إذا أيسَرَ المُتلِفُ أخَذَ منه الآخرانِ نِصفَ ما أخَذَه وقَسَماه بَينَهما بنِسبةِ دَينِهما، وقِسْ على ذلك.
وأمَّا إذا ظَهَر الغَريمُ بعدَ القِسمةِ فإنَّه لا يُضارِبُ إلا إذا كان سَبَبُه مُتقدِّمًا، كما إذا أجَّرَ دارًا وقبَض أُجرَتَها ثم انهَدَمتْ بعدَ القِسمةِ فإنَّه يُضارِبُ على الصَّحيحِ.
النَّفَقةُ على المُفلِسِ وعلى مَنْ تَجِبُ عليه نَفَقتُه:
ويُنفِقُ الحاكِمُ مِنْ مالِ المُفلِسِ عليه، وعلى مَنْ عليه نَفَقتُه مِنْ زَوجةٍ وقَريبٍ وأُمِّ وَلَدٍ وخادِمٍ حتى يُقسَّمَ مالُه، إلا أنْ يَستَغنيَ المُفلِسُ بكَسْبٍ لَائِقٍ به، فلا يُنفِقَ الحاكِمُ عليه ولا عليهم مِنْ مالِه، بل مِنْ كَسْبِه، فإنْ لَم يُوَفِّ أكمَلَ مِنْ مالِه، أو بَقيَ منه شَيءٌ أُضيفَ إلى المالِ، أمَّا غيرُ اللَّائِقِ فكالعَدَمِ.
ما يُباعُ مِنْ مالِ المُفلِسِ:
ويُباعُ مَسكَنُه وخادِمُه ومَركوبُه، وتُباعُ البُسُطُ والفُرُشُ، ويُسامَحُ في حَصيرٍ ولُبَّدٍ قَليلَيِ القيمةِ، ويُترَكُ له ثَوبٌ يَليقُ به.
ويُترَكُ له قُوتُ يَومِ القِسمةِ، وسُكناه لِمَنْ عليه نَفَقتُه؛ لأنَّه مُوسِرٌ في أوَّلِه، بخِلافِ ما بَعدَه.
وليس عليه بعدَ القِسمةِ ما يلي:
١ - أنْ يَكتَسِبَ أو يُؤجِّرَ نَفْسَه لِبَقيةِ الدَّينِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، أمَرَ بانتِظارِه ولَم يأمُرْ
стр. 4447
باكتِسابِه، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ في خَبَرِ مُعاذٍ: «لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ».
٢ - تَرْكُ القِصاصِ الواجِبِ له بجِنايةٍ عليه أو على غَيرِه -كرَقيقِه- بالأرشِ؛ لأنَّه في مَعنى الكَسبِ.
نَعَمْ إنْ وجَب الدَّينُ بسَبَبٍ عَصَى به -كإتلافِ مالِ الغَيرِ عَمدًا- وَجَب عليه الاكتِسابُ؛ لأنَّ التَّوبةَ مِنْ ذلك واجِبةٌ، وهي مُتوقِّفةٌ في حُقوقِ الآدَميِّينَ على الرَّدِّ.
ادِّعاءُ الغَريمِ الإعسارَ:
وإذا ادَّعى المَدينُ أنَّه مُعسِرٌ أو قَسَمَ مالَه بينَ غُرَمائِه وزَعَم أنَّه لا يَملِكُ غَيرَه وأنكَروا ما زَعَمَه، فإنْ لَزِمَه الدَّينُ في مُعامَلةِ مالٍ -كشِراءٍ أو قَرضٍ- فعليه البَيِّنةُ بإعسارِه في الصُّورةِ الأُولى، وبأنَّه لا يَملِكُ غَيرَه في الصُّورةِ الأُخرى لأنَّ الأصلَ بَقاءُ ما وَقَعتْ عليه المُعامَلةُ.
وإلَّا بأنْ لَزِمَه الدَّينُ لا في مُعامَلةِ مالٍ فيُصدَّقُ بيَمينِه في الأصَحِّ، سَواءٌ لَزِمَه باختِيارِه -كضَمانٍ وصَداقٍ- أو بغير اختيارِه -كأرشِ جِنايةٍ وغَرامةِ مُتلَفٍ-؛ لأنَّ الأصلَ العَدَمُ.
وهذا فيمَن لَم يُعرَفْ له مالٌ قبلَ ذلك، فإنْ كان قد عُرِفَ له مالٌ قبلَ ذلك حُبِسَ إلى أنْ يُقيمَ البَيِّنةَ على إعسارِه.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ لا يُصدَّقُ إلا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ مِنْ حالِ الحُرِّ أنَّه يَملِكُ شَيئًا.
стр. 4448
وفي قَولٍ ثالِثٍ: إنْ لَزِمَه الدَّينُ باختيارِه لَم يُصدَّقْ إلا ببَيِّنةٍ، أو بغَيرِ اختيارِه صُدِّقَ بيَمينِه.
وتُقبَلُ بَيِّنةُ الإعسارِ في الحالِ، ولْيَقُلْ -أي: الشاهِدُ، وهو اثنانِ-: هو مُعسِرٌ، ولا يُمحَّضُ النَّفيُ، كقَولِه: لا يَملِكُ شَيئًا؛ لأنَّه لا يُمكِنُه الاطِّلاعُ عليه.
وإذا ثَبَتَ إعسارُه عندَ القاضي لَم يَجُزْ حَبْسُه، ولا مُلازَمَتُه، بل يُمهَلُ حتى يُوسِرَ؛ لِلآيةِ بخِلافِ مَنْ لَم يَثبُتْ إعسارُه، فيَجوزُ حَبسُه ومُلازَمتُه.
والغَريبُ العاجِزُ عن بَيِّنةِ الإعسارِ يُوكِّلُ القاضي به وُجوبًا مَنْ يَبحَثُ عن حالِه، فإذا غلَب على ظَنِّه إعسارُه شَهِدَ به؛ لِئلَّا يُخلَّدَ في الحَبسِ.
ولا يأثَمُ المَحبوسُ المُعسِرُ بتَركِ الجُمُعةِ؛ لأنَّه مَعذورٌ، ولِلقاضي مَنعُ المَحبوسِ منها إنِ اقتَضَتْه المَصلَحةُ، ومِنَ الاستِمتاعِ بالزَّوجةِ ومُحادَثةِ الأصدقاءِ، لا مِنْ دُخولِها لِحاجةٍ -كحَمَلِ طَعامٍ-، وله مَنعُه مِنْ شَمِّ الرَّياحينِ لِلتَّرَفُّهِ إلا لِحاجةٍ، كمَرَضٍ، لا مَنعُه مِنْ عَمَلِ صَنعةٍ في الحَبسِ، وإنْ كان مُماطِلًا.
ونَفَقتُه واجِبةٌ على نَفْسِه، وعليه أُجرةُ الحَبسِ؛ لأنَّها أُجرةُ المَكانِ.
ولو حُبِستِ امرأةٌ في دَينٍ لَم يَأذَنْ فيه الزَّوجُ سَقَطتْ نَفَقتُها مُدَّةَ الحَبسِ، ولو ثَبَتَ الدَّينُ ببَيِّنةٍ -كما لو وُطِئتْ بشُبهةٍ واعتَدَّتْ- فإنَّها تَسقُطُ، وإنْ كانَتْ مَعذورةً.
ومَن ثَبَت إعسارُه أُخرِجَ ولو بغَيرِ إذْنِ الغَريمِ؛ لِزَوالِ المُقتَضى.
стр. 4449
رُجوعُ المُعامِلِ لِلمُفلِسِ عليه بما عامَلَه به ولَم يَقبِضْ عَوَضَه:
مَنْ باعَ ولَم يَقبِضِ الثَّمَنَ حتى حُجِرَ على المُشتَري بالفَلَسِ والمَبيعُ باقٍ عِندَه بالشُّروطِ الآتيةِ فلِلبائِعِ فَسخُ البَيعِ واستِردادُ المَبيعِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَدرَكَ مالَهُ بِعَينِهِ عندَ رَجُلٍ قد أَفلَسَ، أو إِنسَانٍ قد أَفلَسَ فهُوَ أحَقُّ بهِ مِنْ غَيرِهِ» (١).
ولا يَحتاجُ في الفَسخِ إلى حُكمِ حاكِمٍ بل يَفسَخُه بنَفْسِه على الأصَحِّ، ولو حَكَمَ حاكِمٌ بمَنعِ الفَسخِ لَم يُنقَضْ.
والأصَحُّ: أنْ خيارَه -أي الفَسخَ على الفَورِ- كخيارِ العَيبِ بجامِعِ دَفعِ الضَّرَرِ، ولو ادَّعى الجَهلَ بالفَوريَّةِ كان كالرَّدِّ بالعَيبِ، بل أوْلَى؛ لأنَّ هذا يَخفَى على أغلَبِ الناسِ، بخِلافِ ذلك.
والأصَحُّ: أنَّه لا يَحصُلُ الفَسخُ بالبَيعِ والهِبةِ ونَحوِ ذلك، وتُلْغَى هذه التَّصرُّفاتُ، كما لا يَحصُلُ بها في الهِبةِ لِلوَلَدِ.
والرَّأيُ الآخَرُ: يَحصُلُ كالبائِعِ في زَمَنِ الخيارِ.
ويَحصُلُ الفَسخُ ب: «فَسَختُ البَيعَ»، و: «نَقَضتُه»، و: «رَفَعتُه»، وكذا بقَولِه: «رَدَدتُ الثَّمَنَ»، أو: «فَسَختُ البَيعَ فيه»، في الأصَحِّ.
وله الرُّجوعُ في عَينِ مالِه بالفَسخِ في سائِرِ المُعاوَضاتِ التي كالبَيعِ، وهي المَحضةُ، كالإجارةِ والقَرضِ والسَّلَمِ؛ لِعُمومِ الحَديثِ السابِقِ، فإذا أجَّرَه دارًا بأُجرةٍ حالَّةٍ لَم يَقبِضْها حتى حُجِرَ عليه فله الرُّجوعُ في الدارِ
стр. 4450
بالفَسخِ، تَنزيلًا لِلمَنفَعةِ مَنزِلةَ العَينِ في البَيعِ، أو سَلَّمَه الدَّراهِمَ قَرضًا، أو رأسَ مالِ سَلَمٍ حالٍّ أو مُؤجَّلٍ فحَلَّ ثم حُجِرَ عليه والدَّراهِمُ باقيةٌ بالشُّروطِ الآتيةِ فله الرُّجوعُ فيها بالفَسخِ.
وخرَج بالمُعاوَضةِ غَيرُها -كالهِبةِ- وبالمَحضةِ غَيرُها -كالنِّكاحِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ؛ لأنَّها ليسَتْ في مَعنى المَنصوصِ عليه؛ لانتِفاءِ العِوَضِ في الهِبةِ ونَحوِها، ولِتَعذُّرِ استِيفائِه في البَقيِّة.
ولِلرُّجوعِ في البَيعِ شُروطٌ، منها:
١ - كَونُ الثَّمَنِ حالًّا عندَ الرُّجوعِ، فلا يَصحُّ رُجوعٌ حالَ وُجودِ الأجَلِ؛ لأنَّ المُؤجَّلَ لا يُطالَبُ به.
٢ - أنْ يَتعذَّرَ حُصولُ الثَّمَنِ بالإفلاسِ، فلو انتَفَى الإفلاسُ وامتَنَع مِنْ دَفعِ الثَّمَنِ مع يَسارِه أو هَرَبَ أو ماتَ مَليئًا وامتَنَع الوارِثُ مِنَ التَّسليمِ فلا فَسخَ في الأصَحِّ؛ لأنَّ التَّوصُّلَ إلى أخْذِه بالحاكِمِ مُمكِنٌ فإنْ فُرِضَ عَجزٌ فنادِرٌ لا عِبرةَ به.
٣ - كَونُ المَبيعِ أو نَحوِه باقيًا في مِلكِ المُشتَري، لِلخَبَرِ السابِقِ، فلو فاتَ مِلكُه عنه فلا رُجوعَ؛ لِخُروجِه عن مِلكِه.
٤ - ألَّا يَتعلَّقَ بالمَبيعِ حَقٌّ لَازِمٌ، كرَهنٍ وجِنايةٍ تُوجِبُ مالًا مُعلَّقًا بالرَّقَبةِ، فلو زالَ التَّعلُّقُ جازَ الرُّجوعُ (١).
стр. 4451
وقال الحَنابِلةُ: المُفلِسُ: هو مَنْ لَزِمَه أكثَرُ مِنْ مالِه.
ولا يُطالَبُ المَدينُ ولا يُحجَرُ عليه بدَينٍ لَم يَحِلَّ؛ لأنَّه لا يَلزَمُه أداؤُه قبلَ حُلولِه، ولا يَستحِقُّ المُطالَبةَ به، فلَم يَملِكْ مَنعَه مما له بسَبَبِه.
لكنْ لو أرادَ سَفَرًا طَويلًا يَحِلُّ دَينُه قبلَ قُدومِه منه فلِغَريمِه مَنعُه حتى يُوثِّقَه برَهنٍ يُحرَزُ، أو كَفيلٍ مَليءٍ؛ لأنَّه ليس له تأخيرُ الحَقِّ عن مَحَلِّه، وفي السَّفَرِ تأخيرُه، وكذا إنْ كان لا يَحِلُّ قَبلَه، فله مَنعُه أيضًا.
ولا يَحِلُّ دَينٌ مُؤجَّلٌ بجُنونٍ؛ لأنَّ الأجَلَ حَقٌّ له، فلا يَسقُطُ بجُنونِه.
وكذا لا يَحِلُّ بمَوتٍ إنْ وَثَّقَه وَرَثتُه برَهنٍ يُحرَزُ أو كَفيلٍ مَليءٍ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» (١)، والأجَلُ حَقٌّ لِلمَيِّتِ، فيَنتَقِلُ إلى ورَثَتِه؛ ولأنَّه لا يَحِلُّ به مالُه فلا يَحِلُّ به ما عليه، كالجُنونِ.
ويَجبُ على مَدينٍ قادِرٍ وَفاءُ دَينٍ حالٍّ فَورًا بطَلَبِ رَبِّه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ» (٢).
وإنْ مَطَلَه حتى شَكاه (٣) وَجَب على الحاكِمِ أمْرُه بوَفائِه، فإنْ أبَى
стр. 4452
حَبَسَه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَيُّ الواجِدِ ظُلمٌ يُحِلُّ عِرضَه وعُقوبَتَه» (١).
وإنْ لَم يَقْضِه باعَ الحاكِمُ مالَه وقَضَى دَينَه ولا يُخرِجُه حتى يَتبيَّنَ أمْرُه، أي أنَّه مُعسِرٌ، أو يَبَرَّ المَدينُ بوَفاءٍ أو إبراءٍ، أو يَرضَى غَريمُه بإخراجِه.
فإنْ كان المَدينُ ذا عُسرةٍ وَجَبت تَخليَتُه وحَرُمتْ مُطالَبَتُه والحَجْرُ عليه وحَبسُه ما دامَ مُعسِرًا؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وقَولِ النَّبيِّ ﷺ في الذي أُصيبَ في ثِمارِه: «خُذوا ما وَجَدتُمْ وَلَيسَ لَكُمْ إلَّا ذلكَ» (٢).
فإنِ ادَّعى العُسرةَ ودَينُه عن عِوَضٍ -كثَمَنٍ وقَرضٍ- أو لا، وعُرِفَ له مالٌ سابِقُ الأغلَبُ بَقاؤُه، أو كان أقَرَّ بالمَلاءةِ حُبِسَ إنْ لَم يُقِمْ بَيِّنةً تُخبِرُ بباطِنِ حالِه وتُسمَعُ قبلَ الحَبسِ وبَعدَه، وإلا حلَف وأُخليَ سَبيلُه.
وإنْ سألَ غُرَماءُ مَنْ له مالٌ لا يَفي بدَينِه الحاكِمَ الحَجْرَ عليه لَزِمَه إجابَتُهم؛ لأنَّ فيه دَفعًا لِلضَّرَرِ عن الغُرَماءِ، فلَزِمَ ذلك لِقَضائِهم.
ويُستحبُّ إظهارُ حَجْرِ المُفلِسِ وكذا السَّفيهُ؛ لِيَعلَمَ الناسُ بحالِهما فلا يُعامِلوهما إلا على بَصيرةٍ.
стр. 4453
آثارُ الحَجرِ:
وفائِدةُ الحَجْرِ أحكامٌ أربَعةٌ:
الأوَّلُ: تَعلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بالمالِ: لأنَّه يُباعُ في دُيونِهم، فكانتْ حُقُوقُهم مُتعلِّقةً به كالرَّهنِ.
فلا يَصحُّ تَصرُّفُه فيه بشَيءٍ، كبَيعِه وهِبَتِه ووَقفِه ونَحوِها؛ لأنَّه حَجْرٌ ثَبَتَ بالحاكِمِ فمنَع تَصرُّفَه، كالحَجرِ لِلسَّفَهِ.
وإنْ تَصرَّفَ في ذِمَّتِه بشِراءٍ أو إقرارٍ صَحَّ؛ لأنَّه أهلٌ لِلتَّصرُّفِ، والحَجْرُ إنَّما تَعلَّقَ بمالِه دونَ ذِمَّتِه.
ويُطالَبُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه؛ لأنَّه حَقٌّ عليه، وإنَّما مَنَعنا تَعلُّقَه بمالِه لِحَقِّ الغُرَماءِ السابِقِ على ذلك، فإذا استَوْفَوْه فقد زالَ المُعارِضُ.
الثاني: أنَّ مَنْ وَجَدَ عَينَ ما باعَه أو أقرَضَه فهو أحَقُّ به؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَدرَكَ مالَهُ بِعَينِهِ عندَ رَجُلٍ قد أَفلَسَ -أو إِنسَانٍ قد أَفلَسَ- فهُوَ أحَقُّ بهِ مِنْ غَيرِهِ» (١).
ولا يَكونُ أحَقَّ به إلا إذا تَوافَرتْ فيه عِدَّةُ شُروطٍ كما يلي:
١ - كَونُه لا يَعلَمُ بالحَجرِ.
٢ - أنْ يَكونَ المُفلِسُ حَيًّا.
٣ - أنْ يَكونَ عِوَضُ العَينِ كلُّه باقيًا في ذِمَّتِه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ :
стр. 4454
«أيُّما رَجُلٍ باعَ مَتاعًا فأفلَسَ الذي ابتَاعَه ولَم يَقبِضِ الذي باعَه مِنْ ثَمَنِه شَيئًا فوَجَدَ مَتاعَه بعَينِه فهو أحَقُّ به، وإنْ ماتَ المُشتَري فصاحِبُ المَتاعِ أُسوةُ الغُرَماءِ» (١).
وفي حَديثِ أبي هُرَيرةَ مَرفوعًا: «أيُّمَا رَجُلٍ أفلَسَ فوَجَدَ رَجُلٌ عندَه مالَه ولَم يَكُنِ اقتَضى مِنْ مالِه شَيئًا فهو لَه» رَواه أحمدُ (٢)، وفي لَفظِ أبي داودَ: «فإنْ كانَ قبَض مِنْ ثَمَنِها شَيئًا فهو أُسوةُ الغُرَماءِ» (٣).
٤ - أنْ تَكونَ كُلُّها في مِلكِه لَم يَتعلَّقْ بها حَقُّ الغَيرِ، فإنْ رهَنها لَم يَملِكِ الرُّجوعَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ مَتاعَه بعَينِه عندَ رَجُلٍ قد أفلَسَ … » وهذا لَم يَجِدْه عندَه.
٥ - أنْ تَكونَ بحالِها لَم يَتلَفْ منها شَيءٌ: لقَولِه ﷺ : «مَنْ أدرَكَ مَتاعَه بعَينِه … » (٤)، وهذا لَم يَجِدْه بعَينِه.
٦ - لَم تَتغَيَّرْ صِفَتُها بما يُزيلُ اسمَها: فإنْ طَحَنَ الحِنطةَ ونَسَجَ الغَزلَ وقَطَع الثَّوبَ قَميصًا لَم يَرجِعْ؛ لأنَّه لَم يَجِدْه بعَينِه؛ لِتَغيُّرِ اسمِه وصِفَتِه.
٧ - لَم تَزِدْ زيادةً مُتَّصِلةً: كالسَّمنِ والكِبَرِ، فإنْ وُجِدَ ذلك مُنِعَ الرُّجوع، فأمَّا الزِّيادُة المُنفَصِلةُ والنَّقصُ بهُزالٍ فلا يَمنَعانِ الرُّجوعَ؛ لأنَّه يُمكِنُ الرُّجوعُ في العَينِ دونَ زيادَتِها، والزِّيادُة لِلمُفلِسِ؛ لِحَديثِ: «الخَراجُ
стр. 4455
بالضَّمانِ» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّ النَّماءَ والغَلَّةَ لِلمُشتَري؛ لِكَونِ الضَّمانِ عليه.
٨ - لَم تَختَلِطْ بغَيرِ مُتميِّزٍ: فإنِ اشتَرى زَيتًا وخَلَطَه بزَيتٍ آخَرَ سَقَطَ الرُّجوعُ؛ لأنَّه لَم يَجِدْ عَينَ مالِه، وإنَّما يأخُذُ عِوَضَه كالثَّمَنِ.
٩ - لَم يَتعلَّقْ بها حَقٌّ لِلغَيرِ: فإنْ خَرَجتْ عن مِلكِه ببَيعٍ أو غَيرِه لَم يَرجِعْ؛ لأنَّه لَم يَجِدْها عِندَه.
فمَتى وُجِدَ شَيءٌ مِنْ ذلك امتَنَع الرُّجوعُ؛ لِما تَقدَّم.
الثالِثُ: يَلْزَمُ الحاكِمَ تَقسيمُ مالِه الذي مِنْ جِنسِ الدَّينِ وبَيعُ ما ليس مِنْ جِنسِه بثَمنِ مِثلِه أو أكثَرَ، ويُقسِّمُه على الغُرَماءِ فَورًا بقَدْرِ دُيونِهم الحالَّةِ؛ لأنَّ فيه تَسويةً بَينَهم، ولأنَّ ذلك هو جُلُّ المَقصودِ بالحَجرِ الذي طَلَبَه الغُرَماءُ أو بَعضُهم، ويُستَحبُّ إحضارُ المُفلِسِ والغُرماءِ؛ لأنَّه أطيَبُ لِقُلوبِهم وأبعَدُ مِنَ التُّهمةِ.
ولا يَلزَمُهم بيَانُ أنَّه لا غَريمَ سِواهُم، ثم إنْ ظَهَر غَريمٌ لِلمُفلِسِ بعدَ القِسمةِ لِمالِه لَم تُنقَضْ، ورُجِع على كلِّ غَريمٍ بقِسطِه؛ لأنَّه لو كان حاضرًا قاسَمَهم، فكذا إذا ظَهَر.
وأمَّا الدَّينُ المُؤجَّلُ فلا يَحِلُّ بالفَلَسِ؛ لأنَّ التأجيلَ حَقٌّ له، فلَم يَبطُلْ بفَلَسِه كسائِر حُقوقِه، فعَلَيها يَختَصُّ أصحابُ الدُّيونِ الحالةِ بمالِه دونَه؛ لأنَّه لا يَستحِقُّ استِيفاءَ حَقِّه قبلَ أجَلِه، وإنْ حَلَّ دَينُه قبلَ القِسمةِ شارَكَهم لِمُساواتِه إيَّاهم في استِيفائِه.
стр. 4456
ولا يَفُكُّ حَجْرَه إلا حاكِمٌ؛ لأنَّه ثَبَت بحُكمِه فلا يَزولُ إلا به، وإنْ وَفَّى ما عليه انفَكَّ الحَجْرُ بلا حُكمِ حاكِمٍ؛ لِزَوالِ مُوجِبِه.
ويَجبُ أنْ يُترَكَ له ما يَحتاجُه ممَّا يلي:
١ - مِنْ مَسكنٍ: فلا تُباعُ دارُه التي لا غِنى له عنها.
٢ - مِنْ خادِمٍ: صالِحٍ لِمِثلِه؛ لأنَّ ذلك ممَّا لا غِنى له عنه، فلم يُبَعْ في دَينِه ككِتابِه.
٣ - ممَّا يَتَّجِرُ به: إنْ كان تاجِرًا.
٤ - مِنْ آلةِ حِرفةٍ: إنْ كان مُحتَرِفًا.
ويَجبُ له ولِعيالِه أدْنى نَفَقةِ مِثلِهم مِنْ مَأكَلٍ ومَشرَبٍ وكِسوةٍ، ويُنفَقُ عليه بالمَعروفِ مِنْ مالِه إلى أنْ يُقسَّمَ، إلا إنْ كان ذا كَسبٍ.
الرابِعُ: انقِطاعُ الطَّلَبِ عنه؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «خُذوا ما وَجَدتُم وليس لَكُمْ إلا ذلك» (١).
فمَن أقرَضَه أو باعَه شَيئًا عالِمًا بحَجْرِه لَم يَملِكْ طَلَبَه حتى يَنفَكَّ حَجْرُه؛ لِتِعلُّقِ حَقِّ الغُرَماءِ بعَينِ مالِ المُفلِسِ (٢).
стр. 4457
تَصرُّفاتُ المُفلِسِ قبلَ الحَجْرِ عليه:
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ما فَعَلَه المُفلِسُ قبلَ حَجْرِ الحاكِمِ عليه مِنْ بَيعٍ أو هِبةٍ أو إقرارٍ أو قَضاءِ بَعضِ الغُرَماءِ أو غيرِ ذلك فهو جائِزٌ نافِذٌ، وبهذا قال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلَمُ أحَدًا خالَفَهم؛ ولأنَّه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه نَفَذَ تَصرُّفُه كغَيرِه، ولأنَّ سَبَبَ المَنعِ الحَجْرُ لا يَتقدَّمُ سَبَبَه؛ ولأنَّه مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ ولَم يُحجَرْ عليه، فأشبَهَ المَليءَ، وإنْ أكرى جَمَلًا بعَينِه أو دارًا لَم تَنفَسِخْ إجارَتُه بالفَلَسِ، وكان المُكتَري أحَقَّ به حتى تَنقَضيَ مُدَّتُه.
ومتى حُجِرَ عليه لَم يَنفُذْ تَصرُّفُه في شَيءٍ مِنْ مالِه، فإنْ تَصرَّفَ ببَيعٍ أو هِبةٍ أو وَقفٍ أو أصدَقَ امرأةً مالًا له أو نحوَ ذلك لَم يَصحَّ، وبهذا قال مالِكٌ والشافِعيُّ في قَولٍ، وقال في آخَرَ: يَقِفُ تَصرُّفُه، فإنْ كان فيما بَقيَ مِنْ مالِه وَفاءُ الغُرَماءِ نَفَذَ وإلا بطَل.
ولنا: أنَّه مَحجورٌ عليه بحُكمِ حاكِمٍ، فلَم يَصحَّ تَصرُّفُه كالسَّفيهِ؛ ولأنَّ حُقوقَ الغُرَماءِ تَعلَّقتْ بأعيانِ مالِه لَم يَصحَّ تَصرُّفُه فيها، كالمَرهونةِ.
فأمَّا إنْ تَصرَّفَ في ذِمَّتِه فاشتَرى أو اقتَرَضَ أو تَكفَّلَ صَحَّ تَصرُّفُه؛ لأنَّه أهلٌ لِلتَّصرُّفِ، إنَّما وُجِدَ في حَقِّه الحَجْرُ، والحَجْرُ إنَّما يَتعلَّقُ بمالِه لا بذِمَّتِه، ولكنْ أصحابُ هذه الدُّيونِ لا يُشارِكُونَ الغُرَماءَ؛ لأنَّهم رَضُوا بذلك إذا عَلِموا أنَّه مُفلِسٌ وعامَلوه، ومَن لَم يَعلَمْ فقد فَرَّطَ في ذلك، فإنَّ هذا في مَظِنَّةِ الشُّهرةِ ويُتبَعُ بها بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، وإنْ أقَرَّ بدَينٍ لَزِمَه بعدَ فَكِّ
стр. 4458
الحَجْرِ عنه، نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قَولُ مالِكٍ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ والثَّوريِّ والشافِعيِّ في قَولٍ، وقال في الآخَرِ: يُشارِكُهم، واختارَه ابنُ المُنذرِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ مُضافٌ إلى ما قبلَ الحَجْرِ، فيُشارِكُ صاحِبُه الغُرَماءَ كما لو ثَبَتَ ببَيِّنةٍ.
ولنا: أنَّه مَحجورٌ عليه، فلَم يَصحَّ إقرارُه فيما حُجِرَ عليه فيه، كالسَّفيهِ أو كالراهِنِ يُقِرُّ على الرَّهنِ؛ ولأنَّه إقرارٌ يُبطِلُ ثُبوتُه حَقَّ غيرِ المُقِرِّ، فلَم يُقبَلْ، أو إقرارٌ على الغُرَماءِ، فلَم يُقبَلْ كإقرارِ الراهِنِ؛ ولأنَّه مُتَّهَمٌ في إقرارِه، فهو كالإقرارِ على غَيرِه، وفارَقَ البَيِّنةَ، فإنَّه لا تُهمةَ في حَقِّها، ولو كان المُفلِسُ صانِعًا -كالقَصَّارِ والحائِكِ- في يَدَيْهِ مَتاعٌ فأقَرَّ به لِأربابِه لَم يُقبَلْ إقرارُه، والقَولُ فيها كالتي قَبلَها، وتُباعُ العَينُ التي في يَدَيْه وتُقَسَّمُ بينَ الغُرَماءِ، وتَكونُ قيمَتُها واجِبةً على المُفلِسِ إذا قَدَرَ عليها؛ لأنَّها صُرِفتْ في دَينِه بسَبَبٍ مِنْ جِهَتِه، فكانَتْ قيمَتُها عليه، كما لو أذِنَ في ذلك، وإنْ تَوجَّهتْ على المُفلِسِ يَمينٌ فنَكَلَ عنها فقُضيَ عليه فحُكمُه حُكمُ إقرارِه، يَلزَمُ في حَقِّه ولا يُحاصِصُ الغُرَماءَ (١).
وقال البُهوتيُّ ﵀: وتَصرُّفُ المُفلِسِ في مالِه قبلَ الحَجْرِ عليه صَحيحٌ نَصًّا، ولو استَغرَقَ دَينُه جَميعَ مالِه؛ لأنَّه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه، ولأنَّ سَبَبَ المَنعِ الحَجْرُ، فلا يَتقدَّمُ سَبَبَه، ويَحرُمُ إنْ أضَرَّ بغَريمِه، ذَكَرَه الآمِديُّ البَغداديُّ (٢).
стр. 4459
٢ - الحَجْرُ على المَريضِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ المَريضَ مَرَضَ المَوتِ المَخوفِ الذي يَنشَأُ المَوتُ عنه عادةً -وإنْ لَم يَغلِبِ المَوتُ عنه- مَحجورٌ عليه فيما زادَ على ثُلُثِ مالِه حَقًّا لِلوَرَثةِ، سَواءٌ كان ذَكَرًا أو أُنثى، سَفيهًا أو رَشيدًا؛ لِحَديثِ أبي هُرَيرةَ ﵁ مَرفوعًا: «إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عندَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ» (١)، فأخبَرَ ﷺ بأنَّه ليس لَهم إلا الثُّلُثُ، ولا زيادةَ عليه. ولأنَّ الأُصولَ دالَّةٌ على أنَّ حُضورَ سَبَبِ المَوتِ بمَنزِلةِ حُضورِ المَوتِ بعَينِه، بدَليلِ أنَّه لو أعتَقَ لَكانَ مِنَ الثُّلُثِ، ولو وَهَبَ لِوارِثِه شَيئًا لَم يَجُزْ ذلك؛ إذْ لا يَجوزُ أنْ يُوصيَ له، وإذا كان كذلك ثم لَم يَجُزْ أنْ يُوصيَ بعدَ المَوتِ بأكثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فكذلك لا يَجوزُ له أنْ يَهَبَ في المَرَضِ أكثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.
وأمَّا المَرَضُ الخَفيفُ -نَحوَ رَمَدٍ وصُداعٍ وحُمَّى خَفيفةٍ ومَرَضٍ بيَدٍ أو رِجْلٍ، وجَرَبٍ مِنْ كلِّ ما لا يَنشَأُ عنه المَوتُ عادةً- فلا حَجرَ فيه.
والحَجرُ على المَريضِ يَكونُ في تَبرُّعٍ -كهِبةٍ وصَدَقةٍ وحَبسٍ ووَصيَّةٍ- إذا زاد التَّبرُّعُ على ثُلُثِ مالِه، لا في الثُّلُثِ فدُونَ (٢).
стр. 4460
٣ - الحَجْرُ على الزَّوجةِ فيما زادَ على ثُلُثِ مالِها:
اختَلَفَ الفُقهاءُ في الزَّوجةِ، هل لِلزَّوجِ أنْ يَحجُرَ عليها فيما زادَ على ثُلُثِ مالِها؟ أم لا يَجوزُ الحَجْرُ عليها؟
فذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ لِلزَّوجِ أنْ يَحجُرَ على زَوجَتِه الحُرَّةِ الرَّشيدةِ في تَبرُّعٍ زائِدٍ على ثُلُثِها ولو بعِتقٍ حَلَفتْ به وحنَثَتْ، فله رَدُّه ولا يُعتِقُ منه شَيئًا، ولو كان تَبرُّعُها الزائِدُ حاصِلًا بكَفالةٍ لِغَيرِ زَوجِها فله رَدُّه، لا إنْ ضَمِنتْه فليس له رَدُّه، وتَبرُّعُها بالزائِدِ على الثُّلُثِ ماضٍ حتى يَرُدَّ الزَّوجُ جَميعَه أو ما شاءَ منه.
ولِلزَّوجِ رَدُّ جَميعِ ما تَبرَّعتْ به إنْ تَبرَّعتْ بزائِدٍ على الثُّلُثِ، لا إنْ تَبرَّعتْ بالثُّلُثِ فدونَ.
وإذا تَبرَّعتْ بالثُّلُثِ ولَزِمَ فليس لها تَبرُّعٌ بعدَ ذلك الثُّلُثِ إلا أنْ يَبعُدَ الزَّمَنُ بعدَ التَّبرُّعِ به، كنِصفِ سَنةٍ فأكثَرَ، فلَها التَّبرُّعُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ الباقيَيْنِ، وإذا لم يَبعُدْ فليس لها، وحينَئذٍ له الرَّدُّ إنْ تَبرَّعتْ.
وإذا لَم يَعلَمْ زَوجُها بالتَّبرُّعِ حتى طَلَّقَها أو ماتَ أحَدُهما فإنَّه يَمضي فِعلُها ولَم يَكُنْ لِلزَّوجِ ولا لِوَرَثتِه مَقالٌ.
والدَّليلُ على أنَّ المَرأةَ مَحجورةٌ لِزَوجِها في تَبرُّعها بما زادَ على الثُّلُثِ
стр. 4461
قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَجوزُ لامرأةٍ أَمْرٌ في مالِها إذا مَلَكَ زَوجُها عِصمَتُها».
وفي رِوايةٍ: «لا يَجوزُ لِامرأةٍ عَطيَّةٌ إلا بإذْنِ زَوجِها» (١)، أي: فيما زاد على الثُّلُثِ؛ لأنَّ الثُّلُثَ يَجوزُ التَّصرُّفُ فيه بإجماعِ العُلماءِ، فثَبَتَ أنَّ الثُّلُثَ فما دونَه خارِجٌ عن عُمومِ الخَبَرِ.
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا … » (٢).
وذلك يُفيدُ أنَّ لِلزَّوجِ حَقًّا في تَبْقيةِ مالِها بيَدِها.
ولأنَّ العادةَ جاريةٌ بأنَّ الزَّوجَ يَتجمَّلُ بمالِ زَوجَتِه، وله فيه مَعونةٌ وتَبْقيةٌ، ويُبيِّنُ ذلك أنَّ مَهرَ المِثلِ يَقِلُّ ويَكثُرُ بحَسَبِ مالِها وكَثرَتِه، كما يَقِلُّ ويَكثُرُ بحَسَبِ بُروزِها في الجَمالِ، وإذا ثَبَتَ ذلك فليس لها إبطالُ غَرَضِ الزَّوجِ ممَّا لِأجْلِه رَغِبَ في نِكاحِها وكَمُلَ لِأجْلِه صَداقُها.
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلزَّوجِ أنْ يَحجُرَ على زَوجَتِه إذا كانتْ رَشيدةً ولها حَقُّ التَّصرُّفِ في مالِها كلِّه؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا
стр. 4462
إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وهو ظاهِرٌ في فَكِّ الحَجْرِ عنهنَّ وإطلاقِهنَّ في التَّصرُّفِ.
وقد وَرَدتْ أدِلَّةٌ تَدُلُّ على جَوازِ اصطِناعِ المَرأةِ المَعروفَ وتَصدُّقِها مِنْ مالِها، وإنْ لَم يأذَنْ لها الزَّوجُ، سَواءٌ كانَتْ بِكرًا أو ذاتَ زَوجٍ أو أيِّمًا.
ومِن هذه الأدِلَّةِ ما أخرَجَه البُخاريُّ (١) ومُسلِمٌ (٢) مِنْ حَديثِ جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄ قال: قامَ النَّبيُّ ﷺ يَومَ الفِطرِ فصَلَّى، فبَدَأ بالصَّلاةِ ثم خَطَبَ، فلَمَّا فَرَغَ نَزَل فأتى النِّساءَ فذَكَّرَهنَّ وهو يَتوكَّأُ على يَدِ بِلالٍ، وبِلالٌ باسِطٌ ثَوبَه، ثم قال: «هَلُمَّ لَكُنَّ فِداءُ أبي وأُمِّي»، فيُلقينَ الفَتَخَ والخَواتيمَ في ثَوبِ بِلالٍ».
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وفي هذا الحَديثِ جَوازُ صَدَقةِ المَرأةِ مِنْ مالِها بغَيرِ إذْنِ زَوجِها، ولا يَتوقَّفُ ذلك على ثُلُثِ مالِها، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ.
وقال مالِكٌ: لا يَجوزُ الزِّيادةُ على ثُلُثِ مالِها إلا برِضا زَوجِها، ودَليلُنا مِنَ الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «لَم يَسألهُنَّ أَسْتَأْذَنَّ أزواجَهُنَّ في ذلك أم لا، وهل هو خارِجٌ مِنَ الثُلُثِ أو لا، ولو اختَلَف الحُكمُ بذلك لسألَ» (٣).
وقد أعتَقَتْ مَيمونةُ قبلَ أنْ تُعْلِمَ النَّبيَّ ﷺ فلَم يَعِبْ ذلك
стр. 4463
عليها، فقد رَوَى الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه وعَنوَنَ عليه ولِغَيرِه ب: بابُ هِبةِ المَرأةِ لِغَيرِ زَوجِها وعِتقِها إذا كان لَها زَوجٌ، فهو جائِزٌ إذا لَم تَكُنْ سَفيهةً، فإذا كانتْ سَفيهةً لَم يَجُزْ، قال اللهُ : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
ثم ساق حَديثَ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّ مَيمونةَ بِنتَ الحارِثِ ﵄ أخبَرَتْه أنَّها أعتَقَتْ وَليدةً ولَم تَستأذِنِ النَّبيَّ ﷺ ، فلَمَّا كان يَومُها الذي يَدورُ عليها فيه قالَتْ: أشَعَرتَ يا رَسولَ اللهِ أنِّي أعتَقتُ وَليدَتي؟ (١) قال: «أوَفَعَلْتِ؟»، قالتْ: نَعَمْ، قال: «أمَا إنَّكِ لو أعطَيتِها أخوالَكِ كان أعظَمَ لِأجْرِكِ» (٢).
ووَجْهُ الاستِدلالِ: أنَّ مَيمونةَ كانت رَشيدةً، وأنَّها أعتَقَتْ قبلَ أنْ تَستأمِرَ النَّبيَّ ﷺ فلَم يَستدرِكْ ذلك عليها، بل أرشَدَها إلى ما هو الأَوْلى، فلو كان لا يَنفُذُ لها تَصرُّفٌ في مالِها لَأبطَلَه.
عن زَيْنَبَ امْرأَةِ عَبدِ اللَّهِ قالتْ: كُنْتُ في الْمَسْجدِ فرَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ قال: «تَصَدَّقْنَ ولَوْ مِنْ حُليِّكُنَّ»، وكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ على عَبدِ اللَّهِ وأَيْتَامٍ في حِجْرِهَا، قال: فقالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَجْزي عَنِّي أنْ أُنْفِقَ علَيْكَ وعَلَى أيتامي في حِجْري مِنَ
стр. 4464
الصَّدَقَةِ؟ فقال: سَلي أنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فانْطَلَقْتُ إلى النَّبيِّ ﷺ فوَجَدْتُ امْرأَةً مِنَ الْأنْصَارِ على الْبابِ حاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتي، فمَرَّ علَيْنَا بِلَالٌ، فقُلْنَا: سَلِ النَّبيَّ ﷺ أَيَجْزي عَنِّي أنْ أُنْفِقَ على زَوْجي وأَيْتَامٍ لي في حِجْري؟ وقُلْنَا: لا تُخبِرْ بِنا، فدَخَلَ فسَأَلَهُ، فقال: «مَنْ هُما؟» قال: زَينَبُ، قال: «أيُّ الزَّيَانِبِ؟»، قال: امرَأَةُ عَبدِ اللَّهِ، قال ﷺ : «نَعَمْ، لَها أَجرَانِ: أَجرُ القَرَابَةِ وَأَجرُ الصَّدَقَةِ» (١)، ولَم يَذكُرْ لَهُنَّ هذا الشَّرطَ.
ولأنَّ مَنْ وَجَب دَفعُ مالِه إليه لِرُشدِه جازَ له التَّصرُّفُ فيه مِنْ غيرِ إذْنٍ، كالغُلامِ، ولأنَّ المَرأةَ مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ، ولا حَقَّ لِزوجِها في مالِها فلَم يَملِكِ الحَجْرَ عليها في التَّصرُّفِ بجَميعِه، كأُختِها (٢).
٤ - الحَجْرُ على المُرتَدِّ:
نَصَّ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُرتَدَّ مَحجورٌ عليه في مالِه؛ لأنَّ تَرِكَتَه فَيْءٌ لِلمُسلِمينَ، ورُبَّما تَصرَّفَ فيها تَصرُّفًا يَقصِدُ به إتلافَها لِيُفوِّتَها عليهم.
стр. 4465
وهل يَحتاجُ إلى حُكمِ حاكِمٍ؟ فيه قَولانِ عندَ الشافِعيَّةِ، فإن زالَتِ الرِّدةُ فإنَّه لا يَنفَكُّ الحَجْرُ عنه إلا بحُكمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه حَجرٌ ثَبَت بالحاكِمِ، فلَم يَزُلْ مِنْ غيرِ حُكمِه.
وقال المالِكيَّةُ: ليس مِنْ أسبابِ الحَجْرِ الرِّدَّةُ؛ لأنَّ المُرتَدَّ ليس بمالِكٍ (١).
الفَسادِ ومَثارُ الفِتَنِ (١)، وكُلُّها عِباراتٌ مُتقارِبةٌ.
وأمَّا المالِكيَّةُ فعرَّفه منهم ابنُ عَرَفةَ بأنَّه: انتِقالٌ عن حَقٍّ أو دَعوى بعِوَضٍ لِرَفعِ نِزاعٍ أو خَوفِ وُقوعِه.
فقَولُه: انتِقالٌ عن حَقٍّ يَدخُلُ فيه الإقرارُ، والثاني صُلحُ الإنكارِ، وبعِوَضٍ مُتعلِّقٍ بانتِقالٍ يَخرُجُ به الانتِقالُ بغَيرِ عِوَضٍ، وقَولُه: لِرَفعِ نِزاعٍ، يَخرُجُ به بَيعُ الدَّينِ ونَحوُه، قَولُه: أو خَوفِ وُقوعِه، يَدخُلُ فيه الصُّلحُ، يَكونُ عن إقرارٍ وإنكارٍ؛ لِصِدقِ الحَدِّ على كلٍّ منهما (٢).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: هو قَبضُ شَيءٍ عن عِوَضٍ يَدخُلُ فيه مَحضُ البَيعِ (٣).
وقال الشافِعيَّةُ: هو العَقدُ الذي يَنقَطِعُ به خُصومةُ المُتَخاصِمَيْنِ (٤).
وقال الحَنابِلةُ: هو مُعاقَدةٌ يُتوَصَّلُ بها إلى إصلاحٍ بينَ مُتخاصِمَيْنِ، ولا يَقَعُ في الأغلَبِ إلا عن انحِطاطِ رُتبةٍ إلى ما دونَها على سَبيلِ المُداراةِ ممَّن له الحَقُّ لِحُصولِ بَعضِ الغَرَضِ، وهو مِنْ أكبَرِ العُقودِ فائِدةً؛ لِما
وأمَّا بالسُّنَّةِ: فقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «الصُّلْحُ جَائِزٌ بينَ المُسلِمينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (١).
والصُّلحُ الذي يُحِلُّ الحَرامَ أنْ يُصالِحَ على خَمرٍ ونَحوِها، أو مِنْ دَراهِمَ على أكثَرَ منها، والذي يُحرِّمُ الحَلالَ: أنْ يُصالِحَ إحدى المَرأتَيْنِ على ألَّا يَطَأَ الأُخرى، أو صالَحَ زَوجَتَه على أنْ يُحرِّمَ أَمَتَه على نَفْسِه، فهذا هو الصُّلحُ الذي حَرَّمَ حَلالًا أو أحَلَّ حَرامًا، وهذا باطِلٌ (٢).
ولِحديثِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ أنَّه تَقَاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْنًا كان له عليه في عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ في الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حتى سَمِعَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ وهو في بَيْتٍ، فَخرَج رَسولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمَا حتى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى كَعْبَ بنَ مَالِكٍ، فقال: «يا كَعْبُ»، فقال: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَأَشَارَ بيَدِه أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ، فقال كَعْبٌ: قد فَعَلْتُ يا رَسُولَ اللهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «قُمْ فَاقْضِهِ» (٣).
فقد تَضمَّنتْ هذه الآياتُ والحَديثانِ الإصلاحَ بينَ الناسِ في الأموالِ.
وأمَّا الإجماعُ: فقد أجمَعَ العُلماءُ على جَوازِ الصُّلحِ في الجُملةِ، نَقَلَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ العُلماءِ الإجماعَ على ذلك.
стр. 4471
قال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وأمَّا الاتِّفاقُ فهو إجماعُ المُسلِمينَ على جَوازِ الصُّلحِ وإباحَتِه بالشَّرعِ (١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَتِ الأئِمَّةُ على جَوازِ الصُّلحِ (٢).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقَ المُسلِمونَ على جَوازِه على الإقرارِ (٣).
وقال ابنُ بَزيزةَ ﵀: فالصُّلحُ على الإقرارِ جائِزٌ بإجماعِ المُسلِمينَ (٤).
وقال العِمرانيُّ ﵀: أجمَعَتِ الأُمَّةُ على جَوازِه (٥).
وهو مِنَ الأُمورِ المَندوبِ إليها، مِنْ حَيثُ ذاتُه مَندوبٌ، وقد يَعرِضُ وُجوبُه عندَ تَعيينِ مَصلَحَتِه، وحُرمَتُه وكَراهَتُه لِاستِلزامِه مَفسَدةً واجِبةَ الدَّرءِ أو راجِحَتَه.
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: ولا بَأْسَ بنَدبِ القاضي الخَصمَيْنِ إليه ما لَم يَتبيَّنْ له الحَقُّ لِأحَدِهما؛ لقَولِ عُمرَ لِأبي مُوسى ﵄: «واحرِصْ على الصُّلحِ ما لَم يَتبيَّنْ لكَ فَصلُ القَضاءِ»، فإنْ رَفَضَه أحَدُهما لا يُلِحُّ عليه إلحاحًا يُوهِمُ الإلزامَ، وإنَّما يَندُبُهم إلى الصُّلحِ ما لَم يَتبيَّنْ له أنَّ الحَقَّ لِأحَدِهما، فإنْ تَبيَّنَ له أنفَذَ الحُكمَ لِصاحِبِ الحَقِّ (٦).
стр. 4472
أنواعُ الصُّلحِ:
الصُّلحُ في الأصلِ ثَلاثةُ أنواعٍ:
الأوَّلُ: صُلحٌ مع الإقرارِ، أي: إقرارِ المُدعَّى عليه: ومَعناه أنَّ المُدَّعَى عليه يُقِرُّ بالحَقِّ على نَفْسِه ويُصالِحُ خَصيمَه على شَيءٍ.
والثاني: صُلحٌ مع الإنكارِ، أي: مع إنكارِه: وصُورَتُه: أنْ يُنكِرَ أنْ يَكونَ عليه حَقٌّ لِلمُدَّعِي، ومع ذلك يُصالِحُ؛ رَفعًا لِلنِّزاعِ.
والثالِثُ: صُلحٌ مع سُكوتِه: وهو أنَّ المُدَّعَى عليه لَم يُقِرَّ بالحَقِّ ولَم يُنكِرْه ورَضي بالصُّلحِ لِيُخلِّصَ نَفْسَه مِنَ الخِصامِ.
وبَعضُ هذه الأنواعِ مُتَّفَقٌ على جَوازِها، وبَعضُها مُختَلَفٌ فيها.
النَّوعُ الأوَّلُ: صُلحٌ مع الإقرارِ، أي: إقرارِ المُدَّعَى عليه: وهو أنْ يَدَّعيَ إنسانٌ حَقًّا على آخَرَ مِنْ دَينٍ أو عَينٍ، فيَعتَرِفَ المُدَّعَى عليه ويُقِرَّ بهذا الحَقِّ، ثم يَطلُبَ المُصالَحةَ عن ذلك، فإذا حَصَلَ الصُّلحُ كان جائِزًا باتِّفاقِ العُلَماءِ، ووَقَعَ صَحيحًا، وتَرتَّبتْ عليه آثارُ الصُّلحِ وأحكامُه؛ لأنَّه ممَّا يَدخُلُ في أدِلَّةِ مَشروعيَّتِه الصُّلحُ دُخولًا أوَّليًّا.
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقَ المُسلِمونَ على جَوازِه على الإقرارِ (١).
وقال ابنُ بَزيزةَ ﵀: فالصُّلحُ على الإقرارِ جائِزٌ بإجماعِ المُسلِمينَ (٢).
وهذا الصُّلحُ نَوعانِ: صُلحُ إبراءٍ وصُلحُ مُعاوَضةٍ.
стр. 4473
فهو إمَّا أنْ يَقَعَ عن بَعضِ العَينِ المُدَّعاةِ فيَكونَ إبراءً لِبَعضِه، كما لو أقَرَّ له بدارٍ فصالَحَه على نِصفِها مَثَلًا فهذا هِبةٌ.
وإمَّا أنْ يَقَعَ على عَينٍ غيرِ المُدَّعاةِ، كما إذا ادَّعى عليه دارًا فأقَرَّ له بها وصالَحَه عنها بمُعيَّنٍ -كثَوبٍ-، فهذا بَيعٌ يَجري فيه أحكامُ البَيعِ.
وإمَّا أنْ يُصالِحَه على مَنفَعةٍ، كما إذا صالَحَه على سُكنى دارٍ أو على خِدمةِ عَبدٍ مُدَّةً مَعلومةً، فتَكونَ إجارةً يَجري فيها أحكامُها.
وقد اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ هذَيْنِ النَّوعَيْنِ: الإبراءِ والمُعاوَضةِ، وإنْ وُجِدَ خِلافٌ في بَعضِ التَّفاصيلِ مِنْ مَذهبٍ لِآخَرَ، وهي على التَّفصيلِ التالي:
قال الحَنفيَّةُ: إنْ وَقَعَ الصُّلحُ عن إقرارٍ اعتُبِرَ فيه ما يُعتَبَرُ في البِياعاتِ إنْ وَقَعَ عن مالٍ بمالٍ لِوُجودِ مَعنى البَيعِ، وهو مُبادَلةُ المالِ بالمالِ في حَقِّ المُتعاقِدَيْنِ بتَراضيهما، فتَجري فيه الشُّفعةُ إذا كان عَقارًا، ويُرَدُّ بالعَيبِ ويَثبُتُ فيه خيارُ الرُّؤيةِ وخيارُ الشَّرطِ، ويُشترَطُ القُدرةُ على تَسليمِ البَدَلِ، ويُفسِدُه جَهالةُ البَدَلِ، وهو ما وَقَعَ عليه الصُّلحُ؛ لأنَّ البَيعَ يَفسُدُ بالجَهالةِ المُفضيةِ إلى المُنازَعةِ.
وقُيِّدَ بالبَدَلِ لأنَّ جَهالَتَه هي المُفضيةُ إلى المُنازَعةِ في الصُّلحِ؛ لأنَّ المُصالَحَ عنه لا يَحتاجُ في الصُّلحِ إلى تَسليمِه، فلا تَضرُّه الجَهالةُ، بخِلافِ المُصالَحِ عليه، ولِهذا لو كان البَدَلُ غيرَ مَقدورِ التَّسليمِ يَفسُدُ الصُّلحُ، ولو كان المُصَالَحُ عنه كذلك لَم يَفسُدْ؛ لأنَّه لا يَحتاجُ إلى تَسليمِه، وكذلك يَفسُدُ البَدَلُ بجَهالةِ الأجَلِ إذا جُعِلَ مُؤجَّلًا.
стр. 4474
فإذا كان المُصالَحُ عنه والمُصالَحُ عليه عَينًا، وكان كِلاهُما قِيَميًّا، أو كان أحَدُهما قِيَميًّا والآخَرُ مِثليًّا ووَقَعَ الصُّلحُ عن إقرارٍ كان الصُّلحُ صَحيحًا، وفي حُكمِ البَيعِ.
وإذا كان كِلا المُصالَحِ عنه والمُصالَحِ عليه مِثليًّا مُختلِف الجِنسِ، وقُبِضَ بَدَلُ الصُّلحِ في مَجلِسِ الصُّلحِ كان الصُّلحُ صَحيحًا، وفي حُكمِ البَيعِ، أمَّا إذا وَقَعَ الصُّلحُ عن إقرارٍ على جِنسِ المُدَّعَى به ففي ذلك ثَلاثُ صُورٍ:
الصُورةُ الأُولى: إذا كان الصُّلحُ على أقَلَّ، كان خَطَأً وإبراءً.
الصُّورةُ الثانيةُ: إذا وَقَعَ الصُّلحُ على عَينِ المِقدارِ كان قَبضًا واستِيفاءً، كأنْ يُصالِحَ أحَدٌ آخَرَ له في ذِمَّتِه عَشَرةُ دَنانيرَ على عَشَرةِ دَنانيرَ.
الصُّورةُ الثالِثةُ: الصُّلحُ بأكثَرَ، كأنْ يَحصُلَ الصُّلحُ على دَينٍ بعَشَرةِ دَنانيرَ باثنَيْ عَشَر دينارًا فهذا الصُّلحُ رِبًا، وغَيرُ جائِزٍ.
وإنْ وَقَعَ الصُّلحُ عن مالٍ بمَنافِعَ اعتُبِرَ بالإجاراتِ؛ لِوُجودِ مَعنى الإجارةِ، وهي تَمليكُ المَنافِعِ بمالٍ، والاعتِبارُ في العُقودِ بمَعانيها، فيُشترَطُ التَّوقيتُ فيها ويَبطُلُ الصُّلحُ بمَوتِ أحَدِهما في المُدَّةِ؛ لأنَّه إجارةٌ، فإذا كان مَوتُه قبلَ الانتِفاعِ بما وَقَع عليه الصُّلحُ رَجَع المُدَّعِي على دَعواه، وإنْ كان قد انتَفَعَ بنِصفِ المُدَّةِ أو ثُلُثِها بطَل مِنْ دَعواه بقَدْرِ ذلك، ورَجَع على دَعواه فيما بَقيَ، وهذا قَولُ مُحمدٍ، جعَله كالإجارةِ.
وقال أبو يُوسُفَ: الصُّلحُ مُخالِفٌ لِلإجارةِ، فإذا ماتَ المُدَّعَى عليه لا
стр. 4475
يَبطُلُ الصُّلحُ، ولِلمُدَّعِي أنْ يَستوفيَ الذِّمَّةَ بعدَ مَوتِه، وكذا إذا ماتَ المُدَّعِي لا يَبطُلُ الصُّلحُ أيضًا في خِدمةِ العَبدِ وسُكْنى الدارِ وزِراعةِ الأرضِ، ويَقومُ وَرَثَتُه مَقامَه في الاستِيفاءِ، ويَبطُلُ في رُكوبِ الدَّابَّةِ ولُبسِ الثَّوبِ، ولا يَقومُ وَرَثتُه مَقامَه في الاستِيفاءِ؛ لأنَّ الناسَ يَتفاوَتونَ فيه.
وإنْ هَلَكَ الشَّيءُ الذي وَقَعَ الصُّلحُ على مَنفَعتِه أو استُحِقَّ بَطَل الصُّلحُ بالإجماعِ.
وصُورَتُه: ادَّعى على رَجُلٍ شَيئًا فاعتَرَف به، ثم صالَحَه على سُكنى دارٍ سَنةً، أو رُكوبِ دابَّةٍ مَعلومةٍ أو على لُبسِ ثَوبِه أو زِراعةِ أرضِه مُدَّةً مَعلومةً، فهذا الصُّلحُ جائِزٌ، فيَكونُ في مَعنى الإجارةِ، فيَجري فيه أحكامُ الإجارةِ، وهو تَمليكُ المَنافِعِ بمالٍ، فكُلُّ مَنفَعةٍ يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الإجارةِ يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الصُّلحِ (١).
وقال المالِكيَّةُ: الصُّلحُ على ثَلاثةِ أقسامٍ: وهو إمَّا بَيعٌ وإمَّا إجارةٌ وإمَّا هِبةٌ؛ لأنَّ المُصالَحَ به إنْ كان ذاتًا فبَيعٌ، وإنْ كان مَنفَعةً فإجارةٌ، وإنْ كان ببَعضِ المُدَّعَى به فهِبةٌ.
وهذه الأقسامُ الثَّلاثةُ تَجري في الصُّلحِ على الإقرارِ، وعلى الإنكارِ، وعلى السُّكوتِ، فهذه الثَّلاثةُ الصُّلحُ جائِزٌ فيها إنْ لَم يُؤَدِّ إلى حَرامٍ،
стр. 4476
فإنْ أدَّى إليه حَرُمَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الصُّلحُ جَائِزٌ بينَ المُسلِمينَ إِلَّا صُلحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (١).
والصُّلحُ على ضَربَيْنِ: تارةً يَكونُ على غيرِ المُدَّعَى فيه، وتارةً يَكونُ على بَعضِه.
فإنْ كان على غيرِ المُدَّعَى فيه -مِثلَ أنْ يَدَّعيَ عَرضًا أو طَعامًا- فيُصالِحُه على نَقدٍ يَدفَعُه له مِنَ الدَّنانيرِ أو الدَّراهِمِ، أو على عَرضٍ أو طَعامٍ مُخالِفٍ لِما ادَّعى، ولا خِلافَ في كَونِ هذا بَيعَ مُعاوَضةٍ؛ لأنَّه صارَ بمَنزِلةِ مَنْ باعَ عَرضًا بنَقدٍ، أو بعَرضٍ يُخالِفُه، وكذلك في الطَّعامِ.
فيُشترَطُ فيه شُروطُ البَيعِ وانتِفاءُ مَوانِعِه؛ مِنْ كَونِه طاهِرًا مَعلومًا مُنتَفَعًا به مَقدورًا على تَسليمِه، ليس طَعامَ مُعاوَضةٍ، إلى غيرِ ذلك ممَّا تَقدَّم، كما لو ادَّعى عليه بعَرضٍ أو حَيَوانٍ أو بدَنانيرَ أو دَراهِمَ، فأقَرَّ المُدَّعَى عليه أو أنكَرَ أو سَكَتَ ثم صالَحَ بشَيءٍ مُخالِفٍ لِلمُدَّعَى به نَقدًا، فيُشترَطُ في المأخوذِ ما تَقدَّم مِنْ شُروطِ البَيعِ.
وإنْ كانَ الصُّلحُ على بَعضِ المُدَّعى به -مِثلَ أنْ يَدَّعيَ عليه شَيئًا فيُصالِحَه على بَعضِه ويُسقِطَ عنه بَعضَه، فهذا هِبةٌ لِلبَعضِ المَتروكِ، وإبراءٌ مِنَ المُدَّعِي مِنْ ذلك البَعضِ؛ وذلك لَازِمٌ لِلواهِبِ؛ إذْ هي مَقبوضةٌ، فيُشترَطُ فيها قَبولُ المَوهوبِ له في حياةِ الواهِبِ.
стр. 4477
وإنْ كان المُصالَحُ به مَنفَعةً فإجارةٌ لِلمُصالَحِ به، وهو القِسمُ الثاني فيُشترَطُ فيها شُروطُها (١).
وقال الشافِعيَّةُ: الصُّلحُ مع الإقرارِ نَوعانِ: مُعاوَضةٌ وإبراءٌ:
النَّوعُ الأوَّلُ: صُلحُ المُعاوَضةِ -ويُسمَّى مُعاوَضةً؛ لأنَّ صاحِبَ الحَقِّ قد استَعاضَ عن حَقِّه بشَيءٍ آخَرَ رَضيَ به، عَينًا كان أو مَنفَعةً-: وهو الذي يَجري على غيرِ العَينِ المُدَّعاةِ بأنِ ادَّعى عليه دارًا مَثَلًا، فأقَرَّ بها وصالَحَه منها على عَبدٍ، أو على دابَّةٍ أو ثَوبٍ، فهذا حُكمُه حُكمُ المَبيعِ، وإنْ عُقِدَ بلَفظِ الصُّلحِ نُظِرَ إلى المَعنى، ويَتعلَّقُ به جَميعُ أحكامِ البَيعِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ والأخذِ بالشُّفعةِ والمَنعِ مِنَ التَّصرُّفِ قبلَ القَبضِ، والقَبضُ في المَجلِسِ إنْ كان المُصالَحُ عليه والمُصالَحُ عنه رِبَويًّا مُتَّفِقَيْنِ في عِلَّةِ الرِّبا -كالصُّلحِ عن فِضَّةٍ بذهَب-، واشتِراطُ التَّساوي في مِعيارِ الشَّرعِ إنْ كانا جِنسًا واحِدًا -كذهَب بذهَب أو قَمحٍ بقَمحٍ- ويَفسُدُ بالغَرَرِ والجَهلِ، وبالشُّروطِ الفاسِدةِ، كفَسادِ البَيعِ.
وإنْ جَرَى الصُّلحُ مِنَ العَينِ المُدَّعاةِ على مَنفَعةٍ لِغَيرِ العَينِ المُدَّعاةِ، كأنْ صالَحَه عن الدارِ على استِعمالِ سَيَّارَتِه سَنةً مَثَلًا، كان ذلك الصُّلحُ عَقدَ إجارةٍ، ويَثبُتُ فيه أحكامُ الإجارةِ؛ لأنَّه في مَعناها.
وإنْ جَرى الصُّلحُ على مَنفَعةِ العَينِ المُدَّعاةِ نَفْسِها، كأنْ صالَحَه على أنْ يَسكُنَ المُدَّعِي الدارَ المُدَّعاةَ مَثَلًا عَشرَ سَنَواتٍ، ثم يَرُدَّها إليه، فهو إعارةٌ تَثبُتُ فيه أحكامُها؛ لأنَّه في مَعناها.
стр. 4478
ولو صالَحَه على بَعضِ العَينِ المُدَّعاةِ، كمَن صالَحَ مِنَ الدارِ المُدَّعاةِ على نِصفِها أو ثُلُثِها، أو مِنَ الغَنيمَتَيْنِ كذلك، فهذا هِبةُ بَعضِ المُدَّعِي لِمَنْ هو في يَدِه، فيُشترَطُ لِصِحَّةِ الهِبةِ القَبولُ، ومُضيُّ زَمانٍ يُمكِنُ فيه القَبضُ، ويَصحُّ هذا بلَفظِ الهِبةِ، وما هو في مَعناها، وبلَفظِ الصُّلحِ، ولا يَصحُّ هذا الصُّلحُ بلَفظِ البَيعِ؛ لأنَّ العَينَ كلَّها مِلكُ المُقَرِّ له، فإذا باعَها ببَعضِها فقد باعَ الشَّيءَ ببَعضِه، وهو باطِلٌ.
وإنْ صالَحَه عن الدارِ المُدَّعاةِ على أنْ يَسكُنَها سَنةً فهو إعارةٌ لِلدارِ يَرجِعُ فيها مَتى شاءَ، وإذا رجَع لَم يَستحِقَّ أُجرةً لِلمُدَّةِ الماضيةِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّها عاريةٌ.
وفي وَجهٍ يَستحِقُّ؛ لأنَّه قابَلَ به رَفعَ اليَدِ عنها، وهو عِوَضٌ فاسِدٌ، فيَرجِعُ بأُجرةِ المِثلِ.
ولو صالَحَه عنها على أنْ يَسكُنَها بمَنفَعةِ عَبدِه سَنةً فهو كما لو أجَّرَ دارًا بمَنفَعةِ عَبدٍ سَنةً.
النوع الثاني: صُلحُ الإبراءِ: وصُورةُ الإبراءِ بلَفظِ الصُّلحِ -ويُسمَّى: صُلحَ الحَطيطةِ، وسُمَّيَ بذلك لأنَّ صاحِبَ الحَقِّ قد حَطَّ جُزءًا عن المُدَّعَى عليه- بأنْ يَقولَ: صالَحتُكَ على الألْفِ الذي لي عَليكَ على خَمسِمِئةٍ، فهو
стр. 4479
إبراءٌ عن بَعضِ الدَّينِ بلَفظِ الصُّلحِ فيَصحُّ؛ لِحَديثِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ أنَّه تَقَاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْنًا كان له عليه في عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ في الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حتى سَمِعَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ وهو في بَيْتٍ، فَخرَج رَسولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمَا حتى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى كَعْبَ بنَ مَالِكٍ فقال: «يا كَعْبُ»، فقال: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَأَشَارَ بيَدِه أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ، فقال كَعْبٌ: قد فَعَلْتُ يا رَسُولَ اللهِ، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «قُمْ فَاقْضِهِ» (١).
ويَصحُّ بلَفظِ الإبراءِ والحَطِّ ونَحوِهما، كالوَضعِ والإسقاطِ، وبلَفظِ الصُّلحِ في الأصَحِّ، كصالَحتُكَ على الألْفِ الذي لي عليكَ على خَمسِمِئةٍ.
ويُشترَطُ القَبولُ؛ لأنَّ اللَّفظَ بوَضعِه يَقتَضيه، ويُشترَطُ قَبضُ الخَمسِمِئةِ في المَجلِسِ، ولا يُشترَطُ تَعيينُها في الصُّلحِ نَفْسِه.
ولو صالَحَ مِنْ دَينٍ حالٍّ على مُؤجَّلٍ مِثلِه جِنسًا وقَدْرًا وصِفَةً، وعَكَسَ -أي: صالَحَ مِنْ مُؤجَّلٍ على حالٍّ مِثلِه كذلك- أُلْغيَ الصُّلحَ، فإنْ عَجَّلَ الدَّينَ المُؤجَّلَ صَحَّ الأداءُ وسَقَطَ الأجَلُ؛ لِصُدورِ الإيفاءِ والاستِيفاءِ مِنْ أهلِهما.
ولو صالَحَ مِنْ عَشَرةٍ حالَّةٍ على خَمسةٍ مُؤجَّلةٍ بَرِئَ مِنْ خَمسةٍ وبَقيَتْ خَمسةٌ حالَّةٌ؛ لأنَّه سامَحَ بحَطِّ بَعضٍ، ووَعَدَ بتأجيلِ البَقيَّةِ، والوَعدُ لا يَلزَمُ، والحَطُّ صَحيحٌ، ولو عَكَسَ بأنْ صالَحَ مِنْ عَشَرةٍ مُؤجَّلةٍ على خَمسةٍ حالَّةٍ
стр. 4480
أُلْغيَ الصُّلحَ؛ لأنَّ صِفةَ الحُلولِ لا يَصحُّ إلحاقُها، والخَمسةُ الأُخرى إنَّما تَرَكَها في مُقابَلةِ ذلك، فإذا لَم يَحصُلِ الحُلولُ لا يَصحُّ التَّركُ والصِّحَّةُ والتَّكسيرُ كالحُلولِ والتَّأجيلِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: إذا أقَرَّ المُدَّعِي بدَينٍ أو عَينٍ ثم صالَحَ على بَعضِ الدَّينِ أو بَعضِ العَينِ المُدَّعاةِ، فهو هِبةٌ يَصحُّ بلَفظِها؛ لأنَّ الإنسانَ لا يُمنَعُ مِنْ إسقاطِ حَقِّه أو بَعضِه. ولو شَفَع فيه شافِعٌ لَم يَأثَمْ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كَلَّمَ غُرَماءَ جابِرٍ فوَضَعوا عنه الشَّطرَ (٢)، وكَلَّمَ كَعبَ بنَ مالِكٍ فوَضَعَ عن غَريمِه الشَّطرَ (٣).
ومَحَلُّ صِحَّةِ ذلك إنْ لَم يَكُنْ بلَفظِ الصُّلحِ، فإنْ وَقَعَ بلَفظِه لَم يَصحَّ؛ لأنَّه صالِحٌ عن بَعضِ مالِه ببَعضٍ، فمَعناه: صالِحْني على المِئةِ بخَمسينَ -أي: بِعْني- وذلك غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه رِبًا وهَضمٌ لِلحَقِّ وأكلُ مالٍ بالباطِلِ، وإنْ منَعه حَقَّه بدونِه لَم يَصحَّ ذلك.
ومَحَلُّه أيضًا إِنْ لَم يَكُنْ شرَطاهُ، بأنْ يَقولَ: أبرأتُكَ أو وَهَبتُكَ بشَرطِ أنْ
стр. 4481
تُعطيَني كذا، أو على أنْ تُعطيَني أو تُعوِّضَني كذا، ويَقبَلَ على ذلك، فهذا لا يَصحُّ؛ لأنَّه يَقتَضي المُعاوَضةَ، فكأنَّه عاوَضَ بَعضَ حَقِّه ببَعضٍ، وما فيه مِنْ تَعليقِ الهِبةِ والإبراءِ بشَرطٍ، وهو لا يَصحُّ.
ومَحَلُّه أيضًا ألَّا يَمنَعَه حَقَّه بدونِه وإلا بطَل؛ لأنَّه أكلٌ لِمالِ الغَيرِ بالباطِلِ.
وإنْ صالَحَه على عَينٍ غيرِ المُدَّعاةِ فهو بَيعٌ يَصحُّ بلَفطِ الصُّلحِ كسائِرِ المُعاوَضاتِ.
وتَثبُتُ فيه أحكامُ البَيعِ على ما سَبَقَ.
فلو صالَحَه عن الدَّينِ بعَينٍ واتَّفَقا في عِلَّةِ الرِّبا اشتَرَطَ قَبضَ العِوَضِ في المَجلِسِ وبشَيءٍ في الذِّمَّةِ يَبطُلُ بالتَّفرُّقِ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّه إذَنْ بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، وقد نُهِيَ عنه.
وذلك ثَلاثةُ أضْرُبٍ:
أحَدُها: أنْ يَعتَرِفَ له بنَقدٍ فيُصالِحَه على نَقدٍ، فهذا صَرفٌ يُعتَبَرُ، له شُروطُه، لأنَّ بَيعَ أحَدِ النَّقدَيْنِ بالآخَرِ يُشترَطُ له القَبضُ في المَجلِسِ.
الثاني: أنْ يَعترِفَ له بنَقدٍ فيُصالِحَه على عَرضٍ، أو بالعَكسِ، فهذا بَيعٌ تَثبُتُ فيه أحكامُه كُلُّها.
الثالِثُ: أنْ يَعترِفَ له بنَقدٍ أو عَرضٍ، فيُصالِحَه على مَنفَعةٍ، كسُكنى دارٍ وخِدمةٍ، فهذه إجارةٌ تَثبُتُ فيها أحكامُها، تَبطُلُ بتَلَفِ الدارِ، كسائِرِ الإجاراتِ، فإنْ كان التَّلَفُ قبلَ استِيفاءِ شَيءٍ مِنَ المَنفَعةِ انفَسَختْ ورجَع
стр. 4482
بما صالَحَ عنه مِنْ دَينٍ أو عَينٍ، وإنْ كان التَّلَفُ بعدَ استِيفاءِ بَعضِ المَنفَعةِ انفَسَختْ فيما بَقيَ ورجَع بقِسطِ ما بَقيَ مِنَ المُدَّةِ.
وإنْ صالَحَ البائِعُ عن عَيبِ مَبيعٍ بشَيءٍ، أي: عَينٍ، كدَينٍ، أو مَنفَعةٍ، كسُكنى دارٍ مُعيَّنةٍ صَحَّ الصُّلحُ؛ لأنَّه يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عن عَيبِ المَبيعِ.
فإنْ بانَ المُصالَحُ عنه ليس بعَيبٍ، كانتِفاخِ بَطنِ أُمِّة ظُنَّ أنَّه حَملٌ، فتَبيَّنَ عَدَمُه أو زالَ العَيبُ سَريعًا، بلا كُلفةٍ ولا تَعطيلِ نَفْعٍ على مُشتَرٍ، كزَوجةٍ بانَتْ، ومَريضٍ عُوفيَ رَجَع بما دَفَعَه؛ لِحُصولِ الجُزءِ الفائِتِ مِنَ المَبيعِ بلا ضَرَرٍ، فكأنَّه لَم يَكُنْ، ورَجَع البائِعُ على المُشتَري بما صالَحَ به؛ لِظُهورِ عَدَمِ استِحقاقِ المُشتَري له؛ لِعَدَمِ العَيبِ في الأُولى، وزَوالِه في الثانيةِ بلا ضَرَرٍ يَلحَقُه.
ويَصحُّ الصُّلحُ عما تَعذَّرَ عِلمُه مِنْ دَينٍ أو عَينٍ، كرَجُلَيْنِ بَينَهما مُعامَلةٌ وحِسابٌ مَضى عليه زَمَنٌ ولا عِلمَ لِواحِدٍ منهما بما عليه لِصاحِبِه؛ لِما رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لِرَجُلَيْنِ اختَصَما في مَواريثَ دَرَستْ بَينَهما: «أَمَا إِذْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ تَحَالَّا» (١).
ولأنَّه إسقاطُ حَقٍّ فصَحَّ في المَجهولِ لِلحاجةِ، ولِئلَّا يُفضيَ إلى ضياعِ المالِ أو بَقاءِ شَغلِ الذِّمَّةِ؛ إذْ لا طَريقَ إلى التَّخلُّصِ إلا به.
فأمَّا ما تُمكِنُ مَعرِفتُه فلا يَجوزُ.
стр. 4483
وإنْ قال: «أقِرَّ لي بدَيْني وأُعطيكَ منه كذا»، فأقَرَّ لَزِمَه الدَّينُ؛ لأنَّه لا عُذرَ لِمَنْ أقَرَّ؛ ولأنَّه أقَرَّ بحَقٍّ يَحرُمُ عليه إنكارُه.
ولَم يَلزَمْه أنْ يُعطيَه؛ لِوُجوبِ الإقرارِ عليه بلا عِوَضٍ (١).
الصُّلحُ على إسقاطِ بَعضِ الدَّينِ المُؤجَّلِ (ضَعْ وتَعَجَّلْ):
اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ كان له دَينٌ على آخَرَ مُؤجَّلًا، فقال له: «صالِحْني على بَعضِه حالًّا»، أي: «ادفَعْ لي بَعضَه حالًّا وأُسقِطُ عنكَ البَقيَّةَ».
مِثالُ ذلك: رَجُلٌ له على آخَرَ عِشرونَ دِينارًا إلى سَنةٍ مِنْ بَيعٍ أو سَلَفٍ، فلَمَّا مَرَّ نِصفُ السَّنةِ احتاجَ رَبُّ الدَّينِ فسألَ غَريمَه أنْ يَقضيَه فأبى إلا إلى حُلولِ الأجَلِ، فقال له رَبُّ الدَّينِ: «أعطِني الآنَ عَشَرةً وأحُطُّ عنكَ العَشَرةَ المُتبَقِّيةَ».
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إنْ صالَحَ على المُؤجَّلِ ببَعضِه حالًّا لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَبذُلُ القَدْرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعجيلِ ما في ذِمَّتِه، وبَيعُ الحُلولِ والتأجيلِ لا يَجوزُ؛ ولأنَّه شَبيهٌ بالزِّيادةِ مع النَّظرةِ المُجمَعِ على تَحريمِها، ووَجهُ شَبَهِه بها أنَّه جعَل لِلزَّمانِ مِقدارًا مِنَ الثَّمَنِ بَدَلًا منه في المَوضِعَيْنِ جَميعًا، وذلك
стр. 4484
أنَّه هنالك لمَّا زادَ له في الزَّمانِ زادَ له عِوَضُه ثَمَنًا، وهنا لمَّا حَطَّ عنه الزَّمانَ حَطَّ عنه في مُقابَلَتِه ثَمَنًا.
فإنَّه إذا تَعَجَّلَ بَعضًا وأسقَطَ البَقيَّةَ فقد باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي أسقَطَه، وذلك عَينُ الرِّبا، كما لو باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي يَزيدُه إذا حَلَّ عليه الدَّينُ، فقال: «زِدْني في الدَّينِ وأزيدُكَ في المُدَّةِ»، فأيُّ فَرقٍ بينَ أنْ تَقولَ: «حُطَّ مِنَ الأجَلِ وأحُطُّ مِنَ الدَّينِ»، أو تَقولَ: «زِدْ في الأجَلِ وأزيدُ في الدَّينِ».
واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ قَالَ: أَسْلَفْتُ رَجُلًا مِئَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ خرَج سَهْمِى في بَعْثٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لهُ: عَجِّلْ لى تِسْعِينَ دِينَارًا وَأَحُطُّ عَشَرةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَكَلْتَ رِبًا يَا مِقْدَادُ وَأَطْعَمْتَهُ» (١).
وبما رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ في بابِ ما جاءَ في الرِّبا في الدَّينِ: حَدَّثَني يَحيى عن مالِكٍ عن أبي الزِّنادِ عن بُسرِ بنِ سَعِيدٍ عن عُبَيدٍ أبي صالِحٍ مَولَى السَّفَّاحِ أنَّه قال: بِعتُ بَزًّا لي مِنْ أَهلِ دارِ نَخلَةَ إلى أجَلٍ، ثمَّ أَرَدتُ الخُرُوجَ إلى الكُوفَةِ، فعَرَضُوا علَيَّ أنْ أضَعَ عَنهُمْ بَعضَ الثَّمَنِ وَيَنقُدُونِي، فَسَأَلتُ عن ذلك زَيدَ بنَ ثابِتٍ فقال: «لا آمُرُكَ أنْ تَأكُلَ هَذا ولا تُوكِلَهُ».
وحَدَّثَني عن مالِكٍ عن عُثمَانَ بنِ حَفصِ بنِ خَلدَةَ عنِ ابنِ شِهابٍ عن سالِمِ بنِ عَبدِ اللهِ عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنَّه سُئِلَ عنِ الرَّجُلِ يَكُونُ له الدَّينُ
стр. 4485
على الرَّجُلِ إلى أجَلٍ، فيَضَعُ عنه صاحِبُ الحَقِّ ويُعَجِّلُهُ الآخَرُ، فكرِه ذلك عَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵁ ونَهَى عنه.
وحَدَّثَني مالِكٌ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ أنَّه قال: كان الرِّبا في الجَاهِلِيَّةِ أنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الحَقُّ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ قال: أَتَقضِي أمْ تُرْبي؟ فإِنْ قَضَى أخَذَ، وإِلَّا زادَهُ في حَقِّهِ وأَخَّرَ عنه في الأجَلِ.
قال الإمامُ مالِكٌ ﵀: والأمْرُ المَكروهُ الذي لا اختِلافَ فيه عِندَنا أنْ يَكونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الدَّينُ إلى أجَلٍ، فيَضَعَ عنه الطالِبُ ويُعجِّلَه المَطلوبَ.
قال مالِكٌ ﵀: وذلك عِندَنا بمَنزِلةِ الذي يُؤخِّرُ دَينَه بعدَ مَحِلِّه عن غَريمِه، ويَزيدُه الغَريمُ في حَقِّه، قال: فهذا الرِّبا بعَينِه، لا شَكَّ فيه (١).
قال أبو عُمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: قد بينَ مالِكٌ ﵀ أنَّ مَنْ وَضَعَ مِنْ حَقٍّ له لَم يَحِلَّ أجَلُه يَستَعجِلُه فهو بمَنزِلةِ مَنْ أخَذَ حَقَّه بعدَ حُلولِ أجَلِه؛ لِزيادةٍ يَزدادُها مِنْ غَريمِه؛ لِتأخيرِه ذلك؛ لأنَّ المَعنى الجامِعَ لهما هو أنْ يَكونَ بإزاءِ الأمَدِ الساقِطِ والزائِدِ بَدَلًا وعِوَضًا يَزدادُه الذي يَزيدُ في الأجَلِ ويَسقُطُ عن الذي يُعجِّلُ الدَّينَ قبلَ مَحِلِّه، فهذانِ -وإنْ كان أحَدُهما عَكسَ الآخَرِ- هما مُجتَمِعانِ في المَعنى الذي وَصَفْنا (٢).
قال مُحمدُ بنُ الحَسنِ في «المُوطَّأِ» بعدَ ذِكرِ أثَرِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ: مَنْ وَجَب