كتاب القرض
تَعريفُ القَرضِ:
القَرضُ في اللُّغةِ: مَصدَرُ قَرَضَ الشَّيءَ يَقرِضُه، بكَسرِ الراءِ، إذا قَطَعَه، والقَرضُ اسمُ مَصدَرٍ بمَعنى الإقراضِ، وقال الجَوهَريُّ: القَرضُ ما تُعطيه مِنَ المالِ لِتُقضاه.
ويُقالُ: إنَّ فُلانًا وفُلانًا يَتقارَضانِ الثَّناءَ، إذا أثْنى كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه، وكأنَّ مَعنى هذا أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أقرَضَ صاحِبَه ثَناءً، كقَرضِ المالِ.
وقال الواحِديُّ ﵀: القَرضُ اسمٌ لِكلِّ ما يُلتَمَسُ منه الجَزاءُ، يُقالُ: أقرَضَ فُلانٌ فُلانًا، إذا أعطاه ما يَتجازاه منه، والاسمُ منه القَرضُ، وهو ما أعطيتَه لِتُكافَأَ عليه، هذا إجماعٌ مِنْ أهلِ اللُّغةِ (١).
стр. 4622
وفي الاصطِلاحِ عرَّفه الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ، فعرَّفه الحَنفيَّةُ بأنَّه: ما تُعطيه مِنْ مِثليٍّ لِتَتَقاضى مِثلَه، فلا يَصحُّ في القيميَّاتِ وكلِّ مُتفاوِتٍ، والدَّينُ أعَمُّ منه، فيُشترَطُ في القَرضِ أنْ يَكونَ مِثليًّا: وحَدُّ المِثليِّ هو: الذي لا تَتفاوَتُ آحادُه تَفاوُتًا تَختلِفُ به القيمةُ، وذلك كالمَكيلاتِ والمَوزوناتِ والمَعدوداتِ المُتقارِبةِ؛ كالبَيضِ والجَوزِ؛ فإنَّ نحوَ الجَوزِ تَتفاوَتُ أحادُه تَفاوتًا يَسيرًا.
أمَّا ما ليس مِثليًّا: كالحَيَوانِ والحَطَبِ والعَقارِ ونَحوِها مما يُقدَّرُ بالقيمةِ فإنَّه لا يَصحُّ قَرضُه، ومِثلُه المَعدوداتُ المُتفاوِتةُ تَفاوُتًا تَختلِفُ به القيمةُ، كالبِطِّيخِ والرُّمَّانِ ونَحوِهما مما تَقدَّم في السَّلَمِ؛ فإنَّه لا يَصحُّ قَرضُه، فإذا اقتَرَضَ شَيئًا مِنْ ذلك وَقَع القَرضُ فاسِدًا، ولكنَّه يُملَكُ بالقَبضِ، فمَثَلًا: إذا اقتَرَض بَيتًا أو جَمَلًا ثم قبَضه فإنَّه يَملِكُه، ولكنْ لا يَحِلُّ له أنْ يَنتفِعَ به على أيِّ وَجهٍ، فإذا باعَه فإنَّ بَيعَه يَقَعُ صَحيحًا؛ نَظَرًا لِلمِلكِ، ولكنَّه يأثَمُ بذلك؛ لأنَّ الفاسِدَ يَجبُ فَسخُه، ولأنَّ البَيعَ مانِعٌ مِنَ الفَسخِ، فقد فَعَلَ ما يُنافي الواجِبَ فيأثَمُ بذلك (١).
وأمَّا مِنَ المالِكيَّةُ فقد عرَّفه ابنُ عَرَفةَ بقَولِه: دَفْعُ مُتموَّلٍ في عِوَضٍ -غَيرِ مُخالِفٍ له، ليس عاجِلًا، تَفضُّلًا فَقَطْ، لا يُوجِبُ إمكانَ عاريةٍ لا تَحِلُّ- مُتعلِّقٍ بذِمَّةٍ.
فأخرَجَ بقَولِه: «مُتمَوَّلٍ» دَفْعَ غيرِ المُتموَّلِ إذا دَفَعه كقِطعةِ نارٍ، فليس بقَرضٍ ولا يُقرَضُ مِثلُ هذا.
стр. 4623
وقَولُه: «في عِوَضٍ» أخرَجَ به دَفعَه هِبةً، وقوله: «غَيرِ مُخالِفٍ له» أخرَجَ السَّلَمَ والصَّرفَ، وقولُه: «ليس عاجِلًا» عَطفٌ على مَحذوفٍ، أي: حالةَ كَونِ ذلك العِوَضِ مُؤجَّلًا لا مُعجَّلًا، وأخرَجَ بهذا المُبادَلةَ المِثليَّةَ، كدَفعِ دِينارٍ أو إردَبٍّ في مِثلِه حالًّا، وقَولُه: «تَفضُّلًا» أي: حالةَ كَونِ ذلك الدَّفعِ تَفضُّلًا أو لِأجْلِ التَّفضُّلِ، ولا يَكونُ الدَّفعُ تَفضُّلًا إلا إذا كانَ النَّفعُ لِلمُقتَرِضِ وَحدَه، بأنْ يَقصِدَ المُسلِفُ نَفْعَ المُسَتلِفِ فَقَطْ، لا نَفْعَه ولا نَفْعَهما ولا نَفْعَ أجنبيٍّ، بأنْ يَقصِدَ بالدَّفعِ لِزَيدٍ نَفْعَ عَمرٍو، ولِكَونِ عَمرٍو يَعودُ عليه مَنفَعةٌ مِنْ ذلك القَرضِ، كأنْ يَكونَ لِعَمرٍو دَينٌ على زَيدٍ، فيُقرِضَ زَيدًا لِأجْلِ أنْ يَدفَعَ لِعَمرٍو دَينَه؛ لأنَّ ذلك سَلَفٌ فاسِدٌ.
وقَولُه: «لا يُوجِبُ إمكانَ عاريةٍ» أي: لا يَقتَضي ذلك الدَّفعُ جَوازَ عاريةٍ لا تَحِلُّ؛ احتِرازًا مِنْ قَرضٍ يُوجِبُ إمكانَ العاريةِ التي لا تَحِلُّ، فلا يَجوزُ قَرضُ جاريةٍ تَحِلُّ لِلمُستَقرِضِ؛ لِما في ذلك مِنْ عاريةِ الفُروجِ، وقَولُه: «مُتعلِّقٍ بالذِّمَّةِ» تابِعٌ لِعِوَضٍ (١).
وفي «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: القَرضُ -وهو المُسمَّى في العُرفِ بالسَّلَفِ- هو: إعطاءُ مُتمَوَّلٍ مِنْ مِثليٍّ أو حَيوانٍ أو عَرضٍ في نَظيرِ عِوَضٍ مُتماثِلٍ صِفةً وقَدْرًا لِلمُعطِي في ذِمَّةِ المُعطَى له؛ لِنَفعِ المُعطَى له فَقَطْ، لا نَفْعِ المُعطِي -بالكَسرِ-، ولا هُما معًا، وإلَّا كان مِنَ الرِّبا المُجمَعِ على تَحريمِه.
стр. 4624
وخَرَج البَيعُ والسَّلَمُ والإعارةُ والإجارةُ والشَّرِكةُ؛ فإنَّ العِوَضَ فيها مُخالِفٌ، وكذا خَرَجتِ الهِبةُ والصَّدَقةُ (١).
وعَرَّفه الشافِعيَّةُ بقَولِهم: هو تَمليكُ الشَّيءِ على أنْ يُرَدَّ بَدَلُه، أي: مِثلُه.
وسُمِّيَ بذلك لأنَّ المُقرِضَ يَقطَعُ لِلمُقتَرِضِ قِطعةً مِنْ مالِه، ويُسمِّيه أهلُ الحِجازِ سَلَفًا (٢).
وعرَّفه الحَنابِلةُ بأنَّه: دَفْعُ مالٍ إرفاقًا لِمَنْ يَنتفِعُ به ويَرُدُّ بَدَلَه، وهو نَوعٌ مِنَ السَّلَفِ لِانتِفاعِ المُقتَرِضِ بالشَّيءِ الذي يَقتَرِضُه (٣).
حُكمُ القَرضِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ القَرضَ جائِزٌ في حَقِّ المُقتَرِضِ، ومَندوبٌ إليه في حَقِّ المُقرِضِ؛ لأنَّه قُربةٌ مِنَ القُرَبِ؛ لِما فيه مِنْ إيصالِ النَّفعِ لِلمُقتَرِضِ، وقَضاءِ حاجَتِه وتَفريجِ كُربَتِه، ويَكونُ عَونًا له، فكان مَندوبًا إليه كالصَّدَقةِ، وحُكمُه مِنْ حيثُ ذاتُه النَّدبُ، وإليكَ الدَّليلَ على هذا مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ.
أمَّا من الكِتابِ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وفي الإقراض إعانةٌ على البِرِّ.
стр. 4625
وقَولُه تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]. والإقراضُ فِعلُ خَيرٍ.
وأمَّا مِنَ السُّنَّةِ: فما رَواه أبو هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عنه كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ ما كانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ» (١)، والقَرضُ مما تُفرَّجُ به الكُرَبُ.
وعن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «ما مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ؛ إلَّا كان كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً» (٢)، وغَير ذلك مِنَ الأحاديثِ الكَثيرةِ.
وعن أبي رافِعٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ استَسْلَفَ مِنْ رجُلٍ بَكرًا، فقَدِمَتْ عليه إبِلٌ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، فأَمَرَ أبَا رافِعٍ أنْ يَقضِيَ الرَّجُلَ بَكرَهُ، فرجَع إليه أبو رافِعٍ فقال: لَمْ أجِدْ فيها إلا خِيارًا رباعِيًّا، فقال: «أَعطِهِ إِيَّاهُ، إنَّ خِيارَ الناسِ أَحسَنُهُمْ قَضَاءً» (٣)(٤).
стр. 4626
وأمَّا عنِ الإجماعِ فقال ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ القَرضِ (١).
وقال المالِكيَّةُ: حُكمُه مِنْ حيث ذاتُه النَّدبُ، وقد يَعرِضُ ما يُوجِبُه أو كَراهَتُه أو حُرمَتُه، وإباحَتُه تَعسُرُ (٢).
وهكذا أيضًا قال الشافِعيَّةُ: إنَّه يَجبُ إنْ كان المُقتَرِضُ مُضطَرًّا، ويَحرُمُ عليهما إنْ عَلِمَ أو ظَنَّ أنَّه إنْ أخَذَه يُنفِقُه في مَعصيةٍ، ويُكرَهُ إنْ عَلِمَه يُنفِقُه في مَكروهٍ.
وقالوا: إنَّما يَجوزُ الاقتِراضُ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِه القُدرةَ على الوَفاءِ، إلا أنْ يَعلَمَ المُقرِضُ أنَّه عاجِزٌ عن الوَفاءِ.
ولا يَحِلُّ له أنْ يُظهِرَ الغِنى ويُخفيَ الفاقةَ عندَ القَرضِ، كما لا يَجوزُ إخفاءُ الغِنى وإظهارُ الفاقةِ عندَ أخْذِ الصَّدَقةِ (٣).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: قال الإمامُ أحمدُ ﵀: لا إثْمَ على مَنْ سُئِلَ القَرضَ فلَم يُقرِضْ، وذلك لأنَّه مِنَ المَعروفِ، فأشبَهَ صَدَقةَ التَّطوُّعِ، وليس بمَكروهٍ في حَقِّ المُقرِضِ.
стр. 4627
قال أحمدُ ﵀: ليس القَرضُ مِنَ المَسألةِ، يَعني ليس بمَكروهٍ، وذلك لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَستقرِضُ، بدَليلِ حَديثِ أبي رافِعٍ؛ ولو كان مَكروهًا كان أبعَدَ الناسِ منه؛ ولأنَّه يأخُذُه بعِوَضِه، فأشبَهَ الشِّراءَ بدَيْنٍ في ذِمَّتِه.
قال ابنُ أبي موسى ﵀: لا أُحِبُّ أنْ يَتحمَّلَ بأمانتِه ما ليس عندَه، يَعني ما لا يَقدِرُ على وَفائِه.
ومَن أراد أنْ يَستَقرِضَ فليُعلِمْ مَنْ يَسألُه القَرضَ بحالِه، ولا يَغُرَّه مِنْ نَفْسِه إلا أنْ يَكونَ الشَّيءَ اليَسيرَ الذي لا يُتعذَّرُ رَدُّ مِثلِه.
قال أحمدُ ﵀: إذا اقتَرَضَ لِغَيرِه ولَم يُعلِمْه بحالِه لَم يُعجِبْني، وقال: ما أُحِبُّ أنْ يَقتَرِضَ بجاهِه لِإخوانِه.
قال القاضي ﵀: يَعني: إنْ كان مَنْ يَقترِضُ له غيرَ مَعروفٍ بالوَفاءِ؛ لِكَونِه تَغريرًا بمالِ المُقرِضِ وإضرارًا به، أمَّا إذا كان مَعروفًا بالوَفاءِ لَم يُكرَهْ؛ لِكَونِه إعانةً له وتَفريجًا لِكُربَتِه (١).
أركانُ القَرضِ أربَعةٌ عندَ الجُمهورِ: مُقرِضٌ ومُقترِضٌ وصِيغةٌ وشَيءٌ مُقتَرَضٌ.
стр. 4628
الرُّكنُ الأوَّلُ: المُقرِضُ:
نَصَّ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنبَليَّةُ على أنَّه يُشترَطُ في المُقرِضِ أهليَّةُ التَّبرُّعِ فيما يُقرِضُه؛ لأنَّ القَرضَ فيه شائِبةُ تَبرُّعٍ، فلَم يَصحَّ إلا مِنْ جائِزِ التَّصرُّفِ، كالبَيعِ، فلا يَصحُّ قَرضُ الصَّبيِّ والمَجنونِ ونَحوِهما، وأنْ يَكونَ مُختارًا، فلا يَصحُّ قَرضُ المُكرَهِ، كسائِرِ عُقودِه.
قال الكاسانيُّ ﵀: أمَّا الذي يَرجِعُ إلى المُقرِضِ فهو أهلِيَّتُه لِلتَّبرُّعِ فلا يَملِكُه مَنْ لا يَملِكُ التَّبرُّعَ مِنَ الأبِ والوَصيِّ والصَّبيِّ والعَبدِ المأذونِ والمُكاتَبِ؛ لأنَّ القَرضَ لِلمالِ تَبرُّعٌ، ألَا تَرى أنَّه لا يُقابِلُه عِوَضٌ لِلحالِ؟ فكانَ تَبرُّعًا لِلحالِ، فلا يَجوزُ إلا ممن يَجوزُ منه التَّبرُّعُ، وهؤلاء ليسوا مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ، فلا يَملِكونَ القَرضَ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَصحُّ قَرضُ نَحوِ وَليِّ يَتيمٍ مِنْ مالِه، ولا ناظِرِ وَقفٍ منه، إلا لِضَرورةٍ.
ويَجوزُ ذلك لِلقاضي مُطلَقًا، ولو مِنْ غيرِ ضَرورةٍ؛ لِكَثرةِ أشغالِه، بشَرطِ يَسارِ المُقتَرَضِ منه وأمانَتِه وعَدَمِ الشُّبهةِ في مالِه، والإشهادِ عليه، وكذا أخْذُ رَهنٍ منه إنْ رآه القاضي.
وله أيضًا: إقراضُ مالِ المُفلِسِ بتلك الشُّروطِ إذا رَضيَ الغُرَماءُ بتأخيرِ القِسمةِ (٢).
стр. 4629
وقال الحَنابِلةُ: فأمَّا قَرضُ مالِ اليَتيمِ فإذا لَم يَكُنْ فيه حَظٌّ له لَم يَجُزْ قَرضُه، فمَتى أمكَنَ الوليَّ التِّجارةُ به أو تَحصيلُ عَقارٍ له فيه الحَظُّ لَم يُقرِضْه؛ لأنَّ ذلك يُفوِّتُ الحَظَّ على اليَتيمِ، وإنْ لَم يَكُنْ ذلك وكان قَرضُه حَظًّا لِليَتيمِ جازَ، قال أحمدُ: لا يُقرِضُ مالَ اليَتيمِ لِأحَدٍ يُريدُ مُكافأتَه ومَوَدَّتَه، ويُقرِضُ على النَّظَرِ والشَّفَقةِ، كما صَنَعَ عُمَرُ ﵁، وقيلَ لِأحمَدَ: إنَّ عُمرَ ﵁ استَقرَضَ مالَ اليَتيمِ، قال: إنَّما استَقرَضَ نَظَرًا لِليَتيمِ، واحتِياطًا إنْ أصابَه بشَيءٍ غُرِّمَه.
قالَ القاضي ﵀: ومَعنى الحَظِّ أنْ يَكونَ لِليَتيمِ مالٌ في بَلَدٍ، فيُريدَ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ، فيُقرِضَه مِنْ رَجُلٍ في ذلك البَلَدِ لِيَقضيَه بَدَلَه في بَلَدِه، يَقصِدُ بذلك حِفظَه مِنَ الغَرَرِ في نَقْلِه، أو أنْ يَخافَ عليه الهَلاكَ مِنْ نَهبٍ أو غَرَقٍ ونَحوِهما، أو أنْ يَكونَ مما يَتلَفُ بتَطاوُلِ مُدَّتِه، أو أنْ يَكونَ حَديثُه خَيرًا مِنْ قَديمِه، كالحِنطةِ ونَحوِها، فيُقرِضَه خَوفًا من أنْ تُسوِّسَ، وأنْ تَنقُصَ قيمَتُها وأشباهِ هذا، فهنا يَجوزُ القَرضُ؛ لأنَّه مما لِليَتيمِ فيه الحَظُّ، فجازَ كالتِّجارةِ به، وإنْ لَم يَكُنْ فيه حَظٌّ، وإنَّما قَصَدَ الإرفاقَ بالمُقترِضِ وقَضاءَ حاجَتِه، فهذا غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه تَبرُّعٌ بمالِ اليَتيمِ، فلَم يَجُزْ، كهِبَتِه، وإنْ أرادَ الوَليُّ السَّفَرَ لَم يَكُنْ له المُسافَرةُ بمالِه، وقَرضُه لِثِقةٍ أمينٍ أوْلى مِنْ إيداعِه؛ لأنَّ الوَديعةَ لا تُضمَنُ إذا تَلِفتْ، فإنْ لَم يَجِدْ مَنْ يَستَقرِضُه على هذه الصِّفةِ فله إيداعُه؛ لأنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، ولو أودَعَه مع إمكانِ قَرضِه جازَ
стр. 4630
ولا ضَمانَ عليه؛ فإنَّه رُبَّما رأى الإيداعَ أفضَلَ حَظًّا له مِنَ القَرضِ، فلا يَكونُ مُفرِّطًا، وكُلُّ مَوضِعٍ قُلنا: له قَرْضُه، لا يَجوزُ إلا لِمَليءٍ أمينٍ؛ لِيَأمَنَ جُحودَه وتَعذُّرَ الإيفاءِ، ويَنبَغي أنْ يأخُذَ رَهنًا إنْ أمكَنَه، وإنْ تَعذَّرَ عليه أخْذُ الرَّهنِ جازَ تَركُه في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ ممن يَستقرِضُه مِنْ أجْلِ حَظِّ اليَتيمِ أنَّه لا يَبذُلُ رَهنًا، فاشتِراطُ الرَّهنِ يُفوِّتُ هذا الحَظَّ، وقال أبو الخَطَّابِ: يُقرِضُه إذا أخَذَ بالقَرضِ رَهنًا، فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُقرِضُه إلا برَهنٍ؛ لأنَّ فيه احتياطًا لِلمالِ وحِفظًا له عن الجَحدِ والمَطلِ، وإنْ أمكَنَه أخْذُ الرَّهنِ فالأوْلى له أخْذُه احتياطًا على المالِ، وحِفظًا له؛ فإنْ تَرَكَه احتَمَلَ أنْ يَضِنَّ إنْ ضاعَ المالُ؛ لِتَفريطِه، واحتَمَلَ ألَّا يَضمَنَ؛ لأنَّ الظاهِرَ سَلامَتُه، وهذا ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ؛ لِكَونِه لَم يَذكُرِ الرَّهنَ (١).
стр. 4631
الرُّكنُ الثاني: المُقترِضُ:
نَصَّ الشافِعيَّةُ والحَنبَليةُ على أنَّه يُشترَطُ في المُقترِضِ أنْ يَكونَ أهلًا لِلتَّعاقُدِ والقَبولِ بأنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا رَشيدًا غيرَ مَحجورٍ عليه (١).
وقال الحَنفيَّةُ: إذا أُقرِضَ الصَّبيُّ المَحجورُ عليه فأضاعَ ما أخَذَه فقد ضاعَ على صاحِبِه عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، خِلافًا لِأبي يُوسُفَ، أمَّا إذا كان الصَّبيُّ غيرَ مَحجورٍ عليه -بأنْ كان مأذونًا بالتَّصرُّفِ- فإنَّه يَصحُّ أنْ يُقرِضَه؛ لأنَّه يَكونُ في حُكمِ البالِغِ.
وقال أبو يُوسُفَ: إنَّ الصَّبيَّ المَحجورَ عليه إذا استَهلَكَ ما اقتَرَضَه يَكونُ عليه ضَمانُه، أمَّا إذا هَلَكَ بنَفْسِه فلا ضَمانَ عليه اتِّفاقًا، ومِثلُ الصَّبيِّ في ذلك المَعتوهُ (٢).
стр. 4632
الرُّكنُ الثالِثُ: الصِّيغةُ:
اشتَرَطَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في الصَّحيحِ -كما هو قَولُ مُحمدٍ وأبي يُوسُفَ في إحدى الرِّوايتَيْن عنه- والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ وهو مُقتَضى كَلامِ المالِكيَّةِ في القَرضِ الصِّيغةَ -وهي الإيجابُ والقَبولُ- ك: «أقرَضتُكَ هذا الشَّيءَ»، أو: «أسلَفتُكَ»، أو: «خُذْه بمِثلِه»، أو: «خُذْ هذا الشَّيءَ قَرضًا»، أو: «مَلَّكتُكَه على أنْ تَرُدَّ بَدَلَه».
ويُشترَطُ قَبولُ الإقراضِ -كسائِرِ المُعاوَضاتِ-، وهو أنْ يَقولَ المُستقرِضُ: «استَقرَضتُ»، أو: «قَبِلتُ»، أو: «رَضيتُ»، أو ما يَجري هذا المَجرى.
وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: وشَرطُ القَبولِ المُوافَقةُ في المَعنى، كالبَيعِ، فلو قال: «أقرَضتُكَ ألفًا»، فقَبِلَ خَمسَمِئةٍ، أو بالعَكسِ … لَم يَصحَّ.
أمَّا القَرضُ الحُكميُّ فلا يُشترَطُ له صيغةٌ، كإطعامِ جائِعٍ وكِسوةِ عارٍ وإنفاقٍ على لَقيطٍ، كما نَصَّ على ذلك الشافِعيَّةُ (١).
ورُوِيَ عن أبي يُوسُفَ رِوايةٌ أُخرى، وهي مُقابِلُ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ: أنَّ الرُّكنَ فيه الإيجابُ، وأمَّا القَبولُ فليس برُكنٍ حتى لو حلَف لا يُقرِضُ فُلانًا فأقرَضَه، ولَم يَقبَلْ، لَم يَحنَثْ عندَ مُحمدٍ، وهو إحدى الرِّوايتَيْنِ عن أبي يُوسُفَ، وفي رِوايةٍ أُخرى يَحنَثُ.
وَجهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ الإقراضَ إعارةٌ، والقَبولَ ليس برُكنٍ في الإعارةِ.
وَجهُ قَولِ مُحمدٍ أنَّ الواجِبَ في ذِمَّةِ المُقرِضِ مِثلُ المُستقرِضِ؛ فلِهذا
стр. 4633
اختَصَّ جَوازَه بما له مِثلٌ، فأشبَهَ البَيعَ، فكان القَبولُ رُكنًا فيه، كما في البَيعِ.
ورُويَ عن أبي يُوسُفَ فيمن حلَف لا يَستقرِضُ مِنْ فُلانٍ، فاستقرَضَ منه فلَم يُقرِضْه أنَّه يَحنَثُ؛ لأنَّ شَرطَ الحِنثِ هو الاستِقراضُ، وهو طلبُ القَرضِ، كالاستيامِ في البَيعِ، وهو طلبُ البَيعِ، فإذا استَقرَضَ فقد طلَب القَرضَ، فوَجَدَ شَرطَ الحِنثِ فيَحنَثُ (١).
ووَجهُ قَولِ الشافِعيَّةِ في مُقابِلِ الأصَحِّ أنَّ القَبولَ ليس برُكنٍ؛ لأنَّ القَرضَ مَكرُمةٌ وإباحةُ إتلافٍ بشَرطِ الضَّمانِ، وظاهِرٌ أنَّ الالتِماسَ مِنَ المُقرِضِ: ك: «اقتَرِضْ مني»، يَقومُ مَقامَ الإيجابِ، ومِنَ المُقترِضِ ك: «أقرِضْني»، يَقومُ مَقامَ القَبولِ، كما في البَيعِ (٢).
ونَصَّ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ القَرضَ يَصحُّ بلَفظِ السَّلَفِ والقَرضِ؛ لِوُرودِ الشَّرعِ بهما، وبكلِّ لَفظٍ يُؤدِّي مَعناهما، مِثلَ أنْ يَقولَ: مَلَّكتُكَ هذا على أنْ تَرُدَّ علَيَّ بَدَلَه، أو تُوجَدَ قَرينةٌ دالَّةٌ على إرادةِ القَرضِ، فإنْ قال: «مَلَّكتُكَ»، ولَم يَذكُرِ البَدَلَ ولا وُجِدَ ما يَدلُّ عليه فهو هِبةٌ، فإنِ اختَلَفا فالقَولُ قَولُ المَوهوبِ له؛ لأنَّ الظاهِرَ معه؛ لأنَّ التَّمليكَ مِنْ غيرِ عِوَضٍ هِبةٌ (٣).
стр. 4634
الرُّكنُ الرابعُ: الشَّيءُ المُقترَضُ:
اختَلَف الفُقهاءُ في الأشياءِ التي يَصحُّ اقتِراضُها والتي لا يَصحُّ اقتِراضُها، فقال الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ في المُقترِضِ أنْ يَكونَ مِثليًّا، وحَدُّ المِثليِّ هو: الذي لا تَتفاوَتُ آحادُه تَفاوتًا تَختَلِفُ به القيمةُ، وذلك كالمَكيلاتِ والمَوزوناتِ والمَعدوداتِ المُتقارِبةِ -كالبَيضِ والجَوزِ-؛ فإنَّ نحوَ الجَوزِ تَتفاوَتُ أحادُه تَفاوُتًا يَسيرًا.
أمَّا ما ليس مِثليًّا كالحَيوانِ والحَطَبِ والعَقارِ ونَحوِه مما يُقدَّرُ بالقيمةِ فإنَّه لا يَصحُّ قَرضُه، ومِثلُه المَعدوداتُ المُتفاوِتةُ في القيمةِ، كالبِّطِّيخِ والرُّمَّانِ ونَحوِهما، فإنَّه لا يَصحُّ قَرضُه؛ لأنَّه لا سَبيلَ إلى إيجابِ رَدِّ العَينِ ولا إلى إيجابِ رَدِّ القيمةِ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى المُنازَعةِ؛ لِاختِلافِ القيمةِ باختِلافِ تَقويمِ المُقوِّمينَ، فتَعيَّنَ أنْ يَكونَ الواجِبُ فيه رَدَّ المِثلِ، فيَختَصَّ جَوازُه بما له مِثلٌ.
فإذا اقتَرَض شَيئًا مِنْ ذلك وَقَع القَرضُ فاسِدًا، ولكنَّه يُملَكُ بالقَبضِ، فمَثَلًا: إذا اقتَرَض بَيتًا أو جَمَلًا ثم قَبَضه فإنَّه يَملِكُه، ولكنْ لا يَحِلُّ له أنْ يَنتفِعَ به على أيِّ وَجْهٍ، فإذا باعه فإنَّ بَيعَه يَقَعُ صَحيحًا؛ نَظَرًا لِلمِلكِ، ولكِنَّه يأثَمُ بذلك؛ لأنَّ الفاسِدَ يَجبُ فَسخُه، والبَيعَ مانِعٌ مِنَ الفَسخِ، فقد فَعَلَ ما يُنافي الواجِبَ، فيأثَمُ بذلك.
ولا يَجوزُ القَرضُ في الخُبزِ -لا وَزنًا ولا عَدَدًا- عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسُفَ -رحمهما الله-؛ لِتَفاوُتٍ فاحِشٍ بينَ خُبزٍ وخُبزٍ؛ لِاختِلافِ العَجنِ
стр. 4635
والنُّضجِ والخِفَّةِ والثِّقَلِ في الوَزنِ والصِّغرِ والكِبَرِ في العَدَدِ؛ ولِهذا لَم يَجُزِ السَّلَمُ فيه بالإجماعِ فالقَرضُ أوْلى؛ لأنَّ السَّلَمَ أوسَعُ جَوازًا مِنَ القَرضِ، والقَرضَ أضيَقُ منه.
ألَا تَرى أنَّه يَجوزُ السَّلَمُ في الثِّيابِ، ولا يَجوزُ القَرضُ فيها؟ فلَمَّا لَم يَجُزِ السَّلَمُ فيه فلَأنْ يَكونَ لا يَجوزُ القَرضُ أوْلى.
وقال مُحمدٌ ﵀: يَجوزُ عَدَدًا استِحسانًا؛ لِعُرفِ الناسِ وعاداتِهم في ذلك (١).
وقال المالِكيَّةُ: كلُّ ما يَصحُّ السَّلَمُ فيه مِنْ حَيَوانٍ وعَرضٍ ومِثليٍّ يَصحُّ أنْ يُقرَضَ، إلا جاريةً تَحِلُّ لِلمُقترِضِ؛ لِما في ذلك مِنْ عاريةِ الفُروجِ، وسيأتي مُفصَّلًا، أمَّا ما لا يَصحُّ السَّلَمُ فيه -كدارٍ وأرضٍ وحانوتٍ وخانٍ وحَمَّامٍ وتُرابِ مَعدِنٍ ومَصوغٍ وجَوهَرٍ نَفيسٍ يَندُرُ وُجودُه وجُزافٍ- فلا يَصحُّ أنْ يُقرَضَ (٢).
وقال الشافِعيَّةُ: كلُّ ما يَجوزُ فيه السَّلَمُ يَصحُّ إقراضُه؛ لِصِحَّةِ ثُبوتِه في الذِّمَّةِ؛ ولأنَّه ﷺ اقتَرَضَ بَكرًا، وقيسَ غَيرُه عليه، وما لا يُسَلَّمُ فيه -كالجاريةِ ووَلَدِها والجَواهِرِ ونَحوِها- لا يَجوزُ إقراضُه.
стр. 4636
ويَصحُّ إقراضُ الخُبزِ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ لِإجماعِ أهلِ الأمصارِ على فِعلِه في الأمصارِ بلا إنكارٍ.
ويُرَدُّ المِثلُ في المِثليِّ، وفي المُتقوَّمِ المِثلُ صُورةً؛ لأنَّه ﷺ اقتَرَضَ بَكرًا ورَدَّ رباعيًّا وقال: «إنَّ خيارَكُمْ أحسَنُكُمْ قَضاءً»، رَواه مُسلِمٌ؛ ولأنَّه لو وَجَبتْ قيمَتُه لافتَقَر إلى العِلمِ بها (١).
وقال الحَنابِلةُ: يَصحُّ القَرضُ في كلِّ عَينٍ يَجوزُ بَيعُها مِنْ مَكيلٍ ومَوزونٍ ومَذروعٍ ومَعدودٍ وغَيرِه إلا الرَّقيقَ فَقَطْ كما سيأتي (٢).
حُكمُ قَرضِ المَنافِعِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ قَرضِ المَنافِعِ مِثلَ أنْ يَحصُدَ معه إنسانٌ يَومًا ويَحصَدَ الآخَرُ معه يَومًا بَدَلَه، أو يُسكِنُه دارًا لِيُسكِنَه الآخَرُ دارًا بَدَلَها.
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ -وهو مُقتَضى كَلامِ الحَنفيَّةِ- إلى أنَّه لا يَصحُّ قَرضُ المَنافِعِ؛ لأنَّه غيرُ مَعهودٍ في العُرفِ والعادةِ، كما يَقولُ الحَنابِلةُ، ولأنَّه لا يَجوزُ السَّلَمُ فيها، كما يَقولُ الشافِعيَّةُ.
وذهَب شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ إلى جَوازِ قَرضِ المَنافِعِ، فقال ﵀: يَجوزُ قَرضُ المَنافِعِ -كالعاريةِ- بشَرطِ العِوَضِ، لكنَّ الغالِبَ على
стр. 4637
المَنافِعِ أنَّها ليستْ مِنْ ذواتِ الأمثالِ حتى يَجِبَ على المَشهورِ في الأُخرى القيمةُ، ويُتوَجَّهُ في المُتقوَّمِ أنَّه يَجوزُ رَدُّ المِثلِ بتَراضيهما (١).
قَرضُ الجَواري:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةِ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَحرُمُ قَرضُ الجَواري لِمَنْ يَحِلُّ له وَطؤُها؛ لأنَّه يُفضي إلى أنْ يَقتَرِضَ جاريةً يَطَؤُها ثم يَرُدُّها مِنْ يَومِه، ومتى احتاج إلى وَطئِها استَقرَضَها فوَطِئَها ثم رَدَّها، كما يَستَعيرُ المَتاعَ فيَنتَفِعُ به ثم يَرُدُّه؛ لأنَّ الفُروجَ مَحظورةٌ لا تُستَباحُ إلا بنِكاحٍ أو مِلكِ يَمينٍ، ولأنَّ القَرضَ ليس بعَقدٍ لازِمٍ مِنْ جِهةِ المُقتَرِضِ؛ لأنَّه يَرُدُّه متى شاءَ، فأشبَهَ الجاريةَ المُشتراةَ بالخيارِ، ولا يَجوزُ وَطؤُها بالإجماعِ حتى تَنقَضيَ أيامُ الخيارِ، فهذه قياسٌ عليها، ولو جازَ استِقراضُ الإماءِ لَحَصَل الوَطءُ في غيرِ نِكاحٍ ولا مِلكٍ صَحيحٍ.
وقال المالِكيَّةُ: وسَواءٌ أكان لِلوَطءِ أم لِلخِدمةِ سَدًّا لِلذَّريعةِ، وسَواءٌ شرَط رَدَّ عَينِها أو رَدَّ مِثلِها.
وقال ابنُ عَبدِ الحَكَمِ ﵀: يَجوزُ إنْ شرَط رَدَّ بَدَلِها.
أمَّا إنْ كانتْ لا تَحِلُّ لِلمُستَقرِضِ -بأنْ كانتْ مُحرَّمةً عليه بنَسَبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهَرةٍ- فإنَّه يَجوزُ اقتِراضُها عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ.
стр. 4638
وقال اللَّخميُّ مِنَ المالِكيَّةِ: يَجوزُ قَرضُ الجاريةِ إذا كانتْ في سِنِّ مَنْ لا تُوطَأُ، أو كان المُستَقرِضُ لا يُمكِنُه التَّلذُّذُ بها؛ لِصِغَرِ سِنِّه إذا اقتَرَضَها له وَليُّه.
ومَنَع بَعضُ المالِكيَّةِ قَرضَها ولو كانتْ غيرَ مُشتَهاةٍ، وهو قَولُ الشافِعيَّةِ.
أمَّا الحَنابِلةُ فالمَذهبُ عندَهم امتِناعُ قَرضِ العَبيدِ مُطلَقًا، ذُكورًا كانوا أو إناثًا؛ لأنَّه لَم يُنقَلْ، ولا هو مِنَ المَرافِقِ (١).
مَعرِفةُ قَدْرِ القَرضِ وصِفتِه:
ويُشترَطُ لِصِحَّةِ الإقراضِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ العِلمُ بقَدْرِه وصِفَتِه لِيَتأتَّى رَدُّ بَدَلِه، وقال الشافِعيَّةُ في المَذهبِ: ويَجوزُ اقتِراضُ المَكيلِ وَزنًا وعَكسُه إنْ لَم يَتجافَ في المِكيالِ كالسَّلَمِ (٢).
стр. 4639
قَرضُ النُّقودِ والفُلوسِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ عندَهم جَميعًا إلى أنَّه يَجوزُ إقراضُ النُّقودِ، سَواءٌ كانتْ ذَهبيَّةً أو فِضِّيَّةً أو فُلوسًا؛ لِأنها مِنَ العَدَديَّاتِ المُتقارِبةِ، كالجَوزِ والبَيضِ.
ثم اختَلَفوا في مَسألتَيْنِ:
الأُولى: لو استَقَرض فُلوسًا فكَسَدتْ ومنَع السُّلطانُ المُعامَلةَ بها، هل يُرَدُّ المِثلُ أو القيمةُ؟
والأُخرى: إذا استَقرَضَ فُلوسًا فنَقَصتْ قيمَتُها، هل يَرُدُّ المِثلَ أو القيمةَ؟
أمَّا لو استَقَرَض شَيئًا مِثليًّا يَجبُ عليه رَدُّ المِثلِ، سَواءٌ رَخُصَ سِعرُه أو غَلا أو كان بحالِه بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ.
أمَّا المَسألةُ الأُولى - وهي: لَو استَقرَضَ فُلوسًا فكَسَدتْ ومنَع السُّلطانُ المُعامَلةَ بها هل يَرُدُّ المِثلَ أو القيمةَ-، فاختَلَف الفُقهاءُ فيها:
فقال أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيَّةُ في قَولٍ شاذٍّ عندَهم والشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ: لو استَقرَضَ فُلوسًا فكَسَدتْ فعليه قيمَتُها، إلا أنَّهم اختَلَفوا هل له قيمَتُها يَومَ قَبضِها أو يَومَ فَسَدتْ وكَسَدتْ وتُرِكتِ المُعامَلةُ بها؟
فقال أبو يُوسُفَ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: عليه قيمَتُها يَومَ قَبضِها، لا يَومَ رَدِّها؛ لأنَّ الواجِبَ في بابِ القَرضِ رَدُّ مِثلِ المَقبوضِ، وقد عجَز عن ذلك؛
стр. 4640
لأنَّ المَقبوضَ كان ثَمَنًا، وقد بَطَلتِ الثَّمَنيَّةُ بالكَسادِ، فعَجَز عن رَدِّ المِثلِ فيَلزَمُه رَدُّ القيمةِ، كما لو استَقرَضَ رُطَبًا فانقَطَعَ عن أيدي الناسِ؛ فإنَّه يَلزَمُه قيمَته؛ لِما قُلنا، كذا هذا.
وقال مُحمدٌ وبَعضُ الحَنابِلةِ: يَكونُ عليه قيمَتُها وَقتَ فَسَدتْ وكَسَدتْ وتُرِكتِ المُعامَلةُ بها؛ لأنَّه كان يَلزَمُه رَدُّ مِثلِها ما دامَتْ نافِعةً، فإذا فَسَدتِ انتَقَلَ إلى قيمَتِها حينَئذٍ، كما لو عُدِمَ المِثلُ.
وإذا كان مما يَجري فيه رِبا الفَضلِ فإنَّه يُعطي مما لا يَجري فيه الرِّبا، فلو أقرَضَه دراهِمَ مُكسَّرةً فحَرَّمَها السُّلطانُ أعطى قيمَتَها ذهَبا وعَكسُه بعَكسِه.
وقال المالِكيَّةُ في المَشهورِ: وإنْ عُدِمتْ في بَلَدِ المُعامَلةِ -وإنْ وُجِدتْ في غَيرِها- فتُعتبَرُ القيمةُ يَومَ الحُكمِ بأنْ يَدفَعَ له قيمَتَها عَرضًا، أو يُقَوِّمُ العَرضَ بعَينٍ مِنَ المُتجدِّدةِ.
وهذا مُقيَّدٌ بما إذا لَم يَكُنْ مِنَ المَدينِ مَطلٌ، وإلا كان لِرَبِّها الأحَظُّ مِنْ أخْذِ القيمةِ أو مما آلَ إليه الأمرُ مِنَ السَّكَّةِ الجَديدةِ الزائِدةِ على القَديمةِ؛ لِظُلمِ المَدينِ بمَطلِه؛ كمَن عليه طَعامٌ امتَنَع رَبُّه مِنْ أخْذِه حتى غَلا، فليس لِرَبِّه إلا قيمَتُه يَومَ امتِناعِه وتَبيُّنِ ظُلمِه.
وقال بَعضُ المالِكيَّةِ: له قيمَتُها وَقتَ أبعَدِ الأجلَيْنِ عندَ تَخالُفِ الوَقتَيْنِ مِنَ العَدَمِ والاستِحقاقِ، فلو كان انقِطاعُ التَّعامُلِ بها أو تَغيُّرُها نَقصًا أو غَلاءً أوَّلَ الشَّهرِ الفُلانيِّ، وإنما حَلَّ الأجَلُ آخِرَه فله القيمةُ آخِرَه، وبالعَكسِ بأنْ حَلَّ الأجَلُ أوَّلَه وعُدِمتْ آخِرَه فإنَّ له القيمةَ يَومَ العَدَمِ.
стр. 4641
وقال أبو حَنيفةَ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ: لو استَقرَضَ فُلوسًا فكَسَدتْ فعليه مِثلُها، وليس له إلا النَّقدُ الذي أقرَضَه؛ لأنَّ رَدَّ المِثلِ كان واجِبًا، ولأنَّ الفائِتَ بالكَسادِ ليس إلا وَصفَ الثَّمَنيَّةِ، وهذا وَصفٌ لا تَعلُّقَ لِجَوازِ القَرضِ به، ألا تَرى أنَّه يَجوزُ استِقراضُه بعدَ الكَسادِ ابتِداءً -وإنْ خَرَج مِنْ كَونِه ثَمَنًا-؟ فلَأنْ يَجوزَ بَقاءُ القَرضِ فيه أوْلى؛ لأنَّ البَقاءَ أسهَلُ، وكذلك الجَوابُ في الدَّراهِمِ التي يَغلِبُ عليها الغِشُّ؛ لأنَّها في حُكمِ الفُلوسِ.
وأمَّا المَسألةُ الأُخرى، وهي: إذا استَقرَضَ فُلوسًا فنَقَصتْ قيمَتُها، هل يَرُدُّ المِثلَ أو القيمةَ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسُفَ في قَولِه الأوَّلِ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا استَقرَضَ فُلوسًا فنَقَصتْ قيمَتُها -بأنْ رَخُصَ السِّعرُ، مِثلَ أنْ كان عَشَرةً بدانَقٍ، فصارَتْ عِشرينَ بدانَقٍ- فإنَّه يَلزَمُه مِثلُها، لا قيمَتُها، سَواءٌ نَقَصتْ قيمَتُها قَليلًا أو نَقَصتْ كَثيرًا ما دامَ يَتعامَلُ بها؛ لأنَّه لَم يَحدُثْ فيها شَيءٌ، إنَّما تَغيَّرَ السِّعرُ فأشبَهَ الحِنطةَ إذا رَخُصتْ أو غَلَتْ (١).
стр. 4642
جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: قُلتُ: أرأيتَ إنْ أتَيتُ إلى رَجُلٍ فقُلتُ له: أسلِفْني دِرهَمَ فُلوسٍ، ففَعَل والفُلوسُ يَومَئِذٍ مِئةُ فِلْسٍ بدِرهَمٍ، ثم حالَتِ الفُلوسُ ورَخُصتْ حتى صارَتْ مِئتا فِلسٍ بدِرهَمٍ؟ قال: إنَّما يُرَدُّ مِثلُ ما أُخِذَ ولا يُلتَفتُ إلى الزِّيادةِ. قال: وقال مالِكٌ: الشَّرطُ باطِلٌ وإنَّما عليه مِثلُ ما أخَذَ (١).
وقال الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: قد تَقرَّرَ أنَّ القَرضَ الصَّحيحَ يُرَدُّ فيه المِثلُ مُطلَقًا، فإذا اقتَرَض منه رِطلَ فُلوسٍ فالواجِبُ رَدُّ رِطلٍ مِنْ ذلك الجِنسِ، سَواءٌ زادَتْ قيمَتُه أو نَقَصتْ، أمَّا في صُورةِ الزِّيادةِ فلأنَّ القَرضَ كالسَّلَمِ، وسيأتي النَّقلُ فيه، وأمَّا في صُورةِ النَّقصِ فقد قال في الرَّوضةِ مِنْ زَوائِدِه: ولو أقرَضَه نَقدًا فأبطَلَ السُّلطانُ المُعامَلةَ به فليس له إلا النَّقدُ الذي أقرَضَه، نَصَّ عليه الشافِعيُّ ﵀، فإذا كان هذا مع إبطالِه فمع نَقصِ قيمَتِه مِنْ بابِ أوْلى (٢).
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: المُستَقرِضُ يَرُدُّ المِثلَ في المِثليَّاتِ، سَواءٌ رَخُصَ سِعرُه أو غَلا أو كان بحالِه.
ولو كان ما أقرَضَه مَوجودًا بعَينِه فرَدَّه مِنْ غيرِ عَيبٍ يَحدُثُ فيه لَزِمَ قَبولُه، سَواءٌ تَغيَّرَ سِعرُه أو لَم يَتغيَّرْ، وإنْ حَدَث به عَيبٌ لَم يَلزَمْه قَبولُه، وإنْ كان القَرضُ فُلوسًا، أو مُكسَّرةً، فحَرَّمها السُّلطانُ وتُرِكتِ المُعامَلةُ بها كان
стр. 4643
لِلمُقرِضِ قيمَتُها، ولَم يَلزَمْه قَبولُها، سَواءٌ كانت قائمةً في يَدِه أو استَهلَكَها؛ لأنَّها تَعيَّبتْ في مِلكِه، نَصَّ عليه أحمدُ في الدَّراهِمِ المُكسَّرةِ، وقال: يُقوِّمُها كَمْ تُساوي يَومَ أخَذَها ثم يُعطيه، وسَواءٌ نَقَصتْ قيمَتُها قَليلًا أو كَثيرًا.
قالَ القاضي: هذا إذا اتَّفَق الناسُ على تَركِها، فأمَّا إنْ تَعامَلوا بها مع تَحريمِ السُّلطانِ لَها لَزِمَ أخذُها، وقال مالِكٌ واللَيثُ بنُ سَعدٍ والشافِعيُّ: ليس له إلا مِثلُ ما أقرَضَه؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ حَدَث فيها، فجَرى مَجرى نَقصِ سِعرِها.
ولنا: أنَّ تَحريمَ السُّلطانِ لها مَنَع إنفاقَها وأبطَلَ ماليَّتَها، فأشبَهَ كَسرَها أو تَلَفَ أجزائِها، وأما رُخصُ السِّعرِ فلا يَمنَعُ رَدَّها، سَواءٌ كان كَثيرًا -مِثلَ أنْ كانتْ عَشَرةً بدانَقٍ، فصارَتْ عِشرينَ بدانَقٍ- أو قَليلًا؛ لأنَّه لَم يَحدُثْ فيها شَيءٌ إنَّما تَغيَّرَ السِّعرُ فأشبَهَ الحِنطةَ إذا رَخُصتْ أو غَلَتْ (١).
وذهَب الإمامُ أبو يُوسُفَ مِنَ الحَنفيَّةِ وعليه الفَتوى عندَهم إلى أنَّ الفُلوسَ إذا غَلَتْ أو نَقَصتْ فعليه قيمَتُها مِنَ الدَّراهِمِ يَومَ البَيعِ والقَبضِ.
وللإمامِ ابنِ عابدينَ ﵀ كَلامٌ مُهِمٌّ في هذا، قال: مَطلَبٌ مُهِمٌّ في أحكامِ النُّقودِ إذا كَسَدتْ أو انقَطَعتْ أو غَلَتْ أو رَخُصتْ:
قَولُه: قُلتُ: «ومما يَكثُرُ وُقوعُه … » إلخ، اعلَمْ أنَّه إذا اشتَرى بالدَّراهِمِ التي غَلَب غِشُّها، أو بالفُلوسِ ولَم يُسلِّمْها لِلبائِعِ ثم كَسَدتْ بَطَل البَيعُ والانقِطاعُ عن أيدي الناسِ كالكَسادِ، ويَجبُ على المُشتَري رَدُّ المَبيعِ لو
стр. 4644
كان قائِمًا، ومِثلِه أو قيمَتِه لو كان هالِكًا، وإنْ لَم يَكُنْ مَقبوضًا فلا حُكمَ لِهذا البَيعِ أصلًا، وهذا عندَه وعندَهما لا يُبطِلُ البَيعَ؛ لأنَّ المُتعذَّرَ التَّسليمُ بعدَ الكَسادِ، وذلك لا يُوجِبُ الفَسادَ؛ لِاحتِمالِ الزَّوالِ بالرَّواجِ، لكنْ عندَ أبي يُوسُفَ تَجِبُ قيمَتُه يَومَ البَيعِ، وعندَ مُحمدٍ يَومَ الكَسادِ، وهو آخِرُ ما تَعامَلَ الناسُ بها، وفي الذَّخيرةِ الفَتوى على قَولِ أبي يُوسُفَ، وفي المُحيطِ والتَّتِمَّةِ والحَقائِقِ وبقَولِ مُحمدٍ يُفتى؛ رِفقًا بالناسِ. اه.
والكَسادُ أنْ تُترَكَ المُعامَلةُ بها في جَميعِ البِلادِ، فلو في بَعضِها لا يَبطُلُ لِكنَّها تَتعَيَّبُ إذا لَم تُرجَ في بَلَدِهم، فيَتخيَّرُ البائِعُ إنْ شاء أخَذَه وإنْ شاءَ أخَذَ قيمَتَه.
وحَدُّ الانقِطاعِ ألَّا يُوجَدَ في السُّوقِ، وإنْ وُجِدَ في يَدِ الصَّيارِفةِ والبُيوتِ، هكذا في الهِدايةِ، والانقِطاعُ كالكَسادِ، كما في كَثيرٍ مِنَ الكُتُبِ، لكنْ قال في المُضمَراتِ: فإنِ انقَطَع ذلك فعليه مِنَ الذهَب والفِضَّةِ قيمَتُه في آخِرِ يَومٍ انقَطَع، وهو المُختارُ. اه.
هذا إذا كَسَدتْ وانقَطَعتْ، أمَّا إذا غَلَتْ قيمَتُها أو انتَقَضتْ فالبَيعُ على حالِه ولا يَتخيَّرُ المُشتَري ويُطالَبُ بالنَّقدِ بذلك العيارِ الذي كان وَقتَ البَيعِ كذا في فَتحِ القَديرِ وفي البَزازيةِ عن المُنتَقى: غَلَتِ الفُلوسُ أو رَخُصتْ، فعندَ الإمامِ الأوَّلِ والثاني أو لا ليس عليه غَيرُها.
وقال الثاني: ثانيًا: عليه قيمَتُها مِنَ الدَّراهِمِ يَومَ البَيعِ والقَبضِ، وعليه الفَتوى، وهكذا في الذَّخيرةِ والخُلاصةِ عن المُنتَقى، ونَقَله في البَحرِ وأقَرَّه.
стр. 4645
فحيث صرَّح بأنَّ الفَتوى عليه في كَثيرٍ مِنَ المُعتَبَراتِ، فيَجِبُ أنْ يُعوَّلَ عليه إفتاءٍ وقَضاءٍ، ولَم أرَ مَنْ جَعَل الفَتوى على قَولِ الإمامِ.
هذا خُلاصةُ ما ذَكَره المُصنِّفُ ﵀ تَعالَى- في رِسالَتِه «بَذْلُ المَجهودِ في مَسألةِ تَغيُّرِ النُّقودِ».
وفي الذَّخيرةِ عن المُنتَقى: إذا غَلَتِ الفُلوسُ قبلَ القَبضِ أو رَخُصتْ قال أبو يُوسُفَ: قَولي وقَولُ أبي حَنيفةَ في ذلك سَواءٌ، وليس له غَيرُها، ثم رجَع أبو يُوسُفَ وقال: عليه قيمَتُها مِنَ الدَّراهِمِ يَومَ وَقَع البَيعُ، ويَومَ وَقَع القَبضُ. اه.
وقَولُه: يَومَ وَقَع البَيعُ، أي: في صُورةِ البَيعِ.
وقَولُه: ويَومَ وَقَع القَبضُ، أي: في صُورةِ القَرضِ، كما نَبَّه عليه في النَّهرِ في بابِ الصَّرفِ.
وحاصِلُ ما مَرَّ أنَّه على قَولِ أبي يُوسُفَ المُفتى به لا فَرقَ بينَ الكَسادِ والانقِطاعِ والرُّخصِ والغَلاءِ في أنَّه تَجِبُ قيمَتُها يَومَ وَقَع البَيعُ أو القَرضُ، لا مِثلُها.
وفي دَعوى البَزازيةِ مِنَ النَّوعِ الخامِسَ عَشَرَ عن فَوائِدِ الإمامِ أبي حَفصٍ الكَبيرِ: استَقرَضَ منه دانَقَ فُلوسٍ حالَ كَونِها عَشَرةً بدانَقٍ فصارَتْ سِتَّةً بدانَقٍ أو رَخُصَ وصارَ عِشرونَ بدانَقٍ، يأخُذُ منه عَدَد ما أعطى ولا يَزيدُ ولا يَنقُصُ. اه.
قُلتُ: هذا مَبنيٌّ على قَولِ الإمامِ، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ أوَّلَّا، وقد
стр. 4646
عَلِمتُ أنَّ المُفتى به قَولُه: ثانيًا بوُجوبِ قيمَتِها يَومَ القَرضِ وهو دانَقٌ، أي: سُدُسِ دِرهَمٍ، سَواءٌ صارَ الآنَ سِتَّةَ فُلوسٍ بدانَقٍ أو عِشرينَ بدانَقٍ، فتأمَّلْ.
ومِثلُه ما سيَذكُرُه المُصنِّفُ في فَصلِ القَرضِ مِنْ قَولِه: استَقرَضَ مِنَ الفُلوسِ الرائِجةِ والعَدالى فكَسَدتْ فعليه مِثلُها كاسدةً، لا قيمَتُها. ا هـ. فهو على قَولِ الإمامِ.
وسيأتي في بابِ الصَّرفِ مَتنًا وشَرحًا اشتَرى شَيئًا به، أي: بغالِبِ الغِشِّ، وهو نافِقٌ، أو بفُلوسٍ نافِقةٍ، فكَسَد ذلك قبلَ التَّسليمِ لِلبائِعِ بطَل البَيعُ، كما لو انقَطَعتْ عن أيدي الناسِ؛ فإنَّه كالكَسادِ، وكذا حُكمُ الدَّراهِمِ لو كَسَدتْ أو انقَطَعتْ بَطَل وصَحَّحاه بقيمةِ المَبيعِ، وبه يُفتى رِفقًا بالناسِ. اه.
وقَولُه: «بقيمةِ المَبيعِ»، صَوابُه بقيمةِ الثَّمَنِ الكاسِدِ، وفي غايةِ البَيانِ، قال أبو الحَسنِ: لَم تَختلِفِ الرِّوايةُ عن أبي حَنيفةَ في قَرضِ الفُلوسِ إذا كَسَدتْ أنَّ عليه مِثلَها.
قال بِشرٌ: قال أبو يُوسُفَ: عليه قيمَتُها مِنَ الذهَب يَومَ وَقَع القَرضُ في الدَّراهِمِ التي ذَكَرتُ لكَ أصنافَها، يَعني البُخاريَّةَ والطَّبَريَّةَ واليَزيديَّةَ.
وقال مُحمدٌ: عليه قيمَتُها في آخِرِ إنفاقِها.
قال القُدوريُّ: وإذا ثَبَت مِنْ قَولِ أبي حَنيفةَ في قَرضِ الفُلوسِ ما ذَكَرنا فالدَّراهِمُ البُخاريَّةُ فُلوسٌ على صِفةٍ مَخصوصةٍ، والطَّبَريةُ واليَزيديَّةُ هي التي غلَب الغِشُّ عليها، فتَجري مَجرى الفُلوسِ، فلذلك قاسَها أبو يُوسُفَ على الفُلوسِ. اه.
стр. 4647
وما ذَكَره في القَرضِ جازَ في البَيعِ أيضًا، كما قَدَّمناه عن الذَّخيرة مِنْ قَولِه: «يَومَ وَقَع البَيعُ … » إلخ.
ثم اعلَمْ أنَّ الذي فُهِمَ مِنْ كَلامِهم أنَّ الخِلافَ المَذكورَ إنما هو في الفُلوسِ والدَّراهِمِ الغالِبةِ الغِشِّ، ويَدلُّ عليه أنَّه في بَعضِ العِباراتِ اقتَصَر على ذِكرِ الفُلوسِ في بَعضِها ذَكَر العَدالِيَّ معها، وهي كما في البَحرِ عن البِنايةِ بفتح العَينِ المُهمَلةِ والدالِ وكَسرِ اللَّامِ: دَراهِمُ فيها غِشٌّ، وفي بَعضِها تَقييدُ الدَّراهِمِ بغالِبةِ الغِشِّ، وكذا تَعليلُهم قَولَ الإمامِ ببُطلانِ البَيعِ بأنَّ الثَّمَنيَّةَ بَطَلتْ بالكَسادِ؛ لأنَّ الدَّراهِمَ التي غلَب غِشُّها إنما جُعِلتْ ثَمَنًا بالاصطِلاحِ، فإذا تَرَكَ الناسُ المُعامَلةَ بها بَطَل الاصطِلاحُ، فلم تَبْقَ ثَمَنًا، فبَقيَ البَيعُ بلا ثَمَنٍ فبَطَل.
ولم أرَ مَنْ صرَّح بحُكمِ الدَّراهِمِ الخالِصةِ أو المَغلوبةِ الغِشِّ سِوى ما أفادَه الشارِحُ هنا.
ويَنبَغي أنَّه لا خِلافَ في أنَّه لا يَبطُلُ البَيعُ بكَسادِها، ويَجبُ على المُشتَري مِثلُها في الكَسادِ والانقِطاعِ والرُّخصِ والغَلاءِ، أمَّا عَدَمُ بُطلانِ البَيعِ فلأنَّها ثَمَنُ خِلقةٍ، فتَركُ المُعامَلةِ بها لا يُبطِلُ ثَمنيَّتَها، فلا يَتأتَّى تَعليلُ البُطلانِ المَذكورِ، وهو بَقاءُ البَيعِ بلا ثَمَنٍ، وأمَّا وُجوبُ مِثلِها -وهو ما وَقَع عليه العَقدُ، كمِئةِ ذهَب مُشخَّصٍ، أو مِئةِ ريالٍ أفرَنجيٍّ- فلِبَقاءِ ثَمَنيَّتِها أيضًا وعَدَمِ بُطلانِ تَقوُّمِها، وتَمامُ بَيانِ ذلك في رِسالَتِنا (تَنبيهُ الرُّقودِ في أحكامِ النُّقودِ) (١).
стр. 4648
وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ في «شَرحِ المُحَرَّرِ»: إذا أقرَضَه أو غَصَبه طَعامًا، فنَقَصتْ قيمَتُه، فهو نَقصُ النَّوعِ، والأنواعُ لا يُعقَلُ عَيبُها إلا بنُقصانِ قيمَتِها، فلا يُجبَرُ على أخْذِه ناقصًا، فيَرجِعُ إلى القيمةِ، وهذا هو العَدلُ؛ فإنَّ المالَيْنِ إنَّما يَتماثَلانِ إذا استَوَتْ قيمَتُهما، وأما مع اختِلافِ القيمةِ فلا تَماثُلَ، فعَيبُ الدَّينِ إفلاسُ المَدينِ، وعَيبُ العَينِ المُعيَّنةِ خُروجُها عن المُعتادِ (١).
بأيِّ شَيءٍ يُملَكُ القَرضُ؟
اختَلَف الفُقهاءُ في القَرضِ، هل يُملَكُ بالقَبضِ وإنْ لَم يَتصَرَّفْ فيه المُستقرِضُ أو لا يُملَكُ إلا بالاستِهلاكِ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَرضَ يُملَكُ بالقَبضِ، وإنْ لَم يَتصرَّفْ فيه المُستقرِضُ؛ لأنَّه عَقدٌ يَقِفُ التَّصرُّفُ فيه على القَبضِ فوَقَفَ المِلكُ عليه، كالهِبةِ؛ ولأنَّه لو لَم يُملَكْ بالقَبضِ لَامتَنَع عليه التَّصرُّفُ فيه.
وَجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ عندَ الحَنفيَّةِ أنَّ المُستَقرِضَ بالقَبضِ نَفْسِه صارَ بسَبيلٍ مِنَ التَّصرُّفِ في القَرضِ مِنْ غيرِ إذْنِ المُقرِضِ، بَيعًا وهِبةً وصَدَقةً وفي سائِرِ التَّصرُّفاتِ، وإذا تَصرَّفَ نَفَذَ تَصرُّفُه ولا يَتوقَّفُ على إجازةِ المُقرِضِ،
стр. 4649
وهذه أماراتُ المِلكِ، وكذا مأخَذُ الاسمِ دَليلٌ عليه؛ فإنَّ القَرضَ قَطعٌ في اللُّغةِ، فيَدلُّ على انقِطاعِ مِلكِ المُقرِضِ بالتَّسليمِ نَفْسِه.
وقال أبو يُوسُفَ ﵀ والشافِعيَّةُ في قَولٍ: لا يُملَكُ بالقَبضِ، بل يُملَكُ بالتَّصرُّفِ بعدَ القَبضِ؛ لأنَّه عَقدُ إرفاقٍ، ولِلمُقرِضِ بعدَ القَبضِ استِرجاعُه، ولِلمُقترِضِ رَدُّه، فدَلَّ على أنَّه لَم يَحصُلْ له مِلكُه.
ووَجهُ قَولِ أبي يُوسُفَ أنَّ الإقراضَ إعارةٌ، بدَليلِ أنَّه لا يَلزَمُ فيه الأجَلُ، ولو كان مُعاوَضةً لَلَزِمَ، كما في سائِرِ المُعاوَضاتِ، وكذا لا يَملِكُه الأبُ والوَصيُّ والعَبدُ المأذونُ والمُكاتَبُ، وهؤلاء لا يَملِكونَ المُعاوَضاتِ.
وكذا إقراضُ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ لا يَبطُلُ بالافتِراقِ قبلَ قَبضِ البَدلَيْنِ، وإنْ كان مُبادَلةً لَبطَل؛ لأنَّه صَرفٌ، والصَّرفُ يَبطُلُ بالافتِراقِ قبلَ قَبضِ البَدلَيْنِ، وكذا إقراضُ المَكيلِ لا يَبطُلُ بالافتِراقِ ولو كان مُبادَلةً لبطَل؛ لأنَّ بَيعَ المَكيلِ بمَكيلٍ مِثلِه في الذِّمَّةِ لا يَجوزُ، فثَبَت بهذه الدَّلائِلِ أنَّ الإقراضَ إعارةٌ، فبَقيَتِ العَينُ على حُكمِ مِلكِ المُقرِضِ (١).
стр. 4650
هل يَحِقُّ لِلمُقرِضِ أنْ يَرجِعَ في القَرضِ إذا كان له مُدَّةٌ مَشروطةٌ أو لا؟
اختَلَف الفُقهاءُ في المُقرِضِ هل يَحِقُّ له الرُّجوعُ في القَرضِ الذي أقرَضَه أو لا؟
فالمالِكيَّةُ يَقولونَ: لا يَلزَمُه رَدُّه.
والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ وأبو حَنيفةَ -كما حَكاه عنه ابنُ قُدامةَ- يَقولونَ: يَلزَمُه رَدُّه لِرَبِّه على التَّفصيلِ الآتي.
قال المالِكيَّةُ: القَرضُ يَملِكُه المُقترِضُ بمُجرَّدِ عَقدِ القَرضِ -وإنْ لَم يَقبِضْه-، ويَصيرُ مالًا مِنْ أموالِه ويُقضى له به، وإذا قَبَضه لا يَلزَمُه رَدُّه لِرَبِّه إلا بعدَ المُدَّةِ المَشروطةِ، وإذا لَم يَكُنْ بَينَهما شَرطٌ يُرجَعُ فيه إلى العادةِ لا يَرُدُّه إلا إذا انتَفَع به عادةً أمثالُه مع عَدَمِ الشَّرطِ على الراجِحِ في المَذهبِ، فإنْ مَضى الأجَلُ المُشترَطُ أو المُعتادُ يَلزَمُه رَدُّه.
وفي قَولٍ: إذا أطلَقَ مِنْ غيرِ تَقييدِ زَمَنٍ فإنَّه يُقضى بالحُلولِ ويأخُذُه رَبُّه إذا طَلَبَه.
ولو أراد تَعجيلَه قبلَ أجَلِه وجَب على رَبِّه قَبولُه، ولو غيرَ عَينٍ؛ لأنَّ الأجَلَ فيه مِنْ حَقِّ مَنْ هو عليه (١).
وقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: لِلمُقرِضِ الرُّجوعُ في عَينِه ما دام باقيًا في
стр. 4651
مِلكِ المُقترِضِ بحالِه؛ لأنَّ له طلَب بَدَلِه عندَ فَقدِه، فالمُطالَبةُ بعَينِه أوْلى؛ لأنَّه أقرَبُ منه ويَلزَمُ المُقترِضَ رَدُّه.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يَرجِعُ فيه؛ صيانةً لِمِلكِ المُستقرِضِ، بل لِلمُقترِضِ أنْ يُؤدِّيَ حَقَّه مِنْ مَوضِعٍ آخَرَ، كسائِرِ الدُّيونِ.
والخِلافُ على القَولِ بأنَّه يُملَكُ بالقَبضِ، وأمَّا على القَولِ الذي يَقولُ بأنَّه يُملَكُ بالتَّصرُّفِ رَجَع به جَزمًا.
ولو وَجَده مَرهونًا أو مُكاتَبًا أو جَنى فتَعلَّقَ الأرشُ برَقَبَتِه فإنَّه لا رُجوعَ له.
ولو رَدَّه المُقترِضُ بعَينِه لَزِمَ المُقرِضَ قَبولُه قَطعًا إنْ نَقَص فله قَبولُه مع الأرشِ أو مِثلُه سَليمًا.
ولو زادَ رَجَع في زيادتِه المُتَّصِلةِ دونَ المُنفَصِلةِ.
ولو زالَ مِلكُه ثم عادَ فوَجهانِ بالرُّجوعِ وعَدَمِه.
ولو أجَّرَه المُستقرِضُ كان لِلمُقرِضِ الرُّجوعُ فيه، ولا تَبطُلُ الإجارةُ، وإنْ شاءَ صَبَر لِانقِضاءِ المُدَّةِ، ولا أُجرةَ له؛ إذِ الأُجرةُ كزيادةٍ مُتَّصِلةٍ، وإنْ شاءَ أخَذَ بَدَلَه لِنُقصانِ مَنفَعَتِه (١).
فقال الحَنابِلةُ: القَرضُ عَقدٌ لَازِمٌ في حَقِّ المُقرِضِ، جائِزٌ في حَقِّ المُقترِضِ، فلو أرادَ المُقرِضُ الرُّجوعَ في عَينِ مالِه لَم يَملِكْ ذلك؛ لأنَّه
стр. 4652
أزالَ مِلكَه بعِوَضٍ مِنْ غيرِ خيارٍ، فلَم يَكُنْ له الرُّجوعُ فيه كالمَبيعِ.
فأمَّا المُقترِضُ فله رَدُّ ما اقتَرَضه على المُقرِضِ إذا كان على صِفَتِه لَم يَنقُصْ ولَم يَحدُثْ به عَيبٌ؛ لأنَّه على صِفةِ حَقِّه، فلَزِمَه قَبولُه، كالمُسلَمِ فيه، وكما لو أعطاه غَيرَه.
ولِلمُقرِضِ المُطالَبةُ ببَدَلِه مِنَ المُقترِضِ في الحالِ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ المِثلِ في المِثليَّاتِ فأوجَبَه حالًّا كالإتلافِ.
ولو أقرَضَه تَفاريقَ ثم طالَبَه بها جُملةً فله ذلك؛ لأنَّ الجَميعَ حالٌّ، فأشبَهَ ما لو باعَه بُيوعًا حالَّةً ثم طالَبَه بثَمَنِها جُملةً.
وإنْ أجَّلَ القَرضَ لَم يَتأجَّلْ وكان حالًّا، وكُلُّ دَينٍ حَلَّ أجَلُه لَم يَصِرْ مُؤجَّلًا بتأجيلِه؛ لأنَّ الحَقَّ يَثبُتُ حالًّا، والتأجيلُ تَبرُّعٌ منه ووَعدٌ، فلا يَلزَمُ الوَفاءُ به كما لو أعارَه شَيئًا.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولِلمُقرِضِ المُطالَبةُ ببَدَلِه في الحالِ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ المِثلِ في المِثليَّاتِ فأوجَبَه حالًّا كالإتلافِ.
ولو أقرَضَه تَفاريقَ ثم طالَبَه بها جُملةً فله ذلك؛ لأنَّ الجَميعَ حالٌّ، فأشبَهَ ما لو باعه بُيوعًا حالَّةً ثم طالَبَه بثَمَنِها جُملةً.
وإنْ أجَّلَ القَرضَ لَم يَتأجَّلْ، وكان حالًّا، وكُلُّ دَينٍ حَلَّ أجَلُه لَم يَصِرْ مُؤجَّلًا بتَأجيلِه.
وبهذا قال الحارِثُ العُكْليُّ والأوزاعيُّ وابنُ المُنذرِ والشافِعيُّ.
وقال مالِكٌ واللَّيثُ: يَتأجَّلُ الجَميعُ بالتأجيلِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ :
стр. 4653
«المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»؛ ولأنَّ المُتعاقِدَيْنِ يَملِكانِ التَّصرُّفَ في هذا العَقدِ بالإقالةِ والإمضاءِ، فمَلَكا الزِّيادةَ فيه كخيارِ المَجلِسِ.
وقال أبو حَنيفةَ في القَرضِ: وبَدَلُ المُتلَفِ كقَولِنا: وفي ثَمَنِ المَبيعِ والأُجرةِ والصَّداقِ وعِوَضِ الخُلعِ كقَولِهما؛ لأنَّ الأجَلَ يَقتَضي جُزءًا مِنَ العِوَضِ، والقَرضُ لا يَحتمِلُ الزِّيادةَ والنَّقصَ في عِوَضِه، وبَدَلُ المُتلَفِ الواجِبُ فيه المِثلُ مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نَقصٍ، فلذلك لَم يتأجَّلْ، وبَقيَّةُ الأعواضِ تَجوزُ الزِّيادةُ فيها، فجازَ تأجيلُها.
ولنا: أنَّ الحَقَّ يَثبُتُ حالًّا، والتَّأجيلَ تَبرُّعٌ منه ووَعدٌ، فلا يَلزَمُ الوَفاءُ به كما لو أعارَه شَيئًا، وهذا لا يَقَعُ عليه اسمُ الشَّرطِ، ولو سُمِّيَ فالخَبَرُ مَخصوصٌ بالعاريةِ فيُلحَقُ به مما اختَلَفا فيه؛ لأنَّه مِثلُه.
ولنا: على أبي حَنيفةَ أنَّها زيادةٌ بعدَ استِقرارِ العَقدِ، فأشبَهَ القَرضَ، وأمَّا الإقالةُ فهي فَسخٌ وابتِداءُ عَقدٍ آخَرَ بخِلافِ مَسألَتِنا.
وأمَّا خيارُ المَجلِسِ فهو بمَنزِلةِ ابتِداءِ العَقدِ بدَليلِ أنَّه يُجزِئُ فيه القَبضُ لِما يُشترَطُ قَبضُه والتَّبيينُ لِما في الذِّمَّةِ (١).
الواجِبُ رَدُّه على المُقترِضِ:
قد تَقدَّم اختِلافُ العُلماءِ فيما يَصحُّ قَرضُه، وما لا يَصحُّ، لكنَّهم اتَّفَقوا على أنَّ مَنْ أسلَفَ سَلَفًا مما يَجوزُ أنْ يُسلَفَ فيه يَجبُ على المُقترِضِ رَدُّ
стр. 4654
مِثلِه، سَواءٌ زادتْ قيمَتُه على وَقتِ القَرضِ أو نَقَصتْ قيمَتُه عن ذلك، ويَجبُ على المُقرِضِ أنْ يأخُذَ ذلك.
قال الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ مَنْ أسلَفَ سَلَفًا مما يَجوزُ أنْ يُسلَفَ فرَدَّ عليه مِثلَه جازَ، وأنَّ لِلمُسلِفِ أخْذَ ذلك (١).
وقال ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفَقوا على وُجوبِ رَدِّ مِثلِ الشَّيءِ المُستقرَضِ (٢)، ولأنَّ المَكيلَ والمَوزونَ في الغَصبِ والإتلافِ بمِثلِه، فكذا ههنا (٣).
قال الحَنابِلةُ: فإنْ أعوَزَ المِثلَ بأنْ عَزَّ وُجودُه ولَم يُوجَدْ لَزِمَ المُقترِضَ قيمةُ المِثلِ يَومَ إعوازِه؛ لأنَّها حينَئذٍ ثَبَتتْ في الذِّمَّةِ (٤).
ثم اختَلَفوا في غيرِ المَكيلِ والمَوزونِ هل يُرَدُّ مِثلُه أو قيمَتُه؟
فذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّه يُرَدُّ في المُتقوَّمِ المِثلُ صُورةً؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اقتَرَضَ بَكرًا ورَدَّ رباعِيًّا، وقال: إنَّ خيارَكُم أحسَنُكم قَضاءً، ولأنَّه لو وَجَبتْ قيمَتُه لافتَقَرَ إلى العِلمِ بها.
وقال الحَنابِلةُ: ويُخالِفُ الإتلافَ؛ فإنَّه لا مُسامَحةَ فيه، فوَجَبتِ القيمةُ؛ لأنَّها أحصَرُ، والقَرضُ أسهَلُ، ولِهذا جازَتِ النَّسيئةُ فيما فيه الرِّبا، ويُعتبَرُ
стр. 4655
مِثلُ صِفاتِه تَقريبًا؛ فإنَّ حَقيقةَ المِثلِ إنَّما تُوجَدُ في المَكيلِ والمَوزونِ، فإنْ تَعذَّرَ المِثلُ فعليه قيمَتُه يَومَ تَعذُّرِ المِثلِ؛ لأنَّ القيمةَ ثَبَتتْ في ذِمَّتِه حينَئذٍ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: يَنبَغي اعتِبارُ ما فيه مِنَ المَعاني، كحِرفةِ الرَّقيقِ وفَراهةِ الدَّابَّةِ، فيُرَدُّ ما يَجمَعُ تلك الصِّفاتِ كلَّها حتى لا يَفوتَ عليه شَيءٌ.
فإنْ لَم يَتأتَّ اعتُبِرَ مع الصُّورةِ مُراعاةُ القيمةِ، وعليه لو لَم يُوجَدْ عَبدٌ تَبلُغُ قيمَتُه قيمةَ العَبدِ المُقرِضِ مع مُلاحَظةِ صِفاتِه، فهل تُرَدُّ قيمةُ العَبدِ المُقرَضِ دَراهِمَ لِتَعذُّرِ رَدِّ مِثلِه، أو يُرَدُّ مِثلُه صُورةً ويُرَدُّ معه مِنَ المالِ ما يَبلُغُ به قيمةَ العَبدِ المُقرَضِ؟ فيه نَظَرٌ، والظاهِرُ الأوَّلُ لِلعِلَّةِ المَذكورةِ.
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجبُ رَدُّ قيمَتِه يَومَ القَرضِ؛ لأنَّه لا مِثلَ له، فيَضمَنُه بقيمَتِه كما لو أتلَفَ مُتقوَّمًا، وإنَّما وَجَبتْ قيمَتُه يَومَ القَرضِ عندَ الحَنابِلةِ، والصَّحيحِ عندَ الشافِعيَّةِ لأنَّها حينَئذٍ ثَبَتتْ في ذِمَّتِه، وهذا عندَ الشافِعيَّةِ على القَولِ بأنَّ القَرضَ يُملَكُ بالقَبضِ، وبالأكثَرِ مِنْ وَقتِ القَبضِ إلى التَّصرُّفِ إنْ قُلنا يُملَكُ بالتَّصرُّفِ.
والقَولُ في الصِّفةِ أو القيمةِ عندَ الاختِلافِ فيهما قَولُ المُستقرِضِ بيَمينِه؛ لأنَّه غارِمٌ (٢).
стр. 4656
رَدُّ القَرضِ مع الزِّيادةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُقرِضَ إذا شَرَط عندَ القَرضِ على المُقترِضِ زيادةً أو هَديَّةً فأقرَضَه وأسلَفَه على ذلك أنَّ أخْذَه الزِّيادةَ على ذلك رِبًا.
قال الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ المُسلِفَ إذا شَرَط على المُستَسلِفِ زيادةً أو هَديَّةَ فأسلَفَ على ذلك فأخْذُ الزِّيادةِ على ذلك رِبًا (١).
وقال ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ اشتِراطَ رَدِّ أفضَلَ مما استَقرَضَ أو أكثَرَ حَرامٌ لا يَحِلُّ (٢).
واستَدَلُّوا على ذلك بما رُويَ مَرفوعًا: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا» (٣).
وقال الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا السَّلَفُ الذي هو القَرضُ فقد وَرَدتِ السُّنَّةُ المُجتَمَعُ عليها فيه بأنَّ خَيرَ الناسِ أحسَنُهم قَضاءً، وأنَّ الزِّيادةَ فيه إذا اشتُرِطتْ رِبًا (٤).
ولأنَّ عَقدَ القَرضِ إرفاقٌ وقُربةٌ، فإذا شَرَط المُقرِضُ فيه الزِّيادةَ لِنَفْسِه خرَج عن مَوضوعِه فمنَع صِحَّتَه؛ لأنَّه يَكونُ بذلك قَرضًا لِلزِّيادةِ لا لِلإرفاقِ
стр. 4657
والقُربةِ؛ ولأنَّ الزِّيادةَ المَشروطةَ تُشبِهُ الرِّبا؛ لأنَّها فَضلٌ لا يُقابِلُه عِوَضٌ، والتَّحرُّزُ عن حَقيقةِ الرِّبا وعن شُبهةِ الرِّبا واجِبٌ (١).
وقال الحَنابِلةُ: ومِثلُ ذلك اشتِراطُ المُقرِضِ أيَّ عَمَلٍ يَجُرُّ إليه نَفعًا، كأنْ يُسكِنَه المُقترِضُ دارَه مَجَّانًا، أو يُعيرَه دابَّتَه، أو يَعمَلَ له كذا، أو يَنتفِعَ برَهنِه … إلخ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن بَيعٍ وسَلَفٍ (٢)؛ لأنَّه شَرَط عَقدًا في عَقدٍ؛ فلَم يَجُزْ كما لو باعَه دارَه بشَرطِ أنْ يَبيعَه الآخَرُ دارَه.
وإنْ شَرَط أنْ يُؤجِّرَه دارَه بأقَلَّ مِنْ أُجرَتِها، أو على أنْ يَستأجِرَ دارَ المُقرِضِ بأكثَرَ مِنْ أُجرَتِها، أو يَعمَلَ له عَمَلًا كان أبلَغَ في التَّحريمِ.
فإنْ فَعَل ما يَحرُمُ اشتِراطُه بأنْ أسكَنَه دارَه وغَيرِ ذلك مِنْ غيرِ شَرطٍ جازَ (٣).
وهذا إذا كانتِ الزِّيادةُ مَشروطةً في القَرضِ، فأمَّا إنْ كانتِ الزِّيادةُ غيرَ مَشروطةٍ فيه، ولكنَّ المُستَقرِضَ قَضاه خَيرًا ممَّا أعطاه، سَواءٌ في القَدْرِ أو الصِّفةِ أو دونَ ذلك، فلا بأسَ بذلك عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الرِّبا اسمٌ لِزِيادةٍ مَشروطةٍ في العَقدِ ولَم تُوجَدْ، بل
стр. 4658
هذا مِنْ بابِ حُسنِ القَضاءِ وأنَّه أمْرٌ مَندوبٌ إليه؛ لِحَديثِ أبي رافِعٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ استَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكرًا، فقَدِمَتْ عليه إبِلٌ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، فأَمَرَ أبَا رافِعٍ أنْ يَقضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فرجَع إليه أبو رافِعٍ فقالَ: لَم أجِدْ فيها إلا خِيارًا ربَاعِيًّا، فقال: «أَعطِهِ إِيّاهُ، إنَّ خِيارَ الناسِ أَحسَنُهُمْ قَضَاءً» (١).
ولأنَّه لَم يَجعَلْ تلك الزِّيادةَ عِوَضًا في القَرضِ ولا وَسيلةً إليه ولا إلى استِيفاءِ دَيْنِه، فحَلَّتْ كما لو لَم يَكُنْ هناك قَرضٌ.
وقال ابنُ موسى ﵀: إذا زاده بعدَ الوَفاءِ فعادَ المُستقرِضُ بعدَ ذلك يَلتَمِسُ منه قَرضًا آخَرَ ففَعَل لَم يأخُذْ إلا مِثلَ ما أعطاه؛ فإنْ أخَذَ زيادةً أو أجوَدَ مما أعطاه كان حَرامًا قَولًا واحِدًا.
واختَلَفوا فيما إذا كان الرَّجُلُ مَعروفًا بحُسنِ القَضاءِ إما أكثَرَ مما اقتَرَض أو أجوَدَ منه، فهل يَجوزُ إقراضُه مُطلَقًا أو لا؟
فقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَجوزُ إقراضُه مِنْ غيرِ شَرطٍ؛ لأنَّ الزِّيادةَ مَندوبٌ إليها في القَضاءِ، فلا يَمنَعُ مِنْ جَوازِ القَرضِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان مَعروفًا بحُسنِ القَضاءِ، فهل يَسوغُ لِأحَدٍ أنْ يَقولَ: إنَّ إقراضَه مَكروهٌ؟ ولأنَّ المَعروفَ بحُسنِ القَضاءِ خَيرُ الناسِ وأفضَلُهم، وهو أوْلى الناسِ بقَضاءِ حاجَتِه وإجابةِ مَسألَتِه وتَفريجِ كُربَتِه،
стр. 4659
فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ ذلك مَكروهًا؛ وإنَّما يَمنَعُ مِنَ الزِّيادةِ المَشروطةِ.
وفي وَجهٍ لِكُلٍّ مِنَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ: لا يَصحُّ إقراضُه إلا بشَرطِ أنْ يَرُدَّ عليه مِثلَ ما أخَذَه؛ لأنَّ ما عُلِمَ بالعُرفِ كالمَعروفِ بالشَّرطِ؛ ولأنَّه يَطمَعُ في حُسنِ عادَتِه (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فيُجوِّزونَ الزِّيادةَ في الصِّفةِ ولا يُجوِّزونَ الزِّيادةَ في العَدَدِ، فيَجوزُ قَضاءُ القَرضِ إذا كان عَينًا أو طَعامًا أو عَرضًا بأفضَلَ صِفةٍ، حَلَّ الأجَلُ أو لا؛ لأنَّ الحَقَّ في الأجَلِ في القَرضِ لِمَنْ عليه الدَّينُ كدِينارٍ جَيِّدٍ عن أدْنى منه، أو ثَوبٍ، أو طَعامٍ أو حَيَوانٍ جَيِّدٍ عن دَنيءٍ؛ لأنَّه حُسنُ قَضاءٍ، وخَيرُ الناسِ أحسَنُهم قَضاءً، وهذا بشَرطِ عَدَمِ دُخولِهما عليه، وإلا كان سَلَفًا جَرَّ مَنفَعةً، وهو فاسِدٌ.
وجازَ القَضاءُ بأقَلَّ منه صِفةً وقَدْرًا معًا، كنِصفِ دينارٍ أو دِرهَمٍ، ونِصفِ إردَبٍّ أو ثَوبٍ عن كامِلٍ أجوَدَ وأوْلى بأقَلَّ منه صِفةً فَقَطْ، أو قَدْرًا فَقَطْ، إنْ حَلَّ الأجَلُ، وإلا فلا؛ لِما فيه مِنْ: ضَعْ وتَعجَّلْ.
ولا يَجوزُ القَضاءُ بأزيَدَ عَدَدًا أو وَزنًا مُطلَقًا، حَلَّ الأجَلُ أو لا؛ لِلسَّلَفِ
стр. 4660
بزيادةٍ، كدَوَرانِ الفَضلِ مِنَ الجانبَيْنِ، فلا يَجوزُ، كعَشَرةٍ يَزيديَّةٍ عن تِسعةٍ مُحمَّديَّةٍ أو عَكسِه.
وثَمَنُ الشَّيءِ المَبيعِ المُترَتِّبُ في ذِمَّةِ المُشتَري حالَ كَونِه مِنَ العَينِ -الذهَب والفِضَّةِ- قَضاؤُه كذلك، أي: قَضاءُ القَرضِ في جَوازِه بأفضَلَ منه صِفةً مُطلقًا، وبأقَلَّ منه صِفةً وقَدْرًا إنْ حَلَّ الأجَلُ.
ويَجري في قَضاءِ ثَمَنِ المَبيعِ -حيثُ كان عَينًا- ما جَرى في قَضاءِ القَرضِ مِنَ التَّفصيلِ، فيَجوزُ قَضاؤُه منها بالمُساوي وأفضَلَ صَفةً قبلَ الأجَلِ وبعدَه وبأقَلَّ منه صِفةً وقَدرًا إنْ حَلَّ الأجَلُ -لا قَبلَه- إلا أنَّه هنا يَجوزُ القَضاءُ عن ثَمَنِ المَبيعِ مِنَ العَينِ بأكثَرَ عَدَدًا أو وَزنًا كقَضاءِ عَشَرةٍ ثَمَنِ سِلعةٍ عن تِسعةٍ بخِلافِه في القَرضِ؛ لِانتِفاءِ عِلَّةِ مَنعِه في قَضاءِ القَرضِ، وهي سَلَفٌ جَرَّ نَفعًا، وسَواءٌ حَلَّ الأجَلُ أو لا؛ لأنَّ العَينَ لا يَدخُلُها «حُطَّ الضَّمانَ وأزيدُكَ»؛ لأنَّ الأجَلَ فيها لِمَنْ هي عليه، وأمَّا العَرضُ والطَّعامُ فيَجوزُ قَضاؤُه قبلَ أجَلِه بمُساوية قَدْرًا وصِفةً، لا أزيَدَ لِ «حُطَّ الضَّمانَ وأزيدُكَ»، ولا أقَلَ ل «ضَعْ وتَعجَّلْ»؛ فإنْ حَلَّ جازَ إنْ كان عَرضًا، فإنْ كان طَعامًا وجُعِلَ الأقَلُّ في مِثلِه وأبرأه مِنَ البَقيَّةِ جازَ، وإلا مُنِعَ لِلمُفاضَلةِ في الطَّعامِ، وهذا إنْ قَضاه بجِنسِه، فإنْ قَضاه بغَيرِ جِنسِه جازَ إنْ كان الثَّمَنُ غيرَ طَعامٍ، وجازَ بَيعُه بالمأخوذِ مُناجَزةً وسُلِّمَ رأسُ المالِ فيه (١).