٤ - ألَّا يَكونَ المُصالَحُ مُرتَدًّا عندَ أبي حَنيفةَ، وعِندَهما صُلحُه نافِذٌ، بِناءً على أنَّ تَصرُّفاتِ المُرتَدِّ مَوقوفةٌ عندَه، وعِندَهما نافِذةٌ، لكنْ عندَ مُحمدٍ نَفاذُ تَصرُّفِ المَريضِ، وعندَ أبي يُوسُفَ نَفاذُ تَصرُّفِ مَنْ عليه القِصاصُ في النَّفسِ.
وأمَّا المُرتَدَّةُ فصُلحُها جائِزٌ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ حُكمَها حُكمُ الحَربيَّةِ، إلا أنَّها إذا التَحَقتْ بدارِ الحَربِ وقَضى القاضي بذلك بطَل بَعضُه دونَ بَعضٍ؛ كصُلحِ الحَربيَّةِ؛ لِثُبوتِ أحكامِ أهلِ الحَربِ في حَقِّها بالتِحاقِها بدارِ الحَربِ.
وأمَّا الشَّرائِطُ التي تَرجِعُ إلى المَصالِحِ عليه فأنواعٌ، منها:
١ - أنْ يَكونَ مالًا، فلا يَصحُّ الصُّلحُ على الخَمرِ والمَيتةِ والدَّمِ وصَيدِ الإحرامِ والحُرُمِ، وكلِّ ما ليس بمالٍ؛ لأنَّ في الصُّلحِ مَعنى المُعاوَضةِ، فما لا يَصلُحُ عِوَضًا في البِياعاتِ لا يَصلُحُ بَدَلَ الصُّلحِ.
وسَواءٌ كان المالُ المُصالَحُ عليه عَينًا أو دَينًا أو مَنفَعةً ليستْ بعَينٍ ولا دَينٍ؛ لأنَّ العِوَضَ في المُعاوَضاتِ المُطلَقةِ قد يَكونُ عَينًا، وقد يَكونُ دَينًا، وقد يَكونُ مَنفَعةً إلا أنَّه يُشترَطُ القَبضُ في بَعضِ الأعواضِ في بَعضِ الأحوالِ دونَ بَعضٍ.
وجُملةُ الكَلامِ فيه أنَّ المُدَّعَى لا يَخلو مِنْ أحَدِ وُجوهٍ:
إمَّا أنْ يَكونَ عَينًا: وهو ما يَحتَمِلُ التَّعيينَ مُطلَقًا جِنسًا ونَوعًا وقَدْرًا وصِفةً واستِحقاقًا؛ كالعُروضِ مِنَ الثِّيابِ والعِقارِ مِنَ الأرضينَ والدُّورِ
стр. 4517
والحَيوانِ مِنَ العَبيدِ والدَّوابِّ والمَكيلِ مِنَ الحِنطةِ والشَّعيرِ والمَوزونِ مِنَ الصُّفرِ والحَديدِ.
وإمَّا أنْ يَكونَ دَينًا: وهو ما لا يَحتمِلُ التَّعيينَ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ والمَكيلِ المَوصوفِ في الذِّمَّةِ والمَوزونِ المَوصوفِ سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ والثِّيابِ المَوصوفةِ والحَيوانِ المَوصوفِ في الذِّمَّةِ.
وإمَّا أنْ يَكونَ مَنفَعةً: كسُكنى دارٍ مُعيَّنةٍ.
وإمَّا أنْ يَكونَ حَقًّا ليس بعَينٍ ولا دَينٍ ولا مَنفَعةٍ.
وبَدَلُ الصُّلحِ لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ عَينًا أو دَينًا أو مَنفَعةً، والصُّلحُ لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ عن إقرارِ المُدَّعَى عليه أو عن إنكارِه أو عن سُكوتِه.
فإنْ كان المُدَّعَى عَينًا فصالَحَ منها عن إقرارٍ يَجوزُ، سَواءٌ كانَ بَدَلُ الصُّلحِ عَينًا أو دَينًا، بعدَ أنْ كان مَعلومَ القَدْرِ والصِّفةِ؛ إلا الحَيَوانَ وإلا الثِّيابَ إلا بجَميعِ شَرائِطِ السَّلَمِ -التي سبَق ذِكرُها-؛ لأنَّ هذا الصُّلحَ مِنَ الجانبَيْنِ جَميعًا في مَعنى البَيعِ، فكانَ بَدَلُ الصُّلحِ في مَعنى الثَّمَنِ، وهذه الأشياءُ تَصلُحُ ثَمَنًا في البِياعاتِ عَينًا كانتْ أو دَينًا، إلا الحَيَوانَ؛ لأنَّه يَثبُتُ دَينًا في الذِّمَّةِ بَدَلًا ممَّا هو مالٌ أصلًا، والثِّيابُ لا تَثبُتُ دَينًا في الذِّمَّةِ إلا بشَرائِطِ السَّلَمِ مِنْ بَيانِ القَدْرِ والوَصفِ والأجَلِ، والمَكيلُ والمَوزونُ يَثبُتانِ في الذِّمَّةِ مُطلَقًا في المُعاوَضةِ المُطلَقةِ مِنْ غيرِ أجَلٍ، ولا يُشترَطُ قَبضُه في المَجلِسِ؛ لأنَّه ليس بصَرفٍ، ولا في تَركِ قَبضِه افتِراقٌ عن دَينٍ بدَينٍ، بل هو افتِراقٌ عن عَينٍ بعَينٍ أو عَينٍ بدَينٍ، وكلُّ ذلك جائِزٌ.
стр. 4518
وإنْ كان المُدَّعَى به دَينًا والصُّلحُ عن إقرارٍ:
فإنْ كان دَراهِمَ أو دَنانيرَ فصالَحَ منها لا يَخلو مِنْ أحَدِ وَجهَيْنِ: إمَّا أنْ يُصالِحَ منها على خِلافِ جِنسِها أو يُصالِحَ منها على جِنسِها:
فإنْ صالَحَ منها على خِلافِ جِنسِها فإنْ صالَحَ منها على عَينٍ جازَ؛ لأنَّ الصُّلحَ عليها في مَعنى بَيعِ الدَّينِ بالعَينِ، وهو جائِزٌ ولا يُشترَطُ القَبضُ.
وإنْ صالَحَ منها على دَينٍ سِواه لا يَجوزُ؛ لأنَّه بائِعٌ ما ليس عندَه؛ لأنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ أثْمانٌ أبَدًا، وما وَقَعَ عليه الصُّلحُ مَبيعٌ، فالصُّلحُ في هذه الصُّورةِ يَقَعُ بَيعَ ما ليس عندَ البائِعِ، وهو مَنهيٌّ عنه.
وإنْ صالَحَ منها على جِنْسِها فإنْ صالَحَ مِنْ دَراهِمَ على دَراهِمَ فهذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
إمَّا أنْ يُصالِحَ على مِثلِ حَقِّه.
وإمَّا أنْ يُصالِحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه.
وإمَّا أنْ يُصالِحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه.
فإنْ صالَحَ على مِثلِ حَقِّه قَدْرًا ووَصْفًا، بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ جِيادٍ على ألْفٍ جِيادٍ فلا شَكَّ في جَوازِه، ولا يُشترَطُ القَبضُ؛ لأنَّ هذا استِيفاءُ عَينِ حَقِّه أصلًا ووَصفًا.
ولو صالَحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه قَدْرًا ووَصْفًا بأنْ صالَحَ مِنَ الألْفِ الجِيادِ على خَمسِمِئةٍ نَبَهرَجةٍ يَجوزُ أيضًا، ويُحمَلُ على استِيفاءِ بَعضِ عَينِ الحَقِّ أصلًا، والإبراءِ عن البَقيَّةِ أصلًا ووَصفًا؛ لأنَّ أُمورَ المُسلِمينَ مَحمولةٌ على
стр. 4519
الصَّلاحِ والسَّدادِ ما أمكَنَ، ولو حُمِلَ على المُعاوَضةِ يُؤدِّي إلى الرِّبا؛ لأنَّه يَصيرُ بائِعًا ألْفًا بخَمسِمِئةٍ، وهو رِبًا؛ فيُحمَلُ على استِيفاءِ بَعضِ الحَقِّ والإبراءِ عن البَقيَّةِ، ولا يُشتَرَطُ القَبضُ، ويَجوزُ مُؤجَّلًا؛ لأنَّ جَوازَه ليس بطَريقِ المُعاوَضةِ لِيَكونَ صَرفًا.
وكذلك إنْ صالَحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه وَصفًا لا قَدْرًا، بأنْ صالَحَ عن ألْفٍ جِيادٍ على ألْفٍ نَبَهرَجةٍ، أو صالَحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه قَدْرًا لا وَصفًا، بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ جِيادٍ على خَمسِمِئةٍ جَيِّدةٍ، يَجوزُ ويُحمَلُ على استِيفاءِ بَعضٍ، والحَطُّ والإبراءُ والتَّجوُّزُ بدونِ الحَقِّ أصلًا ووَصفًا يَجوزُ مِنْ غيرِ قَبضٍ ومُؤجَّلًا.
ولو صالَحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه قَدْرًا ووَصفًا؛ بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ نَبَهرَجةٍ على ألْفٍ وخَمسِمِئةٍ جِيادٍ، أو صالَحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه قَدْرًا لا وَصفًا، بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ جِيادٍ على ألْفٍ وخَمسِمِئةٍ نَبَهرَجةٍ لا يَجوزُ؛ لأنَّه رِبًا؛ لأنَّه يَحمِلُه على المُعاوَضةِ هنا؛ لِتَعذُّرِ حَملِه على استِيفاءِ بَعضٍ وإسقاطِ البَقيَّةِ.
وإنْ صالَحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه وَصفًا لا قَدْرًا، بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ نَبَهرَجةٍ على ألْفٍ جِيادٍ جازَ، ويُشترَطُ الحُلولُ أو التَّقابِضُ حتى لو كان الصُّلحُ مُؤجَّلًا، وإنْ لَم يُقبَضْ في المَجلِسِ يَبطُلْ؛ لأنَّه صَرفٌ.
وأمَّا إذا صالَحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه وَصفًا، وأقَلَّ منه قَدْرًا؛ بأنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ نَبَهرَجةٍ على خَمسِمِئةٍ جِيادٍ لا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ الآخَرُ، وكان يَقولُ أوَّلًا: لا يَجوزٌ، ثم رجَع.
стр. 4520
وَجْهُ قَولِه الأوَّلِ أنَّ هذا حَطُّ بَعضِ حَقِّه، وهو خَمسُمِئةٍ نَبَهرَجةٌ، فيَبقَى عليه خَمسُمِئةٍ نَبَهرَجةٌ؛ إلا أنَّه أحسَنُ في القَضاءِ بخَمسِمِئةٍ جَيِّدةٍ فلا يُمنَعُ عنه، حتى إنَّه لو امتَنَعَ لا يَكونُ عليه إلا خَمسُمِئةٍ نَبَهرَجةٌ.
وكذلك حُكمُ الدَّنانيرِ والصُّلحُ منها على دَنانيرَ، كحُكمِ الدَّراهِمِ في جَميعِ ما ذَكَرْنا، ولو صالَحَ مِنْ دَراهِمَ على دَنانيرَ، أو مِنْ دَنانيرَ على دَراهِمَ جازَ، ويُشترَطُ القَبضُ في المَجلِسِ؛ لأنَّه صَرفٌ.
والخُلاصةُ: أنَّ الصُّلحَ مَتى وَقَعَ على أقَلَّ مِنْ جِنسِ حَقِّ المُدَّعَى مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ يُعتبَرُ استِيفاءً لِبَعضِ الحَقِّ وإبراءً عن البَقيَّةِ.
ومَتى وَقَع على أكثَرَ مِنْ جِنسِ حَقِّه منها أو وَقَع على جِنسٍ آخَرَ مِنَ الدَّينِ والعَينِ يُعتبَرُ مُعاوَضةً؛ لأنَّه لا يُمكِنُ حَملُه على استِيفاءِ عَينِ الحَقِّ والإبراءِ عن البَقيَّةِ؛ لأنَّ استِيفاءَ عَينِ الحَقِّ مِنْ جِنسِه يَكونُ، ولَم يُوجَدْ فيُعتبَرُ مُعاوَضةً، فما جازَتْ به المُعاوَضاتُ يَجوزُ هذا، وما فَسَدتْ به تلك يَفسُدُ به هذا.
وعلى هذا: إذا صالَحَ مِنْ ألْفٍ حالَّةٍ على ألْفٍ مُؤجَّلةٍ جازَ ويُعتَبَرُ حَطًّا لِلحُلولِ وتَأجيلًا لِلدَّينِ وتَجوُّزًا بدونٍ مِنْ حَقِّه لا مُعاوَضةً.
ولو صالَحَ مِنْ ألْفٍ حالَّةٍ على خَمسِمِئةٍ قد ذَكَرْنا أنَّه يَجوزُ، ويُعتَبَرُ استِيفاءً لِبَعضِ حَقِّه وإبراءً عن البَقيَّةِ.
وأمَّا إذا صالَحَ على خَمسِمِئةٍ أنْ يُعطيَه إيَّاها فهذا لا يَخلو مِنْ أحَدِ وَجهَيْنِ إمَّا أنَّ يُؤَقِّتَ لِأداءِ الخَمسِمِئةِ وَقتًا، وإمَّا ألَّا يُؤَقِّتَ، فإذا لَم يُؤقِّتْ
стр. 4521
فالصُّلحُ جائِزٌ ويَكونُ حَطًّا لِلخَمسِمِئةِ، لأنَّ هذا الشَّرطَ لا يُفيدُ شَيئًا لَم يَكُنْ مِنْ قَبلُ، ألَا تَرى أنَّه لو لَم يُذكَرْ لَلَزِمَه الإعطاءُ؟ فكان ذِكرُه والسُّكوتُ عنه بمَنزِلةٍ واحِدةٍ.
وكذلك الحَطُّ على هذا بأنْ قال لِلغَريمِ: «حَطَطتُ عنكَ خَمسَمِئةٍ على أنْ تُعطيَني خَمسَمِئةٍ»، لِما بَيَّنَّا.
وإنْ وَقَّتَ بأنْ قال: «صالَحتُكَ على خَمسِمِئةٍ على أنْ تُعطيَنيها اليَومَ أو على أنْ تُعجِّلَها اليَومَ»، فإمَّا أنْ يَقتَصِرَ على هذا القَدْرِ ولا يَنُصَّ على شَرطِ العَدَمِ، وإمَّا أنْ يَنُصَّ عليه، فيَقولَ: «فإنْ لَم تُعطِني اليَومَ أو إنْ لَم تُعَجِّلِ اليَومَ، أو على أنْ تُعَجِّلَها اليَومَ، فالألْفُ عليكَ»، فإنْ نَصَّ عليه فإنْ أعطاه وعُجِّلتْ في اليَومِ فالصُّلحُ ماضٍ وبَرِئَ عن خَمسِمِئةٍ، وإنْ لَم يُعطِه حتى مَضى اليَومُ فالألْفُ عليه بلا خِلافٍ، وكذلك الحَطُّ على هذا.
وأمَّا إذا اقتَصَر عليه ولَم يَنُصَّ على شَرطِ العَدَمِ فإنْ أعطاه في اليَومِ بَرِئَ عن خَمسِمِئةٍ بالإجماعِ.
وأمَّا إذا لَم يُعطِه حتى مَضى اليَومُ بطَل الصُّلحُ والألْفُ عليه عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، ووَجْهُ قَولِهما أنَّ شَرطَ التَّعجيلِ في هذه الصُّورةِ شَرطُ انفِساخِ العَقدِ عندَ عَدَمِه بدِلالةِ حالِ تَصرُّفِ العاقِلِ؛ لأنَّ العاقِلَ يَقصِدُ بتَصرُّفِه الإفادةَ دونَ اللَّغوِ واللَّعِبِ والعَبَثِ.
ولو حُمِلَ المَذكورُ على ظاهِرِ شَرطِ التَّعجيلِ لَأُلغِيَ؛ لأنَّ التَّعجيلَ ثابِتٌ بدُونِه، فيُجعَلُ ذِكرُ شَرطِ التَّعجيلِ ظاهِرًا شَرطًا؛ لانفِساخِ العَقدِ عندَ
стр. 4522
عَدَمِ التَّعجيلِ، فصارَ كأنَّه نَصَّ على هذا الشَّرطِ، فقال: «فإذا لَم تُعجِّلْ فلا صُلحَ بَينَنا».
ولو كان كذلك لَكانَ الأمْرُ على ما نَصَّ عليه، فكذا هذا.
وعندَ أبي يُوسُفَ: الصُّلحُ ماضٍ وعليه خَمسُمِئةٌ فَقَطْ، وَجْهُ قَولِه: إنْ شرَط التَّعجيلَ ما أفادَه شَيئًا لَم يَكُنْ مِنْ قَبلُ؛ لأنَّ التَّعجيلَ كان واجِبًا عليه بحُكمِ العَقدِ فكان ذِكرُه والسُّكوتُ عنه بمَنزِلةٍ واحِدةٍ، ولو سَكَتَ عنه لَكانَ الأمرُ على ما وَصَفْنا، فكذا هذا بخِلافِ ما إذا قال: «فإنْ لَم تَفعَلْ فكذا»؛ لأنَّ التَّنصيصَ على عَدَمِ الشَّرطِ نَفيٌ لِلمَشروطِ عندَ عَدَمِه فكان مُفيدًا.
وتَبيَّنَ بهذا أنَّ هذا تَعليقُ الفَسخِ بالشَّرطِ، لا تَعليقُ العَقدِ، كما إذا باعَ بألْفٍ على أنْ يَنقُدَ الثَّمَنَ إلى ثَلاثةِ أيَّامٍ فإنْ لَم يَنقُدْه فلا بَيعَ بَينَهما، وذلك جائِزٌ لِدُخولِ الشَّرطِ على الفَسخِ، لا على العَقدِ، فكذا هذا.
وكذلك لو أخَذَ منه كَفيلًا وشرَط على الكَفيلِ أنَّه إنْ لَم يُوَفِّه خَمسَمِئةٍ إلى رأسِ الشَّهرِ فعليه كلُّ المالِ وهو الألْفُ، فهو جائِزٌ، والألْفُ لَازِمةٌ لِلكَفيلِ إنْ لَم يُوَفِّه؛ لأنَّه جعَل عَدَمَ إيفاءِ خَمسِمِئةٍ إلى رأسِ الشَّهرِ شَرطًا لِلكَفالةِ بألْفٍ، فإذا وُجِدَ الشَّرطُ ثَبَتَ المَشروطُ، ولو ضمِن الكَفيلُ الألفَ ثم قال: «حَطَطتُ عَنْكَ خَمسَمِئةٍ على أنْ تُوَفِّيَني رأسَ الشَّهرِ خَمسَمِئةٍ فإنْ لَم تَفعَلْ فالألْفُ عليكَ»، فهذا أوثَقُ مِنَ البابِ الأوَّلِ؛ لأنَّ هذا هنا علَّق الحَطَّ بشَرطِ التَّعجيلِ، وهو إيفاءُ خَمسِمِئةٍ رأسَ الشَّهرِ، وجعَل عَدَمَ هذا الشَّرطِ شَرطًا؛ لانفِساخِ الحَطِّ، وفي البابِ الأوَّلِ جُعِلَ عَدَمُ التَّعجيلِ شَرطًا
стр. 4523
لِلعَقدِ، وهو الكَفالةُ بالألْفِ والفَسخُ لِلشَّرطِ أقبَلُ مِنَ العَقدِ؛ لذلك كان الثاني أوثَقَ مِنَ الأوَّلِ.
وكذلك لو جُعِلَ المالُ نُجومًا بكَفيلٍ أو بغَيرِ كَفيلٍ، وشُرِطَ أنَّه إنْ لَم يُوَفِّه كلَّ نَجمٍ عندَ مَحِلِّه فالمالُ حالٌّ عليه، فهو جائِزٌ على ما شرَط؛ لأنَّه جعَل الإخلالَ بنَجمٍ شَرطًا لِحُلولِ كلِّ المالِ عليه، وهو صَحيحٌ.
ولو كان له عليه ألْفٌ فقال: «أدِّ إلَيَّ مِنَ الألْفِ خَمسَمِئةٍ غَدًا على أنَّكَ بَريءٌ مِنَ البَقيَّةِ»، فإنْ أدَّى إليه خَمسَمِئةٍ غَدًا يُبرَأُ مِنَ البَقيَّةِ إجماعًا، وإ ذا لَم يُؤَدِّ فعليه الألْفُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وعندَ أبي يُوسُفَ ليس عليه إلا خَمسُمِئةٍ، وقد مَرَّتِ المَسألةُ.
ولو قال: «إنْ أدَّيتَ إلَيَّ خَمسَمِئةٍ فأنتَ بَريءٌ مِنَ البَقيَّةِ»، أو قال: «مَتى أدَّيتَ»، فأدَّى إليه خَمسَمِئةٍ لا يُبرَأُ عن خَمسِمِئةٍ المُتَبَقِّيةِ ويَبقى عليه الألْفُ حتى يُبرِئَه؛ لأنَّ هذا تَعليقُ البَراءةِ بالشَّرطِ، وهو باطِلٌ.
بخِلافِ ما إذا كان بلَفظِ الصُّلحِ أو الحَطِّ أو الأمرِ؛ لأنَّ ذلك ليس تَعليقَ البَراءةِ بالشَّرطِ على ما مَرَّ.
ولو كان له على إنسانٍ ألْفٌ مُؤجَّلةٌ فصالَحَ منها فهذا لا يَخلو مِنْ أحَدِ وَجهَيْنِ، إمَّا أنْ يُصالِحَ منها على أقَلَّ مِنْ حَقِّه، وإمَّا أنْ يُصالِحَ منها على تَمامِ حَقِّه، وكلُّ ذلك لا يَخلو مِنْ أنْ يَشترِطَ التَّعجيلَ أو ألَّا يَشتَرِطَ، فإنْ صالَحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه قَدْرًا أو وَصْفًا أو قَدْرًا ووَصْفًا ولَم يَشتِرِطِ التَّعجيلَ لِما وَقَع عليه الصُّلحُ جازَ، ويَكونُ حَطًّا وتَجوُّزًا بدونِ حَقِّه، وله أنْ يأخُذَ البَقيَّةَ بعدَ حُلولِ الأجَلِ.
стр. 4524
وإنْ شرَط التَّعجيلَ فالصُّلحُ باطِلٌ، وعليه رَدُّ ما قبَض والرُّجوعُ برأسِ مالِه بعدَ حُلولِ الأجَلِ؛ لأنَّ فيه مُعاوَضةَ الأجَلِ، وهو التَّعجيلُ بالحَطِّ، وهذا لا يَجوزُ؛ لأنَّ الأجَلَ ليس بمالٍ.
وإنْ صالَحَ على تَمامِ حَقِّه جازَ، وإنْ شرَط التَّعجيلَ فإنْ صالَحَ مِنْ ألْفٍ مُؤجَّلةٍ على ألْفٍ مُعجَّلةٍ لكنْ بشَرطِ القَبضِ قبلَ الافتِراقِ عن المَجلِسِ، وكذلك حُكمُ الدَّنانيرِ على هذا، ولو كان الواجِبُ عليه قيمةَ المُستَهلَكِ، فإنْ كان المُستَهلَكُ مِنْ ذواتِ القيمةِ فصالَحَ فإنْ صالَحَ على الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ حالَّةً أو مُؤجَّلةً جازَ الصُّلحُ؛ لأنَّ الواجِبَ في ذِمَّتِه قبلَ المُتلَفِ صُورةً ومَعنًى، كذا الاستِهلاكُ تَحقيقًا لِلمُماثَلةِ المُعلَّقةِ ثم يَملِكُه بأداءِ الضَّمانِ، فإذا صالَحَ كان هذا الصُّلحُ على عَينِ حَقِّه، فيَجوزُ على أيِّ وَصفٍ كان.
وإنْ صالَحَ على غيرِ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ إنْ كان عَينًا جازَ، ولا يُشترَطُ القَبضُ، وإنْ كان دَينًا مَوصوفًا يَجوزُ أيضًا، لكنَّ القَبضَ في المَجلِسِ شَرطٌ، ولو كان الواجِبُ عليه مِثلَ المُستَهلَكِ، فإنْ كان مِنْ ذواتِ الأمثالِ، كالمَكيلِ والمَوزونِ الذي ليس في تَبعيضِه ضَرَرٌ فحُكمُ الصُّلحِ فيه كحُكمِ الصُّلحِ في كُرِّ الحِنطةِ.
إذا كان المُدَّعَى دَينًا سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ:
إذا كان المُدَّعَى دَينًا سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ فإنْ كان مَكيلًا -بأنْ كان كُرَّ حِنطةٍ مَثَلًا- فصالَحَ منه لا يَخلو مِنْ أحَدِ وَجهَيْنِ، إمَّا أنْ يُصالِحَ على جِنْسِه، وإمَّا أنْ يُصالِحَ على خِلافِ جِنسِه.
стр. 4525
فإنْ صالَحَ على جِنْسِه لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
إمَّا أنْ يُصالِحَ على مِثلِ حَقِّه وإمَّا على أقَلَّ منه، وإمَّا أنْ يُصالِحَ على أكثَرَ منه.
فإنْ صالَحَ على مِثلِ حَقِّه قَدْرًا ووَصفًا جازَ، ولا يُشترَطُ القَبضُ؛ لأنَّه استَوفَى عَينَ حَقِّه.
وإنْ صالَحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه قَدْرًا ووَصفًا جازَ، ويَكونُ حَطًّا لا مُعاوَضةً؛ لِما ذَكَرنا في الدَّراهِمِ، ولا يُشترَطُ القَبضُ، ويَكونُ مُؤجَّلًا.
وإنْ صالَحَ على أقَلَّ مِنْ حَقِّه وَصفًا لا قَدْرًا جازَ أيضًا، ويَكونُ استِيفاءً لِعَينِ حَقِّه أصلًا، وإبراءً له عن الصِّفةِ، فلا يُشترَطُ القَبضُ، ويَجوزُ، حتى لا يَبطُلَ بالتَّأجيلِ أو بتَركِه، ويُعتبَرُ رِضًا بدونِ حَقِّه، ولو صالَحَ على أكثَرَ مِنْ حَقِّه قَدْرًا ووَصْفًا أو قَدْرًا لا وَصفًا لا يَجوزُ؛ لأنَّه رِبًا.
وإنْ صالَحَ على أكثَرَ منه وَصفًا لا قَدْرًا، بأنْ صالَحَ مِنْ كُرٍّ رَديءٍ على كُرٍّ جَيِّدٍ جازَ، ويُعتبَرُ مُعاوَضةً احتِرازًا عن الافتِراقِ عن دَينٍ بدَينٍ، ولو صالَحَ منه على كُرٍّ مُؤجَّلٍ جازَ؛ لأنَّه حَطَّ حَقَّه في الحُلولِ ورَضيَ بدونِ حَقِّه، كما في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ.
هذا إذا كان أكثَرُ الدَّينِ حالًّا، فإنْ كان مُؤجَّلًا فصالَحَ على بَعضِ حَقِّه أو على تَمامِ حَقِّه فهو على التَّفصيلِ الذي ذَكَرْنا في الصُّلحِ مِنَ الألْفِ المُؤجَّلةِ مِنْ غيرِ تَفاوُتٍ، هذا إذا صالَحَ مِنَ الكُرِّ على جِنْسِه.
فإنْ صالَحَ على خِلافِ جِنسِ حَقِّه فإنْ كان الكُرُّ الذي عليه سَلَمًا لا
стр. 4526
يَجوزُ بحالٍّ؛ لأنَّ الصُّلحَ على خِلافِ جِنسِ المُسلَمِ فيه يَكونُ مُعاوَضةً، وفيه استِبدالُ المُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه، إلا أنْ يَكونَ الصُّلحُ منه على رأسِ المالِ فيَجوزُ؛ لأنَّ الصُّلحَ مِنَ المُسلَمِ فيه على رأسِ المالِ يَكونُ إقالةً لِلمُسلِمِ وفَسخًا له، وذلك جائِزٌ.
وإنْ لَم يَكُنْ سَلَمًا فصالَحَ على خِلافِ جِنسِ حَقِّه، فإنْ كان ذلك مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ جازَ، ويُشترَطُ القَبضُ، وإنْ كان مُعيَّنًا مُشارًا إليه؛ لأنَّها لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فكان تَركُ قَبضِه افتِراقًا عن دَينٍ بدَينٍ، وإنْ كان ذلك مِنَ المَكيلاتِ وهو عَينٌ جازَ، ولا يُشترَطُ القَبضُ.
وإنْ كان مَوصوفًا في الذِّمَّةِ جازَ أيضًا، وفَرقٌ بينَ هذا وبَينَ ما إذا كان عليه دَراهِمُ أو دَنانيرُ فصالَحَ منها على مَكيلٍ أو مَوزونٍ مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ، لا يَجوزُ؛ لأنَّ ذلك مَبيعٌ.
ألَا تَرى أنَّه قُوبِلَ بالأثمانِ، والمَبيعُ ما يُقابَلُ بالثَّمَنِ؟ وهذا لا يُقابَلُ بالثَّمَنِ فلا يَكونُ مَبيعًا، إلا أنَّه لا بُدَّ مِنَ القَبضِ في المَجلِسِ؛ احتِرازًا مِنَ الافتِراقِ عن دَينٍ بدَينٍ، وإنْ كان مِنَ العُروضِ والحَيَوانِ، فإنْ كان عَينًا جازَ، وإنْ كان دَينًا يَجوزُ في الثِّيابِ المَوصوفةِ، إذا أتى بشَرائِطِ السَّلَمِ، لكنَّ القَبضَ في المَجلِسِ شَرطٌ؛ احتِرازًا مِنَ الافتِراقِ عن دَينٍ بدَينٍ، ولا يَجوزُ في الحَيَوانِ المَوصوفِ بحالٍ؛ لأنَّه لا يَثبُتُ دَينًا في الذِّمَّةِ بَدَلًا ممَّا هو مالٌ، وكذلك إذا كان المُدَّعَى مَوزونًا دَينًا مَوصوفًا في الذِّمَّةِ فصالَحَ منه على جِنْسِه، أو على خِلافِ جِنْسِه.
стр. 4527
وإنْ كان المُدَّعَى به حَيَوانًا مَوصوفًا في الذِّمَّةِ: في قَتلِ الخَطَأِ أو شِبهِ العَمدِ فصالَحَ فهذا في الأصلِ لا يَخلو مِنْ وَجهَيْنِ:
إمَّا أنْ يُصالِحَ على ما هو مَفروضٌ في بابِ الدِّيةِ في الجُملةِ، وإمَّا أنْ يُصالِحَ على ما ليس بمَفروضٍ في البابِ أصلًا.
وكلُّ ذلك لا يَخلو مِنْ أنْ يُصالِحَ قبلَ تَعيينِ القاضي نَوعًا مِنَ الأنواعِ المَفروضةِ، أو بعدَ تَعيينِه نَوعًا منها.
فإنْ صالَحَ على المَفروضِ قبلَ تَعيينِ القاضي، بأنْ صالَحَ على عَشَرةِ آلافِ دِرهَمٍ، أو على ألْفِ دِينارٍ أو على مِئةٍ مِنَ الإبِلِ، أو على مِئةِ بَقَرةٍ، أو على ألفَيْ شاةٍ، أو على مِئَتَيْ حُلَّةٍ جازَ الصُّلحُ، وهو في الحَقيقةِ تَعيينٌ منها لِلواجِبِ مِنْ أحَدِ الأنواعِ المَفروضةِ بمَنزِلةِ تَعيينِ القاضي، فيَجوزُ، ويَكونُ استِيفاءً لِعَينِ حَقِّه الواجِبِ عندَ اختيارِه ذلك فِعلًا برِضا القاتِلِ.
وكذا إذا صالَحَ على أقَلَّ مِنَ المَفروضِ يَكونُ استِيفاءً لِبَعضِ عَينِ الحَقِّ وإبراءً عن البَقيَّةِ.
وإنْ صالَحَ على أكثَرَ مِنَ المَفروضِ لا يَجوزُ؛ لأنَّه رِبًا.
ولو صالَحَ بَعدَما عَيَّنَ القاضي نَوعًا منها فإنْ صالَحَ على جِنسِ حَقِّه المُعيَّنِ جازَ إذا كان مِثلَه أو أقَلَّ منه، وإنْ كان أكثَرَ لا يَجوزُ؛ لأنَّه رِبًا، وإنْ صالَحَ على خِلافِ الجِنسِ المُعيَّنِ فإنْ كان مِنْ جِنسِ المَفروضِ في الجُملةِ، بأنْ عَيَّنَ القاضي مِئةً مِنَ الإبِلِ فصالَحَ على مِئةٍ مِنَ البَقَرِ أو أكثَرَ جازَ، وتَكونُ مُعاوَضةً؛ لأنَّ الإبِلَ تَعيَّنتْ واجِبةً بتَعيينِ القاضي، فلَم يَبْقَ
стр. 4528
غَيرُه واجِبًا، فكانَتِ البَقَرُ بَدَلًا مِنَ الواجِبِ في الذِّمَّةِ، فكانَتْ مُعاوَضةً، ولا بُدَّ مِنَ القَبضِ؛ احتِرازًا عن الافتِراقِ عن دَينٍ بدَينٍ.
وكذلك إذا كان مِنْ خِلافِ جِنسِ المَفروضِ، بأنْ صالَحَ على مَكيلٍ أو مَوزونٍ سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ جازَ، ويَكونُ مُعاوَضةً، ويُشترَطُ التَّقابُضُ لِما قُلْنا.
ولو صالَحَ على قيمةِ الإبلِ أو أكثَرَ ممَّا يَتغابَنُ الناسُ فيه جازَ؛ لأنَّ قيمةَ الإبِلِ دَراهِمُ ودَنانيرُ، وإنَّها ليست مِنْ جِنسِ الإبِلِ، فكان الصُّلحُ عليها مُعاوَضةً، فيَجوزُ قَلَّ أو كَثُرَ، ولا يُشترَطُ القَبضُ.
وكذلك إذا صالَحَ مِنَ الإبِلِ على دَراهِمَ في الذِّمَّةِ، وافتَرَقا مِنْ غيرِ قَبضٍ جازَ، وإنْ كان هذا افتِراقًا عن دَينٍ بدَينٍ؛ لأنَّ هذا المَعنى ليس بمُعاوَضةٍ، بل هو استِيفاءُ عَينِ حَقِّه؛ لأنَّ الحَيَوانَ الواجِبَ في الذِّمَّةِ -وإنْ كان دَينًا- ليس بدَينٍ لَازِمٍ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ عليه إذا جاء بقيمَتِه يُجبِرُ مَنْ له على القَبولِ بخِلافِ سائِرِ الدُّيونِ، فلا يَكونُ افتِراقًا عن دَينٍ بدَينٍ حَقيقةً؟
هذا إذا قَضى عليه القاضي بالإبِلِ، فإنْ قَضَى عليه بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ فصالَحَ مِنْ مَكيلٍ أو مَوزونٍ سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ أو بَقرٍ ليس عندَه لا يَجوزُ؛ لأنَّ ما يُقابِلُ هذه الأشياءَ دَراهِمُ أو دَنانيرُ، وهي أثمانٌ، فتَتعيَّنُ هذه مَبيعةً، وبَيعُ المَبيعِ الذي ليس بمُعيَّنٍ لا يَجوزُ إلا بطَريقِ السَّلَمِ.
هذا إذا صالَحَ على المَفروضِ في بابِ الدِّيةِ، فأمَّا إذا صالَحَ على ما ليس بمَفروضٍ أصلًا، كالمَكيلِ والمَوزونِ سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ ونَحوِ
стр. 4529
ذلك ممَّا لا يَدخُلُ له في الفَرضِ قبلَ تَعيينِ القاضي جازَ، وإنْ كانتْ قيمَتُه أكثَرَ مِنَ المَفروضِ، لكنَّ القَبضَ في المَجلِسِ شَرطٌ؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ فيَجوزُ، ولا بُدَّ مِنَ القَبضِ؛ لِما قُلنا.
وإنْ كان بعدَ تَعيينِ القاضي فهو على ما ذَكَرنا مِنَ التَّفصيلِ، وكذلك حُكمُ الصُّلحِ عن إنكارِ المُدَّعَى عليه وسُكوتِه بحُكمِ الصُّلحِ عن إقرارِه في جَميعِ ما وَصَفْنا، هذا الذي ذَكَرْنا إذا كان بَدَلُ الصُّلحِ مالًا، عَينًا أو دَينًا، فأمَّا إذا كان مَنفَعةً بأنْ صالَحَ على خِدمةِ عَبدٍ بعَينِه، أو رُكوبِ دابَّةٍ بعَينِها، أو على زِراعةِ أرضٍ أو سُكنى دارٍ وَقتًا مَعلومًا، جازَ الصُّلحُ ويَكونُ في مَعنى الإجارةِ، سَواءٌ كان الصُّلحُ عن إقرارِ المُدَّعَى عليه أو عن إنكاره أو عن سُكوتِه؛ لأنَّ الإجارةَ تَمليكُ المَنفَعةِ بعِوَضٍ، وقد وُجِدَ، أمَّا في مَوضِعِ الإقرارِ فظاهِرٌ؛ لأنَّ بَدَلَ الصُّلحِ عِوَضٌ عن المُدَّعَى، وكذا في مَوضِعِ الإنكارِ في جانِبِ المُدَّعِي، وفي جانِبِ المُدَّعَى عليه هو عِوَضٌ عن الخُصومةِ واليَمينِ.
وكذا في السُّكوتِ؛ لأنَّ الساكِتَ مُنكِرٌ حُكمًا سَواءٌ كان المُدَّعَى عَينًا أو دَينًا، لكنَّ تَمليكَ المَنفَعةِ قد يَكونُ بالعَينِ وقد يَكونُ بالدَّينِ، كما في سائِرِ الإجاراتِ، وإنْ كان المُدَّعَى مَنفَعةً فإنْ كانتِ المَنفَعتانِ مِنْ جِنسَيْنِ مُختلِفَيْنِ -كما إذا صالَحَ مِنْ سُكنى دارٍ على خِدمةِ عَبدٍ- يَجوزُ بالإجماعِ، وإنْ كانتا مِنْ جِنسٍ واحِدٍ لا يَجوزُ.
وإذا اعتُبِرَ الصُّلحُ على المَنافِعِ إجارةً يَصحُّ بما تَصحُّ به الإجاراتُ ويَفسُدُ بما تَفسُدُ به.
стр. 4530
٢ - الشَّرطُ الثاني مِنْ شُروطِ المُصالَحِ عليه: أنْ يَكونَ مُتقَوَّمًا: فلا يَصحُّ الصُّلحُ على الخَمرِ والخِنزيرِ مِنَ المُسلِمِ؛ لأنَّه ليس بمالٍ مُتقوَّمٍ في حَقِّه، وكذا إذا صالَحَ على دَنٍّ مِنْ خَلٍّ فإذا هو خَمرٌ لَم يَصحَّ؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّه لَم يُصادِفْ مَحِلَّه.
٣ - الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ مَملوكًا لِلمُصالَحِ، حتى إنَّه إذا صالَحَ على مالٍ ثم استُحِقَّ مِنْ يَدِ المُدَّعِي لَم يَصحَّ الصُّلحُ؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّه ليس مَملوكًا لِلمُصالَحِ، فتَبيَّنَ أنَّ الصُّلحَ لَم يَصحَّ.
٤ - الشَّرطُ الرابِعُ: أنْ يَكونَ مَعلومًا؛ لأنَّ جَهالةَ البَدَلِ تُؤدِّي إلى المُنازَعةِ، فتَوجَّبَ فَسادُ العَقدِ إلَّا إذا كان شَيئًا لا يَفتَقِرُ إلى القَبضِ والتَّسليمِ، كما إذا ادَّعى رَجلانِ كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه حَقًّا ثم تَصالَحا على أنْ جعَل كلُّ واحِدٍ منهما ما ادَّعاه على صاحِبِه صُلحًا ممَّا ادعاه عليه صاحِبُه يَصحُّ الصُّلحُ، وإنْ كان مَجهولًا؛ لأنَّ جَهالةَ البَدَلِ لا تَمنَعُ جَوازَ العَقدِ لِعَينِها، بل لِإفضائِها إلى المُنازَعةِ المانِعةِ مِنَ التَّسليمِ والتَّسلُّمِ، فإذا كان ما لا يَستَغني عن التَّسليمِ والتَّسلُّمِ لا يُفضي إلى المُنازَعةِ فلا يَمنَعُ الجَوازَ إلا أنَّ الصُّلحَ مِنَ القِصاصِ في النَّفسِ وما دونَه تُتَحمَّلُ الجَهالةُ القَليلةُ في البَدَلِ فيه، كما تُتَحمَّلُ في المَهرِ في بابِ النِّكاحِ والخُلعِ والإعتاقِ على مالٍ والكِتابةِ؛ لِما عُلِمَ.
ولو صالَحَ على مَسيلٍ، أو شُربٍ مِنْ نَهَرٍ لا حَقَّ له في رَقَبَتِه، أو على أنْ يَحمِلَ كذا وكذا جِذعًا على هذا الحائِطِ، وعلى أنْ يُسيلَ مِيزابَه في دارِه أيَّامًا مَعلومةً لا يَجوزُ؛ لأنَّ ما وَقَع عليه الصُّلحُ في هذه المَواضِعِ مُفتَقرٌ
стр. 4531
إلى القَبضِ والتَّسليمِ، فلَم تَكُنْ جَهالَتُه مُحتَمَلةً؛ لِهذا لا يَجوزُ بَيعُها، فلا يَصحُّ الصُّلحُ عليها.
والأصلُ: أنَّ كلَّ ما يَجوزُ بَيعُه وشِراؤُه يَجوزُ الصُّلحُ عليه، وما لا فلا.
شُروطُ المُصالَحِ عنه:
وأمَّا الذي يَرجِعُ إلى المُصالَحِ عنه فأنواعٌ:
أحَدُها: أنْ يَكونَ حَقًّا العَبدِ، لا حَقًّا اللهِ ، سَواءٌ كان مالًا، عَينًا أو دَينًا، أو حَقًّا ليس مالًا عَينًا ولا دَينًا، حتى إنَّه لا يَصحُّ الصُّلحُ مِنْ حَدِّ الزِّنا والسَّرقةِ وشُربِ الخَمرِ؛ بأنْ أخَذَ زانيًا أو سارِقًا مِنْ غَيرِه أو شارِبَ خَمرٍ فصالَحَه على مالٍ على ألَّا يَرفَعَه إلى وَليِّ الأمرِ؛ لأنَّه حَقُّ اللهِ وجَلَّ شَأنُه.
ولا يَجوزُ الصُّلحُ مِنْ حُقوقِ اللهِ وعَزَّ شَأنُه؛ لأنَّ المُصالَحَ بالصُّلحِ مُتصرِّفٌ في حَقِّ نَفْسِه؛ إمَّا باستِيفاءِ كلِّ حَقِّه أو باستِيفاءِ بَعضٍ وإسقاطِ البَقيَّةِ، أو بالمُعاوَضةِ، وكلُّ ذلك لا يَجوزُ في غيرِ حَقِّه.
وكذا إذا صالَحَ مِنْ حَدِّ القَذفِ، بأنْ قَذَفَ رَجلًا فصالَحه على مالٍ على أنْ يَعفوَ عنه؛ لأنَّه -وإنْ كان لِلعَبدِ فيه حَقٌّ- المُغلَّبُ فيه حَقُّ اللهِ ، والمَغلوبُ مُلحَقٌ بالعَدَمِ شَرعًا، فكان في حُكمِ الحُقوقِ المُتمَحَّضةِ حَقًّا للهِ وهي لا تَحتمِلُ الصُّلحَ، كذا هذا.
وكذلك لو صالَحَ شاهِدًا يُريدُ أنْ يَشهَدَ عليه على مالٍ على ألَّا يَشهَدَ عليه فهو باطِلٌ؛ لأنَّ الشاهِدَ في إقامةِ الشهادةِ مُحتَسِبٌ حَقًّا للهِ
стр. 4532
وعَزَّ شَأنُه، قال اللهُ : ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، والصُّلحُ عن حُقوقِ اللهِ باطِلٌ ويَجبُ عليه رَدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّه أخَذَه بغَيرِ حَقٍّ.
ولو عَلِمَ القاضي به أبطَلَ شَهادَتَه؛ لأنَّه فِسقٌ، إلا أنْ يُحدِثَ تَوبةً فتُقبَلَ.
ويَجوزُ الصُّلحُ عن التَّعزيرِ؛ لأنَّه حَقُّ العَبدِ.
وكذا يَصحُّ عن القِصاصِ في النَّفسِ وما دونَه؛ لأنَّ القِصاصَ مِنْ حَقِّ العَبدِ، سَواءٌ كان البَدَلُ عَينًا أو دَينًا، إلا إذا كان دَينًا فيُشترَطُ القَبضُ في المَجلِسِ؛ احتِرازًا عن الافتِراقِ عن دَينٍ بدَينٍ، وسَواءٌ كان مَعلومًا أو مَجهولًا جَهالةً غيرَ مُتَفاحِشةٍ حتى لو صالَحَ مِنَ القِصاصِ على عَبدٍ أو ثَوبٍ هَرَويٍّ جازَ؛ لأنَّ الجَهالةَ قَلَّتْ ببَيانِ النَّوعِ؛ لأنَّ مُطلَقَ العَبدِ يَقَعُ على عَبدٍ وَسَطٍ، ومُطلَقَ الثَّوبِ الهَرَويِّ يَقَعُ على الوَسَطِ منه، فتَقِلُّ الجَهالةُ فيَصحُّ الصُّلحُ، وله الخيارُ، إنْ شاءَ أعطى الوَسَطَ مِنْ ذلك، وإنْ شاءَ أعطى قيمَتَه، كما في النِّكاحِ، فأمَّا إذا صالَحَ على ثَوبٍ أو دابَّةٍ أو دارٍ فلا يَجوزُ؛ لأنَّ الثيابَ والدَّوابَّ أجناسٌ تَحتَها أنواعٌ مُختَلِفةٌ، ولأنَّ جَهالةَ النَّوعِ مُتَفاحِشةٌ، فتَمنَعُ الجَوازَ.
وكذا جَهالةُ الدُّورِ -لاختِلافِ الأماكِنِ- مُلحَقةٌ بجَهالةِ الثَّوبِ والدَّابَّةِ، فتَمنَعُ الجَوازَ، كما في بابِ النِّكاحِ.
والأصلُ والضابِطُ في هذا أنَّ كلَّ جَهالةٍ تَمنَعُ صِحَّةَ التَّسميةِ في بابِ النِّكاحِ تَمنَعُ صِحَّةَ الصُّلحِ مِنَ القِصاصِ، وما لا فلا؛ لأنَّ ما وَقَع عليه الصُّلحُ والمَهرُ كلُّ واحِدٍ منهما يَجبُ بَدَلًا عما ليس بمالٍ، والجَهالةُ لا تَمنَعُ مِنَ الصِّحَّةِ لِعَينِها.
стр. 4533
ألَا تَرى أنَّ الشَّرعَ وَرَدَ بمَهرِ المِثلِ في بابِ النِّكاحِ مع أنَّه مَجهولُ القَدْرِ؟ وإنَّما يُمنَعُ منها لِإفضائِها إلى المُنازَعةِ، ومَبنى النِّكاحِ والصُّلحِ مِنَ القِصاصِ على المُسامَحةِ، كالإنسانِ يُسامِحُ بنَفْسِه ما لا يُسامِحُ بمالِه عادةً، فلا يَكونُ القَليلُ مِنَ الجَهالةِ مُفضيًا إلى المُنازَعةِ، فلا يَمنَعُ مِنَ الجَوازِ، بخِلافِ بابِ البَيعِ؛ لأنَّ مَبناه على المُماكَسةِ والمُضايَقةِ؛ لِكَونِه مُعاوَضةَ مالٍ بمالٍ، والإنسانُ يُضايِقُ بمالِه ما لا يُضايِقُ بنَفْسِه، فهو الفَرقُ.
وإذا لَم يَصحَّ الصُّلحُ -لِتَفاحُشِ جَهالةِ البَدَلِ- يَسقُطُ القِصاصُ وتَجِبُ الدِّيةُ، وفي النِّكاحِ يَجبُ مَهرُ المِثلِ، إلا أنَّ بَينَهما فَرقًا مِنْ وَجهٍ، فإنَّه لو صالَحَ عن القِصاصِ على خَمرٍ أو خِنزيرٍ لا يَصحُّ ولا يَجبُ شَيءٌ آخَرُ، ولو تَزَوَّجَ امرأةً على خَمرٍ أو خِنزيرٍ لا تَصحُّ التَّسميةُ، ويَجبُ مَهرُ المِثلِ.
وَجهُ الفَرقِ أنَّ الخَمرَ إذا لَم تَصلُحْ بَدَلَ الصُّلحِ بَطَلتْ تَسميتُه وجُعِلَتْ لَفظةُ الصُّلحِ كِنايةً عن العَفوِ، وذلك جائِزٌ؛ لأنَّ العَفوَ الفَضلُ، وفي الصُّلحِ مَعنى الفَضلِ، فأمكَنَ جَعلُه كِنايةً عنه، وبعدَ العَفوِ لا يَجبُ شَيءٌ آخَرُ، فأمَّا لَفظُ النِّكاحِ فلا يَحتمِلُ العَفوَ، ولو احتَمَلَه فالعَفوُ عن حَقِّ الغَيرِ لا يَصحُّ، فيَبقى النِّكاحُ مِنْ غيرِ تَسميةٍ، فيَجِبُ مَهرُ المِثلِ، كما إذا سَكَتَ عن المَهرِ أصلًا، فهو الفَرقُ، وسَواءٌ كان البَدَلُ قَدْرَ الدِّيةِ أو أقَلَّ أو أكثَرَ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨].
فقوله : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ أي: أُعطيَ له، وقَولُه عَزَّ شَأنُه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: فليُتْبِعْ، مَصدَرٌ بمَعنى الأمرِ، فقد أمَرَ اللهُ ﵎ الوَليَّ
стр. 4534
بالاتْباعِ بالمَعروفِ إذا أُعطيَ له شَيءٌ، واسمُ الشَّيءِ يَتناوَلُ القَليلَ والكَثيرَ، فدَلَّتِ الآيةُ على جَوازِ الصُّلحِ مِنَ القِصاصِ على القَليلِ والكَثيرِ، وهذا بخِلافِ القَتلِ الخَطَأِ وشِبهِ العَمدِ، فهو إذا صالَحَ على أكثَرَ مِنَ الدِّيةِ لا يَجوزُ.
والفَرقُ أنَّ بَدَلَ الصُّلحِ في بابِ الخَطَأِ وشِبهِ العَمدِ عِوَضٌ عن الدِّيةِ وهي مُقدَّرةٌ بمِقدارٍ مَعلومٍ لا تَزيدُ عليه، فالزِّيادةُ على المُقدَّرِ تَكونُ رِبًا، فأمَّا بَدَلُ الصُّلحِ عن القِصاصِ فعِوَضٌ عن القِصاصِ، والقِصاصُ ليس مِنْ جِنسِ المالِ حتى يَكونَ البَدَلُ عنه زيادةً على المالِ المُقدَّرِ، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا فهو الفَرقُ.
وأمَّا كَونُ المُصالَحِ عنه مَعلومًا فليس بشَرطٍ لِجَوازِ الصُّلحِ، حتى إنَّ مَنِ ادَّعى على آخَرَ حَقًّا في عَينٍ فأقَرَّ به المُدَّعَى عليه أو أنكَرَ فصالَحَ على مالٍ مَعلومٍ جازَ؛ لأنَّ الصُّلحَ كما يَصحُّ بطَريقِ المُعاوَضةِ يَصحُّ بطَريقِ الإسقاطِ، ولا يُمكِنُ تَصحيحُه هنا بطَريقِ المُعاوَضةِ؛ لِجَهالةِ أحَدِ البَدَلَيْنِ فيُصحَّحُ بطَريقِ الإسقاطِ، فلا يُؤدِّي إلى المُنازَعةِ المانِعةِ مِنَ التَّسليمِ والتَّسلُّمِ والقَبضِ؛ لأنَّ الساقِطَ لا يَحتمِلُ ذلك، وقد مَرَّ أنَّ الجَهالةَ فيما لا يَحتمِلُ التَّسليمَ والقَبضَ لا تَمنَعُ جَوازَ الصُّلحِ.
الثاني: أنْ يَكونَ المُصالَحُ عنه حَقًّا لِلمُصالَحِ: فإذا لَم يَكُنْ حَقًّا له لَم يَجُزِ الصُّلحُ.
والثالِثُ: أنْ يَكونَ حَقًّا ثابِتًا له في المَحَلِّ: فما لا يَكونُ حَقًّا ثابِتًا له في المَحَلِّ لا يَجوزُ الصُّلحُ عنه.
стр. 4535
- حتى لو أنَّ امرأةً طَلَّقَها زَوجُها ادَّعتْ عليه صَبيًّا في يَدِه أنَّه ابنُه منها وجحَد الرَّجُلُ فصالَحَتْ عنِ النَّسَبِ على شَيءٍ فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ النَّسَبَ حَقُّ الصَّبيِّ، لا حَقُّها، فلا تَملِكُ الاعتياضَ عن حَقِّ غَيرِها، ولأنَّ الصُّلحَ إمَّا إسقاطٌ أو مُعاوَضةٌ، والنَّسَبُ لا يَحتمِلُهما.
ولو صالَحَ الشَّفيعُ مِنَ الشُّفعةِ التي وَجَبتْ له على شَيءٍ على أنْ يُسلِّمَ الدارَ لِلمُشتَري فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّه لا حَقَّ لِلشَّفيعِ في المَحَلِّ، إنَّما الثابِتُ له حَقُّ التَّمليكِ، وهو ليس لِمَعنًى في المَحَلِّ، بل هو عِبارةٌ عن الوِلايةِ، وهي صِفةُ الوالي فلا يَحتمِلُ الصُّلحَ عنه، بخِلافِ الصُّلحِ عن القِصاصِ؛ لأنَّ المَحَلَّ هناكَ يَصيرُ مَملوكًا في حَقِّ الاستِيفاءِ، فكان الحَقُّ ثابِتًا في المَحَلِّ، فمَلَكَ الاعتياضَ عنه بالصُّلحِ، فهو الفَرقُ.
وكذلك الكَفيلُ بالنَّفسِ إذا صالَحَ على مالٍ أنْ يُبرِئَه مِنَ الكَفالةِ، فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ الثابِتَ لِلطالِبِ قبلَ الكَفيلِ بالنَّفْسِ حَقُّ المُطالَبةِ بتَسليمِ المَكفولِ نَفْسَه بنَفْسِه، وذلك عِبارةٌ عن وِلايةِ المُطالَبةِ، وهي صِفةُ الوالي فلا يَجوزُ الصُّلحُ عنها، فأشبَهَ الشُّفعةَ، وهل تَبطُلُ الكَفالةَ، فيه رِوايتانِ: في رِوايةٍ لا تَبطُلُ؛ لأنَّه ما رَضيَ بسُقوطِ حَقِّه إلا بعِوَضٍ، ولَم يُسلَّمْ له، فلا يَسقُطُ حَقُّه، وفي رِوايةٍ يَسقُطُ؛ لأنَّ الإبراءَ لا تَقِفُ صِحَّتُه على العِوَضِ فيَصحُّ، وإنْ لَم يُسلِّمِ العِوَضَ فإذا صَحَّ أنَّه إسقاطٌ فالساقِطُ لا يَحتمِلُ العَوْدَ.
وإذا كان لِرَجُلٍ ظُلَّةٌ -أي: مِظلَّةٌ- على طَريقٍ، أو كَنيفُ شارِعٍ أو مِيزابُه فخاصَمَه رَجُلٌ وأرادَ أنْ يَطرَحَه فصالَحَه على مالٍ، فهذا لا يَخلو مِنْ وَجهَيْنِ:
стр. 4536
إمَّا أنْ يَكونَ الطَّريقُ نافِذًا، وإمَّا ألَّا يَكونَ نافِذًا، فإذا كان نافِذًا فخاصَمَه رَجُلٌ مِنَ المُسلِمينَ وأرادَ طَرحَه فصالَحَه على مالٍ فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ رَقَبةَ الطَّريقِ النافِذِ لا تَكونُ مِلكًا لِأحَدٍ مِنَ المُسلِمينَ، وإنما لهم حَقُّ المُرورِ، وهو ليس بحَقٍّ ثابِتٍ في رَقَبةِ الطَّريقِ، بل هو عِبارةٌ عن وِلايةِ المُرورِ، وهي صِفةُ المارِّ، فلا يَجوزُ الصُّلحُ عنه مع أنَّه لا فائِدةَ في هذا الصُّلحِ؛ لأنَّه إنْ سَقَطَ حَقُّ هذا الواحِدِ بالصُّلحِ فللباقينَ حَقُّ القَلعِ، وكذا لو صالَحَ الثاني مع هذا المُتقدِّمِ إليه على مالٍ يُؤخَذُ مِنَ المُتقدِّمِ إليه الطَّرحُ، فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ الطَّرحَ واجِبٌ عليه، فأخْذُ المالِ عنه يَكونُ رَشوةً، هذا إذا كان الطَّريقُ نافِذًا.
فأمَّا إذا لَم يَكُنْ نافِذًا فصالَحَه رَجُلٌ مِنْ أهلِ الطَّريقِ على مالٍ لِلتَّركِ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّ رَقَبةَ الطَّريقِ هنا مَملوكةٌ لِأهلِ السِّكَّةِ، فكان لِكُلِّ واحِدٍ منهم فيها مِلكٌ، فجازَ الصُّلحُ عنه.
ولو ادَّعى على رَجُلٍ مالًا وأنكَرَ المُدَّعَى عليه ولا بَيِّنةَ لِلمُدَّعِي فطَلَب منه اليَمينَ فصالَحَ عن اليَمينِ على ألَّا يَستَحلِفَه جازَ الصُّلحُ وبَرِئُ مِنَ اليَمينِ، وكذا إذا قال المُدَّعَى عليه: «صالَحتُكَ مِنَ اليَمينِ التي وَجَبتْ لكَ علَيَّ»، أو قال: «افتَدَيتُ منكَ يَمينَكَ بكذا وكذا»، صَحَّ الصُّلحُ؛ لأنَّ هذا صُلحٌ عن حَقٍّ ثابِتٍ لِلمُدَّعِي؛ لأنَّ اليَمينَ حَقُّ المُدَّعِي قبلَ المُدَّعَى عليه.
قال النَّبيُّ ﷺ في قِصةِ الحَضرَميِّ والكِنْدِيِّ: «ألَكَ بَيِّنةٌ؟»، قال: لا، قال: «إذَنْ لَكَ يَمينُه»، فجَعَل اليَمينَ حَقَّ المُدَّعِي، فكان هذا صُلحًا عن حَقٍّ ثابِتٍ شَرعًا لِلمُدَّعِي، وكذا المِلكُ في المُدَّعِي ثابِتٌ في
стр. 4537
زَعمِه، فكان الصُّلحُ عن حَقٍّ ثابِتٍ في حَقِّه، وفي حَقِّ المُدَّعَى عليه، وهو بَدَلُ المالِ؛ لِإسقاطِ الخُصومةِ والافتِداءِ عن اليَمينِ.
ولو قال المُدَّعَى عليه: «اشتَرَيتُ منكَ اليَمينَ على كذا»، وقال المُدَّعِي: «بِعتُ منكَ اليَمينَ على كذا»، لا يَصحُّ، فقد خالَفَ الصُّلحُ البَيعَ حيثُ جازَ بلَفظِ الصُّلحِ والافتِداءِ، ولَم يَجُزْ بلَفظِ البَيعِ والشِّراءِ.
ولو ادَّعى رَجُلٌ على امرأةٍ نِكاحًا فجَحَدتْه فصالَحَتْه على مالٍ بَذَلتْه حتى يَترُكَ الدَّعوى جازَ؛ لأنَّ النِّكاحَ حَقٌّ ثابِتٌ في حَقِّ المُدَّعِي، فكان الصُّلحُ على حَقٍّ ثابِتٍ، فكان في مَعنى الخُلعِ؛ إذْ هو أخْذُ المالِ بالبُضعِ، وقد وُجِدَ، فكان جائِزًا، وفي حَقِّها بَدَلُ مالٍ لِإسقاطِ الخُصومةِ، وهو جائِزٌ أيضًا لِلنَّصِّ.
ولو ادَّعتِ امرأةٌ على رَجُلٍ نِكاحًا فجَحَد الرَّجُلُ فصالَحَها على مالٍ بَذَله لها لا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ النِّكاحُ ثابِتًا، أو لَم يَكُنْ ثابِتًا، فإنْ لَم يَكُنْ ثابِتًا كان دَفعُ المالِ إليها مِنَ الرَّجُلِ في مَعنى الرَّشوةِ، وإنْ كان ثابِتًا لا تَثبُتُ الفُرقةُ بهذا الصُّلحِ، لأنَّ العِوَضَ في الفُرقةِ تُعطيه المَرأةُ لا الزَّوجُ، فلا يَكونُ المالُ الذي تأخُذُه المَرأةُ عِوَضًا عن شَيءٍ، فلا يَجوزُ.
ولو ادَّعى على إنسانٍ مِئةَ دِرهَمٍ فأنكَرَ المُدَّعَى عليه فتَصالَحا على أنَّه إنْ حلَف المُدَّعَى عليه فهو بَريءٌ فالصُّلحُ باطِلٌ، والمُدَّعِي على دَعواه، حتى لو أقامَ بَيِّنةً أخَذَه بها؛ لأنَّ قَولَه: «على أنَّه إنْ حلَف المُدَّعَى عليه فهو بَريءٌ»، تَعليقُ البَراءةِ بالشَّرطِ، وهو باطِلٌ؛ لأنَّ في الإبراءِ مَعنى التَّمليكِ.
стр. 4538
والأصلُ في التَّمليكِ ألَّا يَحتمِلَ التَّعليقَ بالشَّرطِ، وإنْ لَم تَكُنْ له بَيِّنةٌ وأرادَ استِحلافَه فهو على وَجهَيْنِ؛ إنْ كان ذلك الحَلِفُ عندَ غيرِ القاضي فله أنْ يَستَحلِفَه عندَ القاضي مَرَّةً أُخرى؛ لأنَّ تلك اليَمينَ غيرُ مُعتَبرةٍ؛ لأنَّها غيرُ واجِبةٍ ولا تَنقَطِعُ بها خُصومةٌ، فلَم يَكُنْ مُعتَدًّا بها.
وإنْ كان عندَ القاضي لَم يَستَحلِفْه ثانيةً؛ لأنَّ الحَلِفَ عندَ القاضي مُعتَدٌّ به فقد استَوفى المُدَّعِي حَقَّه مَرةً فلا يَجبُ الإيفاءُ ثانيةً.
ولو تَصالَحا على أنْ يَحلِفَ المُدَّعَى عليه، فإذا حلَف فالمالُ واجِبٌ على المُدَّعَى عليه، فهو باطِلٌ؛ لأنَّ هذا تَعليقُ وُجوبِ المالِ بالشَّرطِ، وهو باطِلٌ؛ لِكَونِه قِمارًا.
ولو أودَعَ إنسانًا وَديعةً ثم طَلَبَها منه فقال المُودِعُ: «هَلَكتْ»، أو قال: «رَدَدتُها»، وكَذَّبَه المُودِعُ وقال: «استَهلَكتَها»، فتَصالَحا على شَيءٍ فالصُّلحُ باطِلٌ عندَ أبي يُوسُفَ، وعندَ مُحمدٍ صَحيحٌ.
وَجهُ قَولِ مُحمدٍ أنَّ هذا صُلحٌ وَقَع عن دَعوى صَحيحةٍ ويَمينٍ مُتوجِّهةٍ، فيَصحُّ كما في سائِرِ المَواضِعِ.
وَجهُ قَولِ أبي يُوسُفَ أنَّ المُدَّعِي مُناقِضٌ في هذه الدَّعوى؛ لأنَّ المُودَعَ أمينُ المالِكِ، وقَولُ الأمينِ قَولُ المُؤتَمَنِ، فكان إخبارُه بالرَّدِّ والهَلاكِ إقرارًا مِنَ المُودَعِ، فكان مُناقِضًا في دَعوى الاستِهلاكِ، والتَّناقُضُ يَمنَعُ صِحَّةَ الدَّعوى، إلا أنَّه يُستَحلَفُ، لكنْ لا لِدَفعِ الدَّعوى؛ لأنَّها مُندَفِعةٌ لِبُطلانِها، بل لِلتُّهمةِ، وإذا لَم تَصحَّ الدَّعوى لا يَصحُّ الصُّلحُ.
стр. 4539
الصُّلحُ على عَيبٍ:
ولو اشتَرى مِنْ رَجُلٍ شَيئًا فطَعَنَ فيه بعَيبٍ وخاصَمَه فيه ثم صالَحَه على شَيءٍ أو حَطَّ مِنْ ثَمَنِه شَيئًا، فإنْ كان المَبيعُ ممَّا يَجوزُ رَدُّه على البائِعِ وله المُطالَبةُ بأرْشِ العَيبِ دونَ الرَّدِّ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّ الصُّلحَ عن العَيبِ صُلحٌ عن حَقٍّ ثابِتٍ في المَحَلِّ، وهو صِفةُ سَلامةِ المَبيعِ عن عَيبٍ، وهي مِنْ قَبيلِ الأموالِ، فكان عن العَيبِ مُعاوَضةَ مالٍ بمالٍ فصَحَّ.
وكذا الصُّلحُ عن الأرشِ مُعاوَضةُ مالٍ بمالٍ لا شَكَّ فيه.
وإذا لَم يَكُنْ لِلمُشتَري حَقُّ رَدِّ المَبيعِ على البائِعِ، ولا المُطالَبةُ بأرْشِه بأنْ باعَ الشَّيءَ فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ حَقَّ الدَّعوى والخُصومةِ فيهما قبلَ البَيعِ قد بطَل بالبَيعِ، فلا يَجوزُ الصُّلحُ.
ولو صالَحَ مِنَ العَيبِ ثم زالَ العَيبُ بأنْ كان بَياضًا في عَينِ العَبدِ فانجَلَى بطَل الصُّلحُ، ويَرُدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّ المُعوَّضَ -وهو صِفةُ السَّلامةِ- قد عادَ، فيَعودُ العِوَضَ، فبطَل الصُّلحُ.
ولو طَعَنَ المُشتَري بعَيبٍ في المَبيعِ فصالَحَه البائِعُ على أنْ يُبرِئَه مِنْ ذلك العَيبِ ومِن كلِّ عَيبٍ فهو جائِزٌ؛ لأنَّ الإبراءَ عن العَيبِ إبراءٌ عن صِفةِ السَّلامةِ وإسقاطٌ لها، وهي مُستحقَّةٌ على البائِعِ فيَصحُّ الصُّلحُ عنها، والإبراءُ عن كلِّ عَيبٍ.
وإنْ كان إبراءً عن المَجهولِ، لكنَّ جَهالةَ المُصالَحِ عنه لا تَمنَعُ صِحَّةَ الصُّلحِ، فلا تَمنَعُ صِحَّتَه.
стр. 4540
إنَّ الجَهالةَ لِعَينِها غيرُ مانِعةٍ، بل لِإفضائِها إلى المُنازَعةِ المانِعةِ مِنَ التَّسليمِ والقَبضِ، والذي وَقَع الصُّلحُ، والإبراءُ عنه لا يَفتَقِرُ إلى التَّسليمِ والقَبضِ، فلا تَضُرُّه الجَهالةُ.
وكذلك لو لَم يَطعَنِ المُشتَري بعَيبٍ فصالَحَه البائِعُ مِنْ كلِّ عَيبٍ على شَيءٍ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّه -وإنْ لَم يَطعَنْ بعَيبٍ- له حَقُّ الخُصومةِ فيُصالِحُه لِإبطالِ هذا الحَقِّ.
ولو خاصَمَه في ضَربٍ مِنَ العُيوبِ، نحوَ الشِّجاجِ والقُروحِ، فصالَحَه على ذلك ثم ظَهَرَ عَيبٌ غَيرُه، كان له أنْ يُخاصِمَه فيه؛ لأنَّ الصُّلحَ وَقَعَ عن نَوعٍ خاصٍّ، فكان له حَقُّ الخُصومةِ في غَيرِه.
ولو اشتَرى شَيئًا مِنَ امرأةٍ فظَهَرَ به عَيبٌ فصالَحَتْه على أنْ تَتَزوَّجَه فهو جائِزٌ، وهذا إقرارٌ منها بالعَيبِ، فإنْ كان أرشُ العَيبِ يَبلُغُ عَشَرةَ دَراهِمَ فهو مَهرُها، وإنْ كان أقَلَّ مِنْ ذلك يُكمِلُ لها عَشَرةَ دَراهِمَ؛ لأنَّ أرشَ العَيبِ لمَّا صارَ مَهرَها والنِّكاحُ مُعاوَضةُ البُضعِ بالمَهرِ، فإذا نَكَحتْ نَفْسَها فقد أقَرَّتْ بالعَيبِ.
وكذلك لو اشتَرى شَيئًا بأرشِ عَيبٍ كان إقرارًا بالعَيبِ؛ لأنَّ الشِّراءَ مُعاوَضةٌ، فالإقدامُ عليه يَكونُ إقرارًا بالعَيبِ، بخِلافِ الصُّلحِ، حيث لا يَكونُ إقرارًا بالعَيبِ؛ لأنَّ الصُّلحَ مَرةً يَصحُّ مُعاوَضةً ومَرةً يَصحُّ إسقاطًا، فلا يَصحُّ دَليلًا على الإقرارِ بالشَّكِّ والاحتِمالِ.
ولو اشتَرى ثَوبَيْنِ، كلَّ واحِدٍ بعَشَرةِ، فقبَضهما ثم وَجَدَ بأحَدِهما عَيبًا
стр. 4541
فصالَحَ على أنْ يَرُدَّه بالعَيبِ على أنْ يَزيدَه في ثَمَنِ الآخَرِ دِرهَمًا فالرَّدُّ جائِزٌ وزيادةُ الدِّرهَمِ باطِلةٌ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وعندَ أبي يُوسُف لا يَجوزُ شَيءٌ مِنْ ذلك، ووَجهُ قَولِه أنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ فَسخٌ والفَسخَ بَيعٌ جَديدٌ بمَنزِلةِ الإقالةِ، والبَيعَ تُبطِلُه الشُّروطُ الفاسِدةُ.
وَجهُ قَولِهما أنَّ هذا تَعليقُ الزِّيادةِ في الثَّمَنِ بالشَّرطِ وهو باطِلٌ؛ لأنَّ الزِّيادةَ تُلحَقُ بأصلِ العَقدِ، وأصلُ الثَّمَنِ لا يَحتمِلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ؛ لأنَّه في مَعنى القِمارِ، فكذا الزِّيادةُ عليه، فأمَّا الرَّدُّ ففَسخُ العَقدِ، وإنَّه يَحتمِلُ الشَّرطَ فجائِزٌ.
ولو ادَّعى على امرأةٍ نِكاحًا فجَحَدتْ فصالَحها على مِئةِ دِرهَمٍ على أنْ تُقِرَّ له بالنِّكاحِ فأقَرَّتْ فهو جائِزٌ، وتُجعَلُ المِئةُ مِنَ الزَّوجِ زِيادةً في مَهرِها؛ لأنَّ إقرارَها بالنِّكاحِ مَحمولٌ على الصِّحَّةِ.
ولو ادَّعى على إنسانٍ ألْفًا وأنكَرَ المُدَّعِي فصالَحَه على مِئةِ دِرهَمٍ على أنْ يُقِرَّ له بالألفِ فهو باطِلٌ؛ لأنَّ المُدَّعِي لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ صادِقًا في دَعواه، أو أنْ يَكونَ كاذِبًا فيها، فإنْ كان صادِقًا فيها فالألْفُ واجِبةٌ على المُدَّعَى عليه، ويَكونُ أخْذُ العِوَضِ عليه في مَعنى الرَّشوةِ، وهو حَرامٌ، وإنْ كان كاذِبًا في دَعواه فإقرارُ المُدَّعَى عليه بالألْفِ التِزامُ المالِ ابتِداءً، وهذا لا يَجوزُ.
ولو قال لِامرأةٍ: أعطَيتُكِ مِئةَ دِرهَمٍ على أنْ تَكوني امرأتي، ففَعَلتْ ذلك فهو جائِزٌ، إذا كان بمَحضَرٍ مِنَ الشُّهودِ، ويُجعَلُ كِنايةً عن إنشاءِ النِّكاحِ،
стр. 4542
وكذا لو قال: «تَزوَّجتُكِ أمسِ على ألْفِ دِرهَمٍ»، فجَحَدتْ، فقال: «أزيدُكِ مِئةً على أنْ تُقِرِّي لي بالنِّكاحِ»، فأقَرَّتْ جازَ، ولها ألْفٌ ومِئةٌ، ويُحمَلُ إقرارُها على الصِّحَّةِ.
هذا الذي ذَكَرنا إذا كان الصُّلحُ بينَ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه.
الصُّلحُ بينَ المُدَّعِي والأجنبيِّ:
إذا كان الصُّلحُ بينَ المُدَّعِي والأجنبيِّ المُتوسِّطِ أو المُتبرِّعِ فلا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ ذلك بأمْرِ المُدَّعَى عليه أو بغَيرِ أمْرِه.
فإنْ كان الصُّلحُ بأمْرِه يَصحُّ؛ لأنَّه وَكيلٌ عنه، والصُّلحُ ممَّا يَحتمِلُ التَّوكيلَ به.
وإنْ كان بغَيرِ أمْرِه فهو صُلحُ الفُضوليِّ، وهو على خَمسةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يُضيفَ الضَّمانَ إلى نَفْسِه بأنْ يَقولَ لِلمُدَّعي: «صالَحتُكَ أو أُصالِحُكَ مِنْ دَعواكَ هذه على فُلانٍ على ألْفِ دِرهَمٍ على أنِّي ضامِنٌ لكَ الألفَ، أو على أنَّ علَيَّ الألفَ».
والثاني: أنْ يُضيفَ المالَ إلى نَفْسِه بأنْ يَقولَ: «علَى ألْفِي هذه أو على مَتاعي هذا».
والثالِثُ: أنْ يُعيِّنَ البَدَلَ وإنْ كان لا يَنسُبُه إلى نَفْسِه بأنْ يَقولَ: «علَيَّ هذه الألْفُ أو علَيَّ هذا المَتاعُ».
والرابِعُ: أنْ يُسلِّمَ البَدَلَ وإنْ لَم يُعيِّنْ ولَم يَنسُبْ، بأنْ قال: «صالَحتُكَ على ألْفٍ»، وسَلَّمَها إليه.
стр. 4543
ففي الوُجوهِ الأربَعةِ يَصحُّ الصُّلحُ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وهذا خاصٌّ في صُلحِ المُتوسِّطِ.
ولقَولِه عَزَّ شَأنُه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وهذا عامٌّ في جَميعِ أنواعِ الصُّلحِ؛ لِدُخولِ الألِفِ واللَّامِ على الصُّلحِ، وإنَّهما لاستِغراقِ الجِنسِ؛ ولأنَّه بالصُّلحِ في هذه الوُجوهِ مُتَصرِّفٌ على نَفْسِه بالتَّبرُّعِ بإسقاطِ الدَّينِ على الغَيرِ بالقَضاءِ مِنْ مالِ نَفْسِه إنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ، وإنْ كان عن إنكارٍ بإسقاطِ الخُصومةِ، فيَصحُّ تَبرُّعُه، كما إذا تَبرَّعَ بقَضاءِ دَينِ غَيرِه مِنْ مالِ نَفْسِه ابتِداءً، ومَتى صَحَّ صُلحُه يَجبُ عليه تَسليمُ البَدَلِ في الوُجوهِ الثَّلاثةِ، وليس له أنْ يَرجِعَ على المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ التَّبرُّعَ بقَضاءِ الدَّينِ لا يُطلِقُ الرُّجوعَ.
والخامِسُ: ألَّا يَفعَلَ شَيئًا مِنْ ذلك، بأنْ يَقولَ: «صالَحتُكَ على ألْفِ دِرهَمٍ، أو على عَبدٍ وَسَطٍ»، ولَم يَزِدْ عليه.
ففي هذا الوَجهِ يَكونُ الصُّلحُ مَوقوفًا على إجازةِ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ عندَ انعِدامِ الضَّمانِ والنِّسبةِ وتَعيينِ البَدَلِ والتَّمكينِ لا يُمكِنُ حَملُه على التَّبرُّعِ بقَضاءِ دَينِ غَيرِه مِنْ مالِ نَفْسِه، فلا يَكونُ مُتصَرِّفًا على نَفْسِه، بل على المُدَّعَى عليه، فيَقِفُ على إجازَتِه، فإنْ أجازَ نَفَذَ ويَجبُ البَدَلُ عليه دونَ المُصالَحِ؛ لأنَّ الإجازةَ اللَّاحِقةَ بمَنزِلةِ الوَكالةِ السابِقةِ.
ولو كان وَكيلًا مِنَ الابتِداءِ لَنَفَذَ تَصرُّفُه على مُوكِّلِه، فكذلك إذا التَحَقَ
стр. 4544
التَّوكيلُ بالإجازةِ، وإنْ رَدَّه بطَل؛ لأنَّ التَّصرُّفَ على الإنسانِ لا يَصحُّ مِنْ غيرِ إذْنِه وإجازَتِه.
ثم إنَّما يَصحُّ صُلحُ الفُضوليِّ إذا كان حُرًّا بالِغًا (١).
بَيانُ حُكمِ الصُّلحِ:
قال الحَنفيَّةُ: لِلصُّلحِ أحكامٌ، بَعضُها أصليٌّ لا يَنفَصِلُ عنه جِنسُ الصُّلحِ المَشروعِ، وبَعضُها دَخيلٌ يَدخُلُ في بَعضِ أنواعِ الصُّلحِ دونَ بَعضٍ.
١ - أمَّا الأصلُ فهو انقِطاعُ الخُصومةِ والمُنازَعةِ بينَ المُتداعيَيْنِ شَرعًا حتى لا تُسمَعَ دَعواهما بعدَ ذلك، وهذا حُكمٌ لَازَمَ جِنسَ الصُّلحِ.
٢ - أمَّا الدَّخيلُ فأنواعٌ: منها:
أ- حقُّ الشُّفعةِ لِلشَّفيعِ وجُملَتُه أنَّ المُدَّعَى لو كان دارًا وكان بَدَلُ الصُّلحِ سِوى الدارِ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ وغَيرِهما فإنْ كان الصُّلحُ عن إقرارِ المُدَّعَى عليه يَثبُتُ لِلشَّفيعِ فيها حَقُّ الشُّفعةِ؛ لأنَّه في مَعنى البَيعِ مِنَ الجانبَيْنِ، فيَجِبُ حَقُّ الشُّفعةِ، وإنْ كان الصُّلحُ عن إنكارٍ لا يَثبُتُ؛ لأنَّه ليس في مَعنى البَيعِ مِنْ جانِبِ المُدَّعَى عليه، بل هو بَذْلُ المالِ لِدَفعِ الخُصومةِ واليَمينِ، لكنْ لِلشَّفيعِ أنْ يَقومَ مَقامَ المُدَّعِي فيُدلي بحُجَّتِه على المُدَّعَى عليه، فإنْ كانت لِلمُدَّعِي بَيِّنةٌ أقامَها الشَّفيعُ عليه، وأخَذَ الدارَ بالشُّفعةِ؛ لأنَّ بإقامةِ البَيِّنةِ تَبيَّنَ له أنَّ الصُّلحَ كان في مَعنى البَيعِ، وكذلك إنْ لَم تَكُنْ له بَيِّنةٌ فحَلَفَ المُدَّعَى عليه فنَكَلَ.
стр. 4545
وإنْ كان بَدَلُ الصُّلحِ دارًا والصُّلحُ عن إقرارِ المُدَّعَى عليه يَثبُتُ لِلشَّفيعِ حَقُّ الشُّفعةِ في الدارَيْنِ جَميعًا؛ لِما مَرَّ أنَّ الصُّلحَ هنا في مَعنى البَيعِ مِنَ الجانبَيْنِ، فصارَ كأنَّهما تَبايَعا دارًا بدارٍ، فيأخُذُ شَفيعُ كلِّ دارٍ الدارَ المَشفوعةَ بقيمةِ الدارِ الأُخرى.
وإنْ تَصالَحا على أنْ يَأخُذَ المُدَّعِي الدارَ المُدَّعاةَ ويُعطيَ المُدَّعَى عليه دارًا أُخرى فإنْ كان الصُّلحُ عن إنكارٍ وَجَبتْ فيهما الشُّفعةُ بقيمةِ كلِّ واحِدةٍ منهما؛ لأنَّ هذا الصُّلحَ في مَعنى البَيعِ مِنَ الجانبَيْنِ، وإنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ لا يَصحُّ؛ لأنَّ الدارَيْنِ جَميعًا مِلكُ المُدَّعِي؛ لِاستِحالةِ أنْ يَكونَ مِلكُه بَدَلًا عن مِلكِه، وإذا لَم يَصحَّ الصُّلحُ لا تَجِبُ الشُّفعةُ.
ولو صالَحَ عن الدارِ على مَنافِعَ لا تَثبُتُ الشُّفعةُ، وإنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ؛ لأنَّ المَنفَعةَ ليستْ بعَينِ مالٍ، فلا يَجوزُ أخْذُ الشُّفعةِ بها، وإنْ كان الصُّلحُ عن إنكارٍ يَثبُتُ لِلشَّفيعِ حَقُّ الشُّفعةِ في الدارِ التي هي بَدَلُ الصُّلحِ، ولا يَثبُتُ في الدارِ المُدَّعاةِ؛ لأنَّ الأخْذَ بالشُّفعةِ يَستَدعي كَونَ المأخوذِ مَبيعًا في حَقِّ مَنْ يُؤخَذُ منه؛ لأنَّ الصُّلحَ عن إنكارٍ في جانِبِ المُدَّعِي مُعاوَضةٌ، فكان بَدَلُ الصُّلحِ بمَعنى البَيعِ في حَقِّه إذا كان عَينًا، فكان لِلشَّفيعِ حَقُّ الأخْذِ منه بالشُّفعةِ، وفي جانِبِ المُدَّعَى عليه ليس بمُعاوَضةٍ، بل هو إسقاطُ الخُصومةِ ودَفعُ اليَمينِ عن نَفْسِه، فلَم يَكُنْ لِلدارِ المُدَّعاةِ حُكمُ المَبيعِ في حَقِّه فلَم يَكُنْ لِلشَّفيعِ أنْ يأخُذَها بالشُّفعةِ إلا أنْ يُدليَ بحُجَّةِ المُدَّعِي فيُقيمَ البَيِّنةَ أو يَحلِفَ المُدَّعَى عليه فيَنكُلَ على ما ذَكَرْنا.
стр. 4546
٣ - ومنها حَقُّ الرَّدِّ بالعَيبِ، وأنَّه يَثبُتُ مِنَ الجانبَيْنِ جَميعًا، إنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ البَيعِ.
وإنْ كان عن إنكارٍ يَثبُتُ في جانِبِ المُدَّعِي، ولا يَثبُتُ في جانِبِ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ هذا بمَنزِلةِ البَيعِ في حَقِّه لا في حَقِّ المُدَّعَى عليه، والعَيبُ على المُدَّعَى عليه في دَعواه، فإنْ أقامَ البَيِّنةَ أخَذَ حِصَّةَ العَيبِ، وإذا لَم يَثبُتْ لِلمُدَّعَى عليه حَقُّ الرَّدِّ بالعَيبِ لَم يَرجِعْ في شَيءٍ.
وكذا لو استَحَقَّ عليه الدارَ وقد بَنى فيها بِناءً فنُقِضَ، لا يَرجِعُ على المُدَّعِي بقيمةِ البِناءِ.
وكذا لو كان المُدَّعَى جاريةً فاستَولَدَها لَم يَكُنْ مَغرورًا، ولا يَرجِعُ بقيمةِ الوَلَدِ؛ لأنَّ ما أخَذَه المُدَّعِي ليس بَدَلَ المُدَّعَى في حَقِّه، إلا أنَّه إذا استُحِقَّتِ الدارُ المُدَّعاةُ يَرجِعُ على المُدَّعِي بما أدَّى إليه؛ لأنَّ المُؤدَّى بَدَلُ الخُصومةِ في حَقِّه، وقد تَبيَّنَ أنَّه لا خُصومةَ له فيه، فكان له حَقُّ الرُّجوعِ بالمُؤدَّى.
ولو وَجَدَ ببَدَلِ الصُّلحِ عَيبًا فلَم يَقدِرْ على رَدِّه لِلهَلاكِ أو لِلزِّيادةِ أو لِلنُّقصانِ في يَدِ المُدَّعِي فإنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ يَرجِعُ على المُدَّعَى عليه بحِصَّةِ العَيبِ في المُدَّعَى، وإنْ كان عن إنكارٍ يَرجِعُ بحِصَّةِ العَيبِ على المُدَّعَى عليه في دَعواه، فإنْ أقامَ البَيِّنةَ أخَذَ حِصَّةَ العَيبِ، وكذا إذا حَلَّفَه فنَكَلَ وإنْ حلَف فلا شَيءَ عليه.
٤ - ومنها الرَّدُّ بخيارِ الرُّؤيةِ في نَوعَيِ الصُّلحِ؛ لأنَّ الخيارَ ثَبَتَ لِلمُدَّعِي
стр. 4547
فيَستَدعي كَونَه مُعاوَضةً عن حَقِّه، وقد وُجِدَ، وكذلك الأحكامُ تَشهَدُ بصِحَّةِ هذا.
٥ - ومنها أنَّه لا يَجوزُ التَّصرُّفُ في بَدَلِ الصُّلحِ قبلَ القَبضِ إذا كان مَنقولًا في نَوعَيِ الصُّلحِ، فلا يَجوزُ لِلمُدَّعِي بَيعُه وهِبَتُه ونَحوُ ذلك.
وإنْ كان عقارًا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسُفَ، وعندَ مُحمدٍ لا يَجوزُ، ويَجوزُ ذلك في الصُّلحِ عن القِصاصِ لِلمُصالَحِ أنْ يَبيعَه ويُبرَأَ عنه قبلَ القَبضِ، وكذلك المَهرُ والخُلعُ.
والفَرقُ أنَّ المانِعَ مِنَ الجَوازِ في سائِرِ المَواضِعِ التَّحرُّزُ عن انفِساخِ العَقدِ على تَقديرِ الهَلاكِ، ولَم يُوجَدْ هنا؛ لأنَّ الصُّلحَ عن القِصاصِ بما لا يَحتمِلُ الانفِساخَ، فلا حاجةَ إلى الصِّيانةِ بالمَنعِ، كالمَوروثِ.
ولو صالَحَ عن القِصاصِ على عَينٍ فهَلَكتْ قبلَ التَّسليمِ فعليه قيمَتُها؛ لأنَّ الصُّلحَ لَم يَنفَسِخْ فبَقيَ وُجوبُ التَّسليمِ وهو عاجِزٌ عن تَسليمِ العَينِ لِلمُصالَحِ فيَجِبُ تَسليمُ القيمةِ.
٦ - ومنها أنَّ الوَكيلَ بالصُّلحِ إذا صالَحَ ببَدَلِ الصُّلحِ يَلزَمُه أو يَلزَمُ المُدَّعَى عليه، فهذا في الأصلِ لا يَخلو مِنْ وَجهَيْنِ: إمَّا أنْ يَكونَ الصُّلحُ في مَعنى المُعاوَضةِ، وإمَّا أنْ يَكونَ في مَعنى استِيفاءِ عَينِ الحَقِّ.
فإنْ كان في مَعنى المُعاوَضةِ يَلزَمُه دونَ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّه يَكونُ جاريًا مَجرَى البَيعِ، وحُقوقُ البَيعِ راجِعةً إلى الوَكيلِ، وإنْ كان في مَعنى استِيفاءِ عَينِ الحَقِّ فهذا على وَجهَيْنِ أيضًا: إمَّا أنْ يَضمَنَ بَدَلَ الصُّلحِ، وإمَّا ألَّا
стр. 4548
يَضمَنَ، فإذا لَم يَضمَنْ لا يَلزَمُه؛ لأنَّه يَكونُ سَفيرًا بمَنزِلةِ الرَّسولِ، فلا تَرجِعُ إليه الحُقوقُ، وإنْ ضمِن لَزِمَه بحُكمِ الكَفالةِ، لا بحُكمِ العَقدِ.
وأمَّا الفُضوليُّ: فإنْ نَفَذَ صُلحُه فالبَدَلُ عليه، ولا يَرجِعُ به على المُدَّعَى عليه؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ، وإنْ وَقَفَ صُلحُه فإنْ رَدَّه المُدَّعَى عليه بطَل ولا شَيءَ على واحِدٍ منهما، وإنْ أجازَه جازَ، والبَدَلُ عليه دونَ الفُضوليِّ (١).
مُبطِلاتُ عَقدِ الصُّلحِ وحُكمُه بعدَ البُطلانِ:
نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيَّةِ على بَيانِ ما يَبطُلُ به الصُّلحُ بعدَ وُجودِه فقالوا:
ما يَبطُلُ به الصُّلحُ أشياءُ:
١ - الإقالةُ فيما سِوى القِصاصِ؛ لأنَّ ما سِوى القِصاصِ لا يَخلو عن مَعنى مُعاوَضةِ المالِ بالمالِ، فكان مُحتَمِلًا لِلفَسخِ كالبَيعِ ونَحوِه، فأمَّا في القِصاصِ فالصُّلحُ فيه إسقاطٌ مَحضٌ؛ لأنَّه عَفوٌ، والعَفوُ إسقاطٌ، فلا يَحتمِلُ الفَسخَ كالطَّلاقِ ونَحوِه.
٢ - لِحاقُ المُرتَدِّ بدارِ الحَربِ أو مَوتُه على الرِّدَّةِ عندَ أبي حَنيفةَ، بِناءً على أنَّ تَصرُّفاتِ المُرتَدِّ مَوقوفةٌ عندَه على الإسلامِ أو اللُّحوقِ بدارِ الحَربِ والمَوتِ، فإنْ أسلَمَ نَفَذَ، وإنْ لَحِقَ بدارِ الحَربِ وقَضى القاضي به أو قُتِلَ أو ماتَ على الرِّدَّةِ تَبطُلُ، وعِندَ أبي يُوسُفَ ومُحمدٍ: نافِذةٌ.
والمُرتَدَّةُ إذا لَحِقتْ بدارِ الحَربِ يَبطُلُ مِنْ صُلحِها ما يَبطُلُ مِنْ صُلحِ الحَربيَّةِ؛ لأنَّ حُكمَها حُكمُ الحَربيَّةِ.
стр. 4549
٣ - الرَّدُّ بخيارِ العَيبِ والرُّؤيةِ؛ لأنَّه يَفسَخُ العَقدَ؛ لِما عُلِمَ.
٤ - ويَبطُلُ الصُّلحُ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقِدَيْنِ في الصُّلحِ على المَنافِعِ قبلَ انقِضاءِ المُدَّةِ؛ لأنَّه إجارةٌ، فإذا كان مَوتُه قبلَ الانتِفاعِ بما وَقَعَ عليه الصُّلحُ رجَع المُدَّعِي على دَعواه، وإنْ كان قد انتَفَعَ بنِصفِ المُدَّةِ أو ثُلُثِها: بَطَل مِنْ دَعواه بقَدْرِ ذلك، ورجَع على دَعواه فيما بَقيَ، وهذا قَولُ مُحمدٍ، جعَله كالإجارةِ.
وقال أبو يُوسُفَ: الصُّلحُ مُخالِفٌ لِلإجارةِ، فإذا ماتَ المُدَّعَى عليه لا يَبطُلُ الصُّلحُ، ولِلمُدَّعِي أنْ يَستَوفيَ الذِّمَّةَ بعدَ مَوتِه، وكذا إذا ماتَ المُدَّعِي لا يَبطُلُ الصُّلحُ أيضًا في خِدمةِ العَبدِ وسُكنى الدارِ وزِراعةِ الأرضِ، ويَقومُ وَرَثتُه مَقامَه في الاستِيفاءِ، ويَبطُلُ في رُكوبِ الدَّابَّةِ ولُبسِ الثَّوبِ، ولا يَقومُ وَرَثتُه مَقامَه في الاستِيفاءِ؛ لأنَّ الناسَ يَتفاوَتونَ فيه.
وإنْ هَلَك الشَّيءُ الذي وَقَع الصُّلحُ على مَنفَعتِه أو استُحِقَّ بطَل الصُّلحُ بالإجماعِ.
وصُورتُه: ادَّعى رَجُلٌ على رَجُلٍ شَيئًا فاعتَرَف به ثم صالَحَه على سُكنى دارٍ سَنةً ورُكوبِ دابَّةٍ مَعلومةٍ أو على لُبسِ ثَوبِه أو زِراعةِ أرضِه مُدَّةً مَعلومةً، فهذا الصُّلحُ جائِزٌ فيَكونُ في مَعنى الإجارةِ، فيَجري فيه أحكامُ الإجارةِ، وهو تَمليكُ المَنافِعِ بمالٍ، فكُلُّ مَنفَعةٍ يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الإجارةِ يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الصُّلحِ (١).
стр. 4550
بَيانُ حُكمِ الصُّلحِ إذا بطَل بعدَ صِحَّتِه أو لَم يَصحَّ أصلاً:
فهو أنْ يَرجِعَ المُدَّعِي إلى أصلِ دَعواه إنْ كان الصُّلحُ عن إنكارٍ، وإنْ كان عن إقرارٍ فيَرجِعُ على المُدَّعَى عليه بالمُدَّعِي لا غَيرِه، إلا أنَّ في الصُّلحِ عن قِصاصٍ إذا لَم يَصحَّ كان له أنْ يَرجِعَ على القاتِلِ بالدِّيةِ دونَ القِصاصِ، إلا أنْ يَصيرَ مَغرورًا مِنْ جِهةِ المُدَّعَى عليه فيَرجِعَ عليه بضَمانِ الغَرَرِ أيضًا.
وبَيانُ هذه الجُملةِ أنَّهما إذا تَقايَلا الصُّلحَ فيما سِوى القِصاصِ أو رَدِّ البَدَلِ بالعَيبِ وخيارِ الرُّؤيةِ يَرجِعُ المُدَّعِي بالمُدَّعَى إنْ كان عن إقرارٍ، وإنْ كان عن إنكارٍ يَرجِعُ إلى دَعواه؛ لأنَّ الإقالةَ والرَّدَّ بالعَيبِ وخيارِ الرُّؤيةِ فَسخٌ لِلعَقدِ، وإذا فُسِخَ جُعِلَ كأنَّه لَم يَكُنْ، فعادَ الأمرُ على ما كان مِنْ قَبلُ.
وكذا إذا استُحِقَّ؛ لأنَّ بالاستِحقاقِ ظَهَر أنَّه لَم يَصحَّ؛ لِفَواتِ شَرطِ الصِّحَّةِ، فكأنَّه لَم يُوجَدْ أصلًا، فكان وُجودُه وعَدَمُه بمَنزِلةٍ واحِدةٍ، إلا أنَّ في الصُّلحِ عن القِصاصِ عن إقرارٍ لا يَرجِعُ بالمُدَّعِي، وإنْ فاتَ شَرطُ الصِّحَّةِ؛ لأنَّ صُورةَ الصُّلحِ أورَثَتْ شُبهةً في دَرءِ القِصاصِ، ولأنَّ القِصاصَ لا يُستَوفَى مع الشُّبهةِ، فسَقَطَ لكنْ إلى بَدَلٍ، وهو الدِّيةُ.
فأمَّا المالُ وما سِوى القِصاصِ مِنَ الحُقوقِ والحُدودِ فيما يُمكِنُ استِيفاؤُه مع الشُّبهةِ فأمكَنَ الرُّجوعُ بالمُدَّعِي ولا يَرجِعُ بشَيءٍ آخَرَ إلا إذا صارَ مَغَرَّرًا مِنْ جِهةِ المُدَّعَى عليه، بأنْ كان بَدَلُ الصُّلحِ جاريةً فقبَضها واستَولَدَها ثم جاءَ مُستحِقٌّ فاستَحقَّها وأخَذَها وأخَذَ عُقرَها وقيمةَ وَلَدِها وَقتَ الخُصومةِ؛ فإنَّه يَرجِعُ على المُدَّعَى عليه بالمُدَّعِي، وبما ضمِن مِنْ
стр. 4551
قيمةِ الوَلَدِ إنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ؛ لأنَّه صارَ مُغَرَّرًا مِنْ جِهتِه.
وإنْ كان الصُّلحُ عن إنكارٍ يَرجِعُ إلى دَعواه لا غَيرُ، فإنْ أقامَ البَيِّنةَ على صِحَّةِ دَعواه أو حلَف المُدَّعَى عليه فنَكَلَ حينَئذٍ يَرجِعُ بما ادَّعى وبقيمةِ الوَلَدِ؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّه كان مُغَرَّرًا فيَرجِعُ عليه بضَمانِ الغَرَرِ، ولا يَرجِعُ بالعُقرِ في نَوعَيِ الصُّلحِ؛ لأنَّ العُقرَ بَدَلُ المَنفَعةِ المُستَوفَى، فكان عليه العُقرُ (١).
التَّوكيلُ في الصُّلحِ:
مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا لِيُصالِحَ عنه لَم يَلزَمِ الوَكيلَ ما صالَحَ عليه، إلا أنْ يُضمِّنَه؛ لأنَّه حينَئذٍ مُؤاخَذٌ بعَقدِ الضَّمانِ، لا بعَقدِ الصُّلحِ، بأنْ يَقولَ الوَكيلُ: «صالَحتُكَ على أنِّي ضامِنٌ ببَدَلِ الصُّلحِ، فحينَئذٍ يُطالَبُ الوَكيلُ بحُكمِ الكَفالةِ، والمالُ لَازِمٌ لِلمُوكِّلِ، وهذا إذا كان الصُّلحُ عن دَمِ العَمدِ، أو كان الصُّلحُ عن بَعضِ ما يَدَّعيه مِنَ الدَّينِ؛ لأنَّه إسقاطٌ مَحضٌ، فكان الوَكيلُ فيه سَفيرًا عن المُوكِّلِ أو مُعبِّرًا، فلا ضَمانَ عليه كالوَكيلِ بالنِّكاحِ لا يَلزَمُه المَهرُ.
أمَّا إذا وَكَّلَه بالصُّلحِ عن مالٍ بمالٍ، بأنِ ادَّعى رَجُلٌ عليه عُروضًا أو عَقارًا أو نَحوَها فوَكَّلَه بالصُّلحِ عنه على مالٍ فإنَّ المالَ لَازِمٌ لِلوَكيلِ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ هنا على الوَكيلِ، دونَ المُوكِّلِ، ويَرجِعُ بما ضمِن على المُوكِّلِ.
وإنْ صالَحَ عنه على شَيءٍ بغَيرِ أمْرِه فهو على أربَعةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: إنْ صالَحَ بمالٍ وضمِنه تم الصُّلحُ ولَزِمَه المالُ، بأنْ يَقولَ:
стр. 4552
«صالِحْني مِنْ دَعواكَ مع فُلانٍ على ألْفٍ على أنِّي ضامِنٌ بها»، أو يَقولَ: «بألْفٍ مِنْ مالي، أو بألْفٍ علَيَّ، أو على ألْفِي هذه»، فإذا فَعَل فالمالُ لَازِمٌ لِلوَكيلِ؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ ولا يَكونُ له شَيءٌ مِنَ المُدَّعِي، وإنَّما له الذي هو في يَدِه.
والوَجهُ الثاني: إذا قال: «صالَحتُكَ على ألفِي هذه، أو على عَبدي هذا»، تم الصُّلحُ ولَزِمه تَسليمُهما؛ لأنَّه لمَّا أضافَهما إلى مالِ نَفْسِه قد التَزَمَ تَسليمَهما.
والوَجهُ الثالِثُ: لو قال: «صالَحتُكَ على ألْفٍ»، وسَلَّمَها؛ لأنَّ التَّسليمَ يُوجِبُ سَلامةَ العِوَضِ له، فيَتمُّ العَقدُ.
الوَجهُ الرابِعُ: إنْ قال: «صالَحتُكَ على ألْفٍ»، وسَكَتَ فالعَقدُ مَوقوفٌ، فإنْ أجازَه المُدَّعَى عليه جازَ، ولَزِمه ألْفٌ، وإنْ لَم يُجِزْه بطَل، وإنَّما وَقَفَ لأنَّ العاقِدَ تَبرَّعَ بالعَقدِ ولَم يَتبرَّعْ بالمالِ؛ لأنَّه لَم يُضِفِ المالَ إلى نَفْسِه، فلَم يَلزَمْه، فإنْ أجازَه المَطلوبَ لَزِمَه المالُ، وإنْ لَم يُجِزْه بطَل (١).
الصُّلحُ بينَ الشَّريكَيْنِ:
قال الحَنفيَّةُ: إذا كان الدَّينُ بينَ شَريكَيْنِ فصالَحَ أحَدُهما عن نَصيبِه على ثَوبٍ فشَريكُه بالخيارِ، إنْ شاءَ تَبِعَ الذي عليه الدَّينُ بنِصفِه؛ لأنَّ نَصيبَه باقٍ في ذِمَّتِه؛ لأنَّ القابِضَ قبَض نَصيبَه، لكنْ له حَقُّ المُشارَكةِ؛ لأنَّه قبلَ أنْ يُشارِكَه فيه باقٍ على مِلكِ القابِضِ.
стр. 4553
وإنْ شاءَ أخَذَ نِصفَ الثَّوبِ؛ لأنَّ له حَقَّ المُشارَكةِ فيه.
إلا أنْ يَضمَنَ له شَريكُه رُبُعَ الدَّينِ؛ لأنَّ حَقَّه في ذلك، فإنْ لَم يأخُذْ نِصفَ الثَّوبِ وأرادَ الرُّجوعَ على غَريمِه فَهَلَك المالُ عليه فلَه أنْ يَرجِعَ على شَريكِه بنِصفِ الثَّوبِ؛ لأنَّ المَقبوضَ إنَّما وَقَع في الأصلِ مُشتَرِكًا، فإنْ أخَّرَ أحَدُهما نَصيبَه ولَم يُؤخِّرِ الآخَرُ لَم يَجُزْ عندَ أبي حَنيفةَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ-؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى قِسمةِ الدَّينِ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ نَصيبَ أحَدِهما يَصيرُ مُؤجَّلًا، ونَصيبَ الآخَرِ مُعجَّلًا، فيَتميَّزُ نَصيبُ أحَدِهما مِنْ نَصيبِ الآخَرِ، وقِسمةُ الدَّينِ حالَ كَونِه في الذِّمَّةِ لا تَجوزُ.
وعندَ أبي يُوسُفَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ- يَصحُّ اعتبارًا بالإبراءِ المُطلَقِ؛ لأنَّ في تأخيرِ أحَدِهما لِنَصيبِه إسقاطَ حَقِّه في المُطالَبةِ، فصارَ كالبَراءةِ والهِبةِ.
ولو استَوفَى نِصفَ نَصيبِه مِنَ الدَّينِ كان لِشَريكِه أنْ يُشارِكَه فيما قبَض، ثم يَرجِعا على الغَريمِ بالبَقيَّةِ؛ لأنَّ المَقبوضَ صارَ مُشتَرَكًا؛ فهو مِنَ الحَقَّيْنِ جَميعًا.
وإنِ اشتَرى أحَدُهما لِنَفْسِه بنَصيبِه مِنَ الدَّينِ سِلعةً كان لِشَريكِه أنْ يُضمِّنَه رُبُعَ الدَّينِ؛ لأنَّه صارَ قابِضًا حَقَّه بالمُقاصَّةِ كامِلًا؛ لأنَّ مَبنَى البَيعِ على المُماكَسةِ بخِلافِ الصُّلحِ، فإنَّ مَبناه على الإغماضِ والحَطيطةِ، فلو ألزَمْناه دَفْعَ رُبُعِ الدَّينِ في الصُّلحِ يَتضَرَّرُ به فيَتخيَّرُ القابِضُ في الصُّلحِ.
ولِشَريكِه أنْ يُضمِّنَه رُبُعَ الدَّينِ، هذا إذا كان ثَمَنُ السِّلعةِ مِثلَ نِصفِ
стр. 4554
الدَّينِ، ولا سَبيلَ لِلشَّريكِ على الثَّوبِ في البَيعِ؛ لأنَّه مَلَكَه بعَقدِه، والاستِيفاءِ بالمُقاصَّةِ بينَ ثَمَنِه وبَينَ الدَّينِ، ولِلشَّريكِ أنْ يَتبَعَ الغَريمَ في جَميعِ ما ذَكَرنا؛ لأنَّ حَقَّه في ذِمَّتِه باقٍ؛ لأنَّ القابِضَ استَوفى نَصيبَه حَقيقةً، لكنْ له حَقُّ المُشارَكةِ وله ألَّا يُشارِكَه.
وإذا كان السَّلَمُ بينَ شَريكَيْنِ -أي: المُسلَمِ فيه- فصالَحَ أحَدُهما مِنْ نَصيبِه على رأسِ المالِ لَم يَجُزْ عندَ أبي حَنيفةَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ-؛ لأنَّه لو جازَ في نَصيبِه خاصَّةً يَكونُ قَسَّمَ الدَّينَ في الذِّمَّةِ، ولو جازَ في نَصيبِهما لا بُدَّ مِنْ إجازةِ الآخَرِ؛ لأنَّ فيه فَسخَ العَقدِ على شَريكِه بغَيرِ إذْنِه، وهو لا يَملِكُ ذلك.
وقال أبو يُوسُفَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ-: يَجوزُ الصُّلحُ اعتِبارًا بسائِرِ الدُّيونِ، وبما إذا اشتَرَيا عَبدًا فأقالَ أحَدُهما في نَصيبِه خاصَّةً (١).
الصُّلحُ في التَّرِكةِ بينَ الوَرَثةِ:
إذا كانتِ التَّرِكةُ بينَ وَرَثةٍ فأخرَجوا أحَدَهم عنها بمالٍ أعطَوْه إيَّاه ففي ذلك تَفصيلٌ:
١ - إنْ كانتِ التَّرِكةُ عَقارًا أو عُروضًا جازَ، قَليلًا كان ما أعطَوْه أو كَثيرًا؛ لأنَّه أمكَنَ تَصحيحُه بَيعًا، وفيه أثَرُ عُثمانَ ﵁ فإنَّه صالَحَ تُماضِرَ امرأةَ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ مِنْ رُبُعِ ثَمَنِها على ثَمانين ألْفَ دِينارٍ.
стр. 4555
٢ - وإنْ كانتِ التَّرِكُة فِضَّةً فأعطَوْه ذهَبا، أو كانتْ ذهَبا فأعطَوْه فِضَّةً فهو جائِزٌ، ويُعتبَرُ التَّقابُضُ في المَجلِسِ؛ لأنَّه مُعتبَرٌ بالصَّرفِ، وإنِ افتَرَقا قبلَ القَبضِ بطَل.
٣ - وإنْ كانتِ الشَّرِكةُ ذهَبا وفِضَّةً وغَيرَ ذلك فصالَحوه على فِضَّةٍ أو ذهَب فلا بُدَّ أنْ يَكونَ ما أعطَوْه أكثَرَ مِنْ نَصيبِه مِنْ ذلك الجِنسِ حتى يَكونَ نَصيبُه بمِثلِه، والزِّيادُة بحَقِّه مِنْ بَقيَّةِ الميراثِ احتِرازًا عن الرِّبا، ولا بُدَّ مِنَ التَّقابُضِ فيما يُقابِلُ نَصيبَه مِنَ الذهَب والفِضَّةِ؛ لأنَّه صُرِفَ في هذا القَدْرِ وإنْ كان بَدَلُ الصَّرفِ عَرضًا جازَ مُطلَقًا؛ لِعَدَمِ الرِّبا.
فلا بُدَّ أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ نَصيبِه، إنَّما يَبطُلُ الصُّلحُ على مِثلِ نَصيبِه أو أقَلَّ حالَ التَّصادُقِ، أمَّا إذا كانوا جاحِدينَ أنَّها امرأةُ المَيِّتِ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّ المُعطَى إنَّما هو لِقَطعِ المُنازَعةِ، لا لِلمُعاوَضةِ حتى لو كان ذهَبا فصالَحوا عنه بذهَب أقَلَّ منه جازَ.
٤ - وإنْ كان في التَّرِكةِ دَينٌ على الناسِ فصالَحوا أحَدَهم بمالٍ على أنْ يُخرِجوه عن نَصيبِه مِنَ الدَّينِ ويَكونَ الدَّينُ لهم، فالصُّلحُ باطِلٌ في العَينِ والدَّينِ؛ لأنَّ فيه تَمليكِ الدَّينِ لِغَيرِ مَنْ هو عليه، وهو حِصَّةُ المُصالَحِ.
٥ - وإنْ شَرَطوا أنْ يُبرَأَ الغُرَماءُ مِنَ الدَّينِ ولا يَرجِعَ عليهم بنَصيبِ المَصالِحِ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّه إسقاطٌ أو هو تَمليكُ الدَّينِ ممَّن هو عليه، وذلك جائِزٌ، وهذه حيلةُ الجَوازِ، وحِيلةٌ أُخرى أنْ يُعجِّلوا قَضاءَ نَصيبِه مُتبرِّعينَ، وفي الوَجهَيْنِ ضَرَرٌ بهم، والأوْجَهُ أنْ يُقرِضوا المَصالِحَ مِقدارَ