تُعطيَني كذا، أو على أنْ تُعطيَني أو تُعوِّضَني كذا، ويَقبَلَ على ذلك، فهذا لا يَصحُّ؛ لأنَّه يَقتَضي المُعاوَضةَ، فكأنَّه عاوَضَ بَعضَ حَقِّه ببَعضٍ، وما فيه مِنْ تَعليقِ الهِبةِ والإبراءِ بشَرطٍ، وهو لا يَصحُّ.
ومَحَلُّه أيضًا ألَّا يَمنَعَه حَقَّه بدونِه وإلا بطَل؛ لأنَّه أكلٌ لِمالِ الغَيرِ بالباطِلِ.
وإنْ صالَحَه على عَينٍ غيرِ المُدَّعاةِ فهو بَيعٌ يَصحُّ بلَفطِ الصُّلحِ كسائِرِ المُعاوَضاتِ.
وتَثبُتُ فيه أحكامُ البَيعِ على ما سَبَقَ.
فلو صالَحَه عن الدَّينِ بعَينٍ واتَّفَقا في عِلَّةِ الرِّبا اشتَرَطَ قَبضَ العِوَضِ في المَجلِسِ وبشَيءٍ في الذِّمَّةِ يَبطُلُ بالتَّفرُّقِ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّه إذَنْ بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، وقد نُهِيَ عنه.
وذلك ثَلاثةُ أضْرُبٍ:
أحَدُها: أنْ يَعتَرِفَ له بنَقدٍ فيُصالِحَه على نَقدٍ، فهذا صَرفٌ يُعتَبَرُ، له شُروطُه، لأنَّ بَيعَ أحَدِ النَّقدَيْنِ بالآخَرِ يُشترَطُ له القَبضُ في المَجلِسِ.
الثاني: أنْ يَعترِفَ له بنَقدٍ فيُصالِحَه على عَرضٍ، أو بالعَكسِ، فهذا بَيعٌ تَثبُتُ فيه أحكامُه كُلُّها.
الثالِثُ: أنْ يَعترِفَ له بنَقدٍ أو عَرضٍ، فيُصالِحَه على مَنفَعةٍ، كسُكنى دارٍ وخِدمةٍ، فهذه إجارةٌ تَثبُتُ فيها أحكامُها، تَبطُلُ بتَلَفِ الدارِ، كسائِرِ الإجاراتِ، فإنْ كان التَّلَفُ قبلَ استِيفاءِ شَيءٍ مِنَ المَنفَعةِ انفَسَختْ ورجَع
стр. 4482
بما صالَحَ عنه مِنْ دَينٍ أو عَينٍ، وإنْ كان التَّلَفُ بعدَ استِيفاءِ بَعضِ المَنفَعةِ انفَسَختْ فيما بَقيَ ورجَع بقِسطِ ما بَقيَ مِنَ المُدَّةِ.
وإنْ صالَحَ البائِعُ عن عَيبِ مَبيعٍ بشَيءٍ، أي: عَينٍ، كدَينٍ، أو مَنفَعةٍ، كسُكنى دارٍ مُعيَّنةٍ صَحَّ الصُّلحُ؛ لأنَّه يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عن عَيبِ المَبيعِ.
فإنْ بانَ المُصالَحُ عنه ليس بعَيبٍ، كانتِفاخِ بَطنِ أُمِّة ظُنَّ أنَّه حَملٌ، فتَبيَّنَ عَدَمُه أو زالَ العَيبُ سَريعًا، بلا كُلفةٍ ولا تَعطيلِ نَفْعٍ على مُشتَرٍ، كزَوجةٍ بانَتْ، ومَريضٍ عُوفيَ رَجَع بما دَفَعَه؛ لِحُصولِ الجُزءِ الفائِتِ مِنَ المَبيعِ بلا ضَرَرٍ، فكأنَّه لَم يَكُنْ، ورَجَع البائِعُ على المُشتَري بما صالَحَ به؛ لِظُهورِ عَدَمِ استِحقاقِ المُشتَري له؛ لِعَدَمِ العَيبِ في الأُولى، وزَوالِه في الثانيةِ بلا ضَرَرٍ يَلحَقُه.
ويَصحُّ الصُّلحُ عما تَعذَّرَ عِلمُه مِنْ دَينٍ أو عَينٍ، كرَجُلَيْنِ بَينَهما مُعامَلةٌ وحِسابٌ مَضى عليه زَمَنٌ ولا عِلمَ لِواحِدٍ منهما بما عليه لِصاحِبِه؛ لِما رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لِرَجُلَيْنِ اختَصَما في مَواريثَ دَرَستْ بَينَهما: «أَمَا إِذْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ تَحَالَّا» (١).
ولأنَّه إسقاطُ حَقٍّ فصَحَّ في المَجهولِ لِلحاجةِ، ولِئلَّا يُفضيَ إلى ضياعِ المالِ أو بَقاءِ شَغلِ الذِّمَّةِ؛ إذْ لا طَريقَ إلى التَّخلُّصِ إلا به.
فأمَّا ما تُمكِنُ مَعرِفتُه فلا يَجوزُ.
стр. 4483
وإنْ قال: «أقِرَّ لي بدَيْني وأُعطيكَ منه كذا»، فأقَرَّ لَزِمَه الدَّينُ؛ لأنَّه لا عُذرَ لِمَنْ أقَرَّ؛ ولأنَّه أقَرَّ بحَقٍّ يَحرُمُ عليه إنكارُه.
ولَم يَلزَمْه أنْ يُعطيَه؛ لِوُجوبِ الإقرارِ عليه بلا عِوَضٍ (١).
الصُّلحُ على إسقاطِ بَعضِ الدَّينِ المُؤجَّلِ (ضَعْ وتَعَجَّلْ):
اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ كان له دَينٌ على آخَرَ مُؤجَّلًا، فقال له: «صالِحْني على بَعضِه حالًّا»، أي: «ادفَعْ لي بَعضَه حالًّا وأُسقِطُ عنكَ البَقيَّةَ».
مِثالُ ذلك: رَجُلٌ له على آخَرَ عِشرونَ دِينارًا إلى سَنةٍ مِنْ بَيعٍ أو سَلَفٍ، فلَمَّا مَرَّ نِصفُ السَّنةِ احتاجَ رَبُّ الدَّينِ فسألَ غَريمَه أنْ يَقضيَه فأبى إلا إلى حُلولِ الأجَلِ، فقال له رَبُّ الدَّينِ: «أعطِني الآنَ عَشَرةً وأحُطُّ عنكَ العَشَرةَ المُتبَقِّيةَ».
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إنْ صالَحَ على المُؤجَّلِ ببَعضِه حالًّا لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَبذُلُ القَدْرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعجيلِ ما في ذِمَّتِه، وبَيعُ الحُلولِ والتأجيلِ لا يَجوزُ؛ ولأنَّه شَبيهٌ بالزِّيادةِ مع النَّظرةِ المُجمَعِ على تَحريمِها، ووَجهُ شَبَهِه بها أنَّه جعَل لِلزَّمانِ مِقدارًا مِنَ الثَّمَنِ بَدَلًا منه في المَوضِعَيْنِ جَميعًا، وذلك
стр. 4484
أنَّه هنالك لمَّا زادَ له في الزَّمانِ زادَ له عِوَضُه ثَمَنًا، وهنا لمَّا حَطَّ عنه الزَّمانَ حَطَّ عنه في مُقابَلَتِه ثَمَنًا.
فإنَّه إذا تَعَجَّلَ بَعضًا وأسقَطَ البَقيَّةَ فقد باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي أسقَطَه، وذلك عَينُ الرِّبا، كما لو باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي يَزيدُه إذا حَلَّ عليه الدَّينُ، فقال: «زِدْني في الدَّينِ وأزيدُكَ في المُدَّةِ»، فأيُّ فَرقٍ بينَ أنْ تَقولَ: «حُطَّ مِنَ الأجَلِ وأحُطُّ مِنَ الدَّينِ»، أو تَقولَ: «زِدْ في الأجَلِ وأزيدُ في الدَّينِ».
واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ قَالَ: أَسْلَفْتُ رَجُلًا مِئَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ خرَج سَهْمِى في بَعْثٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لهُ: عَجِّلْ لى تِسْعِينَ دِينَارًا وَأَحُطُّ عَشَرةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَكَلْتَ رِبًا يَا مِقْدَادُ وَأَطْعَمْتَهُ» (١).
وبما رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ في بابِ ما جاءَ في الرِّبا في الدَّينِ: حَدَّثَني يَحيى عن مالِكٍ عن أبي الزِّنادِ عن بُسرِ بنِ سَعِيدٍ عن عُبَيدٍ أبي صالِحٍ مَولَى السَّفَّاحِ أنَّه قال: بِعتُ بَزًّا لي مِنْ أَهلِ دارِ نَخلَةَ إلى أجَلٍ، ثمَّ أَرَدتُ الخُرُوجَ إلى الكُوفَةِ، فعَرَضُوا علَيَّ أنْ أضَعَ عَنهُمْ بَعضَ الثَّمَنِ وَيَنقُدُونِي، فَسَأَلتُ عن ذلك زَيدَ بنَ ثابِتٍ فقال: «لا آمُرُكَ أنْ تَأكُلَ هَذا ولا تُوكِلَهُ».
وحَدَّثَني عن مالِكٍ عن عُثمَانَ بنِ حَفصِ بنِ خَلدَةَ عنِ ابنِ شِهابٍ عن سالِمِ بنِ عَبدِ اللهِ عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنَّه سُئِلَ عنِ الرَّجُلِ يَكُونُ له الدَّينُ
стр. 4485
على الرَّجُلِ إلى أجَلٍ، فيَضَعُ عنه صاحِبُ الحَقِّ ويُعَجِّلُهُ الآخَرُ، فكرِه ذلك عَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵁ ونَهَى عنه.
وحَدَّثَني مالِكٌ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ أنَّه قال: كان الرِّبا في الجَاهِلِيَّةِ أنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الحَقُّ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ قال: أَتَقضِي أمْ تُرْبي؟ فإِنْ قَضَى أخَذَ، وإِلَّا زادَهُ في حَقِّهِ وأَخَّرَ عنه في الأجَلِ.
قال الإمامُ مالِكٌ ﵀: والأمْرُ المَكروهُ الذي لا اختِلافَ فيه عِندَنا أنْ يَكونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الدَّينُ إلى أجَلٍ، فيَضَعَ عنه الطالِبُ ويُعجِّلَه المَطلوبَ.
قال مالِكٌ ﵀: وذلك عِندَنا بمَنزِلةِ الذي يُؤخِّرُ دَينَه بعدَ مَحِلِّه عن غَريمِه، ويَزيدُه الغَريمُ في حَقِّه، قال: فهذا الرِّبا بعَينِه، لا شَكَّ فيه (١).
قال أبو عُمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: قد بينَ مالِكٌ ﵀ أنَّ مَنْ وَضَعَ مِنْ حَقٍّ له لَم يَحِلَّ أجَلُه يَستَعجِلُه فهو بمَنزِلةِ مَنْ أخَذَ حَقَّه بعدَ حُلولِ أجَلِه؛ لِزيادةٍ يَزدادُها مِنْ غَريمِه؛ لِتأخيرِه ذلك؛ لأنَّ المَعنى الجامِعَ لهما هو أنْ يَكونَ بإزاءِ الأمَدِ الساقِطِ والزائِدِ بَدَلًا وعِوَضًا يَزدادُه الذي يَزيدُ في الأجَلِ ويَسقُطُ عن الذي يُعجِّلُ الدَّينَ قبلَ مَحِلِّه، فهذانِ -وإنْ كان أحَدُهما عَكسَ الآخَرِ- هما مُجتَمِعانِ في المَعنى الذي وَصَفْنا (٢).
قال مُحمدُ بنُ الحَسنِ في «المُوطَّأِ» بعدَ ذِكرِ أثَرِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ: مَنْ وَجَب
стр. 4486
له دَينٌ على إنسانٍ إلى أجَلٍ فسألَ أنْ يَضَعَ عنه ويُعجِّلَ له ما بَقيَ لَم يَنبَغِ ذلك؛ لأنَّه يُعجِّلُ قَليلًا بكَثيرٍ دَينًا، فكأنَّه يَبيعُ قَليلًا نَقدًا بكَثيرٍ دَينًا.
وهو قَولُ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وعَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ (١).
وقال النَّوَويُّ ﵀: لو صالَحَ مِنْ ألْفٍ مُؤجَّلٍ على خَمسِمِئةٍ حالَّةٍ فباطِلٌ (٢).
وذهَب زُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن الإمامِ الشافِعيِّ نَقَلَه غيرُ واحِدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ عنه (٣) إلى أنَّه إنْ صالَحَ عن المُؤجَّلِ ببَعضِه حالًّا صَحَّ لِبَراءةِ الذِّمَّةِ،
стр. 4487
ولِما رُويَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: لمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ الْمَدِينَةِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ بِإِخْرَاجِهِمْ وَلَهُمْ عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَم تَحِلَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» (١).
وهذا ضِدُّ الرِّبا؛ فإنَّ ذلك يَتضمَّنُ الزِّيادةَ في الأجِل والدَّينِ، وذلك إضرارٌ مَحضٌ بالغَريمِ، ومَسألَتُنا تَتضَمَّنُ بَراءةَ ذِمَّةِ الغَريمِ مِنَ الدَّينِ وانتِفاعَ صاحِبِه بما يَتعجَّلُه، فكِلاهما حَصَل له الانتِفاعُ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ، بخِلافِ الرِّبا المُجمَعِ عليه؛ فإنَّ ضَرَره لَاحِقٌ بالمَدينِ ونَفعَه مُختَصٌّ برَبِّ الدَّينِ، فهذا ضِدُّ الرِّبا صُورةً ومَعنًى.
ولأن مُقابَلةَ الأجَلِ بالزِّيادةِ في الرِّبا ذَريعةٌ إلى أعظَمِ الضَّرَرِ، وهو أنْ يَصيرَ الدِّرهَمُ الواحِدُ أُلوفًا مُؤلَّفةً فتَشتَغِلَ الذِّمَّةُ بغَيرِ فائِدةٍ، وفي الوَضعِ والتَّعجيلِ تَتخَلَّصُ ذِمَّةُ هذا مِنَ الدَّينِ، ويَنتَفِعُ ذاك بالتَّعجيلِ له.
والشارِعُ له تَطلُّعٌ إلى بَراءةِ الذِّمَمِ مِنَ الدُّيونِ، وسُمِّيَ الغَريمُ المَدينُ:
стр. 4488
أسيرًا، ففي بَراءةِ ذِمَّتِه تَخليصٌ له مِنَ الأسْرِ، وهذا ضِدُّ شَغلِها بالزِّيادةِ مع الصَّبرِ.
إلا أنَّني وَجَدتُ الإمامَ تَقيَّ الدِّينِ السُّبكيَّ الشافِعَّي في فَتاويه يُفصِّلُ مَذهبَ الشافِعيِّ ويَقولُ: مَسألةُ «ضَعْ وتَعَجَّلْ» ومَعناها: أنْ يَكونَ لِرَجُلٍ على آخَرَ دَينٌ مُؤجَّلٌ، فيَقولَ المَدينُ لِصاحِبِ الدَّينِ: «ضَعْ بَعضَ دَينِكَ وتَعَجَّلِ البَقيَّةَ»، أو يَقولَ صاحِبُ الدَّينِ لِلمَدينِ: «عَجِّلْ لي بَعضَه وأضَعُ عَنْكَ بقيَّتَه، وذلك إمَّا أنْ يَكونَ في دَينِ الكِتابةِ، وإمَّا فيما سِواه مِنَ الدُّيونِ، فإنْ كان فيما سِوى دَينِ الكِتابةِ مِنَ الدُّيونِ قال مالِكٌ ﵀: هو باطِلٌ مُطلَقًا، سَواءٌ جَرى بشَرطٍ أو بغَيرِ شَرطٍ لِلتُّهمةِ، وذلك قاعِدةُ مَذهبِه.
وقال غَيرُه: إنْ جَرَى شَرطٌ بطَل، وإنْ لَم يُشتَرِطْ، بل عَجَّلَ بغَيرِ شَرطٍ وأبَرَأ الآخَرَ وطابَتْ بذلك نَفْسُ كلٍّ منهما فهو جائِزٌ، وهذا مَذهبُنا، والشَّرطُ المُبطِلُ هو المُقارِنُ، فلو تَقدَّم لَم يُبطِلْ، صرَّح به الجُوريُّ هنا، وهو مُقتَضى تَصريحِ جَميعِ الأصحابِ في غيرِ هذا المَوضِعِ، وقد رُوِيتْ آثارٌ في الإباحةِ والتَّحريمِ يُمكِنُ تَنزيلُها على ما ذَكَرناه مِنَ التَّفصيلِ، ثم ذَكَرَ الآثارَ السابِقةَ التي ذَكَرتُها مِنْ قَبلُ.
ثم قال: وأصحابُنا يَحمِلونَ اختِلافَ الآثارِ في ذلك على ما ذَكَرناه مِنَ التَّفصيلِ، وبَوَّبَ البَيهَقيُّ بابَ مَنْ عَجَّلَ له أدْنى مِنْ حَقِّه قبلَ مَحِلِّه فوَضَعَ عنه طَيِّبةً به أنْفُسُهما.
стр. 4489
واستَدَلَّ الأصحابُ لِلمَنعِ مِنْ ذلك إذا جَرى بالشَّرطِ بأنَّه يُضارِعُ رِبا الجاهِليَّةِ … فقاسَ الأصحابُ النَّقصَ على الزِّيادةِ (١).
النَّوعُ الثاني: صُلحٌ مع الإنكارِ، أي: مع إنكارِه، وصُورَتُه: أنْ يَدَّعيَ إنسانٌ على آخَرَ حَقًّا مِنْ دَينٍ -كألْفِ دِرهَمٍ مَثَلًا-، أو عَينٍ -كسَجَّادةٍ أو دارٍ- فلا يُقِرَّ المُدَّعَى عليه بذلك ويُنكِرَ أنَّ لِلمُدَّعِي حَقًّا عليه، ثم يَطلُبَ مِنَ المُدَّعِي أنْ يُصالِحَه على ما ادَّعاه، فيَدفَعَ إلى المُدَّعِي شَيئًا افتِداءً لِيَمينِه وقَطعًا لِلخُصومةِ وصيانةً لِنَفْسِه عن التَّبذُّلِ بالمُخاصَمةِ في مَجالِسِ القَضاءِ.
وهذا الصُّلحُ اختَلَف الفُقهاءُ فيه، هل هو صَحيحٌ أم باطِلٌ؟
فذهَب الشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ والظاهِريَّةُ إلى أنَّ الصُّلحَ مع الإنكارِ باطِلٌ، فلَو ادَّعى رَجُلٌ على رَجُلٍ حَقًّا فصالَحَه مِنْ دَعواه وهو مُنكِرٌ فالصُّلحُ باطِلٌ ويَرجِعُ المُدَّعِي على دَعواه، ويأخُذُ منه صاحِبُه ما أعطاه؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والصُّلحُ على الإنكارِ مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ؛ لأنَّه لَم يَثبُتْ له حَقٌّ يَجوزُ أنْ يُعاوِضَ عليه.
стр. 4490
وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي هُريرةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فقَالُوا لي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْنِي بِمِئَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَقَالُوا: إنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ … » (١)، وذَكَرَ بَقيَّةَ الخَبَرِ، فأبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ الصُّلحَ المَذكورَ وفَسَخَه.
ولأنَّ الصُّلحَ على الإنكارِ مُحرِّمٌ لِلحَلالِ ومُحِلٌّ لِلحَرامِ، لأنَّ المُدَّعِيَ إنْ كان كاذِبًا فقد استَحَلَّ مِنَ المُدَّعَى عليه مالَه، وهو حَرامٌ، وإنْ كان صادِقًا فقد حَرُمَ عليه مالُه الحَلالُ، فدَخَلَ في قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الصُّلحُ جائِزٌ بينَ المُسلِمينَ إلا صُلحًا حَرَّمَ حَلالًا أو أحَلَّ حَرامًا» (٢).
ولأنَّه صُلحٌ على مُجرَّدِ الدَّعوى وَجَب أنْ يَكونَ باطِلًا كما لو ادَّعى قَتلَ عَمدٍ فصُولِحَ عليه مع الإنكارِ؛ ولأنَّه اعْتَاشَ عن حَقٍّ لَم يَثبُتْ له، فوَجَب ألَّا يَملِكَ عِوَضَه، أصلُه إذا ادَّعى وَصيَّةً فصُولِحَ بمالٍ، ولأنَّه صالَحَ مَنْ لَم يُعلَمْ صِدقُه، فوَجَبَ ألَّا يَصحَّ، كما لو عُلِمَ كَذِبُه، ولأنَّه نَوعُ مُعاوَضةٍ لا يَصحُّ مع الجَهالةِ، فوَجَبَ ألَّا يَصحَّ مع الإنكارِ، كالبَيعِ، ولأنَّ الصُّلحَ لمَّا
стр. 4491
لَم يَجُزْ على مَجهولِ الوَصفِ أوْلى ألَّا يَجوزَ على مَجهولِ العَينِ، ولأنَّ المَبذولَ بالصُّلحِ لا يَخلو مِنْ أربَعِ حالاتٍ:
الأُولى: أنْ يَكونَ مَبذولًا لِكَفِّ الأذَى.
الثانية: أنْ يَكونَ مَبذولًا لِقَطعِ الدَّعوَى.
الثالِثةُ: أنْ يَكونَ مَبذولًا لِلإعفاءِ مِنَ اليَمينِ.
الرابِعةُ: أنْ يَكونَ مَبذولًا لِلمُعاوَضةِ، فلَم يَجُزْ أنْ يَكونَ مَبذولًا لِدَفعِ الأذَى؛ لأنَّه مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ.
ولَم يَجُزْ أنْ يَكونَ لِقَطعِ الدَّعوَى؛ لِما فيه مِنَ اعتِبارِ ما يَمنَعُ مِنَ الرِّبا، وهو: إذا كان الحَقُّ ألْفًا لَم يَجُزْ أنْ يُصالِحَه على أكثَرَ منها.
ولو كان دَراهِمَ صُولِحَ عليها بدَنانيرَ لَم يَجُزْ أنْ يُفارِقَه قبلَ قَبضِها، ولو كان لِقَطعِ الدَّعوَى لَجازَ الافتِراقُ، ولَم يَجُزْ أنْ يَكونَ لِلإعفاءِ مِنَ اليَمينِ؛ لِما ذَكَرنا مِنَ الأمرَيْنِ، فثَبَت أنَّه مَبذولٌ لِلمُعاوَضةِ، والمُعاوَضةُ تَصحُّ مع الإقرارِ، وتَبطُلُ مع الإنكارِ؛ لأنَّ ما لَم يَجِبْ مِنَ الحُقوقِ لَم تَجُزِ المُعاوَضةُ عليه.
وكذا يَبطُلُ الصُّلحُ إنْ جَرى على بَعضِه في الأصَحِّ، كما لو كان على غيرِ المُدَّعَى، ولأنَّ الاعتِبارَ يَكونُ بقَولِ الدافِعِ، وهو يَزعُمُ أنَّه إنَّما بَذَلَه لِكَفِّ الأذى، وأخْذُ المالِ لِكَفِّ الأذَى لا يَجوزُ.
والرَّأيُ الآخَرُ: يَصحُّ؛ لاتِّفاقِهما على أنَّ بَعضًا مُستحَقٌّ لِلمُدَّعِي، ولكنَّهما مُختَلِفانِ في جِهةِ الاستِحقاقِ، واختِلافُهما في الجِهةِ لا يَمنَعُ الأخْذَ
стр. 4492
ويَجعَلُ المُدَّعِي واهِبًا لِلنِّصفِ إنْ كان صادِقًا، ومَوهوبًا له إنْ كان كاذِبًا، ولا يُبالَى باختِلافِهما في ذلك.
ويُستَثنى مِنْ مَحَلِّ الوَجهَيْنِ ما إذا كان المُدَّعَى دَينًا وتَصالَحا عن ألْفٍ على خَمسِمِئةٍ في الذِّمَّةِ، فإنَّه لا يَصحُّ جَزمًا؛ لأنَّ الصَّحيحَ إنَّما هو تَقديرُ الهِبةِ، وإيرادُ الهِبةِ على ما في الذِّمَّةِ مُمتَنَعٌ بخِلافِ ما إذا صالَحَه على خَمسِمِئةٍ مُعيَّنةٍ؛ فإنَّه لا يَصحُّ في الأصَحِّ.
فإذا ثَبَت أنَّ الصُّلحَ مع الإنكارِ لا يَجوزُ، فلو صالَحَه مع إنكارِه كان الصُّلحُ باطِلًا ولَزِمَ رَدُّ العِوَضِ، ولَم يَقَعِ الإبراءُ حتى لو صالَحَه مِنْ ألْفِ دِرهَمٍ قد أنكَرَها على خَمسِمِئةِ دِرهَمٍ وأبرَأه مِنَ البَقيَّةِ لَزِمَه في الحُكمِ رَدُّ ما قبَض، ولَم يُبرَأْ مما بَقيَ حتى لو أقامَ بالألْفِ بَيِّنةً عادِلةً كان له استِيفاءُ جَميعِها، وإنَّما كان كذلك لأنَّ ما قَبَضه بالصُّلحِ الفاسِدِ لا يَملِكُه كالمَقبوضِ بالبَيعِ الفاسِدِ.
والإبراءُ كان مَقرونًا بمِلكِ ما صالَحَ به، فلَمَّا لَزِمَه رَدُّه لِعَدَمِ مِلكِه بطَل إبراؤُه؛ لِعَدَمِ صِفَتِه، وكمَن باعَ عَبدًا بَيعًا فاسِدًا فأذِنَ لِمُشتَريهِ في عِتقِه فأعتَقَه المُشتَري بإذْنِه لَم يُعتَقْ؛ لأنَّ إذْنَه إنَّما كان مَضمونًا بمِلكِ العِوَضِ، فلَمَّا لَم يَملِكْه بالعَقدِ الفاسِدِ لَم يُعتَقْ عليه بالإذْنِ.
فإنْ قيلَ: أفيَسَعُ صاحِبَ الحَقِّ أنْ يأخُذَ ما بَذَلَ له بالصُّلحِ مع الإنكارِ إذا كان مُحِقًّا؟ قيلَ: يَسَعُه ذلك، ويَجوزُ فيما بَينَه وبَينَ اللهِ ، فأمَّا في ظاهِرِ الحُكمِ فيَجِبُ عليه رَدُّه.
стр. 4493
ولو أُقيمَتْ عليه بَيِّنةٌ بعدَ الإنكارِ جازَ الصُّلحُ؛ لأنَّ لُزومَ الحَقِّ بالبَيِّنةِ كلُزومِه بالإقرارِ، ولو أقَرَّ ثم أنكَرَ جازَ الصُّلحُ.
وإذا تَصالَحا ثم اختَلَفا في أنَّهما تَصالَحا على إقرارٍ أو إنكارٍ فالقَولُ قَولُ مُدَّعي الإنكارِ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّه لا عَقدَ.
ويُستَثنى مِنْ بُطلانِ الصُّلحِ على الإنكارِ مَسائِلُ:
منها: اصطِلاحُ الوَرَثةِ فيما وَقَفَ بَينَهم إذا لَم يَبذُلْ أحَدٌ عِوَضًا مِنْ خالِصِ مِلكِه.
ومنها: إذا أسلَمَ على أكثَرَ مِنْ أربَعِ نِسوةٍ وماتَ قبلَ الاختيارِ أو طَلَّقَ إحدى زَوجَتَيْه وماتَ قبلَ البَيانِ أو التَّعيينِ ووُقِفَ المِيراثُ بَينَهما فاصطَلَحتا.
ومنها: لو تَداعَيا وَديعةً عندَ رَجُلٍ فقال: لا أعلَمُ لِأيِّكما هي، أو دارًا في يَدَيْهما، فأقامَ كلٌّ بَيِّنةً ثم اصطَلَحا (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ هذا النَّوعَ مِنَ الصُّلحِ صَحيحٌ؛ لِظَاهِرِ قَولِ اللهِ : ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وَصَفَ اللهُ وَعَزَّ شأنُه جِنسَ الصُّلحِ بالخَيريَّةِ، ومَعلومٌ أنَّ الباطِلَ لا يُوصَفُ بالخَيريَّةِ، فكان كلُّ صُلحٍ مَشروعًا بظاهِرِ هذا النَّصِّ، إلا ما خُصَّ بدَليلٍ.
стр. 4494
ولِعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الصُّلحُ جائِزٌ بينَ المُسلِمينَ، إلا صُلحًا حَرَّمَ حَلالًا أو أحَلَّ حَرامًا» (١).
وَعَنْ سَيِّدِنَا عُمرَ ﵁ أنَّه قَالَ: «رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ بَيْنَهُمُ الضَّغَائِنَ» (٢).
أمَرَ ﵁ برَدِّ الخُصومِ إلى الصُّلحِ مُطلَقًا، وكان ذلك بمَحضَرٍ مِنَ الصَّحابةِ الكِرامِ ﵃، ولَم يُنكِرْ عليه أحَدٌ، فيَكونُ إجماعًا مِنَ الصَّحابةِ، ويَكونُ حُجَّةً قاطِعةً؛ ولأنَّ الصُّلحَ شُرِعَ لِلحاجةِ إلى قَطعِ الخُصومةِ والمُنازَعةِ، والحاجةُ إلى قَطعِها في التَّحقيقِ عندَ الإنكارِ؛ إذِ الإقرارُ مُسالَمةٌ ومُساعَدةٌ، فكان أوْلَى بالجَوازِ.
ولأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ في زَعمِ المُدَّعِي، وحَقَّ الخُصومةِ واليَمينِ ثابِتانِ له شَرعًا، فكان هذا صُلحًا عن حَقٍّ ثابِتٍ، فكان مَشروعًا.
ولأنَّ فيه إطفاءَ النائِرةِ بينَ الناسِ ورَفعَ المُنازَعاتِ المُوبِقاتِ عنهم، وهي ضِدُّ المُصالَحةِ، وهي مَنهيٌّ عنها بقَولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]، وفي تَركِ الصُّلحِ ذلك؛ لأنَّ طلَب جَميعِ ما يَستحِقُّه رُبَّما يُؤدِّي إلى الإنكارِ، لا سيَّما عندَ الإعسارِ، وفيه فَسادٌ عَظيمٌ بعدَ الإنكارِ، فإنَّ
стр. 4495
المُدَّعِي إذا أقامَ البَيِّنةَ تَكثُرُ العَداوةُ وتَهيجُ الفِتَنُ بينَ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه والشُّهودِ والقاضي.
وقيلَ: لا يَعمَلُ الشَّيطانُ في إيقاعِ العَداوةِ والبَغضاءِ في بَني آدَمَ مِثلَما يَعمَلُ مِنْ إبطالِ الصُّلحِ على الإنكارِ، وهذا صَحيحٌ؛ لأنَّ في مَنعِ هذا الصُّلحِ فَتحَ بابِ المُنازَعاتِ وبابِ إثارةِ النائِراتِ بينَ الناسِ، وبابِ إقامةِ الفِتَنِ والمُكايَداتِ، وقد حُكيَ أنْ فِتنةً وَقَعتْ في قَبيلةٍ بسَبَبِ تُهمةِ غُلامٍ، فهاجَتْ بَينَهم حتى قُتِلَ منهم أربَعونَ ألْفًا، فامتَدَّتِ الحَربُ بَينَهم إلى أنْ وَقَع الصُّلحُ، فانطَفأتِ النائِرةُ، ولأنَّ العُقودَ إنَّما شُرِعتْ لِلحاجةِ، ولأنَّ الحاجةَ إليه أمَسُّ لِدَفعِ الشَّرِّ، فكانَ أوْلَى به.
ولِمَا رُوِيَ مَرفوعًا: «كُلُّ مَا وَقَى بِهِ الرَّجُلُ عِرْضَهُ فَهُوَ لهُ صَدَقَةٌ» (١) والصَّدَقةُ تُستَحَبُّ لِباذِلِها وتَحِلُّ لِآخِذِها، فهكذا الصُّلحُ.
ولأنَّه بَذَلَ مالًا في الصُّلحِ مُختارًا، فصَحَّ كالمُقَرِّ به، ولأنَّه مُدَّعٍ لَم يُعلَمْ كَذِبُه صَحَّ صُلحُه كالمُقَرِّ له، ولأنَّ اختِلافَ الأسماءِ يُوجِبُ اختِلافَ المَعاني، فلَمَّا اختُصَّ الصُّلحُ باسمٍ غيرِ البَيعِ وجَب أنْ يَكونَ مُخالِفًا لِحُكمِ البَيعِ، ولو كان لا يَجوزُ إلا بعدَ الإقرارِ لَكانَ بَيعًا مَحضًا، ولَم يَكُنْ لاختِصاصِه باسمِ الصُّلحِ مَعنًى، ولأنَّ الاعتِبارَ في الأُصولِ بالآخِذِ دونَ الباذِلِ، ألَا تَرى أنَّ شاهِدًا لو شَهِدَ على رَجُلٍ بعِتقِ عَبدِه فرُدَّتْ شَهادَتُه ثم
стр. 4496
ابتاعَه الشاهِدُ منه حَلَّ له أخْذُ ثَمَنِه؟ لاعتِقادِ إحلالِه، وإنْ كان الباذِلُ مُعتَقِدًا لِتَحريمِه فكذلك الصُّلحُ يَحِلُّ لِلأخِذِ وإنْ كان الباذِلُ مُنكِرًا، ولأنَّ في المَنعِ مِنَ الصُّلحِ مع الإنكارِ مَنعًا مِنَ الصُّلحِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه يَبعُدُ الصُّلحُ مع الإقرارِ، فلَم يَبْقَ له مَحَلٌّ إلا مع الإنكارِ.
ولأنَّه يَحِلُّ لِمَنْ له حَقٌّ يَجحَدُه غَريمُه أنْ يَأخُذَ مِنْ مالِه بقَدْرِه أو دونَه، فإذا حَلَّ له ذلك مِنْ غيرِ اختيارِه ولا عِلمِه فلَأنْ يَحِلَّ برِضاه وبَذْلِه أوْلَى.
وكذلك إذا حَلَّ مع اعتِرافِ الغَريمِ، فلَأنْ يَحِلَّ مع جَحْدِه وعَجْزِه عن الوُصولِ إلى حَقِّه إلا بذلك أوْلَى.
ولأنَّ المُدَّعِيَ ههنا يأخُذُ عِوَضَ حَقِّه الثابِتِ له، والمُدَّعَى عليه يَدفَعُه لِدَفعِ الشَّرِّ عنه، وقَطعِ الخُصومةِ، ولَم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحريمِ ذلك في مَوضِعٍ.
ولأنَّه صُلحٌ يَصحُّ مع الأجنبيِّ صَحَّ مع الخَصمِ كالصُّلحِ مع الإقرارِ.
يُحقِّقُه أنَّه إذا صَحَّ مع الأجنَبيِّ مع غِناه عنه فلَأنْ يَصحَّ مع الخَصمِ مع حاجَتِه إليه أوْلَى.
ولأنَّه مُعاوَضةٌ في حَقِّ أحَدِهما، وهذا لأنَّ المُدَّعيَ يأخُذُ عِوَضَ حَقِّه مِنَ المُنكِرِ؛ لِعلْمِه بثُبوتِ حَقِّه عندَه، فهو مُعاوَضةٌ في حَقِّه، والمُنكِرُ يَعتَقِدُ أنَّه يَدفَعُ المالَ لِدَفعِ الخُصومةِ واليَمينِ عنه، ويُخلِّصُه مِنْ شَرِّ المُدَّعِي، فهو أبرَأُ في حَقِّه وغَيرُ مُمتنَعٍ ثُبوتُ المُعاوَضةِ في حَقِّ أحَدِ المُتَعاقِدَيْنِ دونَ الآخَرِ كما لو اشتَرى عَبدًا شَهِدَ بحُرِّيَّتِه فإنَّه يَصحُّ، ويَكونُ مُعاوَضةً في حَقِّ البائِعِ، واستِنقاذًا له مِنَ الرِّقِّ في حَقِّ المُشتَري، كذا ههنا.
стр. 4497
إذا ثَبَت هذا فلا يَصحُّ هذا الصُّلحُ إلا أنْ يَكونَ المُدَّعِي مُعتَقِدًا أنَّ ما ادَّعاه حَقٌّ، والمُدَّعَى عليه يَعتقِدُ أنَّه لا حَقَّ عليه، فيَدفَعَ إلى المُدَّعي شَيئًا افتِداءً لِيَمينِه وقَطعًا لِلخُصومةِ وصيانةً لِنَفْسِه عن التَّبذُّلِ وحُضورِ مَجلِسِ الحاكِمِ؛ فإنَّ ذَوي النُّفوسِ الشَّريفةِ والمُروءةِ يَصعُبُ عليهم ذلك، ويَرَوْنَ دَفعَ ضَرَرِها عنهم مِنْ أعظَمِ مَصالِحِهم، ولا يَمنَعُ الشَّرعُ مِنْ وِقايةِ أنْفُسِهم وصيانَتِها ودَفعِ الشَّرِّ عنهم ببَذلِ أموالِهم، والمُدَّعِي يَأخُذُ ذلك عِوَضًا عن حَقِّه الثابِتِ له، فلا يَمنَعُه الشَّرعُ مِنْ ذلك أيضًا، سَواءٌ كان المأخوذُ مِنْ جِنسِ حَقِّه أو مِنْ غيرِ جِنسِه بقَدْرِ حَقِّه أو دونَه، فإنْ أخَذَ مِنْ جِنسِ حَقِّه بقَدْرِه فهو مُستَوفٍ له، وإنْ أخَذَ دونَه فقد استَوفى بَعضَه وتَرَكَ بَعضَه، وإنْ أخَذَ مِنْ غيرِ جِنسِ حَقِّه فقد أخَذَ عِوَضَه ولا يَجوزُ أنْ يأخُذَ مِنْ جِنسِ حَقِّه أكثَرَ مما ادَّعاه؛ لأنَّ الزائِدَ لا مُقابِلَ له، فيَكونُ ظالِمًا بأخْذِه، وإنْ أخَذَ مِنْ غيرِ جِنسِه جازَ، ويَكونُ بَيعًا في حَقِّ المُدَّعِي لاعتِقادِه أخْذَه عِوَضًا، فيَلزَمُه حُكمُ إقرارِه.
فإنْ كان المأخوذُ شِقصًا في دارٍ أو عَقارٍ وَجَبتْ فيه الشُّفعةُ، وإنْ وَجَدَ به عَيبًا فله رَدُّه والرُّجوعُ في دَعواه، ويَكونُ في حَقِّ المُنكِرِ بمَنزِلةِ الإبراءِ؛ لأنَّه دَفَعَ المالَ افتِداءً لِيَمينِه ودَفعًا لِلضَّرَرِ عنه، لا عِوَضًا عن حَقٍّ يَعتَقِدُه فيَلزَمُه أيضًا حُكمُ إقرارِه، فإنْ وَجَد بالمُصالَحِ عنه عَيبًا لَم يَرجِعْ به على المُدَّعِي؛ لاعتِقادِه أنَّه ما أخَذَه عِوَضًا، وإنْ كان شِقصًا لَم تَثبُتْ فيه الشُّفعةُ؛ لأنَّه يَعتَقِدُه على مِلكِه لَم يَزَلْ، وما مَلَكَه بالصُّلحِ، ولو دَفَعَ المُدَّعَى عليه ما ادَّعاه أو بَعضَه لَم يَثبُتْ فيه حُكمُ البَيعِ، ولا تَثبُتُ به الشُّفعةُ؛ لأنَّ المُدَّعِي
стр. 4498
يَعتقِدُ أنَّه استَوفى بَعضَ حَقِّه وأخَذَ عَينَ مالِه مُستَرجِعًا لها ممَّن هي عندَه، فلَم يَكُنْ بَيعًا كاستِرجاعِ العَينِ المَغصوبةِ.
فأمَّا إنْ كان أحَدُهما كاذِبًا، مِثلَ أنْ يَدَّعيَ المُدَّعي شَيئًا يَعلَمُ أنَّه ليس له، ويُنكِرَ المُنكِرُ حَقًّا يَعلَمُ أنَّه عليه، فالصُّلحُ باطِلٌ في الباطِنِ؛ لأنَّ المُدَّعيَ إذا كان كاذِبًا فما يأخُذُه أكلُ مالٍ بالباطِلِ أخَذَه بشَرِّه وظُلمِه ودَعواه الباطِلةِ، لا عِوَضًا عن حَقٍّ له، فيَكونُ حَرامًا عليه، كمَن خَوَّفَ رَجُلًا بالقَتلِ حتى أخَذَ مالَه.
وإنْ كان صادِقًا، والمُدَّعَى عليه يَعلَمُ صِدقَه وثُبوتَ حَقِّه فجحَده لِيَنتَقِصَ حَقَّه أو يُرضيَه عنه بشَيءٍ فهو هَضمٌ لِلحَقِّ وأكلُ مالٍ بالباطِلِ فيَكونُ ذلك حَرامًا، والصُّلحُ باطِلٌ ولا يَحِلُّ له مالُ المُدَّعِي بذلك.
وأمَّا الظاهِرُ لنا فهو الصِّحَّةُ؛ لأنَّنا لا نَعلَمُ باطِنَ الحالِ؛ وإنَّما يَنبَني الأمرُ على الظَّواهِرِ، والظاهِرُ مِنَ المُسلِمِ السَّلامةُ (١).
стр. 4499
وقال المالِكيَّةُ: يُشترَطُ في الصُّلحِ ثَلاثةُ شُروطٍ عندَ الإمامِ، وهو المَذهبُ: أنْ يَجوزَ على دَعوى كلٍّ مِنَ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه، وعلى ظاهِرِ حُكمِ الشَّرعِ بألَّا يَكونَ هناك تُهمةُ فَسادٍ، واعتَبَرَ ابنُ القاسِمِ الشَّرطَيْنِ الأولَيْنِ فَقَط، وأصبَغُ أمرًا واحِدًا، وهو ألَّا تَتَّفِقَ دَعواهما على فَسادٍ.
مِثالُ المُستَوفي لِلثَّلاثةِ: أنْ يَدَّعيَ عليه بعَشَرةٍ حالَّةٍ، فأنكَرَ ثم يُصالِحُ عنها بثَمانيةٍ مُعجَّلةٍ أو بَعضٍ حالٍّ.
ومِثلُ ما يَجوزُ على دَعواهما ويَمتنِعُ على ظاهِرِ الحُكمِ: أنْ يَدَّعيَ عليه بمِئةِ دِرهَمٍ حالَّةٍ فيُصالِحَه على أنْ يُؤخِّرَ بها إلى أشهُرٍ أو على خَمسينَ مُؤخَّرةٍ شَهرًا، فالصُّلحُ صَحيحٌ على دَعوى كلٍّ؛ لأنَّ المُدَّعِي أخَّرَ صاحِبَه أو أسقَطَ عنه بَعضًا، وأخَّرَه لِشَهرٍ، والمُدَّعَى عليه افتَدى مِنَ اليَمينِ بما التَزَم أداءَه عندَ الأجَلِ، ولا يَجوزُ على ظاهِرِ الحُكمِ؛ لأنَّه سَلَفٌ بمَنفَعةٍ، فالسَّلَفُ التأخيرُ، والمَنفَعةُ سُقوطُ اليَمينِ المُنقَلِبةِ على المُدَّعِي عندَ الإنكارِ بتَقديرِ نُكولِ المُدَّعَى عليه أو حَلِفِه فيَسقُطُ جَميعُ الحَقِّ المُدَّعَى به، فهذا مَمنوعٌ عندَ الإمامِ جائِزٌ عندَ ابنِ القاسِمِ وأصبَغَ.
ومثالُ ما يَمتَنِعُ على دَعواهما: أنْ يَدَّعيَ عليه بدَراهِمَ وطَعامٍ مِنْ بَيعٍ، فيَعتَرفَ بالطَّعامِ ويُنكِرَ الدَّراهِمَ ويُصالِحَه على طَعامٍ مُؤجَّلٍ أكثَرَ مِنْ طَعامِه
стр. 4500
أو يَعتَرِفَ بالدَّراهِمِ ويُصالِحَه بدَنانيرَ مُؤجَّلةٍ أو بدَراهِمَ أكثَرَ مِنْ دَراهِمِه، حَكى ابنُ رُشدٍ الاتِّفاقَ على فَسادِه، ويُفسَخُ لِما فيه مِنَ السَّلَفِ بزيادةٍ والصَّرفِ المُؤَخَّرِ.
ومِثالُ ما يَمتَنِعُ على دَعوى المُدَّعِي وَحدَه: أنْ يَدَّعيَ عليه بعَشَرةِ دَنانيرَ فيُنكِرَها ثم يُصالِحَه على مِئةِ دِرهَمٍ إلى أجَلٍ، فهذا مُمتنِعٌ على دَعوى المُدَّعِي وَحدَه لِلصَّرفِ المُؤخَّرِ، ويَجوزُ على إنكارِ المُدَّعِي عليه؛ لأنَّه إنَّما صالَحَه على الافتِداءِ مِنَ اليَمينِ الواجِبةِ عليه، وهو مُمتنِعٌ عندَ مالِكٍ و ابنِ القاسِمِ، وأجازَه أصبَغُ؛ إذْ لَم تَتَّفِقْ دَعواهما على فَسادٍ.
ومِثالُ ما يُمنَعُ على دَعوى المُدَّعَى عليه وَحدَه: أنْ يَدَّعيَ بعَشَرةِ أرادِبَ قَمحًا مِنْ قَرضٍ، وقال الآخَرُ: إنَّما لكَ علَيَّ خَمسةٌ مِنْ سَلَمٍ، وأرادَ أنْ يُصالِحَه على دَراهِمَ ونَحوِها مُعجَّلةً، فهذا جائِزٌ على دَعوى المُدَّعي؛ لأنَّ طَعامَ القَرضِ يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه، ويَمتنِعُ على دَعوى المُدَّعَى عليه لِعَدَمِ جَوازِ بَيعِ طَعامِ السَّلَمِ قبلَ قَبضِه، فهذا مُمتنِعٌ عندَ مالِكٍ وابنِ القاسِمِ (١).
والنَّوعُ الثالِثُ: الصُّلحُ مع سُكوتِ المُدَّعَى عليه: وذلك كما إذا ادَّعى شَخصٌ على آخَرَ شَيئًا فسَكَت المُدَّعَى عليه دونَ أنْ يُقِرَّ أو يُنكِرَ، ثم صالَحَ عنه لِيُخلِّصَ نَفْسَه مِنَ الخِصامِ.
стр. 4501
اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ هذا الصُّلحِ كاختِلافِهم في الصُّلحِ مع الإنكارِ:
فأجازَه جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ، واستَدَلُّوا بالأدِلَّةِ نَفْسِها التي استَدَلُّوا بها على جَوازِ الصُّلحِ مع الإنكارِ، ولأنَّ الساكِتَ يَجوزُ أنْ يَكونَ مُقِرًّا ويَجوزُ أنْ يَكونَ مُنكِرًا، فإذا صالَحَ حَمَلْنا ذلك على الصِّحَّةِ دونَ الفَسادِ.
وأبطَلَه الشافِعيَّةُ وقالوا: إنَّ الصُّلحَ مع السُّكوتِ باطِلٌ كالصُّلحِ مع الإنكارِ، وذلك لأنَّ جَوازَ الصُّلحِ يَستَدعي حَقًّا ثابِتًا، ولَم يُوجَدْ في مَوضِعِ السُّكوتِ؛ إذِ الساكِتُ يُعَدُّ مُنكِرًا حُكمًا حتى تُسمَعَ عليه البَيِّنةُ فكان إنكارُه مُعارِضًا لِدَعوى المُدَّعي، ولو بَذَل المالَ لَبَذَلَه لِدَفعِ خُصومةٍ باطِلةٍ، فكان في مَعنى الرَّشوةِ (١).
ما يَجوزُ الصُّلحُ عليه وما لا يَجوزُ:
يَختَلِفُ ما يَجوزُ الصُّلحُ عليه وما لا يَجوزُ مِنْ مَذهبٍ لِآخَرَ.
قال الحَنفيَّةُ: الصُّلحُ جائِزٌ فيما يَلي:
١ - في دَعوَى الأموالِ: بمالٍ وبمَنفَعةٍ، أمَّا بمَنفَعةٍ فلأنَّه في مَعنى الإجارةِ، وأمَّا بمالٍ فلأنَّه بمَعنى البَيعِ في حَقِّهما، إنْ وَقَعَ مع إقرارٍ، وفي حَقِّ المُدَّعي إنْ وَقَعَ مع سُكوتٍ أو إنكارٍ وافتِداءِ اليَمينِ في حَقِّ الآخَرِ.
٢ - في دَعوَى المَنافِعِ: بمالٍ وبمَنفَعةٍ، كأنِ ادَّعى في دارِ سُكنى سَنةً وَصيَّةً مِنْ رَبِّ الدارِ فجَحَده الوارِثُ أو أقَرَّ به وصالَحَه عن شَيءٍ جازَ؛ لأنَّ
стр. 4502
أخْذَ العِوَضِ عن المَنفَعةِ جائِزٌ بالإجارةِ، فكذا بالصُّلحِ، لكنْ لا يَجوزُ المَنفَعةُ عن المَنفَعةِ إلا إذا كانتا مُختَلفَتَيِ الجِنسِ، كما لو صالَحَ عن السُّكنى على خِدمةِ العَبدِ أو زِراعةِ الأرضِ، أو لُبسِ الثِّيابِ، أمَّا إنِ اتَّحَدَ جِنساهما، كما لو صالَحَ عن السُّكنى على السُّكنى أو عن الزِّراعةِ على الزِّراعةِ فإنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ المَنفَعةَ لا يَجوزُ استِئجارُها بجِنسِها، ويَجوزُ بخِلافِ جِنسِها مِنَ المَنافِعِ، فكذا الصُّلحُ.
٣ - في دَعوَى جِنايةِ العَمدِ والخَطأِ في النَّفسِ وما دونَها، سَواءٌ كان مع إقرارٍ أو سُكوتٍ أو إنكارٍ.
أمَّا العَمدُ في النَّفسِ فلقَولِ اللهِ : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: فمَن أُعطيَ له وهو وَليُّ القَتيلِ مِنْ دَمِ أخيه، أي مِنْ جِهةِ المَقتولِ شَيءٌ مِنَ المالِ بطَريقِ الصُّلحِ، ونَكَّرَه لأنَّه مَجهولُ القَدْرِ، فإنَّه يُقَدَّرُ بما تَراضَيا عليه ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فلِوَليِّ القَتيلِ اتِّباعُ المُصالَحِ ببَدَلِ الصُّلحِ عن حُسْنِ مُعامَلةٍ ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: وعلى المُصَالَحِ أداءٌ إلى وَليِّ القَتيلِ بإحسانٍ.
وأمَّا الخَطَأُ في النَّفسِ فلأنَّ مُوجِبَه المالُ، فيَصيرُ بمَنزِلةِ البَيعِ، إلا أنَّه لا تَصحُّ الزِّيادةُ على قَدْرِ الدِّيةِ في الخَطَأِ إذا وَقَعَ الصُّلحُ على أحَدِ مَقاديرِ الدِّيةِ؛ لأنَّها مُقدَّرةٌ شَرعًا، فلا يَجوزُ إبطالُ ذلك، بخِلافِ الصُّلحِ عن القِصاصِ، حيث تَجوزُ الزِّيادةُ على قَدْرِ الدِّيةِ؛ لأنَّ القِصاصَ ليس بمالٍ، وإنَّما يُتَقوَّمُ بالعَقدِ.
стр. 4503
والفَرقُ أنَّ بَدَل الصُّلحِ في بابِ الخَطَأِ وشِبهِ العَمدِ عِوَضٌ عن الدِّيةِ، وأنَّها مُقدَّرةٌ بمِقدارٍ مَعلومٍ لا تَزيدُ عليه، فالزِّيادةُ على المُقدَّرِ تَكونُ رِبًا، فأمَّا بَدَلُ الصُّلحِ عن القِصاصِ فعِوَضٌ عن القِصاصِ، والقِصاصُ ليس مِنْ جِنسِ المالِ حتى يَكونَ البَدَلُ عنه زيادةً على المالِ المُقدَّرِ، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا فهو الفَرقُ.
وأمَّا ما دونَ النَّفْسِ فمُعتبَرٌ بالنَّفْسِ، فيَلحَقُ ما يُوجِبُ القِصاصَ فيه بالعَمدِ في النَّفْسِ وما يُوجِبُ المالَ فيه بالخَطَأِ فيها.
وهذا إذا صالَحَ على مَقاديرِ الدِّيةِ، أمَّا إذا صالَحَ على غيرِ ذلك جازَتِ الزِّيادةُ على قَدْرِ الدِّيةِ؛ لأنَّها مُبادَلةٌ بها، إلا أنَّه يُشترَطُ القَبضُ في المَجلِسِ كي لا يَكونَ افتِراقًا عن دَينٍ بدَينٍ، ولو قَضى القاضي بأحَدِ مَقاديرِ الدِّيةِ فصالَحَ على جِنسٍ آخَرَ منها بالزِّيادةِ جازَ؛ لأنَّه تَعيَّنَ الحَقُّ بالقَضاءِ، فكان مُبادَلةً، بخِلافِ الصُّلحِ ابتِداءً.
فإذا قَضَى القاضي بالدِّيةِ مِئةَ بَعيرٍ فصالَحَ القاتِلُ الوَليَّ على الأبْعِرةِ المِئةِ على أكثَرَ مِنْ مِئتَيْ بَقَرةٍ، وهي عندَه، ودَفَع ذلك جازَ؛ لأنَّ قَضاءَ القاضي عَينُ الوُجوبِ في الإبِلِ، فإذا صالَحَ على البَقَرِ فالبَقَرُ الآنَ ليسَتْ بمُستحَقَّةٍ، وبَيعُ الإبِلِ بالبَقَرِ جائِزٌ، وإنْ صالَحَ عن الإبِلِ بشَيءٍ مِنَ المَكيلِ أو المَوزونِ سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ إلى أجَلٍ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ الإبِلَ دَينٌ في الذِّمَّةِ، فإذا صالَحَ عنها بكَيلٍ أو مَوزونٍ مُؤجَّلٍ فقد عاوَضَ دَينًا بدَينٍ، فلا يَجوزُ، وإنْ صالَحَ مِنَ الإبِلِ على مِثلِ قيمةِ الإبِلِ أو أكثَرَ بما يُتغابَنُ فيه جازَ؛ لأنَّ الزِّيادةَ غيرُ مُتَيقَّنةٍ، وإنْ كانتْ بأكثَرَ ممَّا يُتغابَنُ فيه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه صالَحَ على أكثَرَ مِنَ المُستحَقِّ فلا يَجوزُ.
стр. 4504
ولا يَجوزُ الصُّلحُ في دَعوى حَدٍّ؛ لأنَّه حَقُّ اللهِ ، لا حَقُّه، ولا يَجوزُ الاعتياضُ عن حَقِّ غَيرِه، ولِهذا لا يَجوزُ الاعتياضُ إذا ادَّعتِ المَرأةُ نَسَبَ وَلَدِها؛ لأنَّه حَقُّ الوَلَدِ، لا حَقُّها، وسَواءٌ كان الحَدُّ في سَرِقةٍ أو قَذفٍ أو زِنًا، أمَّا الزِّنا والسَّرِقةُ فلأنَّ الحَدَّ فيهما حَقُّ اللهِ بلا خِلافٍ.
وأمَّا حَدُّ القَذفِ فإنَّه أيضًا حَقُّ اللهِ عندَنا، والمُغلَّبُ فيه حَقُّ الشَّرعِ.
فإنْ أخَذَ رَجُلٌ زانيًا أو سارِقًا أو شارِبَ خَمرٍ وأرادَ أنْ يَرفَعَه إلى الحاكِمِ فصالَحَه المأخوذُ على مالٍ لِيَترُكَ ذلك فالصُّلحُ باطِلٌ، وله أنْ يَرجِعَ عليه بما دُفِعَ إليه.
فإنْ وَقَع الصُّلحُ في حَدِّ القَذفِ قبلَ أنْ يُرفَعَ إلى القاضي لا يَجبُ بَدَلُ الصُّلحِ ويَسقُطُ الحَدُّ؛ لأنَّه أعرَضَ عن الدَّعوى، وإنْ صالَحَ فيه بعدَ التَّرافُعِ لا يَجبُ البَدَلُ ولا يَسقُطُ الحَدُّ.
ادِّعاءُ الرَّجُلِ على المَرأةِ نِكاحًا والعَكسُ:
وإذا ادَّعى رَجُلٌ على امرأةٍ نِكاحًا وهي تَجحَدُ فصالَحَتْه على مالٍ بَذَلَتْه له حتى يَترُكَ الدَّعوى جازَ، وكان في مَعنى الخُلعِ؛ لأنَّ أُمورَ المُسلِمينَ مَحمولةُ على الصِّحَّةِ إذا أمكَنَ حَملُها، وقد أمكَنَ حَملُها على هذا الوَجهِ.
وهذا في القَضاءِ، أمَّا فيما بَينَه وبَينَ اللهِ فلا يَحِلُّ له أنْ يأخُذَه إذا كان كاذِبًا.
وإنِ ادَّعتِ امرأةٌ نِكاحًا على رَجُلٍ فصالَحَها على مالٍ بَذَلَه لها لَم يَجُزْ؛
стр. 4505
لأنَّه بَذَلَ لها المالَ لِتَركِ الدَّعوَى، فإنْ جعَل تَركَ الدَّعوى منها فُرقةً فالزَّوجُ لا يُعطَى العِوَضَ في الفُرقةِ، وإنْ لَم يَجعَلْ فُرقةً فلا شَيءَ في مُقابَلةِ العِوَضِ الذي بَذَلَه لها فلا يَصحُّ (١).
وقال المالِكيَّةُ:
١ - يَجوزُ الصُّلحُ عن دَينٍ بشَيءٍ يُباعُ به ذلك الدَّينُ بشَرطِ النَّقدِ والتَّعجيلِ أي بما يَصحُّ بَيعُه به؛ كدَعواه عَرضًا أو حَيَوانًا أو طَعامًا مِنْ قَرضٍ فصالَحَه بدَنانيرَ أو دَراهِمَ أو هُما، أو بعَرضٍ أو طَعامٍ مُخالِفٍ لِلمَصالِحِ عنه نَقدًا لا مُؤجَّلًا، ولا بمَنافِعَ كسُكنى دارٍ أو رُكوبِ دابَّةٍ لِفَسخِ الدَّينِ في الدَّينِ؛ لأنَّ التَّأجيلَ يُؤدِّي إلى فَسخِ دَينٍ في دَينٍ، وذلك مَمنوعٌ؛ لِنَهيِ النَّبيِّ ﷺ عن بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ.
٢ - جازَ الصُّلحُ عن ذهَب بوَرِقٍ وعَكسُه بشَرطِ حُلولِ المَصالِحِ عنه وبه، والتَّعجيلِ في المَصالِحِ به.
أمَّا اشتِراطُ الحُلولِ فلأنَّه شَرطٌ في الذهَب والفِضَّةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فقُلْتُ: إِنَّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالنَّقِيعِ فأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ فَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، فقَالَ:
стр. 4506
«لا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَم تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (١).
وأمَّا التَّعجيلُ فذلك شَرطٌ؛ وإلَّا لَزِمَ الصَّرفُ المُؤخَّرُ؛ ولأنَّه سَلَفٌ وبَيعٌ مِنَ المُشتَري لِلبائِعِ.
٣ - يَجوزُ الصُّلحُ عن عَرضٍ أو طَعامٍ غيرِ المُعاوَضةِ بعَينٍ، أو عَرضٍ مُخالِفٍ لِلعَرضِ المُصالَحِ عنه حالًّا أو مُؤجَّلًا؛ لأنَّ غايةَ ما فيه بَيعُ مُعيَّنٍ بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ، وإنَّما يَستَوي المُعيَّنُ والمِثليُّ؛ لأنَّ كلًّا منهما يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه.
٤ - جازَ الصُّلحُ بشَيءٍ على الافتِداءِ مِنْ يَمينٍ تَوجَّهتْ على المُدَّعَى عليه المُنكِرِ، ولو عَلِمَ بَراءةَ نَفْسِه؛ لأنَّ المُدَّعَى عليه لا يَخلو أنْ يَكونَ مُحِقًّا في إنكارِه، أو مُبطِلًا، فإنْ كان مُحِقًّا فقد دَفَعَ عن نَفْسِه شَرَّ المُدَّعِي وتَبذيلَه إيَّاه ونَزَّهَ نَفْسَه عن اليَمينِ التي تَثقُلُ على أهلِ المُروءاتِ والدِّينِ، وتَستَبِقُ الظِّنةَ إلى المُقدِمِ عليها، ولأنَّ اليَمينَ الثابِتةَ لِلمُدَّعَى عليه حَقٌّ ثابِتٌ؛ لِسُقوطِها تأثيرٌ في إسقاطِ المالِ، فجازَ أنْ يُؤخَذَ عنه المالُ على وَجهِ الصُّلحِ، أصلُه القَوَدُ في دَمِ العَمدِ.
ويَجوزُ الافتِداءُ مِنَ اليَمينِ، ولو عَلِمَ بَراءةَ نَفْسِه؛ لأنَّ بَذْلَ المالِ فيه ليس إضاعةً له؛ لأنَّه مَصلَحةٌ، ولا يُقالُ: أطعَمَه مالَه بالباطِلِ؛ لأنَّه يَقولُ: دَفَعتُ الظُّلمَ عن نَفْسي، وأمَّا إطعامُ الغَيرِ الحَرامَ فلا سَبيلَ على المَظلومِ فيه: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢].
стр. 4507
٥ - ويَجوزُ الصُّلحُ عن دَمِ العَمدِ نَفْسًا أو جُرحًا بما قَلَّ مِنَ المالِ وكَثُرَ؛ لأنَّ العَمدَ لا ديةَ له أصالةً.
ولذي دَينٍ مُحيطٍ على الجاني مَنعُ الجاني مِنَ الصُّلحِ بمالٍ؛ لِإسقاطِ القِصاصِ عن نَفْسِه أو عُضوٍ؛ لِما فيه مِنْ إتلافِ مالِه الذي يَستحِقُّه رَبُّ الدَّينِ في دَينِه.
ويَجوزُ وُقوعُ الصُّلحِ على أنْ يَرتَحِلَ القاتِلُ مِنْ بَلَدِ الأولياءِ ويُحكَمَ على القاتِلِ ألَّا يُساكِنَهم أبَدًا، كما شَرَطوه، وعليه فإنْ لَم يَرتَحِلِ القاتِلُ أو عادَ وكان الدَّمُ ثابِتًا كان لهم القَوَدُ في العَمدِ والدِّيةُ في الخَطأِ، وإنْ لَم يَكُنْ ثَبَتَ كان لِوَرَثةِ المَقتولِ العَودُ لِلخِصامِ، ولا يَكونُ الصُّلحُ قاطِعًا لِخِصامِهم.
ما لا يَجوزُ الصُّلحُ فيه وعِلَّةُ المَنعِ:
١ - لا يَجوزُ الصُّلحُ بثَمانيةٍ نَقدًا عن عَشَرةٍ مُؤجَّلةٍ؛ لِما فيه مِنْ: ضَعْ وتَعجَّلْ.
٢ - لا يَجوزُ الصُّلحُ عن ثَمانيةٍ نَقدًا بعَشَرةٍ مُؤجَّلةٍ؛ لِما فيه مِنْ: حُطَّ الضَّمانَ وأزيدُكَ.
٣ - لا بدراهِمَ عن دَنانيرَ مُؤجَّلةٍ ولا عَكسُه؛ لأنَّه لا يَجوزُ في الذهَب بالذهَب ولا الفِضَّةِ بالفِضَّةِ ولا في أحَدِ الجِنسَيْنِ بالآخَرِ أنْ يَتأخَّرَ القَبضُ عن العَقدِ بحالٍ.
٤ - لا يَجوزُ الصُّلحُ على تَأخيرِ ما أنكَرَ المُدَّعَى عليه؛ كأنْ يَدَّعي عليه
стр. 4508
بعَشَرةٍ حالَّةٍ فأنكَرَها المُدَّعى عليه ثم صالَحَه على أنْ يُؤخِّرَه بها أو ببَعضِها إلى شَهرٍ مَثَلًا؛ فإنَّه لا يَجوزُ.
ويَجوزُ الصُّلحُ على تَأخيرِ ما أنكَرَ المُدَّعَى عليه عندَ ابنِ القاسِمِ وأصبَغَ، وهو مُقابِلُ المَشهورِ مِنَ المَذهبِ، والدَّليلُ عليه أنَّ ذلك جائِزٌ على دَعوى المُتصالِحَيْنِ أنَّ دَعواهُما لَم تَتَّفِقْ على فَسادٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَقولُ: لا حَرامَ علَيَّ فيما فَعَلتُ؛ لأني واهِبٌ لِما أعطَيتُ.
٥ - ولا يَجوزُ الصُّلحُ بمَجهولٍ جِنسًا أو قَدرًا أو صِفةً؛ لأنَّه بَيعٌ وإجارةٌ أو إبراءٌ، فلا بُدَّ مِنْ تَعيُّنِ ما صالَحَ به؛ لأنَّ المُصالَحَ به يَجبُ أنْ يَكونَ مَعلومًا قياسًا على البَيعِ، والبَيعُ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ في شَيءٍ بغَيرِ صِفةٍ ولا رُؤيةٍ؛ لِنَهيِه ﷺ عن بَيعِ الغَرَرِ، وهذا منه؛ لأنَّ المُشتَريَ يَعقِدُ على مَجهولٍ لَم يَعرِفْه برُؤيةٍ ولا صِفةٍ، ولأنَّ الجَهلَ بصِفةِ المَبيعِ حالَ العَقدِ يُوجِبُ بُطلانَه أصلُه السَّلَمُ بغَيرِ صِفةٍ.
ولا يَحِلُّ الصُّلحُ لِلظَّالِمِ في الواقِعِ، ولو حَكَمَ له حاكِمٌ يَرى حِلَّه لِلظالِمِ.
ولو أقَرَّ الظالِمُ منهما بعدَ الصُّلحِ فلِلمَظلومِ نَقضُه؛ لأنَّه كالمَغلوبِ عليه، أو شَهِدتْ لِلمَظلومِ منهما بَيِّنةٌ لَم يَعلَمْها حالَ الصُّلحِ -وإنْ كانتْ حاضِرةً بالبَلَدِ- فلَه نَقضُه إنْ حلَف أنَّه لَم يَعلَمْ بها، وإلا فلا، وأَوْلَى إنْ أقَرَّ أو شَهِدَ عليه بعِلمِه بها، أو يَعلَمُها، ولكنْ بَعُدتْ جِدًّا (١).
стр. 4509
وقال الشافِعيَّةُ: ما ليس بمالٍ ولا يَؤُولُ إلى المالِ -كحَدِّ القَذفِ- لا يَصحُّ الصُّلحُ عليه بعِوَضٍ، وكذا كلُّ حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ ؛ كالزِّنا والسَّرِقةِ، كأنْ يُصالِحَ زانِيًا على ما يأخُذُه منه على ألَّا يَرفَعَ أمرَه إلى القَضاءِ -مَثَلًا- كي لا يُقيمَ عليه الحَدَّ، لَم يَصحَّ الصُّلحُ؛ لأنَّ الحدَّ حَقُّ اللهِ ، ولا يَصحُّ الاعتياضُ عن حَقِّ الغَيرِ على أنَّ الصُّلحَ مِنَ الحُدودِ صُلحٌ يُحِلُّ الحَرامَ، فلا يَجوزُ.
لِمَا رُويَ عَنْ أَبِي هُريرةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄ قَالَا: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فقَالُوا لي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، ففَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِئَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ- فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فارْجُمْهَا»، فغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا (١).
ويَحرُمُ الصُّلحُ على إشراعِ الجَناحِ أو الساباطِ بعِوَضٍ، وإنْ صالَحَ عليه
стр. 4510
الإمامُ؛ لأنَّ الهَواءَ لا يُفرَدُ بالعَقدِ، وإنَّما يَتبَعُ القَرارَ، كالحَملِ عن الأُمِّ؛ ولأنَّه إنْ ضَرَّ لَم يَجُزْ فِعلُه، وإنْ لَم يَضُرَّ فالمُخرِجُ مُستحِقُّه، وما يَستحِقُّه الإنسانُ في الطَّريقِ لا يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالمُرورِ.
ويَجوزُ أنْ يُصالِحَ على إجراءِ الماءِ وعلى إلقاءِ الثَّلجِ في مِلكِ المُصالَحِ معه على مالٍ؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى ذلك، لكنَّ مَحَلَّه في الماءِ المَجلوبِ مِنْ نَهَرٍ ونَحوِه إلى أرضِه، والحاصِلُ إلى سَطحِه مِنَ المَطَرِ.
أمَّا غَسالةُ الثِّيابِ والأواني فلا يَجوزُ الصُّلحُ على إجرائِها على مالٍ؛ لأنَّه مَجهولٌ لا تَدعو الحاجةُ إليه، وإنْ خالَفَ في ذلك البُلْقِينيُّ، وقال: إنَّ الحاجةَ إليه أكثَرُ مِنْ حاجةِ البِناءِ على الأرضِ.
وشَرطُ المُصالَحةِ على إجراءِ ماءِ المَطَرِ على سَطحٍ غَيرِه ألَّا يَكونَ له مَصرِفٌ إلى الطَّريقِ إلا بمُرورِه على سَطحِ جارِه، قاله الإسنَويُّ.
ومَحَلُّ الجَوازِ في الثَّلجِ إذا كان في أرضِ الغَيرِ، لا في سَطحِه؛ لِما فيه مِنَ الضَّرَرِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: ويَصحُّ الصُّلحُ عما تَعذَّرَ عِلمُه مِنْ دَينٍ أو عَينٍ، كرَجُلَيْنِ بَينَهما مُعامَلةٌ، وحِسابٍ مَضى عليه زَمَنٌ، ولا عِلمَ لِواحِدٍ منهما بما عليه لِصاحِبِه؛ لِمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لِرَجُلَيْنِ اختَصَما في
стр. 4511
مَواريثَ دَرَسَتْ بَينَهما: «أَمَا إِذْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ تَحَالَّا» (١).
ولأنَّه إسقاطُ حَقٍّ فصَحَّ في المَجهولِ لِلحاجةِ، ولِئلَّا يُفضيَ إلى ضياعِ المالِ أو بَقاءِ شَغلِ الذِّمَّةِ؛ إذ لا طَريقَ إلى التَّخلُّصِ إلا به.
فأمَّا ما تُمكِنُ مَعرِفتُه فلا يَجوزُ.
وإنْ قال: «أقِرَّ لي بدَيْني وأُعطيكَ منه كذا»، فأقَرَّ لَزِمَه الدَّينُ؛ لأنَّه لا عُذرَ لِمَنْ أقَرَّ؛ ولأنَّه أقَرَّ بحَقٍّ يَحرُمُ عليه إنكارُه.
ولَم يَلزَمْه أنْ يُعطيَه لِوُجوبِ الإقرارِ عليه بلا عِوَضٍ.
وإنْ صالَحَ عن المُؤجَّلِ ببَعضِه حالًّا لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَبذُلُ القَدْرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعجيلِ ما في ذِمَّتِه، وبَيعُ الحُلولِ والتَّأجيلِ لا يَجوزُ.
وإذا صالَحَه عن ألْفٍ حالَّةٍ بنِصفِها مُؤجَّلًا اختيارًا منه صَحَّ الإسقاطُ فَقَطْ؛ لأنَّه أسقَطَ عن طِيبِ نَفْسِه، ولا مانِعَ مِنْ صِحَّتِه ولَم يَصحَّ التَّأجيلُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتأجَّلُ.
ويَصحُّ الصُّلحُ عن كلِّ ما يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، سَواءٌ كان ممَّا يَجوزُ بَيعُه، أو لا يَجوزُ فيَصحُّ عن دَمِ العَمدِ وسُكنى الدارِ وعَيبِ المَبيعِ.
ومتى صالَحَ عمَّا يُوجِبُ القِصاصَ بأكثَرَ مِنْ دِيَتِه أو أقَلَّ جازَ، وقد رُوِيَ أنَّ الحَسنَ والحُسينَ وسَعيدَ بنَ العاصِ بَذَلوا لِلذي وجَب له
стр. 4512
القِصاصُ على هُدبةَ بنِ خَشرَمَ سَبعَ دِياتٍ، فأبى أنْ يَقبَلَها، ولأنَّ المالَ غيرُ مُتعيَّنٍ، فلا يَقَعُ العِوَضُ في مُقابَلَتِه.
فأمَّا إنْ صالَحَ عن قَتلِ الخَطَأِ بأكثَرَ مِنْ دِيَتِه مِنْ جِنسِها لَم يَجُزْ؛ لأنَّ الدِّيةَ ثَبَتتْ في الذِّمَّةِ مُقدَّرةً، فلَم يَجُزْ أنْ يُصالِحَ عنها بأكثَرَ منها مِنْ جِنسِها كالثابِتةِ عن قَرضٍ أو ثَمَنِ مَبيعٍ؛ ولأنَّه إذا أخَذَ أكثَرَ منها فقد أخَذَ حَقَّه وزيادةً لا مُقابِلَ لها، فيَكونُ أكلَ مالًا بالباطِلِ، فأمَّا إنْ صالَحَه على غيرِ جِنسِها بأكثَرَ قيمةً منها جازَ؛ لأنَّه بَيعُ ويَجوزُ أنْ يَشتَريَ الشَّيءَ بأكثَرَ مِنْ قيمَتِه أو أقَلَّ.
ومَن صالَحَ عن دارٍ ونَحوِها فبانَ العِوَضُ مُستحَقًّا لِغَيرِ المُصالَحِ أو بانَ القِنُّ حُرًّا، رجَع بالدارِ المُصالَحِ عنها ونَحوِها إنْ بَقيَتْ، وببَدَلِها إنْ تَلِفتْ إنْ كان الصُّلحُ مع الإقرارِ، أي: إقرارِ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّه بَيعٌ حَقيقةً، وقد تَبيَّنَ فَسادُه، لِفَسادِ عِوَضِه فرجَع فيما كان له.
وبالدَّعوى مع الإنكارِ، أي: يَرجِعُ إلى دَعواه قبلَ الصُّلحِ؛ لِفَسادِه فيَعودُ الأمرُ إلى ما كان عليه قَبلَه.
الصُّلحُ عما ليس بمالٍ:
ولا يَصحُّ الصُّلحُ عن خيارٍ أو شُفعةٍ أو حَدِّ قَذفٍ؛ لأنَّها لَم تُشرَعْ لاستِفادةِ مالٍ، بلِ الخيارُ لِلنَّظَرِ في الأحَظِّ، والشُّفعةُ لِإزالةِ ضَرَرِ الشَّرِكةِ، وحَدُّ القَذفِ لِلزَّجرِ عن الوُقوعِ في أعراضِ الناسِ.
وتَسقُطُ جَميعُها بالصُّلحِ؛ لأنَّه رَضيَ بتَرْكِها.
стр. 4513
ولا يَصحُّ أنْ يُصالِحَ شارِبًا أو سارِقًا لِيُطلِقَه؛ لأنَّه لا يَصحُّ أخْذُ العِوَضِ في مُقابَلَتِه.
ولا يَصحُّ أنْ يُصالِحَ شاهِدًا لِيَكتُمَ شَهادَتَه، لِتَحريمِ كِتمانِها إنْ صالَحَه على ألَّا يَشهَدَ عليه بحَقٍّ للهِ ، أو لِآدَميٍّ، وكذا ألَّا يَشهَدَ عليه بالزُّورِ؛ لأنَّه لا يُقابَلُ بعِوَضٍ (١).
أركانُ الصُّلحِ وشُروطُه:
ذَكَر فُقهاءُ الحَنفيَّةِ أركانًا وشُروطًا لِلصُّلحِ، فقالوا:
رُكنُ الصُّلحِ: الإيجابُ والقَبولُ المَوضوعانِ لِلصُّلحِ: وهو أنْ يَقولَ المُدَّعَى عليه: «صالَحتُكَ مِنْ كذا على كذا»، أو: «مِنْ دَعواكَ كذا على كذا»، ويَقولَ الآخَرُ: «قَبِلتُ»، أو: «رَضيتُ»، أو ما يَدلُّ على قَبولِه ورِضاهُ، فإذا وُجِدَ الإيجابُ والقَبولُ فقد تَمَّ عَقدُ الصُّلحِ.
وأمَّا شَرائِطُ الصُّلحِ:
يُشترَطُ في عَقدِ الصُّلحِ شُروطٌ بَعضُها يَرجِعُ إلى المُصالَحِ، وبَعضُها يَرجِعُ إلى المُصالَحِ عليه، وبَعضُها يَرجِعُ إلى المُصالَحِ عنه:
أمَّا الذي يَرجِعُ إلى المُصالَحِ فأنواعٌ، منها:
١ - أنْ يَكونَ عاقِلًا، وهذا شَرطٌ عامٌّ في جَميعِ التَّصرُّفاتِ، فلا يَصحُّ
стр. 4514
صُلحُ المَجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقِلُ؛ لِانعدامِ أهليَّةِ التَّصرُّفِ بانعِدامِ العَقلِ.
فأمَّا البُلوغُ فليس بشَرطٍ حتى يَصحَّ صُلحُ الصَّبيِّ في الجُملةِ، وهو الصَّبيُّ المأذونُ إذا كان له فيه نَفْعٌ، أو لم يَكُنْ له فيه ضَرَرٌ ظاهِرٌ.
بَيانُ ذلك إذا وجَب لِلصَّبيِّ المأذونِ على إنسانٍ دَينٌ فصالَحَه على بَعضِ حَقِّه فإنْ لَم يَكُنْ له عليه بَيِّنةٌ جازَ الصُّلحُ؛ لأنَّه عندَ انعِدامِ البَيِّنةِ لا حَقَّ له إلا الخُصومةَ والحَلِفَ، والمالُ أنفَعُ له منهما، وإنْ كان له عليه بَيِّنةٌ لا يَجوزُ الصُّلحُ؛ لأنَّ الحَطَّ تَبرُّعٌ، وهو لا يَملِكُ التَّبرُّعاتِ، ولو أخَّرَ الدَّينَ جازَ، سَواءٌ كانتْ له بَيِّنةٌ أو لا، فَرقًا بَينَه وبَينَ الصُّلحِ؛ لأنَّ تَأخيرَ الدَّينِ مِنْ أعمالِ التِّجارةِ، والصَّبيُّ المَأذونُ في التِّجاراتِ كالبالِغِ، ألَا تَرى أنَّه يَملِكُ التَّأجيلَ في العَقدِ نَفْسِه، بأنْ يَبيعَ بأجَلٍ، فيَملِكَه مُتأخِّرًا عن العَقدِ أيضًا، بخِلافِ الحَطِّ؟ لأنَّه ليس مِنَ التِّجارةِ، بل هو تَبرُّعٌ، فلا يَملِكُه، إلا أنَّه يَملِكُ حَطَّ بَعضِ الثَّمَنِ لِأجْلِ العَيبِ؛ لأنَّ حَطَّ بَعضِ الثَّمَنِ لِلعَيبِ قد يَكونُ أنفَعَ مِنْ أخْذِ المَبيعِ المَعيبِ، فكان ذلك مِنْ بابِ التِّجارةِ، فيَملِكُه.
٢ - وألَّا يَكونَ المُصالِحُ بالصُّلحِ على الصَّغيرِ مُضِرًّا به مَضَرَّةً ظاهِرةً، حتى إنَّ مَنْ ادَّعى على صَبيٍّ دَينًا فصالَحَ أبو الوَصيِّ مِنْ دَعواه على مالِ الصَّبيِّ الصَّغيرِ فإنْ كانَ لِلمُدَّعِي بَيِّنةٌ وما أعطَى مِنَ المالِ مِثلَ الحَقِّ المُدَّعَى أو زيادةً يُتغابَنُ في مِثلِها فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّ الصُّلحَ في هذه الصُّورةِ لِمَعنى المُعاوَضةِ؛ لِإمكانِ الوُصولِ إلى كلِّ الحَقِّ بالبَيِّنةِ، والأبُ يَملِكُ المُعاوَضةَ مِنْ مالِ الصَّغيرِ بالغَبنِ اليَسيرِ، وإنْ لَم تَكُنْ له بَيِّنةٌ لا يَجوزُ؛ لأنَّه
стр. 4515
عندَ انعِدامِ البَيِّنةِ يَقَعُ الصُّلحُ تَبرُّعًا بمالِ الصَّغيرِ، وهو ضَرَرٌ مَحضٌ، فلا يَملِكُه الأبُ.
ولو صالَحَ الأبُ مِنْ مالِ نَفْسِه جازَ؛ لأنَّه ما أضَرَّ بالصَّغيرِ، بل نَفَعَه حيثُ قَطَعَ الخُصومةَ عنه.
ولو ادَّعى أبو الصَّغيرِ على إنسانٍ دَينًا لِلصَّغيرِ فصالَحَ على أنْ حَطَّ بَعضَه وأخَذَ البَقيَّةَ فإنْ كان له عليه بَيِّنةٌ لا يَجوزُ؛ لأنَّ الحَطَّ منه تَبرُّعٌ مِنْ مالِه، وهو لا يَملِكُ ذلك، وإنْ صالَحَه على مِثلِ قيمةِ ذلك الشَّيءِ أو أنقَصَ منه شَيئًا يَسيرًا جازَ؛ لأنَّ الصُّلحَ في هذه الصُّورةِ بمَعنى البَيعِ، وهو يَملِكُ البَيعَ، فيَملِكُ الصُّلحَ.
وهل يَملِكُ الأبُ الحَطَّ مِنْ دَينٍ وجَب لِلصَّغيرِ والإبراءَ عنه؟ هذا لا يَخلو مِنْ أحَدِ وَجهَيْنِ:
إنْ لَم يَكُنْ وَلِيَ العَقدَ بنَفْسِه فلا يَجوزُ بالإجماعِ؛ لأنَّ الحَطَّ والإبراءَ مِنْ بابِ التَّبرُّعِ، والأبَ لا يَملِكُ التَّبرُّعَ؛ لِكَونِه مَضَرَّةٌ مَحضةٌ.
وإنْ كان وَلِيَه بنَفْسِه يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ وعندَ أبي يُوسُفَ لا يَجوزُ، وهذا على اختِلافِهم في الوَكيلِ بالبَيعِ إذا أبرَأَ المُشتَري عن الثَّمَنِ أو حَطَّ بَعضَه.
٣ - أنْ يَكونَ المُصالِحُ عن الصَّغيرِ ممَّن يَملِكُ التَّصرُّفَ في مالِه؛ كالأبِ والجَدِّ والوَصيِّ؛ لأنَّ الصُّلحَ تَصرُّفٌ في المالِ، فيَختَصُّ بمَن يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه.
стр. 4516
٤ - ألَّا يَكونَ المُصالَحُ مُرتَدًّا عندَ أبي حَنيفةَ، وعِندَهما صُلحُه نافِذٌ، بِناءً على أنَّ تَصرُّفاتِ المُرتَدِّ مَوقوفةٌ عندَه، وعِندَهما نافِذةٌ، لكنْ عندَ مُحمدٍ نَفاذُ تَصرُّفِ المَريضِ، وعندَ أبي يُوسُفَ نَفاذُ تَصرُّفِ مَنْ عليه القِصاصُ في النَّفسِ.
وأمَّا المُرتَدَّةُ فصُلحُها جائِزٌ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ حُكمَها حُكمُ الحَربيَّةِ، إلا أنَّها إذا التَحَقتْ بدارِ الحَربِ وقَضى القاضي بذلك بطَل بَعضُه دونَ بَعضٍ؛ كصُلحِ الحَربيَّةِ؛ لِثُبوتِ أحكامِ أهلِ الحَربِ في حَقِّها بالتِحاقِها بدارِ الحَربِ.
وأمَّا الشَّرائِطُ التي تَرجِعُ إلى المَصالِحِ عليه فأنواعٌ، منها:
١ - أنْ يَكونَ مالًا، فلا يَصحُّ الصُّلحُ على الخَمرِ والمَيتةِ والدَّمِ وصَيدِ الإحرامِ والحُرُمِ، وكلِّ ما ليس بمالٍ؛ لأنَّ في الصُّلحِ مَعنى المُعاوَضةِ، فما لا يَصلُحُ عِوَضًا في البِياعاتِ لا يَصلُحُ بَدَلَ الصُّلحِ.
وسَواءٌ كان المالُ المُصالَحُ عليه عَينًا أو دَينًا أو مَنفَعةً ليستْ بعَينٍ ولا دَينٍ؛ لأنَّ العِوَضَ في المُعاوَضاتِ المُطلَقةِ قد يَكونُ عَينًا، وقد يَكونُ دَينًا، وقد يَكونُ مَنفَعةً إلا أنَّه يُشترَطُ القَبضُ في بَعضِ الأعواضِ في بَعضِ الأحوالِ دونَ بَعضٍ.
وجُملةُ الكَلامِ فيه أنَّ المُدَّعَى لا يَخلو مِنْ أحَدِ وُجوهٍ:
إمَّا أنْ يَكونَ عَينًا: وهو ما يَحتَمِلُ التَّعيينَ مُطلَقًا جِنسًا ونَوعًا وقَدْرًا وصِفةً واستِحقاقًا؛ كالعُروضِ مِنَ الثِّيابِ والعِقارِ مِنَ الأرضينَ والدُّورِ
стр. 4517
والحَيوانِ مِنَ العَبيدِ والدَّوابِّ والمَكيلِ مِنَ الحِنطةِ والشَّعيرِ والمَوزونِ مِنَ الصُّفرِ والحَديدِ.
وإمَّا أنْ يَكونَ دَينًا: وهو ما لا يَحتمِلُ التَّعيينَ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ والمَكيلِ المَوصوفِ في الذِّمَّةِ والمَوزونِ المَوصوفِ سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ والثِّيابِ المَوصوفةِ والحَيوانِ المَوصوفِ في الذِّمَّةِ.
وإمَّا أنْ يَكونَ مَنفَعةً: كسُكنى دارٍ مُعيَّنةٍ.
وإمَّا أنْ يَكونَ حَقًّا ليس بعَينٍ ولا دَينٍ ولا مَنفَعةٍ.
وبَدَلُ الصُّلحِ لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ عَينًا أو دَينًا أو مَنفَعةً، والصُّلحُ لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ عن إقرارِ المُدَّعَى عليه أو عن إنكارِه أو عن سُكوتِه.
فإنْ كان المُدَّعَى عَينًا فصالَحَ منها عن إقرارٍ يَجوزُ، سَواءٌ كانَ بَدَلُ الصُّلحِ عَينًا أو دَينًا، بعدَ أنْ كان مَعلومَ القَدْرِ والصِّفةِ؛ إلا الحَيَوانَ وإلا الثِّيابَ إلا بجَميعِ شَرائِطِ السَّلَمِ -التي سبَق ذِكرُها-؛ لأنَّ هذا الصُّلحَ مِنَ الجانبَيْنِ جَميعًا في مَعنى البَيعِ، فكانَ بَدَلُ الصُّلحِ في مَعنى الثَّمَنِ، وهذه الأشياءُ تَصلُحُ ثَمَنًا في البِياعاتِ عَينًا كانتْ أو دَينًا، إلا الحَيَوانَ؛ لأنَّه يَثبُتُ دَينًا في الذِّمَّةِ بَدَلًا ممَّا هو مالٌ أصلًا، والثِّيابُ لا تَثبُتُ دَينًا في الذِّمَّةِ إلا بشَرائِطِ السَّلَمِ مِنْ بَيانِ القَدْرِ والوَصفِ والأجَلِ، والمَكيلُ والمَوزونُ يَثبُتانِ في الذِّمَّةِ مُطلَقًا في المُعاوَضةِ المُطلَقةِ مِنْ غيرِ أجَلٍ، ولا يُشترَطُ قَبضُه في المَجلِسِ؛ لأنَّه ليس بصَرفٍ، ولا في تَركِ قَبضِه افتِراقٌ عن دَينٍ بدَينٍ، بل هو افتِراقٌ عن عَينٍ بعَينٍ أو عَينٍ بدَينٍ، وكلُّ ذلك جائِزٌ.
стр. 4518
وإنْ كان المُدَّعَى به دَينًا والصُّلحُ عن إقرارٍ:
فإنْ كان دَراهِمَ أو دَنانيرَ فصالَحَ منها لا يَخلو مِنْ أحَدِ وَجهَيْنِ: إمَّا أنْ يُصالِحَ منها على خِلافِ جِنسِها أو يُصالِحَ منها على جِنسِها:
فإنْ صالَحَ منها على خِلافِ جِنسِها فإنْ صالَحَ منها على عَينٍ جازَ؛ لأنَّ الصُّلحَ عليها في مَعنى بَيعِ الدَّينِ بالعَينِ، وهو جائِزٌ ولا يُشترَطُ القَبضُ.
وإنْ صالَحَ منها على دَينٍ سِواه لا يَجوزُ؛ لأنَّه بائِعٌ ما ليس عندَه؛ لأنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ أثْمانٌ أبَدًا، وما وَقَعَ عليه الصُّلحُ مَبيعٌ، فالصُّلحُ في هذه الصُّورةِ يَقَعُ بَيعَ ما ليس عندَ البائِعِ، وهو مَنهيٌّ عنه.
وإنْ صالَحَ منها على جِنْسِها فإنْ صالَحَ مِنْ دَراهِمَ على دَراهِمَ فهذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
إمَّا أنْ يُصالِحَ على مِثلِ حَقِّه.
وإمَّا أنْ يُصالِحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه.
وإمَّا أنْ يُصالِحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه.
فإنْ صالَحَ على مِثلِ حَقِّه قَدْرًا ووَصْفًا، بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ جِيادٍ على ألْفٍ جِيادٍ فلا شَكَّ في جَوازِه، ولا يُشترَطُ القَبضُ؛ لأنَّ هذا استِيفاءُ عَينِ حَقِّه أصلًا ووَصفًا.
ولو صالَحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه قَدْرًا ووَصْفًا بأنْ صالَحَ مِنَ الألْفِ الجِيادِ على خَمسِمِئةٍ نَبَهرَجةٍ يَجوزُ أيضًا، ويُحمَلُ على استِيفاءِ بَعضِ عَينِ الحَقِّ أصلًا، والإبراءِ عن البَقيَّةِ أصلًا ووَصفًا؛ لأنَّ أُمورَ المُسلِمينَ مَحمولةٌ على
стр. 4519
الصَّلاحِ والسَّدادِ ما أمكَنَ، ولو حُمِلَ على المُعاوَضةِ يُؤدِّي إلى الرِّبا؛ لأنَّه يَصيرُ بائِعًا ألْفًا بخَمسِمِئةٍ، وهو رِبًا؛ فيُحمَلُ على استِيفاءِ بَعضِ الحَقِّ والإبراءِ عن البَقيَّةِ، ولا يُشتَرَطُ القَبضُ، ويَجوزُ مُؤجَّلًا؛ لأنَّ جَوازَه ليس بطَريقِ المُعاوَضةِ لِيَكونَ صَرفًا.
وكذلك إنْ صالَحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه وَصفًا لا قَدْرًا، بأنْ صالَحَ عن ألْفٍ جِيادٍ على ألْفٍ نَبَهرَجةٍ، أو صالَحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه قَدْرًا لا وَصفًا، بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ جِيادٍ على خَمسِمِئةٍ جَيِّدةٍ، يَجوزُ ويُحمَلُ على استِيفاءِ بَعضٍ، والحَطُّ والإبراءُ والتَّجوُّزُ بدونِ الحَقِّ أصلًا ووَصفًا يَجوزُ مِنْ غيرِ قَبضٍ ومُؤجَّلًا.
ولو صالَحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه قَدْرًا ووَصفًا؛ بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ نَبَهرَجةٍ على ألْفٍ وخَمسِمِئةٍ جِيادٍ، أو صالَحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه قَدْرًا لا وَصفًا، بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ جِيادٍ على ألْفٍ وخَمسِمِئةٍ نَبَهرَجةٍ لا يَجوزُ؛ لأنَّه رِبًا؛ لأنَّه يَحمِلُه على المُعاوَضةِ هنا؛ لِتَعذُّرِ حَملِه على استِيفاءِ بَعضٍ وإسقاطِ البَقيَّةِ.
وإنْ صالَحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه وَصفًا لا قَدْرًا، بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ نَبَهرَجةٍ على ألْفٍ جِيادٍ جازَ، ويُشترَطُ الحُلولُ أو التَّقابِضُ حتى لو كان الصُّلحُ مُؤجَّلًا، وإنْ لَم يُقبَضْ في المَجلِسِ يَبطُلْ؛ لأنَّه صَرفٌ.
وأمَّا إذا صالَحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه وَصفًا، وأقَلَّ منه قَدْرًا؛ بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ نَبَهرَجةٍ على خَمسِمِئةٍ جِيادٍ لا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ الآخَرُ، وكان يَقولُ أوَّلًا: لا يَجوزٌ، ثم رجَع.
стр. 4520
وَجْهُ قَولِه الأوَّلِ أنَّ هذا حَطُّ بَعضِ حَقِّه، وهو خَمسُمِئةٍ نَبَهرَجةٌ، فيَبقَى عليه خَمسُمِئةٍ نَبَهرَجةٌ؛ إلا أنَّه أحسَنُ في القَضاءِ بخَمسِمِئةٍ جَيِّدةٍ فلا يُمنَعُ عنه، حتى إنَّه لو امتَنَعَ لا يَكونُ عليه إلا خَمسُمِئةٍ نَبَهرَجةٌ.
وكذلك حُكمُ الدَّنانيرِ والصُّلحُ منها على دَنانيرَ، كحُكمِ الدَّراهِمِ في جَميعِ ما ذَكَرْنا، ولو صالَحَ مِنْ دَراهِمَ على دَنانيرَ، أو مِنْ دَنانيرَ على دَراهِمَ جازَ، ويُشترَطُ القَبضُ في المَجلِسِ؛ لأنَّه صَرفٌ.
والخُلاصةُ: أنَّ الصُّلحَ مَتى وَقَعَ على أقَلَّ مِنْ جِنسِ حَقِّ المُدَّعَى مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ يُعتبَرُ استِيفاءً لِبَعضِ الحَقِّ وإبراءً عن البَقيَّةِ.
ومَتى وَقَع على أكثَرَ مِنْ جِنسِ حَقِّه منها أو وَقَع على جِنسٍ آخَرَ مِنَ الدَّينِ والعَينِ يُعتبَرُ مُعاوَضةً؛ لأنَّه لا يُمكِنُ حَملُه على استِيفاءِ عَينِ الحَقِّ والإبراءِ عن البَقيَّةِ؛ لأنَّ استِيفاءَ عَينِ الحَقِّ مِنْ جِنسِه يَكونُ، ولَم يُوجَدْ فيُعتبَرُ مُعاوَضةً، فما جازَتْ به المُعاوَضاتُ يَجوزُ هذا، وما فَسَدتْ به تلك يَفسُدُ به هذا.
وعلى هذا: إذا صالَحَ مِنْ ألْفٍ حالَّةٍ على ألْفٍ مُؤجَّلةٍ جازَ ويُعتَبَرُ حَطًّا لِلحُلولِ وتَأجيلًا لِلدَّينِ وتَجوُّزًا بدونٍ مِنْ حَقِّه لا مُعاوَضةً.
ولو صالَحَ مِنْ ألْفٍ حالَّةٍ على خَمسِمِئةٍ قد ذَكَرْنا أنَّه يَجوزُ، ويُعتَبَرُ استِيفاءً لِبَعضِ حَقِّه وإبراءً عن البَقيَّةِ.
وأمَّا إذا صالَحَ على خَمسِمِئةٍ أنْ يُعطيَه إيَّاها فهذا لا يَخلو مِنْ أحَدِ وَجهَيْنِ إمَّا أنَّ يُؤَقِّتَ لِأداءِ الخَمسِمِئةِ وَقتًا، وإمَّا ألَّا يُؤَقِّتَ، فإذا لَم يُؤقِّتْ