← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

قيمةِ الوَلَدِ إنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ؛ لأنَّه صارَ مُغَرَّرًا مِنْ جِهتِه. وإنْ كان الصُّلحُ عن إنكارٍ يَرجِعُ إلى دَعواه لا غَيرُ، فإنْ أقامَ البَيِّنةَ على صِحَّةِ دَعواه أو حلَف المُدَّعَى عليه فنَكَلَ حينَئذٍ يَرجِعُ بما ادَّعى وبقيمةِ الوَلَدِ؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّه كان مُغَرَّرًا فيَرجِعُ عليه بضَمانِ الغَرَرِ، ولا يَرجِعُ بالعُقرِ في نَوعَيِ الصُّلحِ؛ لأنَّ العُقرَ بَدَلُ المَنفَعةِ المُستَوفَى، فكان عليه العُقرُ (١). التَّوكيلُ في الصُّلحِ: مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا لِيُصالِحَ عنه لَم يَلزَمِ الوَكيلَ ما صالَحَ عليه، إلا أنْ يُضمِّنَه؛ لأنَّه حينَئذٍ مُؤاخَذٌ بعَقدِ الضَّمانِ، لا بعَقدِ الصُّلحِ، بأنْ يَقولَ الوَكيلُ: «صالَحتُكَ على أنِّي ضامِنٌ ببَدَلِ الصُّلحِ، فحينَئذٍ يُطالَبُ الوَكيلُ بحُكمِ الكَفالةِ، والمالُ لَازِمٌ لِلمُوكِّلِ، وهذا إذا كان الصُّلحُ عن دَمِ العَمدِ، أو كان الصُّلحُ عن بَعضِ ما يَدَّعيه مِنَ الدَّينِ؛ لأنَّه إسقاطٌ مَحضٌ، فكان الوَكيلُ فيه سَفيرًا عن المُوكِّلِ أو مُعبِّرًا، فلا ضَمانَ عليه كالوَكيلِ بالنِّكاحِ لا يَلزَمُه المَهرُ. أمَّا إذا وَكَّلَه بالصُّلحِ عن مالٍ بمالٍ، بأنِ ادَّعى رَجُلٌ عليه عُروضًا أو عَقارًا أو نَحوَها فوَكَّلَه بالصُّلحِ عنه على مالٍ فإنَّ المالَ لَازِمٌ لِلوَكيلِ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ هنا على الوَكيلِ، دونَ المُوكِّلِ، ويَرجِعُ بما ضمِن على المُوكِّلِ. وإنْ صالَحَ عنه على شَيءٍ بغَيرِ أمْرِه فهو على أربَعةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: إنْ صالَحَ بمالٍ وضمِنه تم الصُّلحُ ولَزِمَه المالُ، بأنْ يَقولَ:

стр. 4552

«صالِحْني مِنْ دَعواكَ مع فُلانٍ على ألْفٍ على أنِّي ضامِنٌ بها»، أو يَقولَ: «بألْفٍ مِنْ مالي، أو بألْفٍ علَيَّ، أو على ألْفِي هذه»، فإذا فَعَل فالمالُ لَازِمٌ لِلوَكيلِ؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ ولا يَكونُ له شَيءٌ مِنَ المُدَّعِي، وإنَّما له الذي هو في يَدِه. والوَجهُ الثاني: إذا قال: «صالَحتُكَ على ألفِي هذه، أو على عَبدي هذا»، تم الصُّلحُ ولَزِمه تَسليمُهما؛ لأنَّه لمَّا أضافَهما إلى مالِ نَفْسِه قد التَزَمَ تَسليمَهما. والوَجهُ الثالِثُ: لو قال: «صالَحتُكَ على ألْفٍ»، وسَلَّمَها؛ لأنَّ التَّسليمَ يُوجِبُ سَلامةَ العِوَضِ له، فيَتمُّ العَقدُ. الوَجهُ الرابِعُ: إنْ قال: «صالَحتُكَ على ألْفٍ»، وسَكَتَ فالعَقدُ مَوقوفٌ، فإنْ أجازَه المُدَّعَى عليه جازَ، ولَزِمه ألْفٌ، وإنْ لَم يُجِزْه بطَل، وإنَّما وَقَفَ لأنَّ العاقِدَ تَبرَّعَ بالعَقدِ ولَم يَتبرَّعْ بالمالِ؛ لأنَّه لَم يُضِفِ المالَ إلى نَفْسِه، فلَم يَلزَمْه، فإنْ أجازَه المَطلوبَ لَزِمَه المالُ، وإنْ لَم يُجِزْه بطَل (١). الصُّلحُ بينَ الشَّريكَيْنِ: قال الحَنفيَّةُ: إذا كان الدَّينُ بينَ شَريكَيْنِ فصالَحَ أحَدُهما عن نَصيبِه على ثَوبٍ فشَريكُه بالخيارِ، إنْ شاءَ تَبِعَ الذي عليه الدَّينُ بنِصفِه؛ لأنَّ نَصيبَه باقٍ في ذِمَّتِه؛ لأنَّ القابِضَ قبَض نَصيبَه، لكنْ له حَقُّ المُشارَكةِ؛ لأنَّه قبلَ أنْ يُشارِكَه فيه باقٍ على مِلكِ القابِضِ.

стр. 4553

وإنْ شاءَ أخَذَ نِصفَ الثَّوبِ؛ لأنَّ له حَقَّ المُشارَكةِ فيه. إلا أنْ يَضمَنَ له شَريكُه رُبُعَ الدَّينِ؛ لأنَّ حَقَّه في ذلك، فإنْ لَم يأخُذْ نِصفَ الثَّوبِ وأرادَ الرُّجوعَ على غَريمِه فَهَلَك المالُ عليه فلَه أنْ يَرجِعَ على شَريكِه بنِصفِ الثَّوبِ؛ لأنَّ المَقبوضَ إنَّما وَقَع في الأصلِ مُشتَرِكًا، فإنْ أخَّرَ أحَدُهما نَصيبَه ولَم يُؤخِّرِ الآخَرُ لَم يَجُزْ عندَ أبي حَنيفةَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ-؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى قِسمةِ الدَّينِ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ نَصيبَ أحَدِهما يَصيرُ مُؤجَّلًا، ونَصيبَ الآخَرِ مُعجَّلًا، فيَتميَّزُ نَصيبُ أحَدِهما مِنْ نَصيبِ الآخَرِ، وقِسمةُ الدَّينِ حالَ كَونِه في الذِّمَّةِ لا تَجوزُ. وعندَ أبي يُوسُفَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ- يَصحُّ اعتبارًا بالإبراءِ المُطلَقِ؛ لأنَّ في تأخيرِ أحَدِهما لِنَصيبِه إسقاطَ حَقِّه في المُطالَبةِ، فصارَ كالبَراءةِ والهِبةِ. ولو استَوفَى نِصفَ نَصيبِه مِنَ الدَّينِ كان لِشَريكِه أنْ يُشارِكَه فيما قبَض، ثم يَرجِعا على الغَريمِ بالبَقيَّةِ؛ لأنَّ المَقبوضَ صارَ مُشتَرَكًا؛ فهو مِنَ الحَقَّيْنِ جَميعًا. وإنِ اشتَرى أحَدُهما لِنَفْسِه بنَصيبِه مِنَ الدَّينِ سِلعةً كان لِشَريكِه أنْ يُضمِّنَه رُبُعَ الدَّينِ؛ لأنَّه صارَ قابِضًا حَقَّه بالمُقاصَّةِ كامِلًا؛ لأنَّ مَبنَى البَيعِ على المُماكَسةِ بخِلافِ الصُّلحِ، فإنَّ مَبناه على الإغماضِ والحَطيطةِ، فلو ألزَمْناه دَفْعَ رُبُعِ الدَّينِ في الصُّلحِ يَتضَرَّرُ به فيَتخيَّرُ القابِضُ في الصُّلحِ. ولِشَريكِه أنْ يُضمِّنَه رُبُعَ الدَّينِ، هذا إذا كان ثَمَنُ السِّلعةِ مِثلَ نِصفِ

стр. 4554

الدَّينِ، ولا سَبيلَ لِلشَّريكِ على الثَّوبِ في البَيعِ؛ لأنَّه مَلَكَه بعَقدِه، والاستِيفاءِ بالمُقاصَّةِ بينَ ثَمَنِه وبَينَ الدَّينِ، ولِلشَّريكِ أنْ يَتبَعَ الغَريمَ في جَميعِ ما ذَكَرنا؛ لأنَّ حَقَّه في ذِمَّتِه باقٍ؛ لأنَّ القابِضَ استَوفى نَصيبَه حَقيقةً، لكنْ له حَقُّ المُشارَكةِ وله ألَّا يُشارِكَه. وإذا كان السَّلَمُ بينَ شَريكَيْنِ -أي: المُسلَمِ فيه- فصالَحَ أحَدُهما مِنْ نَصيبِه على رأسِ المالِ لَم يَجُزْ عندَ أبي حَنيفةَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ-؛ لأنَّه لو جازَ في نَصيبِه خاصَّةً يَكونُ قَسَّمَ الدَّينَ في الذِّمَّةِ، ولو جازَ في نَصيبِهما لا بُدَّ مِنْ إجازةِ الآخَرِ؛ لأنَّ فيه فَسخَ العَقدِ على شَريكِه بغَيرِ إذْنِه، وهو لا يَملِكُ ذلك. وقال أبو يُوسُفَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ-: يَجوزُ الصُّلحُ اعتِبارًا بسائِرِ الدُّيونِ، وبما إذا اشتَرَيا عَبدًا فأقالَ أحَدُهما في نَصيبِه خاصَّةً (١). الصُّلحُ في التَّرِكةِ بينَ الوَرَثةِ: إذا كانتِ التَّرِكةُ بينَ وَرَثةٍ فأخرَجوا أحَدَهم عنها بمالٍ أعطَوْه إيَّاه ففي ذلك تَفصيلٌ: ١ - إنْ كانتِ التَّرِكةُ عَقارًا أو عُروضًا جازَ، قَليلًا كان ما أعطَوْه أو كَثيرًا؛ لأنَّه أمكَنَ تَصحيحُه بَيعًا، وفيه أثَرُ عُثمانَ ﵁ فإنَّه صالَحَ تُماضِرَ امرأةَ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ مِنْ رُبُعِ ثَمَنِها على ثَمانين ألْفَ دِينارٍ.

стр. 4555

٢ - وإنْ كانتِ التَّرِكُة فِضَّةً فأعطَوْه ذهَبا، أو كانتْ ذهَبا فأعطَوْه فِضَّةً فهو جائِزٌ، ويُعتبَرُ التَّقابُضُ في المَجلِسِ؛ لأنَّه مُعتبَرٌ بالصَّرفِ، وإنِ افتَرَقا قبلَ القَبضِ بطَل. ٣ - وإنْ كانتِ الشَّرِكةُ ذهَبا وفِضَّةً وغَيرَ ذلك فصالَحوه على فِضَّةٍ أو ذهَب فلا بُدَّ أنْ يَكونَ ما أعطَوْه أكثَرَ مِنْ نَصيبِه مِنْ ذلك الجِنسِ حتى يَكونَ نَصيبُه بمِثلِه، والزِّيادُة بحَقِّه مِنْ بَقيَّةِ الميراثِ احتِرازًا عن الرِّبا، ولا بُدَّ مِنَ التَّقابُضِ فيما يُقابِلُ نَصيبَه مِنَ الذهَب والفِضَّةِ؛ لأنَّه صُرِفَ في هذا القَدْرِ وإنْ كان بَدَلُ الصَّرفِ عَرضًا جازَ مُطلَقًا؛ لِعَدَمِ الرِّبا. فلا بُدَّ أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ نَصيبِه، إنَّما يَبطُلُ الصُّلحُ على مِثلِ نَصيبِه أو أقَلَّ حالَ التَّصادُقِ، أمَّا إذا كانوا جاحِدينَ أنَّها امرأةُ المَيِّتِ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّ المُعطَى إنَّما هو لِقَطعِ المُنازَعةِ، لا لِلمُعاوَضةِ حتى لو كان ذهَبا فصالَحوا عنه بذهَب أقَلَّ منه جازَ. ٤ - وإنْ كان في التَّرِكةِ دَينٌ على الناسِ فصالَحوا أحَدَهم بمالٍ على أنْ يُخرِجوه عن نَصيبِه مِنَ الدَّينِ ويَكونَ الدَّينُ لهم، فالصُّلحُ باطِلٌ في العَينِ والدَّينِ؛ لأنَّ فيه تَمليكِ الدَّينِ لِغَيرِ مَنْ هو عليه، وهو حِصَّةُ المُصالَحِ. ٥ - وإنْ شَرَطوا أنْ يُبرَأَ الغُرَماءُ مِنَ الدَّينِ ولا يَرجِعَ عليهم بنَصيبِ المَصالِحِ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّه إسقاطٌ أو هو تَمليكُ الدَّينِ ممَّن هو عليه، وذلك جائِزٌ، وهذه حيلةُ الجَوازِ، وحِيلةٌ أُخرى أنْ يُعجِّلوا قَضاءَ نَصيبِه مُتبرِّعينَ، وفي الوَجهَيْنِ ضَرَرٌ بهم، والأوْجَهُ أنْ يُقرِضوا المَصالِحَ مِقدارَ

стр. 4556

نَصيبِه ويُصالِحوه عمَّا وَراءَ الدَّينِ ويُحيلَهم على استِيفاءِ نَصيبِه مِنَ الغُرَماءِ. وإنْ كان على المَيِّتِ دَينٌ لا يُصالِحونَ ولا يُقسِّمونَ حتى يَقضوا دَينَه؛ لِتَقدُّمِ حِصَّتِه، ولقَولِ اللهِ : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وإنْ قَسَّموها فإنْ كان الدَّينُ مُستَغرِقًا لِلتَّرِكةِ بَطَلتْ؛ لأنَّه لا مِلكَ لهم فيها، وإنْ كان غيرَ مُستَغرِقٍ جازَ استِحسانًا، لا قِياسًا (١).

стр. 4557

كتاب الحوالة

стр. 4558

كتاب الحوالة تَعريفُ الحَوالةِ: الحَوالةُ في اللُّغةِ: مُشتَقَّةٌ مِنَ التَّحويلِ، بمَعنى الانتِقالِ، يُقالُ: تَحوَّلَ عن المَنزِلِ إذا انتَقَل عنه، ومنه تَحويلُ الفِراشِ، ويُقالُ: حالَ عن العَهدِ: إذا انتَقَلَ عنه وتَغيَّرَ (١). والحَوالةُ اصطِلاحًا: تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الحَوالةِ، وإنْ كان مَرَدُّها إلى أنَّها عَقدٌ يَقتَضي نَقلَ دَينٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ. قال الحَنفيَّةُ: الحَوالةُ عِبارةٌ عن نَقلِ الدَّينِ وتَحويلِه مِنْ ذِمَّةِ الأصيلِ

стр. 4559

-المُحِيل- إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه، على سَبيلِ التَّوثيقِ به (١). وقيلَ: هي إثباتُ دَينٍ على آخَرَ مع عَدَمِ ذلك الدَّينِ -أي: مع نَفْيِ بَقائِه- على المُحيلِ بَعدَه، أي: بعدَ ذلك الإثباتِ (٢). وقال المالِكيَّةُ: الحَوالةُ: نَقلُ دَينٍ عن ذِمَّةِ المَدينِ بدَينٍ مُماثِلٍ لِلمَطروحِ قَدْرًا وصِفةً إلى ذِمَّةٍ أُخرى تُبرَأُ بسَبَبِها الذِّمَّةُ الأُولى، كأنْ يَكونَ لِزَيدٍ عَشَرةٌ على عَمرٍو، ولِعَمرٍو عَشَرةٌ على خالِدٍ، فيُوجِّهُ عَمرٌو زَيدًا بالعَشَرةِ التي له عليه على خالِدٍ ويُبرَأُ عَمرٌو ممَّا عليه لِزَيدٍ (٣). وقيلَ: نَقلُ الدَّينِ مِنْ ذِمَّةٍ بمِثلِه إلى أُخرى تُبرَأُ بها الأُولى (٤). وقال ابنُ عَرَفةَ ﵀: الحَوالةُ طَرحُ الدَّينِ عن ذِمَّةٍ بمِثلِه في أُخرى؛ لِامتِناعِ تَعلُّقِ الدَّينِ بما هو له (٥). وقال الشافِعيَّةُ: الحَوالةُ: عَقدٌ يَقتَضي انتِقالَ الدَّينِ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ ويُطلَقُ على انتِقالِه مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ أُخرى والأوَّلُ هو أغلَبُ استِعمالِ الفُقهاءِ، فكأنَّ الحَقَّ حُوِّلَ مِنْ ذِمَّةِ المُحيلِ إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه.

стр. 4560

وهي أنْ تُحيلَ مَنْ له عليكَ دَينٌ على مَنْ لكَ عليه مِثلُه، فتَقولَ: أحَلتُكَ بعَشَرتِكَ عَلَيَّ على فُلانٍ بعَشَرتي عليه، فيَقولَ: احتَلتُ. وحَقيقَتُها بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، واستُثنِيَتْ مِنْ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ لِمَسيسِ الحاجةِ (١). وقال الحَنابِلةُ: الحَوَالةُ شَرعًا: انتِقالُ مالٍ مِنْ ذِمَّةِ المُحيلِ إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه؛ بحيثُ لا رُجوعَ لِلمُحتالِ على المُحيلِ بحالٍ إذا اجتَمَعتْ شُروطُها (٢). حُكمُ الحَوالةِ ودَليلُ مَشروعيَّتِها: الحَوالةُ جائِزةٌ بالسُّنَّةِ والإجماعِ. أمَّا بالسُّنَّةِ: فلقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: «وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (٣) والمُرادُ به الحَوالةُ. وأمَّا بالإجماعُ: فقد نَقَل عَدَدٌ مِنَ العُلماءِ الإجماعَ على جَوازِها. قال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: لا خِلافَ في جَوازِ الحَوالةِ (٤). وقال ابنُ يُونُسَ ﵀: لَم يُختَلَفْ في جَوازِ الحَوالةِ (٥).

стр. 4561

وقال العِمرانيُّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِها (١). وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: الحَوالةُ أصلُها مُجمَعٌ عليه (٢). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ الحَوالةِ في الجُملةِ (٣). وقال الزَّركَشيُّ ﵀: والأصلُ في جَوازِ الحَوالةِ في الجُملةِ الإجماعُ (٤). وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على جَوازِ الإحالةِ (٥). وقال الدَّميريُّ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ الحَوالةِ في الجُملةِ، ومِن جِهةِ المَعنى ما فيها مِنَ الارتِفاقِ، فإنَّ الإنسانَ قد يَستحِقُّ دَينًا وعليه مِثلُه فيَشُقُّ عليه الاستِيفاءُ والإيفاءُ، فجُوِّزتْ لِدَفعِ هذه الكُلفةِ، وإلا فالقياسُ أنَّها لا تَجوزُ؛ لأنَّها بَيعُ دَينٍ بدَينٍ وقد نُهِيَ عنه (٦). هل الحَوالةُ بَيعٌ أم استِيفاءُ حَقٍّ؟ جُمهورُ العُلماءِ على أنَّ الحَوالةَ بَيعُ دَينٍ بدَينٍ. قال ابنُ رُشدٍ ﵀: الحَوالةُ بَيعٌ مِنَ البُيوعِ يَنتَقِلُ بها الدَّينُ عن ذِمَّةِ المُحيلِ إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه (٧).

стр. 4562

وقال النَّوَويُّ ﵀: وفي حَقيقةِ الحَوالةِ وَجهانِ: أحَدُهما: أنَّها استِيفاءُ حَقٍّ، كأنَّ المُحتالَ استَوفَى ما كان له على المُحيلِ وأقرَضَه المُحالَ عليه، إذ لو كانتْ مُعاوَضةً لَما جازَ فيها التَّفرُّقُ قبلَ القَبضِ إذا كانا رِبَويَّيْنِ. وأصَحُّهما: أنَّها بَيعٌ، وهو المَنصوصُ؛ لأنَّها تَبديلُ مالٍ بمالٍ، وعلى هذا وَجهانِ: أحَدُهما: أنَّها بَيعُ عَينٍ بعَينٍ، وإلَّا يَبطُلْ؛ لِلنَّهيِ عن بَيعِ دَينٍ بدَينٍ. والصَّحيحُ: أنَّها بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، واستُثنيَ هذا لِلحاجةِ، قال الإمامُ وشَيخُه -رحمهما الله-: لا خِلافَ في اشتِمالِ الحَوالةِ على المَعنيَيْنِ: الاستِيفاءِ والاعتِياضِ، والخِلافُ في: أيُّهما أغلَبُ؟ (١). وقال الدَّميريُّ ﵀: وفي حَقيقَتِها أوْجُهٌ، وقيلَ: قَولٌ ووَجهانِ. الأظهَرُ المَنصوصُ: أنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ جُوِّزَ لِلضَّرورةِ. فعلى هذا: تَجوزُ الإقالةُ منها، كما صرَّح به الخُوارِزميُّ في (الكافي). والآخَرُ: واختارَه الشَّيخُ وجَماعةُ: أنَّها استِيفاءُ حَقٍّ، كأنَّ المُحتالَ استَوفى ما كان له مِنَ الحَقِّ في ذِمَّةِ المُحيلِ، وأقرَضَه مِنَ المُحالِ عليه. والثالِثُ: وهو اختيارُ القاضي والإمامِ ووالِدِه: أنَّها مَركَبةٌ مِنَ المُعاوَضةِ والاستِيفاءِ. قال القاضي الطَبَريُّ ﵀: وليس لِهذا الخِلافِ فائِدةٌ إلا ثُبوتَ خيارِ المَجلِسِ إنْ قُلنا: بَيعٌ ثَبَتَ، وإلا فلا، وهو الأصَحُّ، وليس كذلك، بل له

стр. 4563

فَوائِدُ كَثيرةٌ تَأتي في البابِ، منها: اشتِراطُ الضَّمانِ والرَّهنِ، وظُهورِ المُحالِ عليه مُفلِسًا عندَ الحَوالةِ، والتَّرجيحُ فيها مُختَلِفٌ (١). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: الحَوالةُ اشتِقاقُها مِنْ تَحويلِ الحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، وقد قيلَ: إنَّها بَيعٌ، فإنَّ المُحيلَ يَشتَري ما في ذِمَّتِه بما لَه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، وجازَ تَأخيرُ القَبضِ رُخصةً لأنَّه مَوضوعٌ على الرِّفقِ فيَدخُلُها المَجلِسُ لذلك. والصَّحيحُ: أنَّها عَقدُ إرفاقٍ مُنفَرِدٍ بنَفْسِه ليس بمَحمولٍ على غَيرِه؛ لأنَّها لو كانتْ بَيعًا لَما جازَتْ؛ لِكَونِها دَينًا بدَينٍ، ولَمَا جازَ التَّفرُّقُ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّه بَيعُ مالِ الرِّبا بجِنسِه، ولَجازَتْ بلَفظِ البَيعِ، ولَجازَتْ بينَ جِنسَيْنِ كالبَيعِ كلِّه، ولأنَّ لَفظَها يُشعِرُ بالتَّحوُّلِ لا بالبَيعِ، فعلى هذا لا يَدخُلُها خيارٌ، وتَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ، وهذا أشبَهُ بكَلامِ أحمدَ وأُصولِه (٢). وقالَ المَرداويُّ ﵀: قال في القاعِدةِ الثالِثةِ والعِشرينَ: الحَوالةُ هل هي نَقلٌ لِلحَقِّ أو تَقبيضٌ فيه خِلافٌ، وقد قيل: إنَّها بَيعٌ، فإنَّ المُحيلَ يَشتَري ما في ذِمَّتِه بما في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، وجازَ تَأخيرُ القَبضِ رُخصةً؛ لأنَّه مَوضوعٌ على الرِّفقِ فيَدخُلُها خيارُ المَجلِسِ. واعلَمْ أنَّ الحَوالةَ تُشبِهُ المُعاوَضةَ مِنْ حَيثُ إنَّها دَينٌ بدَينٍ وتُشبِهُ الاستِيفاءَ مِنْ حيث إنَّه يُبرِئُ المُحيلَ ويَستحِقُّ تَسليمَ المَبيعِ إذا أحالَ

стр. 4564

بالثَّمَنِ، ولِتَردُّدِها بينَ ذلك ألحَقَها بَعضُ الأصحابِ بالمُعاوَضةِ، كما تَقدَّم وألحَقَها بَعضُهم بالاستِيفاءِ (١). أركانُ الحَوالةِ: اختَلَف الفُقهاءُ في أركانِ الحَوالةِ: فقال الحَنفيَّةُ: رُكنُ الحَوالةِ هو الإيجابُ والقَبولُ، الإيجابُ مِنَ المُحيلِ، والقَبولُ مِنَ المُحالِ عليه والمُحالِ جَميعًا، فالإيجابُ: أنْ يَقولَ المُحيلُ لِلطالِبِ: «أحَلتُكَ على فُلانٍ هكذا»، والقَبولُ مِنَ المُحالِ عليه والمُحالِ أنْ يَقولَ كلُّ واحِدٍ منهما: «قَبِلتُ أو رَضيتُ»، أو نحوَ ذلك ممَّا يَدلُّ على القَبولِ والرِّضا (٢). وقال المالِكيَّةُ: أركانُها خَمسةٌ: ١ - مُحيلٌ: وهو مَنْ عليه الدَّينُ. ٢ - ومُحالٌ: وهو مَنْ له الدَّينُ. ٣ - ومُحالٌ عليه: وهو مَنْ عليه دَينٌ مُماثِلٌ لِلمَدينِ الأوَّلِ. ٤ - ومَحِلٌّ به: وهو الدَّينُ المُماثِلُ. ٥ - وصِيغةٌ تَدُلُّ على التَّحوُّلِ والانتِقالِ؛ ولو بإشارةٍ أو كِتابةٍ (٣).

стр. 4565

وقال الشافِعيَّةُ: أركانُ الحَوالةِ سِتَّةٌ: ١ - المُحيلُ: هو المَدينُ الذي يُحيلُ دائِنَه بدَيْنِه على غَيرِه. ٢ - المُحالُ: هو الدائِنُ الذي يُحالُ بدَينِه لِيَستَوفيَه مِنْ غيرِ مَدينِه، أي: هو الدائِنُ لِلمُحيلِ الذي أحالَه؛ لِيَستَوفيَ دَينَه مِنْ غَيرِه، ويُقالُ له أيضًا: المُحتالُ، أي: طالِبُ الإحالةِ. ٣ - المُحالُ عليه: وهو الذي يَلتَزِمُ بأداءِ الدَّيْنِ لِلمُحالِ. ٤ - المُحالُ به: وهو الحَقُّ الذي يَكونُ لِلمُحالِ على المُحيلِ ويُحيلُه به على المُحالِ عليه. ٥ - وُجودُ دَينٍ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه: فلا تَصحُّ الحَوالةُ إلا على مَنْ كان عليه دَيْنٌ لِلمُحيلِ؛ لأنَّها بَيعُ دَينٍ بدَينٍ أُجيزَ لِلحاجةِ، فلا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه شَيءٌ يَكونُ عِوَضًا عن حَقِّ المُحالِ. ٦ - الصِّيغةُ: هي الإيجابُ والقَبولُ، فالإيجابُ أنْ يَقولَ المُحيلُ: «أحَلتُكَ على فُلانٍ»، والقَبولُ أنْ يَقولَ المُحالُ: «قَبِلتُ أو رَضيتُ»، ويُشترَطُ في الإيجابِ والقَبولِ أنْ يَكونا في مَجلِسِ العَقدِ (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فلَم يَذكُروا أركانَها وإنَّما ذَكَروا شُروطَ صِحَّتِها كما سيأتي في شُروطِ الحَوالةِ.

стр. 4566

شُروطُ الحَوالةِ: أوَّلًا: شُروطُ الصِّيغةِ: تَنعَقِدُ الحَوالةُ بتوافُرِ الإيجابِ والقَبولِ عندَ الفُقهاءِ، فالإيجابُ أنْ يَقولَ المُحيلُ: «أحَلتُكَ على فُلانٍ»، والقَبولُ أنْ يَقولَ المُحالُ: «قَبِلتُ أو رَضيتُ»، أو نحوَ ذلك ممَّا يَدلُّ على القَبولِ والرِّضا. ولا يُشترَطُ في الصِّيغةِ أنْ تَكونَ بلَفظِ الحَوالةِ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ. قال الحَنفيَّةُ: تَصحُّ بلَفظِ الحَوالةِ، كقَولِ المُحيلِ لِلطالِبِ: «أحَلتُكَ على فُلانٍ»، والقَبولُ مِنَ المُحالِ عليه والمُحالِ: «قَبِلتُ أو رَضيتُ»، و نحوَ ذلك ممَّا يَدلُّ على القَبولِ والرِّضا (١). وقال الحَنابِلةُ: وتَصحُّ الحَوالةُ بلَفظِها، ك: «أحَلتُكَ بدَينِكَ على فُلانٍ»، أو بمَعناها الخاصِّ بها، ك: «أتبَعتُكَ بدَينِكَ على فُلانٍ»، ونَحوِ ذلك، كخُذْ دَينَكَ منه، أو اطلُبْه منه، وغَيرِ ذلك ممَّا يَدلُّ على المَقصودِ (٢). وأمَّا المالِكيَّةُ فاختَلَفوا، ففي قَولٍ: يُشترَطُ في الصِّيغةِ أنْ تَكونَ بلَفظِها الخاصِّ، كأحَلتُكَ على فُلانٍ، وحَوَّلتُ حَقَّكَ عليه، وأنتَ مُحالٌ.

стр. 4567

قال في العُتبيَّةِ عن ابنِ القاسِمِ: مَنْ أمَرَ رَجُلًا أنْ يَأخُذَ مِنْ رَجُلٍ كذا، وأمَرَ الآخَرَ بالدَّفعِ فذلك ليس بحَوالةٍ، قال: وإنَّما الحَوالةُ أنْ يَقولَ: «أحَلتُكَ بحَقِّكَ على هذا»، أو: «أبرَأُ إليكَ منه»، وكذا إذا قال: «خُذْ مِنْ هذا حَقَّكَ وأنا بَريءٌ مِنْ دَينِكَ». قال ابنُ رُشدٍ ﵀: لأنَّ الحَوالةَ بَيعٌ مِنَ البُيوعِ يَنتقِلُ بها الدَّينُ عن ذِمَّةِ المُحيلِ إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه، فلا يَكونُ ذلك إلا بيَقينٍ، وهو التَّصريحُ بلَفظِ الحَوالةِ أو ما يَنوبُ مَنابَه، مِثلَ أنْ يَقولَ له: خُذْ مِنْ هذا حَقَّكَ وأنا بَريءٌ مِنْ دَينِكَ وما أشبَهَ ذلك. وقال الدَّرديرُ ﵀: قال ابنُ عَرَفةَ: وهي -أي: الصِّيغةُ- ما دَلَّ على تَركِ المُحالِ دَينَه في ذِمَّةِ المُحيلِ بمِثلِه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه. انتهى. وهو شامِلٌ لِنَحوِ: «خُذْ حَقَّكَ مِنْ فُلانٍ وأنا بَريءٌ منه»، ونَحوِ ذلك، فلا تُحصَرُ صِيغَتُها في لَفظٍ مُشتَقٍّ مِنَ الحَوالةِ، وهذا هو المُعتمَدُ خِلافًا لِظاهِرِ المُصنِّفِ. وقال الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: «خِلافًا لِظاهِرِ المُصنِّفِ»، فيه أنَّ ظاهِرَ المُصنِّفِ لا يَقتَضي انحِصارَ صِيغَتِها في اللَّفظِ المُشتَقِّ مِنَ الحَوالةِ. ثم قال: تَنبيهٌ: تَكفي الإشارةُ الدَّالَّةُ على الحَوالةِ مِنَ الأخرَسِ، لا مِنَ الناطِقِ، خِلافًا لِما يُوهِمُه كَلامُ ابنِ عَرَفةَ مِنْ كَيفيَّتِها مُطلَقًا في تَعريفِه الصِّيغةَ، كذا قَرَّرَ شَيخُنا (١).

стр. 4568

وقال الشافِعيَّةُ: تَنعقِدُ بلَفظِ الحَوالةِ وما في مَعناها، كقَولِه: «أحَلتُكَ على فُلانٍ، أو حَوَّلتُ ما في ذِمَّتي إلى ذِمَّتِه، أو نَقَلتُ، أو أتبَعتُكَ عليه بما لكَ علَيَّ»، كما اقتَضاه الخَبَرُ، وما أشبَهَ ذلك، فيَقولُ: «قَبِلتُ أو احتَلتُ أو اتَّبَعتُ»، وما أشبَهَه. ولو قال المُحتالُ: «أحِلني»، فقال: «أحَلتُكَ»، فعلى الخِلافِ في الاستيجابِ والإيجابِ في البَيعِ. وقيلَ: يَنعَقِدُ مُطلَقًا؛ لأنَّ الحَوالةَ تُسومِحَ فيها، وفي انعِقادِها بلَفظِ البَيعِ خِلافٌ مَبنيٌّ على مُراعاةِ اللَّفظِ أو المَعنى، كالبَيعِ بلَفظِ السَّلَمِ (١). وقال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولا يَتعيَّنُ لَفظُ الحَوالةِ، بل هو أو ما يُؤدِّي مَعناه، ك: «نَقَلتُ حَقَّكَ إلى فُلانٍ»، أو: «جَعَلتُ ما أستَحِقُّه على فُلانٍ لكَ»، أو: مَلَّكتُكَ الدَّينَ الذي عليه بحَقِّكَ»، وقَولُه: «أحِلْنِي»، ك: «بِعْني»، في البَيعِ فتَصحُّ الحَوالةُ به، ولا تَنعَقِدُ بلَفظِ البَيعِ مُراعاةً لِلَّفظِ، وقيلَ: تَنعقِدُ مُراعاةً لِلمَعنى، كالبَيعِ بلَفظِ السَّلَمِ، ولو قال: «أحَلتُكَ على فُلانٍ بكذا»، ولَم يَقُلْ: «بالدَّينِ الذي لكَ علَيَّ»، قال البُلقِينيُّ: فهو كِنايةٌ، كما يُؤخَذُ ممَّا يأتي أنَّه لو قال: «أرَدتُ بقَولي: أحَلتُكَ، الوَكالةَ»، صُدِّقَ

стр. 4569

بيَمينِه، والأوْجَهُ -كما قال شَيخي- أنَّه صَريحٌ، لكنْ يَقبَلُ الصَّرفَ كغَيرِه مِنَ الصَّرائِحِ التي تَقبَلُه (١). ويُشترَطُ في الإيجابِ والقَبولِ كَونُهما في مَجلِسِ العَقدِ. وأنْ يَكونَ العَقدُ باتًّا فلا يَثبُتُ فيه خيارُ المَجلِسِ ولا خيارُ الشَّرطِ، كما نَصَّ على ذلك الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ: أمَّا خيارُ الشَّرطِ: فلأنَّ الأصلَ فيه أنْ يَثبُتَ في العُقودِ لِحمايةِ المُتعاقِدَيْنِ مِنَ الغَبنِ، وعَقدُ الحَوالةِ لَم يُبْنَ على المُغابَنةِ، وإنَّما هو عَقدٌ لِلإرفاقِ والمُعاوَنةِ. وأمَّا خيارُ المَجلِسِ: فلأنَّه يَثبُتُ في بَيعِ الأعيانِ، والحَوالةُ بَيعُ دَينٍ بدَينٍ. قال الماوَرديُّ ﵀: قد اختَلَفَ أصحابُنا هل هي بَيعٌ أو عَقدُ إرفاقٍ ومَعونةٍ؟ الحَوالةُ على وَجهَيْنِ: أحَدُهما: وهو ظاهِرُ نَصِّ الشافِعيِّ في كِتابِ السَّلَمِ أنَّ الحَوالةَ بَيعٌ؛ لأنَّ المُحتالَ قد عاوَضَ على ذِمَّةٍ بذِمَّةٍ. والوَجهُ الآخَرُ: أنَّها عَقدُ مَعونةٍ وإرفاقٍ؛ لأنَّها تَخرُجُ مِنَ البُيوعِ بما يَتعلَّقُ بها مِنَ الأحكامِ. فإذا قيلَ: إنَّها بَيعٌ فقد اختَلَف أصحابُنا هل هي بَيعُ دَينٍ بدَينٍ يَختَصُّ بالشَّرعِ أو بَيعُ عَينٍ بدَينٍ على وَجهَيْنِ: ثم على كِلا الوَجهَيْنِ لا يَدخُلُها الخياراتُ الثَّلاثةُ.

стр. 4570

فأمَّا خيارُ المَجلِسِ فعلى الوَجهِ الذي نَقولُ فيه إنَّها عَقدُ مَعونةٍ وإرفاقٍ لا يَدخُلُها خيارُ المَجلِسِ؛ لأنَّ خيارَ المَجلِسِ مَوضوعٌ لاستِدراكِ الغَبنِ في عُقودِ المُعاوَضاتِ، وعلى الوَجهِ الذي نَقولُ فيه إنَّها عَقدُ بَيعٍ ففي خيارِ المَجلِسِ وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَدخُلُ فيها خيارُ المَجلِسِ، وهذا على الوَجهِ الذي نَقولُ فيه إنَّها بَيع دَينٍ بدَينٍ. والآخَرُ: يَدخُلُ فيها خيارُ المَجلِسِ إذا قيلَ: إنَّها بَيعُ عَينٍ بدَينٍ (١). ثانيًا: شُروطُ المُحيلِ: المُحيلُ هو المَدينُ الذي يُحيلُ دائِنَه بدَيْنِه على غَيرِه: يُشترَطُ في المُحيلِ ما يَلي: ١ - أنْ يَكونَ أهلًا لِلعَقدِ، أي: أنْ يَكونَ عاقِلًا بالِغًا، فلا تَصحُّ الحَوالةُ مِنَ المَجنونِ، ولا مِنَ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ؛ لأنَّه في حُكمِ الذي لا يَعقِلُ؛ لأنَّ العَقلَ مِنْ شَرائِطِ أهليَّةِ التَّصرُّفاتِ كلِّها. وأمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ فلا تَنفُذُ حَوالَتُه، وإنَّما تَتوقَّفُ على إجازةِ الوَليِّ، فالبُلوغُ إذَنْ شَرطُ نَفاذٍ، لا انعِقادٍ، فتَنعقِدُ حَوالةُ الصَّبيِّ العاقِلِ؛ مَوقوفًا نَفاذُه على إجازةِ وَليِّه؛ لأنَّ الحَوالةَ إبراءٌ بحالِها، وفيها مَعنى المُعاوَضةِ بما لها خُصوصًا إذا كانت مُقيَّدةً، فتَنعقِدُ مِنَ الصَّبيِّ كالبَيعِ ونَحوِه.

стр. 4571

فأمَّا حُرِّيَّةُ المُحيلِ فليست بشَرطٍ لِصِحَّةِ الحَوالةِ، وكذا الصِّحَّةُ ليست بشَرطٍ لِصِحَّةِ الحَوالةِ؛ لأنَّها مِنْ قِبَلِ المُحيلِ ليست بتَبرُّعٍ، فتَصحُّ مِنَ المَريضِ (١). ٢ - رِضا المُحيلِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في الحَوالةِ رِضا المُحيلِ حتى لو كان مُكرَهًا على الحَوالةِ لا تَصحُّ؛ لأنَّ الحَوالةَ إبراءٌ فيها مَعنى التَّمليكِ فتَفسُدُ بالإكراهِ كسائِرِ التَّمليكاتِ، لأنَّ لِلمُحيلِ إيفاءَ الحَقِّ مِنْ حيثُ شاءَ، ولا يَتعيَّنُ عليه شَيءٌ مِنَ الجِهاتِ، وفي صِحَّةِ الحَوالةِ بدونِ رِضاه يَتعيَّنُ ذلك عليه قَهرًا. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُشترَطُ في صِحَّتِها رِضا المُحيلِ بلا خِلافٍ، فإنَّ الحَقَّ عليه، ولا يَتعيَّنُ عليه جِهةُ قَضائِه (٢). وقال المازُوريُّ ﵀: أمَّا المُحيلُ فلا يَلزَمُه أنْ يُحيلَ، ولا يُجبَرُ على الحَوالةِ ولا خِلافَ في ذلك؛ لأنَّ الحُقوقَ مُتعلِّقةٌ بذِمَّتِه فلا يُجبَرُ على أنْ يَقبِضَها مِنْ ذِمَّة أُخرى، كما لو باعَ سِلعةً مُعيَّنةً فإنَّه لا يُجبَرُ على أنْ يُعطيَ غَيرَها، وإنْ كان مِثلَها أو أدْنى منها. وكما لو أحضَرَ مالًا وَضَعَه بينَ يَدَيْه، فأرادَ أنْ يَقضيَ منه ما عليه، فقال

стр. 4572

له الطالِبُ لِلدَّينِ: أنا آخُذُ منكَ مِنَ الدَّنانيرِ الأُخرى التي ليست حاضِرةً بينَ يَدَيْكَ (١). وفي قَولٍ لِلحَنَفيةِ: لا يُشترَطُ لِصِحَّتِها رِضا المُحيلِ وإنَّما يُشترَطُ لِلرُّجوعِ عليه أو لِسُقوطِ دَينِه على المُحتالِ عليه؛ لأنَّ الحَوالةَ فيها نَفْعُه، وهو سُقوطُ ما عليه مِنَ الدَّينِ، فصارَ كالمَكفولِ عنه حيث تَصحُّ الكَفالةُ بلا رِضاه، وأمَّا بدونِ الرِّضا فلا رُجوعَ ولا سُقوطَ. قال المرغيانيُّ في «الهِدايةِ»: وأمَّا المُحيلُ فالحَوالةُ تَصحُّ بدونِ رِضاه؛ لأنَّ التِزامَ الدَّينِ مِنَ المُحالِ عليه تَصرُّفٌ في حَقِّ نَفْسِه، وهو لا يَتضرَّرُ به، بل فيه نَفعُه؛ لأنَّه لا يَرجِعُ عليه إذا لَم يَكُنْ بأمْرِه. وكذا قال في «النِّهايةِ»: رِضا مَنْ عليه الدَّينُ وأمْرُه ليسا بشَرطَيْنِ، حتى إنَّ مَنْ قال لِغَيرِه: «إنَّ لكَ على فُلانٍ كذا مِنَ الدَّينِ فاحتَلْ به علَيَّ»، ورَضيَ بذلك صاحِبُ الدَّينِ صَحَّتِ الحَوالةُ، فإنْ أدَّى المالَ لا يَرجِعُ على الذي عليه الدَّينُ وقد بَرِئَ الذي عليه الأصلُ (٢).

стр. 4573

ثالثًا: المُحالُ له: وهو مَنْ له الدَّينُ: أي: هو الدائِنُ الذي يُحالُ بدَينِه لِيَستوفيَه مِنْ غيرِ مَدينِه، أي: هو الدائِنُ لِلمُحيلِ الذي أحالَه لِيَستوفيَ دَينَه مِنْ غَيرِه، ويُقالُ له أيضًا: المُحتالُ، أي: طالِبُ الإحالةِ. اختَلَفَ الفُقهاءُ في المُحالِ له، وهو صاحِبُ الدَّينِ، هل يُشترَطُ رِضاه بالحَوالةِ أم لا؟ فذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والظاهِريَّةُ إلى أنَّه لا يُعتبَرُ رِضاه إذا كان المُحالُ عليه مَليئًا ويُجبَرُ على اتِّباعِه لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: «وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (١)، وهذا أمْرٌ، والأمْرُ لِلوُجوبِ، ولأنَّ لِلمُحيلِ أنْ يُوفِّيَ الحَقَّ الذي عليه بنَفْسِه وبوَكيلِه، وقد أقامَ المُحالُ عليه مَقامَ نَفْسِه في التَّقبيضِ، فلَزِمَ المُحالَ القَبولُ، كما لو وَكَّلَ رَجُلًا في إيفائِه. وإنَّما خَصَّه ﷺ بالمَليءِ حُكمًا لِلأغلَبِ؛ لأنَّ الأغلَبَ في الحَوالات ذلك؛ لأنَّه شَرطُ الجَوازِ. والمَليءُ هو: مَنْ له القُدرةُ على الوَفاءِ وليس مُماطِلًا ويُمكِنُ حُضورُه لِمَجلِسِ الحُكمِ (٢).

стр. 4574

وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُشترَطُ رِضاه؛ لأنَّ حَقَّ المُحتالِ في ذِمَّةِ المُحيلِ فلا يَنتَقِلُ إلى ذِمَّةٍ أُخرى إلا برِضاه فلا يَلزَمُه الانتِقالُ إلى ذِمَّةٍ لَم يَرضَ بها مع بَقاءِ الذِّمَّةِ الأُولى وأصْلُه في المَنافِعِ إذا استأجِرَ منه كِراءً إلى بَلَدٍ فلَم يَكُنْ له أنْ يُحيلَه على غَيرِه لِيَستوفيَ الكِراءَ منه؛ ولأنَّه بَيعُ مِلكٍ؛ ولأنَّه تَمليكُ ببَدَلٍ لا يَتعلَّقُ به حَقُّ اللهِ فلَم يُجبَرْ عليه المالِكُ، أصلُه بَيعُ الأعيانِ؛ ولأنَّه حَقٌّ واجِبٌ عليه، فلَم يَكُنْ له نَقلُه إلى غَيرِه بغَيرِ رِضا مَنْ له الحَقُّ، وأصلُه إذا تَعلَّقَ بالعَينِ، فنَقيسُ الذِّمَّةَ على العَينِ. قال الإمامُ المازوريُّ ﵀: وأمَّا اعتبارُ رِضا المُحتالِ الطالِبِ لِلدَّينِ فإنَّه أيضًا يُعتبَرُ رِضاه ولا يُجبَرُ أنْ يَتحوَّلَ عن الذِّمَّةِ التي استُحِقَّ الدَّينُ فيها إلى ذِمَّةٍ، كما لو اشتَرى سِلعةً بعَينِها، فإنَّه لا يُجبَرُ على أنْ يَدفَعَ إليه مِثلَها أو أفضَلَ منها. ولا فَرقَ بينَ استِحقاقِ أعيانٍ مُعيَّنةٍ واستِحقاقِ دُيونٍ في ذِمَّةٍ مُعيَّنةٍ، وكذلك لا يُجبِرُهم مُستحِقُّ الدَّينِ على أنْ يَأخُذَه عِوَضًا عنه جِنسًا آخَرَ مع أنَّه لو رَضيَ بذلك لاستَوفَى حَقَّه. فأحرَى ألَّا يَلزَمَه التَّحوُّلُ إلى ذِمَّةٍ أُخرى لا يَكونُ مُجرَّدُ التَّحويلِ إليها استِيفاءً لِحَقِّه. وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ (والظَّاهِريةُ) إلى أنَّه يُجبَرُ على التَّحوُّلِ، وليس له أنْ يَمتَنِعَ منه تَعلُّقًا بما ذَكَرناه في الحَديثِ مِنْ قَولِ النَّبيِّ

стр. 4575

ﷺ : «وإذا أُتبِعَ أحَدُكم على مَليءٍ فلْيَتبَعْ»، فأمَرَه بالاتِّباعِ، ومُجرَّدُ الأوامِرِ على الوُجوبِ عندَ أكثَرِ الفُقهاءِ، ولا شَكَّ أنْ أكثَرَ مَنْ قال بأنَّه لا يُجبَرُ على قَبولِ الحَوالةِ، وأنْ يَتْبَعَ غيرَ ذِمَّتِه، يَقولُ: إنَّ مُجرَّدَ الأمْرِ يَقتَضي الوُجوبَ فيَلزَمُهم أنْ يَتأوَّلوا الحَديثَ الذي تَعلَّقَ به داودُ، وهم يَقولونَ: إنَّه مَحمولٌ على الاستِحبابِ، وإنَّه يُستَحبُّ لمَن أُحيلَ على مَليءٍ أنْ يَقبَلَ الحَوالةَ، ولهم في ذلك مَسلَكانِ: أحَدُهما: صَرفُ قَولِه ﷺ : «فليَتبَعْ» عن الوُجوبِ إلى النَّدبِ؛ لِما قَدَّمناه مِنَ الأقيِسةِ. وهذا إنَّما يَحسُنُ سُلوكُه إذا قيلَ: إنَّ حَملَ الأمرِ على الوُجوبِ لا يَجري مَجرى النُّصوصِ، بل مَجرى الظَّواهِرِ المُحتَملةِ، فيَحتمِلُ مُجرَّدُ الأمرِ الوُجوبَ، ويَحتمِلُ النَّدبَ، لكنَّه في الوُجوبِ أظهَرُ فيَحسُنُ صَرفُه عن الوُجوبِ إلى النَّدبِ بالأقيِسةِ. وأمّا المَسلَكُ الآخَرُ: فالتَّمسُّكُ بصَدرِ الحَديثِ، وهو أنَّه ﷺ افتَتَح ذلك بأنْ قالَ ﷺ : «مَطلُ الغَنيِّ ظُلمٌ»، وفي تأخيرِ قَضاءِ الدَّينِ إلى أنْ يَتحوَّلَ إلى ذِمَّةٍ أُخرى يَقتَضيها نَوعٌ مِنَ المَطلِ، وقد وَصَفَ النَّبيُّ ﷺ المَطلَ بأنَّه ظُلمٌ لا سيَّما مُقتَضى قَولِه ﷺ : «وإذا أُحيلَ أحَدُكم على مَليءٍ فليَحتَلْ»، يَقتَضي أنَّ المُحتالَ إذا أحالَه مَنْ أُحيلَ عليه على رَجُلٍ آخَرَ يَلزَمُه قَبولُ الحَوالةِ، وكذلك إذا أحالَه الثاني على الثالِثِ، وهذا يُؤدِّي إلى ما لا يَتناهَى حتى يُخرِجَنا عن المَطلِ إلى إبطالِ الحُقوقِ.

стр. 4576

وأشار ابنُ القَصَّارِ إلى طَريقٍ مِنَ الاستِدلالِ: وهو أنَّ الحَوالةَ أُجيزتْ لِلضَّرورةِ والرِّفقِ، وبالصَّحابةِ ﵃ حاجةٌ إلى بَيانِ حُكمِها، وكَونُ القَبولِ واجِبًا عليهم، فلو بينَ النَّبيُّ ﷺ ذلك لاستَفاضَ فيهم واشتُهِرَ فلَمَّا لَم يَذكُرْ عنهم الذَّهابَ إلى ذلك اقتَضى أنَّه أمْرٌ لا يَلزَمُ، وإنَّما هو مُستَحبٌّ، والمَندوباتُ لا تُشتَهَرُ اشتِهارَ الواجباتِ. وقد نَبَّهناكَ على ما تَقتَضيه أُصولُ الفِقهِ في هذه المَسألةِ (١). رابعًا: المُحالُ عليه: وهو مَنْ عليه دَينٌ مُماثِلٌ لِلمَدينِ الأوَّلِ، أو هو مَنْ قبلَ الحَوالةَ على نَفْسِه. وقد اختَلَف الفُقهاءُ في المُحالِ عليه، هل يُشترَطُ رِضاه أم لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ وهو قَولٌ لِلمالِكيَّةِ غيرُ المَشهورِ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّه يُعتبَرُ رِضا المُحالِ عليه، سَواءٌ كان عليه دَينٌ لِلمُحيلِ أو لا، حتى لو أُكرِهَ على قَبولِ الحَوالةِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ الدَّينَ يَلزَمُه، فلا بُدَّ مِنَ التِزامِه، فلا لُزومَ بدونِ التِزامِه؛ ولأنَّه أحَدُ مَنْ تَتِمُّ به الحَوالةُ، فاعتُبِرَ رِضاه كالمُحيلِ والمُحتالِ.

стр. 4577

ولأنَّ الحَوالةَ تَصرُّفٌ على المُحالِ عليه بنَقلِ الحَقِّ إلى ذِمَّتِه فلا يَتِمُّ إلا بقَبولِه ورِضاه بخِلافِ التَّوكيلِ بقَبضِ الدَّينِ؛ لأنَّه ليس تَصرُّفًا عليه بنَقلِ الواجِبِ إليه ابتِداءً، بل هو تَصرُّفٌ بأداءِ الواجِبِ، فلا يُشترَطُ قَبولُه ورِضاه، ولأنَّ الناسَ في اقتِضاءِ الدُّيونِ والمُطالَبةِ بها على التَّفاوُتِ، بَعضُهم أسهَلُ مُطالَبةً واقتِضاءً، وبَعضُهم أصعَبُ، فلا بُدَّ مِنْ قَبولِه لِيَكونَ لُزومُ ضَرَرِ الصُّعوبةِ مُضافًا إلى التِزامِه (١). وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترَطُ رِضا المُحالِ عليه، بل يُجبَرُ على دَفعِ الدَّينِ الذي عليه لِمَنْ أُحيلَ به عليه؛ لإقامةِ المُحيلِ المُحتالَ مَقامَ نَفْسِه في القَبضِ مع جَوازِ استِيفائِه بنَفْسِه ونائِبِه، فلَزِمَ المُحالَ عليه الدَّفعُ إليه كالوَكيلِ. ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفظٍ: «وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (٢)، ولَم يُشترَطْ رِضا الذي عليه الحَقُّ وإنَّما شُرِطَ في ذلك رِضا المُحيلِ؛ لأنَّه هو الذي يَتبَعُ مَنْ له عليه الدَّينُ على مَنْ له هو عليه مِثلُه، ولأنَّ الحَقَّ هو لِلمالِكِ فله أنْ يُملِّكَه مَنْ شاءَ، كسائِرِ الحُقوقِ.

стр. 4578

ولأنَّ مَنْ له دَينٌ على رَجُلٍ أنْ يُوكِّلَ عليه، ولا يَمنَعُ مِنَ الوَكالةِ رِضا المُحالِ عليه، وأيضًا فإنَّه أداءُ حَقِّ مَنْ عليه دَينٌ والبَراءةُ منه، لا أكثَرُ مِنْ ذلك، فإذا وَكَّلَ عليه فقبَضه الوَكيلُ فقد بَرِئَ الغَريمُ، وكذلك إذا أُحيلَ عليه به فدَفَعَه لِلمُحالِ عليه. ولا يُشترَطُ رِضاه إلا إذا كان بَينَه وبَينَ المُحالِ عَداوةٌ سابِقةٌ على وَقتِ الحَوالةِ فلا تَصحُّ الحَوالةُ حينَئذٍ على المَشهورِ وهو قَولُ مالِكٍ، فإنْ حَدَثتِ العَداوةُ بعدَ الحَوالةِ مُنِعَ المُحالُ مِنْ اقتِضاءِ الدَّينِ مِنَ المُحالِ عليه، ووَكَّلَ مَنْ يَقتَضيه منه؛ لِئَلَّا يُبالِغَ في إيذائِه بعُنفِ مُطالَبَتِه. وذلك لِكَونِ العَداوةِ إذا ثَبَتتْ عُلِمَ أنَّه قَصَدَ الإضرارَ والتَشفِّي مِنَ العَدُوِّ وإيصالَ الأذى إليه بكلِّ ما يَقدِرُ عليه، ولِهذا رُدَّتْ شَهادةُ العَدُوِّ على عَدُوِّه؛ لِحُصولِ التُّهمةِ في قَصدِ الأذى بالشَّهادةِ. إلا أنَّ الشافِعيَّةَ قالوا: يُشترَطُ رِضاه قَطعًا إذا لَم يَكُنْ عليه دَينٌ لِلمُحيلِ، فإنْ كان عليه دَينٌ فلا يُشترَطُ رِضاه في الأصِحِّ كما سَبَق (١).

стр. 4579

خامسًا: المُحالُ به: وهو الدَّينُ المُماثِلُ، أي: الحَقُّ الذي يَكونُ لِلمُحالِ على المُحيلِ ويُحيلُه به على المُحالِ عليه. ويُشتَرَطُ فيه شُروطٌ، بَعضُها مُتَّفَقُ عليه، وبَعضُها مُختَلَفٌ فيه، وسنَذكُرُ كلَّ مَذهبٍ على حِدَةٍ: قال الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ في المالِ المُحالِ به ما يلي: ١ - أنْ يَكونَ مَعلومًا: فلا تَصحُّ بالمَجهولِ، فلو احتالَ بمالٍ مَجهولٍ على نَفْسِه بأنْ قال: احتَلتُ بما يَذُوبُ لكَ على فُلانٍ لا تَصحُّ الحَوالةُ مع جَهالةِ المالِ، ولا تَصحُّ الحَوالةُ أيضًا بهذا اللَّفظِ. ٢ - أنْ يَكونَ دَينًا: أمَّا الأعيانُ والحُقوقُ (١) فإنَّ الحَوالةَ بها لا تَصحُّ، وإنَّما اختُصَّتْ بالدُّيونِ؛ لأنَّ الدُّيونَ هي التي تُنقَلُ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ؛ لأنَّ النَّقلَ الذي تَضمَّنتْه نَقلٌ شَرعيٌّ، وهو لا يُتصَوَّرُ في الأعيانِ، بل المُتصَوَّرُ فيها النَّقلُ الحِسِّيُّ، فكانتْ نَقلَ الوَصفِ الشَّرعيِّ وهو الدَّينُ، فلا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلمُحتالِ دَينٌ على المُحيلِ، ولأنَّها تُنبِئُ عن التَّحويلِ؛ لِما ذَكَرْنا، والتَّحويلُ في الدَّينِ لا في العَينِ. وتَقريرُه: الحَوالةُ تَحويلٌ شَرعيٌّ، والتَّحويلُ الشَّرعيُّ إنَّما يُتصَوَّرُ في مُحوَّلٍ شَرعيٍّ، وهو الدَّينُ؛ لأنَّه وَصفٌ شَرعيٌّ في الذِّمَّةِ يَظهَرُ أثَرُه عندَ المُطالَبةِ، فجازَ أنْ يَعتبِرَه الشَّرعُ في ذِمَّةِ شَخصٍ آخَرَ بالتِزامِه.

стр. 4580

وأمَّا العَينُ إذا كان مَحسوسًا في مَحَلٍّ فلا يُمكِنُ أنْ يُعتبَرَ في مَحَلٍّ آخَرَ ليس هو فيه؛ لأنَّ الحِسَّ يُكذِّبُه فلا يَتحقَّقُ فيه إلا النَّقلُ الحِسِّيُّ، وليس ذلك ممَّا نحن فيه. ٣ - أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازِمًا: فلا تَصحُّ الحَوالةُ بدَينٍ غيرِ لَازِمٍ، كبَدَلِ الكِتابةِ وما يَجري مَجراه؛ لأنَّ ذلك دَينٌ تَسميةً لا حَقيقةً، إذِ المَولى لا يَجبُ له على عَبدِه دَينٌ، والأصلُ أنَّ كلَّ دَينٍ لا تَصحُّ الكَفالةُ به لا تَصحُّ الحَوالةُ به (١). وقال المالِكيَّةُ: يُشترَطُ في الدَّينِ المُحالِ به ما يَلي: ١ - ثُبوتُ دَينٍ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه؛ لأنَّه إنْ لَم يَكُنْ له عليه دَينٌ كانت حَمالةً لا حَوالةً، لأنَّ حَقيقةَ الحَوالةِ: بَيعُ الدَّينِ الذي على المُحالِ بالدَّينِ الذي لِلمُحيلِ، وتَحوُّلُ الحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، وذلك يَقتَضى أنْ يَكونَ هناك دَينٌ تَحصُلُ الحَوالةُ به، وسيأتي بَيانُ ذلك بالتَّفصيلِ وخِلافُ العُلماءِ فيه. ٢ - ثُبوتُ دَينٍ لِلمُحالِ على المُحيلِ. ٣ - أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازِمًا على المُحالِ عليه، فلا تَصحُّ بدَينِ الكِتابةِ، ولا بالثَّمَنِ في مُدَّةِ الخيارِ؛ لأنَّ الثَّمَنَ في بَيعِ الخيارِ غيرُ ثابِتٍ؛ لأنَّ المَشهورَ

стр. 4581

أنَّ بَيعَ الخيارِ مُنحَلٌّ، وأنَّ السِّلعةَ على مِلكِ البائِعِ، ولأنَّ المِلكَ لَم يَنتقِلْ لِلمُشتَري انتِقالًا تامًّا. ٤ - حُلولُ الدَّينِ المُحالِ به فَقَط على المُحيلِ، وهو الدَّينُ الذي لِلمُحالِ على المُحيلِ، لا حُلولُ دَينِ المُحالِ عليه؛ لأنَّه لا يُشترَطُ حُلولُه. أمَّا حُلولُ الدَّينِ المُحالِ به فلقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ … »، يَقتَضي أنَّ الحَوالةَ لا تُشرَعُ إلا في دَينٍ حالٍّ؛ لأنَّ المَطلَ والظُّلمَ إنَّما يُتَصوَّرانِ فيما حَلَّ، ولأنَّه إذا لَم يَحِلَّ كانت مُعاوَضةً خارِجةً عن بابِ المَعروفِ؛ إذ لَم يَرضَ بالتَّحويلِ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ إلا لِمَكانِ التَّعجيلِ؛ ولأنَّه إنْ لَم يَحِلَّ كان ذِمَّةً بذِمَّةٍ ويَدخُلُه ما نُهيَ عنه مِنَ الكالِئِ بالكالِئِ. ولأنَّه إذا لَم يَكُنْ حالًّا أدَّى إلى تَعميرِ ذِمَّةٍ بذِمَّةٍ فيُؤدِّي إلى بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ والذهَب بالذهَب أو الوَرِقِ بالوَرِقِ أو أحَدِهما بالآخَرِ، لا يَدًا بيَدٍ، إنْ كان الدَّينانِ عَينًا، إلا أنْ يَكونَ المُحالُ عليه حالًّا ويَقبِضَه قبلَ أنْ يَتفرَّقا مِثلَ الصَّرفِ فيَجوزَ. وأمَّا عَدَمُ اشتِراطِ حُلولِ الدَّينِ المُحالِ عليه فيَجوزُ أنْ يَستحيلَ مِنْ مُعجَّلٍ على مُعجَّلٍ ومُؤجَّلٍ، ووَجهُ ذلك أنَّه إذا كان دَينُه قد حَلَّ فاستَحالَ منه على مُعجَّلٍ أو مُؤجَّلٍ فإنَّه جائِزٌ؛ لأنَّه في المُعجَّلِ بالمُعجَّلِ حَوالةٌ جائِزةٌ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ «وإذا أُتبِعَ أحَدُكم على مَليءٍ فليَتْبَعْ»، وإذا استَحالَ منه على مُؤجَّلٍ فهو مَعروفٌ منه مَحضٌ؛ لأنَّ له أنْ يَتعجَّلَ حَقَّه مِنَ المُحيلِ أو المُحالِ عليه إنْ أفلَسَ المُحيلُ، فليس فيه غيرُ مُجرَّدِ المَعروفِ.

стр. 4582

٥ - تَساوي الدَّينَيْنِ -المُحالِ به وعليه- قَدْرًا وصِفةً، فلا تَصحُّ حَوالةٌ بعَشَرةٍ على أكثَرَ منها، ولا أقَلَّ ولا بعَشَرةٍ مُحمَّديَّةٍ على عَشَرةٍ يَزيديَّةٍ ولا عَكسُه فليس المُرادُ بالتَّساوي أنْ يَكونَ ما على المُحيلِ مِثلُ ما على المُحالِ عليه قَدْرًا وصِفةً؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يُحيلَ بعَشَرةٍ عليه على عَشَرةٍ مِنْ عِشرينَ على غَريمِه، وأنْ يُحيلَ بخَمسةٍ مِنْ عَشَرةٍ عليه على خَمسةٍ على غَريمِه. ٦ - وألَّا يَكونَ الدَّينانِ طَعامَيْنِ مِنْ بَيعِ أيِّ سَلَمٍ؛ لِئلَّا يَلزَمَ بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، وهو مَمنوعٌ، فإنْ كان أحَدُهما مِنْ بَيعٍ والآخَرُ مِنْ قَرضٍ جازَ إذا حَلَّ المُحالُ به؛ لأنَّ بَيعَ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه جائِزٌ إذا كان مِنْ قَرضٍ. قال ابنُ رُشدٍ ﵀: والشَّرطُ … ألَّا يَكونَ الدَّينُ طَعامًا مِنْ سَلَمٍ أو أحَدِهما، ولَم يَحِلَّ الدَّينُ المُستَحالُ به على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ، وإذا كان الطَّعامانِ جَميعًا مِنْ سَلَمٍ لا تَجوزُ الحَوالةُ بأحَدِهما على الآخَرِ، حَلَّتِ الآجالُ أو لَم تَحُلَّ، أو حَلَّ أحَدُهما ولَم يَحُلَّ الآخَرُ؛ لأنَّه يَدخُلُه بَيعُ الطَّعامِ قبلَ أنْ يُستَوفَى، كما قُلنا، لكنَّ أشهَبَ يَقولُ: إنِ استَوَتْ رُؤُوسُ أموالِهما جازَتِ الحَوالةُ، وكانتْ تَوليةً، وابنُ القاسِمِ لا يَقولُ ذلك كالحالِ إذا اختَلَفتْ، ويَتنَزَّلُ المُحالُ في الدَّينِ الذي أُحيلَ عليه مَنزِلةَ مَنْ أحالَه، ومَنزِلَتَه في الدَّينِ الذي أحالَ به، وذلك فيما يُريدُ أنْ يأخُذَ بَدَلَه منه أو يَبيعَه له مِنْ غَيرِه، أعني أنَّه لا يَجوزُ له مِنْ ذلك إلا ما يَجوزُ له مع الذي أحالَه، وما يَجوزُ لِلذي أحالَ مع الذي أحالَه عليه. ومِثالُ ذلك: إنِ احتالَ بطَعامٍ كان له مِنْ قَرضٍ في طَعامٍ مِنْ سَلَمٍ، أو بطَعامٍ مِنْ سَلَمٍ في طَعامٍ مِنْ قَرضٍ لَم يَجُزْ له أنْ يَبيعَه مِنْ غَيرِه قبلَ قَبضِه

стр. 4583

منه؛ لأنَّه إنْ كان احتالَ بطَعامٍ كان مِنْ قَرضٍ في طَعامٍ مِنْ سَلَمٍ نَزَلَ مَنزِلةَ المُحيلِ في أنَّه لا يَجوزُ له بَيعُ ما على غَريمِه قبلَ أنْ يَستَوفيَه؛ لِكَونِه طَعامًا مِنْ بَيعٍ، وإنْ كان احتالَ بطَعامٍ مِنْ سَلَمٍ في طَعامٍ مِنْ قَرضٍ نَزَل مِنَ المُحتالِ عليه مَنزلتَه مع مَنْ أحالَه، أعني أنَّه ما كان يَجوزُ له أنْ يَبيعَ الطَّعامَ الذي كان على غَريمِه المُحيلِ له قبلَ أنْ يَستوفيَه كذلك لا يَجوزُ أنْ يَبيعَ الطَّعامَ الذي أُحيلَ عليه، وإنْ كان مِنْ قَرضٍ، وهذا كلُّه مَذهبُ مالِكٍ، وأدِلَّةُ هذه الفُروقِ ضَعيفةٌ (١). وقال الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المُحالِ به ما يلي: ١ - أنْ يَكونَ دَينًا: فلا تَصحُّ الحَوالةُ بالأعيانِ؛ لأنَّ العَينَ ليست دَينًا، والحَوالةَ بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، ويُصوَّرُ ذلك بما إذا أحال بعَينٍ مَغصوبةٍ أو مُودَعةٍ أو عليها، كأنْ غَصَبَ مِنْ زَيدٍ كِتابًا وله كِتابٌ على آخَرَ نَظيرُه، فلا تَصحُّ الحَوالةُ عليه به، وكأنِ اشتَرى كِتابًا بدينارٍ مُعيَّنٍ فلا تَصحُّ الحَوالةُ على الدِّينارِ المُعيَّنِ ولا به. ٢ - أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازِمًا: كالثَّمَنِ بعدَ تَسليمِ المَبيعِ وانتِهاءِ مُدَّةِ الخيارِ

стр. 4584

أو يَكونَ آيِلًا إلى اللُّزومِ: كالثَّمَنِ في زَمَنِ الخيارِ، فتَصحَّ الحَوالةُ بالثَّمَنِ في مُدَّةِ الخيارِ بأن يُحيلَ المُشتَري البائِعَ على إنسانٍ وعليه بأنْ يُحيلَ البائِعُ إنسانًا على المُشتَري في الأصَحِّ؛ لأنَّه آيِلٌ إلى اللُّزومِ بنَفْسِه، والجَوازُ عارِضٌ فيه. والآخَرُ: لا يَصحَّانِ؛ لِعَدَمِ اللُّزومِ الآنَ. وعلى الأوَّلِ يَبطُلُ الخيارُ بالحَوالةِ بالثَّمَنِ لِتَراضي عاقِدَيْها، ولأنَّ مُقتَضاها اللُّزومُ، فلو بَقيَ الخيارُ فاتَ مُقتَضاها، وفي الحَوالةِ عليه يَبطُلُ في حَقِّ البائِعِ رِضاه بها، لا في حَقِّ مُشتَرٍ لَم يَرضَ، فإنْ رَضيَ بها بطَل في حَقِّه أيضًا في أصَحِّ الوَجهَيْنِ. وتَصحُّ الحَوالةُ بالدَّيْنِ وإنْ لَم يَستقِرَّ بَعدُ، كالصَّداقِ قبلَ الدُّخولِ والأُجرةِ قبلَ مُضيِّ مُدَّةِ الإجارةِ، والثَّمَنِ قبلَ قَبضِ البَيعِ. وسَواءٌ اتَّفقَ الدَّينانِ في سَبَبِ الوُجوبِ أو اختَلَفا، كأنْ كان أحَدُهما ثَمَنًا والآخَرُ قَرضًا أو أُجرةً، ولا بُدَّ أنْ يَجوزَ الاعتياضُ عنه، فلا يَصحُّ بما لا يَجوزُ الاعتياضُ عنه كدَينِ السَّلَمِ، فلا تَصحُّ الحَوالةُ به ولا عليه؛ وإنْ كان لَازِمًا. ولا تَصحُّ الحَوالةُ لِلساعي؛ لأنَّها عِبادةٌ تَفتقِرُ إلى نِيَّةٍ، فلا يَدخُلُها ذلك ولا لِلمُستَحَقِّ بالزَّكاةِ ممَّن هي عليه ولا عَكسُه، وإنْ تلِف النِّصابُ بعدَ التَّمكُّنِ؛ لِامتِناعِ الاعتياضِ عنها، ومِثالُ الاعتياضِ عنها أنْ كان واجِبُها فِضةَّ، فلا يَصحُّ الاعتياضُ عنها بذهَب وعَكسِه، وتَصحُّ على المَيَّتِ؛ لأنَّه لا

стр. 4585

يُشترَطُ رِضا المُحالِ عليه وإنَّما صَحَّتْ عليه مع خَرابِ ذِمَّتِه؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو بالنِّسبةِ لِلمُستَقبَلِ، أي: لا تَقبَلُ ذِمَّتُه شَيئًا بعدَ مَوتِه، وإلا فذِمَّتُه مَرهونةٌ بدَيْنِه حتى يُقضى عنه. ولا تَصحُّ على التَّرِكةِ لِعَدَمِ الشَّخصِ المُحالِ عليه. وتَصحُّ بالدَّينِ المِثليِّ كالنُّقودِ والحُبوبِ؛ لأنَّ القَصدَ مِنَ الحَوالةِ إيفاءُ الغَريمِ حَقَّه مِنْ غيرِ زِيادةٍ ولا نُقصانٍ، وذلك يَحصُلُ بما ذَكَرناه. وكذا تَصحُّ بالمُتقوَّمِ الذي يُمكِنُ ضَبطُه بالصَّفةِ؛ كالعَبدِ والثَّوبِ والحَيَوانِ والعُروضِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه مالّ ثابِتٌ في الذِّمَّةِ مُستقِرٌّ، فصَحَّتِ الحَوالةُ به كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ. كأنِ اشتَرى عَينًا بثَمَنٍ في ذِمَّتِه مُتقوَّمٍ مَوصوفٍ بما يَنفي الجَهالةَ عنه، أي بما يُعينُه ويُميِّزُه مِنْ جِنسِه ونَوعِه وصِفَتِه ممَّا يُحتاجُ إليه، فتَصحُّ الحَوالةُ به، وكأنِ اقتَرَض شَيئًا مُتقوَّمًا فيَصحُّ أنْ يُحيلَ المُقرِضَ به على آخَرَ، كأن يَقترِضَ عَمرٌو حَيوانًا مِنْ زَيدٍ ولِعَمرٍو على بَكرٍ حَيَوانٌ، فأحالَ عَمرٌو زَيدًا به على بَكرٍ؛ لأنَّه حينَئذٍ دَينٌ. والآخر -وهو مُقابِلُ الأصَحِّ-: لا يَصحُّ، إذِ المَقصودُ مِنَ الحَوالةِ إيصالُ الحَقِّ مِنْ غيرِ تَفاوُتٍ، ولا يَتحقَّقُ فيما لا مِثلَ له؛ لأنَّ المِثلَ فيه لا يَنحصِرُ، ولِهذا لا يُضمَنُ بمِثلِه في الإتلافِ. ٣ - وُجودُ دَينٍ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه في المَذهبِ: فلا تَصحُّ الحَوالةُ إلا على مَنْ كان عليه دَيْنٌ لِلمُحيلِ؛ لأنَّها بَيعُ دَينٍ بدَينٍ أُجيزَ

стр. 4586

لِلحاجةِ، فلا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه شَيءٌ يَكونُ عِوَضًا عن حَقِّ المُحالِ. وقيلَ: تَصحُّ برِضاه، كما سيأتي ذلك مُفصَّلًا. ٤ - يُشترَطُ عِلمُ كلٍّ مِنَ المُحيلِ والمُحتالِ بما يُحالُ به وعليه قَدْرًا كمِئةٍ وصِفةً مُعتَبَرةً في السَّلَمِ؛ لأنَّ المَجهولَ لا يَصحُّ بَيعُه. ٥ - يُشترَطُ تَساويهما -أي: المُحالِ به وعليه- حُلولًا وأجَلًا وقَدْرَ الأجَلِ وجِنسًا وقَدْرًا وصِفةً، فإذا اختَلَف الحَقَّانِ في شَيءٍ مِنْ هذا لَم تَصحَّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الحَوالةَ عَقدُ مُعاوَضةٍ لِلارتِفاقِ، أُجيزَتْ لِلحاجةِ والتَّعاوُنِ، فاعُتِبَر فيها الاتِّفاقُ كما هو الحالُ في القَرضِ، فإذا اختَلَف الحَقَّانِ صارَ في طَلَبِ زِيادةٍ على الحَقِّ، فلا يَجوزُ. وكذلك الحَوالةُ تَجري مَجرى المُقاصَّةِ؛ لأنَّه يَسقُطُ بها ما في ذِمَّةِ المُحيلِ بمُقابِلِ مالِه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، والمُقاصَّةُ لا تَصحُّ حالَ الاختِلافِ بينَ الحَقَّيْنِ. فلا تَصحُّ بالدَّراهِمِ على الدَّنانيرِ وعَكسِه، ولا تَصحُّ بخَمسةٍ على عَشَرةٍ وعَكسِه، أي بأنْ يأخُذَ العَشَرةَ بتَمامِها في مُقابَلةِ الخَمسةِ، وتَصحُّ على خَمسةٍ مِنَ العَشَرةِ؛ لأنَّه لا يُعتبَرُ التَّساوي بينَ دَينِ المُحيلِ ودَينِ المُحتالِ مِنْ حيث هُما، بل المَدارُ على التَّساوي بينَ الدَّينِ المُحالِ به وعليه، ولو كان دَينُ المُحيلِ في حَدِّ ذاتِه أكثَرَ مِنَ المُحالِ به؛ ولكنَّه إنَّما أحالَ على بَعضِ دَينِه لا على كلِّه.

стр. 4587

وإنْ أحالَه بدَينٍ حالٍّ على رَجُل له عليه دَينٌ حالٌّ أو بدَينٍ مُؤجَّلٍ على دَينٍ مُؤجَّلٍ، وهُما مُتساويان في الأجَلِ صَحَّ، وإنْ أحالَه بدَينٍ حالٍّ عليه على دَينٍ مُؤجَّلٍ له لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتأجَّلُ عندَ الشافِعيَّةِ، ولأنَّ المُحتالَ قد نَقَصَ مِنْ حَقِّه، وهو أنَّ دَينَه كان مُعجَّلًا فجعَله مُؤجَّلًا لِيَنقُلَ حَقَّه مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، فلَم يَصحَّ، كما لو كان له دَينٌ مُؤجَّلٌ، فقال مَنْ عليه الدَّينُ لِمَنْ له الدَّينُ: انقُصْ مِنْ دَينِكَ لِأُقدِّمَ لكَ دَينَكَ قبلَ حُلولِه، فإنَّ هذا لا يَصحُّ. وإنْ كان عليه لِرَجُلٍ دَينٌ مُؤجَّلٌ فأحالَه به على دَينٍ له حالٍّ فهل تَصحُّ الحَوالةُ؟ فيه وَجهانِ، أحَدُهما: تَصحُّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَعجيلُ المُؤجَّلِ. والآخَرُ: لا تَصحُّ؛ لأنَّ المُحيلَ قد زادَ المُحتالَ في حَقِّه لِيَنقُلَ حَقَّه مِنْ ذِمَّتِه إلى ذِمَّةِ غَيرِه، فلَم يَصحَّ، كما لو كان له عليه ألَفٌ حالٌّ فزادَه فيه لِيَجعَلَه مُؤجَّلًا (١). وقال الحَنابِلةُ: يُشترَطُ في المُحالِ به ما يَلي: ١ - تماثُلُ الدَّينَيْنِ: لأنَّها تَحويلٌ لِلحِقِّ ونَقلٌ له، فيُنقَلُ على صِفَتِه ويُعتبَرُ تَماثُلُهما في أربَعةِ أُمورٍ.

стр. 4588

أحَدُها: الجِنسُ: كدَنانيرَ بدَنانيرَ أو دَراهِمَ بدَراهِمَ، فإنْ أحالَ مَنْ عليه ذهَب بفِضَّةٍ أو عَكسَه لَم يَصحَّ. والثاني: الصِّفةُ: فلو أحالَ عن المِصريَّةِ بأميريَّةٍ أو عن المُكسَّرةِ بصِحاحٍ لَم يَصحَّ. والثالِثُ: الحُلولُ والأجَلُ: فيُعتبَرُ اتِّفاقُ أجَلِ المُؤجَّلَيْنِ، فإنْ كان أحَدُهما حالًّا والآخَرُ مُؤجَّلًا أو أُجِّلَ أحَدُهما مُخالِفًا لِأجَلِ الآخَرِ، بأنْ كان أحَدُهما يَحُلُّ بعدَ شَهرٍ والآخَرُ بعدَ شَهرَيْنِ لَم تَصحَّ. ولو كان الحَقَّانِ حالَّيْنِ فشُرِطَ مِنَ المُحتالِ أنْ يَقبِضَ حَقَّه أو بَعضَه بعدَ شَهرٍ لَم تَصحَّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتأجَّلُ، ولأنَّه شَرطُ ما لو كان ثابِتًا في الأمرِ نَفْسِه لَم تَصحَّ الحَوالةُ فكذلك إذا شرَطه. والرابِعُ: القَدْرُ: فلا يَصحُّ بخَمسةٍ على سِتَّةٍ؛ لأنَّها إرفاقٌ كالقَرضِ، فلو جُوِّزتْ مع الاختِلافِ لَصارَ المَطلوبُ منها الفَضلَ، وتَخرُجُ عن مَوضوعِها. ولا يُؤثِّرُ الفَاضِلُ في بُطلانِ الحَوالةِ، فلو أحال بخَمسةٍ مِنْ عَشَرةٍ على خَمسةٍ أو بخَمسةٍ على خَمسةٍ مِنْ عَشَرةٍ صَحَّتْ؛ لاتِّفاقِ ما وَقَعتْ فيه الحَوالةُ والفاضِلُ باقٍ بحالِه لِرَبِّه. وإذا اجتَمَعتْ هذه الأُمورُ وصَحَّتِ الحَوالةُ وتَراضَيا بأنْ يَدفَعَ المُحالُ عليه خَيرًا مِنْ حَقِّه أو رَضيَ المُحتالُ بدونِ الصِّفةِ أو رَضيَ مَنْ عليه المُؤجَّلُ بتَعجيلِه أو رَضيَ مَنْ له الحالُ بإنظارِه جازَ؛ لأنَّ ذلك يَجوزُ في

стр. 4589

القَرضِ، ففي الحَوالةِ أوْلَى، وإنْ ماتَ المُحيلُ أو المُحالُ فالأجَلُ بحالِه، وإنْ ماتَ المُحالُ عليه ففي حُلولِ الحَقِّ رِوايتانِ. الشَّرطُ الثاني: عِلمُ قَدْرِ كلٍّ مِنَ الدَّينَيْنِ: لأنَّه يُعتبَرُ فيها -الحَوالةِ- التَّسليمُ والتَّماثُلُ، والجَهالةُ تَمنَعُهما، كالمِثليَّاتِ، لا بما لا يَصحُّ السَّلَمُ فيه، كالجَوهَرِ ونَحوِه. فلا يَصحُّ فيما لا يَصحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه لا يَثبُتُ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَجِبُ قيمَتُه بالإتلافِ. ويَصحُّ في كلِّ ما يَثبُتُ مِثلُه في الذِّمَّةِ بالإتلافِ مِنَ الأثمانِ والحُبوبِ والأدْهانِ، وفيما يَصحُّ السَّلَمُ فيه غيرِ ذلك -كالمَذروعِ والمَعدودِ- وَجهانِ، أحَدُهما: لا تَصحُّ الحَوالةُ به؛ لأنَّ المِثلَ لا يَتحرَّرُ فيه، ولِهذا لا يُضمَنُ بمِثلِه. والآخَرُ: يَصحُّ؛ لأنَّه يَثبُتُ في الذِّمَّةِ. ولا تَصحُّ الحَوالةُ في السَّلَمِ، وإنْ كان عليه إبِلٌ مِنْ قَرضٍ، وله مِثلُ ذلك على آخَرَ صَحَّتِ الحَوالةُ بها؛ لأنَّه إنْ ثَبَتَ في الذِّمَّةِ مِثلُها صَحَّتِ الحَوالةُ، وإنْ ثَبَتَ قيمَتُها فالحَوالةُ بها صَحيحةٌ، وإنْ كان له إبِلٌ مِنْ دِيةٍ فأحالَ بها على مَنْ له عليه مِثلُها مِنْ دِيةٍ أُخرى صَحَّ ويَلزَمُه إعطاؤُه أدْنى ما يَتناوَلُه الاسْمُ، وفي وَجهٍ آخَرَ أنَّه لا يَصحُّ. وإنْ كان عليه إبِلٌ مِنَ الدِّيةِ وله مِثلُها قَرضًا فأحالَ بها ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: يَصحُّ؛ لأنَّ الخيَرةَ في التَّسليمِ إلى المُحيلِ قد رَضيَ بتَسليمِ مالِه في ذِمَّةِ المُقتَرِضِ.

стр. 4590

والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّ الواجِبَ في القَرضِ في إحدى الرِّوايَتَيْنِ القيمةُ، فقد اختَلَف الجِنسُ، وإنْ أحالَ المُقترِضُ مَنْ له الدِّيةَ بها لَم يَصحَّ وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّنا قُلنا: الواجِبُ القيمةُ، فالجِنسُ مُختَلِفٌ، وإنْ قُلنا: يَجبُ المِثلُ فلِلمُقترِضِ مِثلُ ما أقرَضَ في صِفاتِه وقيمَتِه، والذي عليه الدِّيةُ لا يَلزَمُه ذلك. الشَّرطُ الثالِثُ: استِقرارُ المالِ المُحالِ عليه؛ لأنَّ مُقتَضاها إلزامُ المُحالِ عليه بالدَّينِ مُطلَقًا، وما ليس بمُستقِرٍّ عُرضةٌ لِلسُّقوطِ ولا يَثبُتُ ذلك فيما هو بعَرضِ السُّقوطِ، ولا يُعتبَرُ استِقرارُ المُحالِ به؛ لِجَوازِ أداءِ غيرِ المُستقِرِّ. فلا تَجوزُ الحَوالةُ بدَينِ السَّلَمِ ولا عليه؛ لأنَّه لا تَجوزُ المُعاوَضةُ عنه به، ولا عنه، ولو أحال الزَّوجُ زَوجَتَه قبلَ الدُّخولِ بصَداقِها صَحَّ، وإنْ أحالَتِ المَرأةُ به عليه لَم يَصحَّ؛ لأنَّه غيرُ مُستقِرٍّ، وإنْ أحالَ المُشتَري البائِعَ بثَمَنِ المَبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ صَحَّ، وإنْ أحالَ البائِعَ به عليه لَم يَصحَّ لذلك، وإنْ أحالَ المُكاتَبُ سَيِّدَه بنَجمٍ فدَخَلَ عليه صَحَّ، وإنْ أحالَ سَيِّدَه عليه لَم يَصحَّ لذلك، وإنْ أُحيلَ على المُكاتَبِ بدَينٍ غيرِ مالِ الكِتابةِ صَحَّ؛ لأنَّ حُكمَه حُكمُ الأحرارِ في المُدايَناتِ (١).
следующие страницы →