← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

الشَّرطُ السادِسُ: الرِّضا: الرِّضا: لا بُدَّ لِصِحَّةِ الضَّمانِ مِنْ رِضا الضامِنِ؛ لأنَّه عَقدٌ تَبرُّعٍ، وهو مُفتقِرٌ إلى الرِّضا، ولا خِلافَ في ذلك بينَ العُلماءِ؛ لأنَّه لا يَلزَمُه الحَقُّ ابتِداءً. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا بُدَّ في الضَّمانِ مِنْ ضامِنٍ ومَضمونٍ ومَضمونٍ له، ولا بُدَّ مِنْ رِضا الضامِنِ؛ فإنْ أُكرِهَ على الضَّمانِ لم يَصحَّ، ولا يُعتبَرُ رِضا المَضمونِ عنه، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١). الشَّرطُ السابِعُ: الحُرِّيَّةُ: يَنبَني على هذا الشَّرطِ حُكمُ ضَمانِ العَبدِ. ولِلعُلماءِ في حُكمِ ضَمانِ العَبدِ تَفاصيلُ، فقال جُمهورُ العُلماءِ، الحَنفيَّةُ (٢) والشافِعيَّةُ (٣) والحَنابِلةُ (٤) إنَّها لا تَجوزُ بغَيرِ إذنِ سَيِّدِه، سَواءٌ كان مَأذونًا له في التِّجارةِ أو غَيرَ مَأذونٍ له فيها. قال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: الحُرِّيَّةُ: وهي شَرطُ نَفاذِ هذا التَّصرُّفِ، فلا تَجوزُ كَفالةُ العَبدِ مَحجورًا كان أو مَأذونًا له في التِّجارةِ؛ لأنَّها تَبرُّعٌ والعَبدُ لا يَملِكُه بدونِ إذنِ مَولاهُ، ولكنَّها تَنعقِدُ حتى يُؤاخَذَ به بعدَ العِتقِ؛ لأنَّ امتِناعَ النَّفاذِ ما كان لِانعِدامِ الأهليَّةِ، بل لِحَقِّ المَولَى،

стр. 4727

وقد زال، بخِلافِ الصَّبيِّ؛ لأنَّها غَيرُ مُنعقِدةٍ منه؛ لِعَدمِ الأهليَّةِ، فلا تَتحمَّلُ النَّفاذَ بالبُلوغِ. ولو أذِنَ المَولى بالكَفالةِ، فإنْ كان عليه دَينٌ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ إذنَه بالتَّبرُّعِ لَم يَصحَّ، وإنْ لَم يَكُنْ عليه دَينٌ جازتْ كَفالَتُه، وتُباعُ رَقَبتُه في الكَفالةِ بالدَّينِ، إلا أنْ يَفديَه المَولى. وقال أيضًا في «المُكاتَبِ»: ولا تَجوزُ كَفالةُ المُكاتَبِ مِنَ الأجنبيِّ؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبدٌ ما بَقيَ عليه دِرهَمٌ على لِسانِ صاحِبِ الشَّرعِ ﷺ . وسَواءٌ أذِنَ له المَولى أو لم يأذَنْ؛ لأنَّ إذْنَ المَولى لَم يَصحَّ في حَقِّه، وصَحَّ في حَقِّ القِنِّ، ولكنَّه يَنعقِدُ حتى يُطالَبَ به، ولو كفَل المُكاتَبُ أو المَأذونُ عن المَولى جازَ؛ لأنَّهما يَملِكان التَّبرُّعَ عليه (١). وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: فإنْ كفَل العَبدُ المأذونُ له في التِّجارةِ فالكَفالةُ باطِلةٌ؛ لأنَّ الكَفالةَ استِهلاكُ مالٍ لا كَسبُ مالٍ، فإذا كُنا نَمنعُه أنْ يَستهلِك مِنْ مالِه شيئًا قلَّ أو كثُر، فكذلك نَمنعُه أنْ يَكفُلَ فيُغرَّمَ مِنْ مالِه شيئًا قلَّ أو كثُر (٢). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ ضَمانُ العَبدِ بغَيرِ إذنِ سيِّدِه، سَواءٌ كان مأذونًا له في التِّجارةِ أو غَيرَ مأذونٍ له، وبهذا قال ابنُ أبي لَيلى، والثَّوريُّ، وأبو حَنيفةَ، ويُحتمَلُ أنْ يَصحَّ، ويُتبَعَ به بعدَ العِتقِ، وهو أحدُ

стр. 4728

الوَجهَيْن لِأصحابِ الشافِعيِّ، ولأنَّه مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ، فيَصحُّ تَصرُّفُه بما لا ضَررَ على السيِّدِ فيه، كالإقرارِ بالإتلافِ. ووَجهُ الأولِ: أنَّه عَقدٌ تَضمَّن إيجابَ مالٍ، فلَم يَصحَّ بغَيرِ إذنٍ كالنِّكاحِ. وقال أبو ثَورٍ ﵀: إنْ كان مِنْ جِهةِ التِّجارةِ جازَ، وإنْ كان مِنْ غَيرِ ذلك لَم يَجُزْ؛ فإنْ ضمِن بإذنِ سيِّدِه صحَّ؛ لأنَّ سيِّدَه لو أذِن له في التَّصرُّفِ صحَّ (١). أمَّا المالِكيَّةُ فقال الشيخُ الدَّرديرُ ﵀: وصحَّ الضَّمانُ، ولزِم مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ، وهو المُكلَّفُ الذي لا حَجرَ عليه، ولو فيما ضمِن فيه، فيَدخلُ فيه ضَمانُ الزَّوجةِ والمَريضِ بالثُّلثِ كما يأتي: ومَفهومٌ مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ فيه تَفصيلٌ، فتارةً لا يَصحُّ، كالواقِعِ من سَفيهٍ أو مَجنونٍ أو صَبيٍّ، وتارةً يَصحُّ ولا يَلزمُ كالواقِعِ مِنْ زَوجةٍ أو مَريضٍ في زائِدِ الثُّلثِ، ومِنَ العَبدِ بغَيرِ إذنِ سيِّدِه، ومثَّل لِأهلِ التَّبرُّعِ بقَولِه: كمُكاتَبٍ ومأذونٍ له في التِّجارةِ أذنَ سيِّدُهما لهما في الضَّمانِ؛ فإنْ لم يأذنْ لهما لَم يَلزمْهما، وإنْ صحَّ، بدَليلِ قَولِه الآتي: وأُتبِع ذُو الرِّقِّ به، أي: بالضَّمانِ، بمَعنى المالِ الذي ضمِنه وإنْ عُتِق ضمِنَ بإذنِ سيِّده أولًا، وليس له إسقاطه عنه في الأولِ، بخِلافِ الثاني فله إسقاطُه قبلَ عِتقِه، فلا يُتبَعُ به بعدَه، ولا يُباعُ فيه قبلَ العِتقِ، ولو أذِنَ له سيِّده فيه (٢). غ

стр. 4729

الفصل الثاني أركانُ المَضمونِ عنه وشُروطُه وهو الأصيلُ الذي عليه الدَّينُ اللازِمُ أو الآيلُ إلى اللُّزومِ ويُعبَّر عنه أحيانًا بالغَريمِ وفيه مَبحثٌ، وهو: شُروطُ المَضمونِ عنه، وهي ثَلاثةٌ: الشَّرطُ الأولُ: رِضا المَضمونِ عنه، يَعني: هل يُشترَطُ رِضا المَضمونِ عنه أو لا؟ لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه لا يُشترَطُ رِضا المَضمونِ عنه. قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: لا يُشترَطُ رِضاه بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ قَضاءَ دَينِه بغَيرِ إذنِه جائِزٌ، فضَمانُه أوْلَى (١). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُعتبَرُ رِضا المَضمونِ عنه، لا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لو قَضى الدَّينَ عنه بغَيرِ إذنِه ورِضاه صحَّ، فكذلك إذا ضمِن عنه (٢).

стр. 4730

الشَّرطُ الثاني: قُدرةُ المَضمونِ عنه على تَسليمِ المَضمونِ: اشتَرطَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ أنْ يَكونَ المَضمونُ عنه قادِرًا على تَسليمِ المَضمونِ، إمَّا بنَفْسِه، وإمَّا بنائِبِه، وبينَما لَم يَشترِطْ ذلك أكثَرُ العُلماءِ، حتى صاحِبا أبي حَنيفةَ: أبو يُوسُفَ ومُحمدُ بنُ الحَسَنِ رَحِمهما اللهُ (١). وبِناءً على ذلك اختَلَفوا في حُكمِ الضَّمانِ عن المَيِّتِ الذي لَم يَتركْ شيئًا، أمَّا المَيِّتُ الذي خَلَّف وَفاءً فقد أجمَعوا على صِحةِ الضَّمانِ عنه (٢). أمَّا المَيِّتُ الذي لَم يَتركْ شيئًا فقد اختَلفوا فيه على قَولَيْن: القَولُ الأولُ: يَصحُّ الضَّمانُ عن المَيِّتِ، وهو قَولُ عامَّةِ العُلماءِ مِنَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ والصاحبَيْن مِنَ الحَنفيَّةِ (٣). قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا ضمِن الرَّجلُ دَينَ المَيِّتِ بعدَما يَعرِفُه ويَعرِفُ لِمَنْ هو فالضَّمانُ له لَازمٌ، تَرَك الميِّتُ شيئًا أو لَم يَتركْ (٤). وقال الدَّرديرُ ﵀: وصحَّ الضَّمانُ عن المَيِّتِ المُفلِسِ، أي: المُعسِرِ، بمَعنى الحَملِ عنه؛ لأنَّه مَعروفٌ مِنَ الضامِنِ، وخُصَّ المُفلِسُ

стр. 4731

بذلك؛ لأنَّه مَحلُّ الخِلافِ بينَ الأئِمةِ، إذْ منَعه أبو حَنيفةَ … وأمَّا الحيُّ أو المَيِّتُ المُوسِرُ فلا خِلافَ في صِحةِ الضَّمانِ عنه (١). استدلَّ الجُمهورُ على صِحةِ الضَّمانِ عن الميِّتِ الذي لَم يَتركْ شيئًا بما يلي: ١ - بما رَواه البُخاريُّ وغيرُه مِنْ حَديثِ سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتيَ بجَنازةٍ لِيُصليَ عليها فقال: «هل عليه مِنْ دَينٍ؟» قالوا: لا، فَصَلَّى عليه، ثم أُتيَ بجَنازةٍ أُخرى، فقال: «هل عليه مِنْ دَينٍ؟» قالوا: نَعَمْ، قال: «فصَلُّوا على صاحِبِكم»، قال أبو قَتادةَ: علَيَّ دَينُه يا رَسولَ اللهِ، فصَلَّى عليه (٢). والحَديثُ صَريحُ الدِّلالةِ في الضَّمانِ عن الميِّتِ الذي لَم يَتركْ شَيئًا. قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: استُدِلَّ به على جَوازِ ضَمانِ ما على المَيِّتِ مِنْ دَينٍ، ولم يَتركْ وَفاءً، وهو قَولُ الجُمهورِ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ، وقد بالَغ الطَّحاويُّ في نُصرةِ قَولِ الجُمهورِ (٣).

стр. 4732

وقال الإمامُ البَغويُّ ﵀ في شَرحِ السُّنةِ بَعدَما رَوى هذا الحَديثَ: وفيه دَليلٌ على جَوازِ الضَّمانِ عن الميِّتِ، سواءٌ ترَك وَفاءً أو لَم يَترُكْ، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وبه قال الحَسَنُ وابنُ أبي لَيلى والشافِعيُّ، وقال أبو حَنيفةَ: لا يَصحُّ الضَّمانُ عن مَيِّتٍ لَم يَتركْ وَفاءً، وبالاتِّفاقِ لو ضمِن عن حَيٍّ مُعسِرٍ دَينًا، ثم مات مَنْ عليه الدَّينُ كان الضَّمانُ بحالِه، فلَمَّا لَم يُنافِ مَوتُ المُعسِرِ دَوامَ الضَّمانِ لَم يُنافِ ابتِداءَه (١). ٢ - واستدَلُّوا أيضًا بما أخرَجه الدارَقُطنيُّ، والبَيهقيُّ عن عليٍّ ﵁ قال: كان الرَّسولُ ﷺ إذا أُتِيَ بجَنازةٍ لَم يَسألْ عن شَيءٍ مِنْ عَملِ الرَّجلِ إلا أنْ يَسألَ عن دَينِه؛ فإنْ قيلَ: عليه دَينٌ، كَفَّ عن الصَّلاةِ عليه، وإنْ قيلَ: ليس عليه دَينٌ، صلَّى عليه، فأُتيَ بجَنازةٍ، فلَمَّا قامَ سألَ أصحابَه: «هل على صاحِبِكم مِنْ دَينٍ؟» قالوا: عليه دينارانِ دَيْنٌ، فعدَل عنه رَسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: «صَلُّوا على صاحِبِكم»، فقال عليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵁: يا نَبيَّ اللهِ، هُما علَيَّ، بَرِئَ منهما، فتَقدَّم رَسولُ اللهِ ﷺ فصلَّى عليه، ثم قال: «يا علِيُّ، جَزاكَ اللهُ خَيرًا، فَكَّ اللهُ رِهانَك كما فَكَكتَ رِهانَ أخيكَ، إنَّه ليس مِنْ مَيِّتٍ يَموتُ وعليه دَينٌ إلا وهو مُرْتَهَنٌ بِدَينِه، فَمَنْ فَكَّ رِهانَ مَيِّتٍ فَكَّ اللهُ رِهانَه يَومَ القيامةِ»، فقال بَعضُهم: هذا لِعليٍّ خاصةً أم لِلمُسلِمين عامةً؟ فقال: «بل لِلمُسلِمين عامةً» (٢).

стр. 4733

ولأنه لو تَبرَّعَ رَجلٌ بقَضاءِ دَينِه جازَ لِصاحِبِ الدَّينِ اقتِضاؤُه. فكذلك لو ضمِنه صحَّ. ولأنَّه لو ضمِنه إنسانٌ وهو حَيٌّ ثم مات، لم تُبرأْ ذِمةُ الضامِنِ، ولو بُرِّئتْ ذِمةُ المَضمونِ عنه بُرِّئتْ ذِمةُ الضامِنِ (١). ولأنَّ المَوتَ لا يُنافي بَقاءَ الدَّينِ؛ لأنَّه مالٌ حُكميٌّ، فلا يَفتقِرُ بَقاؤُه إلى القُدرةِ، فهو دَينٌ ثابِتٌ، فصحَّ ضَمانُه، كما لو خلَّفَ وَفاءً لِدَينِه (٢). القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ دَينِ المَيِّتِ إلا أنْ يُخلِّفَ وَفاءً؛ فإن خلَّف بَعضَ الوَفاءِ صحَّ ضَمانُه بقَدْرِ ما خلَّف، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ (٣). لأنَّ الدَّينَ عبارةٌ عن الفِعلِ، والميِّتُ عاجِزٌ عن الفِعلِ، فكانت هذه كَفالةً

стр. 4734

بدَينٍ ساقِطٍ، فلا تَصحُّ، كما لو كفَل عن إنسانٍ دَينًا وليس عليه دَينٌ (١). وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀ في «الكافي»: ويَصحُّ ضَمانُ دَينِ الميِّتِ المُفلِسِ وغَيرِه (٢). وقال أيضًا في «المُغني»: ومنها: صِحةُ الضَّمانِ عن كُلِّ مَنْ وجَب عليه حقٌّ، حيًّا أو ميِّتًا، مَليئًا أو مُفلِسًا؛ لِعُمومِ لَفظِه فيه، وهذا هو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وقال أبو حَنيفةَ: لا يَصحُّ ضَمانُ دَينِ الميِّتِ، إلا أن يُخلِّفَ وَفاءً؛ فإنْ خلَّفَ بَعضَ الوَفاءِ صحَّ ضَمانُه بقَدْرِ ما خلَّفَ؛ لأنَّه دَينٌ ساقِطٌ فلَم يَصحَّ ضَمانُه، كما لو سقَط بالبَراءِ، ولأنَّ ذِمَّتَه قد خرِبتْ خَرابًا لا تَعمُرُ بعدَه، فلَم يَبقَ فيها دَينٌ، والضَّمانُ: ضَمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ في التِزامِه. ثم قال: ولنا حَديثُ أبي قَتادةَ وعلِيٍّ؛ فإنَّهما ضمِنا دَينَ ميِّتٍ لَم يُخلِّفْ وَفاءً، والنَّبيُّ ﷺ حضَّهم على ضَمانِه في حَديثِ أبي قَتادةَ بقَولِه: «ألَا قامَ أحَدُكم فضَمِنَه؟»، وهذا صَريحٌ في المَسألةِ، ولأنَّه دَينٌ ثابِتٌ فصحَّ ضَمانُه كما لو خلَّفَ وَفاءً، ودَليلُ ثُبوتِه أنَّه لو تَبرَّع رَجلٌ بقَضاءِ دَينِه جازَ لِصاحِبِ الحَقِّ اقتِضاؤُه (٣). وقال الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀ في «نَيلِ الأوطارِ» بعدَما ذكَر أحاديثَ البابِ: وأحاديثُ البابِ تدُلُّ على أنَّها تَصحُّ الضَّمانةُ عن الميِّتِ،

стр. 4735

ويَلزمُ الضَّمينَ ما ضمِن به، سواءٌ كان الميِّتُ غنيًّا أو فقيرًا، وإلى ذلك ذهَب الجُمهورُ (١). الشَّرطُ الثالِثُ: مَعرفةُ المَضمونِ عنه: يَعني: هل يُشترطُ أن يَعرِفَ الضامِنُ المَضمونَ عنه أو لا؟ وقد اختَلفَ العُلماءُ في اشتِراطِ ذلك على ثلاثةِ أقوالٍ: القَولُ الأولُ: أنَّه لا يُشترطُ مَعرِفةُ الضامِنِ لِلمَضمونِ عنه، وهو الأصحُّ عندَ الشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣). واستدلُّوا على عَدمِ اشتِراطِ مَعرِفةِ الضامِنِ لِلمَضمونِ عنه بما يَلي: ١ - حَديثُ سَلَمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ الذي أخرَجه البُخاريُّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتيَ بجَنازةٍ لِيُصلِّيَ عليها، فقال: «هل عليه مِنْ دَينٍ؟» قالوا: لا، فصلَّى عليه، ثم أُتيَ بجَنازةٍ أُخرى، فقال: «هل عليه مِنْ دَينٍ؟»، قالوا: نَعَمْ. قال: «صلُّوا على صاحِبِكم»، قال أبو قَتادةَ: علَيَّ دَينُه يا رَسولَ اللهِ، فصلَّى عليه (٤). وبحَديثِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ الذي تَقدَّم قَريبًا، وهو ضَعيفٌ جِدًّا كما مَرَّ. قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: بعدَما ذكَر هذَيْن الحَديثَيْن: فإنَّهما -

стр. 4736

يَعني أبا قَتادةَ وعلِيًّا- ضَمِنا لِمَنْ لَم يَعرِفاه عمَّن لَم يَعرِفاه، ولأنَّه تَبرُّعٌ بالتِزامِ مالٍ، فلَم يُعتبَرْ مَعرِفةُ مَنْ يَتبرَّعُ له به كالنَّذرِ (١). ٢ - القياسُ على رِضا المَضمونِ عنه؛ إذْ لا يُشترطُ رِضاه بالاتِّفاقِ، فكذلك مَعرِفتُه (٢). القَولُ الثاني: يُشترطُ مَعرِفةُ الضامِنِ لِلمَضمونِ عنه، وهو قَولُ الكاسانيِّ مِنَ الحَنفيَّةِ (٣) ووَجهٌ لِلشافِعيَّةِ (٤) ولِلحنابِلةِ (٥). قال القاضي أبو يَعْلَى ﵀: لِيَعرِفَ ولِيَعلَمَ هل المَضمونُ عنه أهلٌ لِاصطِناعِ المَعروفِ إليه أو لا؟ ولِيَعرِفَ المَضمونَ له فيُؤدِّيَ إليه (٦). القَولُ الثالِثُ: وهو مَذهبُ الحَنفيَّةِ: أنَّه يُشترطُ مَعرِفةُ المَضمونِ عنه في التَّعليقِ والإضافةِ (٧)، لا في التَّنجيزِ (٨).

стр. 4737

استدلَّ الحَنفيَّةُ باشتِراطِ المَعرِفةِ في التَّعليقِ والإضافةِ فَقَطْ، دونَ التَّنجيزِ بأنَّ القياسَ يأبى -أصلًا- جَوازَ تَعليقِ الضَّمانِ وإضافَتِه؛ لأنَّه تَمليكٌ في حَقِّ الطالِبِ، وإنَّما جُوِّزَ استِحسانًا لِلتَّعامُلِ، والتَّعامُلُ إنَّما يَكونُ إذا كان المَكفولُ عنه مَعلومًا؛ فإذا كان مَجهولًا فلا يَبقى على القياسِ. وأمَّا في «التَّنجيزِ»: فإنَّ الكَفالةَ في حَقِّ المَطلوبِ بمَنزِلةِ الطَّلاقِ والعِتاقِ، حيث صحَّ مِنْ غَيرِ قَبولِه وأمرِه، فلا تَمنعُ جَهالتُه جَوازَها، كما لا تَمنعُ جَهالةَ المُعتِقِ جَوازَ العِتقِ (١).

стр. 4738

الفصل الثالث أركانُ المَضمونِ له وشُروطُه وهو مَنْ يَثبُتُ حَقُّه على المَضمونِ عنه ويُقالُ له الطالِبُ والدائِنُ أيضًا شُروطُ المَضمونِ له، وهي ثلاثةٌ: الشَّرطُ الأولُ: مَعرِفةُ المَضمونِ له: أي: أنْ يَعرِفَ الضامِنُ المَضمونَ له. وقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ في ذلك على قولَيْن: القَولُ الأولُ: لا يُشترطُ مَعرِفةُ الضامِنِ لِلمَضمونِ له، وهو قَولُ المالِكيَّةِ (١) ووَجهٌ لِلشافِعيَّةِ (٢) والمَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ (٣). فلو قال: أنا ضامِنُ الدَّينِ الذي على زَيدٍ لِلناسِ، وهو لا يَعرِفُ

стр. 4739

عَينَ مَنْ له الدَّينُ، صحَّ الضَّمانُ (١). قال ابنُ العربيِّ المالِكيُّ ﵀: في جَهالةِ المَضمونِ له: قال عُلماؤُنا: هي جائِزةٌ، وتَجوزُ أيضًا مع جَهالةِ الشَّيءِ المَضمونِ أو كِليهما (٢). واستدَلَّ على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. قال ابنُ العربيِّ المالِكيُّ ﵀: والآيةُ نَصٌّ في جَهالةِ المَضمونِ له، وحَملُ جَهالةِ المَضمونِ عنه أخَفُّ (٣). وبحَديثَيْ ضَمانِ أبي قَتادةَ وعلِيٍّ ﵄ المُتقدِّمِ ذِكرُهما آنِفًا، فإنَّهما ضمِنا لِمَنْ لَم يَعرِفاه، كما هو ظاهِرُ الحَديثَيْن، ولم يسألْهما النَّبيُّ ﷺ هل كانا يَعرِفانه أو لا (٤). ولو كان الحَقُّ يَختلِفُ بذلك لَبيَّنه النَّبيُّ ﷺ ، ولأنَّ الواجِبَ أداءُ الحَقِّ فلا حاجةَ لِمَعرفةِ ما سوى ذلك (٥)، وأنَّ الضَّمانَ تَبرُّعٌ بالتِزامِ مالٍ، فلَم يُعتبَرْ مَنْ تَبرَّعَ له به، كالنَّذرِ (٦). القَولُ الآخَرُ: يُشترطُ مَعرِفةُ الضامِنِ لِلمَضمونِ له، فلو قال: أنا ضامِنُ

стр. 4740

ما يَحصُلُ مِنْ هذا الدَّلَّالِ مِنْ ضَررٍ على الناسِ، لَم يَصحَّ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ (١) والأصحُّ عندَ الشافِعيَّةِ (٢) ووَجهٌ لِلحنابِلةِ (٣). قال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: وأمَّا الذي يَرجعُ إلى المَكفولِ له أنْ يَكونَ مَعلومًا، حتى إنَّه إذا كفَل لأحَدٍ مِنَ الناسِ لا تَجوزُ؛ لأنَّ المَكفولَ له إذا كان مَجهولًا لا يَحصُلُ ما شُرِع له الكَفالةُ، وهو التَّوثيقُ (٤). وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: ويُشترطُ مَعرِفةُ المَضمونِ له على الأصحِّ (٥). أي: مَعرِفةُ الضامِنِ لِلمَضمونِ له، والمُرادُ بمَعرِفتِه مَعرِفتُه بالعَينِ، لا الاسمِ والنَّسَبِ، وقيلَ: مَعرِفتُه مُعامَلتُه؛ إذْ لا فائدةَ مِنْ مُشاهدةِ مَنْ لا يَعرِفُ مُعامَلتَه (٦). وقال القاضي أبو يَعلى ﵀: وتُعتبَرُ مَعرفةُ الضامِنِ لِلمَضمونِ له فيُؤدِّي إليه (٧).

стр. 4741

واستدلُّوا على ذلك بما يلي: ١ - أنَّ الناسَ تَتفاوتُ في استيفاءِ حُقوقِهم تَشديدًا وتَسهيلًا، يَعني: إنْ كان طَلبُه لِحقِّه ولدَينِه على وَجهِ السُّهولةِ، يَضمَنُ، وإنْ كان على وَجهِ الشِّدةِ لا يَضمَنُ (١). ٢ - أنَّ الضَّمانَ في حَقِّ الطالِبِ بمَنزِلةِ البَيعِ، والمَضمونَ له كالبائِعِ؛ لأنَّه تَملُّكُ ما في ذِمَّةِ المَضمونِ عنه مِنَ الضامِنِ، فلا بُدَّ مِنَ التَّعيينِ، ولا يَصحُّ بدونِ قَبولِ المُشتري، وقَبولُه يَستلزِمُ تَعيُّنَه، فكانت جَهالةُ الطالِبِ -وهو المَضمونُ له- مانِعةً لِجَوازِها، أي: مانِعةً لِجوازِ الضَّمانِ، كجَهالةِ المُشتَري المانِعةِ لِلبَيعِ (٢). ٣ - يُشترَطُ مَعرِفتُه لِيَعلمَ الضامِنُ، هل المَضمونُ له أهلٌ لِإسداءِ الجَميلِ إليه أو لا (٣). الشَّرطُ الثاني: رِضا المَضمونِ له: أي: هل يُشترطُ رِضا المَضمونِ له أو لا؟ اختَلفَ أهلُ العِلمِ في المَضمونِ له، هل يُشترطُ رِضاه أو لا؟ على قولَيْن:

стр. 4742

القَولُ الأولُ: لا يُشترطُ رِضا المَضمونِ له، وهو أحَدُ قولَيْ أبي يُوسُفَ (١) وهو قَولُ الشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣). قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولا يُشترطُ رِضا المَضمونِ له على الأصحِّ، وهو قَولُ الأكثَرينَ (٤)؛ لأنَّ الضَّمانَ لا يَضرُّه؛ إذْ هو التِزامٌ يَزيدُ دَينَه تَأكيدًا (٥). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُعتبَرُ رِضا المَضمونِ له (٦)؛ لأنَّه التِزامٌ لا مُعاوضةَ فيه، بل هو تَبرُّعٌ مِنَ الكَفيلِ، فاعتُبِر رِضاه وَحدَه (٧). وذلك لِحَديثِ ضَمانِ أبي قَتادةَ ﵁ دَينَ الميِّتِ، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الحَديثِ -كما يَقولُ الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ- أنَّه لَم يُنقَلْ قَبولُ الطالِبِ (٨). فهو دَليلٌ على عَدمِ قَبولِه منه، ولأنَّه لو طُلِب منه لَنُقِل إلينا، وعَدمُ طَلبِ قَبولِه دَليلٌ على عَدمِ اشتِراطِ رِضاه.

стр. 4743

وقال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: وفيه -أي: الحَديثِ- مِنَ الفِقهِ إلزامُه ﷺ الكَفيلَ الكَفالةَ بغَيرِ قَبولٍ مِنَ المَكفولِ له (١). ولأنَّ الضَّمانَ وَثيقةٌ لا يُعتبَرُ فيها قَبضٌ، صَحَّت مِنْ غَيرِ رِضاه كالشَّهادةِ (٢). ولأنَّ الضَّمانَ: هو التِزامُ ما على الأصيلِ شَرعًا، وليس تَمليكًا، فصحَّ بإيجابٍ مِنَ الضامِنِ وَحدَه، فأشبَهَ النَّذرَ (٣). ولأنَّ المَريضَ إذا قال عندَ مَوتِه لِوَرثتِه: «اضمَنوا عنِّي ما علَيَّ مِنَ الدَّينِ لِغُرمائي»، وهُم غُيَّبٌ، فضَمِنوا ذلك، فهو جائِزٌ ولا يَلزمُهم استِحسانًا (٤). القَولُ الثاني: يُشترطُ رِضا المَضمونِ له، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ (٥) وأبي علِيٍّ الطَّبريِّ مِنَ الشافِعيَّةِ (٦).

стр. 4744

وهو أنْ يَقولَ: «قَبِلتُ أو رَضيتُ أو هَويتُ»، أو ما يَدلُّ على هذا المَعنى (١). قال ابنُ الهُمامِ ﵀: ولا تَصحُّ الكَفالةُ إلا بقَبولِ المَكفولِ له في المَجلسِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ رَحِمهما اللهُ (٢)؛ وذلك لأنَّ الضَّمانَ ليس بالتِزامٍ مَحضٍ، بل فيه معنى التَّمليكِ، والتَّمليكُ لا يَتمُّ إلا بإيجابٍ وقَبولٍ، كالبَيعِ (٣). فكان الإيجابُ وَحدَه شَطرَ العَقدِ، فلا يَتوقَّفُ على غائِبٍ عن المَجلسِ، كالبَيعِ. الشَّرطُ الثالِثُ: العَقلُ: وهذا الشَّرطُ لم يَشترِطْه غَيرُ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ -رحمهما الله-، وهو تَفريعٌ على قَولِهما باشتِراطِ القَبولِ في الضَّمانِ، فلا تَصحُّ الكَفالةُ عندَهم مِنَ المَجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقِلُ؛ لأنَّ المَكفولَ له لا تَتمُّ له الكَفالةُ إلا بقَبولٍ على الصَّحيحِ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القَبولِ، ولا تَصحُّ الكَفالةُ بقَبولِ وَليِّهما عنهما؛ لأنَّ القَبولَ يُعتبَرُ ممَّن وقَع له الإيجابُ، ومَن وقَع له الإيجابُ ليس مِنْ أهلِ القَبولِ، ومَن قُبِلَ لَم يَقعِ الإيجابُ له، فلا يُعتبَرُ قَبولُه (٤).

стр. 4745

أمَّا الصَّبيُّ الذي يَعقِلُ ففيه تَفصيلٌ: إنْ كان الصَّبيُّ تاجِرًا -أي: مأذونًا له في التِّجارةِ- فيَصحُّ قَبولُه؛ لأنَّه يَبيعُ عليه. وإنْ كان الصَّبيُّ غَيرَ تاجِرٍ، ففيه رِوايتانِ، والجَوازُ قَولُ أبي يُوسُفَ (١).

стр. 4746

الفصل الرابع أركانُ المَضمونِ به أو المَكفولِ به وشُروطُه وهو الحَقُّ الذي تَعهَّد الكَفيلُ بأدائِه وتَسليمِه، أو هو الشَّخصُ المَطلوبُ إحضارُه. إذا كان المَكفولُ به مالًا، فقد وضَع الفُقهاءُ شُروطًا خاصةً به. ولِضَمانِ البَدنِ شُروطٌ خاصةٌ به أيضًا. وهذا الفَصلُ يَشتمِلُ على مَبحثَيْن: المَبحثُ الأولُ: شُروطُ المَضمونِ. المَبحثُ الثاني: شُروطُ المَكفولِ به.

стр. 4747

المَبحثُ الأولُ: شُروطُ المَضمونِ لقد وضَع الفُقهاءُ لِلمَضمونِ ثلاثةَ شُروطٍ: الشرطُ الأولُ: أن يَكونَ المَضمونُ حقًّا ثابِتًا: صرَّح بَعضُ العُلماءِ بأنْ يَكونَ المَضمونُ حقًّا ثابِتًا لِصحةِ الضَّمانِ. قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وشَرطُه -أي: المَضمونِ- كَونُه ثابِتًا (١). ويَندرجُ تَحتَ هذا الشَّرطِ أربَعُ مَسائلَ: المَسألةُ الأُولى: ضَمانُ ما لَم يَجِبْ. المَسألةُ الثانيةُ: ضَمانُ الدَّرَكِ، ويُقالُ له أيضًا: ضَمانُ العُهدةِ أو الثَّمنِ. المَسألةُ الثالِثةُ: ضَمانُ الأعيانِ المَضمونةِ. المَسألةُ الرابِعةُ: ضَمانُ الأماناتِ.

стр. 4748

المَسألةُ الأُولى: ضَمانُ ما لَم يَجِبْ (١) المَقصودُ بما لَم يَجِبْ: أي: الذي سيَجِبُ مُستقبَلًا، كنَفقةِ الغَدِ، أو ثَمنِ ما سيَبيعُه أو سيُقرضُه (٢)، مِثلَ: «ما أعطيتَ فُلانًا فهو علَيَّ». وقد اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ ضَمانِ ما لَم يَجِبْ على قولَيْن: القَولُ الأولُ: يَصحُّ ضَمانُ ما لَم يَجِبْ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ الحَنفيَّةِ (٣) والمالِكيَّةِ (٤) والحَنابِلةِ (٥) وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ (٦). القَولُ الثاني: لا يَصحُّ، وهو قَولُ الشافِعيِّ في الجَديدِ (٧)؛ لأنَّه وَثيقةٌ بحَقٍّ، فلا يُسبَقُ الحَقُّ، كالشَّهادةِ (٨).

стр. 4749

قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإنَّما يَلزمُ الضَّمانُ بما عرَفه الضامِنُ، فأمَّا ما لَم يَعرِفْه فهو مِنَ المُخاطَرةِ (١). قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وضَمانُ ما لَم يَجِبْ جائِزٌ عندَ جُمهورِ العُلماءِ، كمالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ، وقد دلَّ عليه الكِتابُ، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] (٢). ووَجْهُ الدِّلالةِ مِنَ الآيةِ: أنَّ المُنادي ضمِن حِملَ البَعيرِ لِمَنْ يأتي بالصُّواعِ، وهو ضَمانُ ما لَم يَجِبْ؛ لأنَّ الصُّواعَ لَم يأتِ بعدُ، وهذا -وإن كان في شَريعةِ مَنْ قبلَنا- شَرعٌ لنا ما لَم يأتِ دَليلٌ يَرُدُّه مِنْ شَرعِنا ويَنسخُه، كما هو مُقرَّرٌ في عِلمِ أُصولِ الفِقهِ، ومع هذا جاءَ في شَرعِنا ما يَدلُّ عليه، وهو قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «العاريَّةُ مُؤدَّاةٌ، والمِنحةُ مَردودةٌ، والدَّينُ مَقضيٌّ، والزَّعيمُ غارِمٌ» (٣)، والشاهِدُ هو: قَولُه ﷺ : «والزَّعيمُ غارِمٌ»، ووَجهُ الدِّلالةِ منه أنَّه عامٌّ يَشملُ كلَّ ضامِنٍ، سَواءٌ ضمِن ما وجَب أو ما لَم يَجِبْ. قال ابنُ القيِّم ﵀: ويَصحُّ ضَمانُ ما لَم يَجِبْ، كما دلَّ عليه القُرآنُ … ، والمَصلَحةُ تَقتَضي ذلك، بل قد تدعو إليه الحاجةُ أو الضَّرورةُ (٤).

стр. 4750

ولِهذا قال الحَنابِلةُ في تَعريفِ الضَّمانِ: هو التِزامُ ما وجَب أو يجِب على غَيرِه مع بَقائِه عليه، أو هو ضَمُّ الإنسانِ ذِمَّتَه إلى ذِمَّةِ غَيرِه فيما يَلزمُه حالًا ومآلًا (١). وضَمانُ ما لَم يَجِبْ يُسمَّى أيضًا ضَمانَ السُّوقِ، وهو: أنْ يَضمنَ ما يَلزمُ التاجِرَ، أو ما يَبقى عليه لِلتُّجارِ، أو ما يُقبَضُ مِنَ الأعيانِ المَضمونةِ. وقد سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ عمَّن يَكتُبُ ضَمانَ الأسواقِ وغَيرَها مِنَ الكِتابةِ التي لا تَجوزُ في الشَّرعِ، هل على الكاتِبِ إثْمٌ؟ فإنَّه يَكتُبُ ويَشهدُ على مَنْ حضَر بما يَرضى؛ فإنْ كان لا يَجوزُ؛ فإنَّ الكُتَّابَ لا يَخلون مِنْ ذلك، فهل يأثَمونَ بذلك أو لا؟ فأجابَ ﵀: ضَمانُ السُّوقِ -وهو أنْ يَضمنَ الضامِنُ ما يَجِبُ على التاجِرِ مِنَ الدُّيونِ وما يَقبِضُه مِنَ الأعيانِ المَضمونةِ- ضَمانٌ صَحيحٌ، وهو ضَمانُ ما لَم يَجِبْ، وضَمانُ المَجهولِ، وذلك جائِزٌ عندَ جُمهورِ العُلماءِ، كمالِكٍ، وأبي حَنيفةَ، وأحمدَ بنِ حَنبلٍ. وقد دلَّ عليه الكِتابُ، كقَولِ اللهِ : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، والشافِعيُّ يُبطِلُه، فيَجوزُ لِلكاتِبِ والشاهِدِ أنْ يَكتُبَه ويَشهدَ عليه، ولو لَم يَرَ جَوازَه؛ لأنَّه مِنْ مَسائِلِ الاجتِهادِ، وَوَليُّ الأمْرِ يَحكمُ بما يَراه مِنَ القولَيْن (٢).

стр. 4751

المَسألةُ الثانيةُ: ضَمانُ الدَّرَكِ ويُقالُ له أيضًا ضَمانُ العُهدةِ أو الثَّمنِ وضَمانُ الدَّرَكِ: هو أنْ يَقولَ لِلمُشتَري: «أنا ضامِنٌ لِلثَّمنِ إنِ استَحقَّ المَبيعَ أَحَدٌ» (١). وقد اختَلفَ مُرادُ العُلماءِ في ضَمانِ الدَّرَكِ: فقال الحَنفيَّةُ (٢) والمالِكيَّةُ (٣): هو ضَمانُ الثَّمنِ عندَ استِحقاقِ المَبيعِ. وقال الشافِعيَّةُ: هو ضَمانُ الثَّمنِ لِلمُشتَري إنْ خرَج المَبيعُ مُستحَقًّا،

стр. 4752

أو مَعيبًا أو ناقِصًا، وضَمانُ المَبيعِ لِلبائعِ إنْ خرَج الثَّمنُ مُستحَقًّا أو مَعيبًا أو ناقِصًا (١). وعندَ الحَنابِلةِ: هو ضَمانُ الثَّمنِ، أو جُزءٌ منه عن المُشتَري لِلبائِعِ أو العَكسُ (٢). وقد اختَلفَ العُلماءُ في ضَمانِ الدَّرَكِ على قولَيْن: القَولُ الأولُ: يَصحُّ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ (٣) والمالِكيَّةِ (٤) والشافِعيَّةِ في المَذهبِ (٥) والحَنابِلةِ في المَذهبِ (٦). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ ضَمانُ عُهدةِ المَبيعِ عن البائعِ لِلمُشتَري، وعن المُشتَري لِلبائعِ، فضَمانُه على المُشتَري هو أنْ يَضمنَ الثَّمنَ الواجِبَ بالبَيعِ قبلَ تَسليمِه، وإنْ ظهَر فيه عَيبٌ أو استُحقَّ رجَع بذلك على الضامِنِ، وضَمانُه عن البائعِ لِلمُشتَري هو أنْ يَضمنَ عن البائعِ الثَّمنَ متى خرَج المَبيعُ مُستحَقًّا، أو رُدَّ بعَيبٍ أو أرْشِ العَيبِ؛ فضَمانُ العُهدةِ في المَوضعَيْن هو ضَمانُ

стр. 4753

الثَّمنِ أو جُزءٍ منه عن أحَدِهما لِلآخَرِ، وحَقيقةُ العُهدةِ الكِتابُ الذي يُكتَبُ فيه وَثيقةُ البَيعِ، ويُذكَرُ فيه الثَّمنُ، فعبَّر به عن الثَّمنِ الذي يَضمنُه، وممَّن أجازَ ضَمانَ العُهدةِ في الجُملةِ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُ، ومنَع منه بَعضُ الشافِعيَّةِ؛ لِكونِه ضَمانَ ما لَم يَجِبْ ضَمانُه، وضَمانَ مَجهولٍ، وضَمانَ عَينٍ. وقد بَيَّنَّا جَوازَ الضَّمانِ في ذلك كلِّه، ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى الوَثيقةِ على البائعِ. والوَثائقُ ثَلاثةٌ: الشَّهادةُ والرَّهنُ والضَّمانُ. فأمَّا الشَّهادةُ فلا يُستوفَى منها الحَقُّ، وأمَّا الرَّهنُ فلا يَجوزُ في ذلك بالإجماعِ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أنْ يَبقى أبدًا مَرهونًا، فلَم يَبقَ إلا الضَّمانُ. ولأنَّه لا يَضمنُ إلا ما كان واجِبًا حالَ العَقدِ؛ لأنَّه إنَّما يَتعلَّقُ بالضَّمانِ حُكمٌ: إذا خرَج مُستحَقًّا أو مَعيبًا حالًّا العَقدُ، ومَتى كان كذلك ضمِن ما وجَب حين العَقدِ، والجَهالةُ مُنتَفيةٌ؛ لأنَّه ضمِن الجُملةَ؛ فإذا خرَج بَعضُه مُستحَقًّا لَزِمه بَعضُ ما ضمِنه (١). القَولُ الثاني: لا يَصحُّ، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٢) ولِلحنابِلةِ (٣)؛ لأنَّه ضَمانُ ما لَم يَجِبْ، ولأنَّه ضَمانُ ما يُستحَقُّ مِنَ البِيعِ، وهو مَجهولٌ، وضَمانُ المَجهولِ لا يَصحُّ (٤).

стр. 4754

قال السِّيوطيُّ ﵀: ضَمانُ الدَّرَكِ جُوِّزَ على خِلافِ القياسِ، إذِ البائعُ إذا باع مِلكَ نَفْسِه، ليس ما أخَذه مِنَ الثَّمنِ دَينًا عليه حتى يَضمنَ، لكنْ لِاحتياجِ الناسِ إلى مُعاملةِ مَنْ لا يَعرِفونه، ولا يُؤمَنُ خُروجُ المَبيعِ مُستحَقًّا (١). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا ثبَت هذا فإنَّه يَصحُّ ضَمانُ العُهدةِ عن البائعِ لِلمُشتَري قبلَ قَبضِ الثَّمنِ وبعدَه. وقال الشافِعيُّ ﵀: إنَّما يَصحُّ بعدَ القَبضِ؛ لأنَّه قبلَ القَبضِ لو خرَج مُستحَقًّا لَم يَجِبْ على البائِعِ شَيءٌ، وهذا يَنبَني على ضَمانِ ما لَم يَجِبْ إذا كان مُفضيًا إلى الوُجوبِ، كالجَعالةِ. وألفاظُ ضَمانِ العُهدةِ أنْ يَقولَ: «ضمِنتُ عُهدتَه أو ثَمنَه أو دَرَكَه». أو أنْ يَقولَ لِلمُشتَري: «ضمِنتُ خَلاصَك منه»، أو يَقولَ: «مَتى خرَج المَبيعُ مُستحَقًّا فقد ضمِنتُ لكَ الثَّمنَ»، وحُكي عن أبي يُوسُفَ أنَّه قال: «ضمِنتُ لكَ العُهدةَ». والعُهدةُ في الحَقيقةِ هي الصَّكُّ المَكتوبُ فيه الابتياعُ، هكذا فسَّره أهلُ اللُّغةِ، فلا يَصحُّ ضَمانُه لِلمُشتَري؛ لأنَّه مِلكُه، وليس بصَحيحٍ؛ لأنَّ العُهدةَ صارَتْ في العُرفِ عِبارةً عن الدَّرَكِ وضَمانِ الثَّمنِ، والكَلامُ المُطلَقُ يُحملُ على الأسماءِ العُرفيةِ دونَ اللُّغويةِ، كالرِّوايةِ تُحمَلُ عندَ إطلاقِها على المَزادةِ، لا على الجُمَلِ، وإنْ كان هو المَوضوعَ (٢).

стр. 4755

المَسألةُ الثالِثةُ: ضَمانُ الأعيانِ المَضمونةِ الأعيانُ المَضمونةُ تَكونُ مِثلَ المَغصوبِ والمَبيعِ بَيعًا فاسِدًا، والمَقبوضِ على سَومِ الشِّراءِ، والعاريَّةِ (١)، أي أنَّ هذه الأعيانَ مَضمونةٌ على أصحابِها، فهل يَصحُّ أنْ يَضمنَها ضامِنٌ أو لا؟ اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ ضَمانِ ذلك على أربَعةِ أقوالٍ: القَولُ الأولُ: أنَّه يَصحُّ ضَمانُ الأعيانِ المَضمونةِ إنْ وُجِدت، وضَمانُ بَدَلِها وقيمَتِها إنْ تَلِفت، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ (٢)، قياسًا على الحُقوقِ الثابِتةِ في الذِّمَّةِ بجامِعِ أنَّها مَضمونةٌ على مَنْ هي في يَدِه.

стр. 4756

قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولنا أنَّها مَضمونةٌ -يَعني الأعيانَ- على مَنْ هي في يَدِه، فصحَّ ضَمانُها كالحُقوقِ الثابِتةِ في الذِّمَّةِ (١). القَولُ الثاني: لا يَصحُّ مُطلَقًا، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٢)؛ لأنَّ الأعيانَ غَيرُ ثابِتةٍ في الذِّمَّةِ، وإنَّما يُضمنُ ما ثبَت في الذِّمَّةِ، ووَصفُنا لها بالضَّمانِ إنَّما مَعناه أنَّه يَلزمُه قيمَتُها عندَ التَّلفِ، والقيمةُ مَجهولةٌ (٣). وناقشَ هذا القَولَ ابنُ قُدامةَ ﵀، حيث قال: وقَولُهم: إنَّ الأعيانَ لا تَثبُتُ في الذِّمَّةِ، قُلنا: الضَّمانُ في الحَقيقةِ إنَّما هو ضَمانُ استِنقاذِها ورَدِّها، وهو التِزامُ تَحصيلِها أو قيمَتِها عندَ تَلفِها، وهذا ممَّا يَصحُّ ضَمانُه كعُهدةِ المَبيعِ؛ فإنَّ ضَمانَها يَصحُّ، وهو في الحَقيقةِ التِزامُ رَدِّ الثَّمنِ أو عِوَضِه إنْ ظهَر بالمَبيعِ عَيبٌ أو خرَج مُستحَقًّا (٤). القَولُ الثالِثُ: يَصحُّ ضَمانُ رَدِّها فَقَطْ إلى مالِكِها إنْ كانت قائِمةً دونَ ضَمانِ قيمَتِها إنْ تَلِفت، وهذا مَذهبُ الشافِعيَّةِ (٥). أمَّا صِحةُ ضَمانِ رَدِّها فَقَطْ فبالقياسِ على صِحةِ ضَمانِ البَدنِ، بل هنا أوْلَى؛ لأنَّ المَقصودَ هنا هو المالُ.

стр. 4757

وأمَّا عَدمُ صِحةِ ضَمانِ قيمَتِها إنْ تَلِفت فلِعدمِ ثُبوتِ القيمةِ. قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: يَصحُّ ضَمانُ رَدِّ كُلِّ عَينٍ ممَّن هي في يَدِه، مَضمونةً عليه، كمَغصوبةٍ ومُستعارةٍ ومُستَامةٍ ومَبيعٍ لَم يُقبضْ، كما يَصحُّ بالبَدنِ، بل أوْلَى؛ لأنَّ المَقصودَ هنا المالُ، ويُبرأُ الضامِنُ برَدِّها لِلمَضمونِ له، ويُبرأُ أيضًا بتَلفِها، فلا يَلزمُه قيمَتُها، كما لو ماتَ المَكفولُ ببَدَنِه لا يَلزمُ الكَفيلَ الدَّينُ، ولو ضمِن قيمةَ العَينِ إنْ تَلِفت لَم يَصحَّ؛ لِعَدمِ ثُبوتِ القيمةِ (١). القَولُ الرابعُ: التَّفصيلُ: فإنْ كان مَضمونًا بنَفْسِه (٢)، كالمَبيعِ بَيعًا فاسِدًا، والمَقبوضِ على سَومِ الشِّراءِ، صحَّ ضَمانُه مُطلَقًا. وإنْ كان مَضمونًا بغَيرِه (٣) صحَّ ضَمانُ تَسليمِه فَقطْ، إنْ وُجِدَ، ولَم

стр. 4758

يَصحَّ ضَمانُ بَدلِه إنْ تَلِف، وهذا قَولُ الحَنفيَّةِ. والدَّليلُ على صِحةِ ضَمانِ المَضمونِ بنَفْسِه مُطلَقًا أنَّه يَجِبُ على الأصيلِ رَدُّ العَينِ حالَ قيامِها، ورَدُّ مِثلِها أو قِيمَتِها حالَ هَلاكِها، فكذلك يَكونُ حُكمُ الضامِنِ؛ لأنَّه لا يَضمنُ إلا ما كان مَضمونًا على الأصيلِ. والدَّليلُ على عَدمِ صِحةِ ضَمانِ المَضمونِ بغَيرِه إنْ تَلِف أنَّ هذه العَينَ ليستْ مَضمونةً بنَفْسِها، بل بغَيرِها، كالمَبيعِ قبلَ القَبضِ، فهو مَقبوضٌ بالثَّمنِ، وكذلك الرَّهنُ غَيرُ مَضمونٍ بنَفْسِه، بل بالدَّينِ (١)، فإذا كانت في أصلِها غَيرَ مَضمونةٍ، ففي الضَّمانِ مِنْ بابِ أَوْلى (٢).

стр. 4759

المَسألةُ الرابِعةُ: ضَمانُ الأماناتِ الأماناتُ هي الأعيانُ غَيرُ المَضمونةِ على مَنْ هي في يَدِه، إلا إذا تَعدَّى أو فَرَّط، مِثلَ الوَديعةِ والعَينِ المُستأجرةِ ومالِ الشَّرِكاتِ ومالِ المُضاربةِ. يَعني: هل تُضمَنُ هذه الأشياءُ على مَنْ هي في يَدِه أو لا؟ وقد اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ ضَمانِ الأماناتِ على ثلاثةِ أقوالٍ: القَولُ الأولُ: إنْ ضمِنها مِنْ غَيرِ تعَدٍّ فيها لَم يَصحَّ ضَمانُها، وإنْ ضمِنها مع تعَدٍّ فيها صحَّ ضَمانُها، وهو قَولُ المالِكيَّةِ (١) والشافِعيَّةِ (٢)، والمَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ (٣) وقوَلٌ لِلحَنفيَّةِ (٤). واستَدلُّوا على ذلك بأنَّه إنْ ضمِنها مِنْ غَيرِ تعَدٍّ فيها لَم يَصحَّ ضَمانُها؛ لِأنَّها غَيرُ مَضمونةٍ على مَنْ هي في يَدِه، فكذلك على ضامِنِه، والدَّليلُ على أنَّه إنْ ضمِنها مع تعدٍّ فيها صحَّ ضَمانُها،

стр. 4760

لأنَّ العَينَ في هذه الحالةِ تَكونُ مَضمونةً على مَنْ هي في يَدِه، فلزِم ضَمانُه، كالمَغصوبِ والعَواري (١). فكلُّ ما لا يُضمَنُ إلا بتعَدٍّ أو تَفريطٍ لا يَصحُّ ضَمانُه؛ لأنَّ الأصلَ غَيرُ ضامِنٍ؛ فإنْ كان الأصلُ غَيرَ ضامِنٍ لا يَصحُّ أنْ يُبنى على شَيءٍ لَم يَثبُتْ، لكنَّ التَّعديَ فيها يَصحُّ؛ لأنَّه إذا تعدَّى الأمينُ انتَفَتْ عنه الأمانةُ، وصارَ ضامِنًا بكلِّ حالٍ، فيَصحُّ أنْ يَضمنَ التَّعديَ فيه. مِثالُ ذلك: رَجلٌ أودَعَ عندَ آخرَ وَديعةً -ولتَكُنْ ألْفَ ريالٍ-، ثم بعدَ أنْ أودَعَه، صارَ عندَه شَكٌّ في أمانتِه، فتَقدَّم رَجلٌ آخَرُ وقال: «أنا أضمَنُ الوَديعةَ». فالضَّمانُ هنا لا يَصحُّ؛ لأنَّ الأصلَ غيرُ ضامِنٍ، لكنْ لو قال: أنا أضمَنُ لك إنْ تعَدَّى أو فرَّطَ فهذا صَحيحٌ؛ لأنَّه في حالِ التَّعدِّي أو التَّفريطِ يَكونُ ضامِنًا، وحينَئذٍ يَصحُّ الضَّمانُ. ومِنَ المَعلومِ أنَّ التِزامَ الكَفيلِ تابِعٌ إلى التِزامِ الأصيلِ؛ فإنْ كان المُودَعُ لَدَيْه غَيرَ ضامِنٍ لِلوَديعةِ، لا تَصحُّ الكَفالةُ في هذه الحالةِ؛ لأنَّ الكَفيلَ لا يُلزمُ إلا بما يُلزمُ به الأصيلُ. والفَرقُ بينَ التَّعدي والتَّفريطِ أنَّ التَّعديَ: فِعلُ ما لا يَجوزُ، والتَّفريطَ: تَركُ ما يَجِبُ (٢).

стр. 4761

القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ الأماناتِ مُطلَقًا، يَعني ضَمانَ تَسليمِها وضَمانَ بَدلِها إنْ تَلِفت، وهو قَولٌ لِلحَنابِلةِ (١). لِعُمومِ قَولِه ﷺ : «الزَّعيمُ غارِمٌ» (٢)، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الحَديثِ أنَّ الحَديثَ عامٌّ، فيَشمَلُ بذلك ضَمانَ الأماناتِ. القَولُ الثالِثُ: إنْ كانتِ العَينُ أمانةً غَيرَ واجِبةِ التَّسليمِ، كالوَدائعِ ومالِ الشَّرِكاتِ والمُضارَباتِ، لَم يَصحَّ ضَمانُها مُطلَقًا، لا ضَمانُ تَسليمِها، ولا ضَمانُ بَدلِها إنْ تَلِفتْ (٣). وإنْ كانت أمانةً واجِبةَ التَّسليمِ (٤)، كالعاريَّةِ (٥) والمُستأجَرِ في يَدِ الأجيرِ، صَحَّ ضَمانُ تَسليمِها فَقطْ إنْ كانت قائِمةً، وإنْ هلَكتْ لَم يَجِبْ على الكَفيلِ شَيءٌ، وهذا قَولُ الحَنفيَّةِ (٦).

стр. 4762

والدَّليلُ على عَدمِ صِحةِ ضَمانِ العَينِ مُطلَقًا إنْ كانت غَيرَ واجِبةِ التَّسليمِ أنَّ عَينَها غَيرُ مَضمونةٍ أصلًا على الأصيلِ، فلا يَصحُّ ضَمانُ عَينِها؛ لأنَّه لا ضَمانَ إلا بما هو واجِبٌ. والدَّليلُ على صِحةِ ضَمانِ تَسليمِها فَقطْ إنْ كانت قائِمةً، وكانتْ أمانةً واجبةَ التَّسليمِ أنَّ تَسليمَها واجِبٌ على الأصيلِ، فصحَّت الكَفالةُ بتَسليمِها (١).

стр. 4763

الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ المَضمونُ دَينًا لازِمًا أو آيِلاً إلى اللُّزومِ .. !! والمُرادُ بالدَّينِ اللازمِ: الثابِتُ الذي أُمِن سُقوطُه بالفَسخِ أو الانفِساخِ (١). ومِثالُه: ثَمنُ المَبيعِ قبلَ قَبضِه، وكالمَهرِ قبلَ الدُّخولِ (٢). والدَّينُ الآيلُ إلى اللُّزومِ مِثلَ: ثَمنِ المَبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ (٣). وقد صَرَّحَ أصحابُ المَذاهبِ الأربعةِ باشتِراطِ أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازمًا لِصِحةِ الضَّمانِ، وصَحَّحوا أيضًا ضَمانَ ما مآلِه إلى اللُّزومِ (٤). ويَندرجُ تحتَ هذا الشَّرطِ مَسألتانِ: المَسألةُ الأُولى: ضَمانُ الجُعلِ. المَسألةُ الثانيةُ: ضَمانُ مالِ السَّلَمِ.

стр. 4764

المَسألةُ الأُولى: ضَمانُ الجُعلِ الجُعلُ: هو الإجارةُ على مَنفعةٍ مَظنونٍ حُصولُها، مِثلَ: مُشارَطةِ الطَّبيبِ على الإبراءِ، والناشِدِ على وُجودِ العَبدِ الآبِقِ، كأنْ يَقولَ: «مَنْ رَدَّ ضالَّتي فلَه دينارٌ» (١). وابتِداءً نَقولُ: إنَّ ضَمانَ الجُعلِ في الجَعالةِ بعدَ الانتِهاءِ مِنَ العَملِ يَصحُّ بلا خِلافٍ؛ لِلزُومِه، وإنَّما الخِلافُ في ضَمانِ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ أو في أثناءِ العَملِ قبلَ تَمامِه. وقد اختَلفَ العُلماءُ في ذلك على قولَيْن: القَولُ الأولُ: يَصحُّ ضَمانُ مالِ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، وهو قَولُ المالِكيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣) وقَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٤). واستدلُّوا بصِحةِ ضَمانِ الجُعلِ

стр. 4765

قبلَ الشُّروعِ في العَملِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الآيةِ أنَّ المُناديَ ضمِن حِملَ البَعيرِ للذي يأتي بالصُّواعِ، وهو لَم يأتِ به بَعدُ، ولَم يَكُنْ عَمِل العَملَ، ولأنَّ الحِكمةَ تَقتَضي ذلك، والحاجةُ داعيةٌ إليه، فإنَّه قد لا يُوجدُ مَنْ يَتبرَّعُ بالعَملِ، فكانتِ الحاجةُ داعيةً إليه. وقال الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وقال بَعضُ العُلماءِ: في هذه الآيةِ دَليلٌ على جَوازِ الجُعلِ، وقد أُجيزَ لِلضَّرورةِ، فإنَّه يَجوزُ فيه مِنَ الجَهالةِ ما لا يَجوزُ في غَيرِه، فإذا قال الرَّجلُ: مَنْ فعَل كذا فله كذا، صحَّ (١). وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: بعدَما ساقَ الآيةَ قال: ولأنَّ الجُعلَ يَؤولُ إلى اللُّزومِ إذا عَمِل العَملَ … ، ولأنَّ الضَّمانَ لِلمالِ دونَ العَملِ (٢). القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٣). قال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀ في «المُهذَّبِ»: ولا يَصحُّ ضَمانُ الجُعلِ في الجَعالةِ؛ لأنَّه دَينٌ غَيرُ لَازمٍ، فلَم يَصحَّ ضَمانُه كدَينِ الكِتابةِ (٤).
следующие страницы →