وذهَبَ الأئِمةُ الثَّلاثةُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا أحَسَّ بانتِقالِ المَنيِّ عندَ الشَّهوةِ فأمسَكَ ذكَرَه فلم يَخرجْ فلا غُسلَ عليه. قالَ ابنُ قُدامةَ: وهو قَولُ أكثَرِ الفُقهاءِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لو قبَّلَ امرأةً فأحَسَّ بانتِقالِ المَنيِّ ونُزولِه، فأمسَكَ ذكَرَه فلم يَخرجْ منه في الحالِ شَيءٌ ولا علِمَ خُروجَه بعدَ ذلك فلا غُسلَ عليه عندَنا، وبه قالَ العُلماءُ كافَّةً إلا أحمدَ؛ فإنَّه قالَ في أشهَرِ الرِوايَتينِ عنه: يَجبُ الغُسلُ، قالَ: ولا يُتصوَّرُ رُجوعُ المَنيِّ، دَليلُنا: قَولُه ﷺ : «إنَّما الماءُ من الماءِ» ولأنَّ العُلماءَ مُجمِعون على أنَّ من أحَسَّ بالحَدثِ كالقَرقرةِ والرِّيحِ ولم يَخرجْ منه شَيءٌ لا وُضوءَ عليه، فكَذا هنا (٢).
٥ - التِقاءُ الخِتانَين:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مِنْ مُوجِباتِ الغُسلِ التِقاءَ الخِتانَينِ، وذلك لمَا رَوَت عائِشةُ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا جلَسَ بينَ شُعبِها الأربَعِ ومَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغُسلُ» (٣).
ولمَا رَواه أبو هُرَيرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا جلَسَ بينَ
стр. 492
شُعبِها الأربَعِ ثم جهَدَها فقد وجَبَ عليه الغُسلُ» وفي رِوايةٍ: «وإنْ لم يُنزِلْ» (١).
قالَ النَّوويُّ ﵀: إنَّ إِيجابَ الغُسلِ لا يَتوقَّفُ على نُزولِ المَنيِّ، بل متى غابَت الحَشفةُ في الفَرجِ وجَبَ الغُسلُ على الرَّجلِ والمَرأةِ، وهذا لا خِلافَ فيه اليَومَ، وقد كانَ فيه خِلافٌ لبَعضِ الصَّحابةِ ومَن بعدَهم، ثم انعَقَد الإِجماعُ على ما ذكَرناه.
والتِقاءُ الخِتانَين يَحصلُ بتَغييبِ الحَشفةِ من صَحيحِ الذَّكرِ في الفَرجِ، ذلك أنَّ خِتانَ الرَّجلِ هو الجِلدُ الذي يَبقى بعدَ الخِتانِ، وأنَّ خِتانَ المَرأةِ جِلدةٌ كعُرفِ الدِّيكِ فوقَ الفَرجِ، فيُقطعُ منها في الخِتانِ، فإذا غابَتِ الحَشفةُ في الفَرجِ حاذَى خِتانُه خِتانَها، وإذا تَحاذَى فقد التَقَيا، وليسَ المُرادُ بالتِقاءِ الخِتانَين التِصاقَهما وضَمَّ أحدِهما إلى الآخَرِ؛ فإنَّه لو وَضعَ مَوضعَ خِتانِه على مَوضعِ خِتانِها ولم يُدخِلْه في مَدخلِ الذَّكرِ لم يَجبِ الغُسلُ بالإِجماعِ، والحَشفةُ هي رأسُ الذَّكرِ.
ولا بدَّ أيضًا لإِيجابِ الغُسلِ من تَغييبِ الحَشفةِ كلِّها في الفَرجِ؛ فإنْ غيَّبَ بَعضَها فلا غُسلَ عليه باتِّفاقٍ (٢).
وقالَ في شَرحِ مُسلمٍ: قَولُه: «ومَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغُسلُ» قالَ العُلماءُ: مَعناه غَيَّبتَ ذكَرَك في فَرجِها، وليسَ المُرادُ حَقيقةَ المَسِّ، وذلك أنَّ خِتانَ المَرأةِ في أعلى الفَرجِ ولا يَمسُّه الذَّكرُ في الجِماعِ.
стр. 493
وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّه لو وضَعَ ذكَرَه على خِتانِها ولم يُولِجْه لم يَجبِ الغُسلُ لا عليه ولا عليها، فدَلَّ على أنَّ المُرادَ ما ذكَرْناه والمُرادُ بالمُماسَّةِ المُحاذاةُ، وكذلك الرِّوايةُ الأُخرى إذا التَقَى الخِتانانِ أي تَحاذَيا (١).
٦ - إذا أولَجَ في فَرجِ بَهيمةٍ:
ذهَبَ الأئِمةُ الثَّلاثةُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ إلى أنَّ مَنْ عَصى اللهَ تَعالى وأولَجَ في فَرجِ بَهيمةٍ فإنَّ عليه الغُسلَ وإنْ لم يُنزِلْ.
وقالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ: لا يَجبُ عليه الغُسلُ حتى يُنزلَ (٢).
٧ - الحَيضُ والنِّفاسُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الحَيضَ والنِّفاسَ من مُوجِباتِ الغُسلِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ الغُسلِ بسَببِ الحَيضِ وسَببِ النِّفاسِ، وممَّن نقَلَ الإِجماعَ فيهما ابنُ المُنذرِ وابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ وآخَرون (٣).
стр. 494
لقَولِه تَعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: إذا اغتسَلنَ، ووَجهُ الدِّلالةِ من الآيةِ أنَّه يَلزمُها تَمكينُ الزَّوجِ من الوَطءِ، ولا يَجوزُ ذلك إلا بالغُسلِ، وما لا يَتمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ.
وعن عائِشةَ أنَّ أَسماءَ سألَت النَّبيَّ ﷺ عن غُسلِ المَحيضِ فقالَ: «تَأخذُ إِحداكُنَّ ماءَها وسِدرتَها فتَطَّهَّرُ فتُحسِنُ الطُّهورَ ثم تَصبُّ على رأسِها فتَدلُكُه دَلكًا شَديدًا حتى تَبلغَ شُؤونَ رأسِها، ثم تَصبُّ عليها الماءَ ثم تَأخذُ فِرصةً مُمسَّكةً فتَطَّهرُ بها، فقالَت أَسماءُ: وكيف تَطَّهرُ بها؟ فقالَ: سُبحانَ اللهِ، تَطهَّرينَ بها، فقالَت عائِشةُ كأنَّها تُخفي ذلك: تَتَّبِعين أثَرَ الدَّمِ، وسألَتْه عن غُسلِ الجَنابةِ فقالَ: تأخُذُ ماءً فتَطَّهَّرُ فتُحسِنُ الطُّهورَ أو تَبلغُ الطُّهورَ ثم تَصبُّ على رأسِها فتَدلُكُه حتى تَبلغَ شُؤونَ رَأسِها ثم تُفيضُ عليها الماءَ، فقالَت عائِشةُ: نِعْمَ النِّساءُ نِساءُ الأَنصارِ لم يَكنْ يَمنَعُهنَّ الحَياءُ أنْ يَتفَقَّهنَ في الدِّينِ» (١).
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ لفاطِمةَ بِنتِ أبي حُبَيشٍ: «إذا أقبَلَت الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ، وإذا أدبَرَت فاغسِلي عنكِ الدَّمَ وصَلِّي» (٢)، وفي رِوايةٍ عن عائِشةَ ﵂: «أنَّ فاطِمةَ بِنتَ أبي حُبيشٍ كانَت تُستَحاضُ فسألَت النَّبيَّ
стр. 495
ﷺ فقالَ: ذلك عِرقٌ، وليست بالحَيضةِ، فإذا أقبَلَت الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ، وإذا أدبَرَت فاغتَسِلي وصَلِّي» (١).
وأمَّا دَمُ النِّفاسِ فإنَّه يُوجبُ الغُسلَ كذلك؛ لأنَّه حَيضٌ مُجتمِعٌ، ولأنَّه يَحرمُ الصَّومُ والوَطءُ ويَسقطُ فَرضُ الصَّلاةِ فأوجَبَ الغُسلَ كالحَيضِ.
وأيضًا الإِجماعُ الذي نقَلَه ابنُ المُنذرِ وابنُ جَريرٍ وابنُ هُبيرةَ وغيرُهم (٢).
٨ - إِسلامُ الكافِرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الكافِرِ إذا أسلَمَ هل يَجبُ عليه الغُسلُ أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ على الكافِرِ الذي أسلَمَ أنْ يَغتسلَ بل يُستحبُّ له ذلك إلا أنْ يَكونَ جُنُبًا فيَجبَ عليه الغُسلُ.
قالوا: لأنَّ العَددَ الكَثيرَ والجَمَّ الغَفيرَ أسلَموا ولم يأمُرْهم النَّبيُّ ﷺ بالغُسلِ ولو أمَرَهم لنُقلَ إلينا بالتَّواترِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا بعَثَ مُعاذًا إلى اليَمنِ قالَ له: «ادْعُوهم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه؛ فإنْ هُمْ أطاعوك لذلك فأعلِمْهم أنَّ اللهَ افترَضَ عليهم خَمسَ صَلواتٍ في اليَومِ واللَّيلةِ … » الحَديثُ.
قالوا: ولو كانَ الغُسلُ واجِبًا لأمَرَهم به؛ لأنَّه أوَّلُ واجِباتِ الإِسلامِ.
стр. 496
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الكافِرَ إذا أسلَمَ وجَبَ عليه الغُسلُ سَواءٌ كانَ أصليًّا أو مُرتدًّا اغتسَلَ قبلَ إِسلامِه أو لم يَغتسِلْ، وُجِدَ منه في زَمنِ كُفرِه ما يُوجبُ الغُسلَ أو لم يُوجَدْ، لمَا رَوى قَيسُ بنُ عاصِمٍ قالَ: «أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ أُريدُ الإِسلامَ فأمَرَني أنْ أغتسِلَ بماءٍ وسِدرٍ» (١)، وأمرُه يَقتَضي الوُجوبَ، ولأنَّه إذا صَحَّ الخَبرُ كانَ حُجةً من غيرِ شَرطٍ آخَرَ؛ ولأنَّ الكافِرَ لا يَسلَمُ غالِبًا من جَنابةٍ تَلحقُه ونَجاسةٍ تُصيبُه، فأُقيمَت المَظِنةُ مَقامَ الحَقيقةِ كما أُقيمَ النَّومُ مَقامَ الحَدثِ والتِقاءُ الخِتانَينِ مَقامَ الإِنزالِ (٢).
٩ - غُسلُ المَيتِ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وبَعضُ المالِكيةِ، إلى أنَّ مِنْ واجِباتِ الغُسلِ المَوتَ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «اغسِلْنَها ثَلاثًا أو خَمسًا أو أكثَرَ من ذلك إنْ رأيتُنَّ ذلك» (٣).
وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ إلى سُنِّيةِ غُسلِ المَيتِ، قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وُجوبُ غُسلِ المَيتِ هو قَولُ عبدِ الوَهَّابِ وابنُ مُحرِزٍ وابنُ عبدِ البَرِّ، وشهَرَه ابنُ راشِدٍ وابنُ فَرحونٍ.
стр. 497
أمَّا سُنيَّتُه، فحَكاها ابنُ أبي زَيدٍ وابنُ يُونسَ وابنُ الجَلَّابِ وشهَرَه ابنُ بَزيزةَ.
وقد بيَّنتُ ذلك بفَضلِ اللهِ في كِتابِ الجَنائزِ وذكَرتُ سَببَ الخِلافِ هناك في المُجلَّدِ الثالِثِ.
ثم إنَّه ممَّا لا يَخفى أنَّ وُجوبَ الغُسلِ ليسَ على المَيتِ؛ لأنَّه قد رُفعَ عنه التَّكليفُ بالمَوتِ لقَولِه ﷺ : «إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انقطَعَ عَملُه … » رَواه مُسلمٌ، ولكنَّ الوُجوبَ يَتعلَّقُ بمَن حضَرَه من المُسلِمينَ، وهو فَرضٌ كِفائيٌّ، بحيث إذا قامَ به بَعضٌ سقَطَ عن الباقينَ؛ لحُصولِ المَقصودِ ببَعضٍ كسائِرِ الواجِباتِ على سَبيلِ الكِفايةِ (١).
ثم إنَّه إذا دُفنَ من غيرِ أنْ يُغسَّلَ، ولم يُهَلْ عليه التُّرابُ، فلا خِلافَ أنَّه يُخرجُ ويُغسَّلُ.
أمَّا بعدَه فذهَبَ الحَنفيةُ وهو قَولٌ للشافِعيةِ إلى أنَّه لا يُنبَشُ لأجلِ تَغسيلِه؛ لأنَّ النَّبشَ مُثلةٌ، وقد نُهيَ عنها، ولمَا فيه من الهَتكِ.
ويَرى المالِكيةُ والحَنابِلةُ وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ أنَّه يُنبشُ ويُغسَّلُ ما لم يَتغيَّرْ ويُخَفْ عليه أنْ يَتفسَّخَ (٢)، وسيَأتي بَيانُ ذلك مُفصَّلًا في الجَنائزِ إنْ شاءَ اللهُ.
стр. 498
صِفةُ الغُسلِ:
للغُسلِ صِفتانِ: صِفةُ إِجزاءٍ وصِفةُ كَمالٍ:
أمَّا صِفةُ الإِجزاءِ فتَحصُلُ بالنِّيةِ عندَ مَنْ يَقولُ بفَرضيَّتِها -وهُم المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ- وبتَعميمِ جَميعِ الشَّعرِ والبَشرةِ بالماءِ، وعندَ الحَنفيةِ بتَعميمِ جَميعِ الشَّعرِ والبَدنِ بالماءِ فقط.
أمَّا صِفةُ الكَمالِ فيَأتي فيها بعَشرةِ أشياءَ: بالنِّيةِ والتَّسميةِ، وغَسلِ يَدَيه ثَلاثًا وغَسلِ ما به مِنْ أذًى، والوُضوءِ، ويَحثِي على رأسِه ثَلاثًا يَروي بها أُصولَ الشَّعرِ، ويُفيضُ الماءَ على سائِرِ جَسدِه، ويَبدأُ بشِقِّه الأيمَنِ، ويَدلُكُ بدَنَه بيَدِه، ويَنتقِلُ من مَوضعِ غُسلِه فيَغسِلُ قَدمَيه ويُستحبُّ أنْ يُخلِّلَ أُصولَ شَعرِ رأسِه ولِحيَتِه بماءٍ قبلَ إفاضتِه عليه.
قالَ الإمامُ أحمدُ: الغُسلُ من الجَنابةِ على حَديثِ عائِشةَ، وهو ما رُويَ عنها قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا اغتسَلَ من الجَنابةِ غسَلَ يَدَيه وتَوضَّأ وُضوءَه للصَّلاةِ ثم اغتسَلَ ثم يُخلِّلُ بيَدِه شَعرَه حتى إذا ظَنَّ أنَّه قد أرْوَى بَشرتَه أفاضَ عليه الماءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثم غسَلَ سائِرَ جَسدِه» (١).
وقالَت مَيمونةُ ﵂: «وضَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ وَضوءَ الجَنابةِ، فأفرَغَ على يَدَيه فغسَلَهما مرَّتينِ أو ثَلاثًا ثم أفرَغَ بيَمينِه على شِمالِه فغسَلَ مَذاكيرَه ثم ضرَبَ بيَدِه الأرضَ أو الحائِطَ مرَّتينِ أو ثَلاثًا ثم
стр. 499
تَمضمَضَ واستَنشَقَ وغسَلَ وَجهَه وذراعَيه، ثم أفاضَ الماءَ على رأسِه ثم غسَلَ جسَدَه، ثم تَنحَّى عن مَقامِه ذلك فغسَلَ رِجلَيه فأتَيتُه بالمِنديلِ فلم يَرُدَّها وجعَلَ يَنفُضُ الماءَ بيَدَيه» مُتَّفقٌ عليه (١).
وفي هذَين الحَديثَينِ كَثيرٌ من الخِصالِ المُسماةِ، وأمَّا البِدايةُ بشِقِّه الأيمَنِ، فلأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُحبُّ التَّيمُّنَ في طُهورِه.
وفي حَديثِ عائِشةَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا اغتسَلَ من الجَنابةِ دَعا بشَيءٍ نَحوَ الحِلابِ (٢)، فأخَذَ بكَفِّه بَدَأ بشِقِّ رأسِه الأيمَنِ ثم الأيسَرِ ثم أخَذَ بكَفَّيه فقالَ بهما على رأسِه» مُتَّفقٌ عليه (٣).
стр. 500
إذا اجتمَعَ شَيئانِ يُوجِبان الغُسلَ فنَواهُما مَرةً واحِدةً:
إذا اجتمَعَ شَيئانِ يُوجِبانِ الغُسلَ، كالحَيضِ والجَنابةِ أو التِقاءِ الخِتانَينِ والإِنزالِ ونَواهما بطَهارتِه أجزَأَه عنهما في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، ومنهم أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَكنْ يَغتسِلُ من الجِماعِ إلا غُسلًا واحِدًا، وهو يَتضمَّنُ شَيئَينِ، إذْ هو لازِمٌ للإِنزالِ في غالِبِ الأَحوالِ، ولأنَّهما سَببانِ يُوجِبانِ الغُسلَ، فإِجزاءُ الغُسلِ الواحِدِ عنهما كالحَدثِ والنَّجاسةِ، وهكذا الحُكمُ إذا اجتمَعَت أَحداثٌ تُوجِبُ الطَّهارةَ الصُّغرى كالنَّومِ وخُروجِ النَّجاسةِ واللَّمسِ بشَهوةٍ، فنَواها بطَهارتِه أو نَوى رَفعَ الحَدثِ أو استِباحةَ الصَّلاةِ أجزَأَ عن الجَميعِ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ نَوى أحَدُهما أو نَوَت المَرأةُ غُسلَ الحَيضَ دونَ غُسلِ الجَنابةِ فهل تُجزئُه عن الأُخرى؟ على وَجهَينِ:
أحدُهما: تُجزئُه عن الآخَرِ؛ لأنَّه غُسلٌ صَحيحٌ نَوى به الفَرضَ فأجزَأَه كما لو نَوى استِباحةَ الصَّلاةِ.
والثاني: تُجزئُه كما نَواه دونَ ما لم يَنوِه لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوى» (٢)، وهكذا لو اغتسَلَ للجُمُعةِ هل تُجزئُه عن الجَنابةِ على وَجهَينِ (٣).
стр. 501
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه: «وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوى» قالَ ابنُ دَقيقِ العِيدِ: الجُملةُ الثانيةُ تَقتَضي أنَّ مَنْ نَوى شَيئًا يَحصلُ له -يَعني إذا عمِلَه بشَرائِطِه- أو حالَ دونَ عَملِه له ما يُعذَرُ شَرعًا بعَدمِ عَملِه، وكلُّ ما لم يَنوِه لم يَحصُلْ له، ومُرادُه بقَولِه: ما لم يَنوِه، أي: لا خُصوصًا ولا عُمومًا، أمَّا إذا لم يَنوِ شَيئًا مَخصوصًا لكنْ كانَت هناك نِيَّةٌ عامَّةٌ تَشملُه فهذا ممَّا اختَلفَت فيه أنظارُ العُلماءِ، ويَتخرَّجُ عليه من المَسائلِ ما لا يُحصَى.
وقد يَحصلُ غيرُ المَنويِّ لمُدرَكٍ آخَرَ كمَن دخَلَ المَسجدَ فصَلَّى الفَرضَ أو الراتِبةَ قبلَ أنْ يَقعدَ؛ فإنَّه يَحصلُ له تَحيةُ المَسجدِ نَواها أو لم يَنوِها؛ لأنَّ القَصدَ بالتَّحيةِ شَغلُ البُقعةِ وقد حصَلَ.
وهذا بخِلافِ مَنْ اغتسَلَ يَومَ الجُمُعةِ عن الجَنابةِ؛ فإنَّه لا يَحصلُ له غُسلُ الجُمعةِ على الراجِحِ؛ لأنَّ غُسلَ الجُمعةِ يُنظرُ فيه إلى التَّعبدِ لا إلى مَحضِ التَّنظيفِ فلا بدَّ فيه من القَصدِ إليه بخِلافِ تَحيةِ المَسجدِ، واللهُ أعلَمُ (١).
стр. 502
باب في التَّيممِ
التَّيممُ لُغةً: القَصدُ والتَّوخِّي والتَّعمدُ، يُقالُ: تيمَّمه بالرُّمحِ تَقصَّدَه وتَوخَّاه وتَعمَّده دونَ مَنْ سِواه (١). ومِثلُه تأمَّمَه، ومنه قَولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وفي الاصطِلاحِ عرَّفَه الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ، وهي: مَسحُ الوَجهِ واليَدينِ بتُرابٍ طَهورٍ على وَجهٍ مَخصوصٍ بنيةٍ (٢).
مَشروعيةُ التَّيممِ:
والتَّيممُ ثابِتٌ بالكِتابِ والسُّنةِ وإِجماعِ الأُمةِ، وهو مِنْ خَصائصِ هذه الأُمةِ بلا شَكٍّ ولا ارتِيابٍ وله الحَمدُ والمِنةُ على ذلك.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣].
стр. 503
وقَولُه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وأمَّا السُّنةُ: فقَولُه ﵇: «جُعلَت لي الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا» (١).
وقَولُه ﷺ : «عليكَ بالصَّعيدِ؛ فإنَّه يَكفيكَ» (٢). وغيرُ ذلك من الأَحاديثِ كما سيَأتي مُفصَّلًا إنْ شاءَ اللهُ .
وأمَّا الإِجماعُ: فقد أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ التَّيممَ مَشروعٌ بَدلًا من الوُضوءِ، وكذا الغُسلُ عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ وعامةِ الفُقهاءِ في أَحوالٍ خاصَّةٍ، ولا يَكونُ إلا في الوَجهِ واليَدينِ (٣).
وأمَّا كَونُ التَّيممِ من خَصائِصِ هذه الأُمةِ:
فلمَا رَواه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أُعطيتُ خَمسًا لم يُعطَهنَّ أحَدٌ قَبلي، نُصرتُ بالرُّعبِ مَسيرةَ شَهرٍ وجُعلَت لي الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رَجلٍ من أُمَّتي أدرَكَته الصَّلاةُ فليُصلِّ، وأُحلَّت لي المَغانمُ ولم تَحلَّ لأحَدٍ قَبلي، وأُعطيتُ الشَّفاعةَ، وكانَ النَّبيُّ يُبعثُ إلى قَومِه خاصَّةً وبُعثتُ إلى الناسِ عامَّةً» (٤).
стр. 504
وهذا الحَديثُ مِصداقٌ لقَولِه تَعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
سَببُ نُزولِ آيةِ التَّيممِ:
وأمَّا سَببُ نُزولِ آيةِ التَّيممِ هو ما وقَعَ لعائِشةَ ﵂ في غَزوةِ بَني المُصطَلقِ، قالت عائِشةُ ﵂: «خرَجْنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في بعضِ أَسفارِه حتى إذا كُنَّا بالبَيداءِ (أو بذاتِ الجَيشِ) انقطَعَ عِقدٌ لي فأَقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ على التِماسِه وأَقامَ الناسُ معه وليسُوا على ماءٍ وليسَ معهم ماءٌ، فأتى الناسُ إلى أبي بَكرٍ فقالوا: ألَا تَرى إلى ما صنَعَت عائِشةُ؟ أَقامَت برَسولِ اللهِ ﷺ وبالناسِ معه، وليسوا على ماءٍ وليسَ معهم ماءٌ، فجاءَ أبو بَكرٍ ورَسولُ اللهِ ﷺ واضِعٌ رأسَه على فَخِذي قد نامَ فقالَ: حبَستِ رَسولَ اللهِ ﷺ والناسُ وليسوا على ماءٍ وليسَ معهم ماءٌ. قالَت: فعاتَبَني أبو بَكرٍ وقالَ ما شاءَ اللهُ أنْ يَقولَ وجعَلَ يَطعَنُ بيَدِه في خاصِرَتي فلا يَمنَعني من التَّحركِ إلا مَكانُ رَسولِ اللهِ ﷺ على فَخِذي، فنامَ رَسولُ اللهِ ﷺ حتى أصبَحَ على غيرِ ماءٍ، فأنزَلَ اللهُ آيةَ التَّيممِ فتَيمَّموا، فقالَ أُسَيدُ بنُ الحُضَيرِ (وهو أحَدُ النُّقباءِ): ما هي بأوَّلِ بَرَكتِكم يا آلَ أبي بَكرٍ، فقالَت عائِشةُ: فبَعَثنا البَعيرَ الذي كُنْتُ عليه فوَجَدنا العِقدَ تحتَه» (١).
стр. 505
شُروطُ وُجوبِ التَّيممِ:
يُشترطُ لوُجوبِ التَّيممِ ما يَلي:
أ- البُلوغُ، فلا يَجبُ التَّيممُ على الصَّبيِ؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ.
ب- القُدرةُ على استِعمالِ الصَّعيدِ.
ج- وُجودُ الحَدثِ الناقِضِ، أمَّا مَنْ كانَ على طَهارةٍ بالماءِ فلا يَجبُ عليه التَّيممُ.
أمَّا الوَقتُ فإنَّه شَرطٌ لوُجوبِ الأداءِ عندَ بَعضِهم، لا لأصلِ الوُجوبِ، ومِن ثَمَّ لا يَجبُ التَّيممُ إلا إذا دخَلَ الوَقتُ عندَهم، فيَكونُ الوُجوبُ مُوسَّعًا في أوَّلِه ومُضيَّقًا إذا ضاقَ الوَقتُ.
هذا وللتَّيممِ شُروطُ وُجوبٍ وصِحةٍ مَعًا، وهي:
أ- الإِسلامُ: فلا يَجبُ التَّيممُ على الكافِرِ؛ لأنَّه غيرُ مُخاطَبٍ، ولا يَصحُّ منه؛ لأنَّه ليسَ أهلًا للنِّيةِ.
ب- انقِطاعُ دَمِ الحَيضِ والنِّفاسِ.
ج- العَقلُ.
د- وُجودُ الصَّعيدِ الطَّهورِ؛ فإنَّ فاقِدَ الصَّعيدِ الطَّهورِ لا يَجبُ عليه التَّيممُ ولا يَصحُّ منه بغيرِه حتى ولو كانَ طاهِرًا فقط، كالأرضِ التي أصابَتها نَجاسةٌ ثم جَفَّت؛ فإنَّها تَكونُ طاهِرةً تَصحُّ الصَّلاةُ عليها، ولا تَكونُ مُطهِّرةً فلا يَصحُّ التَّيممُ بها (١)، وسيَأتي تَفصيلُ بَقيةِ الشُّروطِ.
стр. 506
هل التَّيممُ بَدلٌ عن الطَّهارةِ الصُّغرى والطَّهارةِ الكُبرى أو عن الصُّغرى فقط؟
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ هذه الطَّهارةَ بَدلٌ من هذه الطَّهارةِ الصُّغرى واختَلَفوا في الكُبرى فرُويَ عن عُمرَ وابنِ مَسعودٍ أنَّهما كانا لا يَرَيانِها بَدلًا من الكُبرى.
وكانَ عليٌّ وغيرُه من الصَّحابةِ يَرَوْن أنَّ التَّيممَ يَكونُ بَدلًا من الطَّهارةِ الكُبرى. وبه قالَ عامَّةُ الفُقهاءِ.
والسَّببُ في اختِلافِهم الاحتِمالُ الوارِدُ في آيةِ التَّيممِ وأنَّه لم تَصحَّ عندَهم الآثارُ الوارِدةُ بالتَّيممِ للجُنبِ.
أمَّا الاحتِمالُ الوارِدُ في الآيةِ فلأنَّ قَولَه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] يَحتملُ أنْ يَعودَ الضَّميرُ الذي فيه على المُحدِثِ حَدثًا أصغَرَ فقط، ويَحتملُ أنْ يَعودَ عليهما مَعًا لكنْ مَنْ كانَت المُلامَسةُ عندَه في الآيةِ الجِماعَ فالأظهَرُ أنَّه عائِدٌ عليهما مَعًا، ومَن كانَت المُلامَسةُ عندَه هي اللَّمسَ باليَدِ، أعني في قَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فالأظهَرُ أنَّه إنَّما يَعودُ الضَّميرُ عندَه على المُحدِثِ حَدثًا أصغَرَ فقط، إذْ كانَت الضَّمائرُ إنَّما يُحملُ أبدًا عَودُها على أقرَبِ مَذكورٍ إلا أنْ يُقدَّرَ في الآيةِ تَقديمٌ وتَأخيرٌ حتى
стр. 507
يَكونَ تَقديرُها هكذا: (يا أيُّها الذين آمَنوا إذا قُمتُم إلى الصَّلاةِ أو جاءَ أحَدٌ منكم من الغائِطِ أو لامَستُم النِّساءَ فاغسِلوا وُجوهَكم وأيديَكم إلى المَرافِقِ وامسَحوا برُؤوسِكم وأرُجلَكم إلى الكَعبَينِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَروا وإنْ كُنْتُمْ مَرضى أو على سَفرٍ فلم تَجِدوا ماءً فتَيمَّموا صَعيدًا طَيبًا).
ومِثلُ هذا ليسَ يَنبَغي أنْ يُصارَ إليه إلا بدَليلٍ؛ فإنَّ التَّقديمَ والتأخيرَ مَجازٌ، وحَملُ الكَلامِ على الحَقيقةِ أَولى من حَملِه على المَجازِ، وقد يُظنُّ أنَّ في الآيةِ شَيئًا يَقتَضي تَقديمًا وتأخيرًا وهو أنَّ حَملَها على تَرتيبِها يُوجبُ أنَّ المَرضَ والسَّفرَ حَدَثان، لكنَّ هذا لا يُحتاجُ إليه إذا قُدِّرت «أو» ههنا بمَعنى الواوِ، وذلك مَوجودٌ في كَلامِ العَربِ في مِثلِ قَولِ الشاعِرِ:
وكانَ سيانِ ألَّا يُسرِحوا نَعمًا أو يُسرِحوه بها واغبَرَّت السُّوخُ
فإنَّه إنَّما يُقالُ: سِيانِ زَيدٌ وعَمرٌو، وهذا هو أحَدُ الأسبابِ التي أوجَبَت الخِلافَ في هذه المَسألةِ.
وأمَّا ارتِيابُهم في الآثارِ التي ورَدَت في هذا المَعنى فبيِّنٌ فيما خرَّجَه البُخاريُّ ومُسلمٌ أنَّ رَجلًا أتى عُمرَ ﵁ فقالَ: أجنَبتُ فلم أجِدِ الماءَ، فقالَ: لا تُصلِّ، فقالَ عَمارٌ: أمَا تَذكرُ يا أميرَ المُؤمِنينَ إذْ أنا وأنتَ في سَريةٍ فأجنَبْنا فلم نَجِدِ الماءَ، فأمَّا أنتَ فلم تُصلِّ، وأمَّا أنا فتَمعَّكتُ في التُّرابِ فصَلَّيتُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : إنَّما كانَ يَكفيكَ أنْ تَضربَ بيَدَيك، ثم تَنفخَ فيهما، ثم تَمسحَ بهما وَجهَك وكَفَّيكَ، فقالَ عُمرُ: اتَّقِ اللهَ يا عَمارُ، فقالَ: إنِ شِئتَ لم أُحدِّثْ به».
стр. 508
وفي بعضِ الرِّواياتِ أنَّه قالَ له عُمرُ: «نُولِّيك ما تَولَّيتَ».
وخرَّجَ مُسلمٌ عن شَقيقٍ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مع عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وأبي مُوسى فقالَ أبو مُوسى: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، أرأيتَ لو أنَّ رَجلًا أجنَبَ، فلم يَجِدِ الماءَ شَهرًا كيف يَصنَعُ بالصَّلاةِ؟ فقالَ عبدُ اللهِ لأبي مُوسى: لا يَتيمَّمُ، وإنْ لم يَجِدِ الماءَ شَهرًا، فقالَ أبو موسى: فكيف بهذه الآيةِ في سُورةِ المائِدةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؟ فقالَ عبدُ اللهِ: لو رُخِّصَ لهم في هذه الآيةِ لأوشَكَ إذا برَدَ عليهم الماءُ أنْ يَتيمَّموا بالصَّعيدِ، فقالَ أبو موسَى لعَبدِ اللهِ: ألم تَسمَعْ لقَولِ عَمارٍ؟ وذكَرَ له الحَديثَ المُتقدِّمَ، فقالَ له عبدُ اللهِ: ألم تَرَ عُمرَ لم يَقنَعْ بقَولِ عَمارٍ».
لكنَّ الجُمهورَ رأوْا أنَّ ذلك قد ثبَتَ من حَديثِ عَمارٍ وعِمرانَ بنِ الحُصَينِ خرَّجَهما البُخاريُّ، وأنَّ نِسيانَ عُمرَ ليسَ مُؤثِّرًا في وُجوبِ العَملِ بحَديثِ عَمارٍ، وأيضًا فإنَّهم استدَلُّوا بجَوازِ التَّيممِ للجُنبِ والحائِضِ بعُمومِ قَولِه ﵊: «جُعِلت لي الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا».
وأمَّا حَديثُ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ فهو «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رأى رَجلًا مُعتزلًا لم يُصلِّ مع القَومِ، فقالَ: يا فُلانُ، ما منَعَك أنْ تُصليَ مع القَومِ؟ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أصابَتني جَنابةٌ ولا ماءَ، فقالَ ﷺ : عليكَ بالصَّعيدِ؛ فإنَّه يَكفيكَ»، ولمَوضعِ هذا الاحتِمالِ اختَلَفوا هل لمَن ليسَ عندَه ماءٌ أنْ يَطأَ أهلَه أو ألَّا يَطأَها، أعني مَنْ يُجوِّزُ للجُنبِ التَّيممَ (١).
стр. 509
أَركانُ التَّيممِ:
للتَّيممِ أَركانٌ أو فَرائضُ، والرُّكنُ: هو ما توقَّفَ عليه وُجودُ الشَّيءِ، وكانَ جُزءًا من حَقيقتِه مِثلَ مَسحِ الوَجهِ واليَدينِ.
الرُّكنُ الأولُ: النِّيةُ:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةِ -ما عَدا زُفرَ- والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ على أنَّ التَّيممَ لا يَصحُّ إلا بنِيةٍ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، والتَّيممُ: القَصدُ، فلا يَجوزُ إلا بنيةٍ، ولقَولِه ﷺ : «إنَّما الأَعمالُ بالنِّياتِ … » (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: الجُمهورُ على أنَّ النِّيةَ فيها شَرطٌ لكَونِها عِبادةً غيرَ مَعقولةِ المَعنى، وشَذَّ زُفرُ فقالَ: إنَّ النِّيةَ ليسَت بشَرطٍ فيها، ولا تَحتاجُ إلى نيةٍ، وقد رُويَ ذلك أيضًا عن الأَوزاعيِّ والحَسنِ بنِ حَيٍّ، وهو ضَعيفٌ (٢).
هلِ التَّيممُ يَرفعُ الحَدثَ أو يُبيحُ الصَّلاةَ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في التَّيممِ هل يَرفعُ الحَدثَ أو يُبيحُ الصَّلاةَ فقط أو ما يَفتقرُ إلى طَهارةٍ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّيممَ لا يَرفعُ الحَدثَ وإنَّما يُبيحُ الصَّلاةَ فيَنوي استِباحةَ الصَّلاةِ أو استِباحةَ
стр. 510
ما يَفتقرُ إلى طَهارةٍ كمَسِّ المُصحفِ؛ فإنْ نَوى رَفعَ الحَدثِ لم يَصحَّ؛ لأنَّه لا يَرفعُ الحَدثَ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والظاهِريةُ إلى أنَّه يَرفعُ الحَدثَ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ طَهارةَ التَّيممِ لا تَرفعُ الحَدثَ إذا وُجدَ الماءُ، بل مَتى وجَدَه أعادَ الطَّهارةَ جُنبًا كانَ أو مُحدِثًا، وهذا مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ وغيرِهما، وحُكيَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه يَرفعُ الحَدثَ؛ لأنَّه طَهارةٌ عن حَدثٍ يُبيحُ الصَّلاةَ، فيَرفعُ الحَدثَ كطَهارةِ الماءِ، ووَجهُ قَولِ مالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ وغيرِهم أنَّه لو وجَدَ الماءَ لزِمَه استِعمالُه لرَفعِ الحَدثِ الذي كانَ قبلَ التَّيممِ إذا كان جُنبًا أو مُحدِثًا أو امرأةً حائِضًا ولو رفَعَ الحَدثَ لاستَوى الجَميعُ لاستِوائِهم في الوِجدانِ، ولأنَّها طَهارةٌ ضَرورةً، فلم تَرفعِ الحَدثَ كطَهارةِ المُستحاضةِ، وبهذا فارَقَ الماءَ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ: فالتَّيممُ مع إِجماعِهم على وُجوبِ النِّيةِ فيه لا يَرفعُ الحَدثَ، وإنَّما يُبيحُ فِعلَ الصَّلاةِ فيَكونُ مُوافِقًا للوُضوءِ في استِباحتِه الصَّلاةَ، ومُخالِفًا له في رَفعِ الحَدثِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: التَّيممُ يَرفعُ الحَدثَ كالوُضوءِ استِدلالًا برِوايةِ أيُّوبَ عن أبي قِلابةَ عن رَجلٍ من بَني عامِرٍ عن أبي ذَرٍّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ الصَّعيدَ الطَّيبَ طَهورٌ» فجعَلَه مُطهِّرًا، قالَ: ولأنَّها طَهارةٌ عن حَدثٍ وجَبَ إذا استَباحَ بها فِعلَ الصَّلاةِ أنْ يُستفادَ بها رَفعُ الحَدثِ قياسًا على
стр. 511
الوُضوءِ، قالَ: ولأنَّه أحدُ نَوعَيْ ما يُتطهَّرُ به فوجَبَ أنْ يَرفعَ الحَدثَ كالماءِ، قالَ: ولأنَّه لو لم يَكُنِ التَّيممُ رافِعًا للحَدثِ لمَا أثَّرَ في إبطالِه طُروءُ الحَدثِ، فلمَّا بطَلَ بالحَدثِ الطارِئِ دَلَّ على أنَّه كانَ رافِعًا للحَدثِ الأولِ.
ودَليلُنا: هو أنَّه طَهارةٌ ضَرورةً فلم يَرفعِ الحَدثَ، كطَهارةِ المُستحاضةِ، ولأنَّه ممَّن يَلزمُه استِعمالُ الماءِ عندَ رُؤيتِه، فوجَبَ أنْ يَكونَ مُحدِثًا كالمُصلِّي مع فَقدِ الماءِ والتُّرابِ مَعًا، ولأنَّه أحدَثَ طَهارةً لا يَسقطُ عنه فَرضُ استِعمالِ الماءِ إذا قدِرَ عليه فلم يَرتفِعْ حَدثُه كالمُتوضِّئِ بالماءِ النَّجسِ، ولأنَّ المُتيمِّمَ إذا ارتفَعَ حَدثُه كالمُتوضِّئِ لم يَلزَمْه الوُضوءُ لصَلاةٍ مُستقبَلةٍ كالمُتوضِّئِ، ولأنَّ ما لم يَرفعِ الحَدثَ في الحَضرِ لا يَرفعُه في السَّفرِ قياسًا على الماءِ إذا لم يَكفِ جَميعَ البَدنِ.
وأمَّا الجَوابُ عن الخَبرِ فهو أنَّه مُنقطِعٌ؛ لأنَّ في إِسنادِه رَجلًا من بَني عامِرٍ مَجهولًا فلم يَكنْ فيه حُجةٌ، ثم لو صَحَّ لكانَ قَولُه: «طَهورًا» مَحمولًا على سُقوطِ الفَرضِ، وأمَّا قياسُه على الوُضوءِ فمُنتقَضٌ بطَهارةِ المُستحاضةِ ثم المَعنى في الوُضوءِ أنَّه لمَّا لزِمَ معه استِعمالُ الماءِ عندَ رُؤيتِه دَلَّ على ارتِفاعِ الحَدثِ به، ولمَّا لزِمَ المُتيمِّمَ استِعمالُ الماءِ عندَ رُؤيتِه دَلَّ على أنَّ الحَدثَ لم يَرتفِعْ، وأمَّا قياسُه على الماءِ فالمَعنى في الماءِ أنَّه مُستعمَلٌ في غيرِ الضَّرورةِ، فكانَت الطَّهارةُ به عامَّةً في سُقوطِ الفَرضِ دونَ رَفعِ الحَدثِ.
وأمَّا الجَوابُ عن قَولِه: إنَّه لمَّا بطَلَ التَّيممُ بالحَدثِ الطارِئِ دَلَّ على أنَّه لم يَكنْ مِنْ قَبلِه مُحدِثًا، فهو أنَّه يُستنبطُ منه دَليلٌ عليهم، فيُقالُ: لو
стр. 512
أنَّ جُنبًا تَيمَّم لجَنابتِه ثم أحدَثَ بعدَ تَيمُّمِه ووَجَد الماءَ لزِمَه أنْ يَغتسلَ به، فلو كانَ التَّيممُ رافِعًا لحَدثِه لكانَ حُكمُ الجَنابةِ ساقِطًا ولزِمَه أنْ يَتوضَّأَ؛ لمَا طرَأَ من حَدثِه، وفي ذلك أقوى دَليلٍ على بَقاءِ الحَدثِ الأولِ بعدَ تَيَّممِه، ثم يُقالُ: إنَّما بطَلَ تَيمُّمُه بالحَدثِ الطارِئِ، وإنْ كانَ مُحدِثًا؛ لأنَّ التَّيممَ تُباحُ به الصَّلاةُ بالحَدثِ الأولِ لا بالحَدثِ الطارِئِ (١).
إلا أنَّهم اختَلَفوا في النِّيةِ هل هي رُكنٌ أو شَرطٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّها شَرطٌ.
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّها رُكنُ أداءِ فَرضٍ (٢).
ما يَنويه بالتَّيممِ:
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ لصِحةِ نيةِ التَّيممِ الذي تَصحُّ به الصَّلاةُ أنْ يَنويَ أحدَ أُمورٍ ثَلاثةٍ:
إمَّا نيةَ الطَّهارةِ من الحَدثِ.
وإمَّا استباحةَ الصَّلاةِ.
وإمَّا نيةَ عِبادةٍ مَقصودةٍ لا تَصحُّ بدونِ طَهارةٍ: كالصَّلاةِ، أو سَجدةِ التِّلاوةِ، أو صَلاةِ الجِنازةِ عندَ فَقدِ الماءِ.
стр. 513
وأمَّا عندَ وُجودِه إذا خافَ فَوتَها فإنَّها تَجوزُ به الصَّلاةُ على جِنازةٍ أُخرى إذا لم يَكنْ بينَهما فاصِلٌ.
فإنْ نَوى التَّيممَ فقط من غيرِ مُلاحظةِ استِباحةِ الصَّلاةِ، أو رَفعِ الحَدثِ القائِمِ به لم تَصحَّ الصَّلاةُ بهذا التَّيممِ، كما إذا نَوى ما ليسَ بعِبادةٍ أصلًا كدُخولِ المَسجدِ ومَسِّ المُصحفِ أو نَوى عِبادةً غيرَ مَقصودةٍ لذاتِها كالأَذانِ والإِقامةِ، أو نَوى عِبادةً مَقصودةً تَصحُّ بدونِ طَهارةٍ كالتَّيممِ لقِراءةِ القُرآنِ أو للسَّلامِ، أو رَدِّه من المُحدِثِ حَدثًا أصغَرَ؛ فإنْ تَيممَ الجُنبُ لقِراءةِ القُرآنِ صَحَّ له أنْ يُصليَ به سائِرَ الصَّلواتِ.
وأمَّا تَعيُّنُ الحَدثِ أو الجَنابةِ فلا يُشترطُ، ويَصحُّ التَّيممُ بإطلاقِ النيةِ فلو تَيممَ ونَوى مُطلقَ الطَّهارةِ أو نَوى استِباحةَ الصَّلاةِ فله أنْ يَفعلَ كلَّ ما لا يَجوزُ بدونِ الطَّهارةِ كصَلاةِ الجِنازةِ وسَجدةِ التِّلاوةِ ومَسِّ المُصحفِ ونَحوِها؛ لأنَّه لمَّا أُبيحَ له أداءُ الصَّلاةِ أُبيحَ له ما دونَها أو ما هو جُزءٌ من أجزائِها من بابِ أَولى.
ويُشترطُ عندَهم لصِحةِ النِّيةِ: الإِسلامُ، والتَّمييزُ، والعِلمُ بما يَنوي ليَعرفَ حَقيقةَ المَنويِّ (١).
وعندَ المالِكيةِ: يَنوي بالتَّيممِ أحدَ شَيئَينِ:
استِباحةَ الصَّلاةِ.
أو استِباحةَ ما منَعَه الحَدثُ أو فَرضُ التَّيممِ.
стр. 514
ويَجبُ عليه أنْ يَلحَظَ في النِّيةِ الحَدثَ الأكبَرَ إنْ كانَ أكبَرَ، بل يَنوي استِباحةَ الصَّلاةِ من الحَدثِ الأكبَرِ؛ فإنْ لم يَلحَظْ بأنْ نَسيَه أو لم يَعتقِدْ أنَّه عليه لم يُجزِئْه وأعادَ تَيمُّمَه أبدًا، هذا إذا نَوى استِباحةَ الصَّلاةِ أو استِباحةَ ما منَعَه الحَدثُ؛ فإنْ نَوى فَرضَ التَّيممِ يُجزئُه عن الأصغَرِ والأكبَرِ إنْ لم يَلحَظْه ونيَّةُ الأكبَرِ مع الأصغَرِ مَندوبةٌ، فلو اقتصَرَ على نيةِ الأكبَرِ أجزَأَه عن الأصغَرِ، ولو اعتقَدَ أنَّ عليه الأكبَرَ فنَواه ثم تَبيَّنَ له خِلافُه أجزَأَه أيضًا ولا يَنوي رَفعَ الحَدثِ؛ لأنَّ التَّيممَ لا يَرفعُ الحَدثَ.
ولا يَجوزُ أنْ يُصليَ فَرضًا بتَيممٍ نَواه لغيرِه، ويُندبُ تَعيُّنُ الصَّلاةِ من فَرضٍ أو نَفلٍ أو هُما (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يَنوي استِباحةَ الصَّلاةِ ونَحوَها مما تَفتقرُ استِباحتُه إلى طَهارةٍ، كطَوافٍ، وحَملِ مُصحفٍ، وسُجودِ تِلاوةٍ، ولو تَيممَ بنيةِ استِباحةِ الصَّلاةِ ظانًّا أنَّ حَدثَه أصغَرُ فكانَ أكبَرَ أو عكسَه صَحَّ قَطعًا؛ لأنَّ مُوجبَهما واحِدٌ، ولو تَعمَّدَ ذلك لم يَصحَّ في الأصَحِّ لتَلاعبِه.
ولو أجنَبَ في سَفرِه ونَسيَ وكانَ يَتيممُ وَقتًا ويَتوضَّأُ وَقتًا أعادَ صَلواتِ الوُضوءِ فقط.
ولا تَكفي نيةُ رَفعِ الحَدثِ الأصغَرِ، أو الحَدثِ الأكبَرِ، أو نيةُ الطَّهارةِ عن أحدِهما؛ لأنَّ التَّيممَ لا يَرفعُ الحَدثَ لبُطلانِه بزَوالِ مُقتَضيه، بدَليلِ قَولِه
стр. 515
ﷺ لعَمرِو بنِ العاصِ لمَّا أصابَته جَنابةٌ فتَيممَ وصلَّى بأَصحابِه فقالَ له ﷺ : «صلَّيتَ بأَصحابِكَ وأنتَ جُنبٌ؟» (١).
ولو نَوى فَرضَ التَّيممِ أو فَرضَ الطُّهرِ أو التَّيممِ المَفروضِ، أو الطَّهارةَ عن الحَدثِ فوَجهانِ: أحدُهما: يَكفي كالوُضوءِ. وأصَحُّهما: لا يَكفي، والفَرقُ أنَّ الوُضوءَ قُربةٌ مَقصودةٌ في نَفسِها، ولهذا يُندبُ تَجديدُه، بخِلافِ التَّيممِ؛ فإنَّه لا يُندبُ تَجديدُه، ولو اقتصَرَ على نيةِ التَّيممِ لم يُجزِئْه، قالَه الماوَرديُّ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَنوي استِباحةَ ما لا يُباحُ إلا به ويَجبُ تَعيُّنُ النِّيةِ لمَا تَيممَ له كصَلاةٍ أو طَوافٍ أو مَسِّ مُصحفٍ من حَدثٍ أصغَرَ أو حَدثٍ أكبَرَ أو نَجاسةٍ على بَدنِه؛ لأنَّ التَّيممَ لا يَرفعُ الحَدثَ وإنَّما يُبيحُ الصَّلاةَ، فلا بدَّ من تَعيينِ ما يَتيممُ له من الحَدثِ المُوجبِ للغُسلِ أو الوُضوءِ أو النَّجاسةِ تَقويةً لضَعفِه، وصِفةُ التَّعيينِ أنْ يَنويَ استِباحةَ صَلاةِ الظُّهرِ مَثلًا من الجَنابةِ إنْ كانَ جُنبًا أو مِنْ الحَدثِ إنْ كانَ مُحدِثًا، أو منهما إنْ كانَ جُنبًا مُحدِثًا؛ فإنْ تَيممَ للحَدثِ ونَسيَ الجَنابةَ أو للجَنابةِ ونَسيَ الحَدثَ لم يُجزئْه لقَولِه ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ» ولأنَّ ذلك لا يُجزئُ في الماءِ، وهو الأصلُ، ففي البَدلِ أَولى (٣).
стр. 516
نيةُ التَّيممِ لصَلاةِ الفَرضِ وصَلاةِ النَّفلِ:
ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ نَوى بتَيممِه فَرضًا ونَفلًا صلَّى به الفَرضَ والنَّفلَ، وله التَّنفلُ قبلَ الفَريضةِ وبعدَها، وفي الوَقتِ وفي خارِجِه وإنْ نَوى فَرضًا يَأتي بفِعلِ أيِّ فَرضٍ شاءَ، وإنْ عيَّنَ فَرضًا جازَ له فِعلُ فَرضٍ واحِدٍ غيرِه وإنْ نَوى الفَرضَ، سَواءٌ كانَت إحدَى الخَمسِ أو مَنذورةً، استَباحَ مِثلَه وما دونَه من النَّوافلِ، وذلك لأنَّ النَّفلَ أخَفُّ، ونيةُ الفَرضِ تَتضمَّنُه.
أمَّا إذا نَوى نَفلًا فقط أو أطلَقَ النِّيةَ كأنْ نَوى استِباحةَ الصَّلاةِ بلا تَعيينِ فَرضٍ أو نَفلٍ لم يُصلِّ إلا نَفلًا؛ لأنَّ الفَرضَ أصلٌ والنَّفلَ تابِعٌ، فلا يُجعلُ المَتبوعَ تابِعًا، وكما إذا أحرَمَ بالصَّلاةِ مُطلقًا بغيرِ تَعيينٍ؛ فإنَّ صَلاتَه تَنعقدُ نَفلًا.
ولو نَوى مَسَّ المُصحفِ، ونَوى الجُنبُ الاعتِكافَ فهو كنيةِ النَّفلِ، فلا يَستبيحُ الفَرضَ ويَستبيحُ ما نَوى، ولو نَوى التَّيممَ لصَلاةِ الجِنازةِ فهو كالتَّيممِ للنَّفلِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّها -وإنْ تَعيَّنت عليه- كالنَّوافِلِ من حيثُ إنَّها غيرُ مُتوجَّهةٍ عليه بعينِه؛ لأنَّها تَسقطُ بفِعلِ غيرِه (١).
ومَذهبُ المالِكيةِ كالشافِعيةِ والحَنابِلةِ إلا أنَّهم صرَّحوا بأنَّه إنْ كانَ مُحدِثًا حَدثًا أكبَرَ نَوى استِباحةَ الصَّلاةِ من الحَدثِ الأكبَرِ، وإنْ لم يَتعرَّضْ للحَدثِ الأكبَرِ، أي: ترَكَ نيةَ الأكبَرِ عامِدًا أو ناسِيًا وصلَّى بذلك التَّيممِ أعادَ
стр. 517
الصَّلاةَ أبدًا، وإنْ نَوى الأكبَرَ مُعتقدًا أنَّه عليه فتبيَّنَ خِلافُه أجزَأَه عن الأصغَرِ لا إنِ اعتقَدَ أنَّه ليسَ عليه وإنَّما قصَدَ بنيَّتِه الأكبَرَ نَفس الأصغرِ فلا يُجزئُه.
وأمَّا إنْ نَوى فَرضَ التَّيممِ فيُجزئُه، ولو لم يَتعرَّضْ لنيةِ أكبَرَ عليه.
ولا يَجوزُ أنْ يُصليَ فَرضًا بتَيممٍ نَواه لغيرِه، ويُندبُ فقط تَعيُّنُ الصَّلاةِ من فَرضٍ أو نَفلٍ أو هُما (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى جَوازِ صَلاةِ الفَرضِ والنَّفلِ سَواءٌ نَوى بتَيممِه الفَرضَ أو النَّفلَ؛ لأنَّ التَّيممَ بَدلٌ مُطلقٌ عن الماءِ، وهو رافِعٌ للحَدثِ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ: ولو تَيممَ ونَوى مُطلقَ الطَّهارةِ أو نَوى استِباحةَ الصَّلاةِ فله أنْ يَفعلَ كلَّ ما لا يَجوزُ بدونِ الطَّهارةِ كصَلاةِ الجِنازةِ وسَجدةِ التِّلاوةِ ومَسِّ المُصحفِ ونَحوِها؛ لأنَّه لمَّا أُبيحَ له أداءُ الصَّلاةِ فلَأنْ يُباحَ له ما دونَها أو ما هو جُزءٌ من أجزائِها أَولى، وكذا لو تَيممَ لصَلاةِ الجِنازةِ أو لسَجدةِ التِّلاوةِ أو لقِراءةِ القُرآنِ بأنْ كانَ جُنبًا جازَ له أنْ يُصليَ به سائِرَ الصَّلواتِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ من ذلك عِبادةٌ مَقصودةٌ بنَفسِها، وهو من جِنسِ أجزاءِ الصَّلاةِ، فكانَ نيَّتُها عندَ التَّيممِ كنيةِ الصَّلاةِ.
فأمَّا إذا تَيممَ لدُخولِ المَسجدِ أو لمَسِّ المُصحفِ لا يَجوزُ له أنْ يُصليَ به؛ لأنَّ دُخولَ المَسجدِ ومَسَّ المُصحفِ ليسَ بعِبادةٍ مَقصودةٍ بنَفسِه ولا هو من جِنسِ أجزاءِ الصَّلاةِ فيَقعُ طُهورًا لمَا أوقَعَه له لا غيرُ (٢).
стр. 518
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقَ الجُمهورُ على أنَّ الأفعالَ التي هذه الطَّهارةُ شَرطٌ في صِحتِها هي الأَفعالُ التي الوُضوءُ شَرطٌ في صِحتِها من الصَّلاةِ ومَسِّ المُصحفِ وغيرِ ذلك.
واختَلَفوا هل يُستباحُ بها أكثَرُ من صَلاةٍ واحِدةٍ فقط؟ فمَشهورُ مَذهبِ مالِكٍ أنَّه لا يُستباحُ بها صَلاتانِ مَفروضَتانِ أبَدًا واختَلفَ قَولُه في الصَّلاتَينِ المَقضيَّتينِ والمَشهورُ عنه أنَّه إذا كانَت إحدَى الصَّلاتَينِ فَرضًا والأُخرى نَفلًا أنَّه إنْ قدَّمَ الفَرضَ جمَعَ بينَهما، وإنْ قدَّمَ النَّفلَ لم يَجمعْ بينَهما.
وذهَبَ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه يَجوزُ الجَمعُ بينَ صَلواتٍ مَفروضةٍ بتَيممٍ واحِدٍ، وأصلُ هذا الخِلافِ هو هل التَّيممُ لكلِّ صَلاةٍ أو لا، إمَّا من قِبَلِ ظاهِرِ الآيةِ كما تقدَّمَ وإمَّا من قِبَلِ وُجوبِ تَكرارِ الطَّلبِ وإمَّا من كلَيهما (١).
الرُّكنُ الثاني: مَسحُ الوَجهِ واليَدينِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَسحَ الوَجهِ واليَدينِ من أَركانِ الوُضوءِ وفُروضِه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
إلا أنَّهم اختَلَفوا في قَدرِ الواجِبِ من اليَدينِ:
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الواجِبَ في اليَدينِ مَسحُهما إلى المِرفَقينِ على وَجهِ الاستِيعابِ كالوُضوءِ لقيامِ التَّيممِ مَقامَ الوُضوءِ؛ فإنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بغَسلِ اليَدِ إلى المِرفقِ في الوُضوءِ، وقالَ في آخِرِ
стр. 519
الآيةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وظاهِرُه أنَّ المُرادَ المَوصوفةُ أولًا وهي المِرفقُ، وهذا المُطلقُ مَحمولٌ على ذلك المُقيدِ، لا سيَّما وهي آيةٌ واحِدةٌ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ: إنَّ اللهَ تَعالى أوجَبَ طَهارةَ الأَعضاءِ الأربَعةِ في الوُضوءِ في أولِ الآيةِ، ثم أسقَطَ منها عُضوَين في التَّيممِ في آخِرِ الآيةِ، فبَقيَ العُضوانِ في التَّيممِ على ما ذُكِرا في الوُضوءِ؛ إذْ لو اختَلَفا لبَيَّنهما، وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ الوَجهَ يُستوعَبُ في الوُضوءِ فكذا اليَدانِ، وأيضًا القياسُ أنَّ البَدلَ يَكونُ بمِثلِه.
واحتَجُّوا على ذلك بما رَواه جابِرٌ وابنُ عُمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «التَّيممُ ضَربةٌ للوَجهِ وضَربةٌ لليَدينِ إلى المِرفَقينِ» (١).
وعن أبي جُهيمٍ الأنصاريِّ قالَ: «أقبَلَ النَّبيُّ ﷺ من نَحوِ بِئرِ جَملٍ فلَقيَه رَجلٌ فسلَّمَ عليه فلم يَرُدَّ عليه النَّبيُّ ﷺ حتى أقبَلَ على الجِدارِ فمسَحَ بوَجهِه ويَدَيه ثم رَدَّ عليه¬ السَّلامَ» والحَديثُ في الصَّحيحَينِ (٢)، قالوا: (وهو مُجملٌ) فسَّره ابنُ عُمرَ في رِوايتِه، قالَ: «مَرَّ رَجلٌ على رَسولِ اللهِ ﷺ في سِكةٍ من السَّككِ وقد خرَجَ من غائِطٍ أو بَولٍ، فسلَّمَ عليه فلم يَرُدَّ عليه حتى إذا كادَ الرَّجلُ أنْ يَتوارى في السِّكةِ ضرَبَ بيَدَيه على الحائِطِ ومسَحَ بهما وَجهَه ثم ضرَبَ ضَربةً أُخرى فمسَحَ ذِراعَيه ثم رَدَّ على
стр. 520
الرَّجلِ السَّلامَ» (١)، رَواه أبو داودَ، إلا أنَّه من رِوايةِ مُحمدِ ابنِ ثابِتٍ العَبديِّ، وقالَ البَيهقيُّ: وقد صَحَّ عن ابنِ عُمرَ من قَولِه وفِعلِه التَّيممُ ضَربَتان: ضَربةٌ للوَجهِ، وضَربةُ لليَدينِ إلى المِرفَقينِ، فقَولُه وفِعلُه يَشهدُ لصِحةِ رِوايةِ العَبديِّ؛ فإنَّه لا يُخالِفُ النَّبيَّ ﷺ فيما يَروي عنه.
قالَ الشافِعيُّ والبَيهَقيُّ: أخَذْنا بحَديثِ مَسحِ الذِّراعَينِ؛ لأنَّه مُوافِقٌ لظاهِرِ القُرآنِ وللقياسِ وأحوَطُ.
قالَ الخَطابيُّ: الاقتِصارُ على الكَفَّين أصَحُّ في الرِّوايةِ، ووُجوبُ الذِّراعَين أشبَهُ بالأُصولِ وأصَحُّ في القياسِ، واللهُ أعلَمُ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ -وهو قَولٌ للشافِعيِّ في القَديمِ- إلى أنَّ الفَرضَ مَسحُ اليَدينِ في التَّيممِ إلى الكُوعَينِ، والسُّنةُ مِنْ الكُوعَينِ إلى المِرفَقينِ؛ لحَديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي أَبزَى قالَ: إنَّ رَجلًا أتى عُمرَ فقالَ: إنِّي أجنَبتُ فلم أجِدْ ماءً، فقالَ: لا تُصلِّ، فقالَ عَمارٌ: أمَا تَذكرُ يا أميرَ المُؤمِنينَ إذْ أنا وأنتَ في سَريةٍ فأجنَبْنا فلم نَجدْ ماءً، فأمَّا أنتَ فلم تُصلِّ وأمَّا أنا فتَمعَّكتُ في التُّرابِ (وفي رِوايةٍ: فتَمرَّغتُ) وصَلَّيتُ؟ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما كانَ يَكفيك أنْ تَضربَ بيدَيك الأرضَ ثم تَنفُخَ ثم تَمسحَ بهما وَجهَك وكَفَّيك» (٣).
стр. 521
قالَ النَّوويُّ ﵀: وحَكى أبو ثَورٍ وغيرُه قَولًا للشافِعيِّ في القَديمِ أنَّه يَكفي مَسحُ الوَجهِ والكَفَّينِ، وأنكَرَ أبو حامِدٍ والماوَرديُّ وغيرُهما هذا القَولَ، وقالوا: لم يَذكرْه الشافِعيُّ في القَديمِ، وهذا الإنكارُ فاسِدٌ؛ فإنَّ أبا ثَورٍ من خَواصِّ أَصحابِ الشافِعيِّ وثِقاتِهم وأئِمَّتِهم، فنَقلُه عنه مَقبولٌ، وإذا لم يُوجدْ في القَديمِ حُملَ على أنَّه سمِعَه مُشافهةً، وهذا القَولُ -وإنْ كانَ قَديمًا مَرجوحًا عندَ الأَصحابِ- هو القَويُّ في الدَّليلِ وهو الأقرَبُ إلى ظاهِرِ السُّنةِ الصَّحيحةِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ الأَيدي التي أمَرَ اللهُ بمَسحِها في التَّيممِ في قَولِه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ على أربَعةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: أنَّ الحَدَّ الواجِبَ في ذلك هو الحَدُّ الواجِبُ بعَينِه في الوُضوءِ، وهو إلى المَرافِقِ وهو مَشهورُ المَذهبِ وبه قالَ فُقهاءُ الأَمصارِ.
والقَولُ الثاني: أنَّ الفَرضَ هو مَسحُ الكَفِّ فقط، وبه قالَ أهلُ الظاهِرِ وأهلُ الحَديثِ.
والقَولُ الثالِثُ: الاستِحبابُ إلى المِرفَقينِ، والفَرضُ الكَفَّانِ وهو مَرويٌّ عن مالِكٍ.
стр. 522
والقَولُ الرابِعُ: أنَّ الفَرضَ إلى المَناكبِ، وهو شاذٌّ رُويَ عن الزُّهريِّ ومُحمدِ بنِ مَسلمةَ.
والسَّببُ في اختِلافِهم: اشتِراكُ اسمِ اليَدِ في لِسانِ العَربِ، وذلك أنَّ اليَدَ في كَلامِ العَربِ تُقالُ على ثَلاثةِ مَعانٍ: على الكَفِّ فقط، وهو أظهَرُها استِعمالًا، وتُقالُ على الكَفِّ والذِّراعِ، وتُقالُ على الكَفِّ والساعِدِ والعَضُدِ.
والسَّببُ الثاني: اختِلافُ الآثارِ في ذلك، وذلك أنَّ حَديثَ عَمارٍ المَشهورَ فيه من طُرقِه الثابِتةِ: «إنَّما يَكفيكَ أنْ تَضربَ بيَدِك، ثم تَنفُخَ فيها، ثم تَمسحَ بها وَجهَك وكَفَّيك».
وورَدَ في بعضِ طُرقِه أنَّه قالَ له ﷺ : «وأنْ تَمسحَ بيَدَيك إلى المِرفَقينِ».
ورُويَ أيضًا عن ابنِ عُمرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «التَّيممُ ضَربَتانِ: ضَربةٌ للوَجهِ، وضَربةٌ لليَدينِ إلى المِرفَقينِ»، ورُويَ أيضًا من طَريقِ ابنِ عَباسٍ ومن طَريقِ غيرِه.
فذهَبَ الجُمهورُ إلى تَرجيحِ هذه الأَحاديثِ على حَديثِ عَمارٍ الثابِتِ من جِهةِ عَضُدِ القياسِ لها أعني من جِهةِ قياسِ التَّيممِ على الوُضوءِ، وهو بعَينِه حمَلَهم على أنْ عَدَلوا بلَفظِ اسمِ اليَدِ عن الكَفِّ الذي هو فيه أظهَرُ إلى الكَفِّ والساعِدِ، ومَن زعَمَ أنَّه يُطلَقُ عليهما بالسَّواءِ وأنَّه ليسَ في أحدِهما أظهَرُ منه في الثاني فقد أخطَأَ؛ فإنَّ اليَدَ -وإنْ كانَت اسمًا مُشتَركًا-
стр. 523
هي في الكَفِّ حَقيقةٌ، وفيما فوقَ الكَفِّ مَجازٌ، وليسَ كلُّ اسمٍ مُشتَركٍ مُجملًا وإنَّما المُشتَركُ المُجملُ الذي وُضعَ من أوَّلِ أمرِه مُشتَركًا.
وفي هذا قالَ الفُقهاءُ: إنَّه لا يَصحُّ الاستِدلالُ به، ولذلك ما نَقولُ: إنَّ الصَّوابَ هو أنْ يُعتقَدَ أنَّ الفَرضَ إنَّما هو الكَفَّان فقط، وذلك أنَّ اسمَ اليَدِ لا يَخلو أنْ يَكونَ في الكَفِّ أظهَرَ منه في سائِرِ الأجزاءِ أو تَكونَ دِلالتُه على سائِرِ أجزاءِ الذِّراعِ والعَضُدِ بالسَّواءِ؛ فإنْ كانَ أظهَرَ يَجبُ المَصيرُ إليه على ما يَجبُ المَصيرُ إلى الأخذِ بالظاهِرِ وإنْ لم يَكنْ أظهَرَ يَجبُ المَصيرُ إلى الأخذِ بالأثَرِ الثابِتِ، فأمَّا أنْ يُغلَّبَ القياسُ ههنا على الأثَرِ فلا مَعنى له، ولا تَرجُحُ به أيضًا أَحاديثُ لم تَثبُتْ بعدُ فالقَولُ في هذه المَسألةِ بيِّنٌ من الكِتابِ والسُّنةِ فتَأمَّلْه.
وأمَّا مَنْ ذهَبَ إلى الآباطِ فإنَّما ذهَبَ إلى ذلك لأنَّه قد رُويَ في بعضِ طُرقِ حَديثِ عَمارٍ أنَّه قالَ: «تَيمَّمنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ فمَسَحنا بوُجوهِنا وأيدينا إلى المَناكِبِ» (١).
ومَن ذهَبَ إلى أنْ يَحملَ تلك الأَحاديثِ على النَّدبِ وحَديثَ عَمارٍ على الوُجوبِ فهو مَذهبٌ حَسنٌ، إذا كانَ الجَمعُ أَولى من التَّرجيحِ عندَ أهلِ الكَلامِ الفِقهيِّ إلا أنَّ هذا إنَّما يَنبَغي أنْ يُصارَ إليه إنْ صحَّت تلك الأَحاديثُ (٢).
стр. 524
هل المَفروضُ ضَربةٌ واحِدةٌ أو ضَربَتانِ؟
ثم إنَّ المَفروضَ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ ضَربَتانِ: ضَربةٌ للوَجهِ وضَربةُ لليَدينِ.
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الفَرضَ هو الضَّربةُ الأُولى، والثانيةُ سُنةٌ.
والسَّببُ في اختِلافِهم: أنَّ آيةَ التَّيممِ مُجمَلةٌ في ذلك، والأَحاديثُ الوارِدةُ مُتعارِضةٌ وقياسُ التَّيممِ على الوُضوءِ في جَميعِ أَحوالِه غيرُ مُتَّفقٍ عليه، والذي في حَديثِ عَمارٍ الثابِتِ من ذلك إنَّما هو ضَربةٌ واحِدةٌ للوَجهِ والكَفَّين مَعًا، ولكنْ ورَدَت أَحاديثُ فيها ضَربَتانِ كما سبَقَ فرَجَّحها بَعضُهم لإمكانِ قياسِ التَّيممِ على الوُضوءِ.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في عَددِ الضَّرباتِ على الصَّعيدِ للتَّيممِ، فمنهم مَنْ قالَ: واحِدةٌ، ومنهم مَنْ قالَ: اثنَتان، والذين قالوا: اثنَتانِ منهم مَنْ قالَ: ضَربةٌ للوَجهِ وضَربةٌ لليَدينِ، وهُم الجُمهورُ، وإذا قُلتَ: الجُمهورُ، فالفُقهاءُ الثَّلاثةُ مَعدودون فيهم، أعني مالِكًا والشافِعيَّ وأبا حَنيفةَ.
ومنهم مَنْ قالَ: ضَربَتان لكلِّ واحِدٍ منهما، أعني لليَدِ ضَربَتانِ وللوَجهِ ضَربَتانِ.
والسَّببُ في اختِلافِهم: أنَّ الآيةَ مُجمَلةٌ في ذلك، وأنَّ الأَحاديثَ مُتعارِضةٌ، وقياسُ التَّيممِ على الوُضوءِ في جَميعِ أَحوالِه غيرُ مُتفَقٍ عليه،
стр. 525
والذي في حَديثِ عَمارٍ الثابِتِ من ذلك إنَّما هو ضَربةٌ واحِدةٌ للوَجهِ والكَفَّين مَعًا، لكنْ ههنا أَحاديثُ فيها ضَربَتانِ، فرجَّحَ الجُمهورُ هذه الأَحاديثَ لمَكانِ قياسِ التَّيممِ على الوُضوءِ (١).
إِزالةُ الحائِلِ عن وُصولِ التُّرابِ:
ثم إنَّ الفُقهاءَ اتَّفَقوا على إِزالةِ الحائِلِ عن وُصولِ التُّرابِ إلى العُضوِ المَمسوحِ كنَزعِ خاتَمٍ ونَحوِه بخِلافِ الوُضوءِ، وذلك لأنَّ التُّرابَ كَثيفٌ ليسَ له سَريانُ الماءِ وسَيلانُه، ومَحلُّ الوُجوبِ عندَ الشافِعيةِ في الضَّربةِ الثانيةِ؛ لأنَّها هي التي تُمسحُ بها اليَدان.
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى وُجوبِ تَخليلِ الأَصابعِ بباطِنِ الكَفِّ أو الأَصابعِ كي يَتمَّ المَسحُ.
والتَّخليلُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ مَندوبٌ احتِياطًا.
وأمَّا إِيصالُ التُّرابِ إلى مَنابتِ الشَّعرِ الخَفيفِ فليسَ بواجِبٍ عندَهم جَميعًا لمَا فيه من العُسرِ بخِلافِ الوُضوءِ (٢).
стр. 526
الرُّكنُ الثالِثُ: التَّرتيبُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ التَّرتيبِ في التَّيممِ ووُجوبِ الفَورِ فيه هل يَجبُ أو لا؟
وهو بعَينِه اختِلافُهم في ذلك في الوُضوءِ، وأَسبابُ الخِلافِ هنالك هي أَسبابُه هنا.
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ التَّرتيبَ في التَّيممِ بينَ الوَجهِ واليَدينِ بأنْ يَمسحَ الوَجهَ أولًا ثم اليَدينِ، ليسَ بواجِبٍ، بل مُستحبٌّ؛ لأنَّ الفَرضَ الأَصليَّ المَسحُ، وإِيصالُ التُّرابِ وَسيلةٌ إليه، فلا يَجبُ التَّرتيبُ في الفِعلِ الذي يَتمُّ به المَسحُ (١).
إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: إنْ نكَّسَ أعادَ اليَدينِ إنْ قرُبَ الزَّمنُ ولم يُصَلِّ به، وأمَّا لو بعُدَ الزَّمنِ أو صلَّى بهذا التَّيممِ فاتَتَ سُنةُ التَّرتيبِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ التَّرتيبَ فَرضٌ، فيَجبُ عليه تَقديمُ الوَجهِ على اليَدينِ، سَواءٌ في ذلك تَيممٌ للوُضوءِ أو للجَنابةِ؛ لأنَّ التَّيممَ طَهارةٌ في عُضوَين، فأشبَهَت الوُضوءَ لحَديثِ عَمارٍ ﵁، فلو ترَكَه ناسيًا لم يَصحَّ على المَذهبِ كالوُضوءِ (٣).
стр. 527
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا: إنَّ التَّرتيبَ واجِبٌ في الطَّهارةِ الصُّغرى ولا يَجبُ التَّرتيبُ لحَدثٍ أكبَرَ ولا لنَجاسةٍ ببَدنٍ (١).
الرُّكنُ الرابِعُ: المُوالاةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوالاةِ في التَّيممِ هل هي فَرضٌ أو سُنةٌ كاختِلافِهم في الوُضوءِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُوالاةَ في التَّيممِ سُنةٌ كما في الوُضوءِ، بحيث لو كانَ الاستِعمالُ بالماءِ لا يَجفُّ المُتقدمُ، وكذا تُسنُّ المُوالاةُ بينَ التَّيممِ والصَّلاةِ.
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ -وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ- إلى أنَّ المُوالاةَ في التَّيممِ عن الحَدثِ الأصغَرِ فَرضٌ، وأمَّا عن الحَدثِ الأكبَرِ فهي فَرضٌ عندَ المالِكيةِ وسُنةٌ عندَ الحَنابِلةِ، وزادَ المالِكيةُ وُجوبَ المُوالاةِ بينَ التَّيممِ وبينَ ما يُفعلُ له من صَلاةٍ ونَحوِها (٢).
стр. 528
الأعذارُ التي يُشرعُ بسَببِها التَّيممُ:
المُبيحُ للتَّيممِ هو العَجزُ عن استِعمالِ الماءِ، والعَجزُ إمَّا لفَقدِ الماءِ وإمَّا لعَدمِ القُدرةِ على استِعمالِه مع وُجودِه.
أولاً: فَقدُ الماءِ:
أ- فَقدُ الماءِ للمُسافرِ:
إذا فقَدَ المُسافرُ الماءَ بأنْ لم يَجِدْه أصلًا، أو وجَدَ ماءً لا يَكفي للطَّهارةِ حِسًّا جازَ له التَّيممُ، لكنْ يَجبُ عليه عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنْ يَستعملَ ما تيسَّرَ له منه في بعضِ الأَعضاءِ ثم يَتيمَّمُ للباقي إنْ كانَ جُنبًا عندَ الحَنابِلةِ لقَولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا واجِدُ ماءٍ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «وإذا أمَرتُكم بأمرٍ فأْتُوا منه ما استَطعتُم» (١).
وإنْ كانَ مُحدِثًا ففيه رِوايتانِ:
إحداهُما: يَلزمُه استِعمالُه، والأُخرى لا يَلزمُه.
ويَكونُ فَقدُ الماءِ شَرعًا للمُسافرِ بأنْ خافَ الطَّريقَ إلى الماءِ أو كانَ بَعيدًا عنه فلا يُكلَّفُ المُسافرُ حينَئذٍ بطَلبِه، ويُشترطُ عندَ الشافِعيةِ ما لو توَهَّم وُجودَه أنْ يَطلُبَه فيما قرُبَ منه لا فيما بعُدَ.
وأمَّا الحَنفيةُ والمالِكيةُ فلا يَشتَرِطون عليه أنْ يَستَخدمَ ما معه من الماءِ؛ لأنَّه يُشترطُ أنْ يَكونَ الماءُ كافيًا لجَميعِ الأَعضاءِ؛ فإنْ لم يَكفِ فهو كالعَدمِ، فيَنتقِلُ للتَّيممِ (٢).
стр. 529
حَدُّ البُعدِ عن الماءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ البُعدِ عن الماءِ الذي يُبيحُ التَّيممَ.
فذهَبَ الحَنفيةُ في المُختارِ عندَهم إلى أنَّه مِيلٌ (١)، وهو ما يُساوي أربَعةَ آلافِ ذِراعٍ؛ فإنْ زادَ على ذلك لم يَلزمْه طَلبُه، وقالوا: إنْ لم يَكنْ بحَضرتِه أحدٌ يُخبرُه بقُربِ الماءِ ولا غلَبَ على ظَنِّه أيضًا قُربُ الماءِ لا يَجبُ عليه الطَّلبُ ولو كانَ أقَلَّ من مِيلٍ (٢).
وحَدَّه المالِكيةُ بمِيلَين لكنَّهم قالوا: إنَّ لهذه المَسألةِ -وهي مَسألةُ طَلبِ الماءِ في كلِّ حالةٍ- ثَلاثَ صُورٍ:
الأُولى: أنْ يَكونَ الماءُ المَطلوبُ للوُضوءِ مُحقَّقَ العَدمِ في المَكانِ المَطلوبِ منه أو مَظنونَ العَدمِ، فلا يَجبُ على المُكلَّفِ طَلبُه مُطلقًا، سَواءٌ كانَ الماءُ على بُعدِ مِيلَين أو لا، وسَواءٌ كانَ فيه مَشقةٌ أو لا.
الثانيةُ: أنْ يَكونَ الماءُ المَطلوبُ مُحقَّقَ الوُجودِ أو مَظنونَه أو مَشكوكَه فيَلزمُه طَلبُه بشَرطَين:
الأولُ: أنْ يَكونَ بُعدُه أقَلَّ من مِيلَين.
стр. 530
والثاني: ألَّا تَحصُلَ مَشقةٌ في الطَّلبِ.
الثالِثةُ: أنْ يَكونَ الماءُ المُطلوبُ مُحقَّقَ الوُجودِ أو مَظنونَه أو مَشكوكَه، وكانَ البُعدُ مِيلَين فأكثَرَ أو كانَ في طلَبِه مِشقةٌ أو فَواتُ رُفقةٍ، ولو كانَ على أقَلَّ من مِيلَين فلا يَجبُ عليه طَلبُه (١).
وحَدَّه الشافِعيةُ بأربَعمِئةِ ذِراعٍ، وهو حَدُّ الغَوثِ، وهو مِقدارُ رَميةِ سَهمٍ، وذلك في حالةِ تَوهُّمِه للماءِ أو ظَنِّه أو شَكِّه فيه؛ فإنْ لم يَجدْ ماءً وتَيقَّنَ فَقْدَ الماءِ حَولَه تَيممَ بلا طَلبٍ، أمَّا إذا تَيقَّنَ وُجودَ الماءِ حَولَه طلَبَه في حَدِّ القُربِ (وهو سِتةُ آلافِ خُطوةٍ) ولا يُطلبُ الماءُ سَواءٌ في حَدِّ القُربِ أو الغَوثِ إلا إذا أمِنَ على نَفسِه ومالِه وانقِطاعِه عن الرُّفقةِ (٢).
أمَّا عن الحَنابِلةِ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وصِفةُ الطَّلبِ أنْ يَطلبَه في رَحلِه ثم إنْ رأى خُضرةً أو شَيئًا يَدلُّ على الماءِ قصَدَه فاستَبرأَه، وإنْ كانَ بقُربِه رَبوةٌ أو شَيءٌ قائِمٌ أتاه وأتى عندَه، وإنْ لم يَكنْ نظَرَ أَمامَه ووَراءَه وعن يَمينِه ويَسارِه وإنْ كانَت له رُفقةٌ يَدلُّ عليهم طَلبٌ منهم، ومَن وجَدَ مَنْ له خِبرةٌ بالمَكانِ سألَه عن مِياهِه؛ فإنْ لم يَجدْ فهو عادِمٌ، وإنْ دُلَّ على ماءٍ لزِمَه قَصدُه إنْ كانَ قَريبًا ما لم يَخَفْ على نَفسِه أو مالِه أو يَخشَ فَواتَ رُفقتِه ولم يَفُتِ الوَقتُ، قالَ: وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ (٣).