رَدُّ القَرضِ مع الزِّيادةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُقرِضَ إذا شَرَط عندَ القَرضِ على المُقترِضِ زيادةً أو هَديَّةً فأقرَضَه وأسلَفَه على ذلك أنَّ أخْذَه الزِّيادةَ على ذلك رِبًا.
قال الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ المُسلِفَ إذا شَرَط على المُستَسلِفِ زيادةً أو هَديَّةَ فأسلَفَ على ذلك فأخْذُ الزِّيادةِ على ذلك رِبًا (١).
وقال ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ اشتِراطَ رَدِّ أفضَلَ مما استَقرَضَ أو أكثَرَ حَرامٌ لا يَحِلُّ (٢).
واستَدَلُّوا على ذلك بما رُويَ مَرفوعًا: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا» (٣).
وقال الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا السَّلَفُ الذي هو القَرضُ فقد وَرَدتِ السُّنَّةُ المُجتَمَعُ عليها فيه بأنَّ خَيرَ الناسِ أحسَنُهم قَضاءً، وأنَّ الزِّيادةَ فيه إذا اشتُرِطتْ رِبًا (٤).
ولأنَّ عَقدَ القَرضِ إرفاقٌ وقُربةٌ، فإذا شَرَط المُقرِضُ فيه الزِّيادةَ لِنَفْسِه خرَج عن مَوضوعِه فمنَع صِحَّتَه؛ لأنَّه يَكونُ بذلك قَرضًا لِلزِّيادةِ لا لِلإرفاقِ
стр. 4657
والقُربةِ؛ ولأنَّ الزِّيادةَ المَشروطةَ تُشبِهُ الرِّبا؛ لأنَّها فَضلٌ لا يُقابِلُه عِوَضٌ، والتَّحرُّزُ عن حَقيقةِ الرِّبا وعن شُبهةِ الرِّبا واجِبٌ (١).
وقال الحَنابِلةُ: ومِثلُ ذلك اشتِراطُ المُقرِضِ أيَّ عَمَلٍ يَجُرُّ إليه نَفعًا، كأنْ يُسكِنَه المُقترِضُ دارَه مَجَّانًا، أو يُعيرَه دابَّتَه، أو يَعمَلَ له كذا، أو يَنتفِعَ برَهنِه … إلخ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن بَيعٍ وسَلَفٍ (٢)؛ لأنَّه شَرَط عَقدًا في عَقدٍ؛ فلَم يَجُزْ كما لو باعَه دارَه بشَرطِ أنْ يَبيعَه الآخَرُ دارَه.
وإنْ شَرَط أنْ يُؤجِّرَه دارَه بأقَلَّ مِنْ أُجرَتِها، أو على أنْ يَستأجِرَ دارَ المُقرِضِ بأكثَرَ مِنْ أُجرَتِها، أو يَعمَلَ له عَمَلًا كان أبلَغَ في التَّحريمِ.
فإنْ فَعَل ما يَحرُمُ اشتِراطُه بأنْ أسكَنَه دارَه وغَيرِ ذلك مِنْ غيرِ شَرطٍ جازَ (٣).
وهذا إذا كانتِ الزِّيادةُ مَشروطةً في القَرضِ، فأمَّا إنْ كانتِ الزِّيادةُ غيرَ مَشروطةٍ فيه، ولكنَّ المُستَقرِضَ قَضاه خَيرًا ممَّا أعطاه، سَواءٌ في القَدْرِ أو الصِّفةِ أو دونَ ذلك، فلا بأسَ بذلك عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الرِّبا اسمٌ لِزِيادةٍ مَشروطةٍ في العَقدِ ولَم تُوجَدْ، بل
стр. 4658
هذا مِنْ بابِ حُسنِ القَضاءِ وأنَّه أمْرٌ مَندوبٌ إليه؛ لِحَديثِ أبي رافِعٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ استَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكرًا، فقَدِمَتْ عليه إبِلٌ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، فأَمَرَ أبَا رافِعٍ أنْ يَقضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فرجَع إليه أبو رافِعٍ فقالَ: لَم أجِدْ فيها إلا خِيارًا ربَاعِيًّا، فقال: «أَعطِهِ إِيّاهُ، إنَّ خِيارَ الناسِ أَحسَنُهُمْ قَضَاءً» (١).
ولأنَّه لَم يَجعَلْ تلك الزِّيادةَ عِوَضًا في القَرضِ ولا وَسيلةً إليه ولا إلى استِيفاءِ دَيْنِه، فحَلَّتْ كما لو لَم يَكُنْ هناك قَرضٌ.
وقال ابنُ موسى ﵀: إذا زاده بعدَ الوَفاءِ فعادَ المُستقرِضُ بعدَ ذلك يَلتَمِسُ منه قَرضًا آخَرَ ففَعَل لَم يأخُذْ إلا مِثلَ ما أعطاه؛ فإنْ أخَذَ زيادةً أو أجوَدَ مما أعطاه كان حَرامًا قَولًا واحِدًا.
واختَلَفوا فيما إذا كان الرَّجُلُ مَعروفًا بحُسنِ القَضاءِ إما أكثَرَ مما اقتَرَض أو أجوَدَ منه، فهل يَجوزُ إقراضُه مُطلَقًا أو لا؟
فقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَجوزُ إقراضُه مِنْ غيرِ شَرطٍ؛ لأنَّ الزِّيادةَ مَندوبٌ إليها في القَضاءِ، فلا يَمنَعُ مِنْ جَوازِ القَرضِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان مَعروفًا بحُسنِ القَضاءِ، فهل يَسوغُ لِأحَدٍ أنْ يَقولَ: إنَّ إقراضَه مَكروهٌ؟ ولأنَّ المَعروفَ بحُسنِ القَضاءِ خَيرُ الناسِ وأفضَلُهم، وهو أوْلى الناسِ بقَضاءِ حاجَتِه وإجابةِ مَسألَتِه وتَفريجِ كُربَتِه،
стр. 4659
فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ ذلك مَكروهًا؛ وإنَّما يَمنَعُ مِنَ الزِّيادةِ المَشروطةِ.
وفي وَجهٍ لِكُلٍّ مِنَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ: لا يَصحُّ إقراضُه إلا بشَرطِ أنْ يَرُدَّ عليه مِثلَ ما أخَذَه؛ لأنَّ ما عُلِمَ بالعُرفِ كالمَعروفِ بالشَّرطِ؛ ولأنَّه يَطمَعُ في حُسنِ عادَتِه (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فيُجوِّزونَ الزِّيادةَ في الصِّفةِ ولا يُجوِّزونَ الزِّيادةَ في العَدَدِ، فيَجوزُ قَضاءُ القَرضِ إذا كان عَينًا أو طَعامًا أو عَرضًا بأفضَلَ صِفةٍ، حَلَّ الأجَلُ أو لا؛ لأنَّ الحَقَّ في الأجَلِ في القَرضِ لِمَنْ عليه الدَّينُ كدِينارٍ جَيِّدٍ عن أدْنى منه، أو ثَوبٍ، أو طَعامٍ أو حَيَوانٍ جَيِّدٍ عن دَنيءٍ؛ لأنَّه حُسنُ قَضاءٍ، وخَيرُ الناسِ أحسَنُهم قَضاءً، وهذا بشَرطِ عَدَمِ دُخولِهما عليه، وإلا كان سَلَفًا جَرَّ مَنفَعةً، وهو فاسِدٌ.
وجازَ القَضاءُ بأقَلَّ منه صِفةً وقَدْرًا معًا، كنِصفِ دينارٍ أو دِرهَمٍ، ونِصفِ إردَبٍّ أو ثَوبٍ عن كامِلٍ أجوَدَ وأوْلى بأقَلَّ منه صِفةً فَقَطْ، أو قَدْرًا فَقَطْ، إنْ حَلَّ الأجَلُ، وإلا فلا؛ لِما فيه مِنْ: ضَعْ وتَعجَّلْ.
ولا يَجوزُ القَضاءُ بأزيَدَ عَدَدًا أو وَزنًا مُطلَقًا، حَلَّ الأجَلُ أو لا؛ لِلسَّلَفِ
стр. 4660
بزيادةٍ، كدَوَرانِ الفَضلِ مِنَ الجانبَيْنِ، فلا يَجوزُ، كعَشَرةٍ يَزيديَّةٍ عن تِسعةٍ مُحمَّديَّةٍ أو عَكسِه.
وثَمَنُ الشَّيءِ المَبيعِ المُترَتِّبُ في ذِمَّةِ المُشتَري حالَ كَونِه مِنَ العَينِ -الذهَب والفِضَّةِ- قَضاؤُه كذلك، أي: قَضاءُ القَرضِ في جَوازِه بأفضَلَ منه صِفةً مُطلقًا، وبأقَلَّ منه صِفةً وقَدْرًا إنْ حَلَّ الأجَلُ.
ويَجري في قَضاءِ ثَمَنِ المَبيعِ -حيثُ كان عَينًا- ما جَرى في قَضاءِ القَرضِ مِنَ التَّفصيلِ، فيَجوزُ قَضاؤُه منها بالمُساوي وأفضَلَ صَفةً قبلَ الأجَلِ وبعدَه وبأقَلَّ منه صِفةً وقَدرًا إنْ حَلَّ الأجَلُ -لا قَبلَه- إلا أنَّه هنا يَجوزُ القَضاءُ عن ثَمَنِ المَبيعِ مِنَ العَينِ بأكثَرَ عَدَدًا أو وَزنًا كقَضاءِ عَشَرةٍ ثَمَنِ سِلعةٍ عن تِسعةٍ بخِلافِه في القَرضِ؛ لِانتِفاءِ عِلَّةِ مَنعِه في قَضاءِ القَرضِ، وهي سَلَفٌ جَرَّ نَفعًا، وسَواءٌ حَلَّ الأجَلُ أو لا؛ لأنَّ العَينَ لا يَدخُلُها «حُطَّ الضَّمانَ وأزيدُكَ»؛ لأنَّ الأجَلَ فيها لِمَنْ هي عليه، وأمَّا العَرضُ والطَّعامُ فيَجوزُ قَضاؤُه قبلَ أجَلِه بمُساوية قَدْرًا وصِفةً، لا أزيَدَ لِ «حُطَّ الضَّمانَ وأزيدُكَ»، ولا أقَلَ ل «ضَعْ وتَعجَّلْ»؛ فإنْ حَلَّ جازَ إنْ كان عَرضًا، فإنْ كان طَعامًا وجُعِلَ الأقَلُّ في مِثلِه وأبرأه مِنَ البَقيَّةِ جازَ، وإلا مُنِعَ لِلمُفاضَلةِ في الطَّعامِ، وهذا إنْ قَضاه بجِنسِه، فإنْ قَضاه بغَيرِ جِنسِه جازَ إنْ كان الثَّمَنُ غيرَ طَعامٍ، وجازَ بَيعُه بالمأخوذِ مُناجَزةً وسُلِّمَ رأسُ المالِ فيه (١).
стр. 4661
حُكمُ الهَديَّةِ لِلمُقرِضِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ المُقرِضَ لو شرَط على المُقترِضِ هَديَّةً فإنَّه حَرامٌ ورِبًا ولا يَحِلُّ له أخذُها.
قال الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ المُسلِفَ إذا شَرَط عندَ السَّلفِ هَديَّةً أو زيادةً فأسلَفَه على ذلك فأخْذُه الزِّيادةَ على ذلك رِبًا (١).
ثم اختَلَفوا فيما لو أهدى له مِنْ غيرِ شَرطٍ.
فقال الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ: لا بأسَ بهَديَّةِ المُستقرِضِ لِلمُقرِضِ مِنْ غيرِ شَرطٍ، ولكنَّ الأفضَلَ التَّنزُّهُ والتَّورُّعُ عنها إنْ عَلِمَ أنَّه إنَّما يُعطيه لِأجْلِ القَرضِ.
قال الحَنفيَّةُ: لا بأسَ بهَديَّةِ مَنْ عليه القَرضُ لِمُقرِضِه، لكنَّ الأفضَلَ أنْ يَتورَّعَ المُقرِضُ عن قَبولِ هَديَّتِه إذا عَلِمَ أنَّه إنَّما يُعطيه لِأجْلِ القَرضِ، أمَّا إذا عَلِمَ أنَّه لَم يُعطِه لِأجْلِ القَرضِ، بل لِقَرابةٍ أو صَداقةٍ بينَهما، لا يَتورَّعُ عن القَبولِ، وكذا لو كان المُستقرِضُ مَعروفًا بالجُودِ والسَّخاءِ، فإنْ لَم يَكُنْ شَيءٌ مِنْ ذلك فالحالةُ حالةُ الإشكالِ، فيَتورَّعُ عنه حتى يَتبيَّنَ أنَّه لَم يُهْدِ لِأجْلِ الدَّينِ.
لكنْ قال ابنُ الهُمامِ ﵀: ويَجبُ أنْ تَكونَ هَديَّةُ المُستقرِضِ لِلمُقرِضِ كالهَديَّةِ لِلقاضي إنْ كان المُستقرِضُ له عادةٌ قبلَ استِقراضِه
стр. 4662
فأهدى إلى المُقرِضِ فللمُقرِضِ أنْ يَقبَلَ منه قَدْرَ ما كان يُهديه بلا زيادةٍ. اه.
قال ابنُ نُجَيمٍ ﵀: وهو سَهوٌ، والمَنقولُ -كما قَدَّمناه في آخِرِ الحَوالةِ- أنَّه يَحِلُّ حيثُ لَم يَكُنْ مَشروطًا مُطلَقًا (١).
قال الشافِعيَّةُ: ولا كَراهةَ في قَبولِ هَديَّةِ المُستقرِضِ بغَيرِ شَرطٍ، قال الماوَرديُّ والرُّويانيُّ: والتَّنزُّه عنه أوْلى قبلَ رَدِّ البَدَلِ، وأمَّا ما رَواه البُخاريُّ وغَيرُه مما يَدلُّ على الحُرمةِ فبَعضُه شُرِطَ فيه أجَلٌ، وبَعضُه مَحمولٌ على اشتِراطِ الهَديَّةِ في العَقدِ (٢).
وقال المالِكيَّةُ: يَحرُمُ على المَدينِ -سَواءٌ مِنْ بَيعٍ أو سَلَمٍ أو قَرضٍ- أنْ يُهديَ لِصاحِبِ الدَّينِ هَديَّةً، ويَحرُمُ على صاحِبِ الدَّينِ قَبولُها؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى التأخيرِ بزيادةٍ، ثم إنْ كانت قائِمةً وجَب رَدُّها، وإنْ فاتَتْ بمُفوِّتِ البَيعِ الفاسِدِ وَجَب رَدُّ مِثلِها إنْ كانتْ مِثليَّةً، وقيمَتِها يَومَ دَخَلتْ في ضَمانِه إنْ كانتْ مُقوَّمةً، إلا أنْ يَتقدَّمَ مِثلُ الهَديَّةِ بينَهما قبلَ المُدايَنةِ، وعَلِمَ أنَّها ليست لِأجْلِ الدَّينِ فإنَّها لا تَحرُمُ حينَئذٍ حالةَ المُدايَنةِ، وإلا بأنْ يَحدُثَ مُوجِبُ الهَديَّةِ بعدَ المُدايَنةِ مِنْ صَهارةٍ ونَحوِها -كفَرَحٍ أو مَوتِ أحَدٍ عندَه أو سَفَرٍ ونَحوِ ذلك- فإنَّها لا تَحرُمُ.
стр. 4663
وهَديَّةُ رَبِّ القَرضِ لِلعامِلِ حَرامٌ؛ لِئلَّا يَقصِدَ بذلك أنْ يَستديمَ العَمَلَ فيَصيرَ سَلَفًا جَرَّ مَنفَعةً، وكذلك يَحرُمُ هَديَّةُ العامِلِ لِرَبِّ المالِ ولو بعدَ شُغلِ المالِ، أمَّا قبلَ الشُّغلِ فبلا خِلافٍ؛ لأنَّ لِرَبِّ المالِ أخْذَه منه فيُتَّهَمُ بأنَّه إنَّما أهدى إليه لِيَبقى المالُ بيَدِه، وأمَّا بعدَ شُغلِ المالِ فعلى المَشهورَ، وقيلَ: تَجوزُ، وهُما مَبنيَّانِ على اعتِبارِ الحالِ، فتَجوزُ لِعَدَمِ قُدرةِ رَبِّ المالِ على انتِزاعِه منه حينَئذٍ، أو على اعتِبارِ المآلِ، وهو أنْ يَترقَّبَ مِنْ رَبِّ المالِ بعدَ نُضوضِ هذا المالِ أنْ يُعامِلَه مَرَّةً أُخرى لِأجْلِ هَديَّتِه له.
ولا يَجوزُ لِذي الجاهِ أخذُ مالٍ على جاهِه إنْ لَم يَتقدَّمْ مِثلُها أو يَحدُثْ مُوجِبٌ، وكذلك لا يَجوزُ لِلقاضي أخْذُ هدايا الناسِ بحَيثُ يُتوصَّلُ بالهَديَّةِ له إلى أمْرٍ مَمنوعٍ، أو إلى أمْرٍ يَجبُ على ذي الجاهِ دَفعُه عن المُهدي بلا تَعَبٍ ولا حَرَكةٍ، وأمَّا كَونُه يَتوصَّلُ بذلك إلى أنْ يَذهَبَ به في قَضاءِ مَصالِحِه إلى نَحوِ ظالِمٍ أو سَفَرٍ لِمَكانٍ فيَجوزُ كالهَديَّةِ له لا لِحاجةٍ، وإنَّما هي لِمَحبَّةٍ أو اكتِسابِ جاهٍ.
ويَجوزُ لِمَنْ حَبَسه السُّلطانُ أو غَيرُه ظُلمًا أنْ يَبذُلَ مالًا لِمَنْ يَتكلَّمُ في خَلاصِه بجاهِهِ أو غَيرِه، وهي على هذا جائِزةٌ لِلدافِعِ، حَرامٌ لِلآخِذِ؛ لأنَّ تَخليصَ المَظلومِ واجِبٌ على كلِّ مَنْ قَدَرَ عليه.
إلا أنْ يَتقدَّمَ لِمَنْ أهدى لِمَنْ ذُكِرَ -هو المُقرِضُ ورَبُّ القِراضِ وعامِلُه والقاضي وذو الجاهِ- هَديَّةٌ مِثلُها، أو يَحدُثَ لِمَنْ ذُكِرَ مُوجِبٌ يَقتَضي الإهداءَ له عادةً، كفَرَحٍ أو مَوتِ أحَدٍ عندَه أو سَفَرٍ ونَحوِ ذلك، وكان الإهداءُ لِذلك، لا لِلدَّينِ فيَجوزُ.
القَرضِ، فلَمَّا تَيقَّنَ أنَّها ليستْ بسَبَبِ القَرضِ قَبِلَها، وهذا فَصلُ النِّزاعِ في مَسألةِ هَديَّةِ المُقترِضِ (١).
وعن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ ﵁ قال: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسِيرَ إِلَى أَرْضِ الْجِهَادِ إِلَى الْعِرَاقِ، فقَال: إِنَّكَ تَأْتِي أَرْضًا فَاشٍ فِيهَا الرِّبَا، فإِنْ أَقْرَضْتَ رَجُلًا قَرْضًا فَأَتَاكَ بِقَرْضِكَ وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ فاقْبِضْ قَرْضَكَ وَارْدُدْ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ. رَواهُما الأثرَمُ.
ورَوى البُخاريُّ عن أبي بُردةَ ﵁ قال: أتَيْتُ الْمدِينَةَ فلَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ ﵁، فقال: ألَا تَجِيءُ فأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وتَمْرًا وتَدْخُلَ في بَيْتٍ، ثمَّ قال: إِنَّكَ بِأرْضٍ الرِّبا بها فاشٍ، إذا كان لَكَ على رَجُلٍ حَقٌّ فأَهْدَى إِليْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أو حِمْلَ شَعِيرٍ أو حِمْلَ قَتٍّ فلا تأْخُذْهُ؛ فإنَّه رِبًا (٢).
قال ابنُ أبي موسى ﵀: ولو أقرَضَه قَرضًا ثم استَعمَلَه عَمَلًا لَم يَكُنْ لِيَستَعمِلَه مِثلَه قبلَ القَرضِ، كان قَرضًا جَرَّ مَنفَعةً.
ولو استَضافَ غَريمَه ولَم تَكُنِ العادةُ جَرَتْ بينَهما بذلك حَسَبَ له ما أكَلَه؛ لِما رَوى ابنُ ماجَه في «سُنَنِه» عن أنَسٍ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أَقْرَضَ أحَدُكم قَرْضًا فأُهديَ له أو حَمَلَهُ على الدَّابَّةِ فلا يَرْكَبْهَا ولا يَقْبَلْهُ، إلا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قبلَ ذلك» (٣)، فنَهى
стр. 4666
النَّبيُّ ﷺ هو وأصحابُه المِقرِضَ عن قَبولِ هَديَّةِ المُقترِضِ قبلَ الوَفاءِ، فإنَّ المَقصودَ بالهَديَّةِ أنْ يُؤخِّرَ الاقتِضاءَ وإنْ كان لَم يُشترَطْ ذلك؛ سَدًّا لِذَريعةِ الرِّبا.
وهذا كُلُّه في مُدَّةِ القَرضِ وقَبلَ الوَفاءِ، فأمَّا بعدَ الوَفاءِ فهو كالزِّيادةِ مِنْ غيرِ شَرطٍ، فيَجوزُ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّه لَم يَجعَلْ تلك الزِّيادةَ عِوَضًا في القَرضِ ولا وَسيلةً إليه ولا إلى استِيفاءِ دَينِه، أشبَهَ ما لو لَم يَكُنْ هناك قَرضٌ.
وكذا كلُّ غَريمٍ حُكمُه كالمُقرِضِ فيما تَقدَّم (١).
حُكمُ السَّفَاتِجِ -أي: أمْنِ خَطَرِ الطَّريقِ -:
السَّفَاتِجُ: قَرضٌ استَفادَ به المُقرِضُ أمْنَ خَطَرِ الطَّريقِ.
وصُورَتُه: أنْ يُقرِضَ مالَه لِآخَرَ على أنْ يُعطيَه عِوَضَه في بَلَدِه، أو في مَوضِعٍ آمِنٍ، أو على أنْ يَحميَه في الطَّريقِ؛ وإنَّما يَدفَعُه على سَبيلِ القَرضِ لا على سَبيلِ الأمانةِ لِيَستفيدَ به سُقوطَ خَطَرِ الطَّريقِ.
وهو تَعرِيبُ سَفْتَه وسُفْتَه، شَيءٌ مُحكَمٌ، وسُمِّيَ هذا القَرضُ بذلك لِإحكامِ أمْرِه (٢).
стр. 4667
وقال المالِكيَّةُ: السَّفتَجةُ هي الكِتابُ الذي يُرسِلُه المُقترِضُ إلى وَكيلِه في بَلَدٍ آخَرَ لِيَدفَعَ لِحامِلِه نَظيرَ ما تَسَلَّفَ منه لِيَدفَعَ بذلك خَطَرَ الطَّريقِ ومُؤنةَ الحَملِ (١).
والنَّفعُ المُتوقَّعُ هنا هو أنْ يَستفيدَ المُقرِضُ دَفعَ خَطَرِ الطَّريقِ عن مالِه؛ إذْ قد يَخشى لو سافَرَ بأموالِه أنْ يَسطُوَ عليه اللُّصوصُ وقُطَّاعُ الطُّرُقِ فيأخُذوه منه، فيَلجَأُ إلى هذه الحِيلةِ لِيَستَفيدَ مِنْ وَراءِ هذا القَرضِ دَفعَ الخَطَرِ المُتوَقَّعِ في الطَّريقِ (٢).
وجُمهورُ الفُقهاءِ يَعتبِرونَ السَّفتَجةَ قَرضًا، وليستْ حَوالةً، إلا أنَّها تُشبِهُ الحَوالةَ باعتِبارِ أنَّ المُقترِضَ يُحيلُ المُقرِضَ إلى شَخصٍ ثالِثٍ، فكأنَّه نَقَلَ دَينَ المُقرِضِ مِنْ ذِمَّتِه إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه، والحَوالةُ لا تَخرُجُ عن كَونِها نَقلَ الدَّينِ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ.
لكنِ اعتَبَرها الجُمهورُ مِنْ بابِ القَرضِ؛ لأنَّ الكَلامَ في القَرضِ الذي يَجُرُّ مَنفَعةً هل هو جائِزٌ أو غيرُ جائِزٍ، أمَّا الحَوالةُ فهي في دَينٍ ثَبَت في الذِّمَّةِ فِعلًا.
وقد ذَكَرها بَعضُ فُقهاءِ الحَنفيَّةِ كالحَصكَفيِّ والمَرغِينانيِّ في آخِرِ بابِ الحَوالةِ مع ذِكرِها في بابِ القَرضِ أيضًا.
وقال ابنُ الهُمامِ والبابَرتيُّ: أورَدَ القُدُوريُّ هذه المَسألةِ هنا لأنَّها مُعامَلةٌ في الدُّيونِ، كالكَفالةِ والحَوالةِ (٣).
стр. 4668
وقال الكَرمانيُّ ﵀: هي في مَعنى الحَوالةِ؛ لأنَّه أحالَ الخَطَر المُتوَقَّعَ على المُستقرِضِ، وهذا ما قاله الحَصكَفيُّ، قال: السَّفتَجةُ: إقراضٌ لِسُقوطِ خَطَرِ الطَّريقِ، فكأنَّه أحالَ الخَطَرَ المُتوقَّعَ على المُستقرِضِ، فكان في مَعنى الحَوالةِ.
قال ابنُ عابدينَ: وفي «نَظمِ الكَنزِ» لِابنِ الفَصيحِ:
وكَرِهتُ سَفاتِجَ الطَّريقِ وهي إحالةٌ على التَّحقيقِ
قال شارِحُه المَقدسيُّ ﵀: لأنَّه يُحيلُ صَديقَه عليه أو مَنْ يَكتُبُ إليه (١).
وقد اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ السَّفتَجةِ، وهي إما أنْ تَكونَ بشَرطٍ أو بغَيرِ شَرطٍ، فإنْ كانَتْ بغَيرِ شَرطٍ فالجُمهورُ على جَوازِها.
وأمَّا إذا كانَتْ بشَرطٍ فقد ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في إحدى الرِّوايَتَيْنِ إلى عَدَمِ الجَوازِ؛ لأنَّه قَرضٌ جَرَّ نَفعًا فيُشبِهُ الرِّبا؛ لأنَّ المَنفَعةَ فَضلٌ لا يُقابِلُه عِوَضٌ.
قال الحَنفيَّةُ: إذا أقرَضَه بالكُوفةِ بشَرطِ أنْ يُوَفِّيَه بالبَصرةِ لا يَجوزُ؛ لأنَّه قَرضٌ جَرَّ مَنفَعةً؛ لأنَّ المُستقرِضَ يَكفيه خَطَرَ الطَّريقِ ومُؤنةَ الحَملِ، وعلى هذا فالسَّفاتِجُ التي يَتعامَلُ بها التُّجَّارُ يُقرِضونَ فيما بَينَهم، ويَكتُبُ المُستقرِضُ لِلمُقرِضِ سَفتَجةً إلى مَكانٍ، فإنْ كان ذلك شَرطًا في القَرضِ فهو مَكروهٌ؛ لأنَّه قَرضٌ جَرَّ مَنفَعةً، فإنَّه يُسقِطُ عن المُقرِضِ مُؤنةَ الحَملِ
стр. 4669
وخَطَرَ الطَّريقِ، وإنْ لَم يَكُنْ ذلك مَشروطًا في القَرضِ فلا بأسَ به.
وصُورةُ الشَّرطِ: رَجُلٌ أقرَضَ رَجُلًا على أنْ يَكتُبَ له بها إلى بَلَدِ كذا، فإنَّه لا يَجوزُ، وإنْ أقرَضَه بغَيرِ شَرطٍ وكتَب جازَ، ثم قالوا: إنَّما يَحِلُّ عندَ عَدَمِ الشَّرطِ إذا لَم يَكُنْ فيه عُرفٌ ظاهِرٌ، فإنْ كان يُعرَفُ أنَّ ذلك يُفعَلُ كذلك فلا (١).
وقال المالِكيَّةُ: لا تَجوزُ السَّفتَجةُ، وكذا كلُّ عَينٍ عَظُمَ حَملُها؛ لأنَّ المُسلِفَ انتَفَع بحِرزِ مالِه مِنْ آفاتِ الطَّريقِ إذا لَم يَكُنِ الهَلاكَ وقَطعَ الطَّريقِ في الأغلَبِ، فإنْ كان الهَلاكُ وقَطعُ الطَّريقِ في الأغلَبِ ويَغلِبُ الخَوفُ في جَميعِ طُرُقِ المَحَلِّ الذي يَذهَبُ إليه المُقرِضُ منها بالنِّسبةِ إليه، فيَجوزُ لِلضَّرورةِ؛ تَقديمًا لِمَصلحةِ حِفظِ المالِ على مَضرَّةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفعًا، بل يُندَبُ لِلآمِنِ على النَّفْسِ والمالِ، بل قد يَجِبُ.
فإنْ غلَب -لا في جَميعِ طُرُقِه أو غلَب في جَميعِها لكنْ بالنِّسبةِ لِغَيرِه لا بالنِّسبةِ إليه- فلا يَجوزُ (٢).
стр. 4670
وأمَّا الشافِعيَّةُ فقال الماوَرديُّ ﵀: أخْذُ السَّفاتِجِ بالمالِ على ضَربَيْنِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ بدَينٍ ثابِتٍ، والآخَرُ: أنْ يَكونَ بقَرضٍ حادِثٍ، فأمَّا الدَّينُ الثابِتُ إذا سألَ صاحِبُه مَنْ هو عليه أنْ يَكتُبَ له به سَفتَجةً إلى بَلَدٍ آخَرَ لَم يَلزَمْه إلا أنْ يَشاءَ، فلو اتَّفَقا على كَتْبِ سَفتَجةٍ جازَ.
وأمَّا القَرضُ فضَربانِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ مَشروطًا فيه كَتْبُ السَّفتَجةِ، أمَّا مِنْ جِهةِ المُقرِضِ فيَقولُ: «هو ذا أقرَضتُكَ لِتَكتُبَ لِي به سَفتَجةً إلى بَلَدِ كذا كذا»، أو مِنْ جِهةِ المُقترِضِ فيَقولُ: «هو ذا أقتَرِضُ منكَ لِأكتُبَ لَكَ في سَفتَجةٍ إلى بَلَدِ كذا»، فهذا قَرضٌ باطِلٌ لا يَصحُّ أخْذُ السَّفتَجةِ به؛ لأنَّه قَرضٌ جَرَّ مَنفَعةً.
والآخَرُ: أنْ يَكونَ قَرضًا مُطلَقًا، ثم يَتَّفِقانِ على كَتْبِ سَفتَجةٍ فيَجوزُ هذا كالدَّينِ، وإذا كان كذلك فلا يَخلو حالُ السَّفتَجةِ بالدَّينِ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ، إمَّا أنْ يَكونَ بلَفظِ الحَوالةِ أو بلَفظِ الأمرِ والرِّسالةِ، فإنْ كانتْ بلَفظِ الحَوالةِ فإذا ورَدَتِ السَّفتَجةُ إلى المَكتوبِ إليه لَزِمَه أداؤُها بأربعةِ شُروطٍ، أحَدُها: أنْ يَعترِفَ بدَينِ الكاتِبِ، الثاني: أنْ يَعترِفَ بدَينِ المَكتوبِ لَه، الثالِثُ: أنْ يَعترِفَ بأنَّه كِتابُ المُحيلِ، الرابِعُ: أنْ يَعترِفَ بأنَّه كتَبه مُريدًا أنَّه الحَوالةُ، فإذا اعتَرَف بهذه الأربعةِ لَزِمَه أداءُ ما في السَّفتجةِ مِنَ الدَّينِ، سَواءٌ ضمِنه لَفظًا أو لا، وإنِ اعتَرَف بدَينِ الكاتِبِ وأنكَرَ دَينَ المَكتوبِ لَه، أو اعتَرَف بدَينِهما وأنكَرَ الكِتابَ لَم تَلزَمْه الحَوالةُ، ولو اعتَرَف بدَينِهما وبالكِتابةِ وأنكَرَ أنْ يَكونَ الكاتِبُ أرادَ به الحَوالةَ فالمَذهبُ الذي يُوجِبُه القياسُ أنَّ الحَوالةَ لا تَلزَمُه.
стр. 4671
ومِن أصحابِنا مَنْ قال: متى اعتَرَف بالكِتابِ والدَّينِ لَزِمَتْه الحَوالةُ، وإنْ أنكَرَ الإرادةَ اعتِمادًا على العُرفِ، وأنَّ الوُصولَ إلى الإرادة مُتعذَّرٌ، فلو لَم يَعترِفْ بالكِتابِ لكنْ أجابَ إلى دَفعِ المالِ لِيَكونَ مَضمونًا عليه إلى أنْ تَصحَّ الحَوالةُ جازَ، واختَلَف أصحابُنا هل يَجوزُ له استِرجاعُ المالِ منه قبلَ صِحَّةِ الحَوالةِ على وَجهَيْنِ: أحَدُهما: لا يَجوزُ، اعتِبارًا بالشَّرطِ، وأنَّ له استِرجاعَه بعدَ العِلمِ ببُطلانِ الحَوالةِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: وهو قَولُ أبي عَبدِ اللهِ الزُّبَيريِّ: يَجوزُ له استِرجاعُ المالِ منه مَتى شاءَ، ما لَم تَثبُتْ صِحَّةُ الحَوالةِ؛ لأنَّ المالَ لا يَلزَمُه إلا بعدَ صِحَّةِ الحَوالةِ.
أمَّا إذا كانَتِ السَّفتَجةُ بلَفظِ الأمْرِ، والرِّسالةُ لَم تَلزَمِ المَكتوبَ إليه؛ إلا أنْ يَضمَنَها لَفظًا، سَواءٌ اعتَرَف بالكِتابِ والدَّينِ أو لا، وهو قَولُ مُحمدِ بنِ الحَسنِ، وقال أبو يُوسُفَ: إذا قرأها وتَرَكها تَرْكَ رِضًا لَزِمَتْه، وقال غَيرُه مِنَ العِراقيِّينَ: إذا أثبَتَها في حِسابِه لَزِمَتْه.
وكلُّ هذا عِندَنا لا يَلزَمُ به السَّفتَجةُ، وكذلك لو كتَب على ظَهرِها: «صَحيحةٌ قد قَبِلتُها»، حتى يَضمَنَها لَفظًا ثم لا تَلزَمُ الكاتِبَ إلا أنْ يَعترِفَ بها لَفظًا، فلا تَلزَمُه باعتِرافِه بالخَطِّ، ومِن أصحابِنا مَنْ قال: إنِ اعتَرَف بالخَطِّ لَزِمَه، وهو قَولُ مَنْ زعَم أنَّ المَكتوبَ إليه إنِ اعتَرَف بالخَطِّ في الحَوالةِ لَزِمتْه، وهو غيرُ صَحيحٍ في المَوضِعَيْنِ (١).
стр. 4672
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: وإنْ شَرَط أنْ يُعطيَه إياه في بَلَدٍ آخَرَ، وكان لِحَملِه مُؤنةٌ لَم يَجُزْ؛ لأنَّه زيادةٌ، وإنْ لَم يَكُنْ لِحَملِه مُؤنةٌ جازَ.
وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّ مَنْ شَرَط أنْ يَكتُبَ له بها سَفتَجةً لَم يَجُزْ، ومَعناه اشتِراطُ القَضاءِ في بَلَدٍ آخَرَ (١).
وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ وبَعضُ المالِكيَّةِ إلى جَوازِ السَّفتَجةِ؛ لِكَونِها مَصلَحةً لَهما جَميعًا.
ولِما رُوِيَ عن عَطاءٍ ﵁ أنَّه قال: كان ابنُ الزُّبَيرِ ﵁ يأخُذُ مِنْ قَومٍ بمَكةَ دَراهَم ثم يَكتُبُ لهم بها إلى مُصعَبِ بنِ الزُّبَيرِ بالعِراقِ فيأخُذونَها منه، فسُئِلَ عن ذلك ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ فلَمْ يَرَ به بَأْسًا (٢).
ورُويَ عن علِيٍّ ﵁ أنَّه قال: «لا بأسَ أنْ يُعطيَ المالَ بالمَدينةِ ويأخُذَ بأفريقيةَ» (٣)، وممَّن لَم يَرَ به بأْسًا ابنُ سِيرينَ والنَّخَعيُّ.
وذَكَر القاضي ﵀ أنْ لِلوصيِّ قَرضَ مالِ اليَتيمِ في بَلَدٍ آخَرَ لِيَربَحَ خَطَرَ الطَّريقِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ جَوازُه؛ لأنَّه مَصلَحةٌ لَهما مِنْ غيرِ ضَرَرٍ بواحِدٍ منهما، والشَّرعُ لا يُرَدُّ بتَحريمِ المَصالِحِ التي لا مَضَرَّةَ فيها، بل
стр. 4673
بمَشروعيَّتِها؛ ولأنَّ هذا ليس بمَنصوصٍ على تَحريمِه، ولا في مَعنى المَنصوصِ، فوَجَب إبقاؤُه على الإباحةِ (١).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَجوزُ أنْ يَقترِضَ الرَّجُلُ شَيئًا له حَملٌ ومُؤنةٌ في بَلَدٍ على أنْ يُعطيَه ذلك في بَلَدٍ آخَرَ، فأمَّا السَّفاتِجُ بالدَّنانيرِ والدَّراهِمِ فقد كرِه مالِكٌ العَمَلَ بها، ولَم يُحرِّمْها، وأجازَ ذلك طائِفةٌ مِنْ أصحابِه وجَماعةٌ مِنْ أهلِ العِلمِ سِواهُم؛ لأنَّه ليس لها حَملٌ ولا مُؤَنٌ، وقد رُوِيَ عن مالِكٍ أيضًا أنَّه لا بأسَ بذلك، والأشهَرُ عنه كَراهيَتُه؛ لِما استَعمَلَه الناسُ مِنْ أمرِ السَّفاتِجِ ولَم يَختلِفْ قَولُه في كَراهةِ استِسلافِ الطَّعامِ على أنْ يُعطى ببَلَدٍ آخَرَ، وكذلك كلُّ شَيءٍ له حَملٌ ومُؤنةٌ.
ولا بأسَ أنْ يَشترِطَ المُستَسلِفُ ما يَنتفِعُ به مِنَ القَضاءِ في مَوضِعٍ آخَرَ، ونَحوَ ذلك، قال مالِكٌ: فإنْ كان المُقرِضُ هو المُشترِطَ لِما يَنتفِعُ به لَم يَجُزْ ذلك ولا خَيرَ فيه (٢).
وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: السَّفتَجةُ أنْ يُقرِضَه دَراهِمَ يَستَوفيها منه في بَلَدٍ آخَرَ، مِثلَ أنْ يَكونَ المُقرِضُ غَرَضُه حَملُ دَراهِمَ إلى بَلَدٍ آخَرَ، والمُقترِضُ له دَراهِمُ في ذلك البَلَدِ، وهو مُحتاجٌ إلى دَراهِمَ في بَلَدِ المُقرِضِ، فيَقترِضَ منه في بَلَدٍ دَراهِمَ المُقرِضِ ويَكتُبَ له سَفتَجةً -أي: وَرَقةً- إلى بَلَدِ دَراهِمِ المُقترِضِ، فهذا يَجوزُ في أصَحِّ قَولَيِ العُلماءِ.
стр. 4674
وقيلَ: يُنهى عنه لأنَّه قَرضٌ جَرَّ مَنفَعةً، والقَرضُ إذا جَرَّ مَنفَعةً كان رِبًا، والصَّحيحُ الجَوازُ؛ لأنَّ المُقترِضَ رأى النَّفعَ بأمْنِ خَطَرِ الطَّريقِ إلى نَقلِ دَراهِمِه إلى بَلَدِ دَراهِمِ المُقترِضِ، فكِلاهُما مُنتفِعٌ بهذا الاقتِراضِ، والشارِعُ لا يَنهى عما يَنْفَعُ الناسَ ويُصلِحُهم ويَحتاجونَ إليه؛ وإنَّما يَنهى عما يَضُرُّهم ويُفسِدُهم، وقد أغناهم اللهُ عنه، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: والصَّحيحُ أنَّها لا تُكرَهُ؛ لأنَّ المُقترِضَ يَنتفِعُ بها أيضًا، ففيها مَنفَعةٌ لَهما جَميعًا إذا أقرَضَه (٢).
وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀: واختَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيما لو أقرَضَه دَراهِمَ وشرَط عليه أنْ يُوفِّيَه إياها ببَلَدٍ آخَرَ، ولا مُؤنةَ لِحَملِها فرُويَ عنه أنَّه لا يَجوزُ، وكرِهه الحَسنُ وجَماعةٌ ومالِكٌ والأوزاعيُّ والشافِعيُّ.
ورُويَ عنه الجَوازُ، نَقَله ابنُ المُنذرِ؛ لأنَّه مَصلَحةٌ لَهما، فلَم يَنفرِدِ المُقترِضُ بالمَنفَعةِ، وحَكاه عن علِيٍّ وابنِ عَبَّاسٍ والحَسنِ بنِ علِيٍّ وابنِ الزُّبَيرِ وابنِ سِيرينَ وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ الأسوَدِ وأيُّوبَ والثَّوريِّ وإسحاقَ، واختارَه القاضي.
ونَظيرُ هذا ما لو أفلَسَ غَريمُه فأقرَضَه دَراهِمَ يُوفِّيه كلَّ شَهرٍ شَيئًا مَعلومًا مِنْ رِبحِها جازَ؛ لأنَّ المُقترِضَ لَم يَنفرِدْ بالمَنفَعةِ.
стр. 4675
ونَظيرُه ما لو كان عليه حِنطةٌ فأقرَضَه دَراهِمَ يَشتَري له بها حِنطةً ويُوفِّيه إياها.
ونَظيرُ ذلك أيضًا إذا أقرَضَ فَلَّاحَه ما يَشتَري به بَقَرًا يَعمَلُ بها في أرضِه، أو بَذرًا يَبذُرُه فيها.
ومَنَعه ابنُ أبي موسى.
والصَّحيحُ جَوازُه، وهو اختيارُ صاحِبِ «المُغني»، وذلك لأنَّ المُستقرِضَ إنَّما يَقصِدُ نَفعَ نَفْسِه ويَحصُلُ انتِفاعُ المُقرِضِ ضِمنًا، فأشبَهَ أخْذَ السَّفتَجةِ به وإيفاءَه إياه في بَلَدٍ آخَرَ مِنْ حَيثُ إنَّه مَصلَحةٌ لَهما جَميعًا.
والمَنفَعةُ التي تَجُرُّ إلى الرِّبا في القَرضِ هي التي تَخُصُّ المُقرِضَ -كسُكنى دارِ المُقترِضِ ورُكوبِ دَوابِّه واستِعمالِه وقَبولِ هَديَّتِه، فإنَّه لا مَصلَحةَ له في ذلك بخِلافِ هذه المَسائِلِ، فإنَّ المَنفَعةَ مُشتَرَكةٌ بينَهما، وهُما مُتعاوِنانِ عليها، فهي مِنْ جِنسِ التَّعاوُنِ والمُشارَكةِ (١).
حُكمُ جَمعيَّاتِ المُوظَّفينَ والأُسرةِ:
قال القَليوبيُّ الشافِعيُّ في «حاشِيَتِه»: فَرعٌ: الجَمعيَّةُ المَشهورةُ بينَ النِّساءِ بأنْ تأخُذَ امرأةٌ مِنْ كلِّ واحِدةٍ مِنْ جَماعةٍ منهُنَّ قَدْرًا مُعيَّنًا في كلِّ جُمُعةٍ أو شَهرٍ وتَدفَعَه لِواحِدةٍ بعدَ واحِدةٍ إلى آخِرِهِنَّ جائِزةٌ كما قالَه الوَليُّ العِراقيُّ (٢).
стр. 4676
حُكمُ البَيعِ والسَّلَفِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ البَيعُ بشَرطِ السَّلَفِ مِنْ أحَدِ المُتبايعَيْنِ، وعلى أنَّه بَيعٌ فاسِدٌ (١).
وهو أنْ يَقولَ: بِعتُكَ هذه السِّلعةَ بمِئةٍ -مَثَلًا- على أنْ تُسلِفَني سَلَفًا كذا، أو تُقرِضَني قَرضًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعٍ وَسَلَفٍ (٢).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو باعه بشَرطِ أنْ يُسلِفَه أو يُقرِضَه، أو شَرَط المُشتَري ذلك عليه فهو مُحرَّمٌ، والبَيعُ باطِلٌ، وهذا مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ، ولا أعلَمُ فيه خِلافًا إلا أنَّ مالِكًا قال: إنْ تَرَكَ مُشترِطُ السَّلَفِ السَّلَفَ صَحَّ البَيعُ.
ولنا: ما رَوى عَبدُ اللهِ بنُ عُمرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَم يَضْمَنْ، وَعَنْ بَيعِ مَا لَم يَقْبِضْ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيعٍ، وَعَنْ بَيعٍ وَسَلَفٍ. أخرَجَه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقال: حَديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، وفي لَفظٍ: «لَا يَحِلُّ بَيعٌ وَسَلَفٌ»؛ ولأنَّه اشتَرَط عَقدًا في عَقدٍ فَسَد، كبَيعتَيْنِ في بَيعةٍ.
ولأنَّه إذا اشتَرَط القَرضَ زادَ في الثَّمنِ لِأجْلِه، فتَصيرُ الزِّيادةُ في الثَّمَنِ عِوَضًا عن القَرضِ ورِبحًا له، وذلك رِبًا مُحرَّمٌ، ففَسَد كما لو صرَّح به.
стр. 4677
ولأنَّه بَيعٌ فاسِدٌ لا يَعودُ صَحيحًا كما لو باع دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ ثم تَرَكَ أحَدَهما (١).
قال المالِكيَّةُ: لا يَصحُّ بَيعٌ وسَلَفٌ إذا شُرِط، وأمَّا بَيعٌ وسَلَفٌ مِنْ غيرِ شَرطٍ فلا يُمتَنَعُ على المُعتَمَدِ.
فصُورُ البَيعِ والسَّلَفِ أربَعٌ؛ لأنَّ البائعَ إمَّا أنْ يَقولَ لِلمُشتَري: «أبيعُكَ هذا على أنْ تُسلِفَني كذا، أو بشَرطِ أنْ أُسلِفَكَ».
وإمَّا أنْ يَقولَ المُشتَري لِلبائِعِ: «أشتَريه منكَ على أنْ أُسلِفَكَ، أو على أنْ تُسلِفَني كذا».
وأمَّا جَمعُهما مِنْ غيرِ شَرطٍ فالراجِحُ الجَوازُ، وأمَّا تُهمةُ بَيعِ وسَلَفٍ فمَمنوعٌ.
فالمَسائِلُ ثَلاثةٌ:
الأُولى: بَيعٌ جائِزٌ في الظاهِرِ يُؤدِّي إلى بَيعٍ وسَلَفٍ؛ فإنَّه يُمنَعُ لِلتُّهمةِ على أنَّهما قَصَدا البَيعَ والسَّلَفَ المَمنوعَ، وذلك كأنْ يَبيعَ سِلعتَيْنِ بدينارَيْنِ لِشَهرٍ ثم يَشتريَ إحداهما بدينارٍ نَقدًا، فآلَ الأمرُ إلى أنَّ البائِعَ أخرَجَ مِنْ يَدِه سِلعةً ودينارًا نَقدًا؛ لأنَّ السِّلعةَ التي خَرَجتْ مِنْ يَدِه ثم عادَتْ إليها مُلغاةٌ، ثم أخَذَ عنهما عندَ الأجَلِ دينارَيْنِ، أحَدُهما عن السِّلعةِ، وهو بَيعٌ، والآخَرُ عن الدِّينارِ، وهو سَلَفٌ.
стр. 4678
فهذه الصُّورةُ تُؤدِّي إلى بَيعٍ وسَلَفٍ، وهو جائِزٌ في ظاهِرِه، ولا خِلافَ في المَذهبِ في مَنعِه، وحيث تَكرَّر في هذه الصُّورةِ البَيعُ مُنِعتْ عِندَهم لِتُهمةِ قَصدِ البَيعِ والسَّلَفِ.
الثانيةُ: بَيعٌ وسَلَفٌ بشَرطٍ مِنَ البائِعِ أو المُشتَري، وهذه الصُّورةُ مَمنوعةٌ غيرُ جائِزةٍ؛ لأنَّ الانتِفاعَ بالقَرضِ هو مِنْ جُملةِ الثَّمَنِ إنْ كان شَرطُ السَّلَفِ صادِرًا مِنَ البائِعِ، أو هو مِنْ جُملةِ المُثَمَّنِ -أي: المَبيعِ- إنْ كان شَرطُ السَّلَفِ صادِرًا مِنَ المُشتَري، ففيه سَلَفٌ جَرَّ نَفعًا.
الثالِثةُ: بَيعٌ وسَلَفٌ بلا شَرطٍ، لا صَراحةً ولا حُكمًا، وهي جائِزةٌ على المُعتمَدِ.
ويَصحُّ البَيعُ إنْ حُذِفَ الشَّرطُ المُناقِضُ لِلمَقصودِ، أو المُخِلُّ بالثَّمَنِ مع قيامِ السِّلعةِ، ولو غابَ المُتَسلِّفُ منهما على السَّلَفِ غَيبةً يُمكِنُ فيها الانتِفاعُ به.
وأمَّا لو فاتَتِ السِّلعةُ فظاهِرُ المَذهبِ لا يُؤثِّرُ إسقاطُه بعدَ فَوْتِها في يَدِ مُشتَريها؛ لأنَّ القيمةَ حينَئذٍ قد وَجَبتْ عليه، فلا يُؤثِّرُ الإسقاطُ بعدَه.
وفي البَيعِ بشَرطِ السَّلَفِ -إنْ فاتَ المَبيعُ بيَدِ المُشتَري- الأكثَرُ مِنَ الثَّمَنِ الذي وَقَع به البَيعُ، ومِنَ القيمةِ يَومَ قَبضِه مِنْ بائِعِه.
هذا إنْ أسلَفَ المُشتَري بائِعَه؛ لأنَّه لمَّا أسلَفَه أخَذَها منه ببَخْسٍ، كالشَّرطِ المُناقِضِ، فإنَّ فيه الأكثَرَ منهما إذا فات المَبيعُ بيَدِ المُشتَري؛ لأنَّه بشَرطِه المُناقِضِ يَلزَمُ النَّقصُ في الثَّمنِ، فوَجَب له الأكثَرُ.
стр. 4679
وإنْ كان السَّلَفُ مِنَ البائِعِ فالعَكسُ، أي: يَلزَمُ المُشتَريَ (١).
وقال الزَّرقانيُّ ﵀: قال مالِكٌ: وتَفسيرُ ذلك أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: «آخُذُ سِلعَتَه بكذا، على أنْ تُسلِفَني كذا وكذا»، فإنْ عَقَدا بَيعَهما على هذا فهو غيرُ جائِزٍ، أي: حَرامٌ؛ لِاتِّهامِهما على قَصدِ السَّلَفِ بزيادةٍ، فإذا كان البائِعُ هو دافِعَ السَّلَفِ فكأنَّه أخَذَ الثَّمَنَ في مُقابَلةِ السِّلعةِ والانتِفاعِ بالسَّلَفِ، وإنْ كان هو المُشتَريَ فكأنَّه أخَذَ السِّلعةَ بما دَفَعه مِنَ الثَّمَنِ بالانتِفاعِ بالسَّلَفِ.
فإنْ تَرَك الذي اشتَرَط السَّلَفَ مع البَيعِ ما اشتَرَط منه -أي: السَّلَفِ- كان ذلك البَيعُ جائِزًا؛ لِانتِفاءِ التُّهمةِ (٢).
وقال النَّفَراويُّ المالِكيُّ ﵀: ولا يَجوزُ اشتِراطُ بَيعٍ وسَلَفٍ؛ لأنَّه ﷺ نَهى عن بَيعٍ وشَرطٍ، وحَمَل أهلُ المَذهبِ النَّهيَ على شَرطٍ يُناقِضُ المَقصودَ، أو يُخِلُّ بالثَّمَنِ، فالذي يُناقِضُ المَقصودَ كأنْ يَشترِطَ البائِعُ على المُشتَري ألَّا يَبيعَ تلك السِّلعةَ أصلًا، أو إلا مِنْ نَفَرٍ قَليلينَ، أو ألا يَطأَها إنْ كانتْ أَمَةً، أو ألا يَفعَلَ بها شَيئًا مما تُرادُ له، أو أنْ يَكونَ الشَّرطُ يُخِلُّ بالثَّمَنِ، كشَرطِ بَيعٍ وسَلَفٍ، ومَعنى إخلالِه بالثَّمَنِ أنَّه يَقتَضي كَثرَتَه -إنْ كان الشَّرطُ مِنَ المُشتَري- أو نَقصَه -إنْ كان الشَّرطُ مِنَ البائِعِ، وأمَّا
стр. 4680
اجتِماعُ البَيعِ والسَّلَفِ مِنْ غيرِ شَرطٍ فلا يُمتَنَعُ على المُعتمَدِ -ولو اتُّهِما عليه-، خِلافًا لِما جَرى عليه خَليلٌ في بُيوعِ الآجالِ.
تَنبيهٌ: إذا عَلِمتَ ما حَمَلنا عليه كَلامَ المُصنِّفِ ظَهَر أنَّ إطلاقَ المُصنِّفِ في اجتِماعِ البَيعِ والسَّلَفِ غيرُ مُسلَّمٍ به على المُعتمَدِ، وأنَّ مَحَلَّ الفَسادِ عندَ الشَّرطِ حيثُ لَم يُسقِطاه، والأصَحُّ البَيعُ، حيثُ أسقطاه قبلَ فَواتِ السِّلعةِ، بخِلافِ إسقاطِه بعدَ فَواتِها؛ فإنَّه لا يُوجِبُ الصِّحةَ؛ ولذلك يَجبُ على المُشتَري الأكثَرُ مِنَ الثَّمَنِ والقيمةِ إنْ كان هو المُسلِفَ؛ لأنَّه لمَّا سَلَّفَ البائِعَ أخَذَها بالنَّقصِ، وإنْ كان البائِعُ هو المُسلِفَ كان على المُشتَري له الأقَلُّ منهما، اللَّهمَّ إلا أنْ يَكونَ المُشتَري قد غاب على السَّلَفِ، بحيثُ انتَفَعَ به؛ فإنَّه يَلزَمُه القيمةُ، قُلتُ: أو كَثُرتْ -كما يُؤخَذُ مِنْ كَلامِ ابنِ رُشدٍ-، أشارَ إلى ذلك الحَطَّابُ، وهذا في المَبيعِ المُقوَّمِ، وأمَّا المِثليُّ فالواجِبُ مِثلُه مُطلَقًا، هذا حُكمُ الشَّرطِ المُخِلِّ بالثَّمَنِ (١).
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: البَيعُ باشتِراطِ السَّلَفِ مِنْ أحَدِ المُتَبايعَيْنِ لا يَجوزُ بإجماعٍ إذا عَزَمَ مُشتَرِطُه عليه، فإنْ أسقَطَه جازَ البَيعُ خِلافًا لَهم (٢).
стр. 4681
كتاب الضمان والكفالة
стр. 4682
كتاب الضمان والكفالة (١)
تَعريفُ الكَفالةِ والضَّمانِ لُغةً:
الكَفالةُ في اللُّغةِ: الضَّمانُ، يُقالُ: كفَل الرَّجُلَ، وبالرَّجُلِ، كِفْلًا، وكَفالةً: ضَمِنَه، ويُقالُ: كفَل المالَ، وكفَل عنه المالَ لِغَريمِه، فهو كافِلٌ، وأكفَل فُلانًا المالَ، أي: جعَله يَضمَنه.
قال ابنُ مَنظورٍ ﵀: (الكافِلُ): العائِلُ، كفَله يَكفُلُه وكفَّله إيَّاه، وفي التَّنزيلِ العَزيزِ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقد قُرِئتْ بالتَّثقيلِ، وبِنَصبِ «زكريا»، وذكَر الأخفَشُ أنه قُرئَ: (وَكَفِلَهَا زَكَريَّا)، بكَسرِ الفاءِ. وفي الحَديثِ: «أنا وكافِلُ اليتيمِ كهاتَيْن في الجنةِ له ولغيرِه» (٢).
стр. 4683
والكافِلُ: القائمُ بأمرِ اليتيمِ المربِّي له، وهو مِنْ الكَفيلِ الضَّمينِ، والضميرُ في «له ولغيرِه» راجعٌ إلى الكافلِ: أي: إنَّ اليتيمَ سواءٌ كان الكافلُ من ذوي رَحِمِه وأنسابِه، أو كان أجنبيًّا لغيرِه تكفَّل به، وقولُه: «كهاتَيْن» إشارةٌ إلى إصبَعَيْه: السَّبابةِ والوُسطى، ومنه الحَديثُ: «الرَّابُّ كافِلٌ» (١)، الرابُّ: زَوجُ أُمِّ اليتيمِ؛ لأنَّه يَكفُلُ تربيتَه ويَقومُ بأمرِه مع أُمِّه. وفي حَديثِ وَفدِ هَوازِنَ: «وَأَنْتَ خَيْرُ المَكْفُولِين» (٢)، يَعني رسولَ اللهِ ﷺ أي:
стр. 4684
خيرُ من كُفِلَ في صِغرِه وأُرضِعَ ورُبِّي حتى نَشأ، وكان مُسترضِعًا في بَني سَعدِ بنِ بَكرٍ.
والكافِلُ والكَفيلُ: الضامِنُ، والأُنثى كَفيلٌ أيضًا، وجَمعُ الكافِلِ كُفَّلٌ، وجَمعُ الكَفيلِ كُفلاءُ، وقد يُقالُ لِلجَميعِ كَفيلٌ، كما قيلَ في جَمعِ صَديقٍ، ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي ضَمَّنها إياه حتى تَكفَّل بحَضانتِها، ومَن قَرأ: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾، فالمَعنى ضَمِن القيامَ بأمرِها.
وكفَل المالَ وبالمالِ: ضَمِنه.
وكفَل بالرَّجُلِ يَكفُلُ ويَكفِلُ كَفلًا وكُفولًا وكَفالةً، وكَفُل وكَفِل، وتَكفَّل بدَينِه تَكفُّلًا.
أبو زيد ﵀: أَكْفَلْتُ فُلانًا المالَ إكَفالا إذا ضَمَّنتُه إيَّاه، وكفَل هو به كُفولًا وكَفلًا، والتَّكفيلُ مِثلُه.
قال اللهُ تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣].
الزَّجاجُ: مَعناه: اجعَلْني أنا أكفُلُها، وانزِلْ أنتَ عنها.
ابنُ الأعرابيِّ ﵀: كَفيلٌ وكافِلٌ وضَمينٌ وضامِنٌ بمَعنًى واحِدٍ.
وقال أبو مَنصورٍ الأزهريُّ ﵀ في «التَّهذيبِ»: وأمَّا الكافِلُ: فهو الذي كفَل إنسانًا يَعولُه ويُنفِقُ عليه، وفي الحديثِ: «الرَّبِيبُ كافِلٌ»، وهو زوجُ أُمِّ اليتيمِ، كأنَّه كفَل نفَقةَ اليتيمِ.
стр. 4685
وقال ابنُ مَنظورٍ أيضًا: الضَّمينُ الكَفيلُ، ضَمِن الشيءَ، وبه ضَمْنًا وضَمانًا: كفَل به، وضَمَّنَه إيَّاه كفَّله.
وقال ابنُ الأعرابيِّ ﵀: يُقالُ: (ضَمِنتُ الشيءَ أضمنُه ضَمانًا، فأنا ضامِنٌ) (١).
تَعريفُ الكَفالةِ والضَّمانِ اصطِلاحًا:
قد تنوَّعتْ عبارةُ الفُقَهاءِ في تَعريفِ الكَفالةِ والضَّمانِ بِناءً على الأحكامِ المُترتِّبةِ عليها، وإليك هذه التعاريفَ.
أولًا: تَعريفُ الحَنفيَّة:
لِلحَنفيَّةِ تَعريفانِ، وهُما:
الأوَّلُ: الكَفالةُ هي: ضَمُّ الذِّمَّةِ إلى الذِّمَّةِ في المُطالَبةِ.
الثاني: ضَمُّ الذِّمَّةِ إلى الذِّمَّةِ في الدَّينِ (٢).
ويُوافِقُ الأوَّلَ ما ذكَره صاحِبُ مُرشِدِ الحَيرانِ (٣)، حينما عَرَّفَ الكَفالةَ بقَولِه: (ضَمُّ ذِمَّةِ الكَفيلِ إلى ذِمَّةِ الأصيلِ في المُطالَبةِ بنَفْسٍ أو دَينٍ أو عَينٍ) (٤).
стр. 4686
ويَرى ابنُ عابدينَ أنَّ مَنْ عَرَّفها بالضَّمِّ في الدَّينِ، إنَّما أراد تَعريفَ نَوعٍ منها، وهو الكَفالةُ بالمالِ، وأمَّا الكَفالةُ بالنَّفْسِ والأعيانِ فهي في المُطالبةِ اتِّفاقًا، وهُما ماهيَّتانِ لا يُمكنُ جَمعُهما في تَعريفٍ واحِدٍ (١).
ولذا يَترجَّحُ التَّعريفُ الأولُ؛ لِشُمولِه أقسامَ الكَفالةِ جَميعًا، ولِقُصورِ الثاني أمامَه، فالكَفالةُ كما تَصِحُّ بالمالِ تَصِحُّ بالنَّفْسِ، ولا دَينَ في النَّفْسِ، وقد رجَّح هذا التَّعريفَ أكثرُ عُلماءِ الحَنفيَّةِ، وهو أوْلى هذه التَّعريفاتِ وأرجَحُها (٢).
ثانيًا: تَعريفُ المالِكيَّةِ:
يَقولُ خَليلٌ ﵀: (الضَّمانُ شَغلُ ذِمَّةٍ أُخرى بالحَقِّ) (٣).
وعرَّفه ابنُ عَرَفةَ ﵀: (الضَّمانُ: التِزامُ دَينٍ لا يُسقِطُه، أو طَلبُ مَنْ هو عليه لِمَنْ هو له) (٤).
وعرَّفه الشَّيخُ الدَّرديرُ ﵀ بأنَّه التِزامُ مُكلَّفٍ غَيرِ سَفيهٍ دَينًا على غَيرِه، أو طَلبُه مَنْ عليه لِمَنْ هو له) (٥).
стр. 4687
ثالثًا: تَعريفُ الشافِعيَّةِ:
عرَّف الشافِعيَّةُ الضَّمانَ بقَولِهم: التِزامُ حَقٍّ ثابِتٍ في ذِمَّةِ الغَيرِ، أو إحضارُ عَينٍ مَضمونةٍ أو بَدَنِ مَنْ يَستحِقُّ حُضورَه (١).
ويُفرِّقُ الإمامان النَّوَويُّ والماوَرديُّ بينَ لَفظَيِ الضَّمانِ، والكَفالةِ في الاستِعمالِ، فالضَّمانُ خاصٌّ بإحضارِ المالِ، والكَفالةُ خاصَّةٌ بإحضارِ البَدَنِ، ولذا يُقالُ: ضَمانُ المالِ وكَفالةُ البَدَنِ (٢).
رابِعًا: تَعريفُ الحَنابِلةِ:
تَعدَّدتْ عِباراتُ فُقهاءِ الحَنابِلةِ في تَعريفِ الضَّمانِ.
فقد عَرَّفه ابنُ قُدامةَ ﵀ بقَولِه: (الضَّمانُ: هو ضَمُّ ذِمَّةِ الضامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضمونِ عنه في التِزامِ الحَقِّ، فيَثبُتُ في ذِمَّتِهما جَميعًا) (٣).
وعَرَّفه الإمامُ البُهوتيُّ ﵀ وغَيرُه بقَولِه: (الضَّمانُ: هو التِزامُ مَنْ يَصِحُّ تَبرُّعُه بما وجَب، أو قد يَجبُ على غَيرِه مع بَقائِه) (٤).
والحَنابِلةُ يُفرِّقون أيضًا بينَ الكَفالةِ والضَّمانِ، فيُعرِّفون الكَفالةَ بقَولِهم: (هي التِزامُ رَشيدٍ إحضارَ مَنْ عليه حَقٌّ ماليٌّ لِرَبِّه) (٥).
стр. 4688
ومع هذا التَّفريقِ، فإنَّهم يُجيزون انعِقادَ الكَفالةِ بأيِّ لَفظٍ مِنْ ألفاظِ انعِقادِ الضَّمانِ؛ لأنَّها نَوعٌ منه، فالضَّمانُ عامٌّ، والكَفالةُ خاصةٌ.
قال في «مَطالِبِ أُولي النُّهَى»: (وتَنعقِدُ) الكَفالةُ (بما) أي: لَفظٍ (يَنعقِدُ به ضَمانٌ)؛ لأنَّها نَوعٌ منه، فانعَقدتْ بما يَنعقِدُ به (١).
الفَرقُ بينَ الكَفالةِ والضَّمانِ:
الضَّمانُ والكَفالةُ من حيثُ اللُّغةُ معناهما واحِدٌ.
قال الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: (هذا العَقدُ اسمُه الكَفالةُ، ومُوجِبُه الضَّمانُ) (٢).
وقال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: (ويُسمَّى المُلتزِمُ لذلك ضامِنًا، وضَمينًا وحَميلًا، وزَعيمًا، وكافِلًا، وكَفِيلًا، وصَبيرًا، وقَبيلًا) (٣).
أمَّا في اصطِلاحِ الفُقهاءِ:
فإنَّ الأغلَبَ عليهم أنَّهم يُطلِقون الضَّمانَ، ويُريدون به التِزامَ المالِ، ويُطلِقون الكَفالةَ ويُريدونَ بها التِزامَ إحضارِ النَّفْسِ.
قال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: (غَيرَ أنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ الضَّمينَ مُستعمَلٌ في الأموالِ، والحَميلَ في الدِّياتِ، والزَّعيمَ في الأموالِ العِظامِ، والكَفيلَ في النُّفوسِ، والصَّبيرَ في الجَميعِ) (٤).
стр. 4689
ومِنَ الفُروقِ بينَ الكَفالةِ والضَّمانِ أنَّ الكَفالةَ تَكونُ بالنَّفْسِ، والضَّمانَ يَكونُ بالمالِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقولُ: كَفَلتُ زَيدًا، وتُريدُ: التَزمتُ تَسليمَه، وضَمِنتُ الأرضَ إذا التَزمتُ أداءَ الأجرِ عنها، ولا يُقالُ: كَفَلتُ الأرضَ؛ لأنَّ عَينَها لا تَغيبُ فتَحتاجُ إلى إحضارِها، فالضَّمانُ التِزامُ شَيءٍ عن المَضمونِ، والكَفالةُ التِزامُ نَفْسِ المَكفولِ به، ومنه قَولُكَ: كَفَلتُ الغُلامَ، إذا ضَمَمتَه إليكَ لِتَعولَه، ولا تَقولُ: ضَمِنتُه؛ لأنَّكَ إذا طُولِبتَ به لَزِمك تَسليمُه، ولا يَلزَمُك تَسليمُ شَيءٍ، وفي القُرآنِ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، ولَم يَقُلْ ضمِنها.
ومِن الدَّليلِ على أنَّ الضَّمانَ يَكونُ لِلمالِ، والكَفالةَ لِلنَّفْسِ أنَّ الإنسانَ يَجوزُ أنْ يَضمنَ عمَّن لا يَعرِفُه، ولا يَجوزُ أنْ يَكفُلَ مَنْ لا يَعرِفُه؛ لأنَّه إذا لم يَعرِفْه لم يَتمكَّنْ مِنْ تَسليمِه، ويَصِحُّ أنْ يُؤدِّيَ عنه، وإنْ لم يَعرِفْه (١).
ومِنَ الفُقهاءِ مَنْ يُطلِقُ الضَّمانَ، ويُريدُ به جَميعَ أقسامِه، ثم ما يَختصُّ به أحَدُ أقسامِه مِنَ الأحكامِ يَذكُرُه بعدَ ذلك، إمَّا بلَفظِ الضَّمانِ، وبدُونِ عُنوانٍ مُستقِلٍّ، كما تَجِدُه مَثلًا في «مُختصَرِ خَليلٍ» لِلمالِكيَّةِ، وإمَّا بلَفظِ كَفالةِ البَدَنِ، وبعُنوانٍ مُستقِلٍّ، كما تَجِدُه في «المِنهاجِ» و «رَوضةِ الطالِبينَ» لِلشافِعيَّةِ، و «المُغني» و «الرَّوضِ المُربِعِ» و «شَرحِ مُنتَهى الإراداتِ» لِلحنابِلةِ، حيث بَوَّبا بابًا لِلضَّمانِ، ثم أتْبَعوه بفَصلٍ عن كَفالةِ البَدَنِ يَختصُّ بأحكامِها.
стр. 4690
ومِنَ العُلماءِ مَنْ يُطلِقُ لَفظَ الكَفالةِ ويُريدُ بها جَميعَ أقسامِ الضَّمانِ، كما تَجِدُه مَثلًا في (بَدائِعِ الصَّنائِعِ والهِدايةِ) لِلحَنفيَّةِ.
وعلى كلِّ حالٍ فالمَسألةُ اصطِلاحيَّةُ، ولا مُشاحَّةَ في الاصطِلاحِ.
أقسامُ الضَّمانِ:
قَسَّم الحَنفيَّةُ الضَّمانَ إلى قِسميْنِ:
القِسمُ الأوَّلُ: ضَمانُ المالِ، ويَدخُلُ فيه الأعيانُ المَضمونةُ. مِثلَ المَغصوبِ والمَبيعِ بَيعًا فاسِدًا، والمَقبوضِ على سَوْمِ الشِّراءِ.
قال في «مَجلَّةِ الأحكامِ»: الكَفالةُ بالمالِ هي الكَفالةُ بأداءِ المالِ، ككَفالةِ أحَدٍ مالًا مَغصوبًا أو دَينًا صَحيحًا (١).
القِسمُ الثاني: ضَمانُ النَّفْسِ أو البَدَنِ، ويُسمَّى أيضًا ضَمانَ الوَجهِ: وهو التِزامُ إحضارِ بَدَنِ المَضمونِ (٢).
وعَرَّفها المالِكيَّةُ بقَولِهم: -يَعني الكَفالةَ بالنَّفْسِ- بأنَّها الالتِزامُ بالإتيانِ بالغَريمِ عندَ الأجَلِ، أو عندَ وَقتِ الحاجةِ (٣).
وعندَ الشافِعيَّةِ هي: التِزامُ إحضارِ المَكفولِ إلى المَكفولِ له لِلحاجةِ (٤).
стр. 4691
وعَرَّفها الحَنابِلةُ بقَولِهم: التِزامُ رَشيدٍ برِضاه إحضارَ مَكفولٍ به تَعلَّقَ به حَقٌّ ماليٌّ (١).
ونَلحَظُ مِنْ خِلالِ هذه التَّعريفاتِ أنَّها تَدورُ حَولَ مَعنًى واحِدٍ، وإنِ اختَلَفتْ ألفاظُها، فمُفادُها جَميعًا ضَرورةُ إحضارِ بَدَنٍ مَطلوبٍ لِغَريمِه عندَ الحاجةِ، ويُسمَّى هذا النَّوعُ مِنَ الكَفالةِ: الكَفالةَ بالنَّفْسِ وبالوَجهِ وبالبَدَنِ.
وزادَ المالِكيَّةُ قِسْمًا ثالِثًا: وهو ضَمانُ الطَّلَبِ، وهو التَّفتيشُ على الغَريمِ إنْ تَغيَّبَ، ثم يَدُلُّ رَبَّ الحَقِّ عليه (٢).
وهناك قِسمٌ آخَرُ: وهو ضَمانُ المَعرِفةِ، وسيأتي بَيانُه أيضًا إنْ شاءَ اللهُ .
стр. 4692
ضَمانُ الطَّلبِ:
ضَمانُ الطَّلبِ قد اعتَبَره المالِكيَّةُ قِسمًا ثالِثًا مِنْ أقسامِ الضَّمانِ، ولكنْ عندَ التَّحقيقِ نَجِدُ أنَّ ضَمانَ الطَّلبِ لا يَختلِفُ كَثيرًا عن ضَمانِ الوَجهِ، فهو كما قالوا: ضَمانُ وَجهٍ مع شَرطٍ.
قال الشَّيخُ الدَّرديرُ ﵀: (وضَمانُ الطَّلَبِ التِزامُ طَلَبِه) والتَّفتيشُ عليه إنْ تَغيَّب، ثم يَدُلُّ رَبَّ الحَقِّ عليه (وإنْ لم يَأتِ به) لِرَبِّ الحَقِّ؛ ولذا صَحَّ ضَمانُ الطَّلَبِ في غَيرِ المالِ مِنَ الحُقوقِ البَدنيَّةِ كالقِصاصِ والتَّعازيرِ والحُدودِ، بخِلافِ ضَمانِ الوَجهِ، وأشار إلى صيغَتِه المُحقَّقةِ له، وأنَّها إمَّا بصَريحِ لَفظِه، وإمَّا بضَمانِ الوَجهِ مع شَرطِ نَفيِ ضَمانِ المالِ (١). بقَولِه: (ك: أنا حَميلٌ بطَلَبِه)، أو: (عَلَيَّ طَلَبُه)، أو: (لا أضمَنُ إلا طَلَبَه)، أو اشتَرَطَ نَفيَ المالِ، كأنْ يَقولَ: (أضمَنُ وَجهَه بشَرطِ عَدَمِ غُرمِ المالِ إنْ لم أجِدْه)، أو قال: (لا أضمَنُ إلا وَجهَه)، أي دونَ غُرمِ المالِ، فضَمانُ طَلَبٍ، وإذا ضَمِنه كذلك طَلَبه بما يَقوى عليه عادةً إنْ غاب، عندَ حُلولِ الأجَلِ عن البَلدِ وما قَرُبَ منها، وعَلِم مَوضِعَه، وأمَّا الحاضِرُ فيَطلُبُه في البَلدِ وما قارَبها إذا جَهِلَ مَوضِعَه … ، وإنْ غابَ ولم يَعلَمْ مَوضِعَه فإنَّه لا يُكلَّفُ بالتَّفتيشِ عنه، وهو كذلك، فإنِ ادَّعى أنَّه لم يَجِدْه صُدِّقَ وحَلَفَ ما
стр. 4693
قَصَّرَ (١) في طَلَبِه، ولم يَعلَمْ مَوضِعَه، ولا غُرمَ عليه، إلا إذا فَرَّطَ في الطَّلَبِ، حتى لا يَتمكَّنَ رَبُّ الحَقِّ منه؛ فإنَّه يُغرَّمُ، كأنْ طَلَبه في المَكانِ الذي يَظُنُّ أنه لا يَكونُ به، وتَرَك ما يَظُنُّ أنه به، وأوْلى إن هَرَّبه أو عَلِم مَوضِعَه ولم يَدُلَّ رَبَّ الحَقِّ عليه (٢).
ومِن هذا الشَّرحِ يَتبيَّنُ لنا أنَّ ضَمانَ الطَّلَبِ قد لا يُعدُّ قِسمًا ثالِثًا، فهو -كما قالوا- ضَمانُ وَجهٍ مع شَرطٍ، وهذا الشَّرطُ هو عَدَمُ غُرمِ المالِ، هذا إذ لم يُفرِّطْ في الطَّلبِ، والإمامُ مالِكٌ عَدَّ هذا كَفالةَ وَجهٍ مع شَرطٍ، فقد جاءَ في المُدوَّنةِ:
قال سَحنونٌ لابنِ القاسِمِ: أرأيتَ إنْ قال: «أنا أتكَفَّلُ بوَجهِه إلى أجَلِ كذا وكذا، فإنْ لَم آتِ به فعَليَّ طَلَبُه حتى آتيَ به، فأمَّا المالُ فلا أضمَنُه»،
стр. 4694
أيَكونُ عليه مِنَ المالِ شَيءٌ إنْ مَضى الأجَلُ ولم يأتِ به في قَولِ مالِكٍ؟ قال: قال مالِكٌ: لا شَيءَ عليه، ويَكونُ كما اشتَرَطه، قُلتُ: أرأيتَ إنْ تَكفَّلتُ لِرَجُلٍ بوَجهِ رَجُلٍ إلى أجَلِ كذا وكذا؛ فإنْ لَم أُوافِه به إلى ذلك الأجَلِ فلا شَيءَ له علَيَّ مِنَ المالِ، ولكنَّني حَميلٌ له بوَجهٍ، أطلُبُه له حتى آتيَه به، قال: قال مالِكٌ: هو على شَرطِه الذي اشتَرَطه، ليس له عليه شَيءٌ، إلا طَلبَ وَجهِه، هو شَرَط لِنَفْسِه ما ذَكَرتَ) (١).
لكنَّ هناك فَرقًا يَسيرًا بينَ ضَمانِ الطَّلبِ وضَمانِ الوَجهِ.
وهو أنَّ ضَمانَ الطَّلبِ يُشارِكُ ضَمانَ الوَجهِ في لُزومِ الإحضارِ، ويَختصُّ ضَمانُ الوَجهِ بالغُرمِ عندَ التَّعذُّرِ، ولو لم يَحصُلْ تَفريطٌ ولا تَهريبٌ فإنَّه يُغرَّمُ ما عليه مِنَ المالِ، أمَّا إنْ كان الضَّمانُ في قِصاصٍ أو جُرحٍ أو حَدٍّ أو تَعزيرٍ تَرتَّبَ على المَضمونِ وفَرَّطَ الضامِنُ في الإتيانِ به، فإنَّه يُعاقَبُ فَقَطْ، وهذا هو المَذهَبُ (٢).
стр. 4695
حُكمُ الضَّمانِ والكَفالةِ بالنَّفْسِ:
اختَلَف العُلماءُ في الكَفالةِ بالنَّفْسِ، أمَّا الكَفالةُ بالمالِ فلا خِلافَ في جَوازِها، كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وأجازَ جُمهورُ الفُقهاءِ الكَفالةَ بالنَّفْسِ إلا قَولًا لِلشافِعيِّ في (الجَديدِ).
قال المرغينانيُّ ﵀: (والكَفالةُ ضَربانِ، كَفالةٌ بالنَّفْسِ وكَفالةٌ بالمالِ.
فالكَفالةُ بالنَّفْسِ جائِزةٌ، والمَضمونُ بها إحضارُ المَكفولِ به، وقال الشافِعيُّ ﵀: لا يَجوزُ؛ لأنَّه كُفِل بما لا يَقدِرُ على تَسليمِه؛ إذْ لا قُدرةَ له على نَفْسِ المَكفولِ به، بخِلافِ الكَفالةِ بالمالِ؛ لأنَّ له وِلايةً على مالِ نَفْسِه.
ولنا: قَولُه ﵁: «الزَّعيمُ غارِمٌ» (١)، وهذا يُفيدُ مَشروعيَّةَ الكَفالةِ بنَوعَيْها؛ ولأنَّه يَقدِرُ على تَسليمِه بطَريقةٍ بأنْ يَعلَمَ الطالِبُ مَكانَه فيُخليَّ بينَه وبينَه، أو يَستعينَ بأعوانِ القاضي في ذلك، والحاجةُ ماسَّةٌ إليه، وقد أمكَنَ تَحقُّقُ مَعنى الكَفالةِ، وهو الضَّمُّ في المُطالَبةِ فيه) (٢).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: (وأمَّا الحَمالةُ بالنَّفْسِ، وهي التي تُعرَفُ بضَمانِ الوَجهِ، فجُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ على جَوازِ وُقوعِها شَرعًا، إذا كانَتْ بسَبَبِ المالِ، وحُكيَ عن الشافِعيِّ في (الجَديدِ) أنَّها لا تَجوزُ، وحُجَّتُه قَولُهُ تَعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩]؛