّجوعُ (١).