لِلحاجةِ، فلا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه شَيءٌ يَكونُ عِوَضًا عن حَقِّ المُحالِ.
وقيلَ: تَصحُّ برِضاه، كما سيأتي ذلك مُفصَّلًا.
٤ - يُشترَطُ عِلمُ كلٍّ مِنَ المُحيلِ والمُحتالِ بما يُحالُ به وعليه قَدْرًا كمِئةٍ وصِفةً مُعتَبَرةً في السَّلَمِ؛ لأنَّ المَجهولَ لا يَصحُّ بَيعُه.
٥ - يُشترَطُ تَساويهما -أي: المُحالِ به وعليه- حُلولًا وأجَلًا وقَدْرَ الأجَلِ وجِنسًا وقَدْرًا وصِفةً، فإذا اختَلَف الحَقَّانِ في شَيءٍ مِنْ هذا لَم تَصحَّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الحَوالةَ عَقدُ مُعاوَضةٍ لِلارتِفاقِ، أُجيزَتْ لِلحاجةِ والتَّعاوُنِ، فاعُتِبَر فيها الاتِّفاقُ كما هو الحالُ في القَرضِ، فإذا اختَلَف الحَقَّانِ صارَ في طَلَبِ زِيادةٍ على الحَقِّ، فلا يَجوزُ.
وكذلك الحَوالةُ تَجري مَجرى المُقاصَّةِ؛ لأنَّه يَسقُطُ بها ما في ذِمَّةِ المُحيلِ بمُقابِلِ مالِه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، والمُقاصَّةُ لا تَصحُّ حالَ الاختِلافِ بينَ الحَقَّيْنِ.
فلا تَصحُّ بالدَّراهِمِ على الدَّنانيرِ وعَكسِه، ولا تَصحُّ بخَمسةٍ على عَشَرةٍ وعَكسِه، أي بأنْ يأخُذَ العَشَرةَ بتَمامِها في مُقابَلةِ الخَمسةِ، وتَصحُّ على خَمسةٍ مِنَ العَشَرةِ؛ لأنَّه لا يُعتبَرُ التَّساوي بينَ دَينِ المُحيلِ ودَينِ المُحتالِ مِنْ حيث هُما، بل المَدارُ على التَّساوي بينَ الدَّينِ المُحالِ به وعليه، ولو كان دَينُ المُحيلِ في حَدِّ ذاتِه أكثَرَ مِنَ المُحالِ به؛ ولكنَّه إنَّما أحالَ على بَعضِ دَينِه لا على كلِّه.
стр. 4587
وإنْ أحالَه بدَينٍ حالٍّ على رَجُل له عليه دَينٌ حالٌّ أو بدَينٍ مُؤجَّلٍ على دَينٍ مُؤجَّلٍ، وهُما مُتساويان في الأجَلِ صَحَّ، وإنْ أحالَه بدَينٍ حالٍّ عليه على دَينٍ مُؤجَّلٍ له لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتأجَّلُ عندَ الشافِعيَّةِ، ولأنَّ المُحتالَ قد نَقَصَ مِنْ حَقِّه، وهو أنَّ دَينَه كان مُعجَّلًا فجعَله مُؤجَّلًا لِيَنقُلَ حَقَّه مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، فلَم يَصحَّ، كما لو كان له دَينٌ مُؤجَّلٌ، فقال مَنْ عليه الدَّينُ لِمَنْ له الدَّينُ: انقُصْ مِنْ دَينِكَ لِأُقدِّمَ لكَ دَينَكَ قبلَ حُلولِه، فإنَّ هذا لا يَصحُّ.
وإنْ كان عليه لِرَجُلٍ دَينٌ مُؤجَّلٌ فأحالَه به على دَينٍ له حالٍّ فهل تَصحُّ الحَوالةُ؟ فيه وَجهانِ، أحَدُهما: تَصحُّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَعجيلُ المُؤجَّلِ.
والآخَرُ: لا تَصحُّ؛ لأنَّ المُحيلَ قد زادَ المُحتالَ في حَقِّه لِيَنقُلَ حَقَّه مِنْ ذِمَّتِه إلى ذِمَّةِ غَيرِه، فلَم يَصحَّ، كما لو كان له عليه ألَفٌ حالٌّ فزادَه فيه لِيَجعَلَه مُؤجَّلًا (١).
وقال الحَنابِلةُ: يُشترَطُ في المُحالِ به ما يَلي:
١ - تماثُلُ الدَّينَيْنِ: لأنَّها تَحويلٌ لِلحِقِّ ونَقلٌ له، فيُنقَلُ على صِفَتِه ويُعتبَرُ تَماثُلُهما في أربَعةِ أُمورٍ.
стр. 4588
أحَدُها: الجِنسُ: كدَنانيرَ بدَنانيرَ أو دَراهِمَ بدَراهِمَ، فإنْ أحالَ مَنْ عليه ذهَب بفِضَّةٍ أو عَكسَه لَم يَصحَّ.
والثاني: الصِّفةُ: فلو أحالَ عن المِصريَّةِ بأميريَّةٍ أو عن المُكسَّرةِ بصِحاحٍ لَم يَصحَّ.
والثالِثُ: الحُلولُ والأجَلُ: فيُعتبَرُ اتِّفاقُ أجَلِ المُؤجَّلَيْنِ، فإنْ كان أحَدُهما حالًّا والآخَرُ مُؤجَّلًا أو أُجِّلَ أحَدُهما مُخالِفًا لِأجَلِ الآخَرِ، بأنْ كان أحَدُهما يَحُلُّ بعدَ شَهرٍ والآخَرُ بعدَ شَهرَيْنِ لَم تَصحَّ.
ولو كان الحَقَّانِ حالَّيْنِ فشُرِطَ مِنَ المُحتالِ أنْ يَقبِضَ حَقَّه أو بَعضَه بعدَ شَهرٍ لَم تَصحَّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتأجَّلُ، ولأنَّه شَرطُ ما لو كان ثابِتًا في الأمرِ نَفْسِه لَم تَصحَّ الحَوالةُ فكذلك إذا شرَطه.
والرابِعُ: القَدْرُ: فلا يَصحُّ بخَمسةٍ على سِتَّةٍ؛ لأنَّها إرفاقٌ كالقَرضِ، فلو جُوِّزتْ مع الاختِلافِ لَصارَ المَطلوبُ منها الفَضلَ، وتَخرُجُ عن مَوضوعِها.
ولا يُؤثِّرُ الفَاضِلُ في بُطلانِ الحَوالةِ، فلو أحال بخَمسةٍ مِنْ عَشَرةٍ على خَمسةٍ أو بخَمسةٍ على خَمسةٍ مِنْ عَشَرةٍ صَحَّتْ؛ لاتِّفاقِ ما وَقَعتْ فيه الحَوالةُ والفاضِلُ باقٍ بحالِه لِرَبِّه.
وإذا اجتَمَعتْ هذه الأُمورُ وصَحَّتِ الحَوالةُ وتَراضَيا بأنْ يَدفَعَ المُحالُ عليه خَيرًا مِنْ حَقِّه أو رَضيَ المُحتالُ بدونِ الصِّفةِ أو رَضيَ مَنْ عليه المُؤجَّلُ بتَعجيلِه أو رَضيَ مَنْ له الحالُ بإنظارِه جازَ؛ لأنَّ ذلك يَجوزُ في
стр. 4589
القَرضِ، ففي الحَوالةِ أوْلَى، وإنْ ماتَ المُحيلُ أو المُحالُ فالأجَلُ بحالِه، وإنْ ماتَ المُحالُ عليه ففي حُلولِ الحَقِّ رِوايتانِ.
الشَّرطُ الثاني: عِلمُ قَدْرِ كلٍّ مِنَ الدَّينَيْنِ: لأنَّه يُعتبَرُ فيها -الحَوالةِ- التَّسليمُ والتَّماثُلُ، والجَهالةُ تَمنَعُهما، كالمِثليَّاتِ، لا بما لا يَصحُّ السَّلَمُ فيه، كالجَوهَرِ ونَحوِه.
فلا يَصحُّ فيما لا يَصحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه لا يَثبُتُ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَجِبُ قيمَتُه بالإتلافِ.
ويَصحُّ في كلِّ ما يَثبُتُ مِثلُه في الذِّمَّةِ بالإتلافِ مِنَ الأثمانِ والحُبوبِ والأدْهانِ، وفيما يَصحُّ السَّلَمُ فيه غيرِ ذلك -كالمَذروعِ والمَعدودِ- وَجهانِ، أحَدُهما: لا تَصحُّ الحَوالةُ به؛ لأنَّ المِثلَ لا يَتحرَّرُ فيه، ولِهذا لا يُضمَنُ بمِثلِه.
والآخَرُ: يَصحُّ؛ لأنَّه يَثبُتُ في الذِّمَّةِ.
ولا تَصحُّ الحَوالةُ في السَّلَمِ، وإنْ كان عليه إبِلٌ مِنْ قَرضٍ، وله مِثلُ ذلك على آخَرَ صَحَّتِ الحَوالةُ بها؛ لأنَّه إنْ ثَبَتَ في الذِّمَّةِ مِثلُها صَحَّتِ الحَوالةُ، وإنْ ثَبَتَ قيمَتُها فالحَوالةُ بها صَحيحةٌ، وإنْ كان له إبِلٌ مِنْ دِيةٍ فأحالَ بها على مَنْ له عليه مِثلُها مِنْ دِيةٍ أُخرى صَحَّ ويَلزَمُه إعطاؤُه أدْنى ما يَتناوَلُه الاسْمُ، وفي وَجهٍ آخَرَ أنَّه لا يَصحُّ.
وإنْ كان عليه إبِلٌ مِنَ الدِّيةِ وله مِثلُها قَرضًا فأحالَ بها ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يَصحُّ؛ لأنَّ الخيَرةَ في التَّسليمِ إلى المُحيلِ قد رَضيَ بتَسليمِ مالِه في ذِمَّةِ المُقتَرِضِ.
стр. 4590
والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّ الواجِبَ في القَرضِ في إحدى الرِّوايَتَيْنِ القيمةُ، فقد اختَلَف الجِنسُ، وإنْ أحالَ المُقترِضُ مَنْ له الدِّيةَ بها لَم يَصحَّ وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّنا قُلنا: الواجِبُ القيمةُ، فالجِنسُ مُختَلِفٌ، وإنْ قُلنا: يَجبُ المِثلُ فلِلمُقترِضِ مِثلُ ما أقرَضَ في صِفاتِه وقيمَتِه، والذي عليه الدِّيةُ لا يَلزَمُه ذلك.
الشَّرطُ الثالِثُ: استِقرارُ المالِ المُحالِ عليه؛ لأنَّ مُقتَضاها إلزامُ المُحالِ عليه بالدَّينِ مُطلَقًا، وما ليس بمُستقِرٍّ عُرضةٌ لِلسُّقوطِ ولا يَثبُتُ ذلك فيما هو بعَرضِ السُّقوطِ، ولا يُعتبَرُ استِقرارُ المُحالِ به؛ لِجَوازِ أداءِ غيرِ المُستقِرِّ.
فلا تَجوزُ الحَوالةُ بدَينِ السَّلَمِ ولا عليه؛ لأنَّه لا تَجوزُ المُعاوَضةُ عنه به، ولا عنه، ولو أحال الزَّوجُ زَوجَتَه قبلَ الدُّخولِ بصَداقِها صَحَّ، وإنْ أحالَتِ المَرأةُ به عليه لَم يَصحَّ؛ لأنَّه غيرُ مُستقِرٍّ، وإنْ أحالَ المُشتَري البائِعَ بثَمَنِ المَبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ صَحَّ، وإنْ أحالَ البائِعَ به عليه لَم يَصحَّ لذلك، وإنْ أحالَ المُكاتَبُ سَيِّدَه بنَجمٍ فدَخَلَ عليه صَحَّ، وإنْ أحالَ سَيِّدَه عليه لَم يَصحَّ لذلك، وإنْ أُحيلَ على المُكاتَبِ بدَينٍ غيرِ مالِ الكِتابةِ صَحَّ؛ لأنَّ حُكمَه حُكمُ الأحرارِ في المُدايَناتِ (١).
стр. 4591
هل يُشترَطُ أنْ يَكونَ على المُحالِ عليه دَينٌ لِلمُحيلِ أو لا؟
اختَلَف الفُقهاءُ في الحَوالةِ، هل يُشترَطُ لِصِحَّتِها أنْ يَكونَ لِلمُحالِ عليه دَينٌ لِلمُحيلِ؟ أم لا يُشترَطُ وتَصحُّ الحَوالةُ سَواءٌ كان لِلمُحيلِ على المُحالِ دَينٌ أو لَم يَكُنْ، وسَواءٌ كانتْ مُطلَقةً أو مُقيَّدةً؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُحيلَ إذا أحالَ على مَنْ لا دَينَ له عليه فالحَوالةُ لا تَصحُّ؛ لأنَّ الحَوالةَ مُعاوَضةٌ، فلا بُدَّ مِنْ ثُبوتِ العِوَضيْنِ؛ ولأنَّه إذا كان لا يَملِكُ شَيئًا في ذِمَّةِ المُحالِ عليه لَم تَصحَّ، كما لو اشتَرى شاةً حَيَّةً بشاةٍ مَيْتةٍ، ولأنَّه لو أحالَه على مَنْ له عليه دَينٌ غيرُ لَازِمٌ أو غيرُ مُستقِرٍّ أو مُخالِفٌ لِصِفةِ دَينِه لَم تَصحَّ الحَوالةُ، فلَأنْ تَكونَ لا تَصحُّ الحَوالةُ على مَنْ لا دَينَ له عليه أوْلَى.
ولأنَّه إذا لَم يَكُنْ عليه دَينٌ كانتْ حَمالةً -ضَمانًا- لا حَوالةً؛ لأنَّ حَقيقةَ الحَوالةِ بَيعُ الدَّينِ الذي على المُحالِ عليه بالدَّينِ الذي على المُحيلِ، وتَحوُّلُ الحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ وذلك يَقتَضي أنْ يَكونَ هناك دَينٌ تَحصُلُ به الحَوالةُ.
ولأن الحَوالةَ مَأخوذةٌ مِنْ تَحوُّلِ الحَقِّ وانتِقالِه، ولا حَقَّ ههنا يَنتَقِلُ ويَتحوَّلُ.
وإذا لَم تَصحَّ على أنَّها حَوالةٌ فالمالِكيَّةُ قالوا: تُعَدُّ ضَمانًا يُشترَطُ فيها رِضا الضامِنِ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ الذِّمَّةِ، ولا تَعمُرُ ذِمَّةٌ عن ذِمَّةٍ أُخرى إلا برِضا صاحِبِها، وتلك حَقيقةُ الضَّمانِ، وإنَّما كانت ضَمانًا وإنِ انعَقَدتْ بلَفظِ الحَوالةِ؛ لأنَّ العِبرةَ في العُقودِ بالمَعاني لا بالألفاظِ.
стр. 4592
وعليه لو أُعدِمَ المُحالُ عليه لَرَجَع المُحالُ على المُحيلِ، إلا أنْ يَعلَمَ المُحالُ أنَّه لا شَيءَ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه، ويُشترَطُ بَراءَتُه مِنَ الدَّينِ فلا رُجوعَ له عليه، ولو على القَولِ بأنَّها حَمالةٌ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: إذا لَم تَصحَّ حَوالةً فلا شَيءَ على المُحيلِ عليه، فإنْ تَطوَّعَ بقَضاءِ دَينِ المُحيلِ كان قاضيًا دَينَ غَيرِه، وهو جائِزٌ (٢).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ أحالَ مَنْ عليه دَينٌ على مَنْ ليس عليه دَينٌ فهو مُلتَمِسٌ إيفاءَ دَينِه، وليس شَيءٌ مِنْ ذلك حَوالةً؛ إذِ الحَوالةُ تَحوُّلُ الحَقِّ وانتِقالُه، ولا حَقَّ ههنا يَتحوَّلُ؛ وإنَّما هي وَكالةٌ، وإنَّما جازَ التَّوكيلُ بلَفظِ الحَوالةِ لاشتِراكِهما في مَعنًى، وهو تَحوُّلُ المُطالَبةِ مِنَ المُوكِّلِ إلى الوَكيلِ، كتَحوُّلِها مِنَ المُحيلِ إلى المُحتالِ (٣).
وذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّه لا يُشترَطُ لِصِحَّةِ
стр. 4593
الحَوالةِ أنْ يُحيلَه على مَنْ عليه دَينٌ لِلمُحيلِ، بل تَصحُّ وإنْ لَم يَكُنْ على المُحالِ عليه دَينٌ لِلمُحيلِ؛ لأنَّ المُحالَ عليه إذا قبلَ الحَوالةَ صارَ كأنَّه قال لِصاحِبِ الحَقِّ: «أسقِطْ عنه حَقَّكَ»، أو: «أبرِئْه وعلَيَّ عِوَضُه»، ولو قال ذلك لَلَزِمَه؛ لأنَّه استِدعاءُ إتلافِ مِلكٍ بعِوَضٍ، فكذلك هذا مِثلُه.
قال الشافِعيَّةُ -بِناءً على هذا القَولِ-: هل يُبرَأُ المُحيل بالحَوالةِ نَفْسِها أو لا؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يُبرَأُ المُحيلُ بالحَوالةِ نَفْسِها كسائِرِ الحَوالاتِ.
وأصَحُّهما وبه قَطَعَ الأكثَرونَ: لا يُبرَأُ، بل قَبولُه ضَمانٌ مُجرَّدٌ، فيَرجِعُ على المُحيلِ إنْ أدَّى بإذْنِه، وكذا بغَيرِ إذْنِه على الأصَحِّ؛ لِجَرَيانِ الحَوالةِ بإذْنِه، وفي رُجوعِه قبلَ الأداءِ وَجهانِ بِناءً على بَراءةِ المُحيلِ.
وإذا طالَبَ المُحتالُ بالأداءِ فله مُطالَبةُ المُحيلِ بتَخليصِه.
وهل له ذلك قبلَ مُطالَبةِ المُحتالِ؟ وَجهانِ؛ كالوَجهَيْنِ في مُطالَبةِ الضامِنِ.
ولو أبرأ المُحتالُ المُحالَ عليه بَرِئَ ولا يَرجِعُ المُحتالُ عليه على المُحيلِ بشَيءٍ؛ لأنَّه لَم يُغرَّمْ شَيئًا.
وإنْ قَبَض المُحتالُ الحَقَّ مِنَ المُحالِ عليه بإذْنِ المُحيلِ ثم وَهَبَه المُحتالُ لِلمُحالِ عليه فهل يَرجِعُ المُحالُ عليه على المُحيلِ بشَيء؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَرِجُع عليه بشَيءٍ؛ لأنَّه لَم يُغرَّمْ شَيئًا؛ لأنَّ ما دَفَع رَجَع إليه.
стр. 4594
والآخَرُ: يَرجِعُ عليه، وهو المَذهبُ؛ لأنَّه قد غُرِّمَ، وإنَّما عاد إليه بسَبَبٍ آخَرَ (١).
أمَّا الحَنفيَّةُ فقالوا: لا يُشترَطُ لِصِحَّةِ الحَوالةِ وُجودُ دَينٍ على المُحالِ عليه لِلمُحيلِ قبلَ الحَوالةِ، فتَصحُّ الحَوالةُ سَواءٌ كان لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه دَينٌ، أو لَم يَكُنْ، وسَواءٌ كانتِ الحَوالةُ مُطلَقةً أو مُقيَّدةً.
والجُملةُ فيه أنَّ الحَوالةَ نَوعانِ: مُطلَقةٌ ومُقيَّدةٌ، فالمُطلَقةُ أنْ يُحيلَ بالدَّينِ على فُلانٍ ولا يُقيِّدَه بالدَّينِ الذي عليه.
والمُقيَّدةُ أنْ يُقيِّدَه بذلك.
والحَوالةُ بكُلِّ نَوعٍ مِنَ النَّوعَيْنِ جائِزةٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أُحيلَ على مَليءٍ فلْيَتْبَعْ» مِنْ غيرِ فَصلٍ، إلا أنَّ الحَوالةَ المُطلَقةَ تُخالِفُ الحَوالةَ المُقيَّدةَ في أحكامٍ:
منها: إذا أطلَقَ الحَوالةَ ولَم يَكُنْ له على المُحالِ عليه دَينٌ فإنَّ المُحالَ يُطالِبُ المُحالَ عليه بدَينِ الحَوالةِ لا غَيرُ، وإنْ كان له عليه دَينٌ فإنَّ المُحالَ عليه يُطالِبُ بدَينَيْنِ: دَينِ الحَوالةِ ودَينِ المُحيلِ، فيُطالِبُه المُحالُ بدَينِ الحَوالةِ ويُطالِبُه المُحيلُ بالدَّينِ الذي له عليه، ولا يَنقطِعُ حَقُّ المُطالَبةِ لِلمُحيلِ بدَينِه بسَبَبِ الحَوالةِ؛ لأنَّ الحَوالةَ لَم تَتقيَّدْ بالدَّينِ الذي لِلمُحالِ
стр. 4595
عليه؛ لأنَّها وُجِدتْ مُطلَقةً عن هذه الشَّريطةِ فيَتعلَّقُ دَينُ الحَوالةِ بنَعتِه، ودَينُ المُحيلِ بَقيَ على حالِه، وإذا قَيَّدَها بالدَّينِ الذي عليه يَنقطِعُ حَقُّ مُطالَبةِ المُحيلِ؛ لأنَّه قَيَّدَ الحَوالةَ بهذا الدَّينِ فيَتقيَّدُ به، ويَكونُ ذلك الدَّينُ بمَنزِلةِ الرَّهنِ عِندَه، وإنْ لَم يَكُنْ رَهنًا على الحَقيقةِ.
ومنها: أنَّه لو ظَهَرتْ بَراءةُ المُحالِ عليه مِنَ الدَّينِ الذي قُيِّدتْ به الحَوالةُ بأنْ كان الدَّينُ ثَمَنَ مَبيعٍ فاستُحِقَّ المَبيعُ تَبطَلُ الحَوالةُ ولو سَقَط عنه الدَّينُ لِمَعنًى عارِضٍ بأنْ هَلَك المَبيعُ عندَ البائِعِ قبلَ التَّسليمِ بعدَ الحَوالةِ حتى سَقَطَ الثَّمَنُ عنه لا تَبطُلُ الحَوالةُ عنه، لكنْ إذا أدَّى الدَّينَ بعدَ سُقوطِ الثَّمَنِ يَرجِعُ بما أدَّى على المُحيلِ؛ لأنَّه قَضى دَينَه بأمْرِه، ولو ظَهَر ذلك في الحَوالةِ المُطلَقةِ لا يَبطُلُ؛ لأنَّه لمَّا قَيَّدَ الحَوالةَ به تَعلَّقَ الدَّينُ به، فإذا ظَهَر أنَّه لا دَينَ فقد ظَهَر أنَّه لا حَوالةَ؛ لأنَّ الحَوالةَ بالدَّينِ، وقد تَبيَّنَ أنَّه لا دَينَ، فتَبيَّنَ أنَّه لا حَوالةَ ضَرورةً، وهذا لا يُوجَدُ في الحَوالةِ المُطلَقةِ؛ لأنَّ تَعلُّقَ الدَّينِ به يُوجِبُ تَقييدَ الحَوالةِ ولَم يُوجَدْ، فلا يَتعلَّقُ به الدَّينُ، فيَتعلَّقُ بالذِّمَّةِ فلا يَظهَرُ أنَّ الحَوالةَ كانت باطِلةً.
وكذلك لو قَيَّدَ الحَوالةَ بألفٍ وَديعةً عندَ رَجُلٍ فهَلَكتِ الألْفُ عندَ المُودَعِ بَطَلتِ الحَوالةُ، ولو كانتِ الألْفُ على المُحالِ عليه مَضمونةً لا تَبطُلُ الحَوالةُ بالهَلاكِ؛ لأنَّه يَجبُ عليه مِثلُها.
ومنها: أنَّه إذا ماتَ المُحيلُ في الحَوالةِ المُقيَّدةِ قبلَ أنْ يُؤدِّيَ المُحالُ عليه الدَّينَ إلى المُحالِ وعلى المُحيلِ دُيونٌ سِوى دَينِ المُحالِ وليس له مالٌ سِوى
стр. 4596
هذا الدَّينِ لا يَكونُ المُحالُ أحَقَّ به مِنْ بَينِ سائِرِ الغُرَماءِ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسُفَ ومُحمدٍ، وعندَ زُفَرَ يَكونُ أحَقَّ به مِنْ بَينِ سائِرِ الغُرَماءِ كالرَّهنِ.
ولِلثَّلاثةِ الفَرقُ بينَ الحَوالةِ والرَّهنِ، وهو أنَّ المُرتَهَنَ اختُصَّ بغُرمِ الرَّهنِ مِنْ بَينِ سائِرِ الغُرَماءِ، ألَا تَرى أنَّه لو هَلَك يَسقُطُ دَينُه خاصَّةً، ولَمَّا اختُصَّ بغُرمِه اختُصَّ بغُنمِه؟ لأنَّ الخَراجَ بالضَّمانِ، فأمَّا المُحالُ في الحَوالةِ المُقيَّدةِ فلَم يَختَصَّ بغُرمِ ذلك المالِ، ألَا تَرى أنَّه لو هَلَك لا يَسقُطُ دَينُه على المُحيلِ؟ والهَلاكُ على المُحيلِ دونَه، فلَمَّا لَم يَختَصَّ بغُرمِه لَم يَختَصَّ بغُنمِه أيضًا، بل يَكونُ هو وغُرَماءُ المُحيلِ أُسوةً في ذلك، وإذا أراد المُحيلُ أنْ يأخُذَ المُحالَ عليه ببَقيَّةِ دَينِه فليس له ذلك؛ لأنَّ المالَ الذي قُيِّدتْ به الحَوالةُ استُحِقَّ مِنَ المُحالِ عليه، فبَطَلتِ الحَوالةُ.
ولو كانتِ الحَوالةُ مُطلَقةً والمَسألةُ بحالِها يُؤخَذُ مِنَ المُحالِ عليه جَميعُ الدَّينِ الذي عليه، ويُقسَّمُ بينَ غُرَماءِ المُحيلِ، ولا يَدخُلُ المُحالُ في ذلك، وإنَّما يُؤخَذُ مِنَ المُحالِ عليه؛ لأنَّ الحَوالةَ لَم تَتعلَّقْ به، فذلك مِلكُ المُحيلِ ولا يُشارِكُهم المُحالُ في ذلك؛ لأنَّ حَقَّه ثَبَت على المُحالِ عليه ولا يَعودُ إلى المُحيلِ، ولكنَّ القاضيَ يأخُذُ مِنْ غُرَماءِ المُحيلِ كَفيلًا؛ لأنَّه ثَبَت الرُّجوعُ إليهم لِأحَدِ رَجُلَيْنِ.
أمَّا المُحالُ إذا هَلَك ما على الآخَرِ، وأمَّا المُحالُ عليه إذا أدَّى الدَّينَ فالقاضي نَصَّبَ ناظِرًا لِأُمورِ المُسلِمينَ فيَحتاطُ في ذلك بأخْذِ الكَفيلِ (١).
стр. 4597
أحكامُ الحَوالةِ أو الآثارُ المُترتِّبةُ عليها:
يَترتَّبُ على صِحَّةِ الحَوالةِ ما يَلي:
أوَّلًا: ثُبوتُ وِلايةِ المُطالَبةِ لِلمُحالِ على المُحالِ عليه بدَينٍ في ذِمَّتِه أو في ذِمَّةِ المُحيلِ؛ لأنَّ الحَوالةَ أوجَبَتِ النَّقلَ إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه بدَينٍ في ذِمَّتِه، إمَّا نَقلُ الدَّينِ والمُطالَبةُ جَميعًا، وإمَّا نَقلُ المُطالَبةِ لا غَيرُ، وذلك يُوجِبُ حَقَّ المُطالَبةِ لِلمُحالِ على المُحالِ عليه.
ثانيًا: ثُبوتُ حَقِّ المُلازَمةِ لِلمُحالِ عليه على المُحيلِ إذا لَازَمَه المُحالُ، فكُلَّما لَازَمَه المُحالُ فلَه أنْ يُلازِمَ المُحيلَ؛ لِيَتخلَّصَ مِنْ مُلازَمةِ المُحالِ، وإذا حَبَسَه فله أنْ يَحبِسَه إذا كانتِ الحَوالةُ بأمْرِ المُحيلِ، ولَم يَكُنْ على المُحالِ عليه دَينٌ مِثلُه لِلمُحيلِ؛ لأنَّه هو الذي أوقَعَه في هذه العُهدةِ، فعليه تَخليصُه منها.
وإنْ كانتِ الحَوالةُ بغَيرِ أمْرِه أو كانت بأمْرِه ولكنْ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه دَينٌ مِثلُه وكانتِ الحَوالةُ مُقيَّدةً لَم يَكُنْ لِلمُحالِ عليه أنْ يُلازِمَ المُحيلَ إذا لُوزِمَ، ولا أنْ يَحبِسَه إذا حُبِسَ؛ لأنَّ الحَوالةَ إذا كانتْ بغَيرِ أمرِ المُحيلِ كان المُحالُ عليه مُتبرِّعًا، وإنْ كان لِلمُحيلِ عليه دَينٌ مِثلُه وقَيَّدَ الحَوالةَ به فلو لَازَمَه المُحالُ عليه لَكانَ لِلمُحيلِ أنْ يُلازِمَه أيضًا فلا يُفيدُ (١).
ثالِثًا: بَراءةُ المُحيلِ مِنَ الدَّينِ الذي عليه لِلمُحالِ: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ -خِلافًا لِزُفَرَ- على أنَّ المُحيلَ إذا أحالَ المُحالَ له على المُحالِ
стр. 4598
عليه برِضاه، وكان المُحالُ عليه مَليئًا وقادِرًا على سَدادِ الدَّينِ فإنَّ المُحيلَ يُبرَأُ مِنَ الدَّينِ الذي عليه ويَنتقِلُ الدَّينُ الذي على المُحيلِ إلى المُحالِ عليه بمُجرَّدِ عَقدِه الحَوالةَ، ولا رُجوعَ له على المُحيلِ.
وحُجَّةُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ أنَّ الحَوالةَ مُشتقَّةٌ مِنَ التَّحويلِ، وهو النَّقلُ، فكان مَعنى الانتِقالِ لَازِمًا فيها، والشَّيءُ إذا انتَقَل إلى مَوضِعٍ لا يَبقَى في المَحَلِّ الأوَّلِ ضَرورةً، ومَعنى الوَثيقةِ يَحصُلُ بسُهولةِ الوُصولِ مِنْ حيثُ الإنصافُ والمَلاءةُ، أمَّا الضَّمانُ فمُشتَقٌّ مِنْ ضَمِّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، فعُلِّقَ على كلِّ واحِدٍ مُقتَضاه، فيَجِبُ أنْ يُعطَى كلُّ لَفظٍ ما يَقتَضيه وما دَلَّ عليه لَفظُه؛ لأنَّ الأحكامَ الشَّرعيةَ تَثبُتُ على وَفقِ المَعاني اللُّغويةِ، ومَعنى الحَوالةِ في اللُّغةِ النَّقلُ، وهو يَستَدعي زَوالَ المَنقولِ عن المَحَلِّ المَنقولِ منه، فيَكونُ مَعناها الشَّرعيُّ زَوالَ الدَّينِ عن ذِمَّةِ المُحيلِ.
وفي قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، دَليلٌ على تَحويلِ المالِ عن المُحيلِ إلى المُحالِ عليه، ولو لَم يَكُنْ كذلك ما ضَرَّه لو أُحيلَ على مُعدِمٍ؛ لأنَّ أصلَ المالِ على المُحيلِ، فلَمَّا أوجَبَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَتبَعَ المَليءَ دَلَّ على أنَّ المالَ تَحوَّلَ عن المُحيلِ إلى المُحالِ عليه.
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: ومِنَ الحُجَّةِ على ما ذَكَرنا إجماعُهم -إلا قَولًا شاذًّا شَذَّ عنهم- على أنَّ المالَ تَحوَّلَ عن المُحيلِ إلى المُحالِ عليه قبلَ إفلاسِه أو مَوتِه (١).
стр. 4599
وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على بَراءةِ ذِمَّةِ المُحيلِ إذا كان لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه دَينٌ ورَضيَ المُحتالُ والمُحالُ عليه (١).
وقال الكاسانيُّ ﵀: والدِّلالةُ عليه أيضًا الإجماعُ والمَعقولُ، أمَّا دِلالةُ الإجماعِ فلِأنَّا أجمَعْنا على أنَّه لو أبرَأ المُحالَ عليه مِنَ الدَّينِ أو وَهَبَ الدَّينَ منه صَحَّتِ البَراءةُ والهِبةُ، ولو أبرَأ المُحيلَ مِنَ الدَّينِ أو وَهَب الدَّينَ منه لا يَصحُّ ولولا أنَّ الدَّينَ انتَقَل إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه وفَرَغتْ ذِمَّةُ المُحيلِ عن الدَّينِ لَمَا صَحَّ الأوَّلُ؛ لأنَّ الإبراءَ عن الدَّينِ وهِبةَ الدَّينِ ولا دَينَ مُحالٌ، ولَصَحَّ الثاني؛ لأنَّ الإبراءَ عن دَينٍ ثابِتٍ وهِبَتَه منه صَحيحانِ، وإنْ تأخَّرتِ المُطالَبةُ؛ كالإبراءِ عن الدَّينِ المُؤجَّلِ.
وأمَّا المَعقولُ فلأنَّ الحَوالةَ تُوجِبُ النَّقلَ؛ لأنَّها مُشتقَّةٌ مِنَ التَّحويلِ، وهو النَّقلُ، فيَقتَضي نَقلَ ما أُضيفَ إليه وقد أُضيفَ إلى الدَّينِ، لا إلى المُطالَبةِ؛ لأنَّه إذا قال: «أحَلتُ بالدَّينِ، أو أحَلتُ فُلانًا بدَينِه»، يُوجِبُ انتِقالَ الدَّينِ إلى المُحالِ عليه، إلا أنَّه إذا انتَقَلَ أصلُ الدَّينِ إليه تَنتقِلُ المُطالَبةُ؛ لأنَّها تابِعةٌ (٢).
وقال زُفَرُ ﵀: الحَوالةُ لا تُوجِبُ بَراءةَ المُحيلِ، والحَقُّ في ذِمَّتِه بعدَ الحَوالةِ على ما كان عليه قَبلَها كالكَفالةِ سَواءٌ؛ لأنَّ الحَوالةَ شُرِعتْ وَثيقةً لِلدَّينِ كالكَفالةِ، وليس مِنَ الوَثيقةِ بَراءةُ الأوَّلِ، بل الوَثيقةُ في مُطالَبةِ الثاني مع بَقاءِ الدَّينِ على حالِه في ذِمَّةِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ تَغييرٍ، كما في الكَفالةِ سَواءٌ.
стр. 4600
وفي قَولٍ آخَرَ عندَ الحَنفيَّةِ: الحَوالةُ إذا تَمَّتْ لا تَنقُلُ الدَّينَ وإنَّما تَنقُلُ المُطالَبةَ فحَسْبُ، فأمَّا أصلُ الدَّينِ فباقٍ في ذِمَّةِ المُحيلِ.
قال الكاسانيُّ ﵀: والدِّلالةُ عليه الإجماعُ والمَعقولُ.
أمَّا دِلالةُ الإجماعِ فالمُحيلُ إذا قَضى دَينَ الطالِبِ بعدَ الحَوالةِ قبلَ أنْ يُؤدِّيَ المُحالُ عليه لا يَكونُ مُتطوِّعًا ويُجبَرُ على القَبولِ، ولو لَم يَكُنْ عليه دَينٌ لَكانَ مُتطوِّعًا، فيَنبَغي ألَّا يُجبَرَ على القَبولِ كما إذا تَطوَّعَ أجنَبيٌّ بقَضاءِ دَينِ إنسانٍ على غَيرِه، وكذلك المُحالُ لو أبرَأ المُحالَ عليه عن دَينِ الحَوالةِ لا يَرتَدُّ برَدِّه، ولو وَهَبَه منه يَرتَدُّ برَدِّه، كما إذا أبرَأ الطالِبُ الكَفيلَ أو وَهَبَ منه، ولو انتَقَلَ الدَّينُ إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه ما اختَلَف حُكمُ الإبراءِ والهِبةِ ولا ارتَدَّا جَميعًا بالرَّدِ، كما لو أبرَأ الأصيلَ أو وَهَبَ منه.
وكذلك المُحالُ لو أبرَأ المُحالَ عليه عن دَينِ الحَوالةِ لا يَرجِعُ على المُحيلِ، وإنْ كانتِ الحَوالةُ بأمْرِه كما في الكَفالةِ.
ولو وَهَب الدَّينَ منه فله أنْ يَرجِعَ عليه إذا لَم يَكُنْ لِلمُحيلِ عليه دَينٌ، كما في الكَفالةِ، ولو كان له عليه دَينٌ يَلتَقيانِ قِصاصًا كالكَفالةِ سَواءً، فدَلَّتْ هذه الأحكامُ على التَّسويةِ بينَ الحَوالةِ والكَفالةِ ثم إنَّ الدَّينَ في بابِ الكَفالةِ ثابِتٌ في ذِمَّةِ الأصيلِ، فكذا في الحَوالةِ.
وأمَّا المَعقولُ فهو أنَّ الحَوالةَ شُرِعتْ وَثيقةً لِلدَّينِ بمَنزِلةِ الكَفالةِ، وليس مِنَ الوَثيقةِ إبراءُ الأوَّلِ بل الوَثيقةُ في نَقلِ المُطالَبةِ مع قيامِ أصلِ الدَّينِ في ذِمَّةِ المُحيلِ (١).
стр. 4601
متى يَحِقُّ لِلمُحالِ له الرُّجوعُ على المُحيلِ؟
اختَلَف الفُقهاءُ هل يَحِقُّ لِلمُحالِ له الرُّجوعُ على المُحيلِ إذا أفلَسَ المُحالُ عليه أو ماتَ أو هَلَك المالُ؟ أم لا يَحِقُّ له؟
فعندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ: لا يَحِقُّ له الرُّجوعُ بحالٍ على تَفصيلٍ سيأتي عندَهم.
وعندَ الحَنفيَّةِ: يَجوزُ له الرُّجوعُ في حالاتٍ، وهي على التَّفصيلِ الآتي.
قال الحَنفيَّةُ: إذا تَمَّتِ الحَوالةُ بَرئَ المُحيلُ مِنَ الدَّينِ بالقَبولِ ولَم يَرجِعِ المُحتالُ على المُحيلِ إلا أنْ يَهلِكَ حَقُّه.
والهَلاكُ عندَ أبي حَنيفةَ بأحَدِ أمرَيْنِ لا ثالِثَ لهما:
أحَدُهما: أنْ يَموتَ المُحالُ عليه مُفلِسًا، أي: لَم يَترُكْ عَينًا ولا دَينًا ولا
стр. 4602
كَفيلًا على المُحالِ عليه لِلمُحالِ له، فإنْ ماتَ المُحالُ عليه فقال المُحتالُ: ماتَ مُفلِسًا، وقال المُحيلُ خِلافَ ذلك فالقَولُ قَولُ المُحتالِ مع يَمينِه على العِلمِ؛ لأنَّه يَتمسَّكُ بالأصلِ وهو العُسرةُ.
والآخَرُ: أنْ يَجحَدَ الحَوالةَ ويَحلِفَ ولا بَيِّنةَ لِلمُحالِ لهُ على الْمُحَالِ عليه بقَبولِ الحَوالةِ.
وقد قال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ بهما، وبثالِثٍ: وهو أنْ يُفلِسَ المُحالُ عليه حالَ حياتِه ويَقضيَ القاضي بإفلاسِه بِناءً على أنَّ القاضيَ يَقضي بالإفلاسِ حالَ حياتِه عندَهما وعِندَه لا يَقضي به.
فإذا حَصَل واحِدٌ مِنْ هذه ثَبَت لِلمُحالِ الرُّجوعُ على المُحيلِ؛ لأنَّ الدَّينَ كان ثابِتًا في ذِمَّةِ المُحيلِ قبلَ الحَوالةِ.
والأصلُ: أنَّ الدَّينَ لا يَسقُطُ إلا بالقَضاءِ، قال النَّبيُّ ﷺ : «الدَّينُ مَقضيٌّ»، إلا أنَّه ألحَقَ الإبراءَ بالقَضاءِ في السُّقوطِ، والحَوالةُ لَيستْ بقَضاءٍ ولا إبراءٍ، فبَقيَ الدَّينُ في ذِمَّتِه على ما كان قبلَ الحَوالةِ إلا أنَّه بالحَوالةِ انتَقَلتِ المُطالَبةُ إلى المُحالِ عليه، لكنْ إلى غايةِ الهَلاكِ؛ لأنَّ حياةَ الدَّينِ بالمُطالَبةِ، فإذا هَلَك لَم تَبقَ وَسيلةٌ إلى الإحياءِ، فعادَتْ إلى مَحَلِّها الأصليِّ (١).
стр. 4603
وقال المالِكيَّةُ: إنَّ حَقَّ المُحالِ يَتحوَّلُ على المُحالِ عليه بمُجرَّدِ عَقدِ الحَوالةِ، وإنْ أفلَسَ المُحالُ عليه أو جحَد الدَّينَ الذي عليه بعدَ تَمامِ الحَوالةِ فلا رُجوعَ لِلمُحالِ على المُحيلِ، وتَكونُ المُصيبةُ منه بحُصولِ البَراءةِ بإتْباعِ ذِمَّةِ المُحالِ عليه، وسَواءٌ كان الفَلَسُ سابِقًا على عَقدِ الحَوالةِ أو طارِئًا عليها.
لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فأطلَقَ ولَم يُقيِّدْ، ولأنَّها حَوالةٌ بَرِئتْ ذِمَّةُ المُحيلِ بها لَم يَجُزْ له الرُّجوعُ على المُحيلِ به، أصلُه إذا لَم يَتغيَّرْ حالُه، ولا يَلزَمُ عليه الغَرَرُ؛ لأنَّ الذِّمَّةَ لا تُبرأُ معه، ولأنَّ عَقدَ الحَوالةِ إذا انبَرَمَ فإنَّ بَقاءَه يَمنَعُ رُجوعَ المُحتالِ على المُحيلِ، أصلُه ما ذَكَرناه، وفي الغَرَر لَم يَنبَرِمْ، ولأنَّ الحَوالةَ سَبَبٌ لِسُقوطِ المُطالَبةِ بالدَّينِ وتَبَدُّلِه، فوَجَب أنْ يَسقُطَ به حَقُّ الرُّجوعِ كالقَبضِ والإبراءِ، ولا يَلزَمُ عليه الغَرَرُ؛ لأنَّ المُطالَبةَ لا تَسقُطُ معه، ولأنَّ الحَوالةَ بمَنزِلةِ الإبراءِ والقَبضِ، بدَليلِ سُقوطِ المُطالَبةِ بالدَّينِ معها، وجَوازِ التأخيرِ فيها، فكان المُحالُ عليه عَيبًا حادِثًا بعدَ القَبضِ، فلَم يَرجِعْ به.
ولا يَرجِعُ عليه إلا أنْ يَعلَمَ المُحيلُ بإفلاسِ المُحالِ عليه وَحدَه دونَ المُحالِ، فإنَّ حَقَّ المُحالِ لا يَتحوَّلُ على ذِمَّةِ المُحالِ عليه، ولا تُبرَأُ ذِمَّةُ المُحيلِ بذلك، ولِلمُحالِ أنْ يَرجِعَ على المُحيلِ بدَيْنِه؛ لأنَّ المُحالَ إنَّما أبرأ الغَريمَ على أنْ يُسلِمَ له ذِمَّةً مَليئةً، فإذا غَرَّه مِنْ عَدَمِها فقد دَلَّسَ له بعَيبِها فوَجَب له الرُّجوعُ.
ولأنَّ البَراءةَ كانت بشَرطِ سَلامةِ ذِمَّةِ المُحالِ عليه؛ لأنَّه على ذلك
стр. 4604
دَخَل، فإذا لَم تُوجَدِ السَّلامةُ لَم يُوجَدْ شَرطُ البَراءةِ، فكان الدَّينُ باقيًا في الذِّمَّةِ، ولأنَّ المُحتالَ دَخَل على ذِمَّةٍ سَليمةٍ، فإذا خَرَجتْ مَعيبةً كان له الرُّجوعُ كما لو دَفَع الثَّمَنَ في سِلعةٍ على أنَّها سَليمةٌ فخَرَجتْ مَعيبةً.
ولأنَّ إفلاسَ الغَريمِ عَيبٌ فيما تَعلَّقَ بذِمَّتِه، فإذا دَلَّسَ به المُحيلُ كان له الرُّجوعُ عليه كسائِرِ العُيوبِ، أمَّا إذا لَم يَغُرَّه فليس له الرُّجوعُ.
ويَثبُتُ عِلمُ المُحيلِ بإفلاسِ المُحالِ عليه، إمَّا ببَيِّنةٍ أو بإقرارِه بذلك، وعِلْمُ الجُحودِ كعِلمِ الفَلَسِ.
ولو عَلِمَ المُحالُ بالإفلاسِ كانتِ الحَوالةُ لَازِمةً.
وإذا ادَّعى المُحالُ على المُحيلِ أنَّه كان عالِمًا بإفلاسِ المُحالِ عليه مِنْ غيرِ أنْ يُقيمَ عليه بَيِّنةً ولا أقَرَّ به فإنَّه يَحلِفُ على نَفيِه العِلمَ بذلك إنْ ظُنَّ به العِلمُ، أي بأنْ كان مِثلُه يُتَّهَمُ بهذا، فإنْ حَلَف بَرِئَ، ولَزِمتِ الحَوالةُ، وإنْ نَكَل حَلَف المُحتالُ ورَجَع بدَينِه على المُحيلِ، فإنْ لَم يُظَنَّ به العِلمُ فلا يَمينَ عليه.
وإذا تَنازَعَ المُحيلُ والمُحالُ بعدَ مَوتِ المُحالِ عليه أو فَلَسِه أو غَيبَتِه غَيبةَ انقِطاعٍ فقال المُحالُ: «أحَلتَني على غيرِ أصلِ دَينٍ فأنا أرجِعُ عليكَ بدَيني»، وقال المُحيلُ عليه: «بل أحَلتُكَ على أصلِ دَينٍ لي في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، وقد بَرِئتْ ذِمَّتي لكَ، فلا رُجوعَ لكَ علَيَّ»، فإنَّ القَولَ في ذلك قَولُ المُحيلِ بيَمينٍ، ومَنِ ادَّعى بعدَ قَبولِ الحَوالةِ أنَّها على غيرِ أصلِ دَينٍ لَم يُصدَّقْ، وعليه البَيانُ؛ لأنَّ المُحالَ لمَّا رَضيَ بالحَوالةِ كان ذلك تَصديقًا
стр. 4605
بثُبوتِ الدَّينِ، وثُبوتُه إمَّا بالبَيِّنةِ وإمَّا بإقرارِ المُحالِ، وهو هنا بإقرارِه (١).
وقال الشافِعيَّةُ: إنْ تَعذَّرَ أخْذُ الدَّينِ مِنَ المُحالِ عليه بفَلَسٍ طَرَأ بعدَ الحَوالةِ أو بمَوتِه أو جَحدٍ منه لِلدَّينِ أو لِلحَوالةِ وحَلِفٍ ونَحوِ ذلك لَم يَرجِعِ المُحتالُ على المُحيلِ، كما لو أخَذَ عِوَضًا عن الدَّينِ وتلِف في يَدِه.
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»؛ فإنَّه يَدلُّ بعُمومِه على أنَّه يَتبَعُ أبَدًا، وإنْ ماتَ مُفلِسًا أو جَحَده.
ولأنَّه لمَّا نَدَب المُحتالَ إلى اتِّباعِ المُحالِ عليه بشَرطِ أنْ يَكونَ المُحالُ عليه مَليئًا عُلِمَ أنَّ الحَقَّ يَتحوَّلُ عن المُحيلِ إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه تَحوُّلًا يَمنَعُ المُحتالَ مِنَ الرُّجوعِ إلى المُحيلِ؛ إذْ لو كان له الرُّجوعُ إليه لَم يَكُنْ بفَقدِ هذا الشَّرطِ عليه ضَرَرٌ.
وكذا لا يَرجِعُ المُحالُ على المُحيلِ إنْ كان المُحتالُ عليه مُفلِسًا عندَ الحَوالةِ، وجَهِلَه المُحتالُ؛ لأنَّه مُقصِّرٌ بتَركِ البَحثِ، فأشبَهَ مَنِ اشتَرى شَيئًا هو مَغبونٌ فيه.
وقيلَ: له الرُّجوعُ إنْ شرَط يَسارَه، ليس خِلافَ الشَّرطِ، فأشبَهَ ما لو شرَط العَبدَ كاتِبًا فأخلَفَ.
стр. 4606
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه لو شرَط الرُّجوعَ في شَيءٍ مِنْ ذلك بَطَلتِ الحَوالةُ (١).
وقال الحَنابِلةُ: إذا تَمَّتِ الحَوالةُ أُبرِئتْ ذِمَّةُ المُحيلِ بمُجرَّدِها، سَواءٌ أمكَنَ استِيفاءُ الحَقِّ أو تَعذَّرَ؛ لِمَطلٍ أو فَلَسٍ أو مَوتٍ أو غيرِ ذلك؛ لِأنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ كان له على علِيٍّ ﵁ دَينٌ فأحالَه به، فماتَ المُحالُ عليه، فأخبَرَه، فقال: «اختَرتَ علينا أبعَدَكَ اللهُ»، فأبعَدَه بمُجرَّدِ احتيالِه، ولَم يُخبِرْه أنَّ له الرُّجوعَ، ولأنَّها بَراءةٌ مِنْ دَينٍ ليس فيها قَبضٌ ممَّن عليه، ولا مَنْ يَدفَعُ عنه؛ فلَم يَكُنْ فيها رُجوعٌ، كما لو أبرأه مِنَ الدَّينِ.
وأمَّا إذا ظَنَّ المُحتالُ الدَّينَ على المُحيلِ عليه فجحَد المُحالُ عليه الدَّينَ ولَم يُمكِنْ إثباتُه فلِلمُحتالِ الرُّجوعُ على المُحيلِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءَ دَينِه عليه، ولَم تَتحقَّقْ بَراءَتُه منه.
وعن الإمامِ أحمدَ ما يَدلُّ على أنَّه إذا كان المُحالُ عليه مُفلِسًا ولَم يَعلَمِ المُحتالُ بذلك فله الرُّجوعُ، إلا أنْ يَرضى بعدَ العِلمِ؛ لأنَّ الفَلَسَ عَيبٌ في المُحالِ عليه، فكان له الرُّجوعُ، كما لو اشتَرى سِلعةً فوَجَدَها مَعيبةً، ولأنَّ المُحيلَ غَرَّه فكان له الرُّجوعُ، كما لو دَلَّسَ المَبيعَ.
وإنْ شَرَط المُحالُ مَلاءةَ المُحالِ عليه فبانَ مُعسِرًا رَجَع على المُحيلِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «المُسلِمونَ على شُروطِهم»؛ ولأنَّه شرَط ما فيه مَصلَحةُ العَقدِ في عَقدِ مُعاوَضةٍ، فيَثبُتُ الفَسخُ بفَواتِه، كما لو اشتَرَط صِفةً في
стр. 4607
المَبيعِ وقد يَثبُتُ بالشَّرطِ ما لا يَثبُتُ بإطلاقِ العَقدِ، بدَليلِ اشتِراطِ صِفةٍ في المَبيعِ (١).
إذا لَم يَرضَ المُحتالُ بالحَوالةِ فبانَ المُحالُ عليه مُفلِسًا أو مَيِّتًا:
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لو لَم يَرضَ المُحتالُ بالحَوالةِ ثم بانَ المُحالُ عليه مُفلِسًا أو مَيِّتًا رَجَع على المُحيلِ بلا خِلافٍ، فإنَّه لا يَلزَمُه الاحتيالُ على غيرِ مَليءٍ؛ لِما عليه فيه مِنَ الضَّرَرِ؛ وإنَّما أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بقَبولِ الحَوالةِ إذا أُحيلَ على مَليءٍ (٢).
حُكمُ الحَوالةِ إذا أحالَ البائِعُ أو المُشتَري بالثَّمَنِ فخَرَج المَبيعُ مَعيبًا أو مُستحَقًّا أو باطِلاً:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ البائِعَ أو المُشتَريَ إذا أحالَ أحَدُهما بالثَّمَنِ فخَرَج المَبيعُ مُستحَقًّا أو مَعيبًا أو باطِلًا بَطَلتِ الحَوالة، لأنَّه تَبيَّنَ أنَّ المُحيلَ -وهو المُشتَري- غيرُ مَدينٍ لِلمُحالِ -البائِعِ- ومَديونيَّةُ المُحيلِ لِلمُحالِ شَريطةٌ لِانعِقادِ الحَوالةِ لا تَقومُ بدونِها، وإليكَ نُصوصَ الفُقهاءِ في ذلك:
قال الحَنفيَّةُ: لو استُحِقَّ المَبيعُ أو استُحِقَّ الدَّينُ الذي قُيِّدتْ به الحَوالةُ مِنْ جِهةِ الغُرَماءِ أو ظهَرَ أنَّ العَبدَ المَبيعَ كان حُرًّا بَطَلتِ الحَوالةُ إجماعًا؛
стр. 4608
لأنَّه ظَهَر عَدَمُ الوُجوبِ وَقتَ الحَوالةِ فبَطَلتْ؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّه لا دَينَ أصلًا (١).
وقال المالِكيَّةُ: لو أحالَ بائِعٌ لِسِلعةٍ شَخصًا بدَينٍ له كان على البائِعِ على مُشتَرٍ لِتلك السِّلعةِ بالثَّمَنِ ثم رَدَّ المَبيعُ على بائِعِه المُحيلِ بعَيبٍ أو فَسادٍ أو استُحِقَّ المَبيعُ مِنْ يَدِ مُشتَريه قبلَ أنْ يَقبِضَ المُحالُ الثَّمَنَ مِنَ المُشتَري لَم تَنفَسِخِ الحَوالةُ عندَ ابنِ القاسِمِ، وهو مَرويٌّ عن مالِكٍ -خِلافًا لِلمُعتمَدِ- في المَذهبِ كما سَيأتي؛ لأنَّها مَعروفٌ، ولأنَّ الدَّينَ لَازِمٌ لِلمُشتَري حين الحَوالةِ فيَلزَمُ المُشتَري دَفعُه لِلمُحالِ، ويَرجِعُ به على البائِعِ وهذا مَبنيٌّ على أنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ ابتِداءُ بَيعٍ.
وأمَّا الإقالةُ فهي بَيعٌ، فيَنبَغي فيها عَدَمُ الفَسخِ بلا خِلافٍ.
ولو وَهَب البائِعُ في هذه المَسألةِ الثَّمَنَ أو تَصدَّقَ به على شَخصٍ، ثم أحالَه على المُشتَري، ثم رُدَّتِ السِّلعةُ بعَيبٍ أو استُحِقَّتْ أو رُدَّتْ لِفَسادٍ فالمَعروفُ مِنْ قَولِ ابنِ القاسِمِ أنَّ الهِبةَ تَبطُلُ إذا لَم يَقبِضْها المَوهوبُ له، فإنْ قبَضها لَم يَتبَعْ بها المُوهوبَ له ولا الواهِبَ، ويَضيعُ ذلك على المُشتَري.
стр. 4609
وعَكسُ هذا ما إذا أحالَ المُشتَريَ بالثَّمَنِ الذي عليه البائِعُ على غَريمٍ له ثم حَصَلَ استِحقاقٌ أو رَدٌّ بعَيبٍ كذلك؛ لأنَّ الدَّينَ لَازِمٌ لِلبائِعِ والمُشتَري حالَ الحَوالةِ، فلا فَرقَ بَينَهما، هكذا ذَكَر الخَرَشيُّ (١)، لكنْ قال الدُّسوقيُّ: لو أحالَ مُشتَرٍ بالثَّمَنِ الذي عليه البائِعُ على غَريمٍ له ثم حَصَل رَدٌّ بعَيبٍ أو بفَسادٍ أو حَصَلَ استِحقاقٌ قبلَ قَبضِ المُحالِ لِلثَّمَنِ فيَنبَغي الجَزمُ ببُطلانِ الحَوالةِ لِبُطلانِ حَقِّ المُحالِ بالاستِحقاقِ، وما مَعَه وما في (خَشٍّ) مِنَ الجَزمِ بعَدَمِ البُطلانِ وصِحَّةِ الحَوالةِ فهو غيرُ ظاهِرٍ (٢).
وقال أشهَبُ وابنُ المَوَّازِ وأكثَرُ المتأخِّرينَ، وبه قال أصحابُ مالِكٍ كلُّهم غيرَ ابنِ القاسِمِ: تَنفَسِخُ الحَوالةُ في هذه المَسألةِ، وهو الأصَحُّ المُعتمَدُ عندَ المالِكيَّةِ.
ومَحَّلُ الخِلافِ الواقِعِ بينَ ابنِ القاسِمِ وأشهَبَ في أنَّ الحَوالةَ المَذكورةَ تُفسَخُ أو لا تُفسَخُ حيث كان البائِعُ يَظُنُّ مِلكَه لِما باعَ في الاستِحقاقِ؛ وإلا فُسِختِ اتِّفاقًا.
ومَحَلُّه أيضًا في الرَّدِّ بالفَسادِ إذا لَم يَعلَمْ به المُشتَري؛ وإلا لَم تَبطُلِ اتِّفاقًا.
وهل يَدفَعُ المُحالُ عليه لِلمُحالِ الثَّمَنَ الذي اشتَرى به شِراءً فاسِدًا أو يَدفَعُ له القيمةَ؟ قَولانِ: الأوَّلُ لابنِ القاسِمِ، والآخَرُ لأشهَبَ (٣).
стр. 4610
وقال الشافِعيَّةُ: لو أحالَ المُشتَري البائِعَ بالثَّمَنِ فرَدَّ المَبيعَ بعَيبٍ أو نَحوِه، كتَحالُفٍ أو إقالةٍ، بَطَلتِ الحَوالةُ في الأظهَرِ؛ لارتِفاعِ الثَّمَنِ بانفِساخِ البَيعِ؛ لأنَّه إذا انفَسَخَ العَقدُ خَرَج المُحالُ به عن كَونِه ثَمَنًا، فبَطَلتِ الحَوالةُ.
وعلى هذا يَعودُ الثَّمَنُ مِلكًا لِلمُشتَري ويَرُدُّه البائِعُ إليه إنْ كان قد قبَضه وهو باقٍ، أو بَدَلَه إنْ تلِف، ولا يَرُدُّه إلى المُحالِ عليه، فإنْ رَدَّه إليه لَم تَسقُطْ عنه مُطالَبةُ المُشتَري؛ لأنَّ الحَقَّ له وقد قبَضه البائِعُ بإذْنِه، فإذا لَم يَقَعْ عن البائِعِ يَقَعُ عنه ويَتعيَّنُ حَقُّه فيما قبَضه البائِعُ حتى لا يَجوزَ إبدالُه إنْ بَقيَتْ عَينُه، وإبراءُ البائِعِ المُحالَ عليه عن الدَّينِ قبلَ الفَسخِ كقَبضِه له فيما ذُكِرَ؛ فلِلمُشتَري مُطالَبَتُه بمِثلِ المُحالِ به.
وفي مُقابِلِ الآخَرِ: لا تَبطُلُ الحَوالةُ كما لو استَبدَلَ عن الثَّمَنِ ثَوبًا ثم رَدَّ المَبيعَ بعَيبٍ فإنَّ الاستِبدالَ لا يَبطُلُ برَدِّ المَبيعِ ويَرجِعُ بمِثلِ الثَّمَنِ، وسَواءٌ في الخِلافِ أكانَ الفَسخُ بعدَ قَبضِ المَبيعِ ومالِ الحَوالةِ أم قَبلَه.
ولو أحالَ البائِعُ شَخصًا بالثَّمَنِ على المُشتَري فوَجَد الرَّدَّ لِلمَبيعِ بعَيبٍ أو نَحوِه -كما مَرَّ- لَم تَبطُلِ الحَوالةُ على المَذهبِ، سَواءٌ أقبَضَ المُحتالُ المالَ أم لا.
والطَّريقُ الآخَرُ طَردُ القَولَيْنِ في المَسألةِ قَبلَها.
وفَرقُ الأوَّلِ بتَعلُّقِ الحَقِّ هناك بثالِثٍ، وهو الذي انتَقَلَ إليه الثَّمَنُ فلَم يَبطُلْ حَقُّه بفَسخِ المُتعاقِدَيْنِ، كما لو تَصرَّفَ البائِعُ في الثَّمَنِ ثم رَدَّ المُشتَري ما اشتَراه بعَيبٍ فإنَّ تَصرُّفَه لا يَبطُلُ ويُؤخَذُ مِنْ هذا الفَرقِ أنَّ البائِعَ في
стр. 4611
المَسألةِ الأُولى لو أحالَ على مَنْ أُحيلَ عليه لَم تَبطُلْ؛ لِتَعلُّقِ الحَقِّ بثالِثٍ، وهو الظاهِرُ، وعلى المَذهبِ لَم يُطالِبِ المُشتَري المُحالَ عليه بحالٍ، بل يَرجِعُ على البائِعِ فيُطالِبُه إنْ كان قبَض مالَ الحَوالةِ، ولا يَتعيَّنُ حَقُّه فيما أخَذَ؛ بل له إبدالُه، وإنْ لَم يَقبِضْه فلَه قَبضُه.
وهل لِلمُشتَري الرُّجوعُ عليه قبلَ قَبضِه؛ لِكَونِ الحَوالةِ كالمَقبوضِ أو لا؛ لِعَدَمِ حَقيقةِ القَبضِ؟ وَجهانِ، أصَحُّهما: لا يَرجِعُ، فعلى هذا له مُطالَبَتُه بتَحصيلِ القَبضِ منه لِيَرجِعَ على البائِعِ.
ولو أحالَها زَوجُها بصَداقِها ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ أو انفَسَخَ النِّكاحُ قَبلَه برِدَّتِها أو بعَيبٍ أو بخُلفِ شَرطٍ لَم تَبطُلِ الحَوالةُ في الأصَحِّ، ويَرجِعُ الزَّوجُ عليها بكُلِّ الصَّداقِ إنِ انفَسَخَ النِّكاحُ، وبنِصفِه إنْ طَلَّقَ، لأنَّ الصَّداقَ أثبَتُ مِنْ غَيرِه؛ ولِهذا لو زادَ زيادةً مُتَّصِلةً لَم يَرجِعْ فيها إلا برِضاها، بخِلافِ البَيعِ ونَحوِه.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: تَبطُلُ الحَوالةُ، وليس لها مُطالَبةُ المُحالِ عليه، وتُطالِبُ الزَّوجَ بالنِّصفِ في الطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: إذا أحال المُشتَري البائِعَ بالثَّمَنِ على مَنْ له عليه دَينٌ، أو أحالَ البائِعَ عليه به، فبانَ البَيعُ باطِلًا، بأنْ كان المَبيعُ مُستَحقًّا أو حُرًّا أو خَمرًا، فالحَوالةُ باطِلةٌ بلا نِزاعٍ؛ لأنَّا تَبيَّنَّا أنَّه لا ثَمَنَ على المُشتَري؛ لِبُطلانِ
стр. 4612
البَيعِ، والحَوالةُ فَرعٌ على لُزومِ الثَّمَنِ، ويَبقى الحَقُّ على ما كان عليه أوَّلًا، فيَرجِعُ المُشتَري على مَنْ كان دَينُه عليه في الأُولى، وعلى المُحالِ عليه في الأُخرى لا على البائِعِ؛ لِبَقاءِ الحَقِّ على ما كان بإلغاءِ الحَوالةِ، ويُعتبَرُ ثُبوتُ ذلك ببَيِّنةٍ أو اتِّفاقِهم.
وإنْ فُسِخَ البَيعُ بعَيبٍ أو إقالةٍ أو خيارٍ، أو انفَسَخ النِّكاحُ بعدَ الحَوالةِ بينَ الزَّوجَيْنِ، ونَحوِها، كإجارةٍ فُسِختْ وقد أحيلَ مُؤجِّرٌ، أو أحالَ بأُجرةٍ، فلا يَخلو أنْ يَكونَ بعدَ قَبضِ المُحتالِ مالَ الحَوالةِ، أو قَبلَه، فإنْ كان بعدَ القَبضِ لَم تَبطُلِ الحَوالةُ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ عَقدَ البَيعِ لَم يَرتَفِعْ، فلَم يَسقُطِ الثَّمَنُ، فلَم تَبطُلِ الحَوالةُ، فعلى هذا لِلمُشتَري الرُّجوعُ على البائِعِ في مَسألتَيْ حَوالَتِه والحَوالةِ عليه، لا على مَنْ كان عليه الدَّينُ في المَسألةِ الأُولى، ولا على مَنْ أُحيلَ عليه في الأُخرى؛ لأنَّه لمَّا رَدَّ المُعوَّضَ استَحَقَّ الرُّجوعَ بالعِوَضِ، وقد تَعذَّرَ الرُّجوعُ في عَينِه؛ لِلُزومِ الحَوالةِ، فوَجَب في بَدَلِه.
وإنْ كان قبلَ القَبضِ لَم تَبطُلِ الحَوالةُ أيضًا على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، سَواءٌ أُحيلَ على المُشتَري بثَمَنِ المَبيعِ أو أحالَ به، كما لو أعطى البائِعَ بالثَّمَنِ عَرضًا، والحُكمُ على هذا كالحُكمِ فيما إذا كان بعدَ القَبضِ على ما تَقدَّم.
ولِلبائِعِ أنْ يُحيلَ المُشتَريَ بالثَّمَنِ الذي عادَ إليه بالفَسخِ على مَنْ أحالَه المُشتَري عليه في الصُّورةِ الأُولى، لِثُبوتِ دَينِه على مَنْ أحالَه المُشتَري عليه، أشبَهَ سائِرَ الدُّيونِ المُستقِرَّةِ، ولِلمُشتَري أنْ يُحيلَ المُحتالَ عليه على البائِعِ في الصُّورةِ الأُخرى لِما تَقدَّم.
стр. 4613
ويُحتمَلُ أنْ يَبطُلَ وهو وَجهٌ، كما لو بانَ البَيعُ باطِلًا ببَيِّنةٍ أو بِاتِّفاقِهما.
وقال القاضي ﵀: تَبطُلُ الحَوالةُ به دونَ الحَوالةِ عليه؛ لِتَعلُّقِ الحَقِّ بثالِثٍ، ولو بانَ المَبيعُ مُستَحقًّا بانَ أنَّه لا حَوالةَ (١).
رُجوعُ المُحالِ عليه على المُحيلِ:
الكَلامُ في الرُّجوعِ في مَوضِعَيْنِ في بَيانِ شَرائِطِ الرُّجوعِ وفي بَيانِ ما يُرجَعُ به.
أمَّا شَرائِطُه فأنواعٌ، منها:
١ - أنْ تَكونَ الحَوالةُ بأمرِ المُحيلِ، فإنْ كانَتْ بغَيرِ أمرِه لا يَرجِعُ، بأنْ قال رَجُلٌ لِلطالِبِ: «لكَ على فُلانٍ كذا وكذا مِنَ الدَّينِ فاحتَلْ بها علَيَّ»، فرَضيَ بذلك الطالِبُ جازَتِ الحَوالةُ، إلا أنَّه إذا أدى لا يَرجِعُ على المُحيلِ؛ لأنَّ الحَوالةَ إذا كانَتْ بأمرِ المُحيلِ صارَ المُحالُ مُملَّكًا الدَّينَ مِنَ المُحالِ عليه بما أدَّى إليه مِنَ المالِ، فكان له أنْ يَرجِعَ بذلك على المُحيلِ، وإنْ كانت بغَيرِ أمرِه لا يُوجَدُ مَعنى التَّمليكِ، فلا تَثبُتُ وِلايةُ الرُّجوعِ.٢ - أداءُ مالِ الحَوالةِ أو ما هو في مَعنى الأداءِ، كالهِبةِ والصَّدَقةِ إذا قبلَ المُحالُ عليه، وكذا إذا وَرِثَه المُحالُ عليه؛ لأنَّ الإرثَ مِنْ أسبابِ المِلكِ فإذا وَرِثَه فقد مَلَكَه، فكان له حَقُّ الرُّجوعِ.
стр. 4614
ولو أبرأ المُحالُ المُحالَ عليه مِنَ الدَّينِ لا يَرجِعُ على المُحيلِ؛ لأنَّ الإبراءَ إسقاطُ حَقِّه، فلا يُعتبَرُ فيه جانِبُ التَّمليكِ إلا عندَ اشتِغالِه بالرَّدِّ، فإذا لَم يُوجَدْ بَقيَ إسقاطًا مَحضًا، فلَم يَملِكِ المُحالُ عليه شَيئًا فلا يَرجِعُ.
٣ - ألَّا يَكونَ لِلمُحيلِ على المُحالِ عليه دَينٌ مِثلُه، فإنْ كان لا يَرجِعُ -لأنَّ الدَّينَيْنِ التَقَيا قِصاصًا؛ لأنَّه لو رَجَع على المُحيلِ لَرَجَع المُحيلُ عليه أيضًا- لا يُفيدُ، فيَتقاصَّا الدَّينَيْنِ، فبطَل حَقُّ الرُّجوعِ.
وأمَّا عن بَيانِ ما يَرجِعُ به المُحالُ عليه على المُحيلِ فنَقولُ: إنَّ المُحالَ عليه يَرجِعُ بالمُحالِ به، لا بالمُؤدَّى، حتى لو كان الدَّينُ المُحالُ به دَراهِمَ فنَقَدَ المُحالُ عليه دَنانيرَ عن الدَّراهِمِ أو كان الدَّينُ دَنانيرَ فنَقَده دَراهِمَ عن الدَّنانيرِ فتَصارَفا جازَ، ويُراعى فيه شَرائِطُ الصَّرفِ حتى لو افتَرَقا قبلَ القَبضِ أو شَرَطا فيه الأجَلَ والخيارَ يَبطُلُ الصَّرفُ ويَعودُ الدَّينُ إلى حالِه.
وإذا صَحَّتِ المُصارَفةُ فالمُحالُ عليه يَرجِعُ على المُحيلِ بمالِ الحَوالةِ لا بالمُؤدَّى؛ لأنَّ الرُّجوعَ بحُكمِ المِلكِ، وأنَّه يَملِكُ دَينَ الحَوالةِ لا المُؤدَّى، بخِلافِ المَأْمورِ بقَضاءِ الدَّينِ، وكذا إذا باعَه بالدَّراهِمِ أو الدَّنانيرِ عَرضًا يَرجِعُ بمالِ الحَوالةِ لِما ذَكَرنا.
وكذا إذا أعطاه زُيوفًا مَكانَ الجيادِ وتَجوَّزَ بها المُحالُ رَجَع على المُحيلِ بالجيادِ؛ لِما قُلنا.
ولو صالَحَ المُحالُ المُحالَ عليه فإنْ صالَحَه على جِنسِ حَقِّه وأبرأه
стр. 4615
عن البَقيَّةِ يَرجِعُ على المُحيلِ بالقَدْرِ المُؤدَّى؛ لأنَّه مَلَكَ ذلك القَدْرَ مِنَ الدَّينِ فيَرجِعُ به.
وإنْ صالَحَ على خِلافِ جِنسِ حَقِّه بأنْ صالَحَه مِنَ الدَّراهِمِ على دَنانيرَ أو على مالٍ آخَرَ يَرجِعُ على المُحيلِ بكلِّ الدَّينِ؛ لأنَّ الصُّلحَ على خِلافِ جِنسِ الحَقِّ مُعاوَضةً، والمُؤدَّى يَصلُحُ عِوَضًا على كلِّ الدَّينِ (١).
اختِلافُ المُحيلِ والمُحالِ في الحَوالةِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في المُحتالِ إذا قبَض الدَّينَ مِنَ المُحالِ عليه، ثم اختَلَف المُحيلُ مع المُحتالِ، فقال: «لَم يَكُنْ لكَ علَيَّ شَيءٌ، وإنَّما أنتَ وَكيلي في القَبضِ، والمَقبوضُ لي».
وقال المُحالُ: «لا، بل أحَلتَني بألْفٍ كانتْ لي عليكَ»، هل القَولُ قَولُ المُحيلِ؟ أم قَولُ المُحالِ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّ القَولَ قَولُ المُحيلِ مع يَمينِه؛ لأنَّ المُحالَ يَدَّعي عليه دَينًا، وهو يُنكِرُ، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ عندَ عَدَمِ البَيِّنةِ مع يَمينِه، ولا يَكونُ الإقرارُ مِنَ المُحيلِ بالحَوالةِ وإقدامِه عليها إقرارًا منه بأنَّ عليه دَينًا لِلمُحتالِ؛ لأنَّ لَفظَ الحَوالةِ مُستَعمَلٌ في الوَكالةِ، فيَكونُ القَولُ قَولَه مع يَمينِه، فإذا حَلَف أخَذَ الألْفَ المَقبوضةَ ولا يُصدَّقُ المُحتالُ على ما ادَّعى مِنَ الدَّينِ إلا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّه قد يُحيلُه لِيَستَوفيَ له المالَ.
وذهَب المالِكيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّ القَولَ قَولُ المُحالِ بيَمينِه؛ تَغليبًا
стр. 4616
لِجانِبِ الحَوالةِ بشَرطِ أنْ يَكونَ القابِضُ ممَّن يُشبِهُ أنْ يَكونَ مِثلُه يُدايِنُ المُحيلَ، وإلا كان القَولُ قَولَ المُحيلِ ويَحلِفُ ما أدخَلَه إلا وَكيلًا.
وكذلك إذا قال له المُحيلُ: «إنَّما أحَلتُكَ لِتَقبِضَه لي على سَبيلِ أنَّه سَلَفٌ مِني لكَ»، وقال المُحالُ: «إنَّما قَبَضتُه مِنَ الدَّينِ الذي لي عليكَ، فإنَّ القَولَ في ذلك قَولُ المُحالِ بيَمينِه (١).
أمَّا الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ ففَصَّلوا في المَسألةِ:
فقال الشافِعيَّةُ: لو قال المُستحَقُّ عليه -وهو المُحيلُ- لِلمُستحِقِّ-وهو المُحتالُ-: «وَكَّلتُكَ لِتَقبِضَ لي دَيني مِنْ فُلانٍ»، وقال المُستَحِقُّ: «أحَلتَني به».
أو قال الأوَّلُ: «أرَدتُ بقَولي: أحَلتُكَ به الوَكالةَ»، وقال المُستحِقُّ: «بل أرَدتَ بذلك الحَوالةَ»، صُدِّقَ المُستحَقُّ عليه بيَمينِه، لأنَّه أعرَفُ بإرادَتِه وقَصدِه؛ ولأنَّه المُصدَّقُ في أصلِ الإذْنِ، فكذا في صِفتِه، والأصلُ بَقاءُ الحَقَّيْنِ.
وفي الصُّورةِ الثانيةِ وَجهٌ بتَصديقِ المُستَحِقِّ بيَمينِه لأنَّ الظاهِرَ مَنعُه.
ومَحَلُّ الخِلافِ إذا قال: «أحَلتُكَ بمِئةٍ على زَيدٍ»، ونَحوَ ذلك، أمَّا إذا قال: أحَلتُكَ بالمِئةِ التي لكَ علَيَّ بالمِئةِ التي لي على زَيدٍ فالقَولُ قَولُ المُستَحِقِّ قَطعًا -أي: المُحتالِ-؛ لأنَّ ذلك لا يَحتمِلُ غيرَ الحَوالةِ.
стр. 4617
وهذا إذا اتَّفقَ المُستحِقُّ والمُستحَقُّ عليه على الدَّينِ، فلو أنكَرَ مُدَّعي الوَكالةِ الدَّينَ في الحالةِ الأُولى صُدِّقَ بيَمينِه قَطعًا، وكذا في الأُخرى عندَ الجُمهورِ.
فإذا حَلَف المُستحَقُّ عليه -وهو: المُحيلُ- في الصُّورتَيْنِ الأولَيَيْنِ اندَفَعتِ الحَوالةُ، وبإنكارِ الآخَرِ الوَكالةَ انعَزَلَ فليس له قَبضٌ، فإنْ كان قد قبَض المالَ قبلَ الحَلِفِ بَرِئَ الدَّافِعُ له؛ لأنَّه مُحتالٌ، أو وَكيلٌ، ووَجَبَ تَسليمُه لِلحالِفِ إنْ كان باقيًا، وبَدَلِه إنْ كان تالِفًا، وحَقُّه عليه باقٍ، فإنْ خَشيَ امتِناعَ الحالِفِ مِنْ تَسليمِ حَقِّه له كان له في الباطِنِ أخْذُ المالِ وجَحْدَ الحالِفِ؛ لأنَّه ظَفِرَ بجِنسِ حَقِّه مِنْ مالِ الحالِفِ وهو ظالِمُه.
ولو تلِف المَقبوضُ مع القابِضِ بلا تَفريطٍ منه لَم يُطالِبْه الحالِفُ لِزَعمِه الوَكالةَ، والوَكيلُ أمينٌ، ولَم يُطالِبْ هو الحالِفَ لِزَعمِه الاستِيفاءَ، أو تلِف معه بتَفريطِ طالِبِه؛ لأنَّه صارَ ضامِنًا وبَطَل حَقُّه لِزَعمِه استِيفاءَه.
وإنْ قال المُستحَقُّ عليه -المُحيلُ-: «أحَلتُكَ»، فقال المُستحِقُّ -المُحتالُ-: «وَكَّلتَني»، أو قال: «أرَدتَ بقَولِكَ: أحَلتُكَ الوَكالةَ»، صُدِّقَ الآخَرُ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ حَقِّه.
وإذا حَلَف المُستحِقُّ في الصُّورتَيْنِ اندَفَعتِ الحَوالةُ، ويأخُذُ حَقَّه مِنَ الآخَرِ ويَرجِعُ به الآخَرُ على المُحالِ عليه في أحَدِ وَجهَيْنِ، وهو المُعتمَدُ.
فإنْ كان قد قَبَضه فله تَملُّكُه لِحَقِّه؛ لأنَّه مِنْ جِنسِ حَقِّه، وإنْ تلِف بلا تَفريطٍ لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه وَكيلٌ، وهو أمينٌ، أو بتَفريطٍ ضمِن وتَقاصَّا.
стр. 4618
ولو أقامَ بَيِّنةً أنَّ غَريمَه الدائِنَ أحالَ عليه فُلانًا الغائِبَ سُمِعتْ وسَقَطتْ مُطالَبَتُه له، فإنْ لَم يُقِمْ بَيِّنةً صُدِّقَ غَريمُه بيَمينِه، ولا يُقضَى بالبَيِّنةِ لِلغائِبِ بأنْ تَثبُتَ بها الحَوالةُ في حَقِّه حتى لا يُحتاجَ إلى إقامةِ بَيِّنةٍ إنْ قَدَّمَ في أحَدِ الوَجهَيْنِ؛ إذ لا يُقضى بالبَيِّنةِ لِلغائِبِ.
والوَجهُ الآخَرُ: يُقضى بها؛ لأنَّه إذا قَدَّمَ يَدَّعي على المُحالِ عليه، لا المُحيلُ، وهو مُقِرٌّ له، فلا حاجةَ إلى إقامةِ البَيِّنةِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: إذا اختَلَف المُحيلُ والمُحتالُ، بأنْ قال المُحيلُ: «أحَلتُكَ بلَفظِ الحَوالةِ»، فقال المُحتالُ: «بل وَكَّلتَني في القَبضِ بلَفظِ الوَكالةِ»، فإنْ كان لِأحَدِهما بَيِّنةٌ عُمِلَ بها؛ لأنَّ الاختِلافَ هنا في اللَّفظِ، وإنْ لَم يَكُنْ لِأحَدِهما بَيِّنةٌ فقَولُ مُدَّعِي الوَكالةِ بيَمينِه، وله القَبضُ؛ لأنَّه إمَّا وَكيلٌ وإمَّا مُحتالٌ، فإنْ قبَض منه بقَدْرِ دَينِه فأقَلَّ فله أخْذُه لِنَفْسِه؛ لأنَّ رَبَّ الحَقِّ يَعترِفُ له به، وهو يَقولُ: إنَّه أمانةٌ في يَدِه، وله مِثلُه عليه، فإذا أخَذَه لِنَفْسِه حَصَلَ غَرَضُه له، وإنِ استَوفَى مُدَّعِي الوَكالةِ دَينَه مِنْ مُدَّعِي الحَوالةِ رَجَع هو على المُحالِ عليه.
وإنْ كان مُدَّعِي الوَكالةِ قد قبَض وأتلَفَ أو تلِف في يَدِه بتَفريطِه سَقَطَ حَقُّه، وإنْ تلِف في يَدِه بلا تَفريطٍ فالتالِفُ على خَصمِه، وله طَلَبُه بحَقِّه ولا رُجوعَ لِخَصمِه على المُحالِ عليه؛ لِاعتِرافِه ببَراءَتِه.
стр. 4619
وإنْ قال المُحيلُ: «وَكَّلتُكَ في القَبضِ»، وقال المُحالُ: «بل أحَلتَني»، فالقَولُ قَولُ مُدَّعِي الوَكالةِ؛ لأنَّه يَدَّعي بَقاءَ الحَقِّ على ما كان، ويُنكِرُ انتِقالَه والأصلُ معه.
وكذا إنِ اتَّفقَ رَبُّ الدَّينِ والمَدينِ على أنَّه -أي: المَدينَ- قال لِرَبِّ الدَّينِ: «أحَلتُكَ على زَيدٍ، أو أحَلتُكَ بدَيْنِي على زَيدٍ»، وادَّعى أحَدُهما أنَّه أُريدَ بها الوَكالةُ وادَّعَى الآخَرُ إرادةَ الحَوالةِ فالقَولُ قَولُ مُدَّعِي الوَكالةِ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الدَّينِ على كلٍّ مِنَ المُحيلِ والمُحالِ عليه، ومُدَّعِي الحَوالةِ يَدَّعي نَقلَه، ومُدَّعِي الوَكالةِ يُنكِرُه؛ ولا مَوضِعَ لِلبَيِّنةِ هنا؛ لأنَّ الاختِلافَ في النِّيَّةِ؛ لأنَّهما لَم يَختَلِفا في لَفظٍ يُسمَعُ ولا فِعلٍ يُرى، وإنَّما يَدَّعي أحَدُهما بنِيَّتِه، وهذا لا تَشهَدُ به البَيِّنةُ نَفيًا ولا إثباتًا.
وإنْ قال المَدينُ لِرَبِّ الحَقِّ: «أحَلتُكَ بدَينِكَ»، واتَّفَقا على صُدورِ ذلك اللَّفظِ بَينَهما، وادَّعى أحَدُهما أنَّه أرادَ بها الحَوالةَ، وادَّعى الآخَرُ إرادةَ الوَكالةِ، فقَولُ مُدَّعي الحَوالةِ؛ لأنَّ الحَوالةَ بدَينِه لا تَحتمِلُ الوَكالةَ، فلَم يُقبَلْ قَولُ مُدَّعيها.
ومَن له دَينٌ على آخَرَ فطالَبَه به فقال: «أحَلتُكَ به على فُلانٍ الغائِبِ»، وأنكَرَ رَبُّ الحَقِّ فقَولُه مع يَمينِه ويُعمَلُ بالبَيِّنةِ (١).
стр. 4620
كتاب القرض
стр. 4621
كتاب القرض
تَعريفُ القَرضِ:
القَرضُ في اللُّغةِ: مَصدَرُ قَرَضَ الشَّيءَ يَقرِضُه، بكَسرِ الراءِ، إذا قَطَعَه، والقَرضُ اسمُ مَصدَرٍ بمَعنى الإقراضِ، وقال الجَوهَريُّ: القَرضُ ما تُعطيه مِنَ المالِ لِتُقضاه.
ويُقالُ: إنَّ فُلانًا وفُلانًا يَتقارَضانِ الثَّناءَ، إذا أثْنى كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه، وكأنَّ مَعنى هذا أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أقرَضَ صاحِبَه ثَناءً، كقَرضِ المالِ.
وقال الواحِديُّ ﵀: القَرضُ اسمٌ لِكلِّ ما يُلتَمَسُ منه الجَزاءُ، يُقالُ: أقرَضَ فُلانٌ فُلانًا، إذا أعطاه ما يَتجازاه منه، والاسمُ منه القَرضُ، وهو ما أعطيتَه لِتُكافَأَ عليه، هذا إجماعٌ مِنْ أهلِ اللُّغةِ (١).
стр. 4622
وفي الاصطِلاحِ عرَّفه الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ، فعرَّفه الحَنفيَّةُ بأنَّه: ما تُعطيه مِنْ مِثليٍّ لِتَتَقاضى مِثلَه، فلا يَصحُّ في القيميَّاتِ وكلِّ مُتفاوِتٍ، والدَّينُ أعَمُّ منه، فيُشترَطُ في القَرضِ أنْ يَكونَ مِثليًّا: وحَدُّ المِثليِّ هو: الذي لا تَتفاوَتُ آحادُه تَفاوُتًا تَختلِفُ به القيمةُ، وذلك كالمَكيلاتِ والمَوزوناتِ والمَعدوداتِ المُتقارِبةِ؛ كالبَيضِ والجَوزِ؛ فإنَّ نحوَ الجَوزِ تَتفاوَتُ أحادُه تَفاوتًا يَسيرًا.
أمَّا ما ليس مِثليًّا: كالحَيَوانِ والحَطَبِ والعَقارِ ونَحوِها مما يُقدَّرُ بالقيمةِ فإنَّه لا يَصحُّ قَرضُه، ومِثلُه المَعدوداتُ المُتفاوِتةُ تَفاوُتًا تَختلِفُ به القيمةُ، كالبِطِّيخِ والرُّمَّانِ ونَحوِهما مما تَقدَّم في السَّلَمِ؛ فإنَّه لا يَصحُّ قَرضُه، فإذا اقتَرَضَ شَيئًا مِنْ ذلك وَقَع القَرضُ فاسِدًا، ولكنَّه يُملَكُ بالقَبضِ، فمَثَلًا: إذا اقتَرَض بَيتًا أو جَمَلًا ثم قبَضه فإنَّه يَملِكُه، ولكنْ لا يَحِلُّ له أنْ يَنتفِعَ به على أيِّ وَجهٍ، فإذا باعَه فإنَّ بَيعَه يَقَعُ صَحيحًا؛ نَظَرًا لِلمِلكِ، ولكنَّه يأثَمُ بذلك؛ لأنَّ الفاسِدَ يَجبُ فَسخُه، ولأنَّ البَيعَ مانِعٌ مِنَ الفَسخِ، فقد فَعَلَ ما يُنافي الواجِبَ فيأثَمُ بذلك (١).
وأمَّا مِنَ المالِكيَّةُ فقد عرَّفه ابنُ عَرَفةَ بقَولِه: دَفْعُ مُتموَّلٍ في عِوَضٍ -غَيرِ مُخالِفٍ له، ليس عاجِلًا، تَفضُّلًا فَقَطْ، لا يُوجِبُ إمكانَ عاريةٍ لا تَحِلُّ- مُتعلِّقٍ بذِمَّةٍ.
فأخرَجَ بقَولِه: «مُتمَوَّلٍ» دَفْعَ غيرِ المُتموَّلِ إذا دَفَعه كقِطعةِ نارٍ، فليس بقَرضٍ ولا يُقرَضُ مِثلُ هذا.
стр. 4623
وقَولُه: «في عِوَضٍ» أخرَجَ به دَفعَه هِبةً، وقوله: «غَيرِ مُخالِفٍ له» أخرَجَ السَّلَمَ والصَّرفَ، وقولُه: «ليس عاجِلًا» عَطفٌ على مَحذوفٍ، أي: حالةَ كَونِ ذلك العِوَضِ مُؤجَّلًا لا مُعجَّلًا، وأخرَجَ بهذا المُبادَلةَ المِثليَّةَ، كدَفعِ دِينارٍ أو إردَبٍّ في مِثلِه حالًّا، وقَولُه: «تَفضُّلًا» أي: حالةَ كَونِ ذلك الدَّفعِ تَفضُّلًا أو لِأجْلِ التَّفضُّلِ، ولا يَكونُ الدَّفعُ تَفضُّلًا إلا إذا كانَ النَّفعُ لِلمُقتَرِضِ وَحدَه، بأنْ يَقصِدَ المُسلِفُ نَفْعَ المُسَتلِفِ فَقَطْ، لا نَفْعَه ولا نَفْعَهما ولا نَفْعَ أجنبيٍّ، بأنْ يَقصِدَ بالدَّفعِ لِزَيدٍ نَفْعَ عَمرٍو، ولِكَونِ عَمرٍو يَعودُ عليه مَنفَعةٌ مِنْ ذلك القَرضِ، كأنْ يَكونَ لِعَمرٍو دَينٌ على زَيدٍ، فيُقرِضَ زَيدًا لِأجْلِ أنْ يَدفَعَ لِعَمرٍو دَينَه؛ لأنَّ ذلك سَلَفٌ فاسِدٌ.
وقَولُه: «لا يُوجِبُ إمكانَ عاريةٍ» أي: لا يَقتَضي ذلك الدَّفعُ جَوازَ عاريةٍ لا تَحِلُّ؛ احتِرازًا مِنْ قَرضٍ يُوجِبُ إمكانَ العاريةِ التي لا تَحِلُّ، فلا يَجوزُ قَرضُ جاريةٍ تَحِلُّ لِلمُستَقرِضِ؛ لِما في ذلك مِنْ عاريةِ الفُروجِ، وقَولُه: «مُتعلِّقٍ بالذِّمَّةِ» تابِعٌ لِعِوَضٍ (١).
وفي «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: القَرضُ -وهو المُسمَّى في العُرفِ بالسَّلَفِ- هو: إعطاءُ مُتمَوَّلٍ مِنْ مِثليٍّ أو حَيوانٍ أو عَرضٍ في نَظيرِ عِوَضٍ مُتماثِلٍ صِفةً وقَدْرًا لِلمُعطِي في ذِمَّةِ المُعطَى له؛ لِنَفعِ المُعطَى له فَقَطْ، لا نَفْعِ المُعطِي -بالكَسرِ-، ولا هُما معًا، وإلَّا كان مِنَ الرِّبا المُجمَعِ على تَحريمِه.
стр. 4624
وخَرَج البَيعُ والسَّلَمُ والإعارةُ والإجارةُ والشَّرِكةُ؛ فإنَّ العِوَضَ فيها مُخالِفٌ، وكذا خَرَجتِ الهِبةُ والصَّدَقةُ (١).
وعَرَّفه الشافِعيَّةُ بقَولِهم: هو تَمليكُ الشَّيءِ على أنْ يُرَدَّ بَدَلُه، أي: مِثلُه.
وسُمِّيَ بذلك لأنَّ المُقرِضَ يَقطَعُ لِلمُقتَرِضِ قِطعةً مِنْ مالِه، ويُسمِّيه أهلُ الحِجازِ سَلَفًا (٢).
وعرَّفه الحَنابِلةُ بأنَّه: دَفْعُ مالٍ إرفاقًا لِمَنْ يَنتفِعُ به ويَرُدُّ بَدَلَه، وهو نَوعٌ مِنَ السَّلَفِ لِانتِفاعِ المُقتَرِضِ بالشَّيءِ الذي يَقتَرِضُه (٣).
حُكمُ القَرضِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ القَرضَ جائِزٌ في حَقِّ المُقتَرِضِ، ومَندوبٌ إليه في حَقِّ المُقرِضِ؛ لأنَّه قُربةٌ مِنَ القُرَبِ؛ لِما فيه مِنْ إيصالِ النَّفعِ لِلمُقتَرِضِ، وقَضاءِ حاجَتِه وتَفريجِ كُربَتِه، ويَكونُ عَونًا له، فكان مَندوبًا إليه كالصَّدَقةِ، وحُكمُه مِنْ حيثُ ذاتُه النَّدبُ، وإليكَ الدَّليلَ على هذا مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ.
أمَّا من الكِتابِ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وفي الإقراض إعانةٌ على البِرِّ.
стр. 4625
وقَولُه تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]. والإقراضُ فِعلُ خَيرٍ.
وأمَّا مِنَ السُّنَّةِ: فما رَواه أبو هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عنه كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ ما كانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ» (١)، والقَرضُ مما تُفرَّجُ به الكُرَبُ.
وعن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «ما مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ؛ إلَّا كان كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً» (٢)، وغَير ذلك مِنَ الأحاديثِ الكَثيرةِ.
وعن أبي رافِعٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ استَسْلَفَ مِنْ رجُلٍ بَكرًا، فقَدِمَتْ عليه إبِلٌ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، فأَمَرَ أبَا رافِعٍ أنْ يَقضِيَ الرَّجُلَ بَكرَهُ، فرجَع إليه أبو رافِعٍ فقال: لَمْ أجِدْ فيها إلا خِيارًا رباعِيًّا، فقال: «أَعطِهِ إِيَّاهُ، إنَّ خِيارَ الناسِ أَحسَنُهُمْ قَضَاءً» (٣)(٤).