وعَرَّفها الحَنابِلةُ بقَولِهم: التِزامُ رَشيدٍ برِضاه إحضارَ مَكفولٍ به تَعلَّقَ به حَقٌّ ماليٌّ (١).
ونَلحَظُ مِنْ خِلالِ هذه التَّعريفاتِ أنَّها تَدورُ حَولَ مَعنًى واحِدٍ، وإنِ اختَلَفتْ ألفاظُها، فمُفادُها جَميعًا ضَرورةُ إحضارِ بَدَنٍ مَطلوبٍ لِغَريمِه عندَ الحاجةِ، ويُسمَّى هذا النَّوعُ مِنَ الكَفالةِ: الكَفالةَ بالنَّفْسِ وبالوَجهِ وبالبَدَنِ.
وزادَ المالِكيَّةُ قِسْمًا ثالِثًا: وهو ضَمانُ الطَّلَبِ، وهو التَّفتيشُ على الغَريمِ إنْ تَغيَّبَ، ثم يَدُلُّ رَبَّ الحَقِّ عليه (٢).
وهناك قِسمٌ آخَرُ: وهو ضَمانُ المَعرِفةِ، وسيأتي بَيانُه أيضًا إنْ شاءَ اللهُ .
стр. 4692
ضَمانُ الطَّلبِ:
ضَمانُ الطَّلبِ قد اعتَبَره المالِكيَّةُ قِسمًا ثالِثًا مِنْ أقسامِ الضَّمانِ، ولكنْ عندَ التَّحقيقِ نَجِدُ أنَّ ضَمانَ الطَّلبِ لا يَختلِفُ كَثيرًا عن ضَمانِ الوَجهِ، فهو كما قالوا: ضَمانُ وَجهٍ مع شَرطٍ.
قال الشَّيخُ الدَّرديرُ ﵀: (وضَمانُ الطَّلَبِ التِزامُ طَلَبِه) والتَّفتيشُ عليه إنْ تَغيَّب، ثم يَدُلُّ رَبَّ الحَقِّ عليه (وإنْ لم يَأتِ به) لِرَبِّ الحَقِّ؛ ولذا صَحَّ ضَمانُ الطَّلَبِ في غَيرِ المالِ مِنَ الحُقوقِ البَدنيَّةِ كالقِصاصِ والتَّعازيرِ والحُدودِ، بخِلافِ ضَمانِ الوَجهِ، وأشار إلى صيغَتِه المُحقَّقةِ له، وأنَّها إمَّا بصَريحِ لَفظِه، وإمَّا بضَمانِ الوَجهِ مع شَرطِ نَفيِ ضَمانِ المالِ (١). بقَولِه: (ك: أنا حَميلٌ بطَلَبِه)، أو: (عَلَيَّ طَلَبُه)، أو: (لا أضمَنُ إلا طَلَبَه)، أو اشتَرَطَ نَفيَ المالِ، كأنْ يَقولَ: (أضمَنُ وَجهَه بشَرطِ عَدَمِ غُرمِ المالِ إنْ لم أجِدْه)، أو قال: (لا أضمَنُ إلا وَجهَه)، أي دونَ غُرمِ المالِ، فضَمانُ طَلَبٍ، وإذا ضَمِنه كذلك طَلَبه بما يَقوى عليه عادةً إنْ غاب، عندَ حُلولِ الأجَلِ عن البَلدِ وما قَرُبَ منها، وعَلِم مَوضِعَه، وأمَّا الحاضِرُ فيَطلُبُه في البَلدِ وما قارَبها إذا جَهِلَ مَوضِعَه … ، وإنْ غابَ ولم يَعلَمْ مَوضِعَه فإنَّه لا يُكلَّفُ بالتَّفتيشِ عنه، وهو كذلك، فإنِ ادَّعى أنَّه لم يَجِدْه صُدِّقَ وحَلَفَ ما
стр. 4693
قَصَّرَ (١) في طَلَبِه، ولم يَعلَمْ مَوضِعَه، ولا غُرمَ عليه، إلا إذا فَرَّطَ في الطَّلَبِ، حتى لا يَتمكَّنَ رَبُّ الحَقِّ منه؛ فإنَّه يُغرَّمُ، كأنْ طَلَبه في المَكانِ الذي يَظُنُّ أنه لا يَكونُ به، وتَرَك ما يَظُنُّ أنه به، وأوْلى إن هَرَّبه أو عَلِم مَوضِعَه ولم يَدُلَّ رَبَّ الحَقِّ عليه (٢).
ومِن هذا الشَّرحِ يَتبيَّنُ لنا أنَّ ضَمانَ الطَّلَبِ قد لا يُعدُّ قِسمًا ثالِثًا، فهو -كما قالوا- ضَمانُ وَجهٍ مع شَرطٍ، وهذا الشَّرطُ هو عَدَمُ غُرمِ المالِ، هذا إذ لم يُفرِّطْ في الطَّلبِ، والإمامُ مالِكٌ عَدَّ هذا كَفالةَ وَجهٍ مع شَرطٍ، فقد جاءَ في المُدوَّنةِ:
قال سَحنونٌ لابنِ القاسِمِ: أرأيتَ إنْ قال: «أنا أتكَفَّلُ بوَجهِه إلى أجَلِ كذا وكذا، فإنْ لَم آتِ به فعَليَّ طَلَبُه حتى آتيَ به، فأمَّا المالُ فلا أضمَنُه»،
стр. 4694
أيَكونُ عليه مِنَ المالِ شَيءٌ إنْ مَضى الأجَلُ ولم يأتِ به في قَولِ مالِكٍ؟ قال: قال مالِكٌ: لا شَيءَ عليه، ويَكونُ كما اشتَرَطه، قُلتُ: أرأيتَ إنْ تَكفَّلتُ لِرَجُلٍ بوَجهِ رَجُلٍ إلى أجَلِ كذا وكذا؛ فإنْ لَم أُوافِه به إلى ذلك الأجَلِ فلا شَيءَ له علَيَّ مِنَ المالِ، ولكنَّني حَميلٌ له بوَجهٍ، أطلُبُه له حتى آتيَه به، قال: قال مالِكٌ: هو على شَرطِه الذي اشتَرَطه، ليس له عليه شَيءٌ، إلا طَلبَ وَجهِه، هو شَرَط لِنَفْسِه ما ذَكَرتَ) (١).
لكنَّ هناك فَرقًا يَسيرًا بينَ ضَمانِ الطَّلبِ وضَمانِ الوَجهِ.
وهو أنَّ ضَمانَ الطَّلبِ يُشارِكُ ضَمانَ الوَجهِ في لُزومِ الإحضارِ، ويَختصُّ ضَمانُ الوَجهِ بالغُرمِ عندَ التَّعذُّرِ، ولو لم يَحصُلْ تَفريطٌ ولا تَهريبٌ فإنَّه يُغرَّمُ ما عليه مِنَ المالِ، أمَّا إنْ كان الضَّمانُ في قِصاصٍ أو جُرحٍ أو حَدٍّ أو تَعزيرٍ تَرتَّبَ على المَضمونِ وفَرَّطَ الضامِنُ في الإتيانِ به، فإنَّه يُعاقَبُ فَقَطْ، وهذا هو المَذهَبُ (٢).
стр. 4695
حُكمُ الضَّمانِ والكَفالةِ بالنَّفْسِ:
اختَلَف العُلماءُ في الكَفالةِ بالنَّفْسِ، أمَّا الكَفالةُ بالمالِ فلا خِلافَ في جَوازِها، كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وأجازَ جُمهورُ الفُقهاءِ الكَفالةَ بالنَّفْسِ إلا قَولًا لِلشافِعيِّ في (الجَديدِ).
قال المرغينانيُّ ﵀: (والكَفالةُ ضَربانِ، كَفالةٌ بالنَّفْسِ وكَفالةٌ بالمالِ.
فالكَفالةُ بالنَّفْسِ جائِزةٌ، والمَضمونُ بها إحضارُ المَكفولِ به، وقال الشافِعيُّ ﵀: لا يَجوزُ؛ لأنَّه كُفِل بما لا يَقدِرُ على تَسليمِه؛ إذْ لا قُدرةَ له على نَفْسِ المَكفولِ به، بخِلافِ الكَفالةِ بالمالِ؛ لأنَّ له وِلايةً على مالِ نَفْسِه.
ولنا: قَولُه ﵁: «الزَّعيمُ غارِمٌ» (١)، وهذا يُفيدُ مَشروعيَّةَ الكَفالةِ بنَوعَيْها؛ ولأنَّه يَقدِرُ على تَسليمِه بطَريقةٍ بأنْ يَعلَمَ الطالِبُ مَكانَه فيُخليَّ بينَه وبينَه، أو يَستعينَ بأعوانِ القاضي في ذلك، والحاجةُ ماسَّةٌ إليه، وقد أمكَنَ تَحقُّقُ مَعنى الكَفالةِ، وهو الضَّمُّ في المُطالَبةِ فيه) (٢).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: (وأمَّا الحَمالةُ بالنَّفْسِ، وهي التي تُعرَفُ بضَمانِ الوَجهِ، فجُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ على جَوازِ وُقوعِها شَرعًا، إذا كانَتْ بسَبَبِ المالِ، وحُكيَ عن الشافِعيِّ في (الجَديدِ) أنَّها لا تَجوزُ، وحُجَّتُه قَولُهُ تَعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩]؛
стр. 4696
ولأنَّها كَفالةٌ بالنَّفْسِ، أشبَهَتِ الكَفالةَ في الحُدودِ) (١).
وقال الإمامُ المُزَنيُّ ﵀ في «مُختصَرِه»: (ضَعَّف الشافِعيُّ كَفالةَ الوَجهِ في مَوضِعٍ، وأجازَها في مَوضِعٍ آخَرَ، إلَّا في الحُدودِ) (٢).
وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: (والكَفالةُ بالنَّفْسِ على الخيارِ لا تَجوزُ، وإذا جازَتْ بغَيرِ خيارٍ فليس يَلزَمُ الكافِلَ بالنَّفْسِ مالٌ، إلا أنْ يُسمِّيَ مالًا كَفَل به، ولا تَلزَمُ الكَفالةُ بحَدٍّ ولا قِصاصٍ ولا عُقوبةٍ، لا تَلزَمُ الكَفالةُ إلا في الأموالِ، ولو كَفَل بما لَزِمَ رَجُلًا في جُروحِ عَمدٍ؛ فإنْ أرادَ القِصاصَ فالكَفالةُ باطِلةٌ، وإنْ أرادَ أرْشَ الجِراحِ فهو له، والكَفالةُ لَازِمةٌ له؛ لأنَّها كَفالةُ مالٍ) (٣).
وقال أبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀ مُتعقِّبًا قَولَ الشافِعيِّ: (فأمَّا الحَمالةُ بالوَجهِ فهي جائِزةٌ، خِلافًا لِلشافِعيِّ في مَنعِه مِنْ ذلك، والدَّليلُ على ما نَقولُه أنَّ المَقصودَ منها المالُ؛ لأنَّه حَميلٌ بوَجهِ الغَريمِ لِيُطالِبَ بالمالِ، فنَقولُ إنَّه وَثيقةٌ يُتوصَّلُ بها إلى المُطالَبةِ بالمالِ، فصَحَّ تَعلُّقُها بالوَجهِ كالشَّهادةِ) (٤).
وقال ابنُ رُشدٍ أيضًا: (وحُجةُ مَنْ أجازَها -يَعني الكَفالةَ بالوَجهِ- عُمومُ قَولِه ﷺ : «الزَّعيمُ غارِمٌ» وتَعلَّقوا بأنَّ ذلك مَصلَحةٌ، وأنَّه
стр. 4697
مَرويٌّ عن الصَّدرِ الأولِ، وأمَّا الحُكمُ اللَّازِمُ عنها، فجُمهورُ القائِلينَ بحَمالةِ النَّفْسِ مُتَّفقونَ على أنَّ المُتحمَّلَ عنه إذا ماتَ لَم يَلزَمِ الكَفيلَ بالوَجهِ شَيءٌ، وحُكيَ عن بَعضِهم لُزومُ ذلك، وفَرَّقَ ابنُ القاسِمِ بينَ أنْ يَموتَ الرَّجُلُ حاضِرًا وغائِبًا، فقال: إنْ ماتَ حاضِرًا لَم يَلزَمِ الكَفيلَ شَيءٌ، وإنْ مات غائِبًا نُظِرَ؛ فإنْ كانت المَسافةُ التي بينَ البَلديْنِ مَسافةً يُمكِنُ لِلحَميلِ فيها إحضارُه في الأجَلِ المَضروبِ له في إحضارِه، وذلك في نَحوِ اليَوميْنِ إلى الثلاثةِ، ففَرَّط، غُرِّمَ، وإلَّا لَم يُغرَّمْ) (١).
وقال ابنُ بَطَّالٍ ﵀: ولَم يَختلِفِ الذين أجازُوها في النَّفْسِ أنَّ المَطلوبَ إنْ غابَ أو ماتَ لَم يَقُمْ على الكَفيلِ به حَدٌّ، ولا لَزِمَه قِصاصٌ، فصارَتِ الكَفالةُ بالنَّفْسِ عندَهم غيرَ مُوجِبةٍ لِحُكمٍ في البَدَنِ (٢).
وقال ابنُ المُنيرِ ﵀: والكَفالةُ بالنَّفْسِ قال بها الجُمهورُ، ولم يَختلِفْ مَنْ قال بها أنَّ المَكفولَ بحَدٍّ أو قِصاصٍ إذا غابَ أو ماتَ، أنَّه لا حَدَّ على الكَفيلِ، بخِلافِ الدَّينِ، والفَرقُ بينَهما أنَّ الكَفيلَ إذا أدَّى المالَ وَجَب له على صاحِبِ المالِ مِثلُه (٣).
ولكنَّنا رأينا أغلَبَ الشافِعيَّةِ يُصحِّحون ويَقولون بضَمانِ الوَجهِ، فقد قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀ في «رَوضةِ الطالِبينَ»:
стр. 4698
فَصلٌ في كَفالةِ البَدَنِ: وتُسمَّى أيضًا كَفالةَ الوَجهِ، وهي صَحيحةٌ على المَشهورِ، وقيلَ: تَصِحُّ قَطعًا، فتَجوزُ ببَدَنِ مَنْ عليه مالٌ؛ فإنْ كان عليه عُقوبةٌ فإنْ كانتْ لِآدَميٍّ -كالقِصاصِ وحَدِّ القَذفِ- صَحَّت الكَفالةُ على الأظهَرِ.
وقيلَ: لا تَصِحُّ قَطعًا، وإنْ كانتْ حَدًّا للهِ تَعالى لم تَصِحَّ على المَذهَبِ.
وقيلَ: قَولانِ، وضَبَط الإمامُ الغَزاليُّ مَنْ تَكفَّلَ ببَدَنِه فقال: حاصِلُ كَفالةِ البَدَنِ التِزامُ إحضارِ المَكفولِ ببَدَنِه، فكلُّ مَنْ يَلزَمُه حُضورُ مَجلِسِ الحُكمِ عندَ الاستِدعاءِ أو يَستحِقُّ إحضارَه تَجوزُ الكَفالةُ ببَدَنِه (١).
وقال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وتَجوزُ كَفالةُ البَدَنِ على المَنصوصِ في الكُتُبِ، وقال في شالدَّعاوى والبَيِّناتِ﴾: إنَّ كَفالةَ البَدَنِ ضَعيفةٌ، فمِن أصحابِنا مَنْ قال: تَصِحُّ قَولًا واحِدًا، وقَولُه: «ضَعيفةٌ»، أرادَ مِنْ جِهةِ القياسِ، ومِن أصحابِنا مَنْ قال: فيه قَولانِ:
أحَدُهما: أنَّها لا تَصِحُّ؛ لأنَّه ضَمانُ عَينٍ في الذِّمَّةِ بعَقدٍ، فلَم يَصِحَّ، كالسَّلَمِ في ثَمَرةِ نَخلةٍ بعَينِها.
والثاني: يَصِحُّ، وهو الأظهَرُ؛ لِما رَوى أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ عن حارثةَ بنِ مُضَرِّبٍ قال: صَلَّيتُ مع عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ الغَداةَ فلَمَّا سَلَّمَ قامَ رَجُلٌ فحَمِدَ اللهَ وأثْنى عليه، وقال: أمَّا بَعدُ، فوَاللهِ لقد بِتُّ البارِحةَ وما في نَفْسِي على أحَدٍ إحْنَةٌ (٢)، وإنِّي كُنْتُ استَطرَقتُ رَجُلًا مِنْ بَني حَنيفةَ، وكان أمَرَني أنْ آتيَه بِغَلَسٍ، فانتَهَيتُ إلى مَسجِدِ بَني حَنيفةَ -مَسجِدِ عَبدِ اللهِ، ابنِ
стр. 4699
النَّوَّاحةِ- فسَمِعتُ مُؤذِّنَهم يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُسَيلِمةَ رَسولُ اللهِ، فكَذَّبتُ سَمْعي، وكَفَفتُ فَرَسي، حتى سَمِعتُ أهلَ المَسجِدِ قد تَواطَؤوا على ذلك. فقال عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ: علَيَّ بعَبدِ اللهِ، ابنِ النَّوَّاحةِ، فحَضَرَ واعتَرَف، فقال له عَبدُ اللهِ: أينَ ما كُنْتَ تَقرأُ مِنَ القُرآنِ؟ فقال: كُنْتُ أتَّقيكم به، فقال له: تُبْ، فأبَى، فأمَرَ به فأُخرِجَ إلى السُّوقِ فجُزَّ رَأسُه، ثم شاوَرَ أصحابَ مُحمدٍ ﷺ في بَقيَّةِ القَومِ، فقالَ عَديُّ بنُ حاتِمٍ: ثُؤلُولُ كُفرٍ قد أطلَعَ رَأسَه فاحسِمْه. وقال جَريرُ بنُ عَبدِ اللهِ والأشعَثُ بنُ قَيسٍ: استَتِبْهم؛ فإنْ تابوا كَفَلهم عشائِرُهم، فاستتابَهم فتابوا، وكَفَلهم عَشائِرُهم (١). ولِأنَّ البَدَن يُستحَقُّ تَسليمُه بالعَقدِ، جازَت الكَفالةُ به كالدَّينِ (٢).
أدِلَّةُ مَشروعيَّةِ الضَّمانِ والكَفالةِ بالنَّفْسِ:
الضَّمانُ جائِزٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ.
أولًا: الكِتابُ:
١ - قَولُه تَعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦].
مَوثِقًا مِنَ اللهِ: عَهدًا يُوثَقُ به، قال السُّدِّيُّ: حَلَفوا باللهِ لَيَردُّنَّه ولا يُسلِمونَه (٣).
стр. 4700
ووَجهُ الاستِدلالِ مِنْ هذه الآيةِ على مَشروعيَّةِ الكَفالةِ بالنَّفْسِ؛ أنَّ يَعقوبَ ﵇ حاوَل ضَمانَ عَودةِ ابنِه الصَّغيرِ بأخْذِ العَهدِ على ذلك.
يَقولُ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: هذه الآيةُ أصلٌ في جَوازِ الحَمالةِ بالعَينِ، والوَثيقةِ بالنَّفْسِ (١).
٢ - قَولُه تَعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
ووَجهُ الاستِدلالِ بهذه الآيةِ على صِحَّةِ الكَفالةِ ما قالَه الإمامُ الخَطَّابيُّ ﵀: أنَّ الزَّعيمَ هو الكَفيلُ، ومنه قيلَ لِرَئيسِ القَومِ الزَّعيمُ؛ لأنَّه هو المُتكفِّلُ بأُمورِهم (٢).
وقال أبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀: (أمَّا الاستِدلالُ على ثُبوتِ هذا الاسمِ -الزَّعيمِ- لِلكَفالةِ مِنْ جِهةِ اللُّغةِ فبَيِّنٌ، وأمَّا الاستِدلالُ على ثُبوتِ حُكمِها، فإنَّما هو رأيُ مَنْ يَقولُ: إنَّ شَرعَ مَنْ قَبلَنا شَرعٌ لنا، إلا ما خَصَّه الدَّليلُ، وهو المَشهورُ مِنْ مَذهَبِ الإمامِ مالِكٍ) (٣).
ثانيًا: السُّنَّةُ:
قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «العاريَّةُ مُؤدَّاةٌ والمِنحةُ مَردودةٌ والدَّينُ مَقضيٌّ والزَّعيمُ غارِمٌ» (٤).
стр. 4701
والشاهِدُ: قَولُه ﵊: «والزَّعيمُ غارِمٌ».
فهذا الحَديثُ يَدُلُّ بمَنطوقِه على أنَّ الكَفيلَ غارِمٌ بتَحمُّلِه ضَمانَ رُجوعِ الحَقِّ إلى صاحِبِه، سَواءٌ أكانَ عَينًا أم دَينًا أم نَفْسًا.
ثم يَدُلُّ بمَفهومِه وإشارَتِه إلى أنَّ الكَفالةَ بالمالِ وبالنَّفْسِ جائِزةٌ ومَشروعةٌ، ويَترتَّبُ عليها آثارُها مِنَ الغَرامةِ عندَ طَلَبِ الحَقِّ مِنْ قِبَلِ صاحِبِه.
وقدِ استَدَلَّ الإمامُ البُخاريُّ ﵀ في صَحيحِه على صِحَّةِ الكَفالةِ فقال: (بابُ الكَفالةِ في القُروضِ والدُّيونِ بالأبدانِ وغَيرِها)، ثم ذَكَر ما يَلي:
стр. 4702
١ - وقال أبو الزِّنادِ عن مُحمدِ بنِ حَمزةَ بنِ عَمرٍو الأسلَميِّ عن أبيه قال: إنَّ عُمَرَ ﵁ بَعَثه مُصدِّقًا، فوَقَع رَجُلٌ على جاريةِ امرأتِه، فأخَذَ حَمزةُ مِنَ الرَّجُلِ كُفَلاءَ حتى قَدِمَ على عُمَرَ ﵁، وكان قد جَلَده مِئةَ جَلدةٍ، فصَدَّقهم وعَذَره بالجَهالةِ (١).
стр. 4703
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: استُفيدَ مِنْ هذه القِصَّةِ مَشروعيةُ الكَفالةِ بالأبدانِ؛ فإنَّ حَمزةَ بنَ عَمرٍو الأسلَميَّ صَحابيٌّ، وقد فَعَله ولَم يُنكِرْ عليه عُمَرُ ﵁ مع كَثرةِ الصَّحابةِ حينَئِذٍ) (١).
٢ - وقال جَريرٌ والأشعَثُ لِعَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ في المُرتدِّينَ: استَتِبْهم وكَفِّلْهم، فتابوا وكَفَلهم عَشائِرُهم (٢).
стр. 4704
ووَجهُ الاستِدلالِ مِنْ أثَرِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ هذا: أنَّه أخَذَ الكُفَلاءَ على أصحابِ عَبدِ اللهِ ابنِ النَّوَّاحةِ، حتى إذا ما قالوا بنُبوَّةِ مُسيلِمةَ مَرَّةً أُخرى طُولِبَ الكُفلاءُ بإحضارِهم لِإقامةِ الحُدودِ عليهم، وتَصرُّفُ ابنِ مَسعودٍ هذا وعَدَمُ اعتِراضِ الصَّحابةِ عليه دالٌّ على جَوازِ وُقوعِ الكَفالةِ بالأبدانِ، واللهُ أعلَمُ (١).
стр. 4705
قال ابنُ المُنيرِ ﵀: أخَذَ البُخاريُّ الكَفالةَ بالأبدانِ في الدُّيونِ مِنَ الكَفالةِ بالأبدانِ في الحُدودِ بطَريقِ الأوْلَى (١).
وقال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀ بعدَما ساقَ هذَيْن الحَديثيْنِ: ففي هذَيْن الحديثَيْن استِعمالُ عَبدِ اللهِ الكَفالةَ بالأنْفُسِ بمَشُورةِ مَنْ أشارَ عليه بها، وبحُضورِ مَنْ حَضَرها، فلَم يُنكِرْ عليه ذلك، ولم يُخالِفْ فيه، فدَلَّ ذلك على مُتابَعتِهم إيَّاه عليه، وما جاء هذا المَجيءَ كان بالقُوَّةِ أوْلَى وبنَفْيِ الضَّعفِ عنه أحْرى، واللهُ أعلَمُ (٢).
٣ - حَديثُ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ذَكَر رَجُلًا مِنْ بَني إسرائيلَ سألَ بَعضَ بَني إسرائيلَ أنْ يُسلِفَه ألْفَ دينارٍ، فقال: ائْتِني بالشُّهداءِ أُشهِدْهم، فقال: كَفى باللهِ شَهيدًا، فقال: ائْتِني بكَفيلٍ، فقال: كَفي باللهِ كَفيلًا، فقال: صَدَقتَ، فدَفَعها إليه إلى أجَلِ مُسَمًّى … الحَديثَ (٣).
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: ووَجهُ الدِّلالةِ منه على الكَفالةِ تَحدُّثُ النَّبيِّ ﷺ بذلك وتَقريرُه له؛ وإنَّما ذَكَر ذلك لِيُتأسَّى به فيه، وإلا لم يَكُنْ لِذِكرِه فائِدةٌ (٤).
стр. 4706
٤ - وقد بَوَّب البُخاريُّ بابَ مَنْ تَكفَّلَ عن مَيِّتٍ دَينًا فليس له أنْ يَرجِعَ، وبه قال الحَسَنُ.
فقال الحافِظُ ﵀: يَحتمِلُ قَولُه: فليس له أن يَرجِعَ -أي عنِ الكَفالةِ- بل هي لَازِمةٌ له، وقد استقَرَّ الحَقُّ في ذِمَّتِه، ويَحتمِلُ أنْ يُريدَ: فليس له أنْ يَرجِعَ في التَّرِكةِ، بالقَدْرِ الذي تَكفَّل به، والأولُ أليَقُ بمَقصودِه (١).
ثم ذَكَر الإمامُ البُخارِيُّ حَديثَيْن.
الأوَّلُ: حَديثُ سَلَمةَ بنِ الأكوَعِ ﵁: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُتيَ بجَنازةٍ لِيُصلِّيَ عليها فقال: «هل عليه دَينٌ؟» قالوا: لا، فصَلَّى عليه، ثم أُتيَ بجَنازةٍ أُخرى فقال: «هل عليه مِنْ دَينٍ؟» قالوا: نَعَمْ، قال: «فصَلُّوا على صاحِبِكم»، قال: أبو قَتادةَ «عَلَيَّ دَينُه يا رَسولَ اللهِ» فصلَّى عليه (٢).
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: ووَجهُ الأخْذِ منه أنَّه لو كان لِأبي قَتادةَ أنْ يَرجِعَ، لَمَّا صلَّى عليه النَّبيُّ ﷺ على المَدينِ حتى يُوفِّيَ أبو قَتادةَ الدَّينَ؛ لِاحتِمالِ أنْ يَرجِعَ فيَكونَ قد صَلَّى على مَدينٍ دَينُه باقٍ عليه، فدَلَّ على أنَّه ليس له أنْ يَرجِعَ (٣).
والثاني: عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄ قال: قال النَّبيُّ ﷺ :
стр. 4707
«لو قد جاءَ مالُ البَحرَيْنِ قد أعطَيتُكَ هكذا وهكذا»، فلَم يَجِئْ مالُ البَحرَيْن حتى قُبِضَ النَّبيُّ ﷺ ، فلَمَّا جاءَ مالُ البَحرَيْن أمَرَ أبو بَكرٍ فنُوديَ: مَنْ كان له عندَ النَّبيِّ ﷺ عِدَةٌ أو دَينٌ فليأتِنا، فأتَيتُه، فقُلتُ له: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لي كذا وكذا، فحَثا لي حَثيةً، فعَدَدتُها، فإذا هي خَمسُمِئةٍ، وقال: خُذْ مِثْلَيْها (١).
قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: ووَجْهُ دُخولِه في التَّرجمةِ أنَّ أبا بَكرٍ قامَ مَقامَ النَّبيِّ ﷺ ، تَكفَّل بما كان عليه مِنْ واجِبٍ أو تَطوُّعٍ، فلَمَّا التزَم ذلك لَزِمه أنْ يُوفِّيَ جَميعَ ما عليه مِنْ دَينٍ أو عِدةٍ، وكان ﷺ يُحِبُّ الوَفاءَ بالوَعدِ، فنَفَّذ أبو بَكرٍ ذلك (٢).
وقد استدَلَّ أهلُ العِلمِ أيضًا على جَوازِ الكَفالةِ بما رَواه الإمامُ مُسلِمٌ في «صَحيحِه» عن قَبيصةَ بنِ مُخارِقٍ الهِلاليِّ قال: تَحمَّلتُ حَمالةً فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ أسألُه فيها، فقال: «أقِمْ حتى تأتيَنا الصَّدقةُ فنأمُرَ لكَ بها»، قال: ثم قال: «يا قَبيصةُ، إنَّ المَسألةَ لا تَحِلُّ إلا لِأحَدِ ثلاثةٍ: رَجُلٍ تَحمَّلَ حَمالةً فحَلَّت له المَسألةُ حتى يُصيبَها ثم يُمسِكَ … » الحَديثَ (٣).
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: الحَمالةُ هي المالُ الذي تَحمَّله الإنسانُ، أي يَستَدينُه ويَدفَعُه في إصلاحِ ذاتِ البَينِ، كالإصلاحِ بينَ قَبيلتَيْن ونَحوِ
стр. 4708
ذلك، وإنَّما تَحِلُّ له المَسألةُ، ويُعطى مِنَ الزَّكاةِ بشَرطِ أنْ يَستدينَ لِغَيرِ مَعصيةٍ (١).
واستَدلُّوا أيضًا بما رَواه أبو داودَ وابنُ ماجَه واللَّفظُ له في بابِ الكَفالةِ:
عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رَجُلًا لَزِم غَريمًا له بعَشَرةِ دَنانيرَ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: ما عِندي شَيءٌ أُعطيكَه، فقال: لا واللهِ لا أُفارِقُك حتى تَقضيَني أو تأتيَني بحَميلٍ (٢) فجَرَّه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «كَمْ تَستنظِرُه؟» فقال شَهرًا، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «فأنا أحمِلُ له»، فجاءَه في الوَقتِ الذي قال النَّبيُّ ﷺ ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «مِنْ أينَ أصَبتَ هذا؟» قال: مِنْ مَعدِنٍ، قال: «لا خَيرَ فيها»، وقَضاها عنه (٣).
قال الإمامُ الخَطَّابيُّ ﵀: في هذا الحديثِ إثباتُ الحَمالةِ والضَّمانِ، وفيه إثباتُ مُلازَمةِ الغَريمِ، ومَنعُه مِنَ التَّصرُّفِ حتى يَخرُجَ مِنَ الحَقِّ الذي عليه (٤).
стр. 4709
ثالثًا: الإجماعُ:
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمون على جَوازِ الضَّمانِ في الجُملةِ (١).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الحَمالةُ بالمالِ فثابِتةُ بالسُّنَّةِ، ومُجمَعٌ عليها مِنَ الصَّدرِ الأولِ مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ.
وحُكيَ عن قَومٍ أنَّها ليستْ لَازِمةً، تَشبيهًا بالعِدَةِ، وهو شاذٌّ (٢).
وأمَّا الحَمالةُ بالنَّفْسِ، وهي التي تُعرَفُ بضَمانِ الوَجهِ، فجُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ على جَوازِ وُقوعِها شَرعًا إذا كانَتْ بسَبَبِ المالِ (٣).
وقال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: اتَّفَقوا على جَوازِ الضَّمانِ (٤).
وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الرَّجُلَ إذا ضَمِن عن الرَّجُلِ لِرَجُلٍ مالًا مَعلومًا بأمْرِه؛ فإنَّ الضَّمانَ لَازِمٌ له، وله أنْ يأخُذَ ممَّن ضَمِن عنه (٥).
الحِكمةُ مِنْ مَشروعيَّةِ الضَّمانِ والكَفالةِ:
لم يَرِدِ الشَّرعُ بشَيءٍ مِنَ الأحكامِ إلا وله حِكمةٌ وتَظهَرُ الحِكمةُ مِنْ مَشروعيَّةِ الكَفالةِ بالمالِ مِنْ خِلالِ ما قاله ابنُ الهُمامِ ﵀ حيثُ قال:
стр. 4710
ومَحاسِنُ الكَفالةِ جَليلةٌ، وهي تَفريجُ كَربِ الطالِبِ الخائِفِ على مالِه، والمَطلوبِ الخائِفِ على نَفْسِه، حيثُ كُفيا مُؤنةَ ما أهَمَّهما، وقُرَّ جَأشُهما، وذلك نِعمةٌ كَبيرةٌ عليهما، ولذا كانتِ الكَفالةُ مِنَ الأفعالِ العاليةِ، حتى امتَنَّ اللهُ تَعالى بها، حيثُ قال: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] في قِراءةِ التَّشديدِ، يَتضمَّنُ الامتِنانَ على مَريمَ، إذ جعَل لها مَنْ يَقومُ بمَصالِحها ويَقومُ بها بأنْ أباحَ لها ذلك، وسَمَّى نَبيًّا ذا الكِفلِ؛ لَمَّا كفَل جَماعةً مِنَ الأنبياءِ لِمَلكٍ أرادَ قَتلَهم (١).
أركانُ الكَفالةِ أو الضَّمانِ وشُروطُهما:
بعدَما تَكلَّمنا عن تَعريفِ الضَّمانِ، والكَفالةِ لُغةً واصطِلاحًا، وعن مَشروعيَّتِهما والحِكمةِ مِنْ مَشروعيَّتِهما، سنَتكلَّمُ الآنَ عن أركانِ الكَفالةِ وشُروطِها، وتَقعُ في خَمسةِ فُصولٍ.
الفَصلُ الأولُ: شُروطُ الضامِنِ أو الكَفيلِ: وهو الذي ضَمَّ ذِمَّتَه إلى ذِمَّةِ المَدينِ لِيُصبِحَ مُلتزِمًا معه.
الفَصلُ الثاني: أركانُ المَضمونِ عنه وشُروطُه: وهو الأصيلُ الذي عليه الدَّينُ اللَّازِمُ أو الآيلُ إلى اللُّزومِ، ويُعبَّرُ عنه أحيانًا بالغَريمِ.
الفَصلُ الثالِثُ: أركانُ المَضمونِ له وشُروطُه: وهو مَنْ يَثبُتُ حَقُّه على المَضمونِ عنه، ويُقالُ له: الطالِبُ والدائِنُ أيضًا.
الفَصلُ الرابِعُ: أركانُ المَضمونِ به أو المَكفولِ به وشُروطُه: وهو
стр. 4711
الحَقُّ الذي تَعهَّدَ الكَفيلُ بأدائِه وتَسليمِه، أو هو الشَّخصُ المَطلوبُ إحضارُه.
الفَصلُ الخامِسُ: الصِّيغةُ: وهي ما يَدُلُّ على الالتِزامِ، ويُقصَدُ بها إيجابُ الكَفيلِ وقَبولُ المَكفولِ له، والصِّيغةُ هي الرُّكنُ الوَحيدِ عندَ الحَنفيَّةِ، خِلافًا لِلجُمهورِ.
стр. 4712
الفصل الأول: شروط الضامن أو الكفيل
وهو الذي ضم ذمته إلى ذمة المدين، ليصبح ملتزمًا معه
شُروطُ الضامِنِ أو الكَفيلِ سَبعةٌ، على اختِلافٍ فيها:
الشَّرطُ الأولُ: العَقلُ:
يُشتَرطُ في الضامِنِ أو الكَفيلِ أنْ يَكونَ عاقِلًا بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ؛ لأنَّ عَقدَ الضَّمانِ عَقدُ تَبرُّعٍ، ومَبنى عُقودِ التَّبرُّعِ على الرِّضا، والرِّضا لا يُستحَقُّ مِنْ فاقِدِ العَقلِ.
وعلى هذا لا يَصحُّ ضَمانُ المَجنونِ ولا المُبَرسَمِ، وهو الذي يَهذي كَثيرًا (١)؛ ولذلك رُفِعَ القَلمُ عن فاقِدِ العَقلِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ مِنَ المَجنونِ والمُبَرسَمِ ولا مِنْ صَبيٍّ غَيرِ مُميِّزٍ بغَيرِ خِلافٍ (٢).
стр. 4713
الشَّرطُ الثاني: البُلوغُ: أنْ يَكونَ بالِغًا:
ويَنبَني على هذا الشَّرطِ حُكمُ ضَمانِ الصَّبيِّ:
اتَّفقَ العُلماءُ أوَّلًا على أنَّ الصَّبيَّ غَيرُ المُميِّزِ لا يَصحُّ ضَمانُه.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ مِنَ المَجنونِ والمُبَرسَمِ ولا مِنْ صَبيٍّ غَيرِ مُميِّز بغَيرِ خِلافٍ (١).
ثم اختَلفوا في الصَّبيِّ المُميِّزِ على قَولَيْن، ومِثالُ لذلك:
لو أنَّ صِبيانًا يَتبايَعون في الدَّجاجِ، فأحَدُهم باعَ على الآخَرِ، وقال البائِعُ: «لا أقبَلُ حتى تُحضِرَ ضامِنًا»، وصاحِبُه صَبيٌّ، هل يَصحُّ أو لا؟ على قَولَيْن.
القَولُ الأولُ: لا يَصحُّ ضَمانُه، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ (٢) والمالِكيَّةِ في الصَّحيحِ عندَهم (٣) والشافِعيَّةِ (٤) وهو الصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ (٥).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ فلا يَصحٌّ ضَمانُه في الصَّحيحِ مِنَ الوَجهَيْن، وهو قَولُ الشافِعيِّ … ؛ لأنَّ هذا التِزامُ مالٍ لا فائِدةَ له فيه، فلَم يَصحَّ منه، كالتَّبرُّعِ (٦).
стр. 4714
وقال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: فلا تَنعقِدُ كَفالةُ الصَّبيِّ والمَجنونِ؛ لأنَّها عَقدُ تَبرُّعٍ، فلا تَنعقِدُ ممَّن ليس مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ (١).
القَولُ الآخَرُ: يَصحُّ ضَمانُ الصَّبيِّ، وهو وَجهٌ لِلحَنابِلةِ (٢)، وقَولٌ لِبَعضِ المالِكيَّةِ (٣)، قياسًا على صِحَّةِ إقرارِه وتَصرُّفاتِه وبَيعِه بإذنِ وَليِّه (٤).
الشَّرطُ الثالِثُ: ألاَّ يَكونَ مَحجورًا عليه:
والحَجرُ نَوعانِ: حَجرٌ لِسَفهٍ وحَجرٌ لِفَلسٍ:
فالأولُ: ضَمانُ المَحجورِ عليه لِسَفهٍ:
اختَلفَ العُلماءُ في المَحجورِ عليه لِسَفهٍ، هل يَصحُّ ضَمانُه أو لا؟ على قَولَيْن:
القَولُ الأولُ: لا يَصحُّ ضَمانُه، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ (٥) والمالِكيَّةِ (٦) والشافِعيَّةِ (٧) والصَّحيحُ مِنْ مَذهبِ الحَنابِلةِ (٨).
стр. 4715
قال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فأمَّا مَنْ يُحجَرُ عليه لِصِغرٍ أو جُنونٍ أو سَفهٍ فلا يَصحُّ ضَمانُه؛ لأنَّه إيجابُ مالٍ بعَقدٍ، فلَم يَصحَّ مِنَ الصَّبيِّ والمَجنونِ والسَّفيهِ، كالبَيعِ (١).
وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: فلا يَصحُّ ضَمانُ المَحجورِ عليه لِسَفهٍ وإنْ أذِنَ الوَليُّ؛ لأنَّه تَبرُّعٌ، وتَبرُّعُه لا يَصحُّ بإذنِ الوَليِّ (٢).
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀ في الكافي: ولا يَصحُّ إلا مِنْ جائِزِ التَّصرُّفِ، فأمَّا المَحجورُ عليه لِصِغرٍ أو جُنونٍ أو سَفهٍ فلا يَصحُّ ضَمانُه؛ لأنَّه تَبرُّعٌ بالتِزامِ مالٍ، فلَم يَصحَّ منهم، كالصَّدَقةِ (٣).
وقال في «المُغني»: ولا يَصحُّ مِنَ السَّفيهِ المَحجورِ عليه، ذَكرَه أبو الخَطَّابِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ (٤).
القَولُ الآخَرُ: يَصحُّ ويُتبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجرِ عنه، وهو وَجهٌ في مَذهبِ الحَنابِلةِ (٥).
قال القاضي أبو يَعلى ﵀: ويَصحُّ ضَمانُ السَّفيهِ، ويُتبعُ به بعدَ فَكِّ الحَجرِ عنه؛ لأنَّ مِنْ أصلِنا أنَّ إقرارَه صَحيحٌ يُتبَعُ به بعدَ فكِّ الحَجرِ عنه صَحَّ، فكذلك ضَمانُه (٦).
стр. 4716
والثاني: ضَمانُ المَحجورِ عليه لِفَلسٍ:
اختَلفَ العُلماءُ في المَحجورِ عليه لِفَلسٍ هل يَصحُّ ضَمانُه أو لا؟ اختَلفوا في ذلك على قَولَيْن أيضًا:
القَولُ الأولُ: يَصحُّ ضَمانُه، ويُتبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجرِ عنه، وهو قَولُ المالِكيَّةِ (١) والصَّحيحُ مِنْ مَذهبَيِ الشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣)؛ لأنَّه إيجابُ مالٍ في الذِّمَّةِ بعَقدٍ، فصَحَّ مِنَ المُفلِسِ كالشِّراءِ بثَمنٍ في الذِّمَّةِ (٤)؛ ولأنَّه مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ، والحَجرِ عليه في مالِه، لا في ذِمَّتِه، فأشبَهَ الراهِنَ، فصَحَّ تَصرُّفُه فيما عَدا الرَّهنَ، فهو كما لو اقتَرضَ أو أقرَّ أو اشتَرى في ذِمَّتِه (٥).
القَولُ الآخر: لا يَصحُّ ضَمانُه؛ لأنَّه ليس مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ، وهو رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ (٦).
قال المَرداويُّ ﵀: وفي شالتَّبصرةِ﴾ رِوايةٌ: لا يَصحُّ ضَمانُ المُفلِسِ المَحجورِ عليه (٧).
стр. 4717
الشَّرطُ الرابِعُ: «الصِّحَّةُ»:
المَقصودُ بالصِّحَّةِ: أنْ يَكونَ الإنسانُ صَحيحًا غَيرَ مَريضٍ.
والمَرضُ نَوعانِ: مَرضٌ عاديٌّ غَيرُ مَخوفٍ، ومَرضٌ مَخوفٌ، وهو مَرضُ المَوتِ.
المَرضُ إذا كان غَيرَ مَخوفٍ فحُكمُ ضَمانِه حُكمُ الصَّحيحِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا المَريضُ؛ فإنْ كان مَرضُه غَيرَ مَخوفٍ أو غَيرَ مَرضِ المَوتِ فحُكمُه حُكمُ الصَّحيحِ (١).
ولو أقرَّ في مَرضِه بأنَّه كَفلَ في صِحَّتِه تُعتبَرُ مِنْ كلِّ مالِه عندَ أبي حَنيفةَ (٢).
وأمَّا إنْ كان مَريضًا مَرضَ المَوتِ المَخوفِ، فحُكمُ ضَمانِه حُكمُ تَبرُّعِه، يُحسَبُ مِنْ ثُلُثِه عندَ جَماهيرِ العُلماءِ الحَنفيَّةِ (٣) والمالِكيَّةِ (٤) والشافِعيَّةِ (٥) والحَنابِلةِ (٦)؛ لأنَّه تَبرُّعٌ بالتِزامِ مالٍ لا يَلزَمُه، ولم يأخُذْ عنه عِوضًا، فأشبَهَ الهِبةَ.
وقال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: فأمَّا صِحَّةُ بَدنِ الكَفيلِ فليست
стр. 4718
بشَرطٍ لِصِحَّةِ الكَفالةِ، فتَصحُّ كَفالةُ المَريضِ، لكنْ مِنَ الثُّلُثِ؛ لأنَّها تَبرُّعٌ (١).
وقال الدَّرديرُ ﵀ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: وصَحَّ الضَّمانُ ولَزِمَ مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ، وهو المُكلَّفُ الذي لا حَجرَ عليه، ولو فيما ضَمِن فيه فدخَل ضَمانُ … زَوجةٍ ومَريضٍ مَرضًا مَخوفًا بثُلُثٍ أو بما زادَ عليه بيَسيرٍ، شأنُه ألَّا يُقصَدَ به الضَّررُ، كالدِّينارِ، لا ما زادَ على ذلك، فلا يَلزَمُ، وإنْ صَحَّ، فيَتوقَّفُ على إجازةِ الزَّوجِ أو الوارِثِ.
قال الدُّسوقيُّ ﵀: أي: فإنْ شاءَ الزَّوجُ رَدَّ الجَميعَ أو أمضى الجَميعَ، وأمَّا الوَرثةُ؛ فإنْ شاؤُوا رَدُّوا ما زاد على الثُّلُثِ؛ وإنْ شاؤوا أجازوا الجَميعَ (٢).
وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا ضَمانُ المَريضِ، فقال صاحِبُ «الحاوي»: هو مُعتبَرٌ مِنَ الثُّلُثِ؛ لأنَّه تَبرُّعٌ؛ فإنْ كان عليه دَينٌ مُستغرِقٌ فالضَّمانُ باطِلٌ، وإنْ خَرجَ بَعضُه مِنَ الثُّلُثِ صَحَّ فيه، فلو ضَمِن في مَرضِه، ثم أقرَّ بدَينٍ مُستغرِقٍ، قُدِّم الدَّينُ ولا يُؤثِّرُ تأخُّرُ الإقرارِ به، واللهُ أعلَمُ (٣).
وقال المَرداويُّ ﵀ في «الإنصافِ»: فيَصحُّ ضَمانُه -يَعني المَريضَ- بلا نِزاعٍ، لكنْ إذا مات في مَرضِه حُسِبَ ما ضَمِنه مِنْ ثُلُثِه (٤).
стр. 4719
فتَبيَّن مما سَبقَ أنَّ المَريضَ إنْ كان مَرضُه غَيرَ مَخوفٍ، أو غَيرَ مَرضِ المَوتِ فحُكمُه حُكمُ الصَّحيحِ، وإنْ كان مَرضَ المَوتِ المَخوفَ فحُكمُ ضَمانِه حُكمُ تَبرُّعِه، فلا يَصحُّ فيما يَزيدُ على ثُلُثِ مالِه.
الشَّرطُ الخامِسُ: الذُّكورةُ: ويَنبَني على هذا حُكمُ ضَمانِ المرأةِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على صِحَّةِ ضَمانِ الرَّجلِ البالِغِ العاقِلِ الرَّشيدِ غَيرِ المَحجورِ عليه بسَفَهٍ أو فَلَسٍ كما سَبَق.
وإنَّما اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ ضَمانِ المَرأةِ، هل يَصحُّ منها أو لا؟ على قَولَيْن:
القَولُ الأولُ: قالوا بصِحَّةِ ضَمانِ المَرأةِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانتْ مُتزوِّجةً أو غَيرَ مُتزوِّجةٍ، وسَواءٌ كان بإذنِ الزَّوجِ، أو لا، وهو قَولُ الشافِعيَّةِ (١) والحَنابِلةِ (٢).
قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا دَفَع إلى المَرأةِ مالَها وإلى الرَّجلِ، فسَواءٌ كانتِ المَرأةُ بِكرًا أو مُتزوِّجةً عندَ زَوجٍ أو ثَيِّبًا، كما يَكونُ الرَّجلُ في حالاتِه، وهي تَملِكُ مِنْ مالِها ما يَملِكُ مِنْ مالِه، ويَجوزُ لها ما يَجوزُ له في مالِه، فكذلك حُكمُ اللهِ فيها وفيه، ودِلالةُ السُّنَّةِ، وإذا نُكِحتْ فصَداقُها مالٌ لها تَصنَعُ به ما شاءتْ، كما تَصنَعُ بما سِواه مِنْ مالِها (٣).
стр. 4720
وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: فَرعٌ: ضَمانُ المَرأةِ صَحيحٌ، مُزوَّجةً كانت أو غَيرَها، ولا حاجةَ لِإذنِ الزَّوجِ، كسائِرِ تَصرُّفاتِها (١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: يَصحُّ ضَمانُ كلِّ جائِزِ التَّصرُّفِ في مالِه، سَواءٌ كان رَجلًا أو امرأةً؛ لأنَّه عَقدٌ يُقصَدُ به المالُ، فصَحَّ مِنَ المَرأةِ كالبَيعِ (٢).
وقد استَدلُّوا على ذلك بما ورَد مِنْ أدِلَّةٍ تَدُلُّ على جَوازِ اصطِناعِ المَرأةِ المَعروفَ وتَصدُّقِها مِنْ مالِها، وإنْ لَم يأذَنْ لها الزَّوجُ، سَواءٌ كانتْ بِكرًا أو ذاتَ زَوجٍ أو أيِّمًا.
ومِن هذه الأدِلَّةِ ما أخرَجَه البُخاريُّ (٣)، ومُسلِمٌ (٤) مِنْ حَديثِ جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄ قال: قامَ النَّبيُّ ﷺ يَومَ الفِطرِ فصَلَّى، فبَدأ بالصَّلاةِ ثم خطَب، فلَمَّا فرَغ نزَل فأتى النِّساءَ فذكَّرَهُنَّ وهو يَتوكَّى على يَدِ بِلالٍ، وبِلالٌ باسِطٌ ثَوبَه ثم قال: «هَلُمَّ، لكُنَّ فِداءُ أبي وأُمِّي»، فيُلقينَ الفَتَخَ والخَواتيمَ في ثَوبِ بِلالٍ.
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وفي هذا الحَديثِ جَوازُ صَدقةِ المرأةِ مِنْ مالِها بغَيرِ إذْنِ زَوجِها، ولا يَتوقَّفُ ذلك على ثُلُثِ مالِها، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ.
стр. 4721
وقال مالِكٌ ﵀: لا يَجوزُ الزِّيادةُ على ثُلُثِ مالِها إلا برِضا زَوجِها. ودَليلُنا مِنَ الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : لم يَسألهُنَّ أستَأذَنَّ أزواجَهُنَّ في ذلك أم لا؟ وهل هو خارِجٌ مِنَ الثُّلُثِ أو لا؟ ولو اختَلفَ الحُكمُ بذلك لَسألَ (١).
وقد أعتَقتْ مَيمونةُ قبلَ أنْ تُعلِمَ النَّبيَّ ﷺ ، فلَم يَعِبْ ذلك عليها، فقد رَوى الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه»، وعَنوَنَ عليه ولِغَيرِه ببابِ هِبةِ المَرأةِ لِغَيرِ زَوجِها، وعِتقِها إذا كان لها زَوجٌ، فهو جائِزٌ إذا لم تَكُنْ سَفيهةً، فإذا كانتْ سَفيهةً لَم يَجُزْ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
ثم ساق حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ مَيمونةَ بِنتَ الحارِثِ ﵄ أخبَرتْه أنَّها أعتَقتْ وَليدةً ولم تَستأذِنِ النَّبيَّ ﷺ ، فلَمَّا كان يَومُها الذي يَدورُ عليها فيه قالت: أشعَرتَ يا رَسولَ اللهِ أنِّي أعتَقتُ وَليدَتي؟ (٢) قال: «أوَفَعلتِ؟»، قالت: نَعَمْ، قال: «أمَا إنَّكِ لو أعطَيتِها أخوالَكِ كان أعظَمَ لِأجرِكِ» (٣).
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه: بابُ هِبةِ المَرأةِ لِغَيرِ زَوجِها،
стр. 4722
وعِتقِها إذا كان لها زَوجٌ، أي: ولو كان لها زَوجٌ، فهو جائِزٌ، إذا لَم تَكُنْ سَفيهةً، فإذا كانت سَفيهةً لَم يَجُزْ، وقال اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ وبهذا الحُكمِ قال الجُمهورُ، وخالَف طاووسٌ فمنَع مُطلَقًا، وعن مالِكٍ لا يَجوزُ لها أنْ تُعطيَ بغَيرِ إذْنِ زَوجِها، ولو كانت رَشيدةً إلا مِنَ الثُّلُثِ، وعن اللَّيثِ لا يَجوزُ مُطلَقًا إلا في الشَّيءِ التَّافِه.
وأدِلَّةُ الجُمهورِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ كَثيرةٌ، واحتُجَّ لِطاووسٍ بحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه رَفَعه: «لا تَجوزُ عَطيَّةُ امرأةٍ في مالِها إلا بإذنِ مُتزوِّجِها» أخرَجَه أبو داودَ، والنَّسائيُّ.
وقال ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وأحاديثُ البابِ أصَحُّ، وحمَلها مالِكٌ على الشَّيءِ اليَسيرِ، وجَعل حَدَّه الثُّلُثَ فما دونَه (١).
ثم قال الحافِظُ ﵀: ووَجهُ دُخولِ حَديثِ مَيمونةَ في التَّرجمةِ أنَّها كانت رَشيدةً، وأنَّها أعتَقتْ قبلَ أنْ تستأمِرَ النَّبيَّ ﷺ ، فلَم يَستدرِكْ ذلك عليها، بل أرشدَها إلى ما هو الأوْلَى، فلو كان لا يَنفُذُ لها تَصرُّفٌ في مالِها لَأبطَلَه، واللهُ أعلَمُ (٢).
القَولُ الآخَرُ: التَّفصيلُ: وهو قَولُ الإمامِ مالِكٍ ﵀.
١ - فأمَّا المَرأةُ التي لا زَوجَ لها وكانت قد تَزوَّجتْ، فضَمانُها صَحيحٌ في جَميعِ مالِها (٣).
стр. 4723
جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى» لِسَحنونٍ: قال: قُلتُ: أرأيتَ كَفالةَ المَرأةِ أتَجوزُ عندَ مالِكٍ أم لا؟ قال: قال مالِكٌ: إذا لم يَكُنْ لها زَوجٌ فذلك جائِزٌ بمَنزِلةِ الرَّجلِ، قال: وقال مالِكٌ في التي ليس لها زَوجٌ: تَجوزُ كَفالَتُها في جَميعِ مالِها.
قُلتُ: أرأيتَ إنْ كانتِ المَرأةُ أيِّمًا لا زَوجَ لَها، تَكفَّلتْ بكَفالةٍ، أيَجوزُ ذلك عليها؟
قال: نَعَمْ عندَ مالِكٍ؛ لأنَّ مَعروفَها جائِزٌ إذا كانت لا يُولَّى عليها (١).
٢ - أنَّ الجاريةَ البِكرَ التي قد بَلغَت وعَنَّست، لا يَصحُّ ضَمانُها.
فقد جاء في «المُدوَّنةِ»: قُلتُ: أرأيتَ الجاريةَ البِكرَ التي قد بَلغَت وعَنَّستْ مِنَ أهلِها، تَكفَّلتْ بكَفالةٍ أيَجوزُ ذلك أم لا؟
قال: قال مالِكٌ في هِبَتِها وصَدَقتِها: لا تَجوزُ إذا كانت قد عَنَّستْ فكذلك كَفالَتُها في هذا، قُلتُ: لِم لا يَجوزُ ذلك؟ قال: لأنَّ بُضعَها بيَدِ أبيها (٢) … ثم قال: والبِكرُ لا تَجوزُ كَفالتُها؛ لأنَّه لا يَجوزُ لها أنْ تَصنَعَ المَعروفَ في مالِها، وإنَّما الكَفالةُ مَعروفٌ، وهي أيضًا لا يَجوزُ لها قَضاءٌ في مالِها (٣).
٣ - أنَّ المَرأةَ المُتزوجةَ يَصحُّ ضَمانُها في ثُلُثِ مالِها فَقَطْ، إلا أنْ تَكونَ
стр. 4724
الزِّيادةُ دِينارًا أو شَيئًا خَفيفًا، أو يَكونَ ضَمانُها عن زَوجِها، فيَصحَّ، ولو استَغرَق مالَها إذا كانت مَرضيَّةً، يَعني غَيرَ سَفيهةٍ، وكان الضَّمانُ بإذنِ زَوجِها.
قال سَحنونٌ: قُلتُ: هل تَجوزُ كَفالةُ المَرأةِ ذاتِ الزَّوجِ؟
قال: قال مالِكٌ: تَجوزُ كَفالتُها فيما بينَها وبينَ ثُلُثِها … إلا أنْ تَكونَ إنَّما زادتِ الدِّينارَ أو الشَّيءَ الخَفيفَ، فهذا يُعلَمُ أنَّها لم تُرِدْ به الضَّررَ، فهذا يَمضي (١).
وقال في كَفالةِ المَرأةِ عن زَوجِها بما يَغترِفُ مالَها بإذنِ زَوجِها:
قال سَحنونٌ: قُلتُ: أرأيتَ لو أنَّ امرأةً تَكفَّلت لِرَجلٍ عن زَوجِها؟
قال: قال مالِكٌ: عَطيةُ المَرأةِ لِلزَّوجِ المالَ جائِزةٌ عليها، وإنْ أحاطَ ذلك بمالِها كلِّه، وكَفالتُها في جَميعِ مالِها، وإنْ أعطَتْه أكثَرَ مِنْ ثُلُثِها فذلك جائِزٌ، وإنْ بَلغَت جَميعَ مالِها، قال مالِكٌ: وكذلك كَفالةُ المَرأةِ لِزَوجِها إنْ كانت مَرضيَّةً.
قُلتُ: أرأيتَ مالِكًا لِمَ جَوَّزَ عَطيَّتَها لِلزَّوجِ المالَ كلَّه، وجعَله خِلافَ غَيرِه مِنَ الناسِ إذا لم تَكُنْ سَفيهةً في حالِها؟
قال: لأنَّ الرَّجلَ إنَّما يَتزوَّجُ المَرأةَ لِمالِها، فهو خِلاُف غَيرِه في هذا، إنَّما أعطاها إيَّاه على بُضعِها ومالِها (٢).
стр. 4725
ومما يُستدَلُّ لهم على صِحَّةِ ما ذهَبوا إليه قَولُه ﷺ : «لا يَجوزُ لِامرأةٍ أَمْرٌ في مالِها إذا ملَك زَوجُها عِصمَتَها».
وفي رِوايةٍ: «لا يَجوزُ لِامرأةٍ عَطيةٌ إلا بإذنِ زَوجِها» (١).
ضَمانُ المرأةِ في كَفالةِ النَّفْسِ أو الوَجهِ وضَمانُ الطَّلبِ:
ذَكَرنا قبلَ ذلك رأيَ المالِكيَّةِ في ضَمانِ المَرأةِ، وما ذهَبوا إليه مِنْ حَجرٍ على مالِها إلا في الثُّلُثِ، وهنا نَراهُم يَمنَعون المَرأةَ مِنْ كَفالةِ الوَجهِ والطَّلبِ ما لم يأذنِ الزَّوجُ.
قال الشَّيخُ الدَّرديرُ ﵀: ولِلزَّوجِ رَدُّه، أي: ضَمانِ الوَجهِ عن زَوجَتِه إذا ضَمِنت، ولو كان دَينُ المَضمونِ أقلَّ مِنْ ثُلُثِها؛ لأنَّه يَقولُ: قد تُحبَسُ، أو تَخرُجُ لِخُصومةٍ، أو لِطَلبِ المَضمونِ، وفي ذلك مَعرَّةٌ.
وهذا إن ضَمِنت بغَيرِ إذنِ زَوجِها، وإلا فليس له رَدُّه، ومِثلُ ضَمانِ الوَجهِ ضَمانُ الطَّلبِ (٢).
стр. 4726
الشَّرطُ السادِسُ: الرِّضا:
الرِّضا: لا بُدَّ لِصِحَّةِ الضَّمانِ مِنْ رِضا الضامِنِ؛ لأنَّه عَقدٌ تَبرُّعٍ، وهو مُفتقِرٌ إلى الرِّضا، ولا خِلافَ في ذلك بينَ العُلماءِ؛ لأنَّه لا يَلزَمُه الحَقُّ ابتِداءً.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا بُدَّ في الضَّمانِ مِنْ ضامِنٍ ومَضمونٍ ومَضمونٍ له، ولا بُدَّ مِنْ رِضا الضامِنِ؛ فإنْ أُكرِهَ على الضَّمانِ لم يَصحَّ، ولا يُعتبَرُ رِضا المَضمونِ عنه، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١).
الشَّرطُ السابِعُ: الحُرِّيَّةُ:
يَنبَني على هذا الشَّرطِ حُكمُ ضَمانِ العَبدِ.
ولِلعُلماءِ في حُكمِ ضَمانِ العَبدِ تَفاصيلُ، فقال جُمهورُ العُلماءِ، الحَنفيَّةُ (٢) والشافِعيَّةُ (٣) والحَنابِلةُ (٤) إنَّها لا تَجوزُ بغَيرِ إذنِ سَيِّدِه، سَواءٌ كان مَأذونًا له في التِّجارةِ أو غَيرَ مَأذونٍ له فيها.
قال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: الحُرِّيَّةُ: وهي شَرطُ نَفاذِ هذا التَّصرُّفِ، فلا تَجوزُ كَفالةُ العَبدِ مَحجورًا كان أو مَأذونًا له في التِّجارةِ؛ لأنَّها تَبرُّعٌ والعَبدُ لا يَملِكُه بدونِ إذنِ مَولاهُ، ولكنَّها تَنعقِدُ حتى يُؤاخَذَ به بعدَ العِتقِ؛ لأنَّ امتِناعَ النَّفاذِ ما كان لِانعِدامِ الأهليَّةِ، بل لِحَقِّ المَولَى،
стр. 4727
وقد زال، بخِلافِ الصَّبيِّ؛ لأنَّها غَيرُ مُنعقِدةٍ منه؛ لِعَدمِ الأهليَّةِ، فلا تَتحمَّلُ النَّفاذَ بالبُلوغِ.
ولو أذِنَ المَولى بالكَفالةِ، فإنْ كان عليه دَينٌ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ إذنَه بالتَّبرُّعِ لَم يَصحَّ، وإنْ لَم يَكُنْ عليه دَينٌ جازتْ كَفالَتُه، وتُباعُ رَقَبتُه في الكَفالةِ بالدَّينِ، إلا أنْ يَفديَه المَولى.
وقال أيضًا في «المُكاتَبِ»: ولا تَجوزُ كَفالةُ المُكاتَبِ مِنَ الأجنبيِّ؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبدٌ ما بَقيَ عليه دِرهَمٌ على لِسانِ صاحِبِ الشَّرعِ ﷺ .
وسَواءٌ أذِنَ له المَولى أو لم يأذَنْ؛ لأنَّ إذْنَ المَولى لَم يَصحَّ في حَقِّه، وصَحَّ في حَقِّ القِنِّ، ولكنَّه يَنعقِدُ حتى يُطالَبَ به، ولو كفَل المُكاتَبُ أو المَأذونُ عن المَولى جازَ؛ لأنَّهما يَملِكان التَّبرُّعَ عليه (١).
وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: فإنْ كفَل العَبدُ المأذونُ له في التِّجارةِ فالكَفالةُ باطِلةٌ؛ لأنَّ الكَفالةَ استِهلاكُ مالٍ لا كَسبُ مالٍ، فإذا كُنا نَمنعُه أنْ يَستهلِك مِنْ مالِه شيئًا قلَّ أو كثُر، فكذلك نَمنعُه أنْ يَكفُلَ فيُغرَّمَ مِنْ مالِه شيئًا قلَّ أو كثُر (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ ضَمانُ العَبدِ بغَيرِ إذنِ سيِّدِه، سَواءٌ كان مأذونًا له في التِّجارةِ أو غَيرَ مأذونٍ له، وبهذا قال ابنُ أبي لَيلى، والثَّوريُّ، وأبو حَنيفةَ، ويُحتمَلُ أنْ يَصحَّ، ويُتبَعَ به بعدَ العِتقِ، وهو أحدُ
стр. 4728
الوَجهَيْن لِأصحابِ الشافِعيِّ، ولأنَّه مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ، فيَصحُّ تَصرُّفُه بما لا ضَررَ على السيِّدِ فيه، كالإقرارِ بالإتلافِ.
ووَجهُ الأولِ: أنَّه عَقدٌ تَضمَّن إيجابَ مالٍ، فلَم يَصحَّ بغَيرِ إذنٍ كالنِّكاحِ.
وقال أبو ثَورٍ ﵀: إنْ كان مِنْ جِهةِ التِّجارةِ جازَ، وإنْ كان مِنْ غَيرِ ذلك لَم يَجُزْ؛ فإنْ ضمِن بإذنِ سيِّدِه صحَّ؛ لأنَّ سيِّدَه لو أذِن له في التَّصرُّفِ صحَّ (١).
أمَّا المالِكيَّةُ فقال الشيخُ الدَّرديرُ ﵀: وصحَّ الضَّمانُ، ولزِم مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ، وهو المُكلَّفُ الذي لا حَجرَ عليه، ولو فيما ضمِن فيه، فيَدخلُ فيه ضَمانُ الزَّوجةِ والمَريضِ بالثُّلثِ كما يأتي: ومَفهومٌ مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ فيه تَفصيلٌ، فتارةً لا يَصحُّ، كالواقِعِ من سَفيهٍ أو مَجنونٍ أو صَبيٍّ، وتارةً يَصحُّ ولا يَلزمُ كالواقِعِ مِنْ زَوجةٍ أو مَريضٍ في زائِدِ الثُّلثِ، ومِنَ العَبدِ بغَيرِ إذنِ سيِّدِه، ومثَّل لِأهلِ التَّبرُّعِ بقَولِه: كمُكاتَبٍ ومأذونٍ له في التِّجارةِ أذنَ سيِّدُهما لهما في الضَّمانِ؛ فإنْ لم يأذنْ لهما لَم يَلزمْهما، وإنْ صحَّ، بدَليلِ قَولِه الآتي: وأُتبِع ذُو الرِّقِّ به، أي: بالضَّمانِ، بمَعنى المالِ الذي ضمِنه وإنْ عُتِق ضمِنَ بإذنِ سيِّده أولًا، وليس له إسقاطه عنه في الأولِ، بخِلافِ الثاني فله إسقاطُه قبلَ عِتقِه، فلا يُتبَعُ به بعدَه، ولا يُباعُ فيه قبلَ العِتقِ، ولو أذِنَ له سيِّده فيه (٢).
غ
стр. 4729
الفصل الثاني أركانُ المَضمونِ عنه وشُروطُه
وهو الأصيلُ الذي عليه الدَّينُ اللازِمُ أو الآيلُ إلى اللُّزومِ ويُعبَّر عنه أحيانًا بالغَريمِ
وفيه مَبحثٌ، وهو: شُروطُ المَضمونِ عنه، وهي ثَلاثةٌ:
الشَّرطُ الأولُ: رِضا المَضمونِ عنه، يَعني: هل يُشترَطُ رِضا المَضمونِ عنه أو لا؟
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه لا يُشترَطُ رِضا المَضمونِ عنه.
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: لا يُشترَطُ رِضاه بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ قَضاءَ دَينِه بغَيرِ إذنِه جائِزٌ، فضَمانُه أوْلَى (١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُعتبَرُ رِضا المَضمونِ عنه، لا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لو قَضى الدَّينَ عنه بغَيرِ إذنِه ورِضاه صحَّ، فكذلك إذا ضمِن عنه (٢).
стр. 4730
الشَّرطُ الثاني: قُدرةُ المَضمونِ عنه على تَسليمِ المَضمونِ:
اشتَرطَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ أنْ يَكونَ المَضمونُ عنه قادِرًا على تَسليمِ المَضمونِ، إمَّا بنَفْسِه، وإمَّا بنائِبِه، وبينَما لَم يَشترِطْ ذلك أكثَرُ العُلماءِ، حتى صاحِبا أبي حَنيفةَ: أبو يُوسُفَ ومُحمدُ بنُ الحَسَنِ رَحِمهما اللهُ (١).
وبِناءً على ذلك اختَلَفوا في حُكمِ الضَّمانِ عن المَيِّتِ الذي لَم يَتركْ شيئًا، أمَّا المَيِّتُ الذي خَلَّف وَفاءً فقد أجمَعوا على صِحةِ الضَّمانِ عنه (٢).
أمَّا المَيِّتُ الذي لَم يَتركْ شيئًا فقد اختَلفوا فيه على قَولَيْن:
القَولُ الأولُ: يَصحُّ الضَّمانُ عن المَيِّتِ، وهو قَولُ عامَّةِ العُلماءِ مِنَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ والصاحبَيْن مِنَ الحَنفيَّةِ (٣).
قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا ضمِن الرَّجلُ دَينَ المَيِّتِ بعدَما يَعرِفُه ويَعرِفُ لِمَنْ هو فالضَّمانُ له لَازمٌ، تَرَك الميِّتُ شيئًا أو لَم يَتركْ (٤).
وقال الدَّرديرُ ﵀: وصحَّ الضَّمانُ عن المَيِّتِ المُفلِسِ، أي: المُعسِرِ، بمَعنى الحَملِ عنه؛ لأنَّه مَعروفٌ مِنَ الضامِنِ، وخُصَّ المُفلِسُ